السمات العامة للمجتمع القبلي التقليدي العربي

نبي على صالح

 

تحتاج بنية مجتمعاتنا العربية إلى كثير من أعمال الحفر الفكري واتباع مختلف مناهج وأدوات النقد المعرفي الحديث لتفكيك منظومة الفكر العربي والإسلامي الجامدة والمتخشبة المسيطرة عليه، والتي لا تزال واقفة زمنياً وعقلياً عند حدود وعتبات القرون القديمة، فيما يعرف بتراث أهل السلف، وفتاوى ابن تيمية، وعقائد الغزالي وغيره، ومختلف أنواع الجداليات القيمة لأهل الكلام والوعظ المسجدي العتيق..

وهذه الحاجة الماسة لمزيد من النقد الفكري تنبع من الأهمية القصوى لضرورة انخراط تلك المجتمعات المهجوسة والمسكون بقيم وأفكار الماضي التليد، في قيم العصر ومناخات الحداثة الفكرية والعلمية والسياسية وغيرها.. والتي تقوم على العقلانية والحرية والفردية وحق الناس في تحديد مصائرها ومستقبلياتها..

من هنا نحن ننطلق لتحديد أهم تلك الأمراض والبنى الفكرية المستعصية التي لا تزال تفعل فعلها وتستحكم بوجودها على مجتمعاتنا العربية، وتمنعها من الانفلات من عقال التخلف والانقسام.

وهذه السمات والطبائع العامة للمجتمع القبلي العربي، هي:

أولاً- الجمود وعدم القدرة على مواكبة الحياة والعصر والتطورات الزمانية والمكانية.. أي أنها لا تؤمن بسنن التطور ونواميس التغيير الكوني، بل تعتقد بمجموعة من المسلمات الفكرية والاجتماعية العامة(*) (يقينيات بديهية) تعتبرها الميزان والقانون الناظم للفكر والعمل بحيث يحكم –على ضوء (ومن خلال) ذلك القانون اليقيني- بصحة أو بطلان المعارف والمبادئ كلها. وعندما تنطلق الأحداث والمتغيرات الخطيرة في واقع الأمة تكون استجابتها –على هذه الأوضاع القلقة – سلبية منفعلة غير فاعلة، حيث يتفرج أبناؤها- الذين انساقوا وراء مشاعرهم القبلية (وإن ارتدوا رداء الحضارة والمدنية)– على الأحداث الجسام، ولا يجتهدون للتأثير على مسارها أو محاولة تغيير أو حرف بعض توجهاتها في هذا الموقع أو ذاك.. ويلاحظ هنا – كنتيجة للإيمان المسبق بجملة قواعد ونظم فكرية ثابتة لا تتغير(1)- سيطرة النمط التفكيري السكوني –إذا صح التعبير – على أي تحرك أو انطلاقة فكرية، أو اجتماعية يدخل فيها عناصر المجتمع القبلي، باعتبار أن مجموعة المفاهيم الغالبة والسائدة فيما بينهم – والتي يحرص الجميع على ديمومتها واستمراريتها في الأخلاف فيما بعد – تمثل لديهم وعياً كونياً شاملاً ومستوعباً لكل تفاصيل ودقائق حركة الوجود والحياة، يشعرهم فطرياً بأن حياتهم الحالية (التي يرتبط بها وجودهم ووعيهم للوقائع الداخلية والخارجية) هي الأفضل، والأحسن، والأكثر قدرة على إشعارهم بحريتهم وانطلاقتهم وانفلاتهم من قيود الزمان والمكان. لذلك نرى أن لدى البدوي –في مقابل السنن والمتغيرات – تصوره الخاص المختلف للأبعاد (الماضي، تقاليد الأجداد). ومن هنا جاء تمسكه بالعادات والتقاليد والأنساب (التي هي ديمومة زمانية)(2).

طبعاً نلاحظ هنا -كنتيجة لوجود ثوابت معينة في واقع مجتمع القبيلة – أن التوازنات بين الأطراف كانت تتطلب دائماً تحقيق التوافق بالإجماع الكامل بين كل عصائبها نظراً لغياب السلطة المركزية القوية، فإن افتقد هذا التوافق ولم يتأمن الإجماع الكامل، ضاق مجال الحوار والحلول الوسط، واتسعت دائرة التنابذ والافتراق، وبدأ تشرذم القبيلة إلى عشائر متناحرة ومتفرقة.. وهذا ما نجده سائداً وراسخاً، للأسف، في واقعنا العربي السياسي (القبلي) الحالي، حيث يلاحظ أن المنظمات الرسمية، والأحزاب السياسية العربية المعاصرة ما زالت تسير أو تسير –كما نتابعها في أدبياتها السياسية – بالإجماع.. والأمر نفسه ينطبق ،تماماً، على المجالس والمنظمات والهيئات العربية الأخرى كالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي..الخ.

ثانياً – يواجه المجتمع القبلي الرافض لسنة التغيير أفكار ورموز ودعاة هذا التغيير بكل قواه وعصائبه. لأن التغيير والتطور يمس أصل وجوده وتكوينه التقليدي المحافظ المتوارث عن الآباء والذي ارتضته القبيلة ديناً لها في حجم الحياة كلها. ولذلك يكتفي أبناء هذا المجتمع بالفكر الذي ينقل إليهم من الأجداد الأولين.. وبالتالي فهو الأصل وما عداه من فكر جديد فهو موضع مواجهة ورفض..لأن المجتمع القبلي العربي – وبحكم الألفة والعادة والفراغ والسكون – وجد أفراده سنةً وناموساً قائماً ركنوا إليها، واعتادواها.. فلم يسمحوا لأنفسهم بتجاوزها أو مجرد التفكير بتغييرها. ولهذا رأينا كيف كانت كل الدعوات والأفكار التجديدية – على مر التاريخ- تواجه وتعارض بحدة وقساوة من قبل المجتمعات القبلية ذات الفكر المتخشب.

ثالثاً- من سمات المجتمع القبلي المغلق أيضاً، عمله الدائم على تهميش الفئات المثقفة، والعالمة. وتطفيش الخبرات والكوادر النوعية، واستبعادها من ساحة التأثير والإبداع الثقافي والعلمي بالرغم من كونها هي الوحيدة المؤهلة والقادرة على الارتقاء بواقع المجتمع، والسير به نحو مواقع أكثر تطوراً وازدهاراً في التفكير والعمل على المستوى الحضاري والعلمي، والتصدي الدائم المخلص لتحقيق المشروع الحضاري والثقافي للأمة.

وبالمقابل يعمد -دعاة ورموز العصبية القبلية المتحكمين بمفاصل القرار الأعلى- إلى ترفيع أبناء الأسر المالكة والحاكمة (ومن نفس العشيرة) إلى المناصب القيادية في “الدولة-القبيلة”، بالنظر إلى تكاثرهم وحدة صراعهم وتنافسهم، أو بالأحرى تكالبهم المستميت على احتلال المناصب العليا والوظائف الكبرى، وتوزيع المكاسب والمغانم فيها. ويتم ذلك ،طبعاً، على حساب تراجع وانحسار الأسماء الكبيرة من المفكرين والمثقفين وأصحاب الكفاءات والقدرات الحقيقية المختصين في مجالات العمل المختلفة. ويشكل هذا النوع من القسر والظلم الاجتماعي والعلمي –إذا صح التعبير- الذي يفضي إلى إحداث اختلال بالغ في موازين المسؤوليات، وتوزيع الأدوار والمهام اللازمة للنهوض بالمجتمع، يشكل عامل يأس وإحباط ونفور لدى النخب المفكرة والمتعلمة، والطبقات الشعبية الوسطى في البلاد.. إذ يولد لديها ردود أفعال سلبية إزاء المنحى الانحداري الخطير الذي بدأت تسير عليه البلاد في كل قطاعاتها ومؤسساتها، قد تنحو –هذه الردود- منحى الاستنكاف عن المشاركة الفعالة في تطوير الواقع، وبناء المجتمع ونهوض الدولة، وتحقيق استقلالها، وإنجاز مشاريعها.. باعتبار أنه لم يتم تقدير وعي وفكر وإبداع تلك النخب العلمية، وفتح المجال أمامها لتعبر عن ذاتها العلمية الكفوءة. لذلك تجد أن أفضل طريق وأقصر سبيل لاستمرار إبداعها والتعبير عن تفوقها العلمي يكون في مغادرة البلد، والانخراط في العمل لدى البلدان الأخرى التي تحترم العلم والعلماء، وتبارك إنجازات المفكرين، وتفسح لهم كل المجالات للعمل العلمي المنتج والفاعل. وهذه الظاهرة في الواقع تتزامن مع تراجع كبير في الحريات العامة في مجتمعاتنا، وضعف حقوق الإنسان فيها في عصر العولمة والديمقراطية والحرية والإعلام الفضائي السريع.

رابعاً- الإيمان بالجبرية التاريخية، وأن حركة التاريخ البشري قد توقفت وانتهت عند هذا النوع من المعرفة أو الفكر السائد لدى المجتمع القبلي.. يندرج هذا الأمر طبعاً في إطار سعي قيادات هذا المجتمع إلى فرض أيديولوجية “خلافة الله”، وتشجيع مبدأ “الجبرية” الذي يعتبر أن ما يحدث هو أمر مفروض ومقرر مسبقاً من الله تعالى خيراً أم شراً.. حقاً كان أم باطلاً، خيراً كان أم شراً.

    وقد وجدنا في تاريخنا العربي الكثير من النماذج الدالة على ذلك.. حتى باتت الجبرية مذهباً كلامياً واسع الانتشار في أوساط كثيرة من عالمنا الإسلامي حتى الآن.

وكان زياد بن أبي سفيان أول من شجع هذا النهج المخالف لسنة التطور (قبل أن يكون مخالفاً ومتناقضاً مع مفردات ومعاني وتعابير القرآن) حيث سعى إلى تكريس سياسة “ظل الله في الأرض” و”خلافة الله”..الخ، ليوهم الناس بأنه يحكم بإرادة الله، ويتصرف بمشيئته.. فأحاط خلافته (هو وخلفاؤه اللاحقون) بهالة من القداسة، وأسبغوا على أنفسهم ألقاب دينية فضفاضة تعبر بشكل سافر عن عقلية الجبر التاريخي. لقد كان معاوية – في نظر أصحابه ومريديه – “خليفة الله في الأرض” و”الصادق” و “الأمين” و”المأمون”. وكان ابنه (يزيد) “إمام المسلمين!” وكان عبد الله بن مروان “أمين الله” و”إمام الإسلام”.

يقول زياد هذا في خطبته المسماة “بالبتراء؟!” –التي صرح فيها أن الله اختارهم (أي الأمويون) للخلافة، وأنهم يحكمون بقضائه، ويعملون بإذنه: “يا أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة. نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خول لنا. فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا”(3)..

أما معاوية فله باع طويل في توطيد وترسيخ الحكم الوراثي (الإلهي).. حيث يقول: “نحن خلفاء بقضاء الله وقدره”(4). “الأرض لله وأنا خليفة الله، فما أخذت لي، وما تركته للناس فبالفضل مني”(5)..

وفي مجال زمني آخر (عصر العباسيين) وقف المنصور (أحد أمراء المؤمنين العباسيين؟!) يوم عرفة خطيباً يحدد برنامجه السياسي   (الذي يبدو من خلاله، وكأنه لا يخاطب بشراً من روح وأحاسيس ومشاعر ومسؤولية وخيارات…إلخ بل يخاطب قطيعاً من الماشية).. قال: “أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله. أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه

 

خامساً- لا يؤمن المجتمع القبلي بالمحاسبة أو المساءلة أو النقد كمعيار للتطور والبناء والبقاء النوعي. ولا يخضع ساسته وقادته ورموزه للرقابة أو النقد أو المسائلة الشعبية أمام برلمانات منتخبة طوعاً وديمقراطياً. لأن هؤلاء (الساسة والقادة!) عندما يقتربون إلى درجة تأليه أنفسهم، فإن ذلك يعبر عن (عصمتهم؟!) تجاه الآخرين. لذلك تراهم يرهبون الناس عبر الضغط عليهم بذهنية الجبرية، بالتعالي والتعاظم والتكبر. ويذلونهم بالقهر والتسلط والقوة وسلب المال حتى لا يجد (الناس) مفراً للتملق والتزلف لهم(7)..

ولعلنا لا نستغرب كثيراً قول أحد خلفاء الأمويين ” الوليد بن عبد الملك”، لدى استفساره ،باستفهام استنكاري، عن إمكانية حساب الخليفة وتوجيه اللوم له: ” أيمكن للخليفة أن يحاسب؟!”.. وكأن الخليفة مخلوق من طينة “معصومة” غير بشرية.

ويبدو أن الوليد قد ورث هذا الطبع عن أبيه (عبد الملك بن مروان) الذي كان يدير (ويمارس) دفة  الحكم السياسي والاجتماعي بمزاجية نفسية معقدة، ويرفض بالمطلق الكلمة الناقدة أو الموقف الناقد.. جاء في كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص: 223): “عندما تولى عبد الملك بن مروان الخلافة صعد المنبر ليلقي الخطبة الدستورية التي توضح سياسته القادمة، جاء فيها: “والله لايأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقة، ثم نزل..؟!”..

لاحظ كيف يتحكم صاحب ذهنية “الجبر التاريخي” في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه ومزاجه لا بشريعتهم، ويتوعد بقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، بكل برودة أعصابه، فقط لأن صاحبها قد يفكر في نقد “الحاكم بأمر الله!؟” ومحاسبته.. فليس للناس بحسب ذلك أي رأي أو مشورة. والسلطة يتم رسمها وتحديدها فقط من الخليفة (ظل الله) وعلى الناس أن تستسلم له ولإخوانه (أمراء المؤمنين!)، وتطيعهم بدون وعي أو إرادة، أو حتى مجرد التفكير بمحاسبتهم، وفرض رقابة على تصرفاتهم. لأنهم –وكما يزعمون- يحكمون باسم الله من خلال السلطة الدينية، أو غيرها من السلطات الوضعية الأخرى (ولا فرق في ذلك). فالخليفة ” القائم بالأمر” هو مصدر كل قوة، ومنبع كل طاقة متفجرة في الحركة الاجتماعية العامة، ومرجع لكل الأوامر والسلطات المتعلقة بأحوال العباد وأمور البلاد، لا يجوز لومه أو مساءلته. لأنه – كما ذكرنا – المصداق الخارجي لسلطة الله في الأرض. ولهذا اعتقد الناس في العصر العباسي – وربما لا يزال هذا الاعتقاد سائداً في كثير من البلدان (نظراً للضغط النفسي والسياسي والإعلامي والأمني الكبير الذي مارسه ولا يزال يمارسه الوزير والسياف بين مستويي القداسة والرهبة) – أقول: لهذا اعتقد الناس أن الخليفة إذا قتل اختل نظام العالم.. احتجبت الشمس،وامتنع المطر، وجف النبات(8).

سادساً- يتفرد المجتمع القبلي عربياً أم غير عربي -عن غيره من المجتمعات- بأنه لايوجد فيه رجل كبير أو شخصية محترمة علمية أو ثقافية أو سياسية سوى “الرب الأعلى” أو “السيد الأوحد” المطاع.. فهو وحده رجل المرحلة الاستثنائي، وسفينة النجاة، وصاحب المشروع الإنقاذي.. وبشخصيته الكريمة تختزل مؤسسات وبنى المجتمع والدولة والأمة كلها. أما باقي الناس والأفراد فهم – بمعنى أو بآخر- مجرد أرقام لا قيمة لها، وهم ليسوا أكثر من عبيد عند هذا الإله الأرضي والسيد الأعلى الذي يحاربهم بلقمة عيشهم، كي يبقوا على قدر كبير من الولاء الأعمى والانقياد المطلق لسلطته وحكمه المتجبر.. بحيث يمكنه أن يسجن أي شخص أو يدس له السم في طعامه، أو يضربه أو يجلد هو ينفيه، أو يقتله.. فلا كرامة ولا اعتبار ولا قيمة – في هكذا مجتمعات- إلا للذات العلية وحدها التي تستطيع أن تعصف بمن سبق لهم أن ساعدوها وعاونوها، أو من مدحوها تماماً كما عصف المنصور العباسي بأبي مسلم الخرساني بعد أن مكن العباسيين من تثبيت ملكهم(10).

سابعاً- تهيمن على مواقع المجتمع القبلي العربي سلطة العادات والتقاليد الاجتماعية المتخلفة الموروثة منذ العهود القديمة والتي لم تعد قادرة بحكم عطالتها الذاتية على العيش والتطور مع تقادم الأيام والعصور والأزمان، وقد أضحت تلك القيم القديمة مع مرور الزمن ديناً قائماً لوحده. أصبح له دعاته ومناصروه في كل حدب وصوب.. ولعل من أبرز هؤلاء هم رموز ودعاة السلطة الدينية المزيفة (وعاظ السلاطين) المتحالفة مع مراكز السلطة السياسية والأمنية من أجل الوصول إلى المصالح الذاتية المشتركة التي لا يمكن أن تتسع دوائرها إلا من خلال الإبقاء على حالة التخلف الفكري والنفسي، وتكريس واقع التبعية والاستلحاق التي يرزح تحته أبناء المجتمع كلهم.

ثامناً – تتحكم بوجود المجتمع القبلي –على صعيد أساليب التعامل مع الأهداف والغايات الفردية والجماعية (وطنياً وقومياً)– مجموعة من الشعارات الوهمية الزائفة التي تراكمت عبر تاريخ طويل من سوء وعقم الممارسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبدلاً من أن تتحول (تلك الشعارات) بأفكارها ومبادئها الخاصة والعامة إلى أرض صالحة للابتكارات والإنجازات الرفيعة التي تعود بالفائدة على الوطن والمواطن، أصبحت خالية من مضمونها ومفرغة من محتوياتها الداخلية.. بل أكثر من ذلك: لقد أضحت عبئاً ثقيلاً مزعجاً يلقي بظلاله السوداء على كاهل منتجيها والدعاة إليها الذين كانوا أول من اخترقوها، وأسقطوها وفق مبدأ (حاميها حراميها).. بحيث أصبحت غير قادرة على تحقيق ذاتها، والإيفاء بالتزاماتها تجاه الجماهير الواسعة التي انخرطت بقوة في الممارسة السياسية وحتى العسكرية (غير الواعية)، وقدمت الكثير من التضحيات لتحقيق تلك الأهداف التي استنزف –أصحابها ومنظروها- مواهب الناس، وسرقوا الدولة وموارد بذريعة العمل على تجسيد تلك الشعارات.

لقد رفع هؤلاء شعارات التقدم والتنمية ولافتات التحديث وحب الوطن وغيرها من العناوين والشعارات الذهبية (شديدة اللمعان) على سبيل التعصب والتحزب الأعمى، أو على سبيل الشحن والتعبئة النفسية الحماسية القاهرة، فما كان من أوطاننا وطوائفنا وأحزابنا وملاعبنا إلا أن تحولت إلى معسكرات مغلقة أو ألغام تنتظر ساعة الانفجار.

كما أنه سرت “العصبية القبلية” في كل أوصال النظام القبلي التقليدي، وباتت الآن خاصية أساسية من خصائص تكوين الدول العربية والإسلامية في مستوييها الديني والقومي على السواء. والواقع العربي يقول بأنه بدلاً من أن تنتفي وتتحلل بنية العصبية وتتفكك قواها بظهور الإسلام، اندمجت في داخل عرى واستحكامات الإسلام التاريخي، فأصبح المجتمع الإسلامي حاوياً على (ومنتجاً لـ)  مجموعة من التكوينات العشائرية والقبلية والطائفية التي اعتنقت الإسلام. ولكن مع مرور الأيام ارتقى المجتمع نسبياً بعرفه القبلي إلى مستوى القانون والنظام الشرعي الإسلامي. وهذا يعني –بطبيعة الحال- هيمنة الدولة (وسيطرتها) عليه.. واعتبارها هي الضامن الفعلي للمشاركة في المجتمع، كما يعني –من جانب آخر- تخلخل العصائب والروابط القبلية قليلاً في مقابل قوة المبادئ والقيم الإسلامية التي تؤكد على المساواة والعدل والمحبة والإخاء.

————————-

(*) إننا نؤكد هنا على أن شدة تتابع الصراعات والتقلبات في التاريخ العربي لا تعبر عن نزعة تغييرية تجديدية، أو رؤية إيمانية بسنة التطور الكوني.. ولكنها تعبر عن رسوخ روح الانقسام والتفتيت في مجتمعاتنا العربي والإسلامي، وميله نحو تعددية الكيانات في نسيجه المجتمعي التاريخي، وعدم قدرة –هذه الكيانات المجزأة- على التوافق الطوعي. وعلى كثرة التقلبات السياسية الظاهرة يبقى الواقع العربي –في جوهره- دون تغيير، كما هو ملحوظ إلى الآن: أزمات سياسية متلاحقة، لكنها تراوح مكانها. (راجع كتاب: أين الخلل، د. محمد جابر الأنصاري، صحيفة القبس الكويتية، 17/2/1998م.

 (1) محي الدين صابر.. البدو والبداوة، ص: 135.

(2) العقد الفريد، مجلد:4،  ص:119-201.

(3) الخلافة الإسلامية للعشماوي، دار سيناء للنشر، ص:132.

(4) الخلافة الإسلامية للعشماوي ، دار سيناء للنشر، ص:132.

(5) العقد الفريد لابن عبد ربه، المجلد الرابع، ص: 186 +تاريخ الخلفاء، ص:263 +الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج3/566، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1968م.

(6) د. إمام عبد الفتاح إمام.. الطاغية، من سلسلة عالم المعرفة الكويتية، العدد: 183، ص:51.

(7) راجع الفخري في الآداب السلطانية، ص:125..نقلاً عن كتاب التاريخ العباسي للدكتور: إبراهيم أيوب، ص:212، الشركة العالمية للكتاب، بيروت: 1989م.

(8) الطاغية م.س، ص: 232.

 

 

التحولات الإستراتيجية في النظام الإقليمي العربي

التحولات الإستراتيجية في النظام الإقليمي العربي 2011 – 2012

 (رؤية استشرافية)

دبي – معهد العربية للدراسات

 شهد النظام الإقليمي العربي بعد الثورات مرحلة غير مسبوقة، تضع مستقبل المنطقة على المحك. ثمة بعض مؤشرات التفكك والتجزئة التي تشهدها العديد من دول الثورات، في ظل ظواهر داخلية جديدة أبرزت مشاهد العنف وعدم القدرة على تحقيق التوافق الداخلي، والعجز عن الإمساك باللحظة التاريخية التي أسفرت عن تغيير سياسي شامل، لكنها لم تظهر بعد تجلياتها في النواحي الاجتماعية والثقافية والفنية والقيم.

 ومع مشاهد التجزئة والتفكك، يبرز العجز عن إدارة الدولة أو إعادة بناء الأمة، مع نخب جديدة أصبحت في مواقع السلطة، لكنها تفتقد للخبرة وتقاليد الممارسة، ولا تزال أشبه بعضو مزروع ما زال الجسد يرفضه أو يتشكك فيه، على نحو يجعلها تقع في أخطاء كثيرة، تدفع قطاعات من مواطنيها لفقدان الثقة بالثورة. ومع سقوط رهاب الردع وميراث القمع المنهجي والتاريخي للسلطة في دول الثورات، يبدو أن استعادة النظام السياسي والتماسك الاجتماعي، وتحقيق الانسجام بين القمة السياسية والقواعد الاجتماعية، ستكون مسائل صعبة وستأخذ بعض الوقت، في ظل عدم القدرة على الوصول إلى جوانب للتوافق السياسي، مع بوادر تدحرج وضعية القلق والاضطراب في القمة وبين النخب مختلفة المشارب إلى قواعد وأبنية اجتماعية وتقليدية ظلت مستقرة لسنين.

 لقد شهدت بعض دول العالم العربي سابقا وضعية الانقسام والصراع السياسي الداخلي، وانهيار الدولة أو تجزئتها في أوقات مختلفة(لبنان/ الصومال/ العراق)، لكن فضلا عن كم الدول التي تتعرض الآن للثورات، فإن مشهد الاضطراب الحالي يقع في دول القلب العربي، وفي كل من: مصر وتونس واليمن وسورية وليبيا، وإلى حد ما الأردن والبحرين والكويت، وهو أمر يشير إلى احتمال أن تكون المنطقة مقبلة على تغييرات أوسع نطاقا.

 وبشكل عام، تركت الموجة الثورية التي شهدتها دول عربية خلال العامين الماضيين بصماتها على النظام العربي بشكل كبير، فقد تعرض النظام الذي عهدته المنطقة على مدى الـ 60 عاما الماضية لاختلالات شديدة، لم تخلفها بعد علامات أو خيوط دالة على بداية تشكل لنظام عربي جديد، مع احتمال المرور بمرحلة طويلة من اللانظام. وعلى الرغم من التحولات الهائلة في تركيبة النظام العربي وتوافر إرهاصات تغير في توجهاته، إلا أنه حتى الآن لا يمكن القول بأنه قد تغير تماما؛ فهناك ملامح من القديم والجديد، والاستمرارية والتغيير لا تسمح بتأكيد الخروج التام عن النظام السابق، ولا تشير إلى استمراره بنفس الملامح؛ فلا تمثل الفترة الراهنة انقطاعا تاما عن السنوات الأخيرة في عمر النظام العربي، خصوصا السنوات العشر من 2001 – 2011، وكل التغيرات التي نشهدها الآن تجد جذورها في هذه السنوات. لذلك هناك قدر من الاستمرارية على الرغم من أن الثورات قد توحي وكأن التغيرات الراهنة هي تغيرات فجائية على أثر ثورات وقعت بشكل فجائي.

 وإذا افترضنا استقرار موجة التحول الراهنة في أنظمة الثورات العربية واستمرار حكم الإسلاميين في دول الثورات لفترة مقبلة، يمكن أن نرصد أبرز ملامح التغيرات الواقعة والمحتملة بالنظام العربي فيما يلي:

 أولاً: إدارة خليجية للنظام العربي: أهم تغير في النظام الإقليمي العربي على أثر الثورات هو سقوط مفهوم “قيادة النظام” والدخول في حقبة من “الإدارة لوضع إقليمي”، وقد قامت بها دول مجلس التعاون الخليجي كحل مؤقت لغياب قيادة النظام؛ فبشكل عام قضت الثورات على احتمال استنهاض مثلث القلب في قيادة النظام العربي(مصر والسعودية وسورية)، ولا يبدو أنه بالإمكان استرجاع أضلاع هذا المثلث في المستقبل المنظور. وعلى الرغم من أن هذا المثلث تعرض للتجميد فعليا قبل الثورات مع الخلاف المكتوم بين سورية ومصر والسعودية إلا أنه ظل هناك رهان مستمر على إمكان استعادة نشاطه يوما ما. وكان جديد النظام العربي بعد الثورات أنه على الفور استعاض عن ذلك بما يمكن تسميته “إدارة مؤقتة” لوضع إقليمي متغير وليس قيادة لنظام، تمثلت بالأساس في “الإدارة الخليجية” للإقليم (السعودية ومعها باقي دول مجلس التعاون) مع بقايا دور مصري وممهورة بخاتم الجامعة العربية.

 لقد شكلت دول المجلس خلال عامي 2011 – 2012 النظام العربي الفرعي الوحيد الذي له قدرة على التحرك في دول الثورات، وله قدرة على طرح مواقف محددة إزاء الشؤون العربية في الساحات الإقليمية والدولية، والتدخل في مناطق الأزمات، وتوجيه الأطراف الداخلية في دول الثورة نحو أهداف محددة، تخدم أحيانا الحفاظ على الأمر الواقع، وفي أحيان أخرى تعزز وضعية الأطراف التي ترتضيها دول المجلس، وفي أحيان ثالثة تخدم وضعية ثورية، تراها دول المجلس -إلى حين- أنها أفضل بديل لها في دولة الثورة. هكذا كان موقف دول المجلس إزاء القيادات التي أسقطتها الثورات حين ساعدت على إزاحتها بهدوء (بن علي تونس، وعلي صالح اليمن) أو تجنب إزاحتها (مبارك مصر) أو عدم المبالاة إزاء تصفيتها (القذافي ليبيا والأسد سورية). في ليبيا دعمت دول المجلس القضاء على نظام القذافي ورعت قرارات التدخل العسكري الدولي داخل منظومة مجلس التعاون وفي جامعة الدول العربية التي بدت كإدارة ملحقة بمجلس التعاون الخليجي، وأمدت القوى الثورية بالسلاح والمال، وهكذا كان موقفها من ثورة اليمن في فنائها الخلفي، وهكذا جاء موقفها المحايد والمتابع عن كثب لثورة مصر، وموقفها المساند حتى النهاية لثورة سورية.

 وتتأكد “الإدارة” الخليجية للنظام العربي في ظل حالة استثنائية مؤقتة، يتوقف استمرارها وديمومتها على مقدار استمرار وضعية القلق الراهنة بدول الثورات. وتؤكد المستجدات العربية أن الإدارة الخليجية للنظام العربي سوف تبقى لفترة، في ظل ما يتوقع من طول الأزمة في سورية، سواء انتهت بسقوط النظام، أو استمراره فترة أطول على نحو يطيل أمد الحرب والصراع الذي أصبح ذا معادلة صفرية لدول مجلس التعاون الخليجي وللنظام السوري على حد سواء، حيث أن بقاء نظام الأسد يعني عداء مستحكما لدول الخليج ومحور إيراني سوري جديد يناصب دول المجلس العداء. وعلى جانب آخر، فإن فرص استنهاض أي تشكيلة قيادية جديدة للنظام العربي على غرار السابقة تجمع بين مصر والسعودية غير محتملة قريبا في ظل مستجدات الحكم في مصر، وعلاقات الإخوان المسلمين المضطربة مع الخليج والسعودية والإمارات تحديدا. صحيح أن كلا الجانبين تربطه علاقات شعبية ومؤسسية خاصة على الطرف الآخر، لكن الصحيح أيضا أن التفكير في تغيير العلاقات النمطية والخروج عليها هو أمر قائم، وليس من المعروف ما إن كان يجري بهدف المساومة أو أنه يأتي ضمن رؤية لبناء أحلاف إقليمية جديدة، وذلك لن يكون قرارا سهلا بالنسبة لحكم الإخوان في مصر بالنظر إلى الانقسامات الداخلية بشأنه واهتزاز الثقة واليقين بالعلاقات مع إيران في الداخل ولدى الأجهزة والمؤسسات.

 كان أبرز المستجدات في عامي 2012 و 2013 زيارات مسؤولين إيرانيين لمصر وزيارات مسؤولين مصريين لإيران، على رأسها زيارة الرئيس مرسي لإيران في أغسطس 2012 وزيارة وزير خارجية إيران لمصر في يناير 2013، والتي سبقتها تقارير مثيرة –لم تتأكد- عن زيارة قائد فيلق قدس التابع للحرس الثوري الإيراني (قاسم سليماني) إلى القاهرة، ثم أخيرا زيارة الرئيس الإيراني لمصر في فبراير 2013 لحضور مؤتمر القمة الإسلامية، وكان أبرز المستجدات الإعلان عقب الزيارة بأيام عن تأسيس مجلس للتعاون المصري ـ الايراني لدعم أوجه التعاون في مختلف المجالات ومن أبرزها الاقتصاد والسياحة، وتوضيح كل مجالات التعاون والاستثمارات وتبادل الخبرات بين البلدين لدعم الاقتصاد المصري، مع الإعلان عن اعتزام إنشاء مدينة متكاملة للمواد الغذائية‏، و‏500‏ مليون دولار لتطوير السكك الحديدية. ويؤكد ذلك أن هناك توترات قادمة في قلب القيادة التقليدية للنظام العربي من الصعب تصور ترميمها أو استعادتها من دون تغييرات داخلية وإقليمية كثيرة، فضلا عن ما يتوقع أن تضيفه سورية بوضعها الحالي من أعباء على القضية المركزية للنظام العربي لسنوات مقبلة بجوار قضية فلسطين. وفي ظل ذلك يمكن تصور جوانب التقاء مصري/ سعودي في أزمات محددة، لكنها ستكون مؤقتة وليس دائمة، كما أن العلاقات ستتسم أكثر بطابع بروتوكولي رسمي على حساب العلاقات الخاصة التي كانت في السابق.

 ثانياً: اشتباك خليجي بدول الثورات: كانت أبرز ملامح التغير في النظام العربي على أثر الثورات تنامي علاقات مضطربة بين الأقاليم الفرعية للنظام العربي، فإلى حد كبير بدت دول مجلس التعاون في حالة من “الاشتباك” مع دول الثورات العربية في المشرق والمغرب والقلب متمثلة في مصر وليبيا وسورية واليمن وتونس. ليس فقط مع الأنظمة والفاعلين الرسميين، ولكن أيضا مع فاعلين من غير الدول وفاعلين أدنى من الدولة. فحين سقطت الأنظمة واصلت دول المجلس علاقاتها على نحو فردي وجماعي مع فاعلين أدنى بهذه الدول، وإذا كانت ملامح ذلك لم تتضح كثيرا في مصر وتونس، على الرغم من الأحاديث عن دعم خليجي للسلفية بكلتا الدولتين (ولحكم الإخوان على جانب قطر)، إلا أن ذلك اتضح بجلاء في ليبيا واليمن، وبرز بشكل كثيف في حالة سورية مع انخراط دول المجلس في تأييد ومساندة الجيش الحر وفصائل المعارضة السورية المسلحة، والدعم والإسناد الجهادي بالمال والسلاح. لقد بدت دول المجلس في حالة سباق مع الأحداث بهدف التصدي لإمكانات حلول أنظمة سياسية معادية لها في دول الثورات، وأيضا، وبالأساس من خلال خلق ساحات للفضاء الجهادي تفرغ من خلالها طاقات الجهاد الداخلية.

 هكذا يبدو مستقبل النظام الإقليمي العربي مرتبطا بتطورات العلاقة بين دول المجلس ودول الثورات، وبشكل أخص بتطورات الأوضاع في سورية، فبحسب ما ستسفر عنه الثورة السورية يمكن ترجيح مستقبلات مختلفة للنظام الإقليمي العربي. والأساس أنه لفترة سنوات مقبلة ستضاف سورية إلى قائمة الهموم العربية، وقائمة أولويات الجامعة العربية، وهو ما يغير تدريجيا من قضية القلب في النظام. كما أنه سوف تتأثر عقيدة النظام وفلسفته الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي بقدر تراجع الدور السوري، وستطرح الأطراف الجديدة على المشهد السوري (الليبرالية والسلفية والإخوانية) تحدياتها وأخطارها الخاصة على مجمل تفاعلات النظام، وقد تشهد السنوات المقبلة حروبا وصراعات دموية وتدخلا إسرائيليا في أماكن حدودية من سورية، على غرار ما جرى مع لبنان. وإلى حد كبير فإن الإجازة التي منحتها جامعة الدول العربية في 6 مارس 2013 “لمن يرغب” من أعضائها تسليح “الجيش الحر” تشير إلى تحولات عميقة بجوهر النظام الإقليمي العربي وتفتح الباب لقرارات مختلفة للدول فرادى وليس للقرار العربي الجماعي.

 ثالثاً: تواجه الشرعيتين “الملكية” و”الإسلاموية”: كان أهم انعكاسات الثورات على النظام الإقليمي العربي قدوم مجموعة من أنظمة الحكم التي تتبنى العقيدة الإسلاموية كأيديولوجيا سياسية على امتداد الإقليم العربي مع توافر أبنية وشبكات أفقية هائلة للتداخل والتفاعل بينها على صعيد الإقليم، وقد جعل ذلك البعض يطلق على ما اصطلح بتسميته “الربيع العربي” بأنه “ربيع الإسلاميين”. ولا تؤسس أنظمة الحكم الجديدة شرعيتها وحسب على الشرعية الدينية والتقليدية على غرار دول مجلس التعاون الخليجي، وإنما تتبنى مشروعا سياسيا قائما على الأيديولوجيا الإسلامية، ويؤمن بإمكان استنهاض طاقات الأمة عبر بديل حضاري مغاير لحقبة القومية العربية ومختلف عن المذهبين الاشتراكي والرأسمالي. لقد تمثلت أهم شواهد ذلك في حلول أنظمة جديدة تتبنى البديل الإسلامي في كل من مصر (الإخوان المسلمين) وتونس (حركة النهضة) على وجه التحديد، وألوان من هذه الأيديولوجيا الإسلاموية في كل من اليمن وليبيا، ثم سورية التي لا يتوقع لها الخروج كثيرا عن ذات القاعدة. وسوف يتوقف تأثير هذه الموجة الأيديولوجية على النظام العربي على الفترة الزمنية التي سيستمر فيها هذا التيار في الحكم، وهو أمر محل تفاوت حول ما إن كان الإسلاميون هم عارض مؤقت أم حقبة ممتدة سوف تدخل فيها الدول والمجتمعات العربية على امتداد عقود مقبلة.

 حتى الآن لا يوفر أداء الإسلاميين في الحكم إمكانية لترجيح أي احتمال، لكن المؤكد أن وجودهم على رأس السلطة سيكون له تبعات هائلة على المشهد الإقليمي، وقد نكون إزاء حقبة من المغامرات الجديدة التي تستمر لفترة ممتدة تترك بصماتها على المنطقة دولا ومجتمعات. إن حلول أيديولوجيا إسلاموية في الحكم واستمرارها سوف يترك آثاره على المشهد الداخلي والإقليمي بشكل كبير وعلى التفاعلات الدولية للإقليم العربي. فعلى المستوى الداخلي فإن حلول الأيديولوجيا الإسلامية سيدخل دول المنطقة في حقبة من الصراعات الداخلية الجديدة حتى تستقر تركيبة الحكم، ليس فقط مع الطوائف المجتمعية مختلفة الديانة، ولكن أيضا مع التيارات الليبرالية والقومية واليسارية، وهو أمر يبدو أنه لن يجري حسمه سريعا، وأنه من الصعب التوصل إلى توافقات داخلية بشأنه، ويعني ذلك أن مزيدا من الدول العربية ستكون عرضة لمرحلة من عدم الاستقرار على نحو يهدد بمزيد من التراجع وبطول حقبة اللانظامية في الإقليم العربي.

 وعلى الصعيد البيني، تدخل العلاقات بين دول الثورات ذات التوجه الإسلاموي ودول الملكيات الوراثية، وعلى وجه أخص دول مجلس التعاون الخليجي، في حقبة من التوترات البينية التي كشفت بعض معالمها، وإن لم تتضح تماما تجلياتها حتى الآن، لكن أحد أهم شواهد ذلك، ما بدا من توترات مكتومة بين حكم إخوان مصر وكل من الإمارات والسعودية والكويت، على وقع الكشف عن خلية إخوانية بدولة الإمارات لها امتداداتها في الكويت والسعودية، فضلا عن مخاوف دول المجلس الطبيعية من إخوان الداخل لديها، وذلك يمكن أن يجعل المنطقة بعد فترة تالية إزاء حقبة من الصراع على الهوية وأيديولوجيا النظام تتواجه فيها دول ملكية سنية وراثية مع دول جمهوريات إسلاموية، مع وجود تحزبات ومشايعات داخلية لكل طرف على الجانب الآخر. ومع سعي الأنظمة الجديدة لبناء شرعيتها داخليا وخارجيا فقد تعمل على تغيير تحالفاتها الدولية عبر الانفتاح على قوى إقليمية هي في حالة مواجهة مع الأنظمة العربية الملكية. وذلك ما يستشف من سعي كل من إيران والعراق إلى استغلال حاجة مصر الاقتصادية في جذبها للمعسكر الآخر، وتصب زيارة رئيس الوزراء المصري للعراق في 4 مارس الجاري -برفقة عدد من الوزراء و60 من رجال الأعمال- في الاتجاه ذاته، حيث ركز رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على استغلال زيارة نظيره المصري لأغراضه الخاصة، ما يوضحه قوله بأن: «مصر تشكل ثقلا عربيا بعد التغيير، والعراق أيضا أصبح من الدول الفاعلة في الوطن العربي، لذلك نطمح إلى عقد تعاون في شؤون المنطقة، والتحديات التي تواجهها وأبرزها الإرهاب والتطرف وقمع الشعوب”، وهو تصريح يحتاج لقراءة خاصة بشأن مغزاه، في ضوء علاقة المالكي الحميمية مع إيران.

 وفي ظل هذه الحقبة فإن كل أعراف وتقاليد النظام العربي، وما أرسي من قواعد قليلة في العمل العربي المشترك على مدى الستين عاما الماضية ستكون في مهب الريح، حيث ستتغير أولويات النظام مع حلول القادم الجديد من الأنظمة الإسلاموية، التي قد تطرح مجموعة من المراجعات الكبرى بخصوص الحرب والسلام والصراع العربي الإسرائيلي على نحو يكرر حقبة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.

 رابعاً: جهاد مذهبي إقليمي: بموازاة الصراعات النظامية المحتملة التي تطرحها حقبة الحكم الإسلاموي الأيديولوجي على النظام العربي، تشير بعض المؤشرات على الصعيد المجتمعي، إلى احتمالات دخول النظام العربي حقبة من الصراعات الأدنى غير النظامية، وعلى مستوى أدنى من الدولة بين فاعلين وشبكات إقليمية إسلاموية وامتداداتها الشبكية عبر الإقليم، وهو أمر طرحت الأزمة السورية مقدمات له ومؤشرات عليه، حيث تجري ممارسات جهادية تشير إلى تبلور نمط جهادي جديد هو “الجهاد المذهبي”، كنمط جديد من الجهاد القائم على أساس المذهب، فهو ليس جهاد إسلامي ضد دولة غازية على نحو ما جرى في أفغانستان في السبعينيات والثمانينيات، وإنما جهاد لأجل حماية أهل المذهب من أنصار وجهاديي المذهب الآخر. وذلك ما تشير إليه العديد من المصادر التي أكدت وجود مجاهدين شيعة في الخطوط الأمامية بريف دمشق، في إشارة إلى مجموعة من المجاهدين الشيعة من لبنان والعراق ممن أنشأوا لواء للجهاد تحت مسمى “أبو الفضل العباس” لدعم النظام السوري، وحماية المراقد الشيعية، كما أنه من المعروف وجود عناصر إيرانية من الحرس الثوري داعمة لنظام بشار وتشارك قواته في التخطيط والقتال الميداني، وهو ما يشير إليه القبض على إيرانيين في سورية ووقوع قتلى إيرانيين في معارك داخلية، وانخراط مقاتلين من حزب الله في المعارك تأييدا للنظام السوري. وكان لافتا ما حذر منه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي منذ أيام، الذي صرح بأن انتصار معارضي الرئيس بشار سيفجر حروبا أهلية في بلاده ولبنان وانقسامات في الأردن، ومن شأنه أن يخلق ملاذا جديدا لتنظيم القاعدة سيزعزع استقرار المنطقة.

 كل ذلك يشير إلى إرهاصات وملامح تحول استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، عنوانه العريض “بداية معركة الاستقطاب المذهبي الإقليمي المسلح” بين السنة والشيعة، وبداية حقبة من الصراعات بين القوى الأدنى من الدولة – والعابرة للدول – التي تحارب بالوكالة عن الدول. وإذا كان الاستقطاب السني الشيعي قائما منذ القدم، فإن الجديد فيه هو بروز ظاهرة “الجهاد الشيعي المسلح” قبالة الجهاد السني المسلح. ويفتح تطور هذه الظاهرة الاحتمال لأن تصبح شاغلا أساسيا في الحقبة الإسلاموية للنظام العربي، وتتيح الأوضاع في سورية احتمالات لتطور هذه الظاهرة وتناميها رويدا رويدا، مع احتمالات وقوع صدامات أشد بين أحزاب وقوى شيعية سنية حينما تفرغ هذه القوى من معركتها الرئيسية مع النظام في دمشق، مما يشير إلى إمكان تجدد صراعات تاريخية تكون لقوى إقليمية متعددة مصالح في إشعالها. وربما أكد ذلك التهديد الذي أطلقه الجيش السوري الحر في فبراير 2013، بقصف مواقع لحزب الله في لبنان تنطلق منها صواريخ باتجاه مناطق تقع تحت سيطرة المعارضة السورية بمنطقة القصير في حمص، وهو التهديد الذي نفذه بعد انتهاء مهلة الـ 48 ساعة التي منحها لحزب الله. إن هذه الوقائع هي مؤشرات ضئيلة قد تؤرخ لبدايات معركة مذهبية إقليمية كبرى مستقبلا تنخرط فيها دولا وقوى أدنى على الصعيد الإقليمي تغير شبكة علاقات الإقليم، وتؤشر لأكبر تحول في علاقات المنطقة بإنشاء محاور مذهبية عابرة للدول. وقد يصبح حزب الله الذي تصدر المقاومة ضد إسرائيل خلال السنوات الماضية أحد الأطراف التي يجري تصفيتها في هذا الصراع، وتشير التوقعات إلى أن تصبح سورية نقطة تمركز إقليمية تجتمع فيها قوى الجهاد لتخوض معركة الجهاد المذهبي الرئيسية، والتي لدى فرقائها من المتشددين على الجانبين مصالح في إشعالها توازي ما لدى أنظمة وقوى إقليمية من رغبات في ذلك.

 خامساً: تبدل في عقيدة النظام: أدخلت الثورات العربية تغيرات كثيرة على قيم النظام العربي وعقيدته المركزية، فإحدى أهم القواعد التي ترسخت في العمل العربي على مدى العقود الماضية، هو مبدأ حرمة التدخل في الشؤون الداخلية، وهو مبدأ تأكد في ممارسات الجامعة العربية التي نشأت كجامعة بين الدول وليس الشعوب، وهو أمر أدى إلى انعزال كل نظام سياسي في دولة عربية بشؤون دولته، وأدى إلى تراجع مبادئ وقيم حقوق الإنسان التي لم يترسخ قيمة التدخل لحمايتها ضد نظام سياسي محدد، وهو أمر ترك الأنظمة التسلطية في حالة متحررة من كل القيود. لكن مع نشوب الثورات أخذ هذا المبدأ في الانهيار الدراماتيكي، ما بدا بشكل أساسي في التدخل العسكري والسياسي رسميا وفعليا في ليبيا وسورية، فكانت الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي أحد أدوات التغيير بالقوة سواء بالمال أو السلاح أو بالمبادرات السياسية التي دعت قيادات لدول بالجامعة للتخلي عن الحكم ومغادرة السلطة، وهو أمر لم يكن شائعا ضمن إطار جامعة الدول العربية. وتتيح أوضاع المجتمعات العربية على أثر الثورات إمكانات مضاعفة في التأثير في الوضع الداخلي لكل منها قبل الأخرى، على سبيل المثال، فإن هناك مؤيدين لحكم الإخوان في دول مجلس التعاون الخليجي، وبالمثل هناك مساندون لدول المجلس في دول الثورات متمثلة في قوى سلفية وليبرالية وقوى النظام السابق. ويشير ذلك إلى احتمالات تكثيف التعاون بين قوى أدنى من الدول؛ فيمكن أن نجد علاقات خليجية مع مؤسسات الاستخبارات والمؤسسات العسكرية خلف العلاقة مع جهاز الحكم الذي يرأسه الإخوان الذين تتراجع الثقة بينهم والعسكر، وتسمح المرحلة التي يمر بها الإقليم بذلك، حيث تجعل الخصومات الداخلية القوى الأدنى والأجهزة والمؤسسات بدول الثورات في حالة رخوة، بما يعني أن تضرر العلاقات الخليجية الإخوانية على مستوى مؤسسات الرئاسة والمؤسسة التشريعية لت يحول دون استمرار العلاقات مع مؤسسات أخرى في دول الثورات.

 وفي الإطار العربي العام، لم يعد هناك صراع بين معتدلين وممانعين في النظام العربي حول منهج التسوية بشأن القضية المركزية، وإنما انخرط المعتدلون في تصفية الممانعين، وهو ما يعني أنه لفترة طويلة لن تعود القضية الفلسطينية كقضية مركز تفاعلات النظام، وإنما سيكون العمل على استتباب الأمور لقوى الاعتدال في دول الممانعة، وإلى حد كبير ستظل دول الثورات العربية وسورية تحديدا مركز التفاعلات والاهتمام الرئيسي وستضاف إلى قائمة الهموم الخاصة بالنظام، وسيكون الصراع على سورية لب الصراع في الشرق الأوسط، في ظل موجة جهادية جديدة لم يزل لديها الحافز والطاقة لتجريب ذاتها في صراعات داخلية وإقليمية. ومن الصعب إقرار ما إن كان هذا التبدل في عقيدة النظام هو استجابة مرحلية أم اتجاه قد يستمر لفترة.

 سادساً: صراعات ممتدة داخل وحدات النظام: كشفت الثورات عن مشكلات طائفية وقبلية في الدول العربية، ينتمي بعضها إلى عصور ما قبل الدولة، وبعضها نتج عن الفساد المنهجي الذي تعرضت له المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة. إن تفكيك الأبنية الفاسدة للأنظمة السابقة ستكون عملية مجهدة، وتحتاج لثورات اجتماعية وثقافية وسلوكية أدنى ستصبح هي الاختبار الأصعب للثورات العربية. ومن المرجح أن تمر دول الثورات بفترة طويلة من عدم الاستقرار، والصراعات الداخلية، وستترك نتائج هذه الصراعات بصماتها على الوضع الإقليمي، وأول تأثيرات ذلك أن النظام العربي سوف يفتقر لأدوار هذه الدول وقيمتها المضافة داخل النظام، وثانيا أن الفشل في بناء الدولة الجديدة قد ينتهي إلى كيانات جزئية أدنى تسعى للانفصال بذاتها وتكوين بؤر لكيانات سياسية أصغر، وهذا الاحتمال وارد في ليبيا واليمن وسورية تحديدا، وهو ما يعني أن النظام العربي لفترة مقبلة سوف تدخل إليه مشكلات مضافة خاصة بإدارة عملية تجزئة الدول العربية وتوفير الغطاء السياسي أو رفض توفيره بالنسبة لها، على نحو يزيد من التفاعلات الصراعية في الإقليم. فالتجربة العربية فيما يتعلق بالدول الشقيقة المنفصلة أو التوأم الناتجة عن حالة انفصال الدولة الواحدة هي تجربة سلبية، تشير إلى أنه في الأغلب تدخل الدول المتفككة عن كيان سياسي واحد في صراعات طاحنة بين بعضها البعض، ولا تهدأ قضيتها بمرور الزمن، وتلجأ إلى الصراعات المتناوبة. وثالثا، فإن الفشل في التعايش السياسي وبناء النظام واستعادة الدولة يبدو أنه سيكون مشهدا مستمرا لفترة مقبلة، مع تنامي الصراع الشديد بين التيارين الليبرالي والإسلامي، وهو الأمر الذي من المرجح أن يطول، على نحو يؤسس لتحالفات أفقية وعرضية إقليمية تعرض مفهوم الدولة لاهتزازات عنيفة. وتبدو إلى جانب ذلك احتمالات الانتكاسة بمرور بعض دول الثورات العربية بانقلابات عسكرية على أثر فشل النخب الجديدة في إدارة شؤون البلاد، وهو أمر يرجح أن تدعمه قوى ليبرالية وسلفية. وتبقى قضية تحقيق شعارات الثورات الخاصة بالعدالة الاجتماعية أهم ما يعترض الاستقرار السياسي في هذه الدول، التي تعاني من الفقر وغياب العدالة الاجتماعية، مع قوى قديمة تعارض المساس بأوضاعها ومكاسبها الاجتماعية والاقتصادية. إن ذلك يعني أن النظام العربي مرشح لمرحلة من التغيير، سوف تنعكس عليه بقدر استقرار وحداته وطول أو قصر الفترة الزمنية المطلوبة لذلك، ومدى نجاح الثورات فعليا على الأصعدة المختلفة، وهي أمور غير مؤكدة. وبالتأكيد أن تغير طبيعة النظم سيؤدي إلى تغير طبيعة العلاقات والتحالفات بين دول الإقليم.

 سابعاً: اختراقات الجوار الإقليمي: تمثلت إحدى نتائج الثورات في مزيد من حالة السيولة بين النظام العربي ودول الجوار الإقليمي، التي عملت على استغلال وضع الثورات وسقوط أنظمة الحكم، في السعي لبناء علاقات أقوى مع النظم الجديدة، والتدخل من أجل دعم أطراف داخلية محددة. وإلى حد كبير، يلاحظ تركيز التحرك الإقليمي لدول الجوار الثلاثة: إسرائيل وتركيا وإيران، على ثلاثة مداخل خلال فترة ما بعد الثورات؛ فبينما اتجهت إسرائيل إلى مراقبة الوضع العسكري الإقليمي واستغلال الانشغال بالثورات في العملية العسكرية في غزة، وتوجيه ضربات جوية لمعسكر اليرموك بالسودان، وشن غارة على مركز أبحاث عسكري في دمشق، ومهاجمة قافلة سورية على الحدود مع لبنان، فقد عملت تركيا على الاقتراب من جهاز صنع القرار الجديد بدول الثورات، وطرحت ذاتها كنموذج يحتذى من قبل النخب الجديدة في هذه الدول على نحو ما جرى مع كل من مصر وليبيا وتونس، وما يجري مع سورية عبر دورها مع المعارضة السورية المسلحة. أما بالنسبة لإيران، فكان تدخلها في الشأن العربي عبر أدوات أخرى، منها التأثير الطائفي على نحو ما برز في البحرين وسورية، ومؤخرا باليمن. وإلى حد كبير يبدو لأنظمة دول الثورات رغبة في تغيير تحالفاتها الإقليمية، والتغلب على جوانب الاعتراض الإقليمي العربي إزائها، وذلك أحد الأسباب التي تدفع حكم الإخوان في مصر إلى التقارب مع إيران، ولكن تبقى القدرة على إحداث تغيير استراتيجي بأسس وأركان السياسة الخارجية لدول الثورات عملية صعبة ودونها مخاطر وتحديات هائلة، في ظل وضع دولي جديد مغاير لحقبة الخمسينيات والستينيات.

 ويبقى أن مستقبل الوضع بالإقليم العربي سوف يتوقف على مجموعة من الأمور، أهمها: المسارات التي سيأخذها التحول السياسي الجاري في النظم العربية بعد الثورات، والفترة التي تأخذها حقبة عدم الاستقرار السياسي، وهل تتمكن دول الثورات من الانتقال إلى الديمقراطية؟ وهل شروط وقواعد الانتقال الديمقراطي متوافرة في ظل صراعات الاستقطاب الحادة بين الإسلاميين والليبراليين؟ وإلى أي حد سينعكس التغير في أنظمة الحكم على أداء النظام العربي، وطبيعة العلاقات بين دول الثورات ودول الملكيات، ودور الجامعة العربية في إدارة هذه العلاقات.

 د. معتز سلامة

 رئيس وحدة دراسات الخليج – مركز الأهرام

ردا على اليائسين .. الثورة مستمرة في مصر وتونس

وللحرية الحمراء باب … بكل يد مضرجة يدق

بقلم : الدكتورة ندى الغاد

يمكن وصف الاوضاع في كل من مصر وتونس بانها متشابهة الى حد كبير في المعالم العامة التي يمكن ايجازها بالقول ان جماعة الاخوان المسلمين في كلا البلدين سرقا الثورة من صانعيها عموم الشعب وفي المقدمة شباب البلدين في غفلة عن كل القوى والاحزاب السياسية يمينها ووسطها ويسارها فكانت ثورة شعبية بامتياز .

والان وبعد ان هيمنت جماعة الاخوان المسلمين على السلطة وتعمل بكل جهدها لاحكام قبضتها تقف القوى السياسية الاخرى بكل تلاوينها موقف النقيض للاخوان بعد ان تم استبعادهم واسثنائهم من المشاركة بالسلطة بأي شكل من الاشكال .

لكن مشكلة جميع القوي المعارضة للاخوان انها فشلت حتى الان باقناع الجماهير بانها بديل للاخوان لذا فهي تفتقد الى التاييد الجماهيري والالتفاف الجماهيري الواسع الذي يوفر لها القوة لاجبار الاخوان على القبول بالمحاصصة السياسية على الاقل .

وفي المقابل واصلت القوى الشعبية رفضها العفوي للاخوان بطرق متعددة وتزايد الرفض مع فشل الاخوان حتى الان من ادارة الدولة بحيث تحقق ولو جزءا يسيرا من الاهداف التي ثار من اجلها الشعب .

ومظاهر الفشل عديدة ولكن ابرزها واكثرها سطوعا فشلها على المستوى الاقتصادي وكذلك في ميدان الادارة وايضا تسرعها بالامساك بمفاصل الدولة (الرئاسة – الحكومة – القضاء – مجلس الشعب – والمجلس التشريعي ) والتحضير للهيمنة على الشرطة والجيش ووزارة التعليم بشكل خاص وايضا وزارة الاوقاف والازهر الشريف.

هذه الاوضاع خلقت حالة من درجات من القلق والياس والاحباط والحيرة والخوف عند قطاعات واسعة من الجماهير .

ووسط هذه الحالة طفت على السطح عدة اتجاهات الاول تمسك بالثورة ويعبر باشكال عدة عن ايمانه بضرورة مواصلة الثورة مهما كانت التضحيات .. والثاني يبحث عن حلول وسطية تحت شعارات التوافق وهؤلاء ينقسموا الى قسمين احدهما من اتباع الاخوان ومؤيديهم حتى يوفروا الفرصة لجماعتهم كي يتمكنوا من تنفيذ برنامج التمكين من الهيمنة التامة على مفاصل الدولة والاخر من بسطاء الناس والعامة (ثقافيا وفكريا) حتى وان كانوا يحملون درجات علمية عليا من الرومانسيين عشاق الهدوء والتسويات والتصالح . (عكس الثوريين).

ويضم هذا الاتجاه بعض فئات البرجوازية الصغيرة من التجار واصحاب الورش والملكيات الصغيرة نظرا لان استمرار اشكال المعارضة الميدانية (تظاهرات ومسيرات واضرابات) قد الحقت بهم خسائر جسيمة .. والى جانب هؤلاء طائفة واسعة من الجماهير التي انطلى عليها دعاية الاخوان والقائلة ان الازمة التي تمر بها البلاد ناتجة عن استمرار الفوضى والتظاهر والمعارضة السياسية و (جبهة الخراب) كما يسمون جبهة الانقاذ المعارضة.

لكن هذه الطائفة الواسعة والتي كما بينا تضم في صفوفها من مختلف مكونات المجتمع لا تدرك ان المصالحة غير ممكنة اطلاقا طالما ظل الاخوان متمسكين بمنهجهم الرامي الى التفرد بالسلطة. فهذا الامر كما يبدو ان الاخوان ليس لديهم الاستعداد للمساومة عليه .. كما ان القوى الاخرى خسرت كل شيء بفعل سياسة الاخوان هذه وانها لا تملك سوى الاستمرار بالثورة لاجبار الاخوان على التخلي عن نهج التفرد.

وهذا هو النهج السليم .. فيجب الاستمرار بالثورة حتى يتحقق واحد من هدفين اما ان يقتنع الاخوان بالتخلي عن اطماعهم السياسية ويقبلوا ان يكون معهم شركاء من القوى السياسية الاخرى .. اويتم هزيمة الاخوان سياسيا وذلك بفرض انتخابات رئاسية مبكرة ..

لكن قوى المعارضة تواجه قلقا جماهيريا كبيرا حيث تعتقد طائفة بان استمرار الثورة سيؤدي الى حالة اشبه بسوريا او على الاقل بلبنان الحرب الاهلية . وهذا ما هددت به جماعة الاخوان عندما اشاعت فكرة تشكيل قوة محلية خاصة بها لتكون بداية لعصر المليشيات .

وطائفة اخرى يؤرقها الوضع الاقتصادي فتشعر بالرعب من مزيد من تفاقم الاوضاع الاقتصادية في البلاد .

وطبعا هناك من يرى بان قيام الجيش بانقلاب عسكري واستيلائه على السلطة هو اسهل الحلول.

وعندما ترد على هؤلاء بالقول ان الحل السليم هو بالاستمرار بالثورة .. وان خيار الاستمرار بالثورة هو المرجح لانها خيار شعبي وليست خيار النخبة السياسية وان الشعب بعد ان تلمس بدايات حياة الحرية لن يقبل بانصاف الحلول ولن يقبل الا بتحقيق جوهر اهدافه الرئيسية بالحرية والعيش والكرامة والعدالة الاجتماعية .. بالاضافة الى عامل جديد وقوي وهو رفض الهيمنة الدينية الاخوانية وتلتقي تحت راية هذا الهدف اعدادا متزايدة من الجماهير. حيث تبرهن الاحداث يوميا على ان الثورة ما زالت قائمة ولم تنطفيء جذوتها .

عندما تقول ما سبق يرد عليك البعض قائلا (اي شعب .. فالشعب يائس وقد كره النخبة المعارضة وكره الاخوان وكره السلف وكره المتعلمين .. الشعب يبحث عنم لقمة العيش وعلى ليتر من السولار او على حبة اوتامول لانه عايز ينسى .. الشعب اصبح يتمنى عودة مبارك وعودة زين الدين بن علي ويتحسر على ايامهما .. ويضيفوا .. هذا الشعب الذي تراهني عليه

ومن الواضح ان لهذا الراي امتداد جماهيري واسع .. لكن اصحابه يمكن وصفهم بنوعين من الصفات .. الاولى انهم يائسين .. والثانية انهم لا يمتلكوا ثقافة واسعة تمكنهم من معرفة القوى الحقيقية التي ما زالت تواصل مسيرة الثورة هذه القوى التي تضم في صفوفها مئات الالاف في داخل احزاب المعارضة والجماعات والحركات الشعبية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والموظفين والعمال في المصانع وطلاب الجامعات والثانويات والكثير من اساتذتهم ومعلماتهن وكلهم يواصلون ايقاد نيران الثورة كل في موقعه او بتحركات كبرى بين وقت واخر.

ولا يعطل هذه النخبة الشعبية وجود اليائسين والمحبطين من بسطاء الناس الباحثين عن لقمة العيش وليتر السولار .. فالجماهير العريضة اذا ما وجدت النخبة في اللحظات الحاسمة تنحاز الى صفوف الثورة دون اي شك .

ويعتقد كثيرون انه دون وجود البطل الزعيم (الفرد) فان الثورة مستحيلة ويبرر اليائسين موقفهم بالقول ان زعماء المعارضة لا يحظوا بالاحترام .. وهذه نظرة قبلية عبودية (الخضوع للزعيم السيد البطل شيخ العشيرة او القبيلة ) .

ويبدو ان هؤلاء لا يعرفوا مثلا ان الثورة الفرنسية لم يكن لها الزعيم الاوحد البطل المهيب وان الثورة الروسية انجبت لينين بعد 12 سنة من الانتفاضات المتواصلة وان هوشي منه لم يكن يعرفه الشعب الفيتنامي عندما انتصر على الاحتلال الفرنسي في معركة ديان بيان فيو وان غيفارا وكاسترو لم يكونا سوى مقاتلين في حرب عصابات ولم يكونا قائدين جماهيريين ..

فالقادة يا سادة تنجبهم ساحات الثورة وميادينها ولا يتخرجوا من مدارس وجامعات القادة والثوار

والذي يعزز الثقة بانتصار الثورة ان الحركة الشعبية الديمقراطية بكافة فصائلها واطرافها ومكوناتها .. مقتنعة بان هدفها المركزي الان في هذه المرحلة هو اسقاط الاخوان وهو هدف صحيح وضروري جدا لان وجود الاخوان وبقائهم في السلطة سوف يجهض كل الامال .. بل وسيعود في البلد الى عصور غابرة من الاستبداد الديني

فالاخوان يمثلون السلطة وهي ذات السلطة المستبدة القديمة ة فلا يمكن ابدا قبول ازاحة دكتاتورية برجوازية لتأتي دكتاتورية دينية .. فالامر ليس انتقام وليس صراع بين العشائر والقبائل انه صراع سياسي على مضمون الدولة ومضمون القانون ومضمون المستقبل وهو صراع فكري عميق بين الفكر المدني الليبرالي واليساري عموما وبين الفكر الجبري الديني .. وهو ايضا صراع بين ثقافة الحرية والتحرر من القوالب الجامدة في تفسير الحياة والواقع والظواهر الى ثقافة التفكير العلمي في قراءة الواقع وتفسيره ووضع الحلول لمشاكله وايضا هو صراع اقتصادي بين فكر يقوم على الاقتصاد المتطور الذي يقوم على العلوم والاختراع والابداع وبين فكر اقتصادي يقوم على التواكلية والقدرية وثقافة كل شيء مقدر ومقسوم

ان الاهداف التي يسعى اليه ويناضل من اجلها الملايين من ابناء الشعب هي اقامة النظام المدني الديمقراطي الذي يكون الشعب فيه هو مصدر السلطات كلها والى نظام سياسي يقوم على العدالة والمساواة وعدم التمييز ونظام اقتصادي تكون فيه المبادرة الفردية والعمل الجماعي هو الاساس في بناء الاوطان .. النظام السياسي الذي يعلي من قيمة المناهج الدراسية في مختلف المستويات لتخريج مبدعين منتجين تتوافق علومهم وتعليمهم مع الانتاج الاقتصادي المتطور وليس الموظف الكسول

وعلى الجميع ان يطمئنوا فالدنيا تسير للامام .. ولا يمكن لقوة في الارض ان تعيد عقارب الساعة للوراء .. وشعوب العرب لأول مرة في تاريخها تقترب من امساك زمام المبادرة .. فلا داع للخوف ابدا .. الطريق صعبة وشاقة لا شك بذلك .. وهذه هي طريق التغييرات الكبرى .. فلا تغيير يتم على سجاد احمر ويقول امير الشعراء احمد شوقي:

وللحرية الحمراء باب … بكل يد مضرجة يدق

ندا الغاد 17 ابريل 

اسباب تخلف المسلمين .. قراءة في كتاب

قراءة في كتاب: إغلاق عقل المسلم

عبد الخالق حسون

لم يكن اهتمام الغرب بالإسلام جديداً، إذ سمعنا كثيراً عن المستشرقين ومؤلفاتهم في هذا الخصوص، إلا إن ذلك كان محصوراً في نخبة ضيقة من الاختصاصيين والأكاديميين. ولكن في أعقاب جريمة 11 سبتمبر 2001، حصل اهتمام واسع النطاق في الغرب للتعرف على الإسلام كدين وفهمه، ليس من قبل الانتلجنسيا فحسب، بل وحتى من قبل العوام، وذلك لمعرفة الأسباب التي دفعت 19 شاباً عربياً مسلماً، من حملة شهادات عالية من جامعات غربية، ومن عائلات ميسورة، إلى ارتكاب هذه الجريمة الشنيعة، يضحون بأنفسهم ويقتلون نحو ثلاثة آلاف من الأبرياء. فالإنسان السليم لا يستطيع فهم هذه الظاهرة بسهولة، ناهيك عن الإنسان الغربي الذي يعتبر حياة الإنسان قيمة مطلقة.

 

لذلك خصصتْ الحكومات الغربية، وجامعاتها ومراكز البحوث فيها، قسطاً وافراً من طاقات منتسبيها وأموالها لدراسة هذه الظاهرة، لغايات عديدة منها:

أولاً، لحماية شعوبهم والحضارة البشرية من شرور الإرهاب الذي يرتكب باسم الله والإسلام،

ثانياً، لمعرفة الإسلام نفسه كدين، ولماذا وصل به الأمر إلى هذه الأزمة… وأين يكمن الخطأ؟

ثالثاً، لماذا يدعو الإسلام المسلمين إلى احتقار الحياة وتمجيد الموت، والتضحية بالنفس وقتل الآخر لمجرد أنه يختلف عنهم في الدين والمذهب؟

 

ولفهم هذه الظاهرة، صدرت مئات الكتب والبحوث، وآلاف الدراسات والمقالات، ومنها كتاب قيم نحن بصدده في هذه القراءة، صدر في عام 2011، بعنوان: (إغلاق عقل المسلم) وعنوان ثانوي: (كيف خلق الانتحار الثقافي أزمة الإسلام الحديثة)، للباحث والأكاديمي الأمريكي، الدكتور روبرت رايلي (Robert R. Reilly).

 

من حسن الصدف أني التقيت بالمؤلف في مؤتمر روما لإصلاح الإسلام في نهاية العام الماضي، ومن خلال محادثاتي معه، و قراءتي لكتابه فيما بعد، عرفته ذا إطلاع واسع في تاريخ الإسلام، مع فهم عميق للعقل العربي والإسلامي بصورة خاصة. لذلك، رأيت من المفيد تقديم عرض لهذا الكتاب القيم، لفائدة كل من له اهتمام بالمشكلة التي تعرض لها المسلمون والعالم من الإرهاب.

 

يرى المؤلف أن سبب الإرهاب الإسلامي اليوم لم يكن جديداً، وليس لأسباب اجتماعية مثل الفقر…الخ، وإنما لخلل أصاب عقل المسلم كنتيجة لسلسلة من التطورات حصلت في الفكر الإسلامي، بدأت في القرن التاسع الميلادي، وقد وصل إلى ما هو عليه اليوم كنتيجة حتمية لهذه العقلية. لذا فيتتبع المؤلف جذور المشكلة من خلال انعطافات تاريخية منذ بداية ظهور الإسلام، مع التركيز على التطورات الفكرية في العصر العباسي.

 

يقول المؤلف في المقدمة، أنه يبحث في واحدة من أعظم الدراما في التاريخ البشري، مسرحها عقل المسلم، وكيف تعامل السلف من فقهاء الإسلام مع العقل، خاصة بعد تعرضه للفكر اليوناني في عهد الخليفة العباسي، المأمون، العملية التي يسميها بـ(Helenization of Islam)، أي تلقيح الثقافة الإسلامية بالفلسفات اليونانية (الهيلينية) القديمة، وبالأخص فلسفة أرسطو، كما حصل للمسيحية في أوربا.

فيقارن المؤلف بين الحضارتين، الغربية والإسلامية، ويؤكد الفكرة السائدة أن الحضارة الغربية نشأت من أربعة مصادر: الديانة المسيحية، والديانة اليهودية، والفلسفة اليونانية والقانون الروماني. هذه الحضارة ازدهرت ثم تفسخت في القرون الوسطى، لتنهض من جديد في عصر النهضة والأنوار إلى أن بلغت هذا المستوى المتفوق اليوم من التقدم العلمي والتقني والفني والفلسفي، وحقوق الإنسان، والحرية والديمقراطية…الخ. ويرى أن ما كان لهذا التقدم أن يحصل لولا اهتمام فلاسفة الغرب بالعقل والعقلانية.

 

أما الإسلام الذي بدأ في القرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية، ورغم أنه حقق نهضة سريعة، فخلال ثلاثة قرون انتشرت الحضارة الإسلامية في شمال افريقيا، والشرق الأوسط، ومناطق نائية في وسط وشرقي آسيا، وحتى غربي أوربا، وأسست المدن والمعاهد العلمية والمكتبات، ثم انهارت هذه الحضارة في القرن الثاني عشر الميلادي وغاص العالم الإسلامي في ظلام دامس، ولم تنهض كما نهضت الحضارة الأوربية.

 

لذا يسأل المؤلف: لماذا لم تحصل النهضة في العالم الإسلامي بعد كبوته على غرار ما حصل للغرب؟

 

يركز المؤلف على ما حصل للفكر الإسلامي من تطور في العهد العباسي، وبالأخص في فترة الخليفة المأمون، حيث صعدت حركة المعتزلة الفكرية العقلانية، وهي امتداد لحركة القدرية (من القدرة والإرادة الحرة في أخذ القرار). فالمعتزلة هم دعاة منح الأولوية للعقل على النقل، وفلسفتهم تتركز على أن الإنسان مخيَّر ويتمتع بالإرادة الحرة، لأنه يمتلك العقل الذي بواسطته يستطيع التمييز بين الخير والشر، والعدالة والظلم، لذالك فهو مسؤول عن نتائج أعماله وفق الآية: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى ومن يعمل مثقال ذرة شر يرى)، وبدون هذه الإرادة الحرة في الاختيار، فالإنسان غير مسؤول عن أعماله، ولذلك ليس من العدالة معاقبته إذا ارتكب جرماً. وهذه المدرسة هي على خلاف المدرسة الفكرية الأخرى التي تسمى بـ(الجبرية) التي تقول أن الإنسان مسيَّر، ولا إرادة له في أخذ قراراته وصنع أعماله، لأن كل ما يعمله ويتعرض له هو مكتوب عليه من الله منذ الأزل وقبل ولادته. والجدير بالذكر، أن خلفاء بني أمية شجعوا هذه المدرسة الفكرية لتبرير ظلمهم، بأنهم إذا كانوا ظالمين فإن الله هو الذي سلطهم على رقاب المسلمين، فالظلم ليس ذنبهم، بل بإرادة الله!.

 

والخليفة عبدالله المأمون نفسه كان معتزلياً عقلانياً، محباً للفلسفة ومن أنصار العقل، حيث ازدهرت الثقافة والحركة الفكرية في عصره، فأسس بيت الحكمة في بغداد، وشجع ترجمة الكتب من مختلف الثقافات، الهندية، والفارسية واليونانية.

ويقال أن سبب تحول المأمون إلى المعتزلة والعقل ضد النقل، أنه رأى أرسطو في المنام، فنصحه بأن العقل هو أهم مصدر لمعرفة الحقيقة، فالفرق بين الإنسان والحيوان هو العقل. لذا أيد المعتزلة ودعم حركتهم، وأسند لهم المناصب وخاصة في القضاء. والمعتزلة روجوا لفرضية (خلق القرآن) التي آمن بها المأمون بقوة، حيث فرضها كعقيدة رسمية للدولة، إلى حد أن راح المعتزلة يمتحنون الناس، وكل من لا يقر بهذه الفرضية كان يتعرض للعقاب. لذلك سمي ذلك العهد بعهد المحنة، (من الامتحان). ومفاد هذه النظرية أن الله خلق القرآن وأنزله على محمد بلسان عربي مبين. ولكن يرى خصومهم أن القرآن كان موجوداً منذ الأزل مع وجود الله. ويستند المعتزلة في دعم رأيهم إلى الآية: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)، ويفسرون كلمة (جعل) بأنها تعني (خلق)، ولا فرق بينهما في المعنى. وقد يبدو هذا الجدال سفسطائياً، إلا إنه أثار فتنة واسعة في وقته. والجدير بالذكر أن الشيعة يعتقدون بخلق القرآن، فالمعتزلة ليسوا من مذهب واحد، بل يوجد بينهم من السنة والشيعة.

 

ومن أبرز الذين عارضوا فرضية خلق القرآن، هو الإمام أحمد بن حنبل، مؤسس المذهب الحنبلي، فتعرض من جراء ذلك إلى السجن والتعذيب، وصمد بشجاعة، مما كسب إعجاب الناس، ونال شعبية واسعة بين أهل بغداد. وتميز الحنابلة (أتباع مذهب ابن حنبل) عن غيرهم من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، بميلهم إلى استخدام العنف ضد من يختلف معهم. وفي عصرنا الحاضر، الوهابية هي امتداد للمذهب الحنبلي، لذلك لا غرابة في تبنيهم للعنف بما فيه الإرهاب.

 

اعتمد المعتزلة على العقل في تفسير النصوص الدينية (الكتاب والسنة- أي الأحاديث النبوية)، بدلاً من الاعتماد على ما نقل إليهم من السلف. ومن هنا بدأ الصراع بين المعتزلة (العقلانيين)، وأهل السنة الذين يعتمدون على ما نقل إليهم من السلف في التفسير الحرفي للنصوص الدينية بغض النظر عن تعارض المنقول مع العقل، ويأخذون بكل ما نقل إليهم من أحاديث نسبت إلى النبي محمد، وأغلبها في رأي بعض الفقهاء مشكوك بصحتها، وبالأخص الإمام أبو حنفية (مؤسس المذهب الحنفي) الذي لم يأخذ من الأحاديث النبوية سوى 17 حديثاً فقط، ورفض الباقي. وكان المعتزلة يسمون أنفسهم بأهل (العدل والتوحيد)، كما أطلق اسم (أهل السنة) على المحدثين، أي الذين يعتمدون على ما نقل إليهم من الأحاديث النبوية.

 

تصاعد الصراع، وأخذ منحىً جديداً بين المعتزلة وأهل الحديث (السنة) عندما انشق أحد المعتزلة، أبو الحسن الأشعري (260هـ- 324هـ) في القرن التاسع الميلادي، وهو المنظِّر الأول لمواقف أهل السنة، ومؤسس المذهب المعروف باسمه (الأشعرية)، بعد أن انشق عن المعتزلة إثر خلاف بينه وبين شيخه، أبو الهٌذَيل العلاف. وكما اعتنق المأمون العقلانية بعد أن رأى أرسطو في المنام، كذلك الأشعري غيَّر موقفه من المعتزلة بعد أن رأى النبي في المنام ثلاث مرات، معاتباً إياه في المرتين الأولى والثانية على تخليه عن أحاديثه، وأمره بالدفاع عن سنته، ولما عمل الأشعري بما أمره النبي، جاءه في المرة الثالثة وطالبه بالدفاع عن أحاديثه مع الالتزام بالعقلانية. لذلك أقام الأشعري مذهبا وسطا جمع بين منهج المعتزلة في العقلانية والفكر السني المعتمد على الرواية والحديث مع معاداة المعتزلة كمذهب.

 

بلغ الصراع أشده في عهد المتوكل، حيث اضطهد المعتزلة وطاردهم، وقتل عدداً منهم، وفر من نجى، ليختفوا في المناطق النائية من الدولة العباسية، وذاب كثير منهم في المذهب الشيعي. كما و أحرقوا مؤلفاتهم، ولم يبقَ منها سوى تلك النتف القليلة التي اقتبسها خصومهم لتفنيد آرائهم. وعلى سبيل المثال، كان الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر البصري (159هـ-255هـ) معتزلياً، وقد ألف خلال عمره المديد نحو مائة كتاب، أكثرها في الفقه الإسلامي وفق منظور المعتزلة، إلا إنهم أحرقوا معظم كتبه ولم يتركوا منها إلا تلك الكتب التي لم تتعرض للدين، مثل كتاب الحيوان، والبخلاء، والبيان والتبيين وغيره.

 

وكانت تلك الحملة ضد المعتزلة هي ردة في تاريخ الفكر العربي- الإسلامي، وبداية اغلاق عقل المسلم، والانحطاط الحضاري والفكري، وضعف الدولة العباسية، وتمهيداً لسقوطها الأبدي بركلة من هولاكو عام 1258م. ولم يتعافى العقل العربي من هذا الانحطاط لحد الآن، وما بن لادن ومنظمته الإرهابية (القاعدة) إلا ثمرة سامة من ثمار هذا الانحطاط الذي بدأ قبل 11 قرناً على يد الأشعري فكرياً، والمتوكل سياسياً.

 

وفي القرن الثاني عشر جاء الإمام أبو حامد الغزالي (1058م-1111م)، فشن حرباً شعواء على الفلسفة والعقل والعقلانية، فألف كتاباً بعنوان: (تهافت الفلاسفة) لهذا الغرض. والجدير بالذكر أن الغزالي نفسه كان فيلسوفاً، واسع الاطلاع على علوم زمانه، فقد قرأ كتب الفلسفة إلى جانب ثقافته الواسعة بالمعارف الإسلامية، إلى حد أن يعتبره البعض أعظم مثقف في الإسلام، لذلك لقبوه بحجة الإسلام. ولكن حصلت له أزمة نفسية عندما بدأ يشك في الدين والوحي نتيجة لقراءته كتب الفلسفة والمنطق، ثم صار صوفياً واعتزل العالم في دمشق. وكان يتمتع بمكانة متميزة بين رجال الدين وطلبة العلوم الإسلامية، لذلك كان لانقلابه على العقل تأثير مدمر على الفكر الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت وضع الغزالي الختم على عقل المسلم. فالعقل بالنسبة للغزالي هو العدو الأول للإسلام، لذا رأى أن على المسلم الإستسلام الكلي إلى إرادة الله، أي كل ما جاء في الوحي من قرآن وسنة النبي، ومن السلف الصالح من تفسير للنصوص والشريعة بدون أي سؤال أو مناقشة.

 

تهجم الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) على افلاطون وأرسطو وأتباعهما، وقال أن الفلسفة لا تنقذ الإنسان من الظلام والتناقض وإنما الوحي وحده ينقذه.

ثم جاء ابن تيمية (1263م-1328م)، وهو أحد كبار فقهاء أهل السنة من المذهب الحنبلي المتشدد، فأطلق مقولته: (كل من تمنطق فقد تزندق).

 

وبعد أقل من قرن من وفاة الغزالي، ظهر ابن رشد ( 1126م – 1198م) في الأندلس، وكان فيلسوفاً متنوراً، ترجم بعض أعمال أرسطو إلى العربية، إضافة إلى مؤلفاته الغزيرة، حاول أن يرد الاعتبار إلى الفلسفة والعقلانية، فرد على كتاب الغزالي (تهافت الفلاسفة) بكتاب (تهافت التهافت). إلا إن أغلبية المسلمين في ذلك الوقت كانوا قد اعتنقوا الأشعرية التي جعلت الإيمان أكثر قبولاً بدون عقل. فوقفت السلطة الحاكمة ضد ابن رشد وسجنته وجمعت مؤلفاته (نحو 108 كتاباً) في ساحة المدينة (قرطبة) وأشعلت فيها النيران. وهكذا انتصر الغزالي والأشعري على ابن رشد، وانتصر النقل على العقل.

 

وفي تلك الفترة (أوائل القرن الثاني عشر الميلادي) أغلق باب الاجتهاد لدى فقهاء الإسلام السني بدعوة من الغزالي، وقالوا أن السلف لم يتركوا شيئاً إلا ووضعوا له تفسيراً وحلاً، وأن أي تفسير جديد للشريعة غير مقبول، فما كان صحيحاً في القرن الثاني عشر هو صحيح في كل زمان ومكان. يعني بلغة اليوم، أنهم وصلوا إلى نهاية التاريخ، حسب تعبير فوكوياما! فالاجتهاد كان وسيلة تسمح للفقهاء إجراء بعض التعديلات حسب ما يتطلبه الوقت وما يفرزه من مستجدات، ولكن حتى هذا الهامش البسيط من الحرية تم إلغاءه.

 

وفي القرن الثامن عشر الميلادي ظهر في نجد محمد ابن عبدالوهاب (1703م – 1791م) فأسس الحركة الوهابية، دعا فيها إلى العودة إلى أصول الإسلام في عهد الصحابة والرسول، مبرراً استخدام العنف ضد المختلف. والجدير بالذكر أن الوهابية هي وراء الحركات الجهادية، ومنها منظمة (القاعدة) التي أسسها بن لادن في أواخر القرن العشرين، ومازالت تنشر الإرهاب في العالم.

 

وفي عام 1928 برز في مصر الشيخ حسن البنا، وأسس حزب الأخوان المسلمين. وفي منتصف القرن العشرين، ظهر سيد قطب، وهو منظر الحركات الجهادية وصاحب كتاب (معالم في الطريق) الذي أدان فيه الحضارة الغربية ودعا إلى الجهاد لقيام حكم إسلامي على غرار الخلافة الراشدية. طالب سيد قطب المسلمين أن ينفضوا عنهم تراكم العصور من التخلف، ويعودوا إلى عصر الصحابة ويسيطروا على العالم من جديد ويعيدوا عصر الخلافة. وكغيره من الإسلاميين المولعين بنظرية المؤامرة، أوعز سيد قطب سقوط الخلافة العثمانية إلى تآمر اليهود في اسطنبول. وكداعية للعنف الجهادي، نعت سيد قطب المسلمين غير المتدينين بالأعداء من الداخل الذين يجب التخلص منهم من أجل تحضير الجبهة الداخلية لمواجهة الغرب الكافر دون التلوث بالأيديولوجية الغربية.

وأخيراً ظهر الشيخ محمد قطب، وهو شقيق سيد قطب، وأستاذ بن لادن، وصاحب كتاب (جاهلية القرن العشرين) الذي اعتبر كل ما أنتجه الغرب من معارف وثقافات وفلسفات وعلوم وتكنولوجيا وحضارة وحداثة…الخ، منذ ما قبل سقراط وإلى الآن، هو جهل في جهل، وأن الثقافة الحقيقية هي الإيمان بالقرآن والسنة فقط.

 

يستدرك المؤلف أن هذا لا يعني أن عقل كل مسلم منغلق، أو لا توجد مذاهب أخرى في الإسلام فيها انفتاح، وإنما يعني القطاع الأكبر من الإسلام السني الذين أغلقوا العقل وسدوا باب الاجتهاد، وحاربوا الفلسفة، ويستثني الشيعة لأنهم تركوا باب الاجتهاد مفتوحاً، وأشار إلى أن الإسلام الشيعي يحتاج إلى بحث مستقل.

 

وهنا أود توضيح مسألة لم يشر إليها المؤلف وهي، أن فقهاء الشيعة، رغم إبقائهم باب الاجتهاد مفتوحاً، إلا إنهم نادراً ما يستخدمونه بشكل فعال، أو يجرون أي تغيير يذكر وذلك خوفاً من العامة، لأن وارداتهم المالية تأتي من العوام، وليس من الحكومات كما في حالة رجال الدين السنة.

 

وبالعودة إلى السؤال الذي طرحه المؤلف: لماذا لم تحصل النهضة في العالم الإسلامي على غرار ما حصل في أوربا؟

 

يؤكد المؤلف على أن السبب هو تعطيل دور العقل في العالم الإسلامي. فالإنسان يتمتع بغريزة حب الاستطلاع، الفضول curiosity، وكسب المعرفة، واكتشاف أسرار الطبيعة، وإخضاع كل شيء للسؤال، وتوسيع مداركه بالمعارف، ولولا هذا الفضول عند الإنسان لما حصل هذا التقدم الحضاري والعلمي، والاكتشافات والاختراعات، ولبقي الإنسان بدائياً همجياً إلى الأبد. ولكن من الجانب الآخر، يرى الكاتب أن إعمال العقل في البحث والتنقيب والمناقشة والمحاجة، يؤدي بالتالي إلى زعزعة الإيمان الديني الموروث من الآباء.

 

وهنا يسأل المؤلف: هل من غرابة بعد كل هذا الجمود واغلاق العقل، أن تصدر فتاوى عجيبة وغريبة مثل فتوى إرضاع الكبير، وانتشار الإرهاب؟ كذلك أدمن المسلمون على نظرية المؤامرة، إذ اعتادوا على إلقاء اللوم في تخلفهم على الغرب، بينما يرى أن اللوم يجب أن لا يقع على الغرب لنجاحه، بل على العالم الإسلامي لفشله. وهذا الفشل لم يكن نتيجة للإسلام كدين، وإنما نتيجة حتمية للانتحار الثقافي والعقلي الذي حصل قبل 11 قرناً.

 

كما يشخص المؤلف أن هناك مسلمون يعرفون العلة والعلاج، ولكنهم بلا جمهور، ولا أنظمة سياسية حاكمة ترغب في الإصغاء إليهم أو تحميهم. فهناك معركة حامية داخل الإسلام نفسه. وهذا الكتاب يعمل لفهم هذه المعركة ونتائجها. فيستشهد المؤلف بقول لباحث أكاديمي باكستاني وهو الأستاذ فضل الرحمن: “إن شعباً يحرم نفسه الفلسفة لا بد وأن يحرم نفسه من الأفكار الحديثة، أو بالأحرى يرتكب انتحاراً ثقافياً”.

 

يقول المؤلف، هناك سبيلان لإغلاق العقل، الأول، هو إنكار قدرة العقل على إدراك الواقع والحقيقة. والثاني، إنكار وجود الواقع الذي يمكن إدراكه. ويسأل: هل بإمكان العقل إدراك الحقيقة؟ وهل بإمكان معرفة الله عقلياً؟ ومن هنا حصل شرخ كبير بين العقل والحقيقة، أي بين العقل وبين الله. هذا الإنفصام ليس في القرآن، بل في الثيولوجيا الإسلامية المبكرة، والذي أدى إلى إغلاق عقل المسلم.

 

من الأشعري إلى بن لادن

ومن كل ما تقدم، يستنتج المؤلف، أن الإرهاب الإسلامي الذي نشهده اليوم هو نتاج إغلاق عقل المسلم الذي بدأ في القرن التاسع الميلادي على يد الأشعري. فالمشكلة فكرية كبيرة لأنها تشمل حرمان المسلمين من التطور والنمو العلمي، ونشوء أنظمة ديمقراطية ذاتياً. إن إغلاق العقل هو السبب الرئيسي لتخلف العرب، وانحدارهم إلى أسفل سلم التنمية البشرية وخاصة في العلوم، مستشهداُ بتقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي لعام 2002. ويرى أن هذا هو سبب عدم تصديق العرب لحد الآن بنزول الإنسان على سطح القمر مثلاً، أو كروية الأرض ودورانها حول محورها كل 24 ساعة، وحول الشمس كل 365 يوماً وربع اليوم، ويعتقدون أن الكوارث الطبيعية مثل إعصار كاترينا، هو انتقام من الله على البشر لمخالفتهم أوامره.

 

ويسأل الدكتور رايلي: هل الإرهاب الإسلامي هو نتاج الإسلام كدين، أم الإسلاموية، أي الإسلام السياسي؟ وهل الإسلاموية هي صورة مشوهة من الإسلام؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن أين أتى هذا التشويه؟ ولماذا الإسلام دون غير من الأديان معرض إلى هذا النوع من التشويه؟ ويحاول الإجابة على هذه التساؤلات في القسم الأخير من الكتاب.

 

المشكلة الأخرى عند العرب هي تحفظهم وريبتهم من كل شيء غير عربي. فلما بدأ الانفتاح على الثقافة الهيلينية في عهد المأمون، ونظراً لعدم معرفتهم بالعلوم، أطلقوا عليها تعبير: “العلوم الدخيلة”. والمؤسف أنه لحد الآن يستخدمون هذا التعبير التسقيطي للحط من المعارف التي يتلقاه المسلم من بلدان غير مسلمة.

 

ونستنتج من كل ما تقدم، أنه لولا الأشعري وحربه على المعتزلة، والغزالي وحربه على الفلسفه والعقل، ولو استمر المعتزلة في نهج العقلانية، ولو انتصر ابن الرشد على الغزالي، لما انغلق عقل المسلم، ولما تم تعطيل العقل وشل الفكر، ولما ابتلى المسلمون بنظرية المؤامرة، وإلقاء كل كوارثهم وتخلفهم وفشلهم على الأجانب والمؤامرات الدولية… والصهيونية وغيرها، و لكان وضع المسلمين مختلف الآن. فعقل المسلم هو عقل اتكالي، لا يثق بنفسه، مما أدى إلى حالة الركود والجمود الدائمين.

 

وهكذا نجد أن هناك سلسلة من التحولات الفكرية التي بدأت في القرن التاسع الميلادي، وكل تحول أدى إلى تحول لاحق أشد ضرراً،(السبب والنتيجة)، أشبه بسلسلة التفاعلات النووية (chain reaction)، ابتداءً بالأشعري، ومروراً بالغزالي، وابن تيمية، ومحمد بن عبدالوهاب، وحسن البنا، وسيد قطب، وصولاً إلى بن لادن، مؤسس وزعيم منظمة (القاعدة) الإرهابية.

 

علاقة إغلاق العقل بالاستبداد

يرى المؤلف أن انتصار الغزالي على ابن رشد في إلغاء العقل والعقلانية أعطى الحكام ذريعة للاستبداد، والتمسك بأيديولوجية المكتوب من الله، أي(الجبرية). ولذلك عندما جاء كمال أتاتورك للسلطة في تركيا بعد انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، منع ترجمة كتب الغزالي إلى اللغة التركية.

ويسأل: لماذا لم تنشأ الديمقراطية في البلدان الإسلامية ذاتياً أي من الداخل؟ وهل تنجح اليوم؟ ويجيب أن إن السبب يكمن في تفوق سلطة القوة على سلطة العقل في الثقافة العربية- الإسلامية. وهذا يعني أن الأشعرية اليوم هي مذهب سائد، ولكن تأثيرها تضاعف في الوهابية التي هي أشد عداءً للعقل من الأشعرية. والجدير بالذكر أن محمد بن عبدالوهاب قال في أحد كتبه: “الفكر والكفر سيان لأنهما من نفس الحروف”.

كما ويؤكد المؤلف أن منح الأولوية للعقل شرط أساسي للتقدم الحضاري ونجاح الديمقراطية، إذ لا ديمقراطية بدون عقلانية. وبدون العقل لا يمكن بناء مؤسسات علمية، ولا حكومة دستورية، ولا دولة مؤسسات. فإلغاء السبب المباشر وإيعاز كل شيء إلى إرادة الله، يلغي وظيفة العقل. وأولوية القوة على العقل في العالم الإسلامي السني له نفس العواقب الوخيمة. فبدون سبب ثانوي مباشر لا يمكن أن يحكم الإنسان نفسه ويفكر بحرية ومسؤولية، وبالتالي لا يستطيع أن ينمي قابلياته ويبدع، فالإبداع من البدعة، وفي الإسلام (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).

 

ما أخذه الإسلام السياسي من الغرب

رغم عداء الإسلام السياسي للغرب، إلا إنه كان انتقائياً في أخذ الكثير من تعاليم الشيوعية والفاشية رغم أنهما من نتاج الحضارة الغربية، حيث أخذ منظرو الأيديولوجية الإسلاموية منهما الكثير من الأفكار دون الإشارة إليهما. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أخذ سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) فكرة (حزب الطليعة – الأخوان المسلمون)، لقيادة المسلمين إلى الحكم الإسلامي، وهي فكرة لينينية في تأسيس حزب الطليعة، الشيوعي لقيادة جماهير البروليتاريا. وكذلك هناك أفكار أخرى أخذها الإسلام السياسي من الأيديولوجيات الغربية لا مجال لذكرها.

 

يطرح المؤلف سؤلاً مهماً وهو: لماذا لم يأخذ الإسلام السياسي من الغرب الديمقراطية بدلاً من بعض الأفكار من الأيديولوجيات الشمولية؟

ويجيب كما يلي:

أولاً، لأن هناك تشابه بين بعض الأفكار في الأيديولوجيات الشمولية الغربية والأشعرية في الإسلام، فعلى سبيل المثال يذكر المؤلف أن الأشاعرة حطوا من دور العقل، ومنحوا الأهمية للإرادة الخالصة لله، وهي نظرية مطابقة للنيتشوية (نسبة إلى الفيلسوف الألماني، فردريك نيتشة) التي تؤمن بالإرادة وأداتها القوة. والأداة السياسية المنفذة لهذه الإرادة هي الحزب النازي الألماني، إذ كما قال هانس فردريك بلانك، رئيس القسم الأدبي للفترة (1933-1935): “هذه الحكومة ولدت من خلال معارضتها للعقلانية”.

وفي هذه الحالة إذا كانت الإرادة والقوة من أولويات الواقع، ففي خطوات متعاقبة يؤدي إلى النظام الشمولي (التوتاليتاري)، سواءً كانت الأيديولوجية دينية أو علمانية، فالغاية السياسية واحدة. فعندما تكون الإرادة الخالصة (وليس العقل) هي أساس الواقع، فستؤدي إلى طغيان حكم الاستبداد. وهكذا فالحركات الإسلامية قلدت الأيديولوجيات التوتاليتارية الغربية في هذا الخصوص، أي اتخذت الفاشية والشيوعية مثالاً لها للتقليد، فتبنوا مبدأ حزب الطليعة لقيادة الجماهير والاستبداد في الحكم.

 

كذلك هناك تشابه وتطابق في الأيديولوجيات الشمولية، الشيوعية والفاشية، مع الثقافات والتقاليد والأعراف الشرقيه. والأهم، أن هذه الأيديولوجيات تنسجم مع فكرة إلغاء العقل، وتبني مبدأ الإرادة والقوة، بينما الديمقراطية لا يمكن تحقيقها إلا بالعقلانية.

 

يقع الكتاب في 244 صفحة من الحجم المتوسط، جدير بالقراءة، حبذا لو تقوم دار نشر عربية بترجمته إلى اللغة العربية ونشره على أوسع نطاق، وحتى بالنسخة إلكترونية على الانترنت، لتعميم الفائدة.

 

The Closing of The Muslim Mind

How Intellectual Suicide Created the Modern Islamist Crisis

By Robert R. Reilly, Paperback edition, February 2011

Wilmington, Delaware

لمشاهدة صورة الغلاف يرجى الضغط على الرابط التالي

http://www.amazon.com/The-Closing-Muslim-Mind-ebook/dp/B003Y8XQLK/ref=sr_1_3?s=digital-text&ie=UTF8&qid=1362739414&sr=1-3

 

البريد الإلكتروني: abdulkhaliq.hussein@btinternet.com

 

حكومة التحوّلات العربية

STAR 34

بقلم : طلال سلمان – رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية

مع الترحيب، لبنانياً، بضم تمام سلام إلى نادي رؤساء الحكومات، بعد «اضطهاد» أو ـ أقله ـ استبعاد طال أمده وإن غمضت أسبابه، فمن الضروري قراءة هذا الحدث من خلال موقعه في مسار التطورات التي تزلزل المشرق العربي جميعاً، وأخطرها ما يحصل في سوريا وما يدبّر لمستقبلها، بغير أن ننسى العراق وجرحه النازف فضلاً عن الأحداث المقلقة في مصر تحت حكم الإخوان.

وليس سراً أن الكثير من القرارات المتصلة بأمن المنطقة، بممالكها وجمهورياتها وإماراتها والمشيخات، تتخذ بقدر من التنسيق بين «الخصوم» في المعسكرات المختلفة، أو عبر الإبلاغ المسبق بمضمونها، أو أقله عبر الإيحاء باتجاه الريح.

وكان طبيعياً أن تنعكس التطورات التي شهدتها وما تزال تشهدها المنطقة على امتداد السنتين الأخيرتين، وتحديداً منذ أن تفجّرت سوريا بأزمتها الدموية، على الوضع السياسي في لبنان خصوصاً أنه وليد توازنات تتبدى الآن وكأنها من زمن مضى، وهي لم تعد مناسبة، بالتالي، لليوم، أو خاصة للغد الذي يجري «تصنيعه» في «دول القرار» للمنطقة جميعاً.

فسوريا اليوم هي غير سوريا قبل عامين، وقد انتقلت من الشريك الأساسي في القرار حول لبنان إلى «الضيف الثقيل»، بل ربما إلى مصدر الخطر على كيانه السياسي وليس فقط على نظامه ولعبة التوازنات بين «أقطابه» و«أحزابه» ومواقع الرئاسة وطبيعة أدوار الحكومات.

الأسئلة، الآن، تتجاوز الدور والموقع إلى طبيعة النظام الذي استطاع أن يصمد للعواصف والحروب لأكثر من أربعة عقود… فسوريا اليوم هي غير سوريا قبل عامين، بل لكأنها قد فقدت مكانها ومكانتها كشريك في القرار في الشؤون العربية عموماً، وانطلاقاً من دورها في لبنان، وصارت الأسئلة تتركز على مصيرها في ضوء تطورات الصراع الدموي المخيف بين نظامها الشرس وبين معارضيه الكثر متعددي الانتماءات والهويات. ولا أحد يعرف، على وجه اليقين، ماذا ستنتج الحرب المفتوحة فيها وعليها والتي تملأ أرضها بدماء أبنائها ومعهم أشتات «المجاهدين» و«المرتزقة» الوافدين لتصحيح «الخطأ التاريخي الذي ارتكب قبل أربعين عاماً أو يزيد، وعبر التساهل في هوية حاكم سوريا»… على حد ما يقول بعض أمراء التحليل السياسي وشيوخه المفوهين.

ثم أن العراق اليوم هو غير العراق الذي كان: تمزقه الصراعات السياسية التي يسهل إضفاء الطابع العرقي عليها وصولاً إلى توكيد الطابع الطائفي: «بغداد للعباسيين كما دمشق للأمويين، والعاصمتان لورثة هؤلاء وليس لأي وافد طارئ»، حسب التحليل السائد ذاته… و«يجب أن يكون النظام القائم في بغداد التالي، بعد النظام في دمشق، على قائمة الإسقاط، واستعادة بروسيا العرب».

كذلك فمصر مثقلة بهمومها، وأخطرها اختطاف انتفاضة الميدان وسيطرة الإخوان المسلمين على السلطة، بكل ما نجم وسوف ينجم عن هذا الاختطاف منذراً بدخول أعرق دولة في العالم، وأكبر دولة عربية وأخطرها نفوذاً، في الأصل، دوامة الاضطراب السياسي الذي يلغي دورها في محيطها العربي، وهي التي كانت «الضامن» لغيرها عبر نموذجها الفذ لوحدتها الوطنية والتطهّر من آثام الطائفية والمذهبية.

أما دول الخليج، بزعامة السعودية، فقد استعادت موقع القيادة، عربياً، بتزكية دولية واسعة، لا سيما أنها تشكل رأس الحربة في محاصرة إيران ومطاردتها لإخراجها من مواقع نفوذها في المنطقة العربية وأفريقيا… وها هي «قطر العظمى»، كما يطلق عليها الأمير سعود الفيصل، تتصدّر الحملة على النظام السوري، في حين تواصل السعودية محاصرة العراق، وتنأى الجزائر بنفسها عن صراعات المشرق متخوّفة من عودة «الإسلاميين» إلى العبث بأمنها كما في بداية التسعينيات.

على هذا يمكن القول إنك تستطيع، في هذه اللحظة بالذات، أن تقرأ ما يُراد للبنان أن يكونه في المستقبل القريب، بافتراض أن مرحلة كاملة من حياته السياسية قد انتهت لتبدأ مرحلة جديدة، برموز مختلفة وتوجهات مختلفة عما كان سائداً بقوة الأمر الواقع الذي يعيده البعض إلى ماضي النفوذ السوري، أو يمده آخرون إلى بروز «حزب الله» كقوة أساسية في البلاد بعد نجاحه الباهر في التصدي للاحتلال الإسرائيلي وإجلائه في أيار 2000 ثم بمقاومته الباسلة للحرب الإسرائيلية في تموز 2006 حتى إجلاء العدو عن الأرض اللبنانية.

من هنا يمكن اعتبار رئيس الحكومة العتيد تمام سلام بمثابة «فدائي» تقدم حيث لم يجرؤ الآخرون، وتصدى لمهمة لن تكون سهلة، وهو يحتاج فيها تأييداً أكيداً وثابتاً وواسعاً، حتى لا يترافق وصوله إلى سدة الرئاسة الثالثة مع افتراضه طرفاً في الصراع المحلي الذي اتخذ في لحظات أبعاداً طائفية ومذهبية لطالما كان منزل صائب سلام بعيداً عنه، خصوصاً أن مناخه الطبيعي يختلط فيه ياسمين دمشق مع شميم برتقال فلسطين فضلاً عن هواء لبنان العليل

الخلط بين الإسلام السياسي والمسلمين والإسلاميين! عرفان نظام الدين *

نعيش هذه الأيام إرهاصات الموجة الثالثة من الهجوم على الإسلام وتشويه صورته وتعمد الخلط بين الدين الحنيف ومبادئه السمحة، وهو دين الوسطية والاعتدال والمحبة، وبين الحركات والاتجاهات الإسلامية أو الفئات المتأسلمة اسماً لاستغلال الدين كقناع في سبيل تحقيق مصالح آنية أو تأمين مطامع وغايات أخرى.

الموجة الأولى بدأت فور انهيار الاتحاد السوفياتي وتحطم جدار المعسكر الاشتراكي وسقوط النظرية الشيوعية عندما تحركت عدة جهات تغذيها وتحرضها الحركة الصهيونية للتحريض ضد الإسلام والمسلمين والزعم بأن العدو الأكبر للمعسكر الديموقراطي سيكون الإسلام وأن الصراع المقبل سيكون صراع حضارات، أي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. وشارك في تقديم هذه النظريات والمؤامرة التحريضية رجال سياسة ودين وأحزاب ومؤسسات مثل مؤسسة «راند» التي أطلقت وصف «الإسلاموفوبيا» على الحال الراهن، وبعض الكتاب والمفكرين مثل صموئيل هنتنغتون صاحب نظرية «صراع الحضارات» وفوكوياما صاحب نظرية «نهاية التاريخ» التي تراجع عنها بعد ثبوت فشلها وعدم مطابقتها للواقع.

وتواصلت الحملة إلى أن تحقق لهؤلاء جميعاً، ما أرادوا لتكر علينا هجمة أشرس كرد فعل لزلزال تفجيرات نيويورك وواشنطن وتبني «القاعدة» لها ولغيرها من العمليات الإرهابية، ما استدعى تشكيل رأي عام عالمي يكره كل ما هو مسلم ويلصق تهمة الإرهاب بالإسلام وما تبع ذلك من غزو لأفغانستان والعراق وردود الفعل الأخرى المعروفة. والواقع أن الحملة لم تتوقف منذ بدايتها، بل جعلتها «القاعدة» وقوداً لأحقادها وصبت على نار العداء زيتاً لتزيدها اشتعالاً وحقداً.

الجولة الثالثة بدأت مع تباشير قيام الربيع العربي وتمثلت في تشويه صورته بنشر المخاوف من صعود ما يسمى بالإسلاميين إلى الحكم وسيطرتهم على المنطقة بأسرها تمهيداً لحروب واضطرابات توصل إلى ما هدفت إليه نظرية صراع الحضارات.

والمؤسف أن الكثير من العرب أسهموا من حيث يدرون أو لا يدرون في الترويج لهذه الأباطيل، وهو ما أشرت إليه في مقال سابق في حينه محذراً من «الإسلاموفوبيا» العربية، أي مشاركة العرب في مؤامرة التخويف من الإسلام.

ولا أقول أن الأخطار ليست قائمة في حال صعود المتطرفين إلى السلطة في أي مكان، ولكني أجزم بأن الخلط بين الإسلام كدين وبين كل هذه الحركات العاملة في الساحة هو خطأ كبير لا يجوز أن يقع فيه العرب والمسلمون وينتهوا إلى المساهمة في التضليل وقلب الحقائق وتشويه صورة دينهم الحنيف للأسباب التالية:

• إن كل هذه الحركات القائمة هي حركات سياسية توصف خطأ بـ «الإسلام السياسي» لأنه ليس هناك ما يسمى بالإسلام السياسي والإسلام غير السياسي. فهي في الحقيقة أحزاب تسعى للوصول إلى السلطة وتتخذ الدين ستاراً أو قناعاً لتحقيق أهدافها.

• إن التضليل وصل إلى الخلط بين الإسلام كدين وبين كل هذه التسميات الأخرى مثل السلفيين والجهاديين والأصوليين والمتطرفين و «القاعدة»، التي تدعي أنها تختصر كل المسلمين في بوتقتها، فيما جماعة «الإخوان المسلمين» اكتفت بربط اسمها بالمسلمين وليس بالإسلام وهذه خطوة عقلانية، لأنه لا يمكن لأي جهة أن تحتكر ارتباط الإسلام باسمها مع أن جميع المسلمين أخوة لا تفرقة بينهم ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى ولهذا من الخطأ حصر كلمة «الإخوان المسلمين» بحزب أو بجماعة.

• إن الفرق كبير بين الحركات القائمة أو الاتجاهات السائدة، فالسلفيون يمثلون الاعتدال والعودة إلى السلف الصالح مع الأصوليين الذين يطالبون بالعودة إلى أصول الدين، أي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. أما «الإخوان» فهم حزب سياسي بكل معنى الكلمة يعمل منذ قرن من الزمان فيما الحركات المتطرفة اتخذت العنف سبيلاً لها وأساءت إلى نفسها وإلى الإسلام ولم تجن على نفسها سوى الويلات والحروب والتدخل الأجنبي.

• إن الإسلام أكبر وأشمل وأكثر عدلاً وحكمة من كل هذه الحركات فهو دين المحبة والسلام والتعايش ودين «إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، وهو دين «لا إكراه في الدين» و «من يكفر فليكفر وليؤمن من يؤمن»، ودين التسامح والتوجه في الدعوة بالحكمة والكلمة الطيبة والأسلوب الحضاري الراقي وليس كما نشهد من ممارسات بعض الحركات من عنف وإكراه وفظاظة وخشونة مخالفين قول الباري عز وجل في محكم تنزيله «لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك».

• إن الإسلام نفسه ركز على المؤمنين كصفة أساسية للمسلمين: «لا تقولوا أسلمنا بل قولوا آمنا»، كما أنه دين للمسلم والتسامح مع أهل الكتاب والذين قالوا «إنا نصارى» ووصفهم بأنهم أكثر الناس مودة للذين آمنوا. وهذا ما جرى عندما عاش المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب وفق العهدة العمرية الشهيرة وغيرها لأكثر من 14 قرناً من دون أن يتعرض أحد لهذه اللحمة الحضارية أو لكنائس وأديرة وممتلكات المسيحيين، وحتى اليهود عاشوا بسلام وأمان في العهود الإسلامية وفي الأندلس، إلى أن قامت إسرائيل وأوجدت أجواء العداء والكراهية بين أبناء الديانات السماوية.

هذه العوامل وغيرها تؤكد عدم جواز الخلط بين الحركات والأحزاب والإمعان في التضليل لربط الإسلام بها، وصولاً إلى محاربته ولصق تهمة الإرهاب به. والمؤسف أن بعض القيادات أسهمت في هذا التضليل أو قدمت الذرائع والحجج للأعداء للتنفيس عن أحقادهم وبث سمومهم. كما أن الإعلام يسهم اليوم في هذا الخلط ويشيع الدعايات بالترويج للإسلاموفوبيا والخوف من كل ما هو إسلامي.

وأملي كبير بأن يتبنى الإعلام العربي والإسلامي مواقف حاسمة ترفض كل هذه الترهات ويتخلى عن استخدام الصفات والنعوت والاصطلاحات التي يرددها الحاقدون حتى لا يتحول إلى ببغاء يردد الأباطيل ويسيء إلى الإسلام في كل شاردة وواردة وعند إيراد أي خبر أو تغطية الأحداث. وهذا لا يتم إلا بالكف عن ربط الحركات المتطرفة بالإسلام أو ترداد كلمة الإسلاميين عند الحديث عن أي عمل عنف أو إرهاب لأن هذا ما يريده الأعداء من عملية «غسل الأدمغة» وأدمغة العرب في سلم الأولويات.

فلتسم الأمور بأسمائها ولتلصق التهم بمن يقوم بأي عمل يخصه والتفريق بين الإسلام والمسلمين، وحتى الإسلام السياسي بالدين. فالإسلام هو الدين وهو الأساس ويؤمن به أكثر من بليون و200 مليون إنسان، ومن الطبيعي أن يسعى البعض إلى استغلاله أو استخدام اسمه لغايات سياسية كما يجري في العالم المسيحي حيث تكثر الأحزاب المسيحية، ولكن ما من أحد يربط الدين المسيحي بما تقوم به من أعمال وما تمارسه من سياسات.

وواجب المسلمين في كل أنحاء العالم، والعرب في مقدمهم أن يهبوا ليدافعوا عن دينهم ويرفضوا الإساءة له أو استغلاله من أية فئة وأن يدعوا العالم بالحكمة والموعظة الحسنة والإعلام الهادف إلى فهم حقيقة الإسلام ووسطيته ونبذه للعنف والإرهاب والغلو.

أما ما يروج هذه الأيام من صعود الإسلاميين وهيمنتهم وركوبهم موجة ثورات الربيع العربي فهو أكثر من مبالغة، ويصل إلى حد التضليل لأسباب عدة أولها أن الصورة لم تتضح بعد، وأن حسم الأمور يحتاج إلى سنين. إضافة إلى ثبوت عدم قدرة أية فئة أو جماعة أو حزب على التفرد بالحكم أو كسب تأييد غالبية الشعوب.

إضافة إلى ذلك، هناك مؤشرات على خلافات بين الحركات التي تتلطى براية الإسلام تبدأ من تطبيق الشريعة ولا تنتهي عند صغائر الأمور، وتصل إلى غياب الخطة الكاملة وعدم وضوح الصورة بل وضبابية المواقف من جمع القضايا المطروحة وأولها القضايا الحياتية والمعيشية والأوضاع الاقتصادية الصعبة. وما علينا سوى الانتظار