الرؤية السياسية العربية بين الواقع والاوهام

الرؤية السياسية العربية بين الواقع والاوهام

كثير من مفكري العرب وساستهم يقزمون الاهداف الامريكية في المنطقة ويركزوا على ما ليس هو اساس وليس له اهمية استراتيجية من الناحية الاقتصادية او السياسية في المنطقة باستثناء النفط والذي تقول الابحاث انها لن تكون بحاجة الى نفط الخليج في نطلع العقد المقبل ..

ولم اقرأ نهائيا تقريبا اي دراسة او بحث عربي يتحدث عن ان الولايات المتحدة تعتبر العالم كله باركانه الاربع هو مجال امنها القومي ..

وانها تقاتل على مختلف الجبهات حتى لا تترك فراغا قد يستغله اي كان من دول العالم .. وانها تسعى بكل قوة لملء اي فراغات تتركها الدول الاخرى ..

وهذه الاستراتيجية الكونية هي الدافع الرئيسي لحربي افغانستان والعراق لملء الفراغ الناتج عن انهيار الاتحاد السوفياتي .

النفط عامل استراتيجي ليس لان الولايات المتحدة لا تستطيع الاستغناء عنه بل لانه شريان الحياة لحلفائها الذين تحرص على بقائهم على درجة من القوة لمساعدتها ومشاركتها في مواجهة القوى الكبرى التي تنازعها فكرة الهيمنة الكونية وعلى وجه الخصوص روسيا والصين ..

فالاهتمام بمنطقتنا العربية نابع من موقعها الاستراتيجي في وسط الكرة الارضية وليس لان ارضها تحتوي على موارد وكنوز اقتصادية لتقوم بنهبها او السيطرة عليها ..

وما الدعم الهائل الذي تقدمه للعدو الصهيوني الا لانه يمثل صديقا موثوقا ولا يشكل اي نوع من التهديد اطلاقا لمصالحها بل انه يخدم هذه المصالح بابقاء حالة القلق في المنطقة العربية مما لا يمكن دول المنطقة من تحقيق طموحاتها القومية التي تشكل فزاعة مرعبة لها ولكل حلفائها ..

ولهذا فهي تتحالف وتدعم جماعات الاخوان المسلمين الذين تقوم دعوتهم على فكرة نرجسية لا اساس لها في الواقع ولا يمكن ان تتحقق فكرة الدولة الاسلامية الواحدة بل ان هذه الجماعة تشكل رأس الرمح في مواجهة المشاعر القومية والتوجه القومي ..

وتعمل بنفس الوقت على دعم جميع الجهود الرامية الى ابقاء حالة التمزق الداخلي الى ملل ونحل ومذاهب وقبائل وعائلات وعشائر

اظن انه ان الاوان ليدرك نشطاء العمل السياسي من جميع التلاوين الليبرالية والعلمانية هذه الحقيقة وبالتالي يضعوا برامجهم على ضوئها ..

لان الاستمرار في الحلقة المفرغة القائمة على افكار وهمية وغير واقعية سيكون مساهمة غير مباشرة في تحقيق الولايات المتحدة وشركائها الموضوعيين او المباشرين اهدافهم الرامية على بقاء الاوضاع على ما هي عليه الى اطول فترة ممكنة ..

د.ندا الغاد

مقاربة بين حكايتي المسيح والحلاج

مقاربة مورفولوجية لحكايتي المسيح والحلاج 

نحاول في هذه المقالة دراسة حكايتين اشتهرتا عبر التاريخ. إنهما نصان ولدا في عالم لم تكن فيه الكتابة ميزة متوفرة لدى الجميع، أين كان الفكر لا يزال قيد الإيمان العميق بالأسطورة والخرافة، مسَلِّماً بشكلٍ مطلق بقدسية ما هو خارق وعجيب. كانت النفس البشرية آنذاك توّاقة إلى خلاصها من جميع الأنساق القاهرة التي أخضعتها لمجموعة من الإلزامات الثقيلة. مثَّلَ البحث عن بطل مخلص كما في الروايات الحديثة، أو عن الإنسان الخارق بالمفهوم النيتشوي أمل الإنسان في استعادة كينونته المفقودة التي من أجلها يحيَا ليشع ضياء جوهرها الخالص. في هذين النصين يتدفق صدق الإنسان وشعوره النبيل وإحساسه السّامي بعُلّوه وارتقائه(1).

إننا في هذه الدراسة أمام بنيتين متشابهتين ومتماثلتين لسيرتي المسيح والحلاج، لا نجد أنفسَنَا إلاَّ مضطرِّين لإلقاء الضَّوء عليهما والبحث في آليات الوظائف التي تشتغل ضمن طرق الحكاية. وصلت سيرة المسيح إلينا عن طريق الإنجيل «العهد الجديد»، أمَّا فيما يخصُّ سيرة الحلاج فقد وصلت إلينا أيضا بفضل كتب المؤرخين الذين تناولوا أخبار الحلاج بالاهتمام والتدوين والتنقيب. لكن هاته الحكايات التي رُويت لتُثبِتَ سيرة كل واحدٍ منهما لم ترد بصياغة واحدة، وإنما كان لكل حكاية نمطها الخاص، أسلوبها المختلف وأحداثها التي ضُبِطَت على خلاف. ولهذا السبب ولأسباب أخرى سيأتي ذكرها بالترتيب سنجد أنفسنا أمام عائق كبير أثناء التحليل، وربما سيترك في هذا البحث أثراً يجعله يفقد تركيزه وتوازنه.

فنحن أمام نصوص لا أمام نص واحد، فقصة صلب المسيح روتها الأناجيل الأربعة باختلافاتها البنيوية ( أي إنجيل متّى، مرقس، لوقا ويوحنّا)، كما أن قصة صلب الحلاج جاءتنا مختلفة باختلاف رواتها. فقد أورد نص صلبه ابن الأثير في الكامل، وابن الجوزي في المنتظم، وابن كثير في البداية والنهاية، ومسكويه في تجارب الأمم، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والقاضي التنوخي في نشوار المحاضرة وغيرها من كتب التاريخ التي قد يشكل علينا اختلافها في الرواية بعضا أو أكثر من إشكال. إضافة إلى محاولات المستشرقين في استيفاء الموضوع كما نجد ذلك لدى لوي ماسينيون في أخبار الحلاج التي جمعها وعند رينولد نيكولسون في التصوف الإسلامي وتاريخه. إذاً فنحن مبعثرون بين بنيات مختلفة ومتعددة لمحتوى واحد خلاف أن نكون كما ينبغي للدارس أن يكون، أمام بنية واحدة لمحتويات مختلفة ومتعددة.

ثانياً، إن دراستنا تنسحب على فارق زمني كبير يقاس بما يقارب 890 سنة، فصلب المسيح كان حوالي 33 ميلادي فيما ترويه الأصول المسيحيَّة، أما صلب الحلاج فكان حوالي عام 922 ميلادي، فضلا عن أنَّ قصة الصلب لدى المسيح تمتد على ما يقارب يوما كاملا، أما قصة صلب الحلاج فتمتد على فترة زمنية مقدارها حوالي 13 سنة ميلادية.

ثالثاً، إننا نسلّم تسليما قاطعا بتمايز النسق المعرفي السياسي والديني الذي أحاط بالحلاج والمسيح، فقد كانت الروم أيام صلب المسيح تستوطن الأرض وتحكم بقوانينها وتدير شؤون اليهود والعبرانيين الذين حكموا فيما بينهم بالناموس الديني التوراتي، أما ظروف صلب الحلاج فقد كانت محاطةً بالثورات التي اشتعل لهيبها، ووصل مداها إلى تهديد خلافة المقتدر بالزوال. وصِلةُ الحلاج كما تذكر المصادر كبيرة بضلوعه غير المباشر في إضرامه هذه النار لاسيما التواطؤ الذي أبداه مع القرامطة-تهمة أو حقيقة، فسياق صلبه كان فيما ترويه بعض كتب التاريخ على هذا النحو- وقد كان تبني الخلافة لمذهب المالكية الذي لا يجيز توبة الزنادقة بل يدعو إلى قتلهم قويًّا جدًّا. لقد كانت الزندقة مصطلحا لَـحِقَ بالثوريين بما فيهم الحلاج وذلك لما فيه من خلاص للسلطة من أسباب الإطاحة بنظام الخلافة آنذاك أو ما شابه ذلك.

هذه الاختلافات في النسق القائم ضمن القصتين قد نتبناها كدعم مهم وأساسي للبنية النصية التي سندرسها، فإن كان فيها من الإشكال ما سيوحي لنا بالغموض، فإن فيها على الأقل من توفير سبل الدراسة ما سيضيء طريق الوصول إلى الغاية المبتغاة على أكثر تقدير. ولذلك ما سنقوم به هو إيجاد وظائف ثابتة ضمن هاته الاختلافات المطروحة على أكثر من وجه.

2. بين المسيح والحلاج :

يرى كثير من المسلمين والمثقفين في الحلاج صورة الإنسان المعرفي الذي راح ضحية حسابات سياسية، فقد كان صلبه تمكينا للسلطة على الأقل من تمكُّنِها من قمع الحركات المناهضة. لكن يرى فيه أكثر من ذلك -وهذا رأي ماسينيون- مثالا خالصا للمعرفة الروحية والدينية العميقة التي تصل بالإنسان من طريق التصوف إلى الإيمان المطلق بالتوحيد. وهو ما تمثَّلَ في صورةٍ تماثلُ المسيح على نحو متطابق، فإذا كان القرآن قد قدّم المسيح منذ ولادته على أنه كلمة الله، وأنه بفضل هاته الكلمة-الروح ولدته مريم، وأن هاته الكلمة نفسها تعبر بشكل عنفواني عن نوع من التوحد الروحي المقدس، وأن معجزات المسيح التي تكلم عنها القرآن هي كما ذكر ابن عربي وليدة هذه الروح وميزتها، فمن الطبيعي إذاً أنَّ جموع المسلمين المعاصرة تبحث في شخص الحلاج – هذا الذي لفت أنظار الناس بتمجيد حياة التوحد الروحاني- عن ما يشبه التمثيل القرآني للمسيح(2). فهو منح الحياة لعصافير من طين وعالج الأعمى، وطهّر الأبرص، وأذهب الحمّى وحدس بما تسرّ الصدور، وأيقظ النائم وأقام الموتى وأخرج الشياطين. تشبه هاته الملازمات صفات ما قدّمه الحلاج أيضا، فقد قيل: إن الملائكة تخدمه فتحمل إليه شتاءً فواكه الصيف تماما كما كانت تحمل إلى مريم في الهيكل، وجاء في كتاب تجارب الأمم أنه يحيي الموتى وأنه يعمل ما أحبّ من معجزات الأنبياء(3) وقد جاء في آثار البلاد أنه كان يركب الأسد ويتخذ الحية سوطا، وكان يمد يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم أحدية(4)، وكان يخبر الناس بما في ضمائرهم وبما فعلوا.(5) وقد أطفأ الحلاج نار المجوس المقدسّة التي لا يطفؤها إلا المسيح(6) وأوقد يوم الجمعة أضواء كنيسة القيامة التي ليس لأحد أن يوقدها إلا الفجر الموالي ليوم عيد السبت. هذا التقاطع الحسي يتوقف على تماثل عقائدي ظاهر بوضوح. فقد حدد الحلاج القداسة على مقدار ما ذكره القرآن عن المسيح، فهي وحدة متحدّة بـ«كن»(7). تشابُهُ الحلاج بالمسيح، أو تلقيبه بالمسيح هو ما شاع بعد موته، وذلك لسبب يعود أساسا إلى صلبه والإشهار به كما صلب وأشهر بالمسيح على حسب الروايَّة الإنجيلية. فنهاية الحلاج كانت بالمعنى المجازي مسيحية إذا، فضلا عن كون بدايته على النَّحو نفسه، فقد تنبّأ أكثر من مرّة بموته كالمسيح مصلوبا. روى تلميذه أحمد ابن فاتك قائلا: كنّا بنهاوند مع الحلاج وكان يوم النيروز فسمعنا صوت البوق فقال الحلاج: أيّ شيء هذا. فقلت: يوم النيروز. فتأوّه وقال : «متى نُنَوْرَزْ» وفي رواية أخرى «متى نُنَوْرِزْ». فقلت متى تعني. قال يوم أصلب. فلمّا كان يوم صلبه بعد ثلاثة عشر سنة نظر إليّ من رأس الجذع وقال: يا أحمد نورزنا. فقلت أيها الشيخ : هل أُتْحِفْتَ،( أي تلقيت هدايا النيروز) قال بلى : أتحفتُ بالكشف واليقين، وأنا مما أتحفتُ به خجل غير أني تعجّلت الفرح(8). وقد جاء في رواية أن الحلاج تنبّأ بطريقة موته فقال:

ألا أبــلِغ أحبّــائي بأنّـي ركِبْت البحر وانكسر السـفينة

على دين الصّليب يكون موتي ولا البطـحا أريد ولا المديـنة

إن الجملة الإخبارية توحي لنا في بداية البيت الثاني أن تقديم الصليب على الموت فيه تأكيد بأن الحلاج كان على يقين بذلك، ويتأكد هذا أيضا في قول له بالإشهار والموت على الصليب.

ومن مظاهر تنبِئهِ بالصُّلب ما رواه إبراهيم ابن فاتك لمَّا قال: دخلت يوما على الحلاج في بيت له على غفلة منه فرأيته قائما على هامة رأسه(…) فلما أحس بي قعد مستويا وقال: أدخل ولا عليك، فدخلت وجلست بين يديه، فإذا عيناه كشعلتي نار. ثم قال يا بنيّ إن بعض الناس يشهدون عليّ بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية. والذين يشهدون علي بالكفر أحب إليّ وإلى الله من الذين يقرّون لي بالولاية. فقلت: يا شيخ ولم ذلك. فقال: لأن الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنهم بي والذين يشهدون عليّ بالكفر تعصّبا لدينهم. ومن تعصّب لدينه أحب إلى الله ممّن أحسن الظن بأحد. ثم قال لي: وكيف أنت يا إبراهيم حين تراني وقد صُلبت وقُتلت وأُحرقتُ، وذلك أسعد يوم من أيام عمري جميعة، ثم قال لي : لا تجلس واخرج في أمان الله(9).

تشبه هذه القصة بشكل كبير قصة المسيح حين تنبّأ بالصُّلب وبعدها طرد تلميذه بطرس. فقد جاء في الإنجيل: قال المسيح لتلامذته تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلّم ليصلب»(10) وجاء أيضا «من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثير من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم، فأخذه بطرس وابتدأ ينهره قائلا حاشاك يا ربّ، لا يكون لك هذا، فالتفت وقال لبطرس : اذهب عنّي…»

فلماذا بعد التنبّؤ مباشرة يطرد المسيح تلميذه بطرس ويطرد الحلاج تلميذه إبراهيم بن فاتك؟ هل لأن التلميذين يشكلان عنصرا مانعا لصيرورة القصة، أم هل لأنه سيغيب دورهما الفعال في منع البطلين من الموت؟ أم لأن كل من المسيح والحلاج كان يريد على طريقة التراجيديا اليونانية أن يجعل من القدر الإلهي مآلا البشرية الوحيد؟ وكيف كان بمقدورهما التكهن بالموت وطريقته؟ هل هناك راو يكون قد تدخل في بناء الحكاية واختار للبطلين هذه النهاية؟

تشبه بداية قصة صلب المسيح ونهايتها في بنيتها الحكائية إلى حد كبير بداية قصة صلب الحلاج ونهايتها. فالشكل المورفولوجي الذي يجمع القصتين ينبني كما قلنا على دعامتين مشتَرَكتين: التنبؤ وطرد التلميذ –تحقق التنبؤ. لكن هذه المسألة تجعلنا نفترض وجود وقائع أخرى ودعائم تتقاسمها الحكايتان. فإذا كانت الواقعتان متشابهتين في البداية والنهاية، أي في الرؤيا (التنبؤ) وفي التشكيل (المصير)، فلربما يكون للبنيات التي تتفاعل فيما بينهما على هذا النحو من التشابه والاتفاق؟

إن المقاربة التي سنقوم بها والتي سنطبقها على القصتين هي مقاربة مورفولوجيَّة لا تعتمد على دراسة الزمن وديناميكيته فحسب وإنَّما أيضاً على دراسة الشخصيَّات وخصوصا على دراسة البنيات السَّرديَّة. لكن ينبغي أن نشير أيضاً أنَّهُ ليس من شأن هذه المقاربة مقارنة الحكايتين، وإلا سنبقى رهائن الدراسة المقارنة. ما سنحاول إبرازه هو إيجاد بنية تاريخية عميقة مسؤولة عن إبداع الحكايتين في جوهرها الزَّمني. نصوغ السؤال بطريقة أخرى: هل هناك أصول مشتركة للواقع التاريخي للقصتين؟ للإجابة على ذلك، نحاول إيجاد البنيات التي تقاسمتها الحكايتان، ليكون لنا فيما بعد أن نستخلص ما بإمكانه مساعدتنا على تعميق نظرتنا للنسق الحكايتين.

3. دراسة التماثلات:

1.3. التماثلات البنيوية :

1.1.3. التماثلات البنيوية في حكاية المسيح: وهي تنقسم إلى إحدى عشر بنية.

1.1.1.3. المناصبة والكيد

اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا. وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب(11).

2.1.1.3. تواطؤ الشهود

و كان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه. فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. ولكن أخيرا تقدم شاهد زور وقال. هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه.فقام رئيس الكهنة وقال له أما تجيب بشيء. ما يشهد به هذان عليك. وأما يسوع فكان ساكتا(12).

3.1.1.3. المحاكمة

«و الذين أمسكوا يسوع مضوا به إلى قيافا رئيس الكهنة حيث اجتمع الكتبة والشيوخ.

4.1.1.3. تردد الحاكم في مسألة الصلب:

قال لهم بيلاطس ماذا أفعل بيسوع الذي يدعى المسيح. قال له الجميع ليصلب. فقال الوالي وأي شر عمل. فكانوا يزدادون صراخا قائلين ليصلب»(13)

5.1.1.3. تدخل المدبّر في استصدار الحكم:

«لكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرّضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويهلكوا يسوع… فكانوا يزدادون صراخا قائلين ليصلب»(14)

6.1.1.3. تدخل عنصر المرأة في طلب إعفاء:

وإذ كان جالسا (بيلاطس) على كرسي الولاية أرسلت إليه امرأته قائلة إيّاك وذلك البّارّ. لأنّي تألّمت اليوم كثيرا في حلم من أجله»(15)

7.1.1.3. قيام الليلة الأخيرة أو صلاة ما قبل الصلب (نص التوحُّد):

« وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلّى. قائلا يا أبتاه إن شئت أن تجيز عنّي هذه الكأس. ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك. وظهر له ملاك من السماء يقوّيه. وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشدِّ لجاجةٍ وصار عرقه كقطرات دمٍ نازلة على الأرض»(16).. وجاء في إنجيل يوحنَّا قوله: «تكلَّمَ يسوعُ بهذَا ورفعَ عينَيهِ نحوَ السماء وقالَ أيها الآبُ قد أتتِ الساعةُ، أنا مجَّدتُكَ على الأرضِ. العملُ الذي أعطيتَني لأعملَ قد أكملتُهُ. والآن مجِّدْني أنتَ أيها الآبُ عندَ ذاتِكَ بالمجدِ الذي كانَ لي عندَكَ قبلَ كونِ العالمِ. (…) لستُ اسألُ من أجلِ العالمِ بل من أجلِ الذينَ أعطيتَني لأنهم لكَ. وكلُّ ما هو لي فهو لكَ. وما هو لكَ فهوَ لي وأنا ممَجَّدٌ فيهم. ولستُ أنا بعدُ في العالمِ وأما هؤلاء فهم في العالمِ وأنا آتي إليكَ. أيها الآبُ القدوسُ احفظهُم في اسمكَ الذين أعطيتَني ليكونُوا واحداً كما نحنُ. حينَ كنتُ معهمْ في العالمِ كنتُ أحفَظُهُم في اسمكَ الذينَ أعطيتَني حَفِظْتُهُم ولم يهلكْ منهم أحدٌ إلا ابنُ الهلاكِ ليتمَّ الكتابُ. أما الآنَ فإني إليكَ. وأتكلَّمُ بهذا في العالمِ ليكونَ لهم فرحِي كاملاً فيهم. أنا قد أعطيتُهُم كلامَكَ والعالمُ أبغضَهُم لأنهم ليسُوا من العالمِ كمَا أني أنا لستُ منَ العالمِ. لستُ أسألُ أنْ تأخذَهُم من العالمِ بل أنْ تَحْفَظَهُم من الشريرِ. ليسوا من العالمِ كما أني أنا لستُ من العالمِ. قدِّسْهُم في حقِّكَ. كلامُكَ هو حقٌّ.(…). ليكونَ الجميعُ واحداً كما أنكَ أنتَ أيها الآبُ فيَّ وأنا فيكَ ليكونُوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمنَ العالمُ أنكَ أرسلتَني. وأنا قد أعطيتُهُم المجدَ الذي أعطيتَني ليكونُوا واحداً كما أننا نحن واحدٌ. أنا فيهم وأنتَ فيَّ ليكونُوا مكمَّلينَ إلى واحدٍ وليَعْلَمَ العالمُ أنكَ أرسلتَني وأحببتهم كما أحببتَني»

8.1.1.3. استقدامه صباحا للصلب:

«و لما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتّى يقتلوه، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي(17).

9.1.1.3. تلاوة نص الاستغفار (الدُّعاء):

«فقال يسوع يا أبتاه اغفر لهم لأنَّهم لا يعلمون ماذا يفعلون»(18)

10.1.1.3. التبرؤ من دم الضحية:

فلمّا رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئا بل بالحريّ يحدث شغب أخَذَ ماءً وغسل يديه قدّام الجمع قائلا إني بريء من دم هذا البار»(19)

11.1.1.3. انبعاثه بعد الموت

« إنه قد قام من الأموات»(20)

2.3. التماثلات البنيوية في حكاية الحلاج :

وهي تنقسم إلى إحدى عشر بنية أيضا.

1.2.1.3. المناصبة والكيد:

أثار حامد بن العباس سنة 309 هـ/ 922م عند الخليفة المقتدر قضيَّة الحلاج وأظهر للخليفة خطره العظيم إن هو بقي على قيد الحياة وأوغر صدره على علي بن عيسى ونصر القشوري لحمايتهما لهذا الصوفي الخطر(21).

2.2.1.3. تواطؤ الشهود

وأتى حامد بن العباس بالشهود يشهدون بصحَّة المحاكمة ويوافقون على الحكم. وكان الوزير قد حشد لذلك في المحكمة عدداً وافراً منهم بمعونة عبد الله بن مكرم الذي كان مشهوراً باحتراف شهادة الزُّور. وبلغ عدد الشهود أربعة وثمانين. وقد كوفئ عبدالله بن مكرم هذا بتقليده منصباً فخرياً في القضاء في الفسطاط(22).

3.2.1.3. المحاكمة

تقصَّد الوزير حامد بن العبّاس ألا يكون بين أعضاء المحكمة قاض شافعي لأن الشافعية مثل الحنبلية تقبل توبة الزنديق، أما الحنابلة فإنهم أقصوا عن المحاكمة لعدائهم السافر للدولة ولتعاطفهم مع الحلاج. فألفت المحكمة من القاضي المالكي أبي عمر الحمادي رئيسا وهو الذي كان قد وافق حامد بن العباس(23).

4.2.1.3. تردد الحاكم في مسألة الصلب:

جاء في نشوار المحاضرة أنَّ حامد بن العبَّاس كتب إلى الحاكم المقتدر مستأذناً في تنفيذ الحكم، ولكنَّه رأى منه تردُّداً»(24)

5.2.1.3. تدخل المدبّر في استصدار الحكم:

«ثم جاء حامد إليه مستأذنا في تنفيذ الحكم ولكنه رأى منه ترددا فقال: يا أمير المؤمنين، إن بقي قلَب الشريعة وارتد خلق على يده، وأدّى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء فاقتلني»، فأذن الخليفة له في قتله، وبادر حامد بتنفيذ الحكم من يومه لئلا يغير المقتدر رأيه»(25)

6.2.1.3. تدخل عنصر المرأة في طلب الإعفاء:

فوجئ نصر القشوري بالحكم، فلجأ إلى السيدة والدة المقتدر (وكانت تعرف بهذا اللقب) مستعينا بها للتوسط مع ابنها لإلغاء الحكم أو إصدار عفو عن الحلاج..أو تأجيل تنفيذ الإعدام. وتقدمت السيِّدة من المقتدر سائلةً إياه عدم تنفيذ الحكم أو تأجيله. ولكنَّ المقتدر رفض الطَّلب. غير انَّه سرعان ما يصاب بالحمَّى فيصاب بالشَّك في أمر قتل الحلاج، وينفذ إلى وزيره حامد يمنعه من تنفيذ الحكم(26). وفي نشوار المحاضرة أنَّها توسطت مانعة إبنها من قتل الحلاج إلا أن المقتدر رفض ذلك، فأُصيب بعدها بحمّى فشك في أمر قتل الحلاج.»(27)

7.2.1.3. قيام الليلة الأخيرة أو صلاة ما قبل الصلب (نص التوحُّد):

أنبأنا ابن الفتح محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الشاشي يقول: قال أبو الحديد لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحسين بن منصور قام من الليل فصلّى ما شاء الله، فلمّا كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه، ومدّ يديه نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ، وكان مما حفظت أن قال: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك. لتبدّى ما شئت من شأنك ومشيئتك، أنت الذي في السماء إله وفي الأرض إله. تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن صورة..»(28) ذكر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحدّاد المصريّ قال: لمّا كانت الليلة التي قُتل في صبيحتها الحلاّج قام واستقبل القبلة متوشحاً بردائه ورفع يديه وتكلم بكلام كثير جاوز الحفظ. فكان مما حفظته منه أن قال: نحن بشواهدك نلوذ. وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك. وأنت الذي في السماء عرشك، وأنت (الذي في السماء إله وفي الأرض إله). تتجلى كما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة والبرهان. ثم أوعزتَ إلى شاهدك الأنيّ في ذاتك الهويّ. كيف أنت إذا مثّلت بذاتي، عند عقيب كرّاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعداً في معارجي إلى عروش أزلياتي، عند القول من بريّاتي. إني أُخذت وحُبست وأُحضرت وصُلبت وقُتلت وأُحرقت واحتملت السافيات الذاريات أجزائي. وإنّ لذرّةً من ينجوج مظانَّ هاكول متجليّاتي اعظم من الراسيات(29).

8.2.1.3. استقدامه صباحا للصلب:

فلمَّا كان صباح الثلاثاء، أخرج الحلاج إلى ساحة الإعدام بباب خراسان على الضفَّة الغربية من دجلة، واجتمع عليه خلق كثير. ثمَّ تلي أمر الخليفة المقتدر(30). قال عبد الرؤوف بن محمد المناوي في كتاب الكواكب الدرية(31) في سيرة الحلاج: وقال الحلواني: قدم الحلاج للقتل وهو يضحك فقلت: يا سيدي ما هذا الحال. قال: دلال الجمال، الجالب إليه أهل الوصال.

9.2.1.3. تلاوة نص الاستغفار (الدُّعاء):

عن إبراهيم بن فاتك قال: لما أُتي بالحسين بن منصور ليصلب رأى الخشبة والمسامير فضحك كثيراً حتى دمعت عيناه. ثم التفت إلى القوم فرأى الشبليّ فيما بينهم فقال له: يا أبا بكر هل معك سجادتك. فقال: بلى يا شيخ. قال: افرشها لي. ففرشها فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين وكنت قريباً منه. فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى (لنبلونَّكم بشيءٍ من الخوف والجوع) الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب وقوله تعالى (كل نفس ذائقة الموت) الآية، فلما سلم عنها ذكر أشياء لم أحفظها وكان مما حفظته: اللهم إنك المتجلي عن كل جهة، المتخلي من كل جهة. بحق قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك. وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي. فإنّ قيامي بحقك ناسوتيّة، وقيامك بحقي لاهوتيّة. وكما أنّ ناسوتيّتي مستهلكة في لاهوتيّتك غير ممازجة إياها فلاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير مماسّة لها. وبحق قِدَمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة التي أنعمت بها عليَّ حيث غيّبت أغياري عمّا كشفت لي من مطالع وجهك وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرّك، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصُّباً لدينك وتقرُّباً إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لَما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لَما ابتُليتُ. فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد، ثم سكت وناجى سراً. (32)

10.2.1.3. التبرؤ من دم الضحية:

في الغد جاء حامد بن العباس إلى ساحة الإعدام كأنه خشي انتقام النَّاس في مستقبل الأيَّام. فحاول أن يبرِّئ ساحته وساحة الخليفة وساحة صاحب الشُّرطة من كل تبعة. فدعا الشُّهود الذِّين كانوا قد صدَّقوا على وقائع المحاكمة من قبل، وكانوا مجتمعين حول مقدِّمهم ابن مكرم، وطلب منهم بصوتٍ عالٍ أن يعلنوا موافقتهم على حكم الإعدام. فصاحوا قائلين: «نعم اقتله، ففي قتله صلاح المسلمين، ودمه في رقابنا»(33)، ثمَّ قال لهم : « أمير المؤمنين برئ من دمه»، قالوا «نعم»، قال: «أنا بريء من دمه»، قالوا «نعم»، قال: «وصاحب الشُّرطة بريءٌ من دمه،» قالوا: «نعم»(34). ثمَّ أنزل الحلاجُ عن الجذع وقدِّمَ أمام السَّيَّاق»(35)

11.2.1.3. انبعاثه بعد الموت:

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب حدثنا عبيدالله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال، قال لنا أبو عمر ابن حيويه:»..لمّا أخرج الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس ولم أزل أزاحم حتى رأيته فقال لأصحابه لا يلهونكم هذا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. قال السواسطي(36): هذا الإسناد صحيح لا يشك فيه.

وزعم بعض أصحاب الحلاج أن المضروب عدو الحلاج ألقى شبهه عليه، وادعى بعضهم أنهم رأوه في ذلك اليوم بعد الذي عاينوه من أمره، والحال الذي جرت عليه، وهو راكب حمارا في طريق النهروان ففرحوا به، وقال لعلكم مثل هؤلاء البقر الذين ظنوا أني أنا المضروب والمقتول. وممّا يفتعل عليه أنّه قال للّذين قتلوه: أتظنون أنَّكم إيّاي تقتلون؟ إنمّا تقتلون بغلة المادراني وأنّ البغلة وجدت في إسطبلها مقتولة(37). وفي الكامل ذكر ابن الأثير أنَّ الحلاج لمّا صار رماداً، أُلقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، وأُرسل إلى خُراسان لأنّه كان له بها أصحاب، فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنّه لم يُقتل، وإنّما أُلقي شبه على دابّة، وإنّه يجيء بعد أربعين يوماً؛ وبعضهم يقول: لقيتُه على حمار بطريق النَّهروان، وإنّه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذي يظنّون أنّي ضُربت وقُتلت.

نلاحظ أن الأحداث في قصتي المسيح والحلاج متشابهة إلى حدٍّ كبيرٍ جٍدًّا، فالشخصيات داخلها تؤدي الأدوار نفسها، والنُّصوص متشابهة لا سيما في طريقة تناول فكرة التوحد مثلاً التي كثيرا ما ينادي بها المتصوِّفة.

2.3. التماثل الرَّمزي:

لا بدَّ أن نشير قبل أن نخوض في مختلف التماثلات أن بين اسمي المسيح والحلاج علاقة جد غريبة. نعرف جيدا أن مصطلح المسيح مستخرج من الأصل الثلاثي مسح. سمي بذلك لأن الرجل إذا أراد أن يتبرك مسح بيديه على رداء المسيح. فالتيمن الروحاني قد يكون من طريق ما يرتديه النبي.(38) أما الحلاج فهو مستخرج من أصل يدل على نوع من أنواع النسيج. يقول الخطيب البغدادي إنما سميّ الحلاج لأنه دخل واسطا فتقدم إلى حلاج وبعثه في شغل له، فقال له الحلاج: أنا مشغول بصنعتي. فقال: اذهب أنت في شغلي حتى أعينك في شغلك، فذهب الرجل فلما رجع وجد كل قطن في حانوته محلوجا، فسمي بذلك الحلاج»(39). وجاء في المصدر نفسه أن الحلاج كان بالأوقات يلبس المسوح، وبالأوقات يمشي بخرقتين(40). إذاً نلاحظ أن لمفردتي الحلاج والمسيح تقارب دلالي رمزي عميق.

3.3. التماثل الزَّمني:

1.3.3. زمن ما قبل الصلب:

1.1.3.3. زمن ما قبل صلب المسيح:

ينقسم زمن ما قبل الصلب إلى قسمين. يمتد الزمن الأول إلى غاية نبوءة الصلب عند المسيح، وهو زمن يخص أحداث حياة المسيح قبل أن يصبح رهن الصلب، وفي هذا الزمن تتراكم الأحداث الخاصة بالمعرفة الدينية والروحانية. أما الزمن الثاني فهو زمن تبتدئ حركيته انطلاقا من ورود الصلب في نبوءة المسيح ثم من محاكمته وإحالته لذلك. ويتمثل في الجملة الواردة في إنجيل متّى في الإصحاح السادس والعشرين «ولمّا أكمل يسوع هذه الأقوال كلّها قال لتلاميذه. تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلَّم ليُصْلَبَ»(41). فزمن ما قبل الصلب يعادل يومين.الحاصل الزمني لجميع هاته الأحداث 33 سنة، طبقا لما يُذكر من أن المسيح عاش هذه المدة(42).

2.1.3.3. زمن ما قبل صلب الحلاج:

ينبغي أن نكون حذرين في التعامل مع الزمن المتعلق بصلب الحلاج. ونحن مجبورون أن نسرد أهم أزمنته التاريخية. ولد الحلاج سنة 232 للهجرة. تنبّأ سنة288هـ/ 900 ما بعد ميلاد المسيح أنه سيصلب وكان ذلك يوم النيروز. وفي سنة301 للهجرة/ 913 للميلاد صلب صلب الإشهار وذلك بأمر من وزير المقتدر علي بن عيسى القنّاني، وفي رواية أخرى أنه صلب صلب الموت43، وفي يوم الثلاثاء 24 ذو القعدة 309هـ/ 26 مارس 922 أي بعد تسع سنين يصلب صلب الموت.

إن زمن السنة الميلادية وزمن السنة الهجرية متفقان في مسافتهما لأن المدة التي نشتغل ضمنها أي فترة ما قبل الصلب وزمن تنفيذ الصلب لا تستوجب تجاوز أحد الزمنين الآخر.

يمكن أن نقسم زمن ما قبل صلب الحلاج إلى قسمين. الزمن الأول ينسحب على كامل فترة حياته إلى غاية محاكمته. والزمن الثاني تتوقف بداية حركيته انطلاقا من محاكمته وإحالته للصلب.

يبتدئ الزمن الثاني من إحساس الحلاج وتكهنه بأنه سيصلب. وقد كان ذلك قبل ثلاث عشرة سنة. «لمّا كان يوم صلبه بعد ثلاثة عشر سنة من قوله «متى نُنَوْرَزْ» أي يوم صلبه، نظر إلى أحمد بن فاتك من رأس الجذع وقال: يا أحمد نورزنا(44). هذا النص يدل دلالة قاطعة أن مسألة الصلب بالنسبة للحلاج كانت بديهية ومتوقعة. لكن ما الدافع الذي جعل الحلاج يتوقع ذلك؟ هل فكرة الصلب لم تزل تعبر في الفكر الشرقي آنذاك بما في ذلك الفكر الإسلامي عن تخليص الروح من الجسد وإلحاقها بالذات العليا فيتحقق التوحد ولاسيما أن الحلاج من دعاة التوَّحد(45)، غير أنه لم يمت في هاته الفترة وإنما صلب مرّة أخرى وكان ذلك سنة309 هـ/922 م. وبالتالي فزمن ماقبل الصلب يعادل 22 سنة.

2.3.3. زمن الصلب:

1.2.3.3. زمن صلب المسيح:

بقي المسيح على صليبه حيّا مدة ثلاث ساعات: (ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كلّ الأرض إلى السّاعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني لماذا تركتني. فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح» (إنجيل متّى 27/45-50). ينبغي أن نشير إلى مسألة مهمة وهو أن زمن صلب المسيح كان متمثلا في يوم الفصح.

2.2.3.3. زمن صلب الحلاج:

بقي الحلاج على صليبه حيّا مدّة ثلاثة أيام؛ «روي عن الشيرازي أنه قال لمّا صلب الحلاج بقي ثلاثة أيّام لم يمت فأنزلوه وفتشوه ووجدوا معه ورقة مكتوبة بخطّه وفيها (آية الكرسي) وبعدها هذا الدعاء: اللهم ألق في قلبي رضاك، واقطع رجائي عمن سواك، وأعنّي باسمك الأعظم وأغنني بالحلال عن الحرام وأعطني ما لا ينبغي لأحد غيري بحمعسق، وأمتني شهيدا بكهيعص»(46). نشير بالموازاة إلى ما سبق أن زمن صلب الحلاج كان ممثلا في يوم عيد النيروز. وهو يوم سابق في نبوءته؛ إذ قال متى ننورز أي متى نصلب.

3.3.3. زمن الانبعاث والعودة :

1.3.3.3. زمن الانبعاث والعودة : قال المسيح وهو حي : إني بعد ثلاثة أيام أقوم

2.3.3.3. زمن الانبعاث والعودة : قال الحلاج: إني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما.

تنبأ المسيح بصلبه قبل يومين من ذلك، أما الحلاج فقد تنبأ في سنة 280 للهجرة بصلبه قبل 13سنة من صلب الإشهار وقبل 22 سنة من صلب الموت(47). ويكون العدد 22 ضعفا لليومين. أي أن يومين تنبّأ فيهما المسيح يقابل 22 سنة تنبّأ فيها الحلاج.

بقي المسيح معلقا على صليبه دون أن يموت ثلاث ساعات، أما الحلاج فقد بقي حيّا أيضا ومعلّقا على صليبه ثلاثة أيام. نلاحظ ههنا ظاهرة المضاعفة نفسها تتكرر. فساعة في صليب المسيح تعادل يوما في صليب الحلاج.

أما في إشارة المسيح إلى قيامه فقد حدّد قيامه بثلاثة أيام أما الحلاج فقد حدّد قيامه بثلاثين يوما، فتكون مدة اليوم في قيامة المسيح بمقدار 10 أيام في قيامة الحلاج.

مات المسيح وعمره 33 سنة ومات الحلاج وعمره 77 سنة. فيكون الفرق بينهما في الحياة 44 سنة. ونلاحظ هنا نفس الرقم يتكرر فضلا عن الرقم المتكرر في عمري المسيح والحلاج. غير أنَّ الاختلاف يكمن في مسألة إلقاء الشَّبه التي لا نجدها في حكاية المسيح من خلال الإنجيل بينما نجده في حكاية الحلاج. والواقع أن النص القرآني يقرُّ بذلك. وبالتالي يمكن الحكم على أن مسألة إلقاء الشبه على الحلاج مستمدَّة من أصول إسلامية وليست مسيحية(48).

4.3. التماثل السردي:

في التمثيلين الآتيين نلاحظ كيف أن البنيات السياسية الدينية المعرفية والاجتماعية تتطابق فيما بينها. حيث تمثل المعرفة خطرا على السياسة فتتدخل السلطة الدينية لتفصل الأمر لحساب السياسة. بينما يذهب رمز المعرفة المتمثل في الشخصيتين ضحية هذا الحساب. أما السلطة الاجتماعية فليس لها أي تأثير على مستوى أخذ القرار، وإنما نلاحظ أن تأثيرها كان فقط متمثلا في تدخل عنصر المرأة في توجيه قرار الحاكم. إلا أن الحاكم يخضع أخيرا إلى السلطة الدينية سواء بموجب الخوف من أن تنقلب السلطة الدينية على سادة الحكم وذلك ما تمثّل في خوف بيلاطس من انقلاب الكتبة ورؤساء الكهنة عليه، وفي خوفه أيضا من تحريض الكهنة الشعب على حرب الرومان لاسيما وأنها لم تكن آنذاك سوى قوة حاكمة في المنطقة، أو بموجب الخوف من أن تنتشر إيديولوجيا المعارضة بين أوساط الجماهير فتنقلب على الحاكم كما هو الحال في خلافة المقتدر التي عرفت ثورة القرامطة. فاتهم الحلاج بأنه «لو بقي قلب الشريعة وارتد خلق على يده»(49). يصف سامي مكارم ذلك بقوله: كانت الدولة العباسية تقف من الحلاج موقف الخشية والريبة، فقرر علي بن محمد بن الفرات سنة 299 هـ/ 911-912 م – وهي السنة نفسها التي تأسست فيها الخلافة الفاطمية في المغرب(50)، أن يلقي القبض على الحلاج، وكان قد وشى به رجل من أهل البصرة، ولكن السلطة لـم تتمكن من القبض عليه إلا سنة 301 هـ/ 913-914 م، وذلك في بلدة السوس بالأهواز.(51) يبدو من خلال ما سبق أن المسيح والحلاج عاشا في ظروف جد متشابهة على المستوى السياسي خصوصاً.

1.4.3. في طبيعة الشخصيات ولعب الأدوار:

إن فعل تبين الحكايتين على نحوٍ واحدٍ وبطريقةٍ مقنَّنة يتيح لنا فرصة قراءةِ عميقةٍ ونافذة في النص، وأكثر من ذلك يمنحنا حساسية الاستجابة إلى واحدية النَّص بدلا من الاستجابة إلى تعدُّديته. ذلك لأن البناء المتكامل والمتماثل لحكايتين كلُّ واحدةٍ على حده، يتوقف على مدى تطابق الوظائف الحكائية فيما بينها. أي أن النص لا يتيح فقط إمكانية لفعل التأويل على المستوى الموضوعي وممارسة تعددياته وإنما يتيح أيضا إمكانية قصوى في تأويل البنيات الوظيفية على نحو واضح ومتشابه. «وراء كل نص نجد نظاما لغويا، وكل البنيات التي تتكرر أو يعاد إنتاجها في النص، وكل ما من شأنه أن يضاف من خارج النص يطابق هذا النظام. ولكن في الوقت ذاته، كل نص بصفته منطوقا هو نص متفرد، واحد وغير منتَج، وهنا بالضبط يكمن معناه، أي لماذا تم إبداعه؟. انطلاقا من ههنا، فإن النص يحيل إلى الحقيقة، الواقع، إلى التاريخ. إن البنيات المتكررة والمنتجة وبشكل ثانوي تمثل بالنظر لما سبق مجرد مواد ومستخدمات»(52)

يعتبر التحليل السردي أن الشخصية جوهر، وقد حوّل بروب الشخصيات إلى مجموعة من النماذج البسيطة مؤسسة على وحدة الأفعال التي تهبها القصة للشخصيات (البطل، المساعد، الشرّير…) وعلى الرغم من إدراكنا أنه ليس ثمة قصة دون شخصيات أو عوامل فإن بروب اهتم بـالوظائف أكثر من اهتمامه بالشخصيات .

تساعدنا نظرية بروب على فهم شامل للانتظام الذي تحققه الوظائف في الحكاية الشعبية، وهي وظائف ساعدت على خلق بنية سردية قارة للحكاية. إنها تشكل بمفهوم كلود بريـمون منطقا خاصا بالحكي ينبني على وحدة قاعدية أو نواة سردية تحكم النص. يمكن فهم هذه الوظائف على ضوء مسيرة بطل الحكاية. ففي نسقها نستطيع معرفة العوامل المتحركة والمحركة داخل النص. كما يمكن فهم الشخصيات على ضوء مسيرة المسيح والحلاج. فهناك العامل الذات Sujet الذي يتمثل في شخصية (قيافا رئيس الكهنة وحامد ابن العباس) أي هو العامل الأقوى في تحريك الموضوع أي البطل إلى غاية نهايته المأساوية. أمَّا العامل الموضوع Objet المتمثل في شخص كل من (المسيح والحلاج) فلكأنَّما هو الوحيد الذي ليس بإمكانه التدخل في نسج القصَّة..إنه عامل مشلول وغير قابل للتَّحرك) وهذا ما نلاحظه حين يرفض كلاهما الدفاع عن نفسه. ويمثل عنصر المرأة (زوجة بيلاطس – أم المقتدر) عاملا معاكساً لصيرورة البطل، بينما يمثل عنصر الحاكم (بيلاطس-المقتدر) عاملا مساعداً على تحرُّكه وصيرورته في ديناميكية الحكاية. يقابل كلُّ عاملٍ من العوامل المختلفة في النَّص الشخصَ بما في ذلك نوعيته، طبيعته وثقافته. يقابل أيضا الطبقةَ الاجتماعيةَ ونوعيتَها، وأخيراً السلطةَ التي يمثلها سواء رمزياً أو سياسيا.

يمكن أن نستنتج أن البنيات في كل من قصتي المسيح والحلاج متشابهة جدًا، ويمكن أن نستنتج أن هناك جهة مسؤولة عن إنتاج ما يشبه هذا النوع من القصص. ولا نعتقد ههنا بالجهة المسؤولة شخصاً ما، وإنَّما مجموعة التقاليد والمعارف التي تهيِّءُ للرَّاوي نوعاً خاصًّا من الإنباء الحكائي.

فالمدرسة الميثولوجية ترتكز على فكرة مفادها أن التشابه الخارجي بين ظاهرتين تشهد صلتهما التاريخية53. فطريقة تطوُّرِهما قد تكون على ما يشبه نموَّ الأحداث بشكل مختلف عيانا ولكن متشابه رمزاً وإيماءً وعمقاً. يمكن أن نفسِّرَ ذلك على نحوٍ آخر, فلقد وجدت منذ مدّة طويلة فكرة وجود علاقة بين الحكاية من جهة ونسق العادات والدين من جهة أخرى. وتظهر المؤسسة الدينية في عدّة وجوه ومظاهر ثقافية؛ وعلاقة الحكاية بها يمكن دراستها كمسألة ذاتية، تنحدر أساسا من العلاقة بين الحكاية والمؤسسات الاجتماعية(54)..

وبالتالي إذا استطعنا يقول فلاديمير بروب أن نظهر هذه العادات، فإن أصول هذه الغايات يمكن تفسيرها إلى حدٍّ ما. فدراسة العلاقة بين الحكاية والتقليد قد تساعدنا على فهم جيدٍ لبنيات من قبيل ما وجدناه في قصتي المسيح والحلاج. ويمكن على ضوء هذا التَّحليل أن نجزمَ أنَّ العادات التِّي ميَّزت الشرق الأوسط بمعزل عن الدِّين هي المسؤولة عن إنتاج قصص من مثل ما درسنا. إن الأسطورة والحكاية لا يختلفان في شكلهما وإنما في وظيفتهما الاجتماعية، وتعتمد الوظيفة الاجتماعية للأسطورة على الدرجة الثقافية للمجتمع(55). لكن في هذه الدِّراسة ألقينا الضوء على الزَّمنية والتقليد اللَّذين تبرز فيهما الوظيفة الاجتماعية كأداة لتحقيق مصير البطلين في الحكايتين.

4. خاتمة:

في الواقع، تعتبر هذه الدراسة بمثابة استقراء ورصد لمختلف البنيات التي تحدد الشكل المورفولوجي للحكايتين. يبقى على الأقل من خلال هذه الدراسة استنتاج الحركية السردية وكل ما يتعلق بالزَّمنية في النَّص. كما يبقى هاذان النَّصان رهن الدراسات السيميائية التي بإمكانها تقديم دراسة وافية للموضوعين. يمكن في الأخير أن نمثِّل علاقة الشخصيات في الحكايتين معا بتمثيل بياني تظهر فيه التمركزات المحدَّدة للشخصيَّات بمعانيها ودلالاتها المتشابهة إلى حدِّ التطابق.

========================================= 

مراجع

1. إنجيل العهد الجديد.

2. التَّنوخي (القاضي أبو علي الحسن بن علي) ، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، تحقيق عبُّود الشَّالجي، 1971.

3. الخطيب البغدادي (الحافظ أبو بكر أحمد بن علي)، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، مكتبة الخانجي بالقاهرة، المكتبة العربية ببغداد ومطبعة السَّعادة بمصر.

4. ابن السَّاعي البغدادي (تاج الدين أبو طالب علي ابن أنجب)، كتاب أخبار الحلاج، تحقيق موفق فوزي الجبر، دمشق، دار الطليعة الجديدة، ط2، 1997.

5. القزويني (زكرياء بن محمد بن محمود)، آثار البلاد وأخبار العباد، ط دار صادر، دار بيروت، بيروت، 1960.

6. لويس ماسينيون، المنحنى الشَّخصي لحياة الحلاج، شهيد الصُّوفية في الإسلام، منشور في كتاب شخصيَّات قلقة في الاسلام، لعبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط3، 1978.

7. مسكويه (أبو علي أحمد بن محمد)، كتاب تجارب الأمم، شركة التمدن الصناعية، مصر، 1914.

8. المعرِّي أبو العلاء، رسالة الغفران، تحقيق د. علي شلق، دار القلم، بيروت، ط3، 1981.

9. مكارم سامي، الحلاج فيما وراء المعنى والخط واللون، رياض الريس للكتب والنشر، لندن.

 

1. Mikhaïl Bakhtine, Esthétique de la création verbale, Paris, Gallimard, 1984.

2. René Guenon, Le symbolisme de la croix, Editions de la maisnie, 1984.

3. Louis Massignon,

a. Akhbar al-hallaj, recueil d’oraisons et d’exhortations du martyr mystique de l’islam (usayn Ibn Mans?r (all(j, Paris, Librairie philosophique J.Vrin, 1957.

b. La passion de H?usayn Ibn Man(?r Al-(?all?j, Martyr mystique de l’Islam exécuté à Bagdad le 26 mars 922, Etude d’histoire religieuse, Tome III, La doctrine de H?all?j, éd Gallimard, 1975.

c. Recueils des textes inédits. Concernant l’histoire de la mystique en pays de l’Islam. (Collect, de textes inédits, 1) Paris, Geunthner, 1930.

4. Vladimir Propp, Les racines historiques du conte merveilleux, trad. L. Cruel Apert, Paris, Gallimard, 1983.

 

1 النصوص اقتطفتها من الأناجيل الأربعة والتي تروي قصة صلب المسيح، أما النصوص التي تروي قصة صلب الحلاج فقد اقتطفتها من كتب التاريخ المختلفة. اقتصرنا على النص الإنجيلي دون القرآني نظراً لاختلافهما في مسألة بعض الجوانب المتعلقة بمصير المسيح. ففي القرآن الكريم لم يصلب وإنما شُبِّهَ لهم. بينما يوحي الانجيل أنَّه صلب.

2 Louis Massignon, La passion de H?usayn Ibn Mans?r Al H?all?j, Martyr mystique de l’Islam exécuté à Bagdad le 26 mars 922, Etude d’histoire religieuse, Tome III, La doctrine de H?all?j, éd Gallimard, 1975. p. 232.

3 أبو علي أحمد بن محمد مسكويه، كتاب تجارب الأمم، ج1، شركة التمدن الصناعية ، مصر ، 1914، ص76

4 أي أنه مكتوب عليها «قل هو الله أحد».

5 زكرياء بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، ط دار صادر، دار بيروت، بيروت 1960، ص165. وفي الواقع، إن المسلمين رأوا في الحلاج الصُّورة الكاملة للمسيح فالتقاربات التي كانت موجودة بينهما توحي إلى حدٍّ بعيد ثقافة التأليه والحلولية التي طالما كانت تسيطر منذ العهد التَّموزي وعبر مختلف حضارات الشَّرق الأوسط بما في ذلك الحضارة البوذية في ثقافة المجتمع الشرقي. وقد كان ابتداء حال الحلاج كما جاء في الكامل لابن الأثير أنّه كان يُظهر الزهد والتصوّف، ويُظهر الكرامات، ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمدّ يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب: (قل هو الله أحد)، ويسمّيها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلّم بما في ضمائرهم، فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، وبالجملة فإنّ الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح، عليه السلام، فَمِنْ قائل أنّه حلّ فيه جزء ألهيّ، ويدّعي فيه الربوبيّة، ومِن قائل أنّه وليّ الله تعالى، وإنّ الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ومِن قائل إنّه مشعبذ، وممَخرق، وساحر كذّاب، ومتكهّن، والجنّ تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها. راجع ابن الأثير، الكامل في التاريخ، فصل في ذكر قتل الحسين الحلاّج.

6 حكى أبو القاسم بن كجّ أن جمعا من الصوفية ذهبوا إلى الحسين بن منصور وهو بِتستر، وطلبوا منه شيئا. فذهب بهم إلى بيت المجوس فقال الديراني: إن الباب مغلق ومفتاحه عند الهربد. فجهد الحسين فلم يجبه، فنفض الحسين كمّه نحو القفل فانفتح، فدخلوا البيت، فرأوا قنديلا مشتعلا لا ينطفئ ليلا ولا نهارا، فقال: إنها من النار التي ألقي فيها الخليل عليه السلام. نحن نتبرك بها وتحمل المجوس منها إلى جميع بلادهم. فقال له: من يقدر على إطفائها؟ قال: قرأنا في كتابنا أنه لا يقدر على إطفائها إلا عيسى ابن مريم، عليه السلام. فأشار الحسين إليها بكمّه فانطفت، فقامت على الديراني القيامة وقال : الله الله. قد انطفت في هذه الساعة جميع نيران المجوس شرقا وغربا. راجع هذا النص في المرجع السابق. زكرياء بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد, ص166.

7 Louis Massignon, La passion de H?usayn Ibn Mans?r Al H?all?j, p. 232-233.

8 Louis Massignon, Akhbar al-hallaj, recueil d’oraisons et d’exhortations du martyr mystique de l’islam Husayn Ibn Mansur Hallaj, Paris, Librairie philosophique J.Vrin, 1957, p. 44-45.

9 المرجع نفسه، ص. 14. 15.

10و لمَّا كان الصَّباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتَّى يقتلوه، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي. راجع إنجيل متَّى 1/76.

11 إنجيل متَّى 26/3

12 إنجيل متَّى 26/59-63

13 إنجيل متَّى 27/22-23

14 إنجيل متَّى 27/20-23

15 إنجيل متَّى 27/19

16 إنجيل لوقا 22/41-44

17 إنجيل متَّى 76/1

18 إنجيل لوقا 23/34

19 إنجيل متى 27/24

20 إنجيل متى 28/7

21 سامي مكارم، الحلاج فيما وراء المعنى والخط واللون، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ص45.46.47.

22 راجع سامي مكارم، ص51، راجع أيضا ماسينيون «المنحنى الشَّخصي لحياة الحلاج، شهيد الصُّوفية في الإسلام»، منشور في كتاب شخصيَّات قلقة في الاسلام، لعبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط3، 1978. ص. 77.

23 انظر تعليق سامي مكارم. المرجع نفسه، الصفحات نفسها.

24 القاضي أبو علي الحسن بن علي التَّنوخي (م 384 هـ)، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، تحقيق عبُّود الشَّالجي، 1971، ج1، ص. 164.

25 المرجع نفسه.

26 راجع سامي مكارم. ص. 52.

27 القاضي التَّنوخي، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، ج1/164

28 الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (463 هـ)، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، المجلد 8، مكتبة الخانجي بالقاهرة، المكتبة العربية ببغداد ومطبعة السَّعادة بمصر، 1931، ص. 129.

29 تاج الدين أبو طالب علي ابن أنجب ابن السَّاعي البغدادي م 674هـ، كتاب أخبار الحلاج، تحقيق موفق فوزي الجبر، دمشق، دار الطليعة الجديدة، ط2، 1997، ص. 65.

30 سامي مكارم، ص. 54.

31 انظر مخطوط بيت النقيب ببغداد.

32 ابن السَّاعي، كتاب أخبار الحلاج، ص. 63.64.

33 ماسينيون، المنحنى الشَّخصي، ص. 87.

34 Louis MASSIGNON, Recueils des textes inédits. Concernant l’histoire de la mystique en pays de l’Islam, (Collect, de textes inédits, 1) Paris, Geunthner, 1930. pp. 63-64.

35 سامي مكارم، ص. 61.

36 ذكره صاحب تاريخ بغداد باسم السوانيطي.

37 أبو العلاء المعرِّي، رسالة الغفران، تحقيق د. علي شلق، دار القلم، بيروت، ط3، 1981 ، ص. 228.

38 . ونحن نعرف جيّدا قيمة البردة التي أهداها النبي لكعب بن زهير وهي مقدَّسة لدى المسلمين، وقيمة النسيج الذي ترتديه الكعبة، فقد كان يؤتى بالنسيج من الهند ومن الحبشة لجعلها أستارا لها.

39 الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ص. 114.

40 المرجع نفسه، ص. 112.

41 إنجيل متّى 26/1-2

42 في هذا الأمر اختلاف كبير، إلا أن المسيحيين يقرُّون بصلبه وعمره 33 سنة لكي يتكافأ هذا العدد مع رمزية التثليث. فالمسألة إذا رمزية على أكبر تقدير.

43 وفي رواية أخرى أنه صلب صلب الموت راجع ص.64 من كتاب Recueil de textes inédits لصاحبه L.Massignon

44 Louis Massignon, Akhbar al-h?all?j, pp. 44-45.

45 يعتقد غينون في كتابه رمز الصليب أن هذا الرمز يمثل الاحتواء الشامل للفضاء. إنه يعبر عن وحدة النقائض ويشير إلى الشمولية والكمال. حينما كانت المخطوطات القديمة تبحث لتمثيل العالم، كانت تجمع الفضاءات الأربع حول المركز في شكل صليب يوناني أو مالطي.

R. Guenon, Le symbolisme de la croix, Editions de la maisnie, 1984. p. 48

46 L. Massignon, Recueil de textes inédits, p. 64.

47 فَيَكُون رقم 13 مطابقا تماما لعدد الأغلال التي كان يحملها في قدميه، فقد وضع في رجلي الحلاج ثلاثة عشر قيدا وصلت إلى ركبتيه.

48 كما هو الأمر في باقي البنيات الحكائية الأخرى. بطريقة أخرى، يمكن أن نقول: إن تدخل البنية «إلقاء الشبه» كما نلاحظ ذلك كان استمراراً لعملية إنتاج البنى نفسها التي رأيناها فيما سبق. لقد كانت صورة المسيح حاضرةً في أذهان مؤرِّخي الحكاية حتَّى بعد نهايته، ولذلك فإن حكاية الحلاج تبدو غريبةً إلى حدٍّ ما، لأنَّها تبدو كنسخة طبق الأصل لحكاية المسيح الموجودة في الإنجيل. الاختلاف الوحيد يكمن في مسألة إلقاء الشبه التي نلاحظ أنها تأتي من مصدر معرفي ديني إسلامي بحت، وبذلك تكون شخصية الحلاج إحدى البنى الوظيفية التي تتطابق مع قصة المسيح الإنجيلية والإسلامية.

49نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، ج1/164.

50 نلاحظ أن الخلافة الفاطمية بدأت تبث الرعب في أوساط الخلافة العباسية، فقامت هذه الأخيرة بحجز الحلاج كإعلان حالة تأهب ضد كل المعارف التي لا تمثل المذهب المالكي الذي يوحد الخلافة.

51 سامي مكارم، ص. 32.

52 Mikhaïl Bakhtine, Esthétique de la création verbale, Paris, Gallimard, 1984, p. 313.

53في الواقع، يعتبر التماثل شيء والعلاقة التاريخية شيء آخر. فنمو ظاهرة البطل السريعة يكون في الواقع من ساعة إلى أخرى وليس من يوم إلى آخر كما يمثل لذلك فلاديمير بروب، تماما كظاهرة الشمس وهي صاعدة نحو السماء، فهي تبدو بالنسبة إلى العين وكأنها ذات حجمٍ ضخم فإذا توسَّطت في كبد السماء صارت بحجم أقل، لكن هذا لا يعني في الواقع أن نموها الزمني يقل وإنما بالعكس، إنه يتقدَّم.

Vladimir PROPP, Les racines historiques du conte merveilleux, trad. L. Cruel Apert, Paris, Gallimard, 1983, p. 15.

54 المرجع نفسه، ص. 21-22.

55 المرجع نفسه، ص. 27.

الهواري غـــزالي – مجلة نزوى الثقافية

 

التزوير في كتابة الاحاديث النبوية الشريفة

الدس والتدليس والتزوير في كتابة الاحاديث النبوية الشريفة

كان الوضع و التزوير من اهم اسباب الوهن في التفسير الماثور فقد كانت الدواعي متوفرة للدس و الاخـتـلاق فـي الـماثور من التفسير, الى جنب الوضع في الحديث , فهناك اسباب سياسية و اخرى مـذهـبية و كلامية , و ربما عاطفية , كانت عن قصور النظرلا عن سؤ نية و العمدة ان القرآن كان المحور الاساسي الذي يدور عليه رحى الدين و السياسة و السلوك آنذاك , فلابد لكل منتحلي مسلك مـن الـمـسـالك ان يتشبث بعرى القرآن , و يجعل من آياته الكريمة وسيلة ناجعة , لبلوغ اهدافه ان خـيـرا و ان شـرا,الامر الذي جعل من سوق الكذب و التزوير في التفسير و الحديث رابحة ذلك العهد.

و فـي ذلـك يـقـول الامـام الشيخ محمد عبده : و توالت الاحداث بعد الفتنة الكبرى , و نقض بعض المبايعين للخليفة الرابع الامام امير المؤمنين (ع ) ما عقدوا, و كانت حروب بين المسلمين انتهى فيها امر السلطان الى الامويين بـهـم الـمذاهب في الخلافة , و اخذت الاحزاب في تاييد آرائهم , كل ينصررايه على راى خصمه بالقول و العمل , و كانت نشاة الاختراع في الرواية و التاويل , و غلا كل قبيل

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية

الاف الاحاديث وضعها الزنادقة

ذكـروا لـوضـع الـحديث و الكذب على رسول اللّه (ص ) و على اصحابه الخيار والائمة الاطهار اسبابا كثيرة , ناتي على اهمها :

1ـ مـا وضـعه الزنادقة اللا بسون لباس الاسلام غشا و نفاقا, و قصدهم بذلك افساد الدين و ايقاع الخلاف و الافتراق بين المسلمين

قال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة اربعة آلاف حديث

قال ابورية : هـذا بـحسب ما وصل اليه علمه و اختباره في كشف كذبها , والا فقد اكثر الزنادقة من وضـع الاحـاديث في اعداد هائلة فهذا عبدالكريم بن ابي العوجا ـ و كان خال معن بن زائدة و ربيب حـمـاد بـن سـلمة , و كان يدس الاحاديث في كتب حماد ـ فلما اخذ و اتي به الى محمد بن سليمان بـن عـلـى , فـامر بضرب عنقه لزندقته , فلما ايقن بالقتل قال : و اللّه لقد و ضعت فيكم اربعة آلاف حـديـث احـرم فـيها الحلال و احل فيها الحرام و لقد فطرتكم في يوم صومكم و صومتكم في يوم فطركم فهذا زنديق واحد يضع آلاف حديث , فكيف بغيره و هم كثيرون

و ايضا روى حماد بن زيد عـن جـعفربن سليمان , قال : سمعت المهدي يقول : اقر عندي رجل من الزنادقة انه وضع اربعمائة حديث , فهى تحول في ايدي الناس .

كـمـا روى ابـن الـجوزي باسناده الى حماد بن زيد, يقول : وضعت الزنادقة على رسول اللّه (ص ) اربعة عشر الف حديث.

و اخـرج جلال الدين السيوطي باسناده الى ابن مبارك , انه قال بشان حديث فضائل السور المعزوة الى ابي بن كعب : اظن الزنادقة وضعته , و ذلك تشويها لسمعة القرآن الكريمة .

و ذكـر ابـن الجوزي ان جماعة من الكذابين ندموا على كذبهم و تنصلوا من ذلك فقد حدث عن ابي شيبة , قال : كنت اطوف بالبيت و رجل من قدامي يقول : اللهم اغفر لي , و مااراك تفعل قـنـوطـك اكـثـر من ذنبك ؟ خمسين حديثا, و طارت في الناس , ما اقدر ان ارد منها شيئاو قال ابن لهيعة : دخلت على شيخ و هو يـبـكـي فـقلت : ما يبكيك ؟ فقال : وضعت اربعمائة حديث ادرجتها ادراجا مع الناس ,فلاادري كيف اصنع ؟

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (2)

الحنابلة يزورون حديث فيرد عليهم الشافعية بحدث مزور

2ـ الـوضـع لـنصرة المذاهب في اصول الدين و فروعه فان المذاهب و الاراء لما تشعبت , جعل كل فـريق يستفرغ ما بوسعه لاثبات مذهبه و دعم عقيدته , لاسيما بعد ما فتح باب المجادلة و المناظرة فـي الـمـذاهـب و الاراء و لم يكن المقصود من ذلك الا افحام الجانب الاخر مهما بلغ ثمن ذلك , و لو بالحط من كرامة الدين .

فقد روى ابن الجوزي باسناده الى الدارقطني عن ابي حاتم ابن حبان , قال : سمعت عبد اللّه بن علي يـقول : سمعت محمد بن احمد بن الجنيد يقول : سمعت عبد اللّه بن يزيد المعري يقول عن رجل من اهـل الـبدع رجع عن بدعته , فجعل يقول : انظروا هذا الحديث ممن تاخذونه , فانا كنا اذا راينا رايا جعلنا له حديثا.

و بـاسناده الى ابن لهيعة قال : سمعت شيخا من الخوارج تاب و رجع , و هو يقول : ان هذه الاحاديث ديـن , فانظروا عمن تاخذون دينكم , فانا كنا اذا هوينا امرا صيرناه حديثا

و عن آخر, قال : كنا اذا اجـتمعنا استحسنا شيئا جعلناه حديثا

قال ابورية : و ليس الوضع لنصرة المذاهب محصورا فـي الـمـبـتـدعة و اهل المذاهب في الاصول , بل ان من اهل السنة المختلفين في الفروع من وضع احاديث كثيرة لنصرة مذهبه او تعظيم امامه .

مـن ذلك ما رواه الاحناف , قدحا في الشافعي و مدحا لابي حنيفة , باسناد رفعوه الى ابي هريرة عن النبي (ص ) : ((يكون في امتي رجل يقال له : محمد بن ادريس , اضر على امتي من ابليس و يكون في امتي رجل يقال له : ابوحنيفة , هو سراج امتي )).

و قـد رواه الخطيب مقتصرا على ما ذكروه في ابي حنيفة , و قال : موضوع وضعه محمد بن سعيد الـمـروزي البورقي ,و هكذا حدث به في بلاد خراسان ثم حدث به في العراق , و زاد فيه : ((و سيكون في امتي رجل يقال له : محمد بن ادريس ,فتنته اضر على امتي من فتنة ابليس )).

قـال ابـوريـة : و هـذا الافك مما لايحتاج الى بيان بطلانه , و مع هذا تجد فقها الاحناف المعتبرين يـذكـرون فـي كتبهم الفقهية شق الحديث الذي يصف ابا حنيفة بانه سراج الامة و يسكنون اليه , بل يستدلون به على تعظيم امامهم على سائر الائمة .

الامر الذي اضطر الشافعية ازا ذلك ان يضعوا في امامهم حديثا يفضلونه على كل امام , و هذا نصه : ((اكرموا قريشا فان عالمها يملا طباق الارض علما)) و انصار الامام مالك لم يلبثوا ان وضعوا في امـامـهـم هـذا الـحـديـث : ((يخرج الناس من المشرق الى المغرب , فلايجدون اعلم من عالم اهل المدينة )) و احاديث مشابهة وضعوها بهذا الشان .

هذا فضلا عن الدس و التزوير فى الاحاديث لنصرة المذهب .

هـذا ابوالعباس القرطبي ـ في شرح صحيح مسلم ـ يقول : اجاز بعض فقها اهل الراي , نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلى الى رسول اللّه (ص ) نسبة قولية فيقولون في ذلك : قال رسول اللّه (ص ) : كـذا و كـذا, و لـهـذا نرى كتبهم مشحونة باحاديث تشهد متونها بانها موضوعة , لانها تشبه فتاوي الفقها, و لاتليق بجزالة كلام سيد المرسلين , كما لايقيمون لها اسنادا.

قـال ابـوشامة في مختصر كتابه ((المؤمل )): مما يفعله شيوخ الفقه في الاحاديث النبوية و الاثار الـمـرويـة , كثرة استدلالهم بالاحاديث الضعيفة على ما يذهبون اليه , نصرة لقولهم , و ينقصون في الفاظ الحديث , و تارة يزيدون فيه قال : و ما اكثره في كتب ابي المعالي و صاحبه ابي حامد

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (3)

التزوير بهدف الترهيب والترغيب

3ـ شـدة الـتـرهـيب و زيادة الترغيب لاجل هداية الناس فقد تساهل الوعاظ و علما الاخلاق في تـصـحـيـح ما يروونه بهذاالشان , و ربما تنازل بعضهم فاجاز الاختلاق في ذلك , مادام الغرض هو هـدايـة الناس , و ليس اغواهم فقد كان الوضع للّه , و برربعضهم ذلك بانه انما كذب لرسول اللّه و لم يكذب عليه .

يـقـول ابـوريـة عـن العباد و الصوفية : انه راجت عليهم الاكاذيب و حدثوا عن غير معرفة و لا بصيرة , فيجب ان لايعتمد على الاحاديث التي حشيت بها كتب الوعظ و الرقائق و التصوف , من غير بـيـان تخريجها و درجتها و لايختص هذا الحكم بالكتب التي لايعرف لمؤلفها قدم في العلم , ككتاب ((نـزهـة الـمـجـالـس )) المملؤ بالاكاذيب في الحديث و غيره بل ان كتب ائمة العلماء ((الاحيا للغزالي )) لاتخلو من الموضوعات الكثيرة .

قـلـت : و هكذا بعض كتب الوعظ و الارشاد عندنا, ككتاب ((الانوار النعمانية )) للسيد نعمة اللّه الـجـزائري , مـمـلؤ بالاكاذيب و المخاريق , و مثله كتاب ((خزائن الجواهر)) للشيخ علي اكبر النهاوندي فيه من المخاريق الطامات

وايضا كتب المقاتل و المراثي من المتاخرين , ككتاب ((محرق الـقـلـوب )) لـلـمـولى مهدي النراقي , و كتاب ((اسرار الشهادة )) لابن عابد الدربندي المملوء بـالاكـاذيـب و الـطـامات .

و امثال هذه الكتب كثير مع الاسف , كتبتها ايدي اناس ضعاف العقول , ممن تساهلوا في امرالدين , و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا, سامحهم اللّه .

اخـرج ابـن الـجوزي باسناده الى محمود بن غيلان قال : سمعت مؤملا يقول : حدثني شيخ بفضائل سور القرآن الذي يروى عن ابي بن كعب فقلت للشيخ : من حدثك ؟ قال : حدثني رجل بالمدائن و هو حـي , فـصـرت اليه فقال : حدثني شيخ بواسط وهو حى , فصرت اليه فقال : حدثني شيخ بالبصرة , فـصـرت الـيـه فـقال : حدثني شيخ بعبادان , فصرت اليه فاخذ بيدي فادخلني بيتا فاذا فيه قوم من الـمتصوفة و معهم شيخ فقال : هذا الشيخ حدثني فقلت : يا شيخ من حدثك ؟ فقال : لم يحدثني احد,و لـكـنـا رايـنـا الـنـاس قـد رغـبـوا عن القرآن , فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم الى القرآن .

و من ثم قال يحيى بن سعيد القطان : لم نر الصالحين في شئ اكذب منهم في الحديث .

و أوله مسلم بقوله انه يجري الكذب على لسانهم و لايتعمدون الكذب.

يعني كذابون بالسليقة

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (تابع 3)

التزوير بهدف الترهيب والترغيب

قـال الـقـرطبي في ((التذكار)) لا التفات لما وضعه الواضعون و اختلقه المختلقون من الاحاديث الـكـاذبـة و الاخـبار الباطلة في فضل سور القرآن , وغير ذلك من فضائل الاعمال , و قد ارتكبها جـمـاعة كثيرة وضعوا الحديث حسبة ـ كما زعموا ـ يدعون الناس الى فضائل الاعمال , كما روي عـن ابـي عـصـمة نوح بن ابي مريم المروزي و محمد بن عكاشة الكرماني , و احمد بن عبد اللّه الـجـويـبـاري , و غـيرهم .

قيل لابي عصمة : من اين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور الـقـرآن سورة سورة ؟ فقال :اني رايت الناس قد اعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بفقه ابي حنيفة و مغازي محمد بن اسحاق , فوضعت هذا الحديث حسبة وقـال : قد ذكر الحاكم و غيره من شيوخ المحدثين : ان رجلا من الزهاد انتدب في وضع احاديث فـي فـضل القرآن و سوره فقيل له : لم فعلت هذا؟ فقال : رايت الناس زهدوا في القرآن فاحببت ان ارغـبهم فيه انا ما كذبت عليه , انما كذبت له .

و هذا ميسرة بن عبد ربه ـ كان كذابا وضاعا ـ وضع في فضل قزوين اربعين حديثا قال ابوزرعة : كان يقول : اني احتسب في ذلك و قال ابن الطباع : قلت لميسرة : من اين جئت بهذه الاحاديث : ((من قرا كذا فله كذا))؟ قال : وضعته ارغب الناس فيه و قد وصفه جماعة بالزهد.

و هكذا كان الحسن ـ الراوي عن المسيب بن واضح ـ ممن يضع الحديث حسبة .

و كان نعيم بن حماد يضع الحديث في تقوية السنة .

 و كـان الـهيثم الطائي يقوم عامة الليل بالصلاة , فاذا اصبح يجلس و يكذب , وامثاله كثير من الزهاد كانوا من الوضاعين حسبة للّه فيما زعموا .

 قـال ابن الجوزي : منهم قوم وضعوا الاحاديث في الترغيب و الترهيب , ليحثوا الناس بزعمهم على الخير و يزجروهم عن الشر و هذا تعاط على الشريعة , ومضمون فعلهم ان الشريعة ناقصة تحتاج الى تتمة , فقد اتممناها ثم اسند الى ابي عبداللّه النهاوندي , قال : قلت لغلام خليل : هذه الاحاديث التي تحدث بها من الرقائق ؟ فقال : وضعناها لنرقق بها قلوب العامة و كان غلام خليل هذا يتزهد و يهجن شهوات الدنيا و يتقوت الباقلا تصوفا و غلقت اسواق بغداد يوم موته.

 وقال تحذيرا من الاحاديث الموضوعة : و اعظمهم ضررا, قوم منسوبون الى الزهد, وضعوا الحديث حسبة

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (4)

وضع الاحاديث تزلفا للسلاطين

4ـ وضـع الحديث تزلفا لدى الامرا كان بعض ضعفا النفوس من المحدثين الضعيفي الايمان يتزلفون لدى الامراو السلاطين , بوضع احاديث تروقهم , او تشيد من شناعاتهم في السياسة و الحكم .كان الرشيد يعجبه الحمام و اللهو به , فاهدي اليه حمام , و عنده ابو البختري القاضي , فقال : روى ابـوهريرة عن النبي انه قال : لا سبق الا في خف او حافر او جناح فزاد جناح و قد وضعها تـزلفا لدي الرشيد, فاعطاه جائزة سنية ولما خرج قال الرشيد : واللّه لقد علمت انه كذاب , و امر بـالـحمام ان يذبح فقيل له : و ما ذنب الحمام ؟ قال : من اجله كذب على رسول اللّه (ص ) .

 و حكى ابن الجوزي نظير هذه القصة لغياث بن ابراهيم بمحضر المهدي العباسي .

و هكذا حدث الرشيد : ان جعفر بن محمد حدثه عن ابيه : ان جبرائيل نزل على النبي (ص ) و عليه قبا اسود و منطقة و انما قال ذلك , لان ذلك كان شعار العباسيين فدخل يحيى بن معين , فقال له : كذبت يا عدو اللّه , و قال للشرطة خذوه فقال فيه المعافى التميمي :

ويل و عول لابي البختري ـــــ اذا توافى الناس في المحشر.

من قوله الزور و اعلانه ـــــ بالكذب في الناس على جعفر.

الـى آخـر الابيات , و هي مشهورة و لما بلغ ابن المهدي موته قال : الحمد للّه الذي اراح المسلمين منه .

 و روى ابن الجوزي عن زكريا بن يحيى الساجي , قال : بلغني ان ابا البختري دخل على الرشيد ـ و هـو قـاض ـ و هـارون اذ ذاك يطير الحمام , فقال : هل تحفظ في هذا شيئا؟ فقال : حدثني هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة : ((ان النبي (ص ) كان يطيرالحمام )) فقال هارون : اخرج عني ثم قال : لولا انه رجل من قريش لعزلته .

قـال ابـن الـجـوزي : هـذا الـحـديث من عمل ابي البختري , و اسمه وهب بن وهب كان من كبار الوضاعين .

و روى حـديـث القبا الاسود, قال : لما قدم الرشيد المدينة اعظم ان يرقى منبر النبي (ص ) في قبا اسـود و مـنـطـقـة فـقال ابوالبختري : ((حدثنا جعفر بن محمد عن ابيه قال : نزل جبرئيل على النبي (ص ) و عليه قبا اسود و منطقة , محتجزا فيهابخنجر)).

 قـال يـحيى بن معين : وقفت على حلقة ابي البختري و هو يحدث بهذا الحديث , مسندا عن جعفر بن مـحمد عن ابيه عن جابر فقلت له : كذبت يا عدو اللّه , على رسول اللّه قال : فاخذني الشرط فقلت : هـذا يـزعـم ان رسـول رب العالمين نزل على النبي و عليه قبا فقالوا لي : هذا واللّه قاص كذاب و افرجوا عني

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (5)

التزلف لسلاطين الامويين (1)

5ـ الـوضع نزولا مع سياسة الطغاة كان معاويه اول من وضع سياسته على وضع الاحاديث و قلبها, تمشية مع اهدافه في التغلب على خصومه بني هاشم واتباع علي .

قال الاستاذ ابورية : لابد لنا ان نكشف عن ناحية خطيرة من نواحي الوضع في الحديث , كان لها اثر بـعـيد في الحياة الاسلامية , و لايزال هذا الاثر يعمل عمله في الافكار العفنة و العقول المتخلفة و الـنـفـوس الـمـتعصبة ذلك ان السياسة قد دخلت في هذا الامر, و اثرت فيه تاثيرا بالغا, فسخرته ليؤيدها في حكمها, و جعلته من اقوى الدعائم لاقامة بنائها.

و قـد علا موج هذا الوضع السياسي و طفا ماؤه في عهد معاوية الذي اعان عليه و ساعده بنفوذه و مـاله , فلم يقف وضاع الحديث عند بيان فضله والاشادة بذكره , بل امعنوا في مناصرته , والتعصب له , حـتـى رفعوا مقام الشام الذي يحكمه الى درجة لم تبلغها مدينة الرسول (ص ) و لا البلد الحرام الذي ولد فيه و اسرفوا في ذلك اسرافا كثيرا, و اكثروا حتى الفت في ذلك مصنفات .

 و ذكر ابن ابي الحديد عن شيخه ابي جعفر الاسكافي : ان معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين , على رواية اخبار قبيحة في علي بن ابي طالب تقتضي الطعن فيه و البراءة منه , و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله , فاختلقوا ما ارضاه منهم : ابوهريرة , و عمروبن العاص , و المغيرة بن شعبة , و من التابعين عروة بن الزبير.

 روى الـزهري ان عروة بن الزبير حدثه , قال : حدثتني عائشة , قالت : كنت عند رسول اللّه (ص ) اذ اقبل العباس و علي فقال : يا عائشة , ان هذين يموتان على غير ملتي ـ او قال ـ غير ديني .

 و فـي حـديث آخر عنه , قال : حدثتني عائشة , قالت : كنت عند النبي (ص ) اذ اقبل العباس و علي , فقال : يا عائشة , ان سرك ان تنظري الى رجلين من اهل النار, فانظري الى هذين قد طلعا.

 و امـا عـمـرو بـن الـعـاص فـقـد اخـرج عـنه البخاري و مسلم باسناد متصل اليه , قال : سمعت رسول اللّه (ص ) يقول : ((ان آل ابي طالب ليسوا لي باوليا انما وليى اللّه و صالح المؤمنين )).

 و امـا ابـوهـريـرة فـروي عـنـه الـحديث الذي معناه : ان عليا خطب ابنة ابي جهل في حياة رسـول اللّه (ص ) فـاسخطه ,فخطب , و قال : لاها اللّه , لاتجتمع ابنة ولي اللّه و ابنة عدو اللّه ابي جهل , ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها فان كان علي يريد ابنة ابي جهل فليفارق ابنتي , و ليفعل ما يريد.

 و ايـضـا روى ابـو جـعـفـر عـن الاعـمـش قـال : لـمـا قـدم ابوهريرة العراق مع معاوية عام الـجماعة , جاء الى مسجد الكوفة ,فلما راى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه , ثم ضرب صلعته مرارا, و قال : يا اهل العراق , اتزعمون اني اكذب على اللّه و على رسوله و احـرق نـفـسـي بالنار بالمدينة ما بين عير الى ثور فمن احدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس اجمعين)), و اشهد ان عليا احدث فيها فلما بلغ ‌معاوية قوله اجازه و اكرمه و ولاه امارة المدينة .

و ايـضـا روى عـن شـيخه ابي جعفر : ان معاوية بذل لسمرة بن جندب ـ الرجل الوقح ـ مائة الف درهم حتى يروي ان هذه الاية نزلت في علي بن ابي طالب : (و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد اللّه على ما في قلبه و هو الد الخصام و اذا تولى سعى في الا رض ليفسد فيها و يهلك الحرث والنسل و اللّه لايحب الفساد).

و ان الاية الاخرى نزلت في ابن ملجم , و هي قوله تـعـالـى : (و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه و اللّه رؤوف بالعباد) فلم يقبل , فـبـذل له مئتي الف درهم فلم يقبل , فبذل له ثلاثمئة الف فلم يقبل , فبذل له اربعمئة الف فقبل , و روى ذلك .

 نعم كان معاوية يرى بنفسه ما يضاهي به عليا فكان يجعل الجعائل للوضع في تفضيله و تفضيل بلاده “الشام” التي كان يحكمها, و حاضرة ملكه , كان يجهد جهده في ذلك

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (1/5)

تزوير احاديث في فضائل الشام واهلها ارضاء لمعاوية

قال ابورية : و قد وضعوا فيه و فـي تـفضيل الشام احاديث نسبوها الى رسول اللّه (ص ) نذكر منها : ما اخرجه الترمذي ان النبي قال لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا و في حديث آخر ان النبي قال : اللهم علمه الكتاب و الحساب وقه العذاب ـ و هناك زيادة ـ : و ادخله الجنة .

و عـلـى كـثرة ما جا في فضائل معاوية من احاديث لا اصل لها, فان اسحاق بن راهويه و هو الامام الكبير و شيخ البخاري قد قال : انه لم يصح في فضائل معاوية شي .

 و هكذا ذكر الاستاذ ابورية : ان اشادة كهان اليهود ـ يريد كعبا و اذنابه ـ الى ان ملك النبي سيكون بالشام انما هو لامر خبئ في انفسهم و قد تبين ان الشام ما كان لينال من الاشادة بذكره و الثناء عليه , الا لـقـيام دولة بني امية فيه , تلك الدولة التي قلبت الحكم من خلافة عادلة الى ملك عضوض , و التي تـحـت كـنـفـها و في ايامها نشات الفرق الاسلامية التي فتت في عضد الدولة الاسلامية و مزقتها تـمزيقا, و استفاض فيها وضع الحديث فكان جديرا بكهنة اليهود ان ينتهزوا هذه الفرصة و ينفخوا في نار الفتنة , و يمدوها بجيوش الاكاذيب و الكيد و كان من هذه الاكاذيب ان بالغوا في مدح الشام و اهله , وان الخير كل الخير فيه ,و الشر كل الشر في غيره .

 و مـمـا قـالـه هـؤلا الكهنة بهذا الشان : ان ملك النبي سيكون بالشام , روى البيهقي في الدلائل عن ابي هريرة ـ تلميذ كعب ـ مرفوعا : الخلافة بالمدينة والملك بالشام و عن كعب : اهل الشام سيف من سيوف اللّه ينتقم اللّه بهم ممن عصاه .

 و من حديث : ستفتح عليكم الشام , فاذا خيرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة يقال لها : ((دمشق )) ـ و هـي حـاضـرة الامـويـيـن ـ فـانـها معقل المسلمين في الملاحم , و فسطاطها منها بارض يقال لها : ((الغوطة )).

و قـد جـعـلوا دمشق هذه , هي الربوة التي ذكرت في القرآن الكريم :

(و آويناهما الى ربوة ذات قـرار و مـعين ) و ذلك في حديث مرفوع الى النبي (ص ).

و قد جعلها ابوهريرة من مدائن الـجـنـة ايـضـا في حديث رفعه الى النبي (ص) هذا نصه : ((اربع مدائن من مدائن الجنة : مكة , و المدينة , و بيت المقدس , و دمشق )) .

 و هـكـذا نـرى معاوية الذي تعلم من كعب كيف يضع الحديث , يصف نفسه بان النبي (ص ) وعده بانه سـيلي الخلافة من بعده قال في خطبته لما عاد من العراق الى الشام بعد بيعة الامام الحسن سنة (41):

((ايـهـا الـنـاس , ان رسـول اللّه (ص ) قـال : انـك ستلي الخلافة من بعدي , فاختر الارض المقدسة , فان فيها الابدال ))

قال ابورية : و ماكاد معاوية يذكر ان الشام ارض الابدال الا و ظـهـرت احـاديـث مـرفـوعـة عـن هـؤلا الابـدال و قـد اوردهـا الـسـيـوطي في ((الجامع الصغير))

 و بذلك نكشف عن جانب خطير من كيد الدهاء اليهودي للمسلمين و دينهم وملكهم

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (2/5)

التزلف لبني امية بتعظيم الشام واهله 2

ذلك انهم لم يكتفوا بما قالوه في الشام بل زادوا على ذلك بان جعلوا الطائفة الظاهرة على الحق تكون في الشام كذلك , و حتى نزول عيسى الذي قالوا عنه : سيكون بارضه .

فـقد جا في الصحيحين : ((لاتزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم و لا من خـالـفهم , حتى ياتي امراللّه و هم كذلك روى البخاري : هم بالشام

و في رواية ابي امامة الباهلي : انهم لما سالوا النبي قال : بيت المقدس واكناف بيت المقدس .

 و في مسلم عن ابي هريرة : ان النبي قال : لايزال اهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة قال احمد و غيره : هم اهل الشام .

و فـي ((كـشـف الخفا)) : ان كعب الاحبار قال : اهل الشام سيف من سيوف اللّه , ينتقم اللّه بهم من العصاة .

 قـال ابـوريـة : و لعل العصاة هنا هم الذين لاينضوون تحت لواء معاوية , ويتبعون غيره و غيره هو علي بن ابي طالب .

 اخـرج ابـن الـجـوزي مـن طـريق عبد اللّه بن احمد بن حنبل , قال : سالت ابي ما تقول في علي و مـعـاويـة ؟ فـاطرق , ثم قال :ايش اقول فيهما, ان عليا كان كثير الاعدا, ففتش اعداؤه له عيبا فـلـم يـجـدوا, فـعـمـدوا الـى رجـل ـ يـريـد مـعـاوية ـ قد حاربه و قاتله فاطروه , كيدا منهم لعلي .

 قـال ابـن حـجر : فاشار بهذا الى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا اصل له قال : و قد ورد في فضائل معاوية احاديث كثيرة , ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد و بذلك جزم اسحاق بن راهوية و النسائي و غيرهما .

 و من طريف الامر, ان البخاري في كتاب ((الفضائل )) نراه عنون الباب الذي خصه بمعاوية , بقوله : ((بـاب ذكر معاوية )),و لم يجرا ان يعنونه بلفظة ((الفضائل )) كما في سائر الابواب , و بالفعل لم يات فيه شيئا مذكورا , و هكذا ابن الجوزي و غيره و من ثم قال ابن حجر في الشرح : عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله ((ذكر)) و لم يقل : ((فضيلة )) و لا ((منقبة )), لـكـون ((الـفضيله)) لاتؤخذ من حديث الباب , اي لاتستفاد فضيلة من الحديث الذي ذكره تحت هذه الترجمة , و قد عرفت انه لم يصح فيه حديث .

 و روى الـذهـبـي قـال : سئل النسائي ـ و هو بدمشق ـ عن فضائل معاوية , فقال : الا يرضى راسا بـراس , حتى يفضل فتوفى بها .

و هكذا استمر الحال بعد معاوية مادامت السلطة الاموية قائمة فهذا هشام بن عبد الملك نراه يفرض عـلـى اتـباعه و متملقيه من علماء ذلك العصر ان يرووا ان الاية : (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) نزلت في علي فاقروه على ذلك

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (6)

القصاصين وتزوير الحديث

6ـ الـوضـع نـزولا مـع رغبة العامة , و رغبة فيما بايديهم من حطام الدنيا و هذه مهنة القصاصين , يقصون على الناس القصص و الاساطير البائدة و يحدثونهم الغرائب و العجائب , ليستدروا ما لديهم من نقود و اعانات و فضول طعام .

و قـد كـان وضـع الـحـديـث لارضـا الناس و ابتغاء القبول عندهم , و استمالتهم لحضور مجالسهم الوعظية , و توسيع حلقاتهم , امرا رائجا و لايزال .

 قال القرطبي في مقدمة تفسيره : منهم (من الوضاع و الكذابين ) قوم من السؤال و المكدين , يقفون في الاسواق و المساجد, فيضعون على رسول اللّه (ص ) احاديث باسانيد صحاح قد حفظوها, فيذكرون الموضوعات بتلك الاسانيد

 قال ابن الجوزي : هناك قوم شق عليهم الحفظ, فضربوا نقد الوقت , و ربما راوا ان الحفظ معروف , فاتوا بما يغرب ممايحصل مقصودهم , فهؤلا قسمان , احدهما : القصاص , و معظم البلاء منهم يجري , لانـهـم يزيدون احاديث تثقف و ترقق ,و الصحاح يقل فيها هذا ثم ان الحفظ يشق عليهم و يتفق عدم الـديـن, و مـن يحضرهم جهال , فيقولون و لقد حكى لي فقيهان ثقتان عن بعض قصاص زماننا و كان يـظهر النسك و التخشع , انه حكى لهما, قال : يوم عاشورا, قال رسول اللّه (ص ) : من فعل اليوم كذا فله كذا, و من فعل كذا فله كذا, الى آخر المجلس فقالا له : و من اين حفظت هذه الاحاديث ؟ فقال : واللّه ما حفظتها,و لااعرفها, بل في وقتي قلتها.

 قـال : و الاجـرم كان القصاص شديدي النعير, ساقطي الجاه , لايلتفت الناس اليهم , فلا لهم دنيا و لا آخرة و قد صنف بعض قصاص زماننا كتابا فذكر فيه : ((ان الحسن و الحسين دخلا على عمر بن الخطاب و هو مشغول , فلما فرغ من شغله رفع راسه فرآهما, فقام فقبلهما, و وهب لكل واحد منهما الـفا,

وقال : اجعلاني في حل , فما عرفت دخولكما, فرجعا و شكراه بين يدي ابيهما على فقال على : سمعت رسول اللّه (ص ) يقول : عمر بن الخطاب نور في الاسلام و سراج لاهل الجنة فرجعا فحدثاه فدعا بدواة و قرطاس

و كتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم , حدثني سيدا شباب اهل الجنة عن ابيهما المرتضى عن جدهما المصطفى انه قال : عمر نور الاسلام في الدنيا و سراج اهل الجنة في الجنة و اوصى ان تجعل في كفنه على صدره , فوضع فلما اصبحوا وجدوه على قبره , و فيه : صدق الـحـسـن و الـحـسين و صدق ابوهما و صدق رسول اللّه (ص ) : عمر نور الاسلام و سراج اهل الجنة )).

 قـال ابن الجوزي : و العجب بهذا الذي بلغت به الوقاحة الى ان يضيف مثل هذا و ماكفاه حتى عرضه على كبار الفقهاء,فكتبوا عليه تصويب ذلك التصنيف فلا هو عرف ان مثل هذا محال و لا هم عرفوا و هـذا جـهـل متوفر, علم به انه من اجهل الجهال الذين ما شموا ريح النقل , و لعله قد سمعه من بعض الطرقيين

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (7) الجزء الاخير

قال الامام احمد بن حنبل : اكذب الناس السؤال و القصاص .

و عن ابي قلابة : ما امات العلم الا القصاص .

و كان ابو عبد الرحمان يقول : اتقوا القصاص .

و كان الذي احدث القصص ـ في المساجد ـ هو معاوية بن ابي سفيان فقد اخرج الزبير بن بكار في اخـبـار المدينة عن نافع و غيره من اهل العلم , قالوا : انما القصص محدث احدثه معاوية حين كانت الفتنة .

لـكـن سيوافيك في قصة الاسرائيليات ان القصص في المساجد, حدث في اواخر عهد عمر, حين اسـتـجازه تميم الداري فاجازه ان يقص قائما في مسجد المدينة و هكذا استمر على عهد عثمان , واستمر في عهد معاوية في المساجد,

و كـان الذي اشاع القص في المساجد هو كعب الاحبار, حيث انتهز الفرصة ايام الفتنة لبث مخاريقه بين المسلمين كيدا بالاسلام , و ذلك ان وجد من امكان اشاعة اساطيره بين الناس .

كـان كـعـب قـد تـوعـده عـمر بالنفي الى ارض القردة اذا هو روى اسرائيلياته او ما كان يلصقه بالنبي (ص ) من احاديث خرافة فلم يجد كعب تلقاء هذا التهديد مناصا مـن ان يـذعن في غيظ , ثم اخذ يسعى في الخفاء لكي يحقق اغراضه التي اسلم من اجلها.

قال ابـوريـة : و ما لبث ان اتيحت له فرصة المؤامرة التي دبرتها جمعية سرية لقتل عمر, فاشترك هو فيها, و نفخ في نارها.

فـلـمـا خـلا لـه الجو بقتله , اطلق العنان لنفسه لكي يبث ما شا الكيد اليهودي ان يبث من الخرافات الاسـرائيـلـيـات الـتي تشوه بها الدين ,

 و قد درس هذا الكاهن اليهودي في ملامح معاوية تحقيق اهدافه و امكان رواج اسرائيلياته , فلم يدع تلك الفرصة ,و اغتنمها منذ عهد عثمان . ذلك انه لما اشتعلت نيران الفتنة في زمن عثمان و اشتد زفيرها, حتى التهمت عثمان فقتلته و هو ـ اي كـعـب الاحبار ـ في بيته , لم يدع هذا الكاهن الماكر هذه الفرصة تمردون ان يبتهلها, بل اسرع يـنـفـخ في نارها, و يسهم بكيده اليهودي فيها ما استطاع الى ذلك سبيلا و قد كان من كيده في هذه الفتنة ان ارهص بيهوديته بان الخلافة بعد عثمان ستكون لمعاوية .

 فقد روى وكيع عن الاعمش عن ابي صالح : ان الحادي كان يحدو بعثمان يقول:

ان الامير بعده على ـــــ و في الزبير خلق رضي .

فـقـال كـعب : بل هو صاحب البغلة الشهباء ـ يعني معاوية ـ و كان يراه يركب بغلة , فبلغ ذلك معاوية فـاتاه , فقال : يا ابا اسحاق ما تقول هذا؟ و ها هنا على و الزبير و اصحاب محمد لعله اردف ذلك بقوله : اني وجدت ذلك في التوراة ـ كما هي عادته .

و قدر معاوية هذه اليد الجليلة لكعب , و اخذ يغمره بافضاله .

و قـد عـرف مـن تـاريخ هذا الكاهن انه تحول الى الشام في عهد عثمان , وعاش تحت كنف معاوية , فاستصفاه معاوية لنفسه و جعله من خلصائه , لكي يروي من اكاذيبه و اسرائيلياته ما شا ان يروي في قصصه , لتاييده , وتثبيت قوائم دولته .

و قـد ذكـر ابـن حجر العسقلاني بان معاوية هو الذي امر كعبا بان يقص في الشام و هو الذي بث احاديث تفضيل الشام و اهلها, سوا بنفسه او على يد تلامذته.

انتهى البحث

أهمية دراسة علم التاريخ

 أهمية دراسة علم التاريخ

 يذكر ” العز الكنانى ” رأيه في أهمية علم التاريخ فيقول ” لاشك في جلالة علم التاريخ وعظم موقعه من الدين وشدة الحاجة الشرعية إليه لأن الأحكام الانتقادية والمسائل الفقهية مأخوذة من مكارم الهدى من الصلات والمبصر من العمى والجهالة ، والنقلة هم الواسطة بيننا وبينه فوجب البحث عنهم والفحص عن أحوالهم ، وهذا مجمع عليه ، والعلم المتكفل بذلك هو علم التاريخ ولهذا قيل أنه من فروض الكفاية ( 47 :55)0

 ويرى ” المقريزى ” ” أن علم التاريخ من أجل العلوم قدراً وأشرفها عند العقلاء مكانة وخطراً لما يحويه من المواعظ والإنذار بالرحيل إلى الدار الآخرة عن هذه الدار ، والاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدي بها ، واستعلام مذام الفعال ليرغب عنها أولوا النهى ” ( 87 : 89) ، ويشير ” السخاوى ” إلى أهمية علم التاريخ بقوله ” فعلم التاريخ فن من فنون الحديث النبوي ، وزين تقر به العيون ، حيث سلك فيه المنهج القويم المستوى ، بل وقعه من الدين عظيم ، ونفعه متين فى الشرع ، بل جعله من فروض الكفايات ” ( : 4 ) 0

 ولقد أوضح ” ابن الأثير ” أهمية دراسة علم التاريخ بقوله ” لقد رأيت جماعة ممن يدعى المعرفة والدراية ، ويظن بنفسه التبحر فى العلم والرواية يحتقر التواريخ ويزدريها ، ويعرض عنها ويلقيها ظناً منه أن غاية فائدتها القصص والأخبار ، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار ، وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره . ومن رزقه الله طبعاً سليماً وهداه صراطاً مستقيماً ، علم أن فوائده كثيرة ومنافعه الدنيوية والأخروية حجه غزيرة….. ( 24 : 7 ) 0

 ويذكر “ابن الأثير ” أن من الفوائد الدنيوية لدراسة علم التاريخ ” إن الإنسان لا يخفى أنه يحب البقاء ويؤثر أن يكون فى زمرة الأحياء ، فيا ليت شعري ‍‍‌‌‍‍! أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه وبين ما قرأه فى الكتب المتضمنة أخبار الماضيين وحوادثن المتقدمين ؟ فإذا طالعها فكأنه عاصرهم ، وإذا علمها فكأن حاضر هم( 24 :7)، ويضيف “إبن الأثير ” ان الملوك ومن إليهم الأمر والنهى إذا اطلعوا على تجارب الماضي وأحداثه أفادوا منها واستقبحوا الأشياء التى أساءت للبلاد والعباد واستحسنوا السيرة الحسنة للحكام والولاة العادلين فرغبوا فيها وخلصوا بها واستعانوا نفائس المدن وعظيم الممالك” ( 24 : 7 ) 0

  وأخيراً يختم ” ابن الأثير ” حديثه عن أهمية علم التاريخ وفوائده الأخروية بقوله ” وأما الفوائد الأخروية فمنها أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ورأى تقلب الدنيا بأهلها ، وتتابع نكباتها على أعيان قاطنيها وأنها سلبت نفوسهم ، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم فلم تبق على جليل ولا حقير ولم يسلم من نكدها غنى ولا فقير زهد عنها وأقبل على التزود للآخرة منها 000 ومنها التخلق بالصبر والتأنى وهما من محاسن الأخلاق ، فإن العاقل إذا رأى مصاب الدنيا لم يسلم منه بنى مكرم ، ولا ملك معظم ، بل ولا أحد من البشر ، علم أنه يصيبه ما أصابهم ، وينوبه ما نابهم ” ( 42 : 7 ) 0

  ويذكر ” خليفة بن خياط ” أهمية التاريخ بقوله ” وبالتاريخ عرف الناس أمر حجهم وصومهم وانقضاء عدد نسائهم ومحل ديونهم ” ( 41 : 49) ، ويشير ” الطبري ” إلى أهمية علم التاريخ بقوله ” قال جل جلاله وتقدست أسماؤه ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً )صدق الله العظيم ( سورة الإسراء الآية 12 )ليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار والشهور والسنين من الصلوات والزكوات والحج والصيام وغير ذلك من فروضهم وحين حل ديونهم وحقوقهم ” ( 63 : 3 ) 0

  ولا زال تعريف ” ابن خلدون ” للتاريخ في فاتحه مقدمته يعتبر من أدق ما قيل فى هذا العلم عند العرب ، وهو تعريف أعجب به وأشار إليه نفر من كبار المؤرخين في الغرب ، حيث قال ” ابن خلدون ” بعد مدخل بلاغي ” أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال ، وتشد إليه الركائب والرحال ، وتسمو إلى معرفته السوقة.. وتتنافس فيه الملوك .. ، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال ، إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدى إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمحال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان لهم الزوال 0 وفى باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق ” ( 37 : 3 ) 0

  ويذكر ” حسين مؤنس ” إن التاريخ ليس لغواً ، فهو لا يقتصر على أخبار الماضيين وأساطير الأولين ، بل هو يدرس التجربة الإنسانية أو جوانب منها ، ويسعى إلى فهم الإنسان وطبيعة الحياة على وجه الأرض ، وإذا نحن اعتبرنا الحياة طريقاَ يقطعه الإنسان ، فلا شك بأن معرفتنا بما قطعناه من الطريق يعيننا على قطع ما بقى منه ( 37 : 12 ) 0

 وخلاصة هذا الكلام أن التاريخ ينفع في العظة والعبرة فنحن ندرس تواريخ الدول والملوك لنتعلم ، وندرس سير الأنبياء لنتأسى بهم ، وندرس تجارب الأمم ونرى ما وقعت فيه من الأخطاء لننجو بأنفسنا عن المذلات ومواطن الضرر ، وهذه أعظم فوائد التاريخ في نظر دارسيه .

 ويوضح ما سبق ما قاله ” ابن خلدون ” في مقدمته ” أعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية ، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دولهم وسياستهم ، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا ، فهو محتاج إلى مأخذ متعددة ومعارف متنوعة ، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق ، وينكبان به عن المذلات والمغالط “( 37 : 14 )

 وللتاريخ أهمية عظمى في بناء الأمم ، والمحافظة على هويتها وشخصياتها بل وعلى قوتها ، وقدرتها على الشموخ ، والاستطالة والاستمرار فهو جذور الأمة التي تضرب بها في الأعماق ، فلا تعصف بها الأنواء ، ولا تزلزلها الأعاصير ، ولا يفتنها الأعداء 00 وهو ذاكرة الأمة ، والذاكرة للامة كالذاكرة للفرد تماماً ، وبها تعي الأمة ماضيها ، وتفسر حاضرها ، وتستشرف مستقبلها 0 ( 70 : 54- 55 ) 0

   والتاريخ ليس هو الحوادث ، وإنما هو تفسير هذه الحوادث واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها ، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات ، متفاعلة الجزئيات ، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان ( 55 : 37 ) 0

  وعن قيمة التاريخ يذكر المفكر ” مالك بن بنى ” إن نظرتنا إلى التاريخ لا تؤدى إلى نتائج نظرية فحسب ، بل إلى نتائج تطبيقية تتصل بسلوكنا في الحياة ، فهي تحدد موقفنا أمام الأحداث ، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها ( 94 : 26 ) 0

 والتاريخ ليس علم الماضي ، بل هو علم الحاضر ، والمستقبل في واقع الأمر وحقيقته ، فالأمة التي تستطيع البقاء ، هي الأمة التي لها ضمير تاريخي ، ومعرفة التاريخ ، وعشق له ، والتاريخ أيضا ” عرض الأمة ” كما سماه كاتب العربية الأكبر ” عباس محمود العقاد ” ، ورحم الله أمير الشعراء حين قال :

 مثل القوم أضاعوا تاريخهم كلقيطٍ عيّ في الحي انتسابا

 ويشير “محمد قطب ” إلى الغاية التي من أجلها يدرس التاريخ ليس مجرد أقاصيص تحكى ، ولا هو تسجيل للوقائع والأحداث ، إنما يدرس التاريخ للعبرة 00 ويدرس للتربية -تربية الأجيال 0بسم الله الرحمن الرحيم ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ، ما كان حديثاً يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون))صدق الله العظيم (يوسف الآية 111 )( 106 : 27- 28 ) 0

 لقد أصبح التوجه صوب التاريخ والتعامل معه كمعطى ثقافي ، أو كمورد من أهم موارد التشكيل الثقافي ، من الأهمية بمكان ، لأنه يعتبر إلى حد بعيد من ضرورات الخصوصية الثقافية ، وعلى الأخص في عصر العولمة ، ومحاولات طمس الهوية وتذويب الخصوصيات ، وفرض ثقافة وتاريخ الغالب باسم التطبيع أو نهاية التاريخ والنزوع إلى العالمية والإنسانية ( 47 : 32 ) 0

 “فالتاريخ هو ذاكرة الأمة ومخزون تراثها الثقافي ، ومناخ عمليات التفكير وتحديد الوجه ، وحامل قسمات شخصياتها الحضارية ، وهو من أهم عوامل الارتكاز الثقافي ، وهو مفتاح لكل نهوض أو إصلاح أو تغيير ، في صفحاته تقرأ الأمم والشعوب ، ويكتشف دليل التعامل معها ، ومن خلال استقرائه تعرف السنين الفاعلة في الحياة ، والقوانين التي تحكم الفعل التاريخي ، وتحقق العبرة التي تختزل لنا التجربة ، وتطوى مسافة الزمان والمكان ، وتمد أعمارنا إلى الماضي البعيد وتوجه أبصارنا إلى أفق المستقبل وعالم الغد المديد وتمنحنا الحكمة ، وتزكى عقولنا ، وتنمى معارفنا ، وتمنحنا القدرة على الموازنة والمقارنة والفهم والتحليل والتعليل” ( 47: 33 ) 0

 ولقد قال أسلافنا القدماء – من علماء التاريخ وكتابه “أن قراءة التاريخ تضيف لقارئه عمراً ثانياً ، وإنها من ثم – تضاعف العمر ، لأنها تضيف إلى عمر القارئ عمر الشعوب والقادة والأبطال الذين قرأ تاريخهم عن طريق إكسابه خبراتهم ، وجعله يعيش ما عاشوا من أحداث ووقائع وأيام” ( 105 : 33 ) 0

 ولما كان كلام أسلافنا القدماء عن قارئ التاريخ ، فأننا نستطيع أن نضيف هنا أن الوعي بالتاريخ يكسب أصحابه إلى جانب عمرهم وعمر أسلافهم أيضاً عمر الأجيال التي لم تأتى بعد ، لأن الوعي بالتاريخ تتجاوز فائدته وثمراته حدود الاستفادة بهذا الوعي في حياتنا الحاضرة وبناء واقعنا المعاش ، إلى التأثير في المستقبل القريب منه والبعيد ، ومن ثم فنحن نضيف إلى أعمارنا إذا وعينا تاريخنا أعمار الأقدمين ونسهم كذلك في زيادة أعمار الأجيال القادمة بما نضعه على ضروبها من أضواء ، وما نقدمه لتجاربها وخبراتها من إضافات ( 105 :33).

 إن الوعي بالتاريخ ليس حفظاً للذاكرة وتسجيلاً للحدث ، وإنما إعمالاً للتفكير ، واستنتاجاً للعبرة والعظة ، وامتلاك المؤهل لاستيعاب الحاضر وتفسيره ، والتبوء بتداعياته ومآلا ته وعواقبه ، وكذلك فإن الوعي التاريخي هو من أهم الموارد الثقافية والمعرفية ، لثقافة الحاضر ورؤية المستقبل ، وأن القطيعة التاريخية تجعل التعامل مع الحياة نوعاً من الخبط الأعشى ( 47 : 18 ) 0

 والتاريخ يختص بدراسة الحاضر وجذوره الضاربة في الماضي القريب والبعيد ، وهو يتتبع قصة الإنسان ونشأته وتطوره وعلاقاته ومشكلاته ، الأمر الذي يشارك في إيضاح جذور منابع ذلك الحاضر الذي يعيش فيه ويحدد اتجاهات المستقبل ومن خلال دراسة التاريخ تتاح فرصة التعرف على المشاكل العالمية المعاصرة وأسبابها ، والعلل وتعيين مداها ، ونوع أثرها ( 15 :15 ) 0

 ويشير ” استراير ” STROYER إلى أن دراسة التاريخ تعين الإنسان على مواجهة المواقف الجديدة لا لأنها تقدم له أساساً للتنبؤ بما سيكون ، ولكن لأن الفهم الكامل للسلوك الإنساني فى الماضي يتيح الفرصة للعثور على عناصر مشتركة بين مشاكل الحاضر والمستقبل مما يجعل حلها حلاً ذكياً أمراً ممكناً ( 37 : 39)0

 بينما يذكر ” ستيوارت هيوز ” إن التاريخ كان يعد نفسه دائماً علماً شاملاً وعلماً وسيطاً ، وقد كان التاريخ في الماضي يربط الشعر بالفلسفة ، وهو اليوم يربط الأدب بعلم الاجتماع ، وما دام لكل شيء تاريخه ، فإن التاريخ كعلم يشمل كل شيء ، حتى الكاتب الصغير الذي يدرس مبادئ التأمين ، يجد نفسه يدرس إلى حد ما تاريخ التأمين ، وبذا يصبح التاريخ ميدان التقاء كثير من العلوم 0( 37 :39) 0

 ويهتم التاريخ بالعلاقات والمشكلات المختلفة متتبعا نشأتها وتطورها ، والنتائج التي ترتبت على هذا التطور ، ويلقى أضواء من الماضي على ما هو كائن في الحاضر من هذه العلاقات والمشكلات والسلوك ، ويبرز في كل هذا أدوار البطولة والقيادات وجهاد الشعوب والنتائج التي ترتبت عليها ( 57 : 9)

 ويؤكد ” سالم أحمد محل ” على أهمية تعلم التاريخ بقوله ” فالتاريخ هو ذاكرة الأمة ومخزون تراثها الثقافي ، ومناخ عمليات التفكير وتحديد الوجهة ، وحامل قسمات شخصياتها الحضارية ، وهو من أهم عوامل الارتكاز الثقافي ، وهو مفتاح لكل نهوض أو إصلاح أو تغيير ، في صفحاته تقرأ الأمم والشعوب ، ويكتشف دليل التعامل معها ، ومن خلال استقرائه تعرف السنين الفاعلة في الحياة والقوانين التي تحكم الفعل التاريخي ، وتحقيق العبرة التي تختزل لنا التجربة ، وتطوى مسافة الزمان والمكان وتمد أعمارنا إلى الماضي البعيد ، وتوجه أبصارنا إلى أفق المستقبل وعالم الغد المديد ، وتمنحنا الحكمة ، وتزكى عقولنا ، وتنمى معارفنا ، وتمنحنا القدرة على الموازنة والمقارنة والفهم والتحليل والتعليل ، وتحرضنا على التفكير فى أسباب السقوط والنهوض ، لذلك اعتبر القرآن التاريخ مصدراً للمعرفة ، ودعا إلى السير فى الأرض لاستيعابه ، واستنكر الركود ، وعدم الاكتشاف الحضاري 0

 قال الله تعالى “( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) – ( سورة الروم الآية 9 ) ( 47 : 32 – 33 ) 0

 ويتفق ” هيوم اتكن ” مع ما سبق بقوله ” إن الهدف من الدراسة التاريخية أكثر من مجرد الوقوف على الحوادث وعلى النحو الذي وقعت فيه ولكن لا بد من فهم هذه الحوادث والكشف عن وحده الارتباط بين بعضها وللكشف عن الصلة بين الأحداث واستخراج العبر والعظات منها للاستفادة منها في فهم الواقع الذي نعيشه الآن ( 123 : 11 ) 0

 ويذكر المؤرخ الإنجليزى ” آرثر مارفيك ” فى كتابه المسمى ” طبيعة التاريخ ” وهو من الكتب الدراسية الجامعية المعتمدة واسعة الانتشار في جامعات أوروبا وأمريكا قال ” مارفيك ” ” وإذن فالتبرير الأساسي للدراسة التاريخية هو أنها ضرورية ، فهي تسد حاجة غريزة إنسانية أساسية وتفي بحاجة أصلية من حاجات البشر الذين يعيشون في المجتمع ( 37 : 32 )

لماذا نناقش الخرافات التوراتية اليهودية؟

 توظيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطاب

مسعد عربيد 

مقدمة
لماذا نناقش الخرافات التوراتية اليهودية؟

لا تكمن جذور الصراع العربي ـ الصهيوني في الابعاد والعوامل الدينية، بل في المصالح والتناقضات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية للاطراف المتصارعة. فلسنا، إذن، امام صراع ديني وإن كان يتخذ لبوس الدين في كثير من الاحيان ولا يخلو من تجليات دينية على مستوى الحدث وتسييس الدين والتفاعلات السياسية والاجتماعية، بل إننا أمام مشهد تتداخل فيه وتتفاعل ديناميكيتان أساسيتان:

1) التوظيف الصهيوني للديانة اليهودية والخرافات الدينية الغيبية (النبوءات التوراتية تأويلاتها اليهودية ـ الصهيونية والمسيحية البروتستانتية )، والتي وُظفت في التأسيس لادعاء “الحق الديني والتاريخي” لليهود في فلسطين؛

2) التلقي العربي لهذ المقولات والتعامل معها عبر الخطاب الديني والاعلامي والسياسي. وسيكون الرد الديني محور النقاش الرئيسي في هذه المقالة لما له من حضور دائم وعميق في مجتمعاتنا وبين جماهيرنا، ومن حيث قدرته على إختراق الوعي الشعبي والتأثير في تكوينه وتحديد مفرداته وأفكاره وأدواته.

في إطار هذا الفهم للابعاد الدينية ودورها في الصراع العربي ـ الصهيوني، فان تناولنا للخرافات الدينية والنبوءات التوراتية، قد يستدعي تلمس بعض الجوانب الدينية واللاهوتية:
□ التي لا نتناولها من منظور ديني، بل من حيث توظيفاتها السياسية، وبقدر ما تعيننا على فهم إستراتيجية العدو التي وظفتها الحركة الصهيونية في كسب الدعم الجماهيري اليهودي (في التجمعات اليهودية الموزعة في أنحاء العالم) والدعم الرسمي والشعبي في الغرب الراسمالي (المجتمعات المسيحية الغربية)؛
□ وبقدر ترابطها بالمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين والمشروع الامبريالي في فضائه الاوسع ضد الوطن العربي؛
□ وأخيراً، بقدر ما تسهم في إستشراف إستراتجية المقاومة للمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني. 
□ وعليه، فلسنا بصدد المعالجة اللاهوتية لهذه النبوءات، لبس إنتقاصاً من أهمية وضرورة هذه البحوث في فهم العدو ومكوناته الثقافية، بل لاننا سنحصر نقاشنا في التوظيف السياسي الصهيوني لهذه الخرافات، من جهة، وتعامل خطابنا الديني في رده عليها، من جهة اخرى. 

وتجدر بنا الاشارة، قبل الولوج الى موضوعنا، الى ملاحظة هامة وهي ان الصهيونية لم تُوظف النبوءات التوراتية فحسب، بل سعت، منذ المراحل الجنينية للفكرة الصهيونية السياسية، الى إستخدام كافة الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية واللاهوتية الاوروبية في خدمة وتبرير سياساتها ولم تتورع، في مسعاها هذا، عن إستغلال الفكر الثوري والاشتراكي وحركاته المتنامية في ذلك العصر. إلاّ أن هذا يجب الا يعمينا عن رؤية الجوهر الاستيطاني والعنصري والفاشي للايديولوجيا الصهيونية. 

سنبدي في الجزء الاول بعض الملاحظات النقدية حول عبثية الرد الديني على النبوءات التوراتية، ننتقل بعدها الى محاولة تفسير هذه الخرافات ـ متخذين كذبة “العودة” الى “أرض الميعاد” كنموذج ـ من خلال قراءة هذه النبوءات من منظور توظيفها لخدمة الاهداف السياسية للصهيونية وفي سياق تاريخ الجماعات اليهودية وتطورات حياتهم عبر القرون.
(1)
عبثية الرد الديني

تكمن مواطن الخلل الاساسية في الخطاب الديني حيال المقولات اليهودية ـ الصهيونية في جوانب عديدة، نذكر أهمها:

1) مخاطر هذا النهج على مستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني ومشروع مقاومته.
2) عجز الخطاب الديني عن صياغة برنامج عملي: فالخطاب الديني لا يمكن ترجمته الى فعل بشريٍ واعٍ ومنظم، وبالتالي تتعذر صياغة برنامج نضالي عملي. 
3) فشله في إحراز نتائج ملموسة على عدة مستويات:
ـ فقد فشل في توعية الجماهير العربية وتعبئتها وتحريضها وتنظيمها في النضال ضد العدو الصهيوني، بل كثيراً ما عمل على إيقاظ المشاعر الدينية العنصرية والنزعات الطائفية. 
ـ لم يساهم في التأسيس لمشروع مقاومة للاحتلال والمشروع الصهيوني والراسمالي برمته (دون التنكر لنضال الحركات الاسلامية المقاومة في لبنان وفلسطين، والتي تكافح ضد الاحتلال والمشروع الصهيوني على أسس وطنية وقومية لا على مرتكزات الخطاب الديني).
ـ لم يوفق الخطاب الديني في كسب التأييد العالمي لقضايانا سواء على المستوى الرسمي او الشعبي. 

نهج الخطاب الديني

يعجز الخطاب الديني عن تحليل الواقع القائم وتفسير تطوراته ومتغيراته لان التفسير الديني بطبيعته تفسير نصوصي يفتقر الى التحليل المادي التاريخي ويرتكن، في فهم الواقع والطبيعة والمجتمع والتاريخ، الى قوى غيبية ومشيئة ربانية وتفسيرات ميتافيزيقية مثالية. وهي أدوات لاتاريخية تعجز عن فهم الصراع في بلادنا وطبيعة تناقضاته ومكونات العدو الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني. 

1) يخفق الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في فهم وتفسير أوضاع الجماعات اليهودية وتطور الحياة اليهودية في المجتمعات التي عاشوا فيها. ولهذا السبب فانه يخفق أيضاً في فهم السياق الذي نشأت في إطاره الصهيونية وعلاقتها بهذه الجماعات بكافة فئاتها (الفقيرة والبرجوازية، المندمجة في المجتمعات التي كانت تقيم فيها أو المنعزلة عنها، المتدينة أو العلمانية…). 

قد يكون الجهل المعرفي لهذه الاوضاع احد الاسباب الهامة وراء ذلك، إلا انه حتى عندما يتوفر الكم المعرفي والمعلوماتي، فان الخطاب الديني لا يرقى الى المنهج التحليلي لفهم التاريخ والقوى المحركة له كديناميكية حيّة والى فهم التناقضات بين القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية كعامل أساسي في صنع التاريخ وحركته. 

2) كما يخفق الخطاب الديني في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في إطار تطور حياة وأوضاع الجماعات اليهودية عبر العصور وعبر المجتمعات. ومن هنا، وللسبب ذاته، فانه يفشل في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في نشوء الدعوة الصهيونية وتبلورها كحركة سياسية تدّعي تمثيل المصالح اليهودية وتعمل على حل المسألة اليهودية باقامة “وطن قومي” لليهود في فلسطين، من جهة، وتحالف الصهيونية مع الراسمالية العالمية كوليدة وأداة لها، من جهة اخرى. 

3) بالاضافة الى ان الخطاب أو التفسير الديني لا يلتقط ولا يعير الاهمية لتلاقي المصالح وتحالف الصهيونية مع الراسمالية العالمية.

لهذا الاسباب وغيرها، يعجز الرد الديني عن تفسير جذور وأسباب الصراع العربي ـ الصهيوني وحلوله تفسيراً موضوعياً بل نراه ينسج من حوله الاوهام والغيبيات.

مخاطر نهج الخطاب الديني

أ ـ تديين الصراع وتسييس الدين: للاسباب المذكورة، فان الرد الديني يقدم فهماً مشوهاً لاسباب وجذور الصراع ويتوه في مطلقات غيبية تؤدي الى الانزلاق في تديين الصراع أي التأسيس لفهم الصراع في بلادنا على أنه صراع ديني، فيتحول صراعنا مع الصهيونية وكيانها الى صراع مع اليهودية واليهود، أما صراعنا مع الامبريالية الاميركية والراسمالية العالمية فيصبح حرباً ضد النصارى والصليبيين والكفّار. ان السقوط في فخ تديين الصراع في بلادنا لهو كارثة، بل هو أكبر المخاطر التي تحيق بنضالنا ومستقبلنا، ناهيك عن ان الصهيونية والغرب الراسمالي دأبا لعقود طويلة على تغذيه وتسعير مثل هذه المفاهيم.

ما نود ان نخلص اليه هو ان مثل هذا النهج يؤدي الى طمس وتشويه طبيعة الصراع ومعسكر الاعداء؛ والى تشخيص العدو على أساس مكوناته الدينية. ويفضي هذا بدوره الى اعتبار ان صراعنا هو مع اليهودية (كديانة) واليهود (كأتباع لهذه الديانة) مما يحرف بوصلة نضالنا عن العدو الرئيسي: الصهيوني. كما ام مثل هذا الوهم يفرش الارضية للتمييز على أساس الدين وتسعير النزعات والاحقاد الطائفية. وعليه، فانه في أجله البعيد وفي رده الديني على “يهودية” الدولة الصهيونية، يفضي الى طرح الحلول الدينية والطائفية البديلة في بلادنا والدعوة الى إقامة كيانات “دينية” كنقيض للكيان الصهيوني، تقوم هي ايضاً على حوامل دينية ونزعات طائفية. ولا يخفى ان مثل هذه الدعوات تلقى الكثير من “الترحيب” والصدى من العديد من القوى والنزعات كما انها تجد في واقعنا الراهن تربة خصبة لها.

ب ـ عبثية السجال الديني: دون الانتقاص من الجوانب الدينية واللاهوتية والفكرية التي تهم المعنيين والباحثين بهذا الشأن، إلا أن الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية والدحض اللاهوتي للنبوءات التوراتية من منظور توظيفاتها السياسية، يجرنا، بحكم كونه جدلاً دينياً، الى المحاججة الدينية المعاكسة ويوقعنا في فخ السجال الديني العقيم وتصوير صراعنا مع الصهيونية والغرب الراسمالي على أنه صراع ديني.

وتتجلى عبثية مثل هذا النهج في انه يحرمنا من فرصة تقديم نقد موضوعي تاريخي يستند الى وقائع التاريخ وحقائقه، إضافة الى أنه يخلق الانطباع باننا نعادي اليهودية كعقيدة دينية مهما حاولنا تفادي هذا الانطباع الذي تحرص الدعاية الصهيونية دوماً على تعزيزه. ونكون بذلك قد قدمنا للصهيونية سلاحاً مجانياً وإضافياً لإلصاق تهم العنصرية والشوفينية والتعصب الديني بنا وبنضالنا وبقضايانا العادلة. فالعدو الصهيوني غير معني بمثل هذا الجدل الذي مرّ عليه أكثر من قرن، بل لعله معني بالمزيد من إلهائنا وحرفنا عن المعارك الرئيسية.

بالرغم من أن العديد من مفكري الحركة الصهيونية وقادتها السياسيين، بما فيهم مؤسسها ثيودور هرتسل، كانوا من العلمانيين والملحدين، فقد أتقن الصهاينة توظيف الدين ومقولاته في خدمة مشروعهم منذ بداية الفكرة الصهيونية، ولاحقاً في تغذية الهجرة والاستيطان الصهيوني لفلسطين. ولم يتوقف هذا التوظيف يوماً حتى بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، وما زلنا نشهده يومياً في نهب الارض العربية وبناء المستوطنات الصهيونية في مرتفعات الضفة الغربية المحتلة. ولم يتواني الصهاينة وحاخاماتهم يوماً عن إستحضار كل ما اوتوا به من أساطير توراتية لتبرير جرائمهم.

أما دحضنا ومحاججاتنا لمقولاتهم الدينية على مدى قرن من الزمان، فقد ذهبت أدراج الرياح، لانهم لم يأبهوا يوما بها. ولعل ما قاله الحاخام ياكوف سافيرونقلته وكالات الانباء (30 مايو 2009) يعبر عن هذا بجلاء: “ان الانتقادات الدولية للاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية” سخيفة لان الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب ان يرحلوا الى مكان آخر”، ثم أضاف: “ان هذه الأرض هي ارض يهودية – انها ديارنا”. 

أما السجال الديني مع الغرب المسيحي فهو هدر للطاقات لا جدوى منه، بالرغم من الترويج الذي نشهده منذ سنوات ل”حوار” الاديان والثقافات. فرأس المال لا دين له ولا ثقافة سوى الربح والربح الاقصى. أما السياسة، فهي مصالح إقتصادية وسياسية واستراتيجية لا تجدي فيها جلسات الحوار الصوفية. وبعد هذا فانه لا يهمنا الكلام المعسول من مفردات الحوار والتسامح … الى آخر تلك المعزوفة الممجوجة. الغرب الراسمالي في مستواه الرسمي، مستوى قواه المهيمنة وطبقاته الحاكمة، معني فقط بمصالحه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية: نهب ثروات الشعوب والهيمنة على مقدراتها. أما على المستوى الشعبي، مستوى الثقافة الشعبية المسيحية الغربية، فان الغرب يصدق ما يقوله الصهاينة وحاخاماتهم. والى أن نعود الى هذه المسألة لاحقاً، نكتفي الآن بالقول بان الغرب قد إستدخل المقولات الدينية اليهودية في معتقداته الايمانية وشعائر عبادته كما في ثقافته ومنظومة قيمه فأصبحت هذه المقولات احدى المكونات الهامة لهويته الثقافية. 

ملاحظة في مصطلح “الغرب الراسمالي”

لا ينطلق مفهومنا “للغرب الراسمالي” من مفهوم عرقي او عنصري أو إثني او شوفيني. بل اننا نستخدم مفردة “الغرب الراسمالي” كمصطلح سياسي من منطلق فهمنا للتناقض الرئيسي في بلادنا على انه تناقض بين مشروعين متناحرين: (1) المشروع التحرري ـ التنموي ـ القومي العربي، و(2) والمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني الذي يسعى منذ ما ينوف على قرنين من الزمن الى الهيمنة على بلادنا وشعوبنا بمقدراتها وثرواتها. وعليه، فان استخدامنا لمفردة الغرب الراسمالي يدلل الى مستويين:
أ ـ الغرب الرسمي: بطبقاته الحاكمة وقواه المهيمنة التي تقود مشروع الهيمنة على بلادنا وشعوب العالم الثالث والعالم باسره.
ب ـ الغرب الشعبي: ولا نقصد الانسان والفرد الغربي، بل ما يتضمنه ذلك من ثقافة شعبية ودينية ونظم قيمية وتاريخ وتراث …الخ. وهذا التحديد لا يعني معاداة الآخر الغربي المسيحي ولا يلغي وجود فئات وقوى سياسية واجتماعية مؤيدة لنضالنا وقضايانا، بل هو يبقي الباب مفتوحاً كي نلتقي مع هذه القوى ونحاورها ونناضل معها ولكن على ارضية برنامج مشترك يقوم على مبادئنا وثوابتنا الوطنية والقومية ويخدم قضايانا العادلة.

تحديات التعامل مع الغرب الراسمالي
مركزية اليهود واليهودية في الثقافة الغربية

بدءً، تجدر الاشارة الى ضرورة التمييز بين المقولات التوراتية لدى اليهود كما وردت في الديانة اليهودية، والمقولات الانجيلية (المسيحية) أي تلك التي تشمل التأويلات والتفسيرات (الحَرْفية) للمقولات التوراتية لدي المسيحيين وعلى وجه الخصوص أتباع الحركات والطوائف البروتستانتية. 

وتنبع أهمية المقولات الانجيلية هذه من أنها تُعتبر أحد المنابع الرئيسية للثقافة السائدة في الغرب. وقد تغلغلت هذه المقولات، على مدى قرون طويلة، الى الوجدان الغربي ووعيه وثقافته الشعبية السائدة وأصبحت، في نظر الاغلبية الشعبية من المواطنين، “مسلمات” لا يرقى اليها الشك والتشكيك وليست قابلة للجدل أو التساؤل. ومن أهم تجليات هذه المقولات في العقلية والوعي الغربي هو تفرد اليهود وخصوصياتهم كشعب الله المختار وحقهم في العودة الى الارض التي وعدهم الله بها.

من هنا ندرك ان “مركزية” الموقع الذي يحظى بها اليهود والادعاءات اليهودية في الخطاب والثقافة الغربيين، تعود في جزءٍ هامٍ منها، الى العقيدة المسحية في المجيء الثاني للمسيح من أجل الخلاص البشري وإشتراط مجيئه هذا بعودة اليهود الى “أرض الميعاد” وفق المشيئة الربانية لتحقيق هذه النبوءة. بهذا المعنى، فان خرافة العودة توضح أهمية هذه المقولة ودورها المركزي الذي يحظى به اليهود في الوجدان الغربي، وسيظل اليهود يحتلون هذا الموقع في الثقافة الغربية الى أمدٍ طويل، حيث ان المجيء الثاني للمسيح مرتبط بعودتهم الى فلسطين.

من هذا المنطلق فان الغرب يرى الصهيونية كحركة يهودية جاءت لإحياء الدين والتراث اليهوديين، وكآلية ووسيلة لتحقيق النبوءات التوراتية وتجسيد الحلم اليهودي في العودة. ومن هنا فان الغرب يرى ان الصهيونية فكرة وحركة قديمة قدم التاريخ.

هذا هو باختصار تفسير المسيحية وخصوصاً البروتستانتية لمقولات جاءت في التوراة ثم تكررت بمجملها في العهد القديم من الكتاب المقدس للمسيحيين. 

خطابنا وخطابهم:
أين نجحوا وأين أخقفنا؟

لقد أتقن الخطاب الصهيوني استخدام وتجيير المفاهيم الغيبية والاساطير التوراتية لتحقيق مشروعه فأدخلها الى وعي اليهودي وإستدخلها هذا الاخير كوسيلة للخلاص اليهودي (الفردي والجماعي)، وتحقيق “الحلم اليهودي” في اقامة “الوطن القومي” في فلسطين، والتخلص من الاضطهاد “الازلي” لليهود. ولم تنجو من هذا الوعي المشوه سوى القلة القليلة التي تعارض الصهيونية على خلفيات متعددة من لاهوتية الى علمانية وسياسية وايديولوجية. أما الكثرة فقد إبتلت بهذا الوعي المشوه وتجسيده المادي في الكيان الصهيوني ومقولة “حق اسرائيل في الوجود”، فعجزت دون إستثناء عن تجاوز هذا “الخط الاحمر” بغض النظر عما أتت به من تبريرات وفذلكات تقدمية ويسارية وإشتراكية وماركسية وتروتسكية وغيرها. لقد فرشت الدعوة والدعاية الصهيونية في ذهن ووعي اليهودي، والى حد ما وعي المسيحي الغربي، (1) الارضية لفهم براجماتي لمصالحهم إستدخله كل من اليهودي والغربي المسيحي، كل في سياقه، حتى بلغ مواطن الوعي والوجدان (سواء كانت هذه المصالح شخصية أو جمعية، طبقية او أجتماعية أو اقتصادية، او تلبية لرغباتهم او قناعاتهم العقائدية والدينية، أو دغدغة لمشاعر النفي والمنفى والحنين الى صهيون…الخ)، (2) كما ان الصهيونية قدمت لهم مشروعاً وبرنامجاً (سياسياً وتنظيمياً وعملياً) لتجسيد هذه المصالح. 

نخلص من هذا ان الصهيونية نجحت عبر سنوات الاستيطان وبناء الكيان الصهيوني، في المقاربة المستديمة بين الفكرة والمشروع الصهيونيين من جهة، ووعي اليهود من جهة اخرى (من حيث انها رأت فيهم مادة الاستيطان ووقود المشروع الصهيوني)، وخلقت الآليات لتضليل أتباعها وصهرهم في تنظيمات وجمعيات شحذت جهودهم في خدمة المشروع وأفكاره “ومثله” (نموذج الكيبوتس والهستدروت وغيرهما من آليات التلقين والعمل التنظيمي والدعاوي). 

ولعله من نافلة القول تكرار مقولة ان المشروع الصهيوني لم يكن ليحظى بالنجاح دون توظيف العوامل المحلية والاقليمية (في اوروبا الشرقية والغربية) والدولية، ودون التحالف والتلاقي المصلحي (الطبقي والاقتصادي والسياسي) بين القوى البرجوازية اليهودية والحركة الصهيونية من جهة، ومثيلاتها من القوى الاستعمارية والحاكمة في اوروبا الغربية والولايات المتحدة من جهة اخرى. إلا انه هذا لا ينفي، وينبغي الا يقلل من أهمية الحقيقة الملازمة للصهيونية وهي انها قدمت نفسها كممثلة “للمصالح القومية اليهودية” (الفردية والجمعية)، وهكذا إستدخلها الوعي اليهودي والمسيحي الغربي، ودأبت منذ بداية فكرتها على مقاربة هذه المصالح مع المشروع الصهيوني عبر:
1) تحقيق مصالح البرجوازية اليهودية (المندمجة والمتحالفة مع البرجوازية الاوروبية)؛ 
2) الإدعاء بالعمل على تحقيق مصالح فقراء اليهود (البروليتارية اليهودية) في إنقاذهم من الاضطهاد والتمييز وإيصالهم الى شاطىء الامان في الدولة الموعودة و”طنهم القومي”؛ 
3) وأخيراً، وهو ما يهمنا، الولوج الى وعي اليهودي عبر توظيف الدين والتراث اليهوديين، ومن ثم إستدخاله للصهيونية، فكرة ومشروعاً، كمشروع خلاص من الاضطهاد و”كحركة تحرر وطني يهودية” و”كحل” نهائي للمسألة اليهودية عن طريق بناء “الوطن القومي لليهود”، وكذلك إستدخال المشروع الصهيوني كتجسيد للنبوءات التوراتية والمشيئة الربانية وتحقيق الحلم الذي طال إنتظاره.

* * * 
الآن يمكننا الانتقال الى السؤال الثالي، وإن لم نكن في معرض المقارنة مع الصهيونية:
إذا كان الخطاب الصهيوني (من حيث توظيفه للدين) قد نجح في تضليل وكسب الجماعات اليهودية والمجتمعات الغربية لاكثر من قرن من الزمان، فهل إستطاع ردنا الديني، وهل يقوى، على مقارعة الخطاب الصهيوني؟
وهل تمكن هذا الخطاب من إدخال مشروع تحرير فلسطين الى الوعي العربي صاحب الارض والقضية، على غرار ما فعل الخطاب الصهيوني في وعي اليهودي المستوطن القادم من بولندا او روسيا، على سبيل المثال، في مطلع القرن المنصرم؟
هل توفرت لدينا آليات النضال وعوامل الانجاز (التنظيم السياسي والبرنامج السياسي والعملي والقيادة والرؤية والقدرة على إستخدام الاوضاع المحلية والاقليمية والدولي)؟ وهل بوسع الخطاب الديني ان يخلق الوعي العربي بالمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني وفهم مراميه ومخاطره فهماً مادياً وموضوعياً؟
وبالمحصلة، هل يستطيع الخطاب الديني ان يحرض الجماهير وينظم فعلها؟ 

لقد جاء خطابنا الديني في مجمله، (والعلماني في بعض الاحيان)، كرد فعل على الخطاب الصهيوني وغرق في إستنباط الآيات والاقوال القرآنية والانجيلية لدحض الخطاب اليهودي ـ الصهيوني. وبالرغم من الاهيمة البحثية لمثل هذه الشؤون الدينية، فاننا لا نبالغ إذا قلنا أن جلَّ ما قيل وكُتبَ في معرض هذا الدحض الديني وما شق طريقه الى وعي المواطن العربي (في مرحلة يكسوها إستدخال الهزيمة وهيمنة الفكر الغيبي)، لم يتجسد في فهم موضوعي للخطاب الصهيوني المعادي ولم يترجم الى آليات عملية نضالية لمكافحته والرد عليه، ولم يخرج عن آفاق الطروحات الدينية الميتافيزيقية الملقنة. لقد جاء هذا الرد في مجمله، كما أسلفنا، من قبيل السجال الديني والمحاججة واللاهوتية وإستخراج الاقتباسات والاستشهادات القرآنية والانجيلية. وكثيراً ما تم هذا السجال في فضاءِ مشحون بالتعصب الديني وخلط الاوراق والمفاهيم ومعاداة اليهودية والمسيحية أو اليهود والمسيحيين الغربيين كأتباع لهذا الديانات، بدلاً من ادارة الصراع مع القوى والمشاريع والمخططات الاقتصادية والسياسية الراسمالية الغربية والصهيونية. 

رب قائل بان للدين والمحاججة الدينية دور فعال في مجتمعاتنا وفي التأثير على المواطن والرأي العام، وهو ما يجيز إستخدامهما كأدوات تثقيف للمواطنين وتوعيتهم وتحريضهم على النضال ضد العدو المحتل. ويتابع أصحاب هذه الحجة، إذا كان الصهاينة والغرب الراسمالي قد سخروا الدين في خدمة أهدافهم على مدى عقود من الزمن، فما الذي يعيب علينا ان نستخدم الادوات ذاتها؟

لا شك في ان إستخدام الدين، كعاملٍ وفاعلٍ واحدى مكونات الهوية الثقافية، يلعب دوراً هاماً وفعالاً في المجتمعات والتقليدية منها على وجه الخصوص، وفي عملية خلق وتكوين الوعي والوجدان، إلا انه لا يؤسس لمشروع تحرير وطني إبتلى بهذا المعسكر من الاعداء وبعوامل التعقيد والتعثر ما لم تواجهه حركة تحرير وطنية في التاريخ. كما ان توظيف الدين لا يؤسس لفهم موضوعي لطبيعة ومكونات الصراع القائم بين مشروعنا العربي (التحريري ـ النهضوي ـ التنموي) من جهة، والمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني من جهة أخرى. إذ إننا نقف امام صراع يكاد يكون أزلياً، إحتدم على ارضنا لما ينوف على قرنين من الزمن، وكان من أهم عبره ودروسه أنه ليس صراعاً دينياً، وإن إتخذ لبوس الدين وإحتقن بالكثير من المظاهر والتجليات الدينية، بل هو مشروع هيمنة راسمالية ـ امبريالية يقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين في القلب منه بهدف تجزئة الوطن العربي والهيمنة عليه، ومن هنا كانت الصهيونية وكيانها وليدة راس المال العالمي وأداة وظيفية في خدمته.

ما نريد ان نخلص اليه هو انه ما لم يتوفر لدينا الفهم الموضوعي للنبوءات التوراتية ولتوظيفاتها السياسية، فان ردنا الديني الداحض، ومجمل خطابنا الدعاوي والاعلامي، لن يعدو كونه جدلاً لاهوتياًً عقيماً لا طائل تحته. وفي هذا، فهو يخدم الدعاية الصهيونية ويغريها الى المزيد من إلهائنا وهدر جهودنا، ناهيك عن مخاطر الانزلاق في الصراع والتعصب الديني والتأسيس لاصولية دينية أضحت منفلته في مجتمعاتنا. لن يكتب لنا النصر في نضالنا العادل إذا قام هذا النضال على عكازات دينية دون التأسيس لوعي نقدي جذري وثوري. 

لذا نرى أن البحث في حقيقة الصهيونية وتعرية أكاذيبها والرد على النبوءات التوراتية، التي إستغلتها أفضل إستغلال، لا يتسنى بالرد الديني، بل يجب ان يتجه نحو فضح الصهيونية في مفاهيمها السياسية والاستعمارية والاستيطانية وتحالفها مع راس المال العالمي، وتجليسها بدقة في الثالوث المعادي: الراسمالية والامبريالية والصهيونية. اما الخرافات الدينية والتوراتية فيجب فهمها من خلال توظيفها لخدمة الاغراض السياسية للصهيونية والامبريالية الغربية.

ولعل المحك التاريخي الاكثر مصداقية يكمن في السؤال التالي: فماذا حقق الرد الديني حتى يومنا هذا وما هي إنجازاته؟ 
(2)
النبوءات التوراتية:
عقيدة “العودة” نموذجاً

“العودة”: كذبة تفرخ مسلسلاً من الاكاذيب

الكذب والتزوير ضرورة وسمة أساسية ملازمة لكافة الايديولوجيات العنصرية والفاشية والاستعمارية، وخاصة الاستيطانية والصهيونية. والكذب في هذه الايديولوجيات يتعدى كونه مجرد وسيلة بل يصبح جزءً من طبيعتها وبنيتها، وهو لا يعني لوي عنق الحقيقة فحسب، بل إختلاق وفبركة الحقائق والوقائع وإبتداع المزاعم وتكرارها الى أن تتحول الى مسلمات. 

في البدء، كما يوافينا السرد الصهيوني، كان “شعب الله المختار”، ثم كان “المنفى” الذي ولّد حنين اليهود ورغبتهم الازلية في “العودة” الى فلسطين. كانت تلك اولى أكاذيب التلفيق والتزوير، التي إضحت إحدى المسلمات التي يكاد يصدقها العالم باسره، كما يصدق الاكاذيب التي تفرعت عنها. فطالما ان الله قد إختار اليهود ليكونوا “شعبه المختار”؛ فلا بد، ان يكون لهذا الشعب “بلداً”، فكان أن وعد الله هذا الشعب بالعودة الى وطنه ـ “أرض الميعاد” ـ والتي ستبقى بانتظاره. ويسهل بعد ذلك الاسترسال في مسلسل الاكاذيب لتتصب في غاية واحدة: إستدامة وتأبيد “الحلم الصهوني”. 

ولم تتوقف الخرافات عند هذا الحد من “النبواءت” التوراتية بل تعدته الى بث التلفيقات التي ادعت ان اليهود سعوا خلال الاف السنين للعودة الى فلسطين. وفي أحشاء هذه الاكاذيب ولدت كذبة اخرى مؤداها انه بفضل الحلم اليهودي القديم والازلي في العودة فان حلم إنشاء الدولة اليهودية قديم أيضاً، وان الصهيونية ـ حاملة فكرة العودة وممثلة تلك الرغبة اليهودية، هي قديمة قدم التاريخ. 

هكذا، بايجاز شديد، توالت مشاهد الاكاذيب الصهيونية واحدة تلو الاخرى.

نشأة فكرة “العودة” في العقيدة اليهودية
التزامن بين العودة والصهيونية

يدعي المؤلفون والمؤرخون الصهاينة انه من أجل فهم “العودة” (التي جاءت الصهيونية لتعبر عنها) ينبغي الرجوع الى قديم التاريخ، الى القرن الثامن ق. م. حين سقطت اسرائيل امام هجوم قوات الملك الاشوري سرجون الثاني، في حين يذهب بعضهم الى ان “العودة” رأت النور في مرحلة سبي اليهود بعد هدم الهيكل من قبل نبوخذنصر أي في القرن السادس قبل الميلاد. ومهما تنوعت الاجتهادات، فليس لهذه الاكذوبة سوى غاية واحدة: عقد التزامن والتطابق بين “فكرة العودة” من جهة، والصهيونية من جهة ثانية، من حيث ان هذه الاخيرة جسدت فكرة ومشروع عودة اليهود الى ارضهم الموعودة، فلسطين. وعلى الرغم من سخافة هذا الافتراض، إلا انه نجح في تكريس وتصديق الزعم القائل بقدم رغبة اليهود في العودة الى فلسطين وولادة الصهيونية كفكرة تجسد هذه الرغبة. بعبارة اخرى، فان ما يريد ان يؤكده لنا السرد الصهيوني هو تزامن نشوء “العودة” و”الصهيونية” عبر التاريخ، وهو ما يؤسس لإبتداع “تاريخ يهودي في النضال نحو تحقيق الحلم”. والادلة على هذا الابتداع كثيرة عبر تاريخ الصهيونية، نورد فيما يلي بعضاَ منها:

□ يقول ناحوم سوكولوف: “إنها حقيقة بسيطة…. بدأ تاريخ اسرائيل بالصهيونية. ويبين هذا التاريخ في الازمنة السحيقة طريق تحقيق الصهيونية… فالخروج من مصر كان مثلاً للجمع بين الهجرة والكولونيالية [أي أستعمار الارض ]… والعودة من بابل كانت حدثاً صهيونياً عظيماً”. 

□ أما بن غوريون، فيقول يوم إعلانه تأسيس الكيان الصيوني، 15 أيار 1948، ما يسميه الاسرائيليون “اعلان الاستقلال”: “لقد كانت ارض اسرائيل، اريتس اسرائيل، مسقط راس الشعب اليهودي. هنا صاغ اليهود هويتهم الروحية والدينية والسياسية. وهنا اقاموا دولتهم للمرة الاولى، وشكلوا القيم الثقافية ذات الاهمية الوطنية والانسانية ومنحوا العالم كتاب الكتب الازلي”. ويتابع بن غوريون قائلا: “وعليه، فنحن اعضاء مجلس الشعب وممثلو اليهود في اريتس اسرائيل والحركة الصهيونية، الملتئيمن في هذا اليوم، يوم جلاء الانتداب البريطاني عن اريتس اسرائيل، واستنادا الى حقنا الطبيعي والتاريخي، وبموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة، نعلن هنا تأسيس الدولة اليهودية في اريس اسرائيل لتعرف باسم دولة اسرائيل”.

□ أما نتنياهو فيعود ليؤكد على المقولة اليهودية- الصهيونية، قائلا: “لكن حقنا بإقامة دولتنا هنا، في أرض إسرائيل، ينبع من الحقيقة البسيطة: هذا وطن الشعب اليهودي، وهنا تَشكَلّ وعيه”. 

معنى “العودة” في العقيدة اليهودية

لم تكن “أرض الميعاد”، حسب المعتقدات الدينية اليهودية، تعني جغرافية فلسطين، بل كانت مفهوماً يعبر، من منظور تلك العقيدة، عن ارض لاهوتية إفتراضية لا جغرافية. وعليه، فان العودة في اليهودية لا تعني العودة الى فلسطين. ناهيك عن ان اليهود يؤمنون بان العودة الى “ارض الميعاد” ستتحقق عند “مجيء المسايا” (المسيح المخلص) وبمشيئة ربانية. 

صحيح أن الانبياء تحدثوا عن تجميع بقايا اليهود من شتى بقاع الارض، وادعوا بان الرب سيعيد شعبه الى أرضهم في جبل صهيون، إلا ان ذلك ارتبط عبر الاجيال بالمعنى الديني بقدوم المسيح وحلول الآخرة. إلا انه “بمرور الاجيال وإخفاق حسابات المتدينين لتحديد موعد “اليوم الآخر” ساد إقتناع الطوائف اليهودية ان معجزة قدوم المسيح المرتقب ستحل في موعدها بارادة الرب ولذلك فمن التطاول والتجديف السعي للاسراع بها، ولم يتخل المتدينون عن هذا الرأي وقاوموا الصهيونية حتى وقت متأخر جداً.” وجدير بالذكر، في هذا المقام، ان الراب منشي بن اسرائيل الذي سافر الى إنجلترا في القرن السابع عشر ليسترحم حاكمها كرومويل كي يسمح باستيطان اليهود في تلك البلاد، كان يعلن ان على اليهود ان ينتشروا في اربعة أطراف المعمورة قبل ان يعيدهم الرب الاله الى “ارض الميعاد”. 

وإعتماداً على تراث القرن التاسع عشر، لاحظ الباحثون “ان الوعد بقدوم المسيح إفترض ان لا يقوم اليهود باي عمل لاعادة سيادتهم (القومية)، فعليهم ان يواصلوا رسالتهم بين الامم على إعتبار ان الخلاص سيأتي من جرّاء تدخل إلهي”. ويرى د. إميل توما ان التدقيق التاريخي يكشف “ان ترقب المسيح بين الطوائف اليهودية، الذي كان يقترن طبيعيا بالعودة الى صهيون، كان يشيع في اقطار عينية وفي تواريخ محددة (في سورية في القرنين السابع والثامن، وفي إسبانيا في القرن الحادي عشر). في حين كانت الطائفة اليهودية في ذلك القطر أو ذاك وفي التاريخ المعين، تعيش في ظروف صعبة، تتوق الى الخلاص فتتشبث بالمسيحية [أي فكرة قدوم المسيح المخلص ـ م.ع.] وفكرة العودة الى صهيون”. ويتابع توما: “ولكن هذه الفكرة كانت دينية ولذلك لم تتجسم تنظيمياً الا في حالات قليلة جداً وفي أقاليم عينية. وهكذا تجسمت في سورية تنظيماً في القرنين السابع والثامن، وكانت إشتياقاً دينياً شائعاً في إسبانيا في القرن الحادي عشر، وهذا الشكل التنظيمي لم يتجاوز بضع حالات إندثرت عبر القرون وإنتهت في القرن السابع عشر.” 

أما المرحوم د. عبد الوهاب المسيري فيخلص الى انه رغم الاختلافات في وجهات النظر والتأويلات اليهودية والحاخامية لعقيدة العودة، “على وجه العموم، يمكن القول بان أعضاء الجماعات اليهودية قد قبلوا وجودهم في الاوطان التي كانوا يعيشون فيها، وان الحديث عن المنفى أصبح جزءً من الخطاب الديني، وأصبحت العودة تطلعاً دينياً وتعبيراً عن حب صهيون أي تعبيراً عن التعلق الديني بالارض المقدسة وهو تعلق ذو طبيعة مجازية، لا يترجم نفسه الى عودة حرفية الى فلسطين، حتى وان خلق إستعداداً كامناً لذلك”. 

يتضح من هذا، وهو ما نود الاشارة اليه، الفرق بين الشوق والحنين الديني الى صهيون، من جهة والصهيونية كايديولوجية وحركة سياسية تسعى الى إقامة مستوطنة يهودية في فلسطين، من جهة ثانية. ولا يغير في الامر شيئاً ان الصهيونية السياسية إقتبست هذا الشوق او الحنين، بل يؤكد انها إستخدمت الدين اليهودي والنبوءات التوراتية في أغراضها السياسية وسخرتها في إبتداعها لفكرة “الشعب اليهودي” وعودته.

التأويل البروتستانتي “للعودة”

ظل مفهوم العودة في العقيدة اليهودية، كما رأينا، مقتصراً على “الحنين الى اوراشليم” و”الشوق الى صهيون” “والى مجيء المسايا” بدلالاته الايمانية واللاهوتية، حتى مجىء الجماعات الانكليزية البيوريتانية والحركات البروتستانتية، التي شاعت في اوروبا وخاصة في انكلترا ثم هاجرت لاحقا الى اميركا الشمالية، والتي إبتدعت تأويلات الخرافات والاساطير التوراتية واستدعت التفسيرات الحرفية لها، فتحولت فكرة العودة من “تطلع ديني روحاني” الى عودة فعلية أي إستيطانية الى فلسطين تبلورت لاحقاً، بعد ما ينوف على ثلاثة قرون، في المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. 

ومع ان الصهيونية السياسية فكرة غير يهودية في جذورها ونشأتها، إلاّ أن هذا لا ينفي ان الديانه اليهودية قد زودتها (الصهيونية) بالعودة كعقيدة دينية إيمانية، ثم قامت الصهيونية بنسج حبال الاكاذيب والاوهام حول هذه الكذبة فإبتدعت “القومية اليهودية” على اسس دينية خرافية، بغية إيقاظ الحنين لصهيون وارض الميعاد وإجتذاب اليهود الفقراء وتهجيرهم الى فلسطين، مستغلة أوضاعهم البائسة في بناء القاعدة الاستيطانية هناك.

أما المفارقة التاريخية اللافتة فهي انه فيما غرق مسيحيو الحركات البيوريتانية والبروتستانتية في هذه الخرافات والخزعبلات، كانت الجماعات اليهودية تجهد في البحث عن الاستقرار والاندماج في المجتمعات التي تواجدت فيها، ولم يشهد تاريخهم، حتى ولادة الصهيونية الهرتسلية (1897)، أن قامت بينهم حركات سياسية تطالب بالعودة الى فلسطين. وحتى عبر فترات الاضطهاد الذي عانت منه الطوائف اليهودية، لم تنشأ ايديولوجيا صهيونية ولا حركة تدافع عن اليهود أو تدعو الى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين أو في غيرها، بل ظلت فكرة العودة الى ارض الميعاد محصورة في إطارها “الالهي” اللاهوتي وإقتصرت على مشاعر الحنين الدينية.

وعليه، فبالاضافة الى إنتفاء الدعوة الدينية اليهودية (التي كانت تنتظر قدوم المسايا حسب المشيئة الربانية) وغياب المطالبة السياسية (التنظيم السياسي والبرنامج الذي يضطلع بانجازها)، فان اليهود لم يسعوا، عبر محطات تشردهم للعودة الى فلسطين، ولم يقصدوها عبر موجات ترحلهم وهجراتهم على مدى القرون المديدة. 

المعارضة اليهودية لفكرة “العودة”

كان من الطبيعي ان تواجه الصهيونية في المراحل المبكرة عداءً سافراً من فئات وتيارات يهودية متعددة شملت المتدينين والليبراليين والثوريين والاشتراكيين وقطاعات كبيرة من الجماهير اليهودية الفقيرة، حيث لم يقتنع هؤلاء بان الخرافات التوراتية كفيلة بان تشكل اساسا للوطن القومي او ان ذلك الوطن المنشود سينهي الاضطهاد ويوفر لهم الأمن والاستقرار. 

لقد ألمحنا ان الكثيرين من اليهود الارثودوكس عارضوا (وما زالوا يعارضون) فكرة الصهيونية ومشروعها لانهم رأوا فيها تحدياً للارادة الالهية وتدخلاً بشرياً بغية التعجيل بقدوم النبوءة. إضافة الى أن الكثير من الباحثين والحاخامات أكدوا انه لا وجود لاية اشارة “لمبدأ أو عقيدة العودة الى فلسطين” في “كافة المحاولات التي تمت في العصور الوسطى لصياغة عقيدة يهودية”. 

إشتبك أصحاب الحركات الاندماجية والتنويرية اليهودية، في معارضتهم للصهيونية، ورأوا في “العودة الى صهيون” مجرد فكرة روحية دينية لا رغبة حرفية، ونادوا بان ازالة “واقع المنفى المؤلم والمؤقت” يجب أن تكون من خلال الاندماج في المجتمعات التي يعيش فيها اليهود. 

أما فقراء اليهورد فقد رأوا مهمتهم في الانخراط في النضال الثوري والاشتراكي من أجل تحقيق العدالة ومحو الاستغلال سوية مع القوى الثورية الساعية الى التغيير في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها. 
(3)
العودة:
من مشيئة ربانية الى مشروع استيطاني

ظهرت الصهيونية في اواخر القرن التاسع عشر في سياق إجتماعي وتاريخي اوروبي إتسم بالصفات الرئيسية التالية: 

1) صهينة فكرة “العودة”: ذكرنا سابقاً أن فكرة “العودة” بتفسيرها المتصهين أصبحت تعني العودة الى “ارض الميعاد” أي فلسطين، وانها لم تكن يهودية في الاصل بل مسيحية بروتستانتية، ولم تولد في ألمانيا أو بولاندا أو روسيا حيث كانت تقيم أغلبية يهود اوربا والعالم ، بل كانت قد نمت أولاً في انجلترا والتي لم يكن فيها آنذاك سكان يهود، ثم إرتحلت عبر الاطلسي مع الحركات البيوريتانية والبروتستانتية الى المستوطنة الاوروبية البيضاء حديثة العهد آنذاك: الولايات المتحدة الاميركية والتي لم يكن فيها يهود أيضاً.

إنتقل تفسير “العودة”، بفضل تسييس المعتقدات الدينية الذي بشرت بها ودعت اليها الحركات المسيحية البروتستانتية، من فكرة يرتهن تحقيقها بالمشيئة الالهية الى مشروع بشري (سياسي) مرهون بالارادة والفعل البشريين، وبهذا يكون الاصلاح البروتستانتي قد كرس التأسيس الديني ومهد السبيل للمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. 

2) أوضاع الجماعات اليهودية في اوروبا: شهدت الجماعات اليهودية المقمية في اوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر العديد من المخاضات والمتغيرات العميقة كان أهمها:
ـ تحالف البرجوازية اليهودية وإندماجها وتلاقي مصالحها مع البرجوازيات الاوروبية الحاكمة والمهيمنة؛ 
ـ صعود الحركات الاندماجية اليهودية وحركات الاصلاح الديني اليهودية الداعيتين الى رفض فكرة المنفى؛
ـ إنخراط فقراء اليهود في نشاط الحركات الثورية والاشتراكية في المجتمعات التي كانوا يقيمون فيها.

3) المعارضة اليهودية للصهيونية: رفض دعاة حركة التنوير اليهودية (الهاسكالا) التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر والحركات اليهودية الاندماجية فكرة القبول “بالمنفى” ونادوا بالكف عن الانتظار السلبي “للماشيح” ، وحثوا اليهود على ان يحصلوا على الخلاص بانفسهم. 

ومع الارهاصات الاولى للحركة الصيونية كانت مسألة “العودة” في التجمعات اليهودية الاوروبية قد حسمت بين:
ـ اليهود “الاندماجيين” الذين نادوا بانصهار اليهود في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها واعتبروا العودة فكرة لاهوتية مثالية؛
ـ “والانفصاليين” الذين دعوا الى ان يعمل اليهودي بنفسه للعودة الى ارض الميعاد دون انتظار الامر الالهي. 

4) الاوضاع الاوروبية: إتسمت الاوضاع الاجتماعية والسياسية في اوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بإحتدام المعارك الطبقية للحركة البروليتارية العاليمة وتحول الفكر القومي الاوروبي الى حركات عنصرية واستعمارية وشوفينية، وإنتقال النظام الراسمالي الى حقبة الامبريالية. ففي خضم هذه الارهاصات، ولدت الفكرة الصهيونية السياسية وإتخذت من التراث الديني اليهودي ما يتفق وغاياتها السياسية وأوَّلت المفاهيم اللاهوتية والدينية المجازية الى مفاهيم حَرْفية تستدعي التنفيذ الفعلي هادفة الى ترسيخ الادعاتءات التالية:

أ ـ ترسيخ الافضلية والاستثنائية اليهودية (“إستثنائية الشعب اليهودي”) كشعب مختار على السكان الاصليين للمستوطنة الموعودة في فلسطين.

ب ـ ترسيخ كذبة اخرى كامنة في كذبة العودة، ان اليهود أينما كانوا وبالرغم من تعدد خلفياتهم الثقافية والحضارية والعرقية، هم شعب واحد تشتت وإبتلى بامراض المنفى. وعليه فحل مشكلته، تقول الكذبة، يكون في إقامة وطن قومي يهودي، يعيد لهذا الشعب وحدته المهدورة ويشفي اليهود من أمراض وتشوهات المنفى.

في هذا السياق جاء ثيودور هرتسل، في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، ليأخذ معنى العودة بدلالاتها السياسية البراغماتية ويوظفها في خدمة الحركة الصهيونية. وبالرغم من هيمنة الاثرياء اليهود على المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية (بازل، سويسرا عام1897)، وإعتماد هرتسل على دعم البرجوازية اليهودية، فانه كان يدرك إن إقامة “الدولة اليهودية” المزعومة كان يتطلب اكثر من مجرد أموال روتشيلد وغيره من أثرياء اليهود (والتي بلغت ما يكفي لبناء عشرات الدول مثل فلسطين). فقد تطلب مشروع استيطان فلسطين، بالاضافة الى أموال البرجوازية اليهودية، إستعداد ولو قسم من اليهود للانتقال الى هذا البلد، ناهيك عن الدعم العسكري الذي سعى هرتسل لتأمينه من الدول الامبريالية. 

لقي هذا التوجه إرتياحاً لدى البرجوازية اليهودية، وتحقيقاً لمصالحها، فقد أدركت هي
الاخرى أن النجاح لن يكتب للمشروع الصهيوني إلا اذا إنتشرت الدعوة بين فقراء اليهود ولقيت دعمهم لانهم يشكلون موضوعياً مادة الهجرة اليهودية والوقود البشري للمشروع الصهيوني الاستيطاني. 

كان لابد لهرتسل ومنظمته الناشئة المتحالفة مع البرجوازية اليهودية، ان يقدموا مشروعاً لحل المسألة اليهودية وإقامة الدولة اليهودية الموعودة يجمع بشكل متكامل كلاً من المكونات الدينية/التراثية اليهودية من جهة، والاهداف السياسية من جهة أخرى. هكذا كانت ولادة الصهيونية الهرتسلية التي جمعت “المشترك” الديني/التراثي والسياسي في تنظيم ومشروع سياسي واحد: 

○ فعلى المستوى الدين/ التراثي إدعت الصهيونية بانها جاءت لتجديد العقيدة والتراث اليهوديين وإحياء الحلم اليهودي في العودة الى الارض الموعودة؛ 

○ وعلى المستوى السياسي بلورت برنامجاً سياسياً وظف الادعاءات الدينية والتراثية، مما ضمن للبرنامج الصهيوني القبول والدعم الواسعين بين الجاليات اليهودية في اوروبا وخاصة الشرقية منها.
(4)
التوظيف السياسي لعقيدة “العودة”

نستعرض في الجزء الاخير من هذه المقالة، أهم التوظيفات السياسية لعقيدة العودة من خلال المنظور الصهيوني.

1) ثنائية المنفى والعودة: ركيزة “الاستثنائية اليهودية”

كان من أهم وظائف خرافة “العودة” التأسيس لفكرة واسطورة “الاستثنائية اليهودية” أو كما يسموها “خصوصيات الشعب والتاريخ اليهودي” أو “إستثنائية الشعب اليهودي”، والتي كانت بدورها ركيزة للعديد من الاكاذيب والفبركات التي أتت بها الصهيونية وإستند عليها مشروعها الاستيطاني في فلسطين. وتأسس هذه الاسطورة لفرضية “إحساس اليهود الدائم بالنفي ورغبتهم في العودة الى ارض الميعاد”، والذي يتم تصويره على انه جزء ثابت من المكونات الاساسية لطبيعة اليهود البشرية. 

يمكننا إيجاز ثنائية “النفي/المنفى ـ العودة”، وفق السرد الصهيوني، على النحو التالي: لقد حكم الله (إله اليهود) على شعبه المختار بالنفي والتشتت في بقاع الارض، وسوف يستمر هذا التشتت الى أن يعود الماشيح المخلص. وعلى هذه الركيزة قامت الاساطير وتوالت الخرافات التوراتية اليهودية في مختلف مشاهدها المتلاحقة: مقولة “شعب الله المختار”، وأن نفيهم كان حكماً إلهياً؛ مما أسس لاحساس اليهودي بالنفي إحساساً دائماً وازلياً سيلازم اليهود الى يوم مجيء الماشيح المخلص. هكذا تم نسج مقولة “التاريخ اليهودي” حيث يتخذ السرد اليهودي ـ الصهيوني خصوصية يهودية اخرى تتميز بثنائية المنفى ورغبة اليهود الدائمة للعودة (العودة الملاصقة باستمرار للمنفى). ويتفرد اليهود بهذا الاحساس الذي يقتصر عليهم دون غيرهم. وبما ان تميز اليهود هذا، يرتكز على إدعاءات دينية توراتية تمنحه المصداقية والحصانة، فان الامر يصبح مغلقاً على العقل ويستعصي على الحجة والمنطق وحق التسائل والشك.

ولكن اذا كان اليهود “شعب الله المختار”، فلماذا أراد الله ان ينفيهم؟ ولماذا شاء ان يدوم هذا النفي حتى “عودة الماشيح المخلص”؟

تتعدد الاجابات وتتباين، إلا انها على وجه العموم، تتمحور في ان الله نفى اليهود تمهيداً لخلاص البشر من خطاياهم، مما يؤكد مجدداً الاستثنائية اليهودية. وهو ما يؤسس لمقولة ان اليهود، وفق هذا السرد، هم “الشعب المختار” لاداء هذه المهمة الجليلة، خلاص البشر. وهنا نجد انفسنا من جديد أمام تجليات لا نهاية لها من التميّز والفرادة. وبالاضافة الى ان ثنائية “النفى ـ

الإسرائيليات والرواية عن اليهود في كتب التفسير الإسلامية – 2

 الإسرائيليات والرواية عن اليهود في كتب التفسير الإسلامية

ابن إسحاق: من أئمة أهل الشأن في معرفة السير. لكنه كان يكثر من التحديث والرواية عن الضعفاء والمجاهيل. قال عنه ابن المديني: «ثقة، لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب». ومن عجائب الإسرائيليات التي ينقلها ابن إسحاق ما رواه ابن جرير الطبري (15|42)، قال: حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن «أبي عتاب رجل من تغلب كان نصرانياً عمراً من دهره ثم أسلم بعد فقرأ القرآن وفقه في الدين وكان فيما ذكر أنه كان نصرانياً أربعين سنة ثم عمر في الإسلام أربعين سنة قال: …». ومن ذلك (16|17): حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: «ثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم مما توارثوا من علم ذي القرنين (كذا!!) أن…». ولك أن تتخيل وهاء ما ينقله هؤلاء عن الإسرائيليات.

- يروي عنه عدد من الرواة مثل سلمة بن الفضل (ثقة عنه) ومثل يونس بن بكير (لا بأس به لكنه يدرج كلام ابن إسحاق ويصله بمتن الحديث).

 هؤلاء هم المصدر الرئيسي لأكثر الإسرائيليات ولأكثر المنقول عن أهل الكتاب. وأكثرهم بلا أدنى ريب هو كعب الأحبار ثم وهب بن منبه. وهؤلاء كلهم (يعني أهل الكتاب الذين نقل المفسرون عنهم) كانوا يسكنون البادية مع العرب، ولا يعرفون من ذلك –ما عدا عبد الله بن سلاَم t– إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. فكم من مقولة قيل أنها في الإسرائيليات أو في الإنجيل ولم نجدها. وقد يختلفون عليها أيضاً. وقد تقدّم تكذيب عبد الله بن سلام t لكعب الأحبار، ثم تراجع كعب بعد قراءته للتوراة. فهو غير ثقة حتى في نقله عن عقائد اليهود.

أما باقي الرواة فهم نقلة عن غيرهم (وبخاصة عن هؤلاء). أعني ابن إسحاق وقتادة والسدي وسعيد وأمثالهم، فهؤلاء نقلة عن غيرهم، وليس لديهم اطلاع مباشر على الإسرائيليات. وعامة من يروي الإسرائيليات في التفسير هم ممن وصفوا بأنهم ينقلون الغث والسمين بغير تمييز. وقد قال الشعبي عن قتادة: «حاطب ليل». وكان الحسن البصري أيضاً يصدّق كل من حدَّثه. وكذلك ابن جريج وابن إسحاق يوصف كل منهما بأنه حاطب ليل. والسدي الكبير هو نفسه متهم بالكذب، فضلاً عن روايته عن ضعفاء ومتروكين.

وشرح ابن خلدون في مقدمته أسباب نقل المفسرين هذه الإسرائيليات فقال «والسبب هو أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجـود فإنما يسألون أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل الكتاب الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْيَرَ الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها – مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان، والملاحم، وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام (أقول: ذكر عبد الله t هنا خطأ كما أوضحنا)، وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم. وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى فيها الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلا أنه بَعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ». مقدمة ابن خلدون ص 404 طبعة كتاب الشعب.

ونقل الصحابة عن الإسرائيليات قليل جداً مقارنة بالتابعين وأتباع التابعين. ولم يثبت عن أُبَيّ بن كعب t أنه روى شيئاً من الإسرائيليات. وجاء عن عبد الله بن سلاّم t شيء قليلٌ جداً، وقد شهد له اليهود قبل معرفتهم بإسلامه بأنه أعلمهم جميعاً. فهو أعرف الناس بما لم يُصبه التحريف من الإسرائيليات، فلا خوف من نقله. وأكثر النقل عن أهل الكتاب هو عن كعب الأحبار ووهب بن منبه. وكان عمر t شديداً على كعب الأحبار لئلا يحدث الناس بما يفتنهم. وكذلك كان ابن مسعود t يحذو حذو عمر t في أعماله وأقواله، فلم يثبت عنه رواية شيء من الإسرائيليات. والمروي عنه في ذلك إنما هو من طريق السدي الكذاب الكبير.

 وما ثبت كذلك رواية الإسرائيليات عن أحدٍ من كبار الصحابة أبداً، لكن جاء عن بعض صغارهم. فأما عبد الله بن عمرو بن العاص t فقد كان قد أصاب في اليرموك صحفاً من أهل الكتاب أسماها بالزاملتين. فنقله صحيح عن أهل الكتاب، لكن مروياته في التفسير قليلة. وأبو هريرة لم يحدث الكثير من التفسير، وكان يبين بوضوح ما ينقله عن كعب الأحبار، لكن قد يغلط بعض الرواة عنه فلا يذكر ذلك، وهذا في كل حال نادر. وعبد الله بن عمر t ليس له –فيما أعلم– إلا رواية واحدة عن كعب الأحبار. فبقي ابن عباس الذي كان مُكثراً في التفسير، لكن ما رواه من الإسرائيليات قليل مقارنة مع مروياته الكثيرة. خاصة أنه لم يرو في تفسير الطبري سوى ستة عشر رواية حسب إحصاء الدكتورة آمال محمد عبد الرحمن في كتابها “الإسرائيليات في تفسير الطبري – دراسة في اللغة والمصادر العبرية” (وهي دراسة ناقصة لا تشمل كل التفسير). ويظهر أن أكثرها –إن لم يكن كلها– قد جاء بها من كعب الأحبار. ذلك الخبيث الذي ملئ كتب التفسير بخرافاته اليهودية.

 مناهج المفسرين في التعامل مع الإسرائيليات

وقد اختلف منهج المفسرين في تلقي هذه الإسرائيليات. فابن جرير الطبري قد ذكر الكثير منها دون أن يتعقبها بما ينبغي. وفعل كذلك عدد من المفسرين كابن أبي حاتم ممن لم يكن لهم همٌّ إلا الجمع فحسب دون التنقيح. أما المحققون فأكثرهم انتقدوا الإسرائيليات، لكنهم لم يقدروا على التخلص من كلها، خاصة الذي اختلط بكلام الصحابة والتابعين، وصعب تمييزه. ومن هؤلاء المفسر الإمام ابن كثير الدمشقي.

قال ابن كثير (ت 747هـ): «ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل. وما أقل الصدق فيه! ثم ما أقل فائدة كثير منه، لو كان صحيحاً! قال ابن جرير: #213 حدثنا ابن بشار أبو عاصم أخبرنا سفيان عن سليمان ابن عامر عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير عن عبد الله –هو ابن مسعود– قال: “لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. فإنهم لن يهدوكم وقد ضَلّوا. إما أن تُكَذِّبوا بحق، أو تُصَدِّقوا بباطل. فإنه ليس أحدٌ من أهل الكتاب، إلا وفي قلبه تاليةٌ تدعوه إلى دينه كتالية المال”». وكلام ابن مسعود t صحيح تماماً. وقد سبق بيان أنه اتهم كعب الأحبار بأن اليهودية ما تزال في قلبه.

و لعلّ من أشد الناس في الرد على الإسرائيليات، هو الشوكاني الذي يندر جداً أن يوردها في تفسيره إلا لينقدها ويفنّدها. وهو يرى أن رواية الإسرائيليات سبب للاضطراب في التفسير والتناقض بين السلف، حيث تجد كل مفسر يقول بقولٍ مختلف. إذ أن المنقول عنهم متناقض ويشتمل على مالا يعقل في الغالب، ومقصود بعض من أورد هذه المتناقضات هو التشكيك على المسلمين والتلاعب بهم. كما أن تفصيل تلك القصص ومعرفة فصولها من التكلف والفضول، ولهذا نهى الله عن سؤالنا أهل الكتاب عن تلك التفاصيل {ولا تستفت منهم أحداً}. وكذلك يرى أن ما نُقِلَ في التفسير من قصص السابقين الغريبة إنما هو مأخوذ عن بني إسرائيل وليس منقولاً عن النبي r ولا هي من كلام الصحابة. وهو يرى عدم الترخص برواية الإسرائيليات في التفسير. يقول رحمه الله: «فإن تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٍ بالرواية عنهم لمثل ما روي “حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج” فليس ذلك فيما يتعلق في تفسير كتاب الله سبحانه بلا شك، بل فيما ذُكِرَ عنهم من القصص الواقعة لهم».

وعلى هذا النهج سار الألوسي والسعدي في تفسيريهما. قال المفسر السعدي بعد تفسير الآية (74) من سورة البقرة: «واعلم أن كثيراً من المفسرين رحمهم الله قد أكثروا في حشوا تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونَزَّلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيراً لكتاب الله، محتجين بقوله r: “حَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج”. والذي أرى أنه –وإن جاز نقل أحاديثهم على وجهٍ تكون مفردة غير مقرونة ولا مُنَزَّلَةٍ على كتاب الله– فإنه لا يجوز جعلها تفسيراً لكتاب الله قطعاً إذا لم تصح عن رسول الله r. ذلك أن مرتبتها كما قال r: “لا تُصدّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذّبوهم”. فإذا كان مرتبتها أن تكون مشكوكاً فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به، والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة –التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها– معاني لكتاب الله مقطوعاً بها. ولا يستريب بهذا أحد. لكن بسبب الغفلة عن هذا، حصل ما حصل. والله الموفق».

وكلامهما صحيحٌ رحمها الله. فما حاجتنا إلى اللجوء إلى كتبٍ حُرّفَ أكثرها؟ بل قد يكون في نقل الصحيح منها وإثباتها في التفسير، تزكيةٌ لذلك المصدر وتوثيقٌ له وتغريرٌ بالعامة ليعتمدوا على إسرائيليات غيرها لم تثبت صحتها. فإن إيراد هذه الرواية في هذا الموضع، يعني أنك تريد حمل الآية القرآنية عليها. وهذا يدل على تصديقك لها!

وهناك من يرى أن الإسرائيليات دسيسٌ على الإسلام: قال: «إن الفتنة لم تدخل المسيحية إلا من طريق رَجُلٍ (يهودي) قال أنه آمن بالمسيح… وإن الفتنة يجب أن تدخل الإسلام بنفس الوسيلة وبنفس الطريق وعلى رجل يماثل بولس» (ولعله يقصد كعب الأحبار). ويرى أنها شر قال: «وهكذا انفتح باب الإسرائيليات على مصراعيه أمام المسلمين، لينفتح به باب للشر لم ينغلق. ولن ينغلق ما دام في هذه الدنيا مسلمٌ تغيب عن وَعْيِهِ تلك الحقائق التي قدمناها». وقال: «دخلت شعوبٌ في الإسلام. ورأت مناسبةً بين الدين الجديد، وبعض ما في دينهم. فذهبوا يُفسّرون الإسلام ويفهمونه على أساس تلك الموروثات المهجورة». قلت: وأكثر ما نجد هذا عند الشيعة، حيث أدخل الفرس المعتقدات المجوسية، ليس في التفسير فحسب، بل في العقيدة والفقه كذلك!

ويقول: «حكمت الدولة العباسية، وهم سلالة عبد الله بن عباس، رائد الإسرائيليات في الإسلام. وظلت هذه الدولة منذ قيامها بعد سقوط دولة بني أمية (132هـ) تعمل على تضخيم شخصية عبد الله، ونسبة كافة المعارف إليه ورفع مقالاته إلى درجة التوثيق والتقديس التي للرسول r… وربما ادعوا أنه كان في كل ما يقول يصدر عن علوم أو وصايا ورثها عن الرسول r. وكل ذلك باطل ولا ظل له من الحقيقة، ولكنه صار عبئاً على الإسلام. ظل يعاني وسيظل يعاني منهم زمناً طولاً». وفيه كلامه مبالغة.

يقول الشيخ أحمد شاكر –رحمه الله– في “عمدة التفسير”: «إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن وجعله قولاً أو رواية في معنى الآيات أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها شيء آخر. لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مُبَيِّن لمعنى قول الله سبحانه ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك. وإن رسول الله r إذ أذن بالتحدث عنهم، أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم. فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه موضع التفسير والبيان؟!».

 ثم قال: «ومن أعظم الكلم في الدلالة على تنزيه القرآن العظيم عن هذه الأخبار الإسرائيلية، كلمة لابن عباس رواها البخاري في “صحيحه” (#6929)، ونقلها عنه الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية (79) من سورة البقرة. قال ابن عباس: “كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله r أحدث؟ تقرؤونه محضاً لم يشب. وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا {هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً}. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم!”. وهذه الموعظة القوية الرائعة رواها البخاري في ثلاثة مواضع من صحيحه».

الإسرائيليات والرواية عن اليهود في كتب التفسير الإسلامية – 1

الإسرائيليات والرواية عن اليهود في كتب التفسير الإسلامية

 كانت الرواية في أول الإسلام منهي عنها، ثم أذن رسول الله r بالنقل عنهم فيما لا يتعارض مع ما عندنا. ولذلك لا نصدقهم ولا نكذبهم. والأفضل عدم النقل عنهم. لأننا نعلم يقيناً أنه إذا كان ما ننقله عنهم فيه هدى فعندنا خير منه. وما كان من ضلالة فنحن بغنىً عنه. وأما التفاصيل الدقيقة كعدد أهل الكهف ولون كلبهم وغير ذلك، فليس من وراءه أي فائدة تذكر. وقد قال الله تعالى: {وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً} (الكهف: من الآية22).

 المكثرون في الأخذ عن الإسرائيليات

 ذكر بعض أهل العلم أنهم على ثلاث مراتب من حيث الإكثار وعدمه:

المرتبة الأولى: المكثرون جداً وهم: كعب الأحبار، ثم وَهَب بن منبه، وابن جريج، وابن إسحاق، والسدي الكبير الكذاب (وهو أكثرهم رواية للإسرائيليات).

المرتبة الثانية: دونهم في النقل وهم: قتادة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي (ثقة عالم بالتفسير، و جَدّه من اليهود).

المرتبة الثالثة: المقلون نسبياً في النقل عنهم وهم: مجاهد، وابن عباس.

يضاف لذلك مرتبة رابعة: المكثرون في النقل لكنهم كذابين في النقل كذلك، مما يرجح كون تلك الإسرائيليات من اختراعهم لا من نقل اليهود. من هؤلاء: محمد بن السائب الكلبي (شيعي سبئي يهودي النزعة، وضاع للحديث)، وتلميذيه مقاتل بن سليمانومحمد بن مروان السدي الصغير.

 أهم الذين رووا عن أهل الكتاب

الصحابي الجليل عبد الله بن سلاّم: وكان صحابياً جليلاً لا ينقل باطلاً. وقد أسلم عند مقدم النبي r المدينة، وشهد له النبي r بالجنة، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما. وحَدَّثَ عن النبي r قليلاً جداً. وقلّما روى عن كتب أهل الكتاب. وكان حبر اليهود وأعلمهم كلهم بشهادتهم. فما ثبت عنه من ذلك فهو مُصَدَّقٌ به حتماً، وإن لم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن، إذ قد ثبت أن كثيراً من كتبهم انقرض. ولا يُسيء الظن بعبد الله بن سلام t إلا جاهل أو مكذب لله ورسوله.

 كعب الأحبار: تابعي أصله يهودي، هلك في أخر خلافة عثمان. ينقل كثيراً عن أهل الكتاب، وهو المصدر الأصلي لأكثر الروايات الإسرائيلية التي تجدها في كتب التفسير، والتي نقلها عنه الكثير من التابعين، لكن ربما لم ينسبوها إليه دائماً. والراجح أنه أسلم في خلافة عمر. قال عنه العلامة المعلمي في “الأنوار الكاشفة”: «لكعب ترجمة في تهذيب التهذيب، وليس فيها عن أحد من المتقدمين توثيقه، إنما فيها ثناء بعض الصحابة عليه بالعلم. وكان المِزِّيّ عَلَّمَ عليه علامة الشيخين، مع أنه إنما جرى ذكره في الصحيحين عرضاً لم يُسنَد من طريقه شيء من الحديث فيهما. ولا أعرف له رواية يحتاج إليها أهل العلم. فأما ما كان يحكيه عن الكتب القديمة، فليس بحجة عند أحد من المسلمين، وإن حكاه بعض السلف لمناسبته عنده لما ذكر في القرآن». وقال: «هذه كتب الحديث والآثار موجودة، لا تكاد تجد فيها خبراً يروى عن كعب عن النبي r. فإن وُجِدَ، فلن تجده إلا من رواية بعض التابعين عن كعب، ولعله مع ذلك لا يصح عنه. وكذا روايته عن عمر. وكذا روايته عن صهيب وعائشة مع أنه مات قبلها بزمان. وعامة ما روي عنه حكايات عن أهل الكتاب ومن قوله».

روى مالك في الموطأ (1|109) بإسناد متصل في قصة طويلة أن أبا هريرة t أخبر كعب الأحبار بأن رسول الله r قال عن يوم الجمعة: «وفيه ساعة، لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً، إلا أعطاه إياه». فقال كعب: «ذلك في كل سنة يوم»! فرد عليه أبو هريرة t وقال: «بل في كل جمعة» (أي كما أخبر رسول الله r). وقال عبد الله بن سلام t: «كَذَبَ كعب». فقرأ كعب التوراة فقال: «صدق رسول الله r. هي في كل جمعة». فقال عبد الله بن سلام t: «صدق كعب».

فالملاحظ أن كعب الأحبار، سارع بتكذيب حديث رسول الله r بوقاحة رغم أن الصحابي الجليل الحافظ أبا هريرة t هو الذي يحدثه به. ومع العلم أن الحديث موافق لما في التوراة كما أكد الصحابي الصادق عبد الله بن سلام t، وقد كان قبل إسلامه أعلم أحبار اليهود باعترافهم. فلما وجد كعب نفسه محصوراً، فأبو هريرة t أصر على رواية الحديث كما هو، ولم يبال بزعم كعب الأحبار. وأما عبد الله بن سلام t فاتهمه بصراحة بالكذب. فلما وجد نفسه محصوراً وخاف أن يُكشَفَ أمره، تراجع وقال «صدق رسول اللهr». لكن كيف؟ لأنه وجد في التوراة اليهودية ما يوافق ما جاء عن رسول الله r. قاتلك الله يا كعب. وهل يحتاج المؤمن إلى الرجوع إلى التوراة المحرّفة حتى يُصَدِّق رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أهذا مبلغ إسلامك يا كعب؟

وقال ابن جرير الطبري في تفسيره (22|144): حدثنا ابن بشار قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال جاء رجل إلى عبد الله (بن مسعود t). فقال (ابن مسعود): «من أين جئت؟». قال: «من الشام». قال: «من لقيت؟». قال: «لقيت كعباً». فقال: «ما حدثك كعب؟». قال: «حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك». قال: «فصدقته أو كذبته؟». قال: «ما صدقته ولا كذبته». قال (ابن مسعود): «لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه، براحلتك ورحلها. و كَذَبَ كعب! إن الله يقول: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده}». قال ابن كثير في تفسيره (3|562): «وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود t». قلت: هو في غاية الصحة. ثم ذكر ابن جرير إسناداً آخر بنحوه، إلا أن ابن مسعود قال عن كعب: «ما تَنَتكت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه». وفي تفسير القرطبي (14|357): نفس السياق إلا أن عبارة ابن مسعود t هي: « كذب كعب. ما ترك يهوديته». والمعنى نفسه.

وقال ابن حجر في الإصابة (5|650): أخرج ابن أبي خيثمة بسندٍ حسنٍ عن قتادة قال: بلغ حذيفة أن كعباً يقول “أن السماء تدور على قطبٍ كالرحى”، فقال (حذيفة t): «كذب كعب! إن الله يقول: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا». ا.هـ.

وروى البخاري في الصحيح (6|2679 #7361): أن معاوية t قال عن كعب الأحبار: «إنْ كان من أصدَقِ هؤلاء المحدِّثين الذين يحدِّثون عن أهل الكتاب، وإن كُنّا –مع ذلك– لنَبلو عليه الكذب». قال صاحب المنار: «إن قول معاوية طعنٌ صريحٌ في عدالته وفي عدالة جمهور رواة الإسرائيليات، إذ ثبت كذب من يُعَدُّ من أصدقهم. ومن كان مُتقنًا للكذب في ذلك، يتعذر أو يتعسر العثور على كذبه في ذلك العصر. إذ لم تكن كتب أهل الكتاب منتشرة في زمانهم بين المسلمين كزماننا هذا. فإن توراة اليهود بين الأيدي، ونحن نرى فيما رواه كعب ووهب عنها ما لا وجود له فيها البتة على كثرته، وهي هي التوراة التي كانت عندهم في عصرهما. فإن ما وقع من التحريف والنقصان منها قد كان قبل الإسلام، وأما بعده فجل ما وقع من التحريف هو المعنوي بحمل اللفظ على غير ما وضع له واختلاف الترجمة. ولا يعقل أن تكون هذه القصص الطويلة التي نراها في التفسير والتاريخ مروية عن التوراة، قد حذفت منها بعد موت كعب ووهب وغيرهما من رواتها. فهي من الأكاذيب التي لم يكن يتيسر للصحابة والتابعين ولرجال الجرح والتعديل الأولين العثور عليها». وقال كذلك: «والقول الفصل في هذه المسألة أن المتبادر من عبارة معاوية -الذي يفهمه كل من يعرف اللغة العربية من إطلاقها-، أن الضمير راجع إلى كعب الأحبار نفسه، كما فسرها ابن حجر والقسطلاني والجمهور، وذلك أن الكتاب لم يذكر في العبارة عمدة مستقلاً فيعود عليه الضمير، وإنما ذكر مضافًا إليه كلمة أهل».

ومن هذا نستنتج أن كعب هذا بقيت العقائد اليهودية الفاسدة متأصلة في قلبه. وكان كثير من الصحابة يجدون هذا، فيُحَذّرون منه، ويعلنون للناس أن اليهودية باقية في قلبه. ويتهمونه كذلك بالكذب الصريح. بل بعضهم يطلق الكذب مقابل الصدق، مما يعني أنهم يقصدون التعمد بالكذب، وليس مجرد الخطأ، كما زعم بعض المدافعين عن ابن اليهودية.

 وهب بن منبه: ولد في الإسلام سنة 34هـ وهلك سنة 114، وأدرك بعض الصحابة. ولم يعرف أن أحداً منهم سمع منه أو حكى عنه، وإنما يحكي عنه من بعدهم. قال رشيد رضا: «ضعفه عمر بن الفلاس، واغترًّ به الجمهور (قلت: لم يوثقه إلا أبا زرعة والنسائي، فلا يقال اغتر به الجمهور)؛ لأن جلّ روايته للإسرائيليات. ولم يكونوا يدققون النظر في نقدها تدقيقهم في نقد روايات أصول الدين وفروعه. وقلّما كان أحد من رجال الجرح والتعديل يعرف شيئًا من كتب أهل الكتاب ليصح حكمه على الرواة عنها. على أن البخاري رحمه الله تعالى لم يَروِ عنه حديثًا في صحيحه مرفوعًا ولا قصة إسرائيلية، ولا مسألة علمية».

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره، في كعب الأحبار وفي وهب بن منبه: «سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان ومما لم يكن، ومما حُرِّفَ وبُدّل ونسخ». وروى عنه الطبري أنواعاً من الإسرائيليات تكفي للتدليل على أن ثقافة وهب يهودية تلمودية. فمما رواه في تاريخه (1|343) عن ابن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : «إن داود أراد أن يعلم عدد بني إسرائيل كم هم؟ فبعث لذلك عرفاء ونقباء وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددهم ، فعتب الله عليه ذلك وقال: قد علمت أني وعدت إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلهم كعدد نجوم السماء وأجعلهم لا يحصى عددهم، فأردت أن تعلم عدد ما قلت إنه لا يحصى عددهم، فاختاروا بين أن أبتليكم بالجوع ثلاث سنين أو أسلط عليكم العدو ثلاثة أشهر أو الموت ثلاثة أيام! فاستشار داود في ذلك بني إسرائيل فقالوا ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر، ولا بالعدو ثلاثة أشهر، فليس لهم بقية، فإن كان لا بد فالموت بيده لا بيد غيره. فذكر وهب بن منبه أنه مات منهم في ساعة من نهار ألوف كبيرة لا يدرى ما عددهم! فلما رأى ذلك داود شق عليه ما بلغه من كثرة الموت فتبتل إلى الله ودعاه فقال: يا رب أنا آكل الحماض وبنو إسرائيل يضرسون! أنا طلبت ذلك فأمرت به بني إسرائيل فما كان من شيء فبي واعف عن بني إسرائيل. فاستجاب الله له ورفع عنهم الموت، فرأى داود الملائكة سالين سيوفهم يغمدونها يرتقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء، فقال داود: هذا مكان ينبغي أن يبنى فيه مسجد. فأراد داود أن يأخذ في بنائه فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس وأنك قد صبغت يدك في الدماء فلست ببانيه، ولكن ابن لك أملكه بعدك أسميه سليمان أسلمه من الدماء، فلما ملك سليمان بناه وشرفه!». أقول: إن أي مسلم يدرك أن إهانة الأنبياء بهذه الطريقة هي عقيدة يهودية مرذولة، فكيف يغفل عن ذلك وهب بن منبه؟ أفما يتقي الله!

وروى له الطبري (1|337) قصة طويلة عن طالوت وجالوت، مخالفة لسائر المفسرين. فقال الطبري معلقاً عليها: «وفي هذا الخبر بيان أن داود قد كان الله حَوَّلَ المُلك له قبل قتله جالوت، وقبل أن يكون من طالوت إليه ما كان من محاولته قتله. وأما سائر من روينا عنه قولاً في ذلك، فإنهم قالوا إنما ملك داود بعد ما قتل طالوت وولده». قلت: وهذا يدل على أنه غير صادق في نقله عن الإسرائيليات.

جاء في تهذيب الكمال (31|147): قال حماد بن سلمة: عن أبي سنان: سمعت وهب بن منبه يقول: «كنت أقول بالقدر (أي بنفيه)، حتى قرأت بضعة وسبعين كتاباً من كتب الأنبياء في كلها: من جعل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، فتركت قولي». ويقصد وهب بن منبه بكتب الأنبياء: كتب بني إسرائيل المنسوبة إلى الأنبياء. فهذا اعتراف صحيح منه أنه بقي يأخذ عقائده من كتبهم المحرفة. قال رشيد رضا تعليقاً على هذه المقولة:

 (أولاًً) إن كتب الأنبياء التي بأيدي أهل الكتاب لا تبلغ هذا العدد. 
(ثانيًا) إننا تصفحنا أشهرها فلم نجد هذا القول فيها، ولا رأينا أهل الكتاب ينقلونه في مجادلاتهم في هذه المسألة. 
(ثالثًا) إن هذا القول باطل قطعًا بدليل الآيات الكثيرة في القرآن، المثبتة لمشيئة الإنسان، كقوله تعالى: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29) {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} (التكوير: 28) {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} (فصلت: 40) {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} (النور: 62) { لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} (المدثر: 67) وفي معنى الآيات أحاديث كثيرة أيضًا، ولا ينافي هذه الآيات قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ} (الإِنسان: 30)، بل يقررها ويؤكدها إذ هو صريح في أن الله تعالى شاء أن يكون للبشر مشيئة خلقها لهم فيما خلقه من صفاتهم وغرائزهم وقواهم. 
(رابعًا) إن وهبًا قد انتقل من بدعة القدرية إلى بدعة الجبرية التي هي شر منها وأضر، وأدهى وأمر، فهي التي أماتت قلوب المسلمين وهممهم التي فتحوا بها البلاد، ودكوا بها الأطواد، وأرضتهم بالذل والهوان، وتعبدتهم للظلمة منهم، ثم للمستعبدين لهم من غيرهم. اهـ.

وروى ابن سعد عن وهب قوله: «لقد قرأت ثلاثين كتاباً، نزلت على ثلاثين نبياً». قلت: أنزلت التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد، عليهم صلوات الله وسلامه. فما هي الكتب الباقية التي يستمدّ منها وهب بن منبه عقائده؟ أرجو أن لا يكون من بينها التلمود الذي اخترعه حكماء صهيون ونسبوه افتراءً لموسى عليه السلام.

بل له دفاع عتيد بغير حق عن كتب اليهود، فيقول مثلاً: «إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى! لم يُغير منهما حرف. ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ}. فأما كتب الله فإنها محفوظة ولا تحول»، رواه ابن أبي حاتم. قال ابن كثير: «فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة، ونقصان ووهم فاحش، وهو من باب تفسير المعرب المعبَّر. وفهْمُ كثير منهم -بل أكثرهم، بل جمعيهم- فاسد. وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه من عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء». أقول لا ريب أن وهباً يتكلم عن التوراة والإنجيل الموجودين في الأرض لا عن اللوح المحفوظ، فلا شك إذاً أنه كاذب في دعواه.

مع العلم أن بنو منبه أصلهم من خراسان من هراة (شرق أفغانستان)، خرج منبه منها إلى فارس أيام كسرى. وغالب الظن أن أصله من اليهود الذين استقروا في خراسان. ومن البديهي أن يخفي ذلك ولا يُبديه. فإن المجوس لم يكن عندهم أي علم بكتب اليهود ولم تكن التوراة مترجمة للعربية ولا للفارسية، لا سيما مع زعم وهب أنه اطلع على كتب كثيرة غير التوراة، فلا شك بإلمامه بالعبرية. يقول رشيد رضا عن وهب وكعب: «إنهما كانا كثيرا الرواية للغرائب التي لا يُعرف لها أصل معقول ولا منقول. وإن قومهما كانوا يكيدون للأمة الإسلامية العربية: فقاتِلُ الخليفة الثاني فارسي مُرسَل من جمعية سرية لقومه، وقتلة الخليفة الثالث كانوا مفتونين بدسائس عبد الله بن سبأ اليهودي. وإلى جمعية السبئيين وجمعيات الفرس ترجع جميع الفتن السياسية وأكاذيب الرواية في الصدر الأول».

يروي عنه التفسير عدة من أقاربه:

- إسماعيل بن عبد الكريم (ثقة) عن عمه عبد الصمد بن معقل بن منبه (ثقة) عن عمه وهب بن منبه.

- عبد المنعم بن إدريس بن سنان اليماني (كذاب يضع الحديث)، عن أبيه (ضعيف) عن جده وهب بن منبه.

- سلمة بن الفضل (ثقة عن ابن إسحاق، ليّن عن غيره)، عن محمد بن إسحاق (جيد)، عن مجهول، عن وهب بن منبه. وقد أكثر الطبري من هذا الطريق من طريق شيخه ابن حميد (كذاب).

 ابن جريج: من أتباع التابعين، أصله من أبيه رومي نصراني. ولا يبدو أنه كان عالماً أصلاً بكتب أهل الكتاب. و “جُريج” هي تعريب لكلمة “جورج”. وابن جريج هو رجل ثقة صدوق، إلا أنه حاطب ليل، ينقل الصحيح والضعيف بدون تمييز. كما أنه كثير التدليس.

البغاء في مكة والمدينة في العصر الجاهلي والاسلامي .. بقلم خلود العبد الله

البغاء في مكة والمدينة في العصر الجاهلي والاسلامي 
في تحقيق صحفي لاحدى الزميلات حول الفساد الاخلاقي والدعارة في احدى البلاد العربية سألت الصحفية احدى العاهرات :
الا تخافي الله وانت تمتهني هذه المهنة التي حرمها الله ؟
ردت العاهرة : ليه هو انتي ما تعرفيش ان الله تواب رحيم
قالت الصحفية : ان الله يعتبر ان الزنا من الموبقات السبع التي لا تجوز فيها التوبة
ردت : هو انتي ما قراتيش قران .. ربنا بيقول انه يغفر كل شيء ما عدا الاشراك به .
قالت الصحفية : معقول ؟؟ حتى الزنا يغفره الله ؟؟
ردت العاهرة : نعم ولعلمك لما بتوب الزانية ربنا بيحول كل سيئاتها الى حسنات .. ان الله غفور رحيم يا حبيبتي ..

البغاء مشروع في التوراة
كان البغاء مشروعا في الشرائع السالفة ، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح 38 : فخلعت عنها ثياب ترملها ، وتغطت ببرقع وتلففت ، وجلست في مدخل ( عينائم ) التي على الطريق ثم قال : فنظرها يهوذا وحسبها زانية ; لأنها كانت قد غطت وجهها ، فمال إليها على الطريق وقال : هاتي أدخل عليك . فقالت : ماذا تعطيني ؟ فقال : أرسل لك جديا معزى من الغنم . . ثم قال ودخل عليها فحبلت منه .

البغاء كان موجودا في المدينة المنورة في الاسلام
كانت في المدينة إماء بغايا منهن ست إماء لعبد الله بن أبي ابن سلول وهن : معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة ، وكان يكرههن على البغاء بعد الإسلام . قال ابن العربي : روى مالك عن الزهري أن رجلا من أسرى قريش في يوم بدر قد جعل عند عبد الله بن أبي وكان هذا الأسير يريد معاذة على نفسها وكانت تمتنع منه ; لأنها أسلمت وكان عبد الله بن أبي يضربها على امتناعها منه رجاء أن تحمل منه أي من الأسير القرشي فيطلب فداء ولده ، أي فداء رقه من ابن أبي . ولعل هذا الأسير كان موسرا له مال بمكة ، وكان الزاني بالأمة يفتدي ولده بمائة من الإبل يدفعها [ ص: 223 ] لسيد الأمة ، وأنها شكته إلى النبيء صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية .

وقالوا : إن عبد الله بن أبي كان قد أعد معاذة لإكرام ضيوفه ، فإذا نزل عليه ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الكرامة له . فأقبلت معاذة إلى أبي بكر فشكت ذلك إليه ، فذكر أبو بكر ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم ، فأمر النبيء أبا بكر بقبضها ، فصاح عبد الله بن أبي : من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا . فأنزل الله هذه الآية ، أي : وذلك قبل أن يتظاهر عبد الله بن أبي بالإسلام . وجميع هذه الآثار متظافرة على أن هذه الآية كان بها تحريم البغاء على المسلمين والمسلمات المالكات أمر أنفسهن

وفي مكة بعد الاسلام كان هناك بغايا – عاهرات
وكان بمكة تسع بغايا شهيرات يجعلن على بيوتهن رايات مثل رايات البيطار ليعرفهن الرجال ، وهن كما ذكر الواحدي : أم مهزول جارية السائب المخزومي ، وأم غليظ جارية صفوان بن أمية ، وحية القبطية جارية العاصي بن وائل ، ومزنة جارية مالك بن عميلة بن السباق ، وجلالة جارية سهيل بن عمرة ، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي ، وشريفة جارية ربيعة بن أسود ، وقرينة أو قريبة جارية هشام بن ربيعة ، وقرينة جارية هلال بن أنس . وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير .

قلت : وتقدم أن من البغايا عناق ولعلها هي أم مهزول كما يقتضيه كلام القرطبي في تفسير قوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة . ولم أقف على أن واحدة من هؤلاء اللاتي كن بمكة أسلمت ، وأما اللاتي كن بالمدينة فقد أسلمت منهن معاذة ومسيكة وأميمة ، ولم أقف على أسماء الثلاث الأخر في الصحابة فلعلهن هلكن قبل أن يسلمن.

في الجاهلية اربع انواع من البغاء
الاول :
والبغاء في الجاهلية كان معدودا من أصناف النكاح . ففي الصحيح من حديث عائشة أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها

النكاح الثاني
[ ص: 224 ] ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع .

النكاح الثالث :
ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها ، فإذا حملت ووضعت ومر عليها الليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها

النكاح الرابع :
ونكاح رابع يجتمع الناس فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها ، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعي ابنه

البغاء حسب الشريعة
هدم بغاء الجاهلية الا بغاء الناس
فلما بعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم اهـ . فكان البغاء في الحرائر باختيارهن إياه للارتزاق ، وكانت عناق صاحبة مرثد بن أبي مرثد التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة . وكان في الإماء من يلزمهن سادتهن عليه لاكتساب أجور بغائهن فكما كانوا يتخذون الإماء للخدمة وللتسري كانوا يتخذون بعضهن للاكتساب وكانوا يسمون أجرهن مهرا كما جاء في حديث أبي مسعود أن رسول الله نهى عن مهر البغي ، ولأجل هذا اقتصرت الآية على ذكر الفتيات جمع فتاة بمعنى الأمة ، كما قالوا للعبد : غلام .
المصدر :
تفسير القران – التحرير والتنوير – محمد الطاهر ابن عاشور – المسالة 19

ثورات المصريين في العصرين الاموي والعباسي .. بقلم خلود العبد الله

ثورات المصريين في العصرين الاموي والعباسي 

بقلم : خلود العبد الله 

لنبدأ من حكاية اكذوبة الفتح السلمي لمصر .. كما نقلها اثنان من اكبر المؤرخين :
فى بدايه إحتلال العرب لمصر يذكر ابن عبد الحكم المؤرخ المسلم ص 83
( وقد رأى نهائيا بعض الفقهاء أنه من الأوفق ان يصرحوا أن مصر فتحت صلحا فيما عدا قرى سلتيس ، مازيل ، بلهيت ، وأيضا مدينه الإسكندريه التى قاومت الفتح )
وقام إثنين من رجال الاقباط هم مينا وقزمان وضعوا أرواحهم للدفاع عن انفسهم وقراهم وقادا مجموعه من الاقباط المدربين على حمل السلاح ودافعوا عن قراهم فى بساله وشجاعه ضد جنود العرب والاروام المدربين جيدا علىالقتال ( تاريخ الامه القبطيه ج2-3 ص136-137 ) 
وقاومت مدن شمال الدلتا الغزو العربى مثل إخنا – رشيد – البرلس – دمياط – خيس – بلهيب – سخا – سلطيس – فرطسا – تنيس – شطا – البلاد الواقعه باقليم البحيره وغيرها اما مصر السفلي(الصعيد) فقد ظلت منفصله تقاوم لمده سنه تقريبا
ومن القري التى قاتلت عمرو بن العاص قريه يقال لها بلهيب واخري يقال لها الخيس وقريه يقال لها سلطيس فوقع سباياهم بالمدينه (اى ارسلهم عمرو ليباعوا كعبيد فى المدينه) فردهم عمر بن الخطاب الى قراهم وصيرهم وجماعه القبط أهل ذمه وفى روايه اخرى:ان اهل سلطيس وقرطبا وبلهيب ظاهروا الروم على المسلمين فى جمع ما كان لهم فلما ظهر عليهم المسلمون استحلوهم وقالوا : هؤلاء لنا مع الاسكندريه . فكتب عمرو الى عمر بن الخطاب بذلك فرد عمر بكتاب قائلا: ان تجعل الاسكندريه وهؤلاء الثلاث القريات ذمه للمسلمين . وتضرب عليهم الخراج. ويكون خراجهم وما صالح عليه القبط قوه للمسلمين على عدوهم ولا يجعلون فيئا ولا عبيدا ففعل ذلك ويقال ردهم عمر رضى الله عنه لعهد كان تقدم لهم ( كتاب خطط المقريزى ج8 ص309-310) ومات كثير منهم فى الرحله الى المدينه والعوده الى من المدينه الى مصر. 
ويقول المقريزى المؤرخ فى كتاب الخطط للمقريزى ج1 ، ص78/89 ان هؤلاء القوم (يقصد البشمورين ) كانوا أكثر توحشا وتعنتا من سائر سكان مصر ، وقد أقلقوا السلطات . ألم يناصبوا العرب العداء سبع سنوات بعد سقوط الأسكندريه . فى أيدى عمرو ؟

الثورة الاولى : يقول شيخ المؤرخين المسلمين المصريين :
وقال المقريزى فى الجزء الرابع – المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار – الجزء الأول – ( 18 من 167 ) : ” خرج القبط ببهليت في سنة ست وخمسين ومائة فخرج إليهم عسكر فهزمهم ثم نقضت القبط في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين مع من نقض من أهل أسفل الأرض من العرب وأخرجوا العمال وخلعوا الطاعة لسوء لسوء سيرة العمال فيهم فكانت بينهم وبين الجيوش حروب امتدت إلى أن قدم الخليفة عبد الله أمير المؤمنين المأمون إلى مصر لعشر خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومائتين فعقد على جيش بعث به إلى الصعيد وارتحل هو إلى سخاء وأوقع الإفشين بالقيط في ناحية البشرود حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين فحكم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال فبيعوا وسبي أكثرهم وتتبع كل من يومًا إليه بخلاف فقتل ناسًا كثيرًا ورجع إلى الفسطاط في صفر ومضى إلى حلوان وعاد لثمان عشرة خلت من صفر فكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يومًا.
فانظر أعزك الله كيف كانت إقامة الصحابة إنما هي بالفسطاط والإسكندرية وأنه لم يكن لهم كثير إقامة بالقرى وأن النصارى كانوا متمكنين من القرى والمسلمون بها قليل وأنهم لم ينتشروا بالنواحي إلا بعد عصر الصحابة والتابعين يتبين لك أنهم لم يؤسسوا في القرى والنواحي مساجد وتفطن لشيء آخر وهو أن القبط مابرحوا كما تقدم يثبتون لمحاربة المسلمين دالة منهم بما هم عليه من القوة لما قتلوا منهم (ألأقباط) وسبوا وجعلوا عدة من كنائس النصارى مساجد ن وكنائس النصارى مؤسسة على استقبال المشرق المغرب وزعمًا منهم أنهم أمروا باستقبال مشرق الإعتدال وأنه الجنة لطلوع الشمس منه فجعل المسلمون ابواب الكنائس محاريب عندما غلبوا عليها.
وصيروها مساجد فجاءت موازية لخط نصف النهار وصارت منحرفة عن محاربي الصحابة انحرافًا كثيرًا يحكم بخطئها وبعدها عن الصواب كما تقدم.
وفي ولاية موسى بن عليّ بن رباح على مصر خرج القبط ببلهيب في سنة ست وخمسين ومائة فخرج إليهم عسكر فهزمهم ثم انتقضوا مع من انتقض في سنة ست عشرة ومائتين فأوقع بهم الإفشين في ناحية اليشرود حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبد الله المأمون فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال. فبيعوا وسبى أكثرهم

الثورة الثانية : كتب شيخ المؤرخين المسلمين المصريين :
وفى ولاية الحر بن يوسف ثار الأقباط بسبب زيادة الجزية على كاهلهم
وقال المقريزى فى الجزء الرابع – المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار – الجزء الأول – ( 18 من 167 ) : ” خَرج الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كيف أنتم إذا لم تجبوا دينارًا ولا درهمًا قالوا: وكيف نرى ذلك كائنًا يا أبا هريرة قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق والمصدوق قالوا: عم ذلك قال: تنتهك ذمّته وذمّة رسوله فيشدّ اللّه عز وجل قلوب أهل الذمّة فيمنعون ما في أيديهم., قال أبو عمرو محمد بن يوسف الكنديّ في كتاب أمراء مصر وأمرة الحرّ بن يوسف أمير مصر كتب عبد اللّه بن الحبحاب صاحب خراجها إلى هشام بن عبد الملك بأنّ أرض مصر تحتمل الزيادة فزاد على كل دينار قيراطًا فانتقصت كورة تنو ونمي وقربيط وطرابية وعامة الحوف الشرقيّ فبعث إليهم الحر بأهل الديوان فحاربوهم فقتل منهم بشر كثير وذلك أول انتقاض القبط بمصر وكان انتقاضهم في سنة سبع ومائة ورابط الحرّ بن يوسف بدمياط ثلاثة أشهر ثم انتقض أهل الصعيد وحارب القبط عمالهم في سنة إحدى وعشرين ومائة فبعث إليهم حنظلة بن صفوان أمير مصر أهل الديوان فقتلوا من القبط ناسًا كثيرًا وظفر بهم وخرج بَخْنَسْ رجل من القبط في سمنود فبعث إليه عبد الملك بن مروان: موسى بن نصير أمير مصر فقتل بخنس في كثير من أصحابه وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائة وخالفت القبط برشيد. 
فبعث إليهم مروان بن محمد الجعديّ لما دخل مصر فارًا من بني العباس بعثمان بن أبي قسعة فهزمهم وخرج القبط على يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة أمير مصر بناحية سخا ونابذوا العمال وأخرجوهم وذلك في سنة خمسين ومائة وصاروا إلى شبرا سنباط وانضم إليهم أهل اليشرود والأريسية والنجوم فأتى الخبر يزيد بن حاتم فعقد لنصر بن حبيب المهلبيّ على أهل الديوان ووجوه مصر فخرجوا إليهم فبتهم القبط وقتلوا من المسلمين. فألقى المسلمون النار في عسكر القبط وانصرف المسلمون إلى مصر منهزمين. 
ومن حينئذِ أذل الله القبط في جميع أرض مصر وخذل شوكتهم فلم يقدر أحد منهم على الخروج ولا القيام على السلطان وغلب المسلمون على القرى فعاد القبط من بعد ذلك إلى كيد الإسلام وأهله بإعمال الحيلة واستعمال المكر وتمكنوا من النكاية بوضع أيديهم في كتاب الخراج وكان للمسلمين فيهم وقائع يأتي خبرها في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى

ثوره الأقباط: 
فى عصر البابا الكسندروس 43 بدأت هذه الثوره فى منطقه الشرقيه( أهالى تنوديمى وقربيط وطربيه ) فى أيام الحسن بن يوسف ومعه آخر لجبايه الضرائب ، ومن الملاحظ انها ثوره تعبر عن مدى الضيق الذى شعر به الأقباط من تصرفات الحكام ، واعتبرها بعض المؤرخين إنها ثوره إنتحاريه ، فقد أوصلوا الأقباط الى مرحله الميت الحى فلم تكن لهذه الثوره المقومات الأساسيه لنجاحها كما لم تكن لهم المعرفه والدرايه بالقتال ، فلاحين بسطاء يعبرون عن ضيقهم بالقتال ، حاربوا جيشا مدربا وأعدادا غفيره من الجنود ، فلم يهربوا ولم يخافوا من كثره من عليهم ، بل واجهوا الموت فى شجاعه منقطعه النظير ووقفوا صامدين فى مواقعهم ، حتى سقطوا قتلى يدافعون عن حقوقهم ومبادئهم وذبح المسلمون من تبقى فى القرى من أطفال ونساء وكبار السن ويقول المؤرخين العرب: ” أن المسلمين قتلوا خلقا لا يحصى من الأقباط فى هذه الواقعه 

مقدمات ثورة البشموريين 
وتفكك مصر 
لم تكن ثوره البشموريين قد إندلعت فى مصر بسبب دفع الضرائب وحدها بل ان المناخ العام فى الولايات التي فتحها العرب فى هذا الوقت شجع على القيام بهذه الثورات فقد أعلن نصر بن شباث الثوره على الخليفه العباسى وإعتمد فى حركته على السوريين الذين ظلوا مخلصيين لبنى أميه . 
أما فى مصر وصل أسطول حربى من الأندلس ورسا فى ميناء الإسكندريه وإستولى عليها وهم من الثوار الذين قاوموا الخليفه الأموى فى الأندلس ، وعندما تغلب عليهم الخليفه الأموى طردهم فجاؤا الى الإسكندريه . 
وقال ميخائيل السورى المؤرخ ج3 ص59 (أعلن نصر وصحبه الثوره على الخلافه(العباسيه) فىالشام وحثوا فى آن واحد المصريين على الثوره) 
إستولى على مصر رجلان هما سرى(السرى بن الحكم) وجروى( عبد العزيز الجروى)وبعد أن جلبا الذهب بمقدار الأحجار ، أخذا يحصلان الجزيه بإسمهما ولما توفيا خلفهما ولداهما فتولى عبيد بن سارى على الفسطاط والجنوب وإستولى أحمد عبد العزيز الجروى على الشمال0 أى ان مصر قسمت الى مناطق يحمها أفراد ولا يدينون بالولاء لحكومه مركزيه ، ولا شك ان البشموريين حكموا منطقتهم بمفردهم أيضا0 
السبب المباشر لثوره البشموريين 
قال ساويرس ابن المقفع (عامل العرب البشموريين على الأخص فى غايه من القسوه 0 فقد ربطوهم بسلاسل الى المطاحن وضربوهم بشده ليطحنوا الغلال كما تفعل الدواب سواء بسواء0 فإضطر البشموريين أن يبيعوا أولادهم ليدفعوا الجزيه ويتخلصوا من آلام هذا العذاب وكان يعذبهم رجل من قبل الوالى إسمه غيث ) 
وأيد ميخائيل السورى ج3 ص78-79 المؤرخ سبب ثورتهم الذى ذكره ساويرس بن المقفع وزاد عليه فقال ( وقالوا إن أبا الوزير ” يقصدون الوالى” كان يرغمهم على دفع الجزيه وكانوا لا يستطيعون تحملها ، فكان يسجنهم ويضربهم ضربا مبرحا ويضطرهم الى طحن الحبوب كالدواب تماما ، وعندما كانت تأتى نسائهم إليهم بالطعام ، كانوا خدمه(عماله) يأخذونهن ويهتكون عرضهن0 وقد قتل منهم عددا كبيرا ، وكان عازما على إبادتهم عن بكره أبيهم حتى لا يشكوه الى الخليفه) 
أى ان ما تعرض له البشموريين يسمى فى العصر الحديث إباده جماعيه ضرائب باهظه عمل بالسخره- ضرب مبرح يقترب من التعذيب بحيث أنه أدى الى وفاه كثير منهم- الإعتداء الجنسى على نساؤهم وإغتصابهم بالقوه والذى يفعل هذا الأمر اليوم يعتبر مجرم حرب الآن .
أما الخليفه العباسى فقال ( أنا غير مسؤول عن سياسه ولاتى لأنى لم أمل عليهم هذا الموقف الذى إتبعوة 0أنا لم أفكر قط فى إرهاق الناس0 وإذا كنت أشفقت على الروم أعدائى فكيف لا أشفق على رعيتى ؟) وأقصى ما فعله المأمون أنه قال الى الوالى المسؤل عن هذه الأحداث عيسى بن منصور(لم يكن هذا الحادث العظيم إلا من فعلك وفعل عمالك، حملتم الناس ما لايطيقون وكتمتمونى الخبر حتى تفاقم الأمر وإضطربت البلاد) نقلا عن الكندى المؤرخ ص192 
وهكذا تنصل الخليفه العباسى مما فعله واليه وكان أقصى ما فعله هو مجرد توبيخ وجهه الى عيسى بن منصور الوالى وألبسه ثوبا أبيض وأمر أن يطاف به فى الشوارع أن ما قد حدث ، من موت البشر بالجمله ، وعذاب الناس وآلامهم ، وإغتصاب نساؤهم وهتك عرضهن ، إنما هو جزء عادى من الحياه اليوميه للأمم التى كانت تحت الحكم العربى وخاصه الأقباط 0 وكأن ما حدث لم يساوى أكثر من توبيخ من الخليفه الى واليه وطوفانه بالشوارع لابسا ملابس بيضاء

الخليفه المأمون والبشموريين: 
كان البطريرك المصرى يوساب يذوب حسره على رعاياه التى تحالف على فنائها الطاعون، والمجاعه، والحرب ، غير أن العرب دفعوا البشموريين لمواصله عزمهم على مواصله القتال ، وأنه لا رجعه الى الإستعباد ثانيه حتى لو كلفهم الأمر فنائهم فأخذوا يصنعون الأسلحه وحاربوا الخليفه علانيه . 
ومن يأسهم قتلوا كل من جاء إليهم ليقوم بعمل الوسيط بينهم وبين الحكومه0 وتحسر البطريرك لإنهم خاضوا غمار الحرب ضد عدو يفوقهم فى العدد والعتاد 0وبذلوا حياتهم فى سبيل عيشه حره فى وطنهم الذى داس عليه من لا يعرف معنى العيش بكرامه وحريه ، وحكمه ناس لا يعرفون معنى الحرمه0
ومن جهه أخرى لم يكن البشموريين رعيه البابا القبطى ، فهم خليط من الأقباط واليونانين ، وإن كانوا يجلون بعض الإحترام للبابا القبطى ، وكان نتيجه ثورتهم أدت إلى إنخفاض عدد المسيحييين عن عدد المسلمين لأن المسلمين هاجموا قرى ومساكن المسيحين الآمنه الذين لم يشتركوا فى الثوره وقتلوا عددا لا يحصى من المسيحين الذين لا ذنب لهم فى هذه الأحداث وسرقوهم وحرقوا ممتلكاتهم 
ولو هذا الأمر كان سيحدث حتما لأن المسلمين يفعلونه دائما بمناسبه وبدون مناسبه بسبب أو بدون سبب والدارس للتاريخ يمكن أن يستخرج ويسجل الأحداث التى أدت الى تعدى المسلمين على الأقباط خاصه بعد كل حرب خارجيه بين المسلمين والدول المسيحيه الأخرى أو هجوم من هذه الدول على مصر أو حدوث فوضى فى البلاد أو وجود حكومه ضعيفه أو ولاه لهم ميول عدوانيه ضد الأقباط0 
وكتب البطريرك يوساب خطابا الى البشموريين حاول ان يقنعهم بعدم قدرتهم على مقاومه الخليفه بالسلاح وأن ينصرفوا عن عزمهم فى مواصله الحرب ولما إتضح أن هذا الخطاب لم يؤثر فيهم ، ارسل لهم الخطاب تلو الخطاب ملحا فى رجائه 0 وفى النهايه لما رأى البشموريين الأساقفه حاملين لهم الرسائل ، إنقض البشموريين عليهم وجردوهم من ملابسهم وأمتعتهم ثم لأوسعوهم سبا وشتما، ولما عاد هؤلاء الى البطريرك وقصوا عليه ما حدث لهم ، قرر البطريرك أن يترك هذا الشعب الى مصيره

وجاء في ( تاريخ البطاركه ج1 ص251 ، أقباط ومسلمون د0جاك تاجر102 )
حدث أنه لما زاد ظلم جباة الخراج (الضرائب) وولاتهم وضوعفت الجزية على الأقباط وشُدد الخناق حولهم، أن هب أهل البلاد جميعاً كرجل واحد ثائرين ثورة عارمة…ولا نبالغ إن قلنا إنها كانت أشبه بحرب نظامية استعملت فيها أستراتيجية المنطقة. وقد أسفرت هذه الثورة الى هزيمة جيش الغزاة هزيمة منكرة. وفرّ أمامهم الوالى يتبعه جُباة الضرائب، الأمر الذى جعل المأمون الخليفة العباسى في بغداد يُرسل أخاه المعتصم على رأس جيش قوامه أربعة آلاف جندى ليدعم جيوش الاحتلال فى اخماد الثورة القبطية وعلى الرغم من وحشية الحملة وذبح الأطفال والشيوخ وانتهاك الحرمات، إلا أن ثورة الأقباط لم تخمد ولم تهدأ مما اضطر المأمون إلى ارسال جيش آخر من الأتراك بقيادة “أفشين” التركى بغرض التنكيل بالثوار “فحاربوه وقتلوا من الجيش عددا وافرا، ثم جرد عليهم عسكر آخر فكسروه… وتقول الدكتورة سيدة الكاشف: ” وقد فشل أفشين” تماما في اخماد ثورة البشموريين مما اضطره أن يكتب الى المأمون الخليفة العباسى في هذا الوقت ” طالبا امدادات للقضاء على الثورة التى اندلعت في كل مكان في محاولة للتخلص من نير الطغاة. وهنا نذكر كذلك ما يقوله الدكتور جمال الغيطانى: ” إن الارتباط بالأرض نتاج طبيعى للوضع التاريخى والجغرافى والحضارى لمصر، فإذا ما أراد عدو أن يزحزح الانسان المصرى عن أرضه، فإلى أين يذهب إذ ليس حوله إلا الصحراء من كل جانب. وإذن فإما يموت شهيداً فوق أرضه أو يتجه إلى الصحراء.. وتمسُك القبطى بأرضه ووطنه حتى الموت. يشهد على ذلك العدد الهائل من الشهداء الأقباط الذين افتدوا مصر منذ القدم وحتى وقتنا. فمصر للأقباط بلد ملايين الشهداء

وفي تاريخ البطاركة نفس الجزء جاء فيه :
وفي سنة 824 م 216 هـ عندا ماكنت مصر تحت حكم الوالى عيسى بن منصور بن موسى أضطر الخليفة المأمون أن يزحف من بغداد إلى مصر على رأس قوة حربية لإخماد ثورة الأقباط التى فشل في إخمادها كل قواده الذين أرسلهم سابقاً. وكاد ثوار الأقباط أن يفتكوا بجيش المأمون لولا أن الخليفة العباسى إلتجأ إلى أخبث الطرق والغير شريفة للقضاء على الثائرين، وذلك أنه استدعى الأنبا ديونيسيوس البطريرك الإنطاكى واستدعى معه الأنبا يوساب الأول بطريرك الأقباط وطلب منهما تحت التهديد أن يتعاونا معه في إخماد ثورة الأقباط ، وقد أجابا بكل أسف طلب المأمون وحررا للثوار رسالة بها نصائح ومواعظ يحُثا فيها الثوار أن يلقوا بسلاحهم ويسلموا أنفسهم لولاة الأمير. وفي الوقت الذى كان الثوار في أمس الحاجة للمعونة المادية والمعنوية حتى يتمكنوا من التخلص من الظلم والاستبداد الأجنبى إذ بالقادة الروحيين ينخدعوا فيدعوهم إلى الاستسلام. ولا شك إن هذا الموقف من طرف القادة الروحيين كان له أثره البالغ على الأقباط أكثر من كل جحافل المأمون وطاغيته. ولكن على الرغم من كل هذا فقد رفض آباؤنا الأقباط فى إباء وشمم هذه النصائح الاستسلامية وفضلوا أن يعطوا أرواحهم فداء لمصر وعقيدتهم وهنا تذكر “الخريدة النفيسة” ذلك الحدث فتقول: ” واستعدوا لمقاومة من يقصد سلب إستقلالهم وإذلالهم. وبعد حروب دموية بينهم وبين عساكر المأمون كان النصر دائما فى جانب الثوار. وقاد الخليفة الجيش بأجمعه الى حومة الوغى وأصلى نار الحرب.. ولم يدخر من قوته وسعا حتى أضعف الثوار، كما تذكر د. سيدة اسماعيل الكاشف بسالة هؤلاء الثوار فتقول: ” ركز المأمون جميع قواته ضدهم وأعمل فيهم الجند السيف وأحرقوا مساكنهم وهدموا كنائسهم. وتضيف الخريدة النفيسة ” دخل الجيش بلاد البشمور وحرق مدنها ودمر كنائسها وقتل صغارها وسبى نساءها وأجلى الخليفة رجالها إلى جزر الروم الخاضعة له وإلى بغداد. ” وأما تقى الدين المقريزى فيقول في اختصار: ” انتفض القبط فأوقع بهم “الأفشين” على حكم أمير المؤمنين عبد الله المأمون فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية، فبيعوا وسُبى أكثرهم، حينئذ ذلت القبط فى جميع أرض مصر

 ثوره من المسلمين والأقباط على الخليفة العباسي المأمون 

جيش المأمون ولما سمع المأمون بما يحدث فى مصر من الفوضى وكان قد أرسل أخيه المعتصم ليحكم مصر وعين المعتصم إثنين من الولاه لجبايه الخراج تسببوا فى زياده ثوره الأقباط فى الوجهين البحرى والقبلى فما كان من المأمون أن أرسل جيشا يقوده قائدا تركيا إسمه الأقشين فهجم على العصابات والخوارج المسلمين فى شرقى البلاد منطقه الحوف الشرقى (التى أسكنوا فيها قبائل عرب الجزيره بعد أن أبادوا الأقباط بعد ثورتهم فى هذه المنطقه من قبل) 
قتل الأفشين الخوارج المسلمين الثوار جميعا الى أن وصل الى الإسكندريه وأراد أن يقتل كل من فيها لأنهم لم يقاتلوا بل سمحوا للأندلسيين الأموين المسلمين بدخول مدينتهم ولكنه تراجع ولم يفعل ذلك إلا انه قتل جماعه من المسيحيين الأراخنه أما ساويرس بن المقفع ص250 فقد قال (وكان الأقشين يقتل حتى الأبرياء فقتل كل الموجودين فى جزيره المقسدين) 
قالت أيريس حبيب المصرى فى قصه الكنيسه القبطيه ص428 ( أن المعتصم نجح فى إخضاع الثوار الأقباط 0 وأخذ جموعا منهم أسرى وسيرهم حفاه فى شوارع بغداد إلا أنه ما كاد يصل الى بلاده ويستمتع بنشوه الإنتصار حتى إندلعت الثوره من جديد وإشتد سعيرها وكان الثوار هذه المره من الأقباط وحدهم لأن الضرائب الباهظه أرهقتتهم) مع ظلم الولاه الذين عينهم وعمالهم 0 
وحدث ان هجم الأقشين على البشمورين الثوار إلا أنه لم يقدر أن يبيدهم وكان يقصد سلب استقلالهم وحريتهم واذلالهم فكان النصر دائما بجانب الثائرين وإنهزم أمامهم فكانوا يقتلون من جنوده كل يوم عددا كبيرا فكتب الى الخليفه عبدالله المأمون خطابا يعلمه بأمر ثوره البشمورين0 ولم يجد الخليفه المأمون مفرا من أن يواجه هذه الثوره بنفسه 0 
وكان المأمون فى سوريا عندما وصله خطاب الأفشين 0 فقرر الذهاب الى مصر بعد أن منح عفوا ألى نصر( الثائر عليه فى الشام) وكان البطريرك الأنطاكى ديونسيوس فى دمشق، فأرسل إليه المأمون خطابا يقول فيه ( أمكث هنا لتأتى معنا الى مصر لأننا نريد منك أن تذهب كسفير عند البياماى( إ سما أطلقه المؤرخين على البشمورين ومنهم ابن بطريق المؤرخ)فى مصر السفلى ، ونقنعهم بالكف عن القتال والعوده الى الطاعه” ميخائيل السورى ج3 ص76″

 … ثوره من المسلمين والأقباط على الخليفة العباسي المأمون

كان الخليفه قد تحرك بجنوده ووصل الى الفرما وقابله ديونسيوس فى مديبه الفرما ويقول ديونسيوس ( أن الخليفه قال له: لقد علمت أيها البطريرك بنبأ ثوره النصارى المصريين المعروفين بإسم البياماى0 وأنهم لم يكتفوا بالخراب الذى أصابهم من جراء هجومنا الأول عليهم 0 لولا تسامحى وعدم تفكيرى فى القضاء عليهم لما أرسلت إليهم رجلا مثلك0 خذ معك المطارنه الذين بصحبتك وسائر المطارنه المصريين وإذهب الى مقابلتهم وفاوضهم بشرط أن يسلموا الثوار ولأيأتوا معى ومع جيشى الى المكان الذى أعينه فأسكنهم فيه ( فإذا رفضوا فإنى سأقتلهم بالسيف 00 ولما حدثت الخليفه طويلا على أساس أن يخضع البشموريين لحكمه ويتركهم فى بلادهم أجاب قائلا: “لا ! فليخرجوا من البلاد أو يتعرضوا للقتل” . 
فأخذ ديونسيوس البطريرك المصرى وذهبوا إلى البشموريين ووصف مكانهم وحالهم قائلا: ” لقد وجدناهم مجتمعين وقد إحتموا فى جزيره محاطه بالمياه والخيزران والغاب من كل جهه 0 فخرج إلينا رؤسائهم وتقدموا نحونا0 ولما وجهنا إليهم اللوم على الثوره التى أشعلوها والمذابح التى إقترفوها، أنحوا باللائمه على من كان يحكمهم ( الولاه ومن يرسلهم) إلا أنهم عندما علموا بوجوب الخروج من بلادهم ، حزنوا حزنا شديدا ورجونا أن نبعث الى الخليفه برساله نطلب إليه يسمح لهم بالمثول بين يديه ليقصوا عليه كل ما احتملوه من الهوان0 
لم يكن بالأمر الهين على المصرى الصميم أن يترك بلاده إلى جهه أخرى فى وسط جيشا من أعدائه 0 وخاصه ان العباسيين عرفوا من خلال التاريخ بالخداع والغدر فالحكم العباسى لم يكن فى حاجه إلى تقديم بعد أن قدم نفسه على يد مؤسسه السفاح ولما رفض البشمورين ما قدمه البطريركان من نصائح أبلغا المأمون بفشل وساطتهما ثم حدث أن سأل المأمون ديونسيوس البطريرك الأنطاكى عن سبب عصيانهم وثورتهم فأجاب : بما سمعه من البشموريين عن ظلم الولاه لهم فقال له المأمون: ” لا تفه بمثل هذا الكلام لا ، لان متولئى الخراج (الولاه) عينهم أخى المعتصم ولو سمع ما قلت لما أبقاك حيا بمصر ساعه واحده0 
أسرع ديونسيوس ليودع البابا القبطى يوساب وعيناه تفيض بالدموع (فلا مكان لقول الحق مع هؤلاء الناس) ثم سافر عاجلا وبعد رحيله بلغ المعتصم الخبر فأرسل وراءه من يقتله ولما لم يتمكن من العثور عليه غضب جدا0 وبعد ان توفى المأمون وملك المعتصم هرب ديونسيوس من أنطاكيه حتى عاهده الخليفه ألا يقتله فرجع إليها (تاريخ الكنيسه القبطيه للقس منسى ص315) 
أمر المأمون الأفشين بأن يهاجم البشمورين وكان ذلك فى ليله الجمعه الليله التاسعه من محرم فلم يقدر عليهم لمناعه منطقتهم المحاطه بالمياه وكانوا يقتلون من جنوده كل يوم عددا كثيرا كما حدث من قبل فأرسل الأفشين الى المأنون مره أخرى فسار الخليفه بجيشه ليحارب البشموريين أيضا وأمر أن يجمعوا كل من يعرف طرق ومسالك مناطق البشمورين ، فجاء عددا من أهل المدن والقرى المجاوره لهم ومن كل الأماكن ومن أهل تندا وشبرا وسنباط وعملوا مع المسلمين كدليل الى أن سلموا لهم البشموريين فهلكوهم وقتلوهم بالسيف ونهبواهم وأخرجوا مساكنهم وأحرقوها بالنار 
ورأى المأمون كثره القتلى أمر جنوده بأن يتوقفوا عن قتلهم0 ثم أرسلهم فى طلب رؤسائهم ( وأمرهم أن يغادروا بلادهم غير انهم اخبروه بقسوه الولاه المعينين عليهم وأنهم إذا غادروا بلادهم لن تكون لهم موارد رزق إذ أنهم يعيشون من بيع أوراق البردى وصيد الأسماك 0 
وأخيرا رضخوا للأمر وسافروا على سفن الى أنطاكيه حيث أرسلوا إلى بغداد وكان يبلغ عددهم ثلاثه آلاف ، مات معظمهم فى الطريق ، أما الذين أسروا فى أثناء القتال ، فقد سيقوا كعبيد ووزعوا على العرب0 وبلغ عدد هؤلاء خمسمائه ، فارسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك “ميخائيل السورى ج1ص79 –80 ” وأمر المأمون بالبحث عما تبقى من البشمورين فى مصر وأرسلهم الى بغداد حيث مكثوا فى سجونها . 
ثم أطلق سراحهم شقيق المأمون وخليفته إبراهيم الملقب بالمعتصم0 وقد عاد البعض الى بلادهم وبقى البعض الآخر فى بغداد وهم فيها حتى الآن ويعرفون بالبشموورين quatrenere Recherches p 161-3 
عندما أحرز المأمون النصر سنه 832م مكث شهرين فى مصر ثم ذهب الى بغداد ولم يعيش غير عده شهور وتوفى فى خريف833م( الخلافه إزدهارها وإنحلالها فسقوطها وليم موريس ص510-511) ثم تولى الخلافه اخيه المعتصم فأطلق البشمورين من السجون0 ربما لشعوره بالذنب مما فعله الولاه تجاههم0

 ويقول المؤرخ المسلم المقريزى: ” ومن حينئذ أذل الله الأقباط فى جميع اراضى مصر وخذل شوكتهم فلم يقدر أحد منهم على الخروج ولا القيام على السلطان وغلب المسلمون على القرى فعاد القبط بعد ذلك الى كيد الإسلام وأهله بأعمال المكر وتمكنوا من النكايه بوضع أيديهم فى كتاب الخراج (الخطط للمقريزى ج1 ص79-80)

من اسرار التاريخ – مصر – (1)
من بعض تاريخ دولة السلف التي يخفيها رجال الدين وفقهائهم ومشايخهم 
هذه بعض الاحداث لما جرى في مصر بعد الفتح الاسلامي 
قام الاقباط المصريين بعدة ثوارات ضد العرب الفاتحين وعلى مدى متواصل من الزمن منها على سبيل المثال فقط:
– ثورة عام 725 م أثناء خلافة هشام بن عبد الملك
– وقد كانت هناك خمس ثورات هامة بين سنة 739: 773م 
– ثورة أقباط رشيد سنة 769م 
– ثورة أقباط حوف 803م.
– ثورات البشموريين 831م أيام خلافة المأمون

ثورات اخرى في مصر ضد الخلافة 
سنة 107هـ : ثورة القبط المزارعة في مصر. 
سنة 132هـ : ثورة القبط المزارعة في مصر. 
سنة 134هـ : ثورة القبط المزارعة في مصر.
ثورة قبيلة العرب المسلمين 
سنة 177 هأ: ثورة قبيلة قيس وقضاعة ( مصر ). 
سنة 177هـ : ثورة قبيلة قيس وقضاعة ( مصر ). 
سنة 177هـ : ثورة قبيلة قيس وقضاعة ( مصر ).
سنة 216 هأ : ثم سار عسكره لقتال أسفل الأرض أهل الغربية والحوف وأوقعوا بهم وسبوا القبط وقتلوا مقاتلتهم وأبادوهم
سنة 362 هـ: ثورة أهل تنيس على الفاطميين بلدة كانت على جزيرة في بحيرة دمياط بشمالي مصر وقد اندرست الآن
سنة 416 هـ وسنة 427 هـ: ثورة ثورة قبيلتي زناتة وكتامة على الخلافة الفاطمية.
سنة 397 هـ: ثورة أبي ركوة ( الوليد الأموي)

ثورة الطب .. ومعجزات العلوم

ثورة الطب .. ومعجزات العلوم 

طب الغد: كشف الأمراض قبل ظهورها

إعداد الدكتور أنور نعمة - الأربعاء ١ يناير ٢٠١٤

شهد العالم في السنوات الأخيرة قفزات طبية جبارة طاولت جميع الميادين، خصوصاً على الصعيد التقني التشخيصي الذي مكّن الطبيب من الغوص في أعماق الإنسان من أجل رصد بذور المرض أو الكشف عن امتداداته في دهاليز الجسم.

ومن أهم الإنجازات التي حققها الطب رسم الخريطة الوراثية للجينات (المورثات) التي تحمل في قاعها الأسرار الدقيقة المتعلقة بالأمراض الوراثية وقابلية حدوث أمراض معينة، كضغط الدم، والنوبات القلبية، والداء السكري، والسرطانات.

أيضاً تفيد الخريطة الوراثية في وضع العلاج الجيني للأمراض الوراثية وفي إنتاج مواد بيولوجية ومركبات هورمونية وعقاقير يحتاجها جسم الإنسان للنمو والعلاج.

في السنوات القليلة المقبلة يتوقع ان يشهد الوسط الطبي قفزات نوعية نسلط الضوء عليها هنا.

> مرض الزهايمر. يأمل الباحثون في حلول عام 2020 تحديد الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بهذا المرض. وفي هذا الإطار استطاع فريق طبي دولي فك الأسرار المحيطة بدور الجينات في التسبب بمرض الزهايمر الذي لا يوجد له علاج ناجح حتى الآن. وقد استطاع الفريق التوصل إلى هذه النتائج من خلال مسح تمت فيه مقارنة 20 ألف جينة مأخوذة من مرضى الزهايمر، مع 20 ألف جينة مأخوذة من مسنين أصحاء.

الدكتور جوناثان هينز، مدير مركز فاندربيلت الأميركي لأبحاث الجينات البشرية، وأحد الأطباء المشاركين في هذا الفريق قال: «إن المسح الطبي يعمل على تفهم الجينات ومعرفة علاقتها بالمرض، ولماذا تعد عاملاً مؤدياً للإصابة به»، موضحاً «أن لا بد من التعرف على الجينات المسببة للمرض وإيقافها أو إبطائها وتوفير الوقاية».

وبناء على ما ذكرناه، فإن الأطباء سيتمكنون مستقبلاً من عمل اختبار دموي بسيط يجرى على الأشخاص المعرضين للخطر، من الذين يملكون تاريخاً عائلياً بالإصابة. وفي حال جاء الاختبار إيجابياً، فإن البحّاثة يأملون في وضع علاج فاعل قبل ظهور العوارض الأولية، وبالتالي منع المرض من التطور.

 > زرع الرحم، في العام 2012 تمكن فريق طبي من مدينة ليموج الفرنسية من زرع رحمين لامرأتين بنجاح باهر. سيتم العمل في السنوات الخمس المقبلة من أجل تمكين المرأتين من الحمل، فإذا تكلل الأمر بالنجاح فإن هذا سيحمل معه أملاً كبيراً للنساء اللاتي يولدن من دون رحم أو اللواتي خضعن لاستئصال الرحم لأسباب مرضية، خصوصاً السرطان.

 > زرع أسنان طبيعية، إذا كان لديك سن مكسور أو مخلوع وتريد أن تقول وداعاً للأسنان الاصطناعية والجسور، فإن تعويضها طبيعياً قد يصبح ممكناً في المستقبل القريب. هذا الأمل قد يتحقق بفضل العلماء البريطانيين الذين ابتكروا تقنية متقدمة تساعد في تنمية أسنان طبيعية جديدة بدل الأسنان المفقودة أو التالفة، وتتمثل هذه التقنية في استخدام الخلايا الجذعية (خلايا المنشأ) المأخوذة من جسم المريض نفسه، حيث يتم تحضير هذه الخلايا وتنميتها بطريقة معينة، ثم نقلها وزرعها في مكان السن المفقود أو المكسور، ليبدأ نمو سن جديد طبيعي مشابه تماماً للأسنان المجاورة.

 > المقعدون سيمشون. لقد تم ابتكار أطراف اصطناعية ذكية بالغة الدقة يستطيع المشلولون أن ينزلقوا في داخلها ومن ثم يكبسون على زر موجود على جهاز تحكم ليمشوا بعد ذلك كما يحلو لهم.

 > الليزر في عيادات أطباء الأسنان. حتى الآن هناك قلة من أطباء الأسنان الذين يستعملون الليزر في عياداتهم. السنوات المقبلة ستشهد غزو الليزر عيادات أطباء الأسنان، خصوصاً أنه غير مؤلم، ولا يصدر عنه أي صوت مزعج.

 > جراحات الروبوت. من الآن فصاعداً ستغزو أجهزة الروبوت غرف العمليات الجراحية. فأذرع الروبوت التي تحمل العدة، كالمشرط وغيره، هي التي تصول وتجول في جسم المريض بإمرة الطبيب الذي يوجد في غرفة تحكم خاصة من أجل تحريك أذرع الروبوت كما يحلو له، فهذه الأخيرة مزودة بكاميرا ثلاثية الأبعاد، عالية الوضوح، تحتوي على عدسة مكبرة، تمكّن الجراح من تكبير منطقة الجراحة 20 مرة. ومن بين الميزات الأخرى لأذرع الروبوت أنها تتمتع بحرية الحركة في كل الاتجاهات وفي شكل دائري، ولا ترتعش بعكس قبضة اليد البشرية التي تبقى محدودة الحركة.

 > إصلاح الأعضاء المريضة واستبدالها. فكرة تطوير قطع غيار بشرية داخل المختبرات كانت ضرباً من الخيال، إلا أن البحوث الخاصة باستخدام الخلايا الجذعية جعلت الفكرة في حيز الواقع، فهذه الخلايا تسمح الآن في بناء أنسجة وأعضاء حقيقية تزود المرضى ببعض قطع الغيار لإصلاح الأعضاء المريضة أو استبدالها. وبالفعل تم بنجاح تطوير عدد من الأنسجة في مختبرات خاصة، ستتم تجربتها في العيادات المتخصصة قريباً. ومن أهم الأعضاء التي سيجرى اصلاحها أو البحث عن بديل لها:

 > المثانة. وهي أول عضو تم إنماؤه في المختبر وزرعه لدى مريض اعتباراً من خلايا جذعية أخذت من المصاب نفسه.

 > الدماغ. استطاع باحثون من معهد التكنولوجيا الحيوية الجزيئية في النمسا تطوير أنسجة دماغية معقدة ثلاثية الأبعاد وصفوها بـ «الأدمغة الصغيرة «، تبين لهم أنها تبقى على قيد الحياة لمدة لا تقل عن 10 أشهر. ويحاول العلماء حالياً استخدامها في درس الأمراض العصبية، وفي سبر تأثيرات العقاقير الجديدة فيها.

 > الغدة النخامية. توصل باحثون يابانيون إلى إنماء غدد نخامية بالغة الصغر في المختبر بدءاً من الخلايا الجذعية التي تم استحضارها من أجنّة فئران. ويعكف البحاثة على استخدام الخلايا الجذعية البشرية في محاولة لتنفيذ التجربة نفسها لتطوير الغدة النخامية.

 > العين. على رغم تعقيداتها البالغة، نجح علماء يابانيون أخيراً في إنماء بنية تعرف بالكأس البصرية، يبلغ حجمها نصف ميلليمتر فقط، وتحتوي على طبقات متعددة من الخلايا الشبكية، بما فيها الخلايا التي تساهم في عملية الإبصار.

> القصبة الهوائية. وقد تم تطويرها من الخلايا الجذعية، وجرى فعلاً زرع هذا العضو المبتكر بنجاح لدى امرأة.

 > العظام. يعمل خبراء من جامعة كيلي البريطانية على تطوير مركب هلامي يفيد في إصلاح العظام المكسورة، ويحتوي الهلام على خلايا جذعية تملك جزيئات مغناطيسية بالغة الصغر تعلق بسطحها. التجارب ستباشر على المرضى في غضون السنوات الخمس المقبلة.

 > الكبد. باحثون يابانيون توصلوا إلى إنماء أكباد بشرية صغيرة في المختبر والعمل جار من أجل الاستفادة منها في إصلاح ما خرّبه الزمن أو المرض.

 > الكِلية. هناك تقارير مبشرة تفيد بأن العلماء استطاعوا إنماء كلية في المختبر اعتباراً من خلايا جذعية أخذت من مريض.

> القلب. تمكن علماء في الفترة الأخيرة من تطوير نسيج قلبي نابض من الخلايا الجذعية. وهناك محاولات ناجحة لتطوير قلب نابض لدى الفئران اعتباراً من خلايا جذعية بشرية.وقد تشهد السنوات المقبلة تطورات باهرة قد تسمح بمعرفة جسمنا في ما يشبه البث الحي المباشر بفضل وضع مجسات (أجهزة استشعار) تتوزع في أنحاء مختلفة من الجسم، بحيث يمكن من طريق كبسة زر قياس مستوى الكوليسترول في الدم، وكبسة أخرى معرفة أرقام ضغط الدم، وثالثة لكمية السكر في الدم، ورابعة لعد النبض، وخامسة لقياس درجة الحرارة، وسادسة لتحديد مستوى بعض الهورمونات، وسابعة من أجل زرق الدواء، وثامنة للإعلان عن موعد الإباضة (للنساء طبعاً).

 النانو

 يحاول العلماء حالياً ابتكار طرق جديدة شديدة البساطة من أجل سبر وعلاج أعتى الأمراض التي تفتك بالبشر تحت مسمى «طب النانو».

ويقول روبرت لانجر أحد رواد طب النانو والذي يدير أكبر معمل للهندسة الطبية الحيوية في العالم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة: «إن التطورات التي حصلت دفعت الشركات للبحث عن وسائل جديدة لأن السبل الأقدم لاستخدام الأدوية لم تعمل بشكل جيد جداً».

ويعمل الباحثون حالياً على مستوى الذرات والجزيئات بتقنية النانو التي تمكن من رصد الخلايا المريضة بدقة منقطعة النظير، ومن ثم الالتصاق بها والانصهار فيها لإفراغ حمولتها من الأدوية أو من المواد التي تسمح بإنجاز التصوير الطبقي المحوري الذي يمكّن من التشخيص قبل أن ينطق المرض بعوارضه.

 وتشهد تقنية النانو تنافساً محموماً من شركات الأدوية من أجل وضع أدوية على شكل كبسولات متناهية الصغر (لا يتجاوز قطرها أجزاء من البليون جزء من المتر) من أجل تحقيق أكبر فائدة عبر إيصال العقار إلى مكان وجود العلة بالضبط، وبالتالي تقليص الآثار الجانبية، خصوصاً تلك التي تنتج من الأدوية السرطانية.

doctor anwar@hotmail.com

مقالات الدكتورة خلود العبد الله

مقالات خلود العبد الله 

من أنت؟ ومن أين أتيت؟ وإلى أين تذهب؟

كل الاساطير التي صنعها الانسان بدأت عندما طرح الانسان على نفسه هذه الاسئلة :

من أنت؟ ومن أين أتيت؟ وإلى أين تذهب؟

ومن خلال الاجابة عليها تكونت جميع الملاحم الاسطورية التي اعتمدت في كتابة التاريخ والتي يعتقد البعض ان بعضها او كلها حقائق تاريخية ثابتة لا تقبل النقاش ..

فيما يؤكد علماء “الميثالوجيا” ان الأسطورة ما هي إلا تعبير عن المشاعر العميقة في الجماعة، أو تعليل للظواهر الغريبة سواء الفلكية أو الكونية، أو تنفيس عن مشاعر ترزح تحت وطأة الكبت.

وهي بالتالي معتقدات غيبية وليست حقائق

====================================

من منكم ايها السادة مستعد للتصدي لتهويد تاريخ المنطقة 
الى متى سيظل المؤرخون العرب يعتمدون الاساطير اليهودية للتاريخ ؟؟
الى متى سيظل رجال الدين العرب مسلمين ومسيحيين يرددوا الاساطير اليهودية للتاريخ ؟
الى متى ستظل حكومات العرب تدس سموم الروايات الاسطورية في كتب مناهج التاريخ في مدارسها ؟
الى متى سيظل الاغبياء يصدقوا الرواية اليهودية للانساب وان البشر كلهم من ابناء سام وحام ويافث ؟؟
الى متى سيظل العرب عبيدا للاسطورة اليهودية انهم ابناء سام ؟؟ ان سام هو اله الكنعانيين شم – او شميم ومنه اشتق اسم سام الساميين او شام الشاميين .. 
كل هذا تزييف وتزوير يهودي للتاريخ .. وللاسف يروجه العرب باعتباره حقائق ثابتة راسخة 

===========================================

من اين جاء اسم الشام ؟؟
ثم بلاد الشام ؟؟
جاء من اله الكنعانيين — إله السماء شم أو شميم
لا يوجد جنس سامي .. الساميين هم الشاميين اي الكنعانيين 
اليهود كذابين مزوري التاريخ 
وهو الاسم الذي كان يطلق على الكنعانيين وهم في العراق ، ولما انتقلوا الى شرق البحر المتوسط حملوا اسم (إلههم) (الشام) الى البلاد التي أصبحت بلاد الشام .. وهنا اشتقت كلمة شاميين و ساميين من هذا المعتقد (أصلا). وهذا الاعتقاد يقلب الإدعاءات الخاطئة بأن الساميين تطلق على جنس معين ، بل تعني بالذات الكنعانيين .. فقد تم تزييف ذلك المصطلح من قبل اليهود، ليضعوا الكنعانيين من أصل آخر ، ووسموهم باللون الأحمر وما الى ذلك ليمعنوا بالتزييف .. وهو ما تسلل الى كتب التاريخ العربي والإسلامي ، دون تمحيص
المصدر : 
كتاب الدكتور خزعل الماجدي (المعتقدات الكنعانية) صدر عن دار الشروق في عمان عام 2001، ويقع في 306 صفحات من القطع المتوسط

 

======================================

يا اصدقائي يا اعزاء 
اذا اردتم فعلا المساهمة بتطوير بلادنا فتحدثوا بالارقام 
المصطلحات والتوصيفات والمواعظ لا تفيد 
الارقام هي التي تقضح الاحوال وتكشف اسباب البؤس والتخلف 
وتوصل الى الخيارات المطلوب تحقيقها 
وقد يسالني البعض ولماذا انت مستغرقة في التاريخ ؟
وردي هو حتى ازود الجمهور بمعلومات تمكنهم من الرد وكشف اضاليل واباطيل جماعات الاسلام السياسي .. 
ومع هذا فالارقام اكثر اهمية في التطوير

==========================================

كثيرون جدا بل الاغلبية الساحقة يعتبرون ان الجهل هو اساس البلاء ومصدر المصائب ومنبع البؤس والشقاء 
ولهذا فهم يدعون الى محاربة الجهل بتطوير التعليم والنشاط الثقافي 
وهذا غير صحيح اطلاقا 
لان الجهل هو ظاهرة ناتجة عن تخلف نمط الانتاج الاقتصادي وليس هو القاعدة او الاساس .. ولكن للاسف الشديد الغالبية الساحقة تخلط ما بين الظاوهر واساساتها 
ولهذا فان مواجهة الجهل لا تكون بتطوير التعليم والنشاط الثقافي بل تكون بتغيير القاعدة والاساس المنتج للجهل وهو نمط الانتاج الاقطاعي شبه التجاري شبه الرعوي ..
واي جهد خارج نطاق مواجهة الجذر تكون للاسف مضيعة للوقت والجهد

=============================================

الكهنوتية يحددوا ثقافة البشر 
فكيف استعبدتكم الاساطير 
د.سيد كريم مفكر كهنوتي ذكر في كتابه “لغز الحضارة الفرعونية عن متون الهرم الاكبر كمرصد فلكي ان ميلاد السيد المسيح كماسجلته تنبؤات الهرم الاكبر او بداية البهو الاعظم وجد انه يقع يوم 4 أكتوبر من العام الرابع قبل الميلاد.
وان نبوءة الهرم الاكبر حددت ميلاد السيد المسيح في العام الرابع قبل التقويم الميلادي الحديث قبل مولد المسيح ب 4 الاف سنة , كما تنبأ الهرم الاكبربعمر المسيح وهو33 ونصف العام .

تخيلوا يا اصحاب العقول .. تخيلوا … هل تنطلي عليكم هذه الخرافات ؟؟

===========================================

ثقافة الكهنوت 
مع بدء الاحتفالات بعيد ميلاد المسيح وراس السنة الميلادية 
هل تعلم ؟؟
انه مازال التاريخ الفعلي لميلاد السيد المسيح موضوع جدال ونقاش بين مختلف الكنائس والطوائف المسيحية.
وهل تعلم ؟
ان معظم المراجع الكهنوتية تقول ان المسيح ولد قبل التاريخ الميلادي الحالي ب 4 سنوات .
وهل تعلم ؟
ان التقويم الميلادي الحالي وضع فى عام 1582 في عهد البابا غريغوريوس الرومانىالذي طلب من الفلكيين فى أيامه بأن يقوموا باصلاح التقويم لأنه رأى أن التقويم به نقصا مقداره 10 أيام عن الاعتدال الربيعى .
فاتفق العلماء مع الناس أن يناموا يوم 5 أكتوبر سنة 1582 وعندما يستيقظون يحذفون من النتيجة عشرة أيام أى يستيقظون ويجعلون التاريخ فى هذا اليوم 15 أكتوبر .
كم هي ثقافات البشرية غارقة في طقوس الكهنوت الديني .. 
على الاقل ها انتم عرفتم ان يوم 1 يناير ليس هو يوم ميلاد المسيح ال 2014

===========================================

انتفاء الحاجة الى الحاجة لا يعني انها تساوي صفرا .. فسواء كنت تحتاجها ام لا فهي تحتفظ بقيمتها ومكانتها . 
وما يساوي صفرا عندك فما عندك يساوي صفرا عند غيرك فلا تظن ان ما لديك اثمن مما لدى الاخرين .. 
ليدقق البعض في كل كلمة حتى يفهم معنى العدالة والمساواة والديمقراطية .

=========================================

اذا سالت العالم سؤالا فانه يبتهج ويشعر بالسعادة ويزداد احترامه لك .. لانك تدفعه للاستزادة بالعلم حين يذهب ليبحث عن افضل اجابة لسؤالك .
اما اذا سالت الجاهل سؤالا فسيعتبرك عدوا له .. لانك تكشفه وتفضح جهله

=========================================

مسح القدمين ام غسل القدمين 
سالتها ما الذي اخرك بالرد وانت تعلمي انني بانتظارك ؟
قالت المعذرة فقد وجدت من بين الرسائل رسالة لفتت نظري فقرأتها وقلبي يقطر دما حزنا واسفا على هذه الامة 
سالتها ولم كل هذا ماذا تقول الرسالة 
قالت : تخيلي فقهاء الاسلام مختلفين اليوم في ايامنا هذه على ما اذا كان مطلوبا غسل القدمين او مسح القدمين في الوضوء .. تخيلي ؟؟؟ 
قضحكت باقصى ما لدي من طاقة وقلت لصديقتي الاميرة 
ولماذا تستغربي حبيبتي اليس الفقهاء هم من حقنوا السموم في شرايين ديننا

=======================================

استبدال الرقيق السلافي بالرقيق التركي 
تخيلوا .. ثم جاءت تركيا لتحكم بلادنا 500 سنة 
ومن بين كافة مناطق الدولة الأموية الواسعة لم تشهد سوى منطقة واحدة ركوداً وضعفاً اقتصاديَّين في هذا العصر، وهي شبه الجزيرة الأيبيرية وجنوب غالة (إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا حالياً)، وذلك بعد أن ركدت الحركة التجارية التي كانت موجودة سابقاً بين الموانئ الفرنسية والشامية، بالإضافة إلى انخفاض الطلب على الرقيق السلافي الذي كان من أهم موارد التجارة في فرنسا، وبعد أن استبدل بالرقيق التركي والإفريقي.
المصدر : 
[ 2012. حوض البحر المتوسط: صراع تجاري بين بيزنطية والعرب. ]

=======================================

مصر والشام سلة الغذاء العالمي في زمن مضى 
كانت مصر والشام يطلق عليهم في العصر الروماني سلتي الغذاء للامبر اطورية 
فكان القمح يصدر من مصر إلى القسطنطينية .. والقمح الشامي الى انحاء الامبر اطورية ، وبعد الفتح الاسلامي صار القمح المصري يصدر إلى الحجاز، وليبيا في العصر الاموي ، والقمح الشامي للتجارة مع بلاد فارس والهند . 
وما هي الا سنوات واذ بالزراعة تموت في العراق زمن الحجاج ويهجر الفلاحين في مصر والعراق ارضهم وينتقل الكثير منهم الى المدن ، وتراجعت الزراعة وتولّد نقص في المواد الغذائية، فأمرَ الحجاج و قرة بن شريك العبسي – والي مصر آنذاك – بعودة الفلاحين إلى حقولهم في ولايتي مصر والعراق لتأمين الغذاء اللازم للدولة وإنعاش الزراعة من جديد، وصاروا يختمون يد الفلاح بختم خاص واذا وجدوه في المدينة اعتقلوه ، مع ذلك فقد لاقى القرار سخطاً شعبياً في الدولة لإجبار الناس على العمل بالزراعة دون رغبتهم بها.
ومن حينها تراجعت زراعة القمح في البلدين وتعرض اهلها لعدة مجاعات في التاريخ اخطرها في العصر الايوبي حيث باعت الام اطفالها وباع الاب زوجته وامه حتى يحصل على ما ياكله 
هذا مشهد صغير عن العصور الزاهية التي يخدع رجال الدين فيها عوام وبسطاء الشعوب

=========================================

التاريخ المسكوت عنه سوف نكشفه ونفضحه 
حتى يكف عشاق الزمن الجميل عن خداعكم 
كتب التاريخ الاسلامي في معظمها اقتصرت على التاريخ السياسي وأرخت للخلفاء والسلاطين والامراء دون الاهتمام بمظاهر الحياة الاخرى كالحياة الاجتماعية والاقتصادية .
وتجاهلت كتب التاريخ حياة افراد المجتمع من التجار والصناع والزراع والشطار والرقيق والغلمان والجواري .
واخفى المؤرخون ان جمهرة الشعوب كانت تتألف من أقنان الأرض والرقيق؛ وكانت الصناعة متأخرة جدا .
ورغم ان اوضاع المجتمع ذكرت تفاصيل مهمة وذات قيمة في كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري الذي ذكر باستفاضة وضع العيارين والشطار وكتاب الشابشتي الديارات وكتاب البلدان لليعقوبي الذي استفاض بالشرح حول اسواق النخاسة وكتاب المسعودي مروج الذهب ومعادن الجوهر في الاسماء والاصطلاحات ، وكتابا الصابي الوزراء ، ورسوم دار الخلافة وشرح الاول احوال اصحاب الصنائع كالحدادين والمطرزين وشرح الثاني احوال الغلمان والجواري واعدادهم في دار الخلافة 
اضافة لكتب فهمي عبد الرزاق سعد وكتاب العامة ببغداد في القرن الخامس الهجري لبدري محمد فهد وكتاب طبقات المجتمع في بغداد في العصر العباسي الاول لابراهيم سلمان الكروي وغيرها من المراجع

==========================================

متى نتخلص من عشق الماضي ؟؟؟ 
كم الفرق هائل بين تمجيد تاريخ أمة .. وبين تمجيد حاضر أمة 
الاول يقول كان ابي .. والثاني يقول ها أنا ذا 
كم المسافة شاسعة بين الاثنين 
الاول يحن لحياة المضارب البدوية .. والثاني يتحدث وهو يسند مرفقه على القمر ويضع قدمه في المريخ 
الاول يروج العلاج بالرقية الشرعية والكي وبالجني المسلم وبالحجامة والاعشاب .
والثاني صنع القلب والكلية والكبد والبنكرياس والعين والاذن يستبدل التالف منها بجديد تم تصنيعه في المختبرات العلمية 
ما اكثر الفروقات لا تعد ولا تحصى .. لذا سيبقى الاول عبدا للثاني الى ما شاء الله .

=============================================

واذا كان نوح ابو البشرية الثاني .. وكما تقول الاسطورة وكما كشفت علوم الاثار ان مركز الطوفان محور الرواية الدينية هو جنوب شبه الجزيرة العربية فالمنطق اذن يقول ام جميع البشر وجميع الامم في القارات السبع اصلهم من جزيرة العرب .. فهل هذا يدخل عقل او منطق باي شكل من الاشكال ؟؟

=============================================

اذا كان اهل بلاد الشام القدماء جذورهم من الجزيرة العربية وقبلنا بذلك رغم انه غير صحيح .. واهل العراق وايضا قبلنا بذلك رغم انه غير صحيح .. طيب وماذا عن اهل مصر وليبيا والسودان وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا والصومال ؟؟

===========================================

عبدة النصوص القديمة 
نعترف اننا ننتمي الى التيارات الفكرية التي تدعو لليبرالية إسلامية تدعو للتحرر من سلطة علماء الدين والفصل بين آراء علماء الدين الإسلامي وبين الإسلام ذاته، ونسعى لإعادة تفسير النصوص الدينية وعدم الأخذ بتفسيرات رجال الدين القدامى للقرآن والسنة، ونرى أن الإسلام بعد تنقيته من هذه الآراء والتفسيرات فإنه يحقق الحرية للأفراد خصوصا ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير وحرية الاعتقاد. 
ونعرف جيدا رد المتزمتين ومعهم اصحاب التدين الظاهري من العامة والذين يرفضوا ما ندعو اليه وريرددوا القول المحفوظ “ان الإسلام جاء شاملا للدنيا والدين ، ولا يحتاج إلى تعديل في أفكاره بل يحتاج في تعديل أفكار اتباعه .
وعندما تسالهم : على اي اساس يتم تعديل افكار اتباعه ؟ 
يحيلوك الى تفاسير رجال الدين القدماء ويستميتوا بالدفاع عن النصوص والتفاسير القديمة ولا يملكوا من حجة سوى النسخ واللصق من كتب التراث .
وهكذا يقف هؤلاء في وجه اي محاولة للتطوير او التحديث ..

===========================================

العامة تعتقد انها تجاهد في سبيل الله ؟؟؟
نعلم مدى ترسخ الدين بالمجتمع العربي عامة، مسلميه ومسيحييه ، حتى وإن كان بشكل صوري ظاهري وغير حقيقي لا يرضى عليه رجال الدين أنفسهم، أو كما يسمى تدين العامة، أو تدين العجائز، لأن أكثره إيمان خاطئ، مع تحريف كبير بفهم النص الديني، و خرافات كثيرة وخزعبلات ، وتطبيق فاشل واضح للعيان.
ولكنهم نفس العامة المتدينة سطحيا وظاهريا سرعان ما يثارون ويثورون، على مقالة هنا وأخرى هناك تحاول أصلاح الثقافة الدينية وتنتقد الموروث الفقهي الديني او تنتقد شخصية اسلامية مشهورة ، أو تنتقد تصور راسخ خاطئ لدى العامة، أو لصورة فنية أو لعمل فني يعتبرونه قد تجاوز الخطوط الحمراء. او حتى لنقد الحياة البدوية وخيمة وبعير الصحراء . وكانهم في حرب يجاهدون في سبيل الله .

============================================

ما الذي يفعله الوزير ؟ 
هل لديكم علم بوظيفة الوزير وماذا يفعل وما هي المهام التي يقوم بها ؟؟ 
لا تستغربوا ان قلت لكم انه لا يقوم باي نشاط ذو قيمة وكل نشاطه منحصر بالتوقيع على الاوراق التي ترده من وكلاء الوزارة المتخصصون كل في مجاله 
وهناك مهمة اخرى لا تدرج في الوثائق المعلنة وهي الوساطة لمعارفه واصطحاب من يتذلل له من موظفي وزارته في رحلاته وزياراته .
وبالطبع الدفاع عن الحكومة ظالمة او مظلومة

 ============================================

كم هو تاريخ قاس ودموي 
لعله من المؤكد ان شعوب العرب لا تعرف انه منذ سقوط بابل سنة 539 ق.م – حتى ثورة عام 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم لم يحكم العراق عراقي من ابناء العراق ..
مثلها مثل مصر لم يحكمهما مصري منذ نهاية عصر الفراعنة 
مثلها مثل بلاد الشام التي لم يحكمها شامي منذ العصور التاريخية الاولى الى ما بعد الحرب العالمية الثانية .

============================================

لماذ نكتب ونقرا في التاريخ ؟؟ 
قد يعترض البعض على تركيزي على الجانب التاريخي في ما اعرضه وان هذا قد يشغل الناس عن همومهم اليومية ويشغل الاصدقاء عن متابعة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ..
ولكن اذا علم هذا البعض ان واحدة من اهم المعارك الدائرة في بلادنا هي معركة مواجهة الفكر الظلامي لتيارات الاسلام السياسي وجماعات التكفير والقتل وقطع الرؤوس وان هذه الجماعات تسعى لاعادة ما تسميه العصور الزاهية لدولة الخلافة الاسلامية التي ابتدأت حسب وجهة نظرهم بعد وفاة الرسول وسقطت مع سقوط السلطنة العثمانية .. ويستخدموا تاريخا مزوار مضلالا لاستمالة الناس الى جانبهم .. لهذا تصبح ضرورة كشف الحقائق التاريخية ونزع الجلالة والتفخيم عنها مهمة سياسية راهنة وملحة .
وللعلم فان جزءا كبيرا من جهود الزميلات والرفيقات في جروب الاعلام الجديد يساهمن بهذه المعركة ويعددن الكثير من المواد التي انشرها .. فنحن نعمل كفريق متجانس فكريا وسياسيا وان كان معظمنا لا يعرف بعضه بعضا الا من خلال الفيس بوك .. فهي جهود جماعية قررنا خوضها ضد التزيف والدجل الذي يستخدمه رجال الدين وجماعات الاسلام السياسي لتحقيق ماربهم السياسية 
والخلاصة التي نسعى اليها هو نقل المواطن العربي من ثقافة ماضوية رجعية لغة ومفردات ورؤية الى ثقافة معاصرة لغة ومفردات ورؤية .
واقناع المواطن العربي ان خلاصه يكون باقامة الدولة المدنية الديمقراطية العصرية المعاصرة وليس دولة الخليفة الحاكم بامر الله هو واسرته وبطانته

==============================================

عندما يرى اليسار بعين واحدة 
وسط رحلتنا في عمق التاريخ العراقي لفت نظري ان الاشتراكيين الثوريين في مصر يدعون للتصويت بلا للدستور لينضموا الى الاخوان المسلمين في موقف المعارضة للدستور 
يبدو ان التحجر العقائدي يفقد بعض اليساريين اتقان فن التكتيك السياسي .. ويمنعهم من التمييز بين المواقف المبدأية وما تمليه الظروف عندما يكون الخيار بين الفاشية الدينية وبين فوضى الليباليين في احديد خطواتهم .. 
اعتقد ان المطلوب في المرحلة الراهنة هو هزيمة مشروع الدولة الدينية وممثلوها 
لذا يجب القول نعم للدستور

===============================================

من اللافت للنظر ان شعوب الدول الغنية تعمل لتقليص دور الدولة في حياتها 
فيما شعوب الدول الفقيرة ورغم تغول الدولة في حياتها الا انها تطالبها بالمزيد 
فما السبب يا ترى ؟

==========================================

اعطوني رايكم اذا ممكن 
هل يحق لاي شخص اذا اختلف مع راي شخص اخر ان يصفه بأي صفة مهما كانت ؟ 
هل يحق له مثلا ان يقول لمن يختلف معه في الراي عبارات مثل (انت لا تعلم ، انت لم تطلع، انت تحرف ، انت تكذب، انت مغرور، انت مأجور، انت كذا وكذا ، او اقرأ الكتاب الفلاني ، او هذا مقال اطلع عليه ، او هذا كتاب اقرأه ، او من قال لك كذا او كذا ، او كلامك ليس علمي، او تنقصك المعلومة) وغيرها من الجمل والمفردات 
هل هكذا يكون الحوار ؟؟ ام ان الحوار يكون بان يعرض المعترض وجهة نظره التي يرى انها ادق واصح وعلمية واي مواصفات اخرى؟

=======================================

سؤال 
اذا ذهبت الى الجنة او الى النار .. فمن له علاقة فيك ؟؟ هل يستفيد احد من ذهابك الى الجنة ؟ او يتضرر احد اذا ذهبت الى النار ؟؟ 
الجواب طبعا لا “كل نفس وما كسبت يدها ” 
اذن لماذا يدس البعض انوفهم في حياة الاخرين ؟؟

=================================

من لديه جواب 
يتفاخر فقهاء الاسلام ومريديهم كل من خلال طائفته على ان الاسلام ساوى بين جميع المسلمين وانه “لافرق بين عربي وعجمي الا بالتقوى” 
طيب رائع 
وطالما يا مسلمين ديننا قال هذا وساوى ربنا بين عبادة 
اذن لماذا يوجد بين المسلمين سادة واشراف ونصف سادة ونصف اشراف وملا وشيخ وعالم ونصق شيخ ونصف ملا ومرشد اعلى ومرشد ادنى وكل لقب من هذه الالقاب له مميزات وموقع يتميز به على عباد الله المسلمين 
ولا اريد ان اذهب اكثر من ذلك حتى لا اتلقى رضاصة تكقير مباشرة

=========================================

لما كان رب العالمين سبحانه وتعالى يعلم ما في الصدور وهو علام الغيوب وبيده الملك وهو على كل شيء قدير .. فهل هو بحاجة الى مساعدين اسمهم رجال دين ؟؟؟
اليس وجود هؤلاء انتقاصا من قدرة ومشيئة وجلال الرحمن الرحيم ؟؟

=======================================

اذا انشغلت اثناء قيادتك السيارة بالرد على صديق مزعج فما الذي يمكن ان يحدث ؟؟ اكيد احتمال ان يحدث حادث الله يعلم نتائجه 
طيب واذا كانت الشعوب العربية مشغولة ومهمومة بالحياة ما بعد الموت فما الذي يمكن ان يحدث لحياتها في الدنيا ؟؟
هل عرفتم اذن سبب الحوادث الرهيبة التي تتعرض لها شعوبنا منذ قرون ؟؟

=======================================

على مر التاريخ والعصور وفي كل الازمان وفي كل مكان وفي كل دول العالم هناك معترضين ومعارضين وناقمين ومحتجين على السلطة السياسية – اي كان الاسم خليفة سلطان رئيس ملك امير ..
وهذا امر طبيعي فمن حق الناس ان تحتج على سوء الاحوال او القهر او الاستعباد او الظلم .
لكن العبرة ليست بالاحتجاج والشكوى والنقمة – العبرة بان تتمكن الشعوب من فرض ارادتها وتجبر السلطة السياسية على تلبية احتياجات الناس وتحسين حياتهم وحفظ كراماتهم وكرامة الوطن 
فبدلا من الشكوى قولوا ماذا تريدون 
فاللطم والبكاء و “طق الصدور” لا ياتي باي نتيجة

========================================

فقه ديني يأمر بتعطيل العقول 
يقول الاستاذ علي الخليفي نفهم أن السماء لاتحمل أحقاد على أحد, وأن السماء لا شأن لها بتسليط أحد على أحد, وأن السماء لا دخل لها من قريب أو بعيد بإختيار من يتولى أمور الناس .لم نرد أن نعقل أن السماء وضعت قوانين وسنن لتسير عليها الحياة . هذه السنن والقوانين قامت على ما أُودع في الإنسان من قدرات على تطوير نفسه والأرتقاء بها , وهذا التطور والإرتقاء يجب أن يُحدثه العقل, ولأننا فقه ديني يأمرننا بتعطيل عقولنا فقد تعطلت كل السنن والقوانين التي وضعتها السماء لتطور الحياة وظللنا نراوح في ذات المكان ومنذ أربعة عشر قرن

==========================================

بعد منتصف الليل بقليل 
بما ان الليل قد انتصف والهدوء قد ارخى جناحه .. واغلب الناس قد طواها النوم في غيبوبته اود ان اسال سؤالا :
ماذا سيعمل الناس في الجنة ..؟؟ كيف سيقضون وقتهم .. وبما انهم خالدون مخلدون فكيف سيعيشوا الى ابد الابدين او الى ما لا نهاية .. ما هي اعمالهم ما هي نشاطاتهم ما هي امانيهم .. هل سيتكاثروا ويخلفوا صبيان وبنات ؟؟ وهل الصبيان والبنات سيكبروا الى سن معين ثم يتوقف نموهم ؟؟ 
هذه بعض الاسئلة من الاف غيرها 
هل لدى البعض اجابة عليها ؟؟

========================================

لماذا العشرة المبشرين بالجنة كلهم من قبيلة قريش 
لماذا لا يوجد بينهم انصاري واحد مبشر بالجنة ؟؟
ابو بكر بن أبي قحافة (عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن كعب التيمي القرشي).
عمر بن الخطاب بن نُفيل العَدَوِي القرشي.
عثمان بن عفان بن أبي العاص الأُمَوِي القرشي.
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي.
الزبير بن العوام بن خُوَيْلِد الأَسَدِي القرشي.
طلحة بن عبيد الله بن عثمان التَيْمِي القرشي.
عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزُهْرِي القرشي.
سعد بن أبي وقاص بن وُهَيْب الزُ هري القرشي.
أبوعبيدة بن الجراح عامر بن عبد الله بن الجرّاح الحارثي القرشي.
سعيد بن زيد بن عمرو العَدَوِي القرشي.

=======================================

يتحدث فقهاء الدين عن المساواة بين المسلمين زمن الخلافة الراشدة 
فلماذا لم يعتلي احد من الفقراء اي منصب سياسي في زمن الخلفاء .. وحتى الانصار حرموا منها ..
فبلال بن رباح (العبد) من اوائل الذين اعتنقوا الدين الجديد .. ومع ذلك لا هو ولا اي من اولاده تبوأ منصبا سياسيا او عسكريا 
فاين المساواة ؟

======================================

لندرة الانجازات العربية على كل الاصعدة وفقر الحال وضعف المقال وتردي الاحوال والعجز عن اي نوع من انواع الابداع .. ترى شعوب العرب المسكينة تهلل وترقص وتفرح وتبتهج اذا فاز فريق كرة قدم في مباراة 
انها فعلا لماساة

====================================

هل الله هو الذي يرسل الاعاصير ليقتل البشر يا ذوي العقول الصغيرة؟؟
ما ذنب اهل الفلبين ؟؟ هل ارتكبوا اثما كقوم عاد ؟؟ 
ولماذا تتعرض الفلبين لنحو 27 اعصارا في السنة ؟؟ هل غضب من الله ام لاسباب جغرافية ومناخية ؟؟ 

======================================

هل للسماء ابواب تفتح وتغلق ؟؟
وصلتني رسالة مرفقة بدعاء يقول مرسلها اقرا الدعاء 7 مرات وتمنى امنية فان ابواب السماء تفتح وتستجاب دعوتك ..
لن اعلق على الهرطة والجزم باستجابة دعوتي او عدم الاستجابة 
لكن استوقفتني عبارة “ابواب السماء مفتوحة” التي يرددها العامة .. فهل توجد للسماء ابواب تفتح وتغلق من اصله ؟؟ 
واذا للسماء ابواب فمن اي باب تدخل سفن الفضاء التي يرسلها “الكفار” والتي تجاوزبعضها في اعماق الفضاء 6 مليارات سنة ضوئية ؟؟

=======================================

كيف نكون عربا اذا كان العرب هم ابناء اسماعيل ؟؟؟ 
اذا كان اسماعيل العبراني ابن ابراهيم هو جد العرب كما تقول التوراة اليهودية ويقول الفقه الديني وتاريخ رجال الدين 
اذن كل شعوب المنطقة العربية ليسوا عربا لان وجودهم سابق على اسماعيل بالاف السنين .. فالمصريين ليسوا عرب والكنعانيين ليسوا عرب والبابليين والاشوريين والاكديين والاراميين واليبوسيين والليديين والنطوفيين وشعوب اليمن وشعوب المغرب العربي وغيرها من شعوب المنطقة.. كل هذه الشعوب ليست عربية لانها قبل اسماعيل وابراهيم بالاف السنين ..
فمن ينهض من المؤرخين ليثبت اما ان قصة اسماعيل مجرد اسطورة توراتية او اننا لسنا عربا ..

====================================

الشيخ المضلل الذي ينشر الجهل باسم الدين 
راتب النابلسي يقول : 
“في الطعام آيات دالة على عظمته، قد لا يصدق الإنسان أن هناك خمساً وأربعين ألف نوع من القمح” 
جاء ذلك في احدى حواراته على التلفزيون في 9/3/2009 
فاين هي الانواع ال 45 الف نوع من القمح يا من تدعي العلم والفقه والعلوم .. هل تتفضل وتذكر لنا منها 50 نوعا بل عشرة انواع بل خمسة انواع 
انه عيب ان تجر حلفك جيوشا من الجهلة وتزرع الجهل في عقولهم 
دين الاسلام يفترض انه جاء للتنوير والتوعية والارتقاء بالانسان وليس لنشر الاكاذيب والخرافات 
انتبهوا يا سادة على ما يقوله شيوخ الدين فهم يكذبون ويدجلون ويزورون ويحرفون مثلهم مثل اي انسان اخر ينزلق في متاهة الجهل والتجهيل

=====================================

سؤال كبير حيرني 
لماذا لم يذكر القمح او الشعير او الذرة (كلمات واضحة) في القران مع ان القمح دوره وفوائده ومكانته في غذاء الانسان لا يضاهيه اي نبات اهمية .. ؟؟ 
فهل لديكم تفسير بان يذكر النخيل في 21 اية .. وفي 300 حديث ولا تذكر كلمة القمح في القران كله ؟؟

=====================================

الاقتصاد وتكريم شجرة النخيل 
لماذا قدست وبجلت وعظمت شجرة النخيل في العصور القديمة وفي الديانات كلها ؟؟
الجواب : السبب اقتصادي 
فمن طريف الحكايات القديمة ذات المدلول العميق : أن أحدهم سأل عراقيا في قديم الازمان :
س – ما هي أهم الأثمار عندكم ؟

ج – التمر .

س – ثم ماذا ؟

ج – التمر أيضا .

س – وكيف ذلك ؟

ج – لأن النخل نستظل بسعفه ونصنع من جذوعه سقوف وأعمدة بيوتنا ، ونتخذ منه ومن جريده وقودنا ، ونصنع منه الأسرّة والحبال وسائر الأواني والأثاث . ونتخذ التمر طعاما مغذيا ،ونعلف بنواه ماشيتنا ، ونصنع منه عسلا وخمرا . إلى غير ذلك .
——————————–
لهذه الاسباب الاقتصادية تم تعظيم وتبجيل شجرة النخيل واعتبرت شجرة مباركة ومجدت في كافة الأديان ، فقد ذكرت في التوراة والتلمود والإنجيل والقران بإسهاب
وذكرت في القرآن نصّا في 21 آية ، وذكرت في السّنّة في أكثر من 300 حديث.
ووردت كلمة نخيل في القرآن الكريم 7 مرات حصرا في الآيات التالية :
( . . . . فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب ) المؤمنون 19 .
( ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب . . . . ) النحل 11 .
( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا . . . . ) النحل 27 .
( . . . . وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب . . . . ) يـس 34 .
( أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ) الإسراء 91 .
( أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها . . . . ) البقرة 266 .
( . . . . وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان . . . . ) الـرعـد 4 .

============================================
وفي التوراة يعتبر التمر وعصارته ” الدبس ” من الثمار السبعة الممتازة (تثنية 08 – 8 ) .
ويقال أن الفينيقيين القدماء كانوا يعبدون عشتاروت على شكل نخلة تسمى في التوراة ( اشميرا ) أي السارية ( تثنية 034 – 3 ) .
ومن التلمود – أفتى ( راب ) ” وهو زعيم علماء التلمود ” بعدم جواز قطع نخلة تزيد غلتها على المن من التمر ( بابا بثرا 26 أ ) .
وينصح أحد كبار التلمود ” رابا بن هناء ” الأوصياء على أموال القاصرين أن يستثمروها ببساتين النخيل بالنظر لكون أرباحها مضمونة ( بابا بثرا 52 أ ) 
========================================
وعيسى عليه السلام حمل فسيلة ( مسيلة ) بين ذراعيه عند دخوله مدينة القدس كرمز للسلام.
واول طعام عيسى كان التمر 
وذكر النخيل في الانجيل كثيرا بنفس المعاني الواردة في التوراة

========================================

في الذكرى 96 لوعد بفلور 
والذكرى 4000 الاف لوعد اله التوراة 
ارض كنعان الضحية في الاديان الابراهيمية 
يدعي اليهود أن الإله وعد إبراهيم وعاهده على أن تكون ارض كنعان (اي فلسطين) له ولنسله. فسموها «أرض المعاد» التي سيعود إليها اليهـود تحـت قيادة الماشيَّح (المسيح المخلص)، أي الأرض التي سـتشهد نهاية التاريخ. ف”أرض إسرائيل” فلسطين المسروقة مرة باسم الله ومرة باسم بلفور هي مركز الدنيا لأنها توجد في وسط العالم.
وكما في الصورة وعد “الاله” بلفور .. فهذه بعض “ايات” التوراة التي وعد الهها ابراهيم ومن بعده اسحق ومن بعده يعقوب بان تكون لهم ولذريتهم .. 
وللاسف الشديد بل انه من اشد انواع الاسف ان يردد الفلسطينيون والمسلمون والعرب اكاذيب التوراة وادعاءاتها .. 
انظروا ماذا قال اله التوراة وماذا قال اله الامبر اطورية البريطانية 
في سفر التكوين 12: 1-5 :
وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2 فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ».
وفي سفر التكوين 12: 14-15 :
14 وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ، بَعْدَ اعْتِزَالِ لُوطٍ عَنْهُ: «ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، 15 لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ.
وقال أيضا له سفر التكوين 15: 7 :
قَالَ لَهُ: «أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هذِهِ الأَرْضَ لِتَرِثَهَا».

ثم كرر الرب العهد والوعد ليعقوب في سفر التكوين فقال له “سأعطيك نسلا وجمهور واجعل لك امة عظيمة بين الأمم.. تتخذ ذريتك من بعدك ارض كنعان أي فلسطين ملكا أبديا”. 
سفر التكوين 15 من 3-5: [لنسْلِك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات].

والادهى والامر ان اله التوراة يحدد حدود الارض التي انتزعها من اصحاب الارض الكنعانيين واهداها لابراهيم وأهله على هذا النحو كما جاء في في سفر التكوين 15:18-21 : 
“وفي ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام عهدا، وقال :” لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات – (أرض القينيين، القنزيين، القدمونيين
والحثيين والفرزيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين) “.
وتم تأكيد الوعد ليعقوب في سفر التكوين 28:12-15،

==========================================

الفيسبوك اصبح من اكثر وسائل الاعلام انتشارا وتاثيرا .. فلا تضيعه في امور غير مجدية
لا مانع من استخدام صفحتك للنسلية .. تسلوا كما تشاؤوا انشروا صوركم اشعاركم خواطركم هنئوا بعضكم بعضا
لكن خصصوا ساعة على الاقل لبلادكم .. اكتبوا واقراوا .. وقولوا رايكم بكل شيء لا تخافوا ولا ترتعبوا فالجبناء لا يحرروا ولا يبنوا وطن
هذه المجموعة لكم ليبلادنا اقضيتنا لتاريخنا فاجعلوها نارا كاوية للعدو .. ليعرف ان شعبنا قادر على استخدام كل ابداعات العصر في محاربته

========================================

سؤال للمدعين بعلم الفقه والتفقيه 
يقول كهان الفقه من المسلمين ان هناك عذابا في القبر .. حيث أن الشخص عندما يتوفى يسأل في قبره 3 أسئلة من ضمنها سؤال عن الرسول عليه الصلاة والسلام.
هل السؤال والعذاب في القبر خاص بالمسلمين ؟؟
رد ابن القيم فقال كل شخص يسال عن نبيه .. 
ماشي الحال يا استاذ ابن القيم … وماذا عن الناس الذين لم ياتيهم نبي .. اي قبل مجيء الانبياء .. هل كانوا معفيين من عذاب القبر ؟؟
وماذا عن الناس اليوم البوذيين والسيخ والزرادشت والهندوس وغيرهم من اتباع الاديان وعددها حاليا يزيد عن الف منها 850 في الهند وحدها .. هل هؤلاء معفيين من عذاب القبر ؟؟
ام ان عذاب القبر مجرد خرافة والاحاديث الخاصة به ملفقة ومنسوبة للرسول تلفيقا ؟؟

======================================

انا اعرف انني الامس ما يعتبره البعض مقدسا من قصص وخرافات توراتية تاريخية .. ولكن لاقول لكم ان القدسية والعزة والجلال هي لله رب العالمين وحده واي قول او فعل لبشر مهما كان فهو موضع نقاش وبحث وتحري ولا يوجد عندنا قدسية لنص غير كتاب الله عز وجل .
فانا اعرف ان هناك من يرتجف مما انشره فهو لا يتخيل ابدا ان ياتي احد ويقول ان عيسى الفلسطيني غير عيسى اليهودي وان الانبياء كلهم عاشوا وماتوا في جزيرة العرب .. اعرف ان هذا يصيب البعض بالدوار .. ويتخيل ان السماء ستنطبق على الارض .. وان هذه الملحدة الكافرة الزنديقة تمس مقدساتنا وما تعلمناه .. اعرف كل ذلك .. ولهذا اكتب حتى تخرجوا من دائرة التسليم بالموروث وتعملوا عقولكم لكشف الحقيقة ومعرفة مجريات التاريخ .. انني اهز ثقافة غائرة في الوجدان منذ قرون .. واذا كان البعض يخاف او يرتعب من الاقتراب من المسلمات وينأى بنفسه عن المشكلات .. فانا قدوتي فلاسفة المسلمين الذين كلهم اتهموا بالزندقة والكفر

=========================================

للمشككين من اتباع الجماعات الدينية 
وومن ثقافتهم لم تتعدى الكتاب المدرسي 
وممن لا يدركوا ان الصهيونية تدعي امتلاكها لارضنا استنادا الى ما يقولون 
اقول لهؤلاء 
القدس قدسنا ومقدسة لانها جزء من وطننا .. سواء ذكرت في القران او لم تذكر .. والمهد لنا وبيت لحم لنا والناصرة والجليل لنا وهي مقدسة لانها جزء من بلادنا وليس لان المسيح ولد فيها ام لم يولد 
وقلسطين بلادنا منذ الازل وستبقى بلادنا من النهر الى البحر ومن راس الناقورة الى رفح سواء ادعى انصار خرافة التوراة ومن يرددها ان الله اعطاها لابراهيم وذريته ام لم يعطيها .. 
وفلسطين بلادنا وجالوت الفلسطيني احد اجدادنا وكذبت اساطير اليهود بان احد مشايخهم حاربه وهزمه وسبى نساء فلسطين وقتل رجالها 
وللمزيد اقول ان فلسطين لنا ولن نقبل ان تكون جزءا تابعا ومستعمرا من خلافة اسلامية حتى لو قامت 
وفلسطين لنا نحن الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين ويهود متساون متحابون نقرر مصيرنا بانفسنا ..
واخيرا اقول .. انني انا الفلسطينية خلود صاحبة كل فلسطين كل حبة تراب وكل شجرة وكل حجر وكل قطرة ماء وكل ذرة من هواء حتى لو تخلى عنها كل البشر ..
فموتوا بغيظكم ايها “التوراتيون” .

==============================================

تجربة تشيلي نحو الديمقراطية

تجربة تشيلي نحو الديمقراطية 

انتخبت ميشيل باشيليت رئيسة لتشيلي مرة اخرى اليوم الاحد في فوز ساحق يمنح يسار الوسط التفويض الذي كانت تسعى باشيليت للمضي قدما في اصلاحات واسعة.

وفازت باشيليت بنسبة تأييد بلغت نحو 62 في المئة وهي اعلى نسبة اصوات حصل عليها اي مرشح رئاسي منذ عودة تشيلي الى اجراء انتخابات ديمقراطية في عام 1989.

واعترفت ايفيلين ماثي المرشحة المحافظة لحزب اليانزا الحاكم بالهزيمة بعد حصولها على 38 في المئة فقط من الاصوات في اسوأ نتيجة للمعسكر اليميني منذ 20 عاما.

وتتطلع باشيليت الى استغلال فوزها المدوي لاجراء تغييرات تهدف الى اصلاح التفاوت بين الطبقات المستمر في تشيلي اكبر مصدر للنحاس في العالم.

وباشيليت هي طبيبة اشتراكية معتدلة وعدت باجراء خمسين اصلاحا في اول 100 يوم من حكمها.

من تاريخ البلاد

وفرت الثروة المعدنية الجديدة لتشيلي الموارد اللازمة لتنــمية اقتصادها أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، إلا أن النزاعات السياسية وفي عام 1890م وصل الأمر إلى اندلاع أزمة عندما رفض المجلس الوطني أن يمنح موافقته على خطة الرئيس خوزيه مانويل بالماسيداس للمصروفات. وقد اندلعت حرب أهلية في العام التالي مما تسبب في مقتل أكثر من 10,000 شخص. وهُزمت قوات بالماسيداس فقام بقتل نفسه. وبعد الحرب الأهلية صوت المجلس على تدعيم سلطاته الذاتية والحد من سلطات الرئيس، وبقي المجلس أكبر قوة تحــكم في السياسة التشيلية حتى عام 1925م.

 في أوائل القرن العشرين، عملت المكاسب المالية من صادرات النترات على دعم التنمية الصناعية في تشيلي. وقد أدى هذا النمو إلى ظهور طبقة متوسطة كبيرة من أصحاب الأعمال الكتابية، والعمال المهنيين، وأصحاب المحلات التجارية. غير أن كثيرًا من العمال لم تشملهم الرفاهية في تشيلي. وقد شارك أولئك العمال في إضرابات واحتجاجات للمطالبة بتحسين أحوال العمل والحصول على أجور أعلى.

 ظلت تشيـــلي على الحيـــاد خـــلال الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م) ثم ازدهر اقتصادها بسبب زيادة الطلب على النترات أثناء الحرب لاستخدامها في صنع المتفجرات. وبعد الحرب بدأت ألمانيا تصدر النترات المصنعة، فانهار سوق الصادرات التشيلي واستفحلت البطالة. عطلت الإضرابات والاضطرابات حملة الانتخابات الرئاسية لعام 1920م، لقد شارك العديد من أفراد الطبقة الوسطى مع عمال المصانع وعمال المناجم لاختيار أرتورو أليساندري بالما رئيسًا، والذي عَمِل بقوة في اتجاه الإصلاحات السياسية والاجتماعية، غير أن المجلس رفض معظم اقتراحاته ومنحه إجازة ليكون بعيدًا عن الحكم لمدة ستة أشهر، تولى الحكم خلالها مجلس سياسي. وعاد أليساندري إلى الحكم عام 1925م وقام بتعيين جمعية لصياغة دستور جديد.

 عمل دستور عام 1925م على الحد من سلطة المجلس واستفاد كثيرًا من السلطات الرئاسية. وقد دعا ذلك الدستور إلى انتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب. وفي السابق كان الحزب الذي يفوز بأغلبية المقاعد في المجلس، هو الذي يتولى انتخاب الرئيس. لقد عمل الدستور الجديد على تدعيم الحقوق الفردية بما في ذلك الحرية الدينية. إلا أن الكنيسة والدولة بقيتا مستقلتين عن بعضهما. كما أن الدستور الجديد عمل على تخفيض سن التصويت، بحيث يتمكن كل من يبلغ 21 عامًا فما فوق، ويعرف القراءة والكتابة من التصويت. وقد تم في عام 1885م إلغاء شروط المرتبات والعقارات المطلوب توافرها في الناخبين.

 وفي عام 1927م تم انتخاب اللواء كارلوس أبانييز ديل كامبو رئيسًا، حيث أقرََّ كثيرًا من الإصلاحات الاجتماعية، واقترض أمولاً طائلة لتمويل عملية التنمية الاقتصادية، غير أنه تصرف كحاكم مطلق مما أثار معارضة واسعة النطاق. وأدى الكساد الاقتصادي في عام 1929م إلى مشاكل اقتصادية حادة في تشيلي، مما اضطر أبانييز إلى الاستقالة عام 1931م.

  سنوات التقدم.

تم انتخاب أليساندري رئيسًا لتشيلي للمرة الثانية عام 1932م، وانتعش الاقتصاد ببطء خلال سنوات حكمه.

 وفي عام 1938م قام التشيليون بانتخاب بيدرو أغوير سيردا رئيسًا. وفي العام التالي شَكَّلت الحكومة هيئة للتنمية الاقتصادية سميت هيئة تنشيط الإنتاج.

 وبفضل قروض الولايات المتحدة، عملت الهيئة الاقتصادية لتنشيط الإنتاج، على بناء مصنع للصلب بالقرب من مدينة كونسبسيون، كما عملت على تطوير المرافق المائية لتوليد الكهرباء، وأنشأت صناعة إنتاج سكر البنجر.

 وقفت تشيلي على الحياد في بداية الحـــرب العــالمية الثانية (1939 – 1945م)، غير أنها قطعت علاقاتها مع ألمانيا واليابان عام 1943م، وقامت ببيع النحاس والنترات ومواد حربية أخرى للحلفاء، واستمرت مشاريع التنمية الاقتصادية خلال الأربعينيات من القرن العشرين تحت حكم الرئيسين خوان أنطونيو ريوس، وجبرائيل غونزاليس فيديلا. وفي عام 1949م حصلت المرأة على حق التصويت في الانتخابات الوطنية.

 وتم انتخاب الرئيس السابق أبانييز ثانية رئيسًا لدولة تشيلي في عام 1952م. ومن الأمور الرئيسية التي أثيرت في الحملة الانتخابية موضوع نقص الأغذية، وحالة التضخم، وتدهور أجور العمال. واتبع أبانييز تشجيع التصنيع، بيد أن المشاكل الاقتصادية استمرت في استفحالها. هذا وقد عمل تدهور سعر النحاس في الأسواق العالمية على تفاقم المشاكل.

 في عام 1958م تم انتخاب جورج أليساندري رودريغيز، ابن أرتورو أليساندري، رئيسًا للدولة. وبدأت حكومة أليساندري برنامج إصلاح ضريبي، وعملت على بناء مساكن جديدة للعمال، كما قامت بتحسين إمدادات المياه، ونظام الخدمات الصحية، كما اهتمت الحكومة بشكل متزايد بإدارة الاقتصاد الوطني. وفي الوقت الذي بدأ فيه الاقتصاد بالتحسن تلقى ضربة جديدة. ففي عام 1960م أصابت البلاد عدة زلازل مخيفة وفيضانات، مما تسبب في مقتل الآلاف من الناس وأدى إلى دمار واسع.

 وفي عام 1964م قام التشيليون بانتخاب إدواردو فري مونتالفا رئيسًا للبلاد، فبدأ برنامجا محدودًا للإصلاح الزراعي، كما قام ببناء مشاريع مساكن عامة للعمال، وقام بتوسيع مجالي الخدمات التعليمية والصحية. وقام فري بإقناع شركات أمريكية، تمتلك مناجم نحاس في تشيلي، بأن تقدم للحكومة التشيلية نصيبا أكبر من الفوائد، بالإضافة إلى المزيد من السلطات للتحــكم في الأسعار والإنتاج وتسويق معدن النحاس.

 الماركسية والحكم العسكري.

تم انتخاب سلفادور أليندي جوسنيز ـ وكان قد التزم بتحويل تشيلي إلى دولة اشتراكية ـ رئيسًا للبلاد عام 1970م. وأصبح أول رئيس ماركسي يتم انتخابه بطريقة ديمقراطية لحكم أول دولة في النصف الغربي من الكرة الأرضية. استولت حكومة أليندي بسرعة على ملكية مناجم النحاس بالإضافة إلى العديد من البنوك الخاصة وصناعات متنوعة أخرى. كما خططت برنامجًا واسع النطاق لإصلاح الأراضي، غير أن الكثير من سكان الريف التشيليين المتحمسين بدأوا في الاستيلاء على الأرض بطريقة غير شرعية، قبل أن تتوطد دعائم البرنامج الحكومي.

 أقرت حكومة أليندي زيادات كبيرة على الحد الأدنى للأجور، وحاولت في الوقت نفسه منع زيادة أسعار المواد الاستهلاكية، ومع هذا حدث نقص في المواد الغذائية على نطاق واسع، كما ارتفع التضخم المالي من 20% عام 1971م ليبلغ أكثر من 350% عام 1973م. ولذلك عمت الإضرابات، وقام مؤيدو ومعارضو أليندي بمظاهرات صاخبة. عملت المعارضة في المجلس التشريعي والطبقتين المتوسطة والعليا على إضعاف حكومة أليندي. وأخيرًا قام قادة عسكريون في 11 سبتمبر عام 1973م بالإطاحة بالحكومة. أبلغ أولئك القادة بأن أليندي قد انتحر بعد رفضه الاستقالة المفروضة عليه. وبدورها قامت وكالة المخابرات المركزية للولايات المتحدة بمساندة القادة العسكريين الذين عارضوا سياسة أليندي. إلا أن مدى تورط الولايات المتحدة في الإطاحة بالرئيس لم تتبلور معالمه بعد.

 شكل القادة العسكريون مجلسًا بقيادة اللواء أوغستو بينوشيه أوغارتي لحكم تشيلي. ولقي آلاف التشيليين حتفهم في القـــتال الذي دار بين المؤيدين والمعارضين للمجلس السياسي، مما دفع بالمجلس إلى أن يزج بالكثير من معارضيه في السجون، وحُلّ المجلس التشريعي، وقيدت حرية الصحافة وحظرت الأحزاب السياسية. وقد أعاد المجلس كثيرًا من الصناعات المملوكة للدولة إلى القطاع الخاص، واتخذ إجراءات قوية لضبط التضخم. وساعدت الإجراءات المتخذة لضبط الأجور والأسعار، بالإضافة إلى زيادة الصادرات، على دعم الاستقرار الاقتصادي، غير أن البطالة الواسعة النطاق والحد من الإنفاق الحكومي على برامج الرعاية والترفيه، تسببت في خلق صعوبات للطبقات التشيلية الفقيرة.

  تشيلي اليوم.

تعاني تشيلي من مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية خطيرة. حيث يحتاج التشيليون من الطبقة الفقيرة وبشكل أكثر إلحــاحًا رعاية صحية، وغذائية، ومساكن أفضل، كما أنهم بحاجة إلى الوظائف.

 في عام 1980م، أقر الشعب التشيلي دستورًا جديدًا مهّد لعودة تدريجية إلى حكومة ديمقراطية في التسعينيات من القرن العشرين. وخلال ثمانينيات القرن العشرين استمرت الحكومة العسكرية التشيلية في انتهاك الحقوق المدنية للشعب. وقام كثير من فئات الشعب التشيلي، وخاصة طلاب الجامعات وأعضاء النقابات المهنية، وقساوسة وراهبات الكنيسة الكاثوليكية، بحث الرئيس بينوشيه بالعمل على انتخاب حكومة ديمقراطية.

 وفي عام 1987م سمح الرئيس بينوشيه للأحزاب السياسية المعارضة أن تمارس عملها على نطاق محدود. وفي عام 1988م عمل الرئيس على الوفاء بأحكام دستور عام 1980م، ودعا إلى انتخابات شعبية لتقرير مدى موافقتهم على تجديد ولايته رئيسًا لفترة ثمانية أعوام أخرى. لكن الناخبين رفضوا هذا التجديد، ومن ثم تم إجراء انتخابات جديدة عام 1989م لانتخاب رئيس مدني ومجلسين تشريعيين. وقد انتخب الشعب باتريشيو أيلوين العضو بالحزب الديمقراطي المسيحي، ورئيس ائتلاف الأحزاب رئيسًا. وتم تنصيب الحكومة الجديدة والمنتخبة بطريقة ديمقراطية عام 1990م. وفي الانتخابات الرئاسية عام 1993م، فاز إدواردو فري ريوز تاجلي وتولى سدة الحكم، وإدواردو هو ابن الرئيس الأسبق إدواردو فري مونتالفا. نهضت الحكومات المدنية في تشيلي باقتصاد البلاد، وبمنتصف تسعينيات القرن العشرين صار الاقتصاد التشيلي من أقوى اقتصادات أمريكا اللاتينية. فقد تم كبح جماح التضخم، وقلت نسبة البطالة، وقدمت الحكومة دعماً كبيراً للطبقات الدنيا.

 بقي بينوشيه رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة حتى مارس 1998م، عندما أصبح عضواً بمجلس الشيوخ. اعتقل بينوشيه بالمملكة المتحدة في أكتوبر 1998م، بناء على توصية دولية ترجح ارتكابه جرائم ضد الإنسانية

الإسلام السياسي وأحلام السُلطة

الإسلام السياسي وأحلام السُلطة

الإسلام السياسي بشَقيه السُني والشيعي أثبت بأنه وإن كان يتبَنى نظرياً مَفاهيم الإسلام ويَتلحّف بها، إلا أنه عَمَلياً لا عِلاقة له بالإسلام كدين سَلام وإصلاح لا مِن قريب ولا مِن بَعيد.

لطالما كان الإسلام السياسي ومُنذ مِئات السنين حاضِراً بالحياة السياسية لأغلب الدول العربية والإسلامية، فأغلب الخلفاء والسَلاطين والملوك الذي حَكموا هذه الدول خلال القرون الماضية، حَكموها بإسم الدين والإسلام، ولطالما كانوا يَصِفون مَن يَختلف مَعهُم أو يُعارضَهُم بأنه مارق عَن الدين وخارج عَن المِلة. في القرن العشرين بَدأ الإسلام السياسي يَتخذ شَكلاً مُختلفا يَتفق مَع مودة العَصر وهو شَكل الأحزاب، ولعَل أقدَم هذه الأحزاب وأبرَزها وأكثرَها تأثيراً في المَنطقة العربية هما حِزبا الأخوان والدعوة اللذان إدّعا أول الأمر أنهما يُمَثلان الأسلام كله بَعيداً عَن الفئوية والطائفية وأن هَدَفهما إنساني بَحت هو الإصلاح والتوعية والدعوة للإسلام.

إلا أنهما سُرعان ما كشفا عَن حَقيقتهُما الطائفية المَقيتة، بأن طرَح الأخوان نفسَه مُمَثِلاً عن السُنة مَدعوماً مِن مَشايخ السعودية سابقا وأمراء قطر لاحقاً، فيما طرَح الدعوة نفسَه مُمَثلِاً عَن الشيعة مَدعوماً مِن عَمائم إيران، كما أظهَرت العُقود الأخيرة بأن هَدَفهُما أبعَد ما يَكون عَن الإنسانية فهو مادي بَحت يَسعى للسُلطة وإمتيازاتها، وهما على إستعِداد لفعل أي شيء وإنتِهاج أي إسلوب للوصول اليها بَدئأ بالقتل والإغتيالات والتفخيخ والعَمليات الإنتحارية، وصولاً للكذب والتدليس والسَلب والنَهب والفساد بكل صُوره وأشكالِه.

طبعاً لابد مِن الإشارة الى أنه وطوال قرن مِن الزمن فرّخ هذان الحزبان أحزاباً مشابهة لهُما في عُموم الدول العربية والإسلامية، كانت على الدوام عامِل تأثر سلبي وتخريبي في بُنية الدول والمُجتمعات العربية والإسلامية، سَواء بمُحاربتها للأنظِمة القائِمة المَلكية مِنها أو الجمهورية وإستخدامهما للعُنف تجاهها، أو بترويجها لفكرة أمَمية الإسلام الخيالية وتسفيهها لمَفهوم المُواطنة وبالتالي عَرقلتها لبناء الدولة الوطنية، أو بإفساد عقلية الشباب العربي والمُسلم ودَفعه للتطرف مِمّا أدى بنهاية الأمر لولادة تيارات مُتطرفة خارجة عَن السَيطرة باتت اليوم مَصدر الإرهاب والرئيسي والخطر الأول الذي يتهَدّد أمن العالم أجمَع.

لقد أثبَت الإسلام السياسي بشَقيه السُني والشيعي بأنه وإن كان يتبَنى نظرياً مَفاهيم الإسلام ويَتلحّف بها، إلا أنه عَمَلياً لا عِلاقة له بالإسلام كدين سَلام وإصلاح لا مِن قريب ولا مِن بَعيد، وبأنه أيضاً غَير كفوء وغير مُؤهل للحُكم، وبأن نُخبَه مَكانُها الجَوامِع والحُسَينيات وليسَ كراسي الرئاسة والوزارة ومَقاعِد البَرلمانات. كما أثبَت الإسلام السياسي الشيعي تحديداً بأنه لا يُمَثل التشيّع العلوي الذي يَسعى لإحقاق العَدل ومُحاربة الظلم، بَل يُمَثل التشيّع الصَفوي الذي يَسعى للتوَسّع والجاه والجَبَروت. وبرأيي سَيَمُر وقت طويل قبل أن تكتشِف الشُعوب العربية والإسلامية بأن هذه الأحزاب تتاجر بالدين وتستغله لدَغدِغة مَشاعِرها البسيطة والساذجة للوصول الى السُلطة وإمتيازاتِها التي تمثل قمّة المُنى وغاية المُراد.

رُبما وأكرر رُبما كانت نيّة حسن البنا طيّبة يوم فكر بتأسيس حَركة الأخوان، ولرُبما كانت نيّة محمد باقر الصدر طيّبة يوم فكر بتأسيس حزب الدعوة.. والله أعلم.. لكن ما أنا مُتأكد منه الآن وما أثبتته السَنوات القليلة الماضية مِن تجربة الدعوة في العراق والأخوان في مصر هو إن هذان الحِزبان باتا شَركتان إستثماريتان بل ومافيا تضُم تجار وسَماسرة وأصحاب رؤوس الأموال تديران أمبراطوريتان إقتصاديتان في جميع أنحاء العالم الهَدف الرئيسي مِن وجودها وعَملها ليسَ الدعوة الى الدين والعَمل عَلى إعلاء راية الإسلام وما الى ذلك مِن شِعارات يَطرَحونها للإستِهلاك المَحَلي لجَذب الجَهلة والبُسَطاء بل الوصول الى السُلطة للإستحواذ على مَكاسِبها.

لقد بات رَفع شِعار الدين والاسلام اليوم الطريقة الأسهَل والأقصَر للوصول الى السُلطة والبقاء فيها، كما بات الإدِعاء بالتدَيّن والوَرع الوسيلة الأفضل للمُحافظة على المَناصب والوظائف وَسط مُجتمَعات باتت تبالغ بإظهار تدَيَنها ويُسَيّرها هَوَس ووَعي جَمعي إسلامَوي مُفتعَل بَعيد عَن روح الإسلام. لذا نرى بأن كثيراً مِن الناس تحَوّلت خلال السَنوات الماضية فجأة الى مُوامنة وصايمة مُصلية وتلهَج السِنتها بذكر الله ورسله وأوليائه لعَل هذا الأمر يوصِلها يوماً الى السُلطة أو يُحافظ لها على وظائِفها، وهو تحَوّل باتت أصدائه واضِحة وسَهلة التمييز في تصَرّفات الناس وأحاديثهم في عالم الحَياة الحقيقي أو في عالم الفيسبوك الإفتراضي!

 مصطفى القرداغي

 كاتب عراقي

مصر … هكذا خطط الإخوان للسلطة

مصر … هكذا خطط الإخوان للسلطة

اجتماعات متواصلة لشورى الإخوان خلال ثورة 25 يناير، أظهرت تسجيلاتها أنهم خططوا لاقتحام ميدان التحرير، والاتصال بالأمريكان وطمأنتهم على مصالحهم، وقلب الثورة لصالحهم، وتهيئة الكوادر الإخوانية للاستيلاء على الوزارات السيادية.

 ‘التسجيل هيجبهو لنا إحنا مش هيطلعوا منه حاجة’

القاهرة- إذا أردت أن تعرف كيف كان يخطط رجال الجماعة الكبار، محمد بديع مرشدها العام، وخيرت الشاطر – ومحمد مرسى الذى صار رئيساً، فيما بعد، فعليك أن تقرأ هذه الوثيقة النادرة التى انفردت بنشرها صحيفة “اليوم السابع” المصرية (3 ديسمبر 2013). عن تسجيلات لمجلس شورى الإخوان (صوت وصورة) المكان فيلا 15 شارع 10 المقطم.

 فى القاعة العلوية حيث مقر مكتب إرشاد جماعة الإخوان جلس 108 من أهم قيادات الجماعة على مستوى الجمهورية يشكلون حوالى 87% من أعضاء مجلس شورى عام الإخوان على مستوى الجمهورية وعلى منصة الاجتماع جلس الدكتور محمد مرسى رئيس حزب الحرية والعدالة آنذاك ورئيس مصر المعزول، فيما بعد، يستعرض الوضع الانتخابى للإخوان فيما كان يجلس إلى جواره كل من الدكتور محمود حسين أمين عام الجماعة والدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان.

 مرسى خائف من تسجيل الاجتماع

 بدأ مرسى حديثه بأنه يتوقع أن تنتهى الانتخابات بحصول الإخوان على حوالى 230 أو 235 مقعدا فى مجلس الشعب وقال بلهجة تملؤها الثقة: «يمكن يبقى الموضوع فى حدود 230 ولو بقى 235 يبقى جيد بالنسبة لنا وده الحد الأقصى اللى نتوقعه مع نهاية الانتخابات.. حضراتكو عارفين إن عدد المقاعد فى البرلمان 498 وفى 10 معينين يعنى 508 يعنى الـ%50 تبقى 254 وده إجمالى الصورة».

 وقبل أن يكمل حديثه لاحظ مرسى أن شابا يحمل كاميرا ويسجل ما يدور فى الاجتماع فتوقف عن الحديث ومال على محمود حسين وسأله فى همس بلهجة تخفى كثيرا من الهواجس والظنون وراءها: «حضرتك بتسجل الكلام ده يا دكتور محمود؟».

 أراد حسين أن يطمئنه فرد قائلا: «التسجيل هيجبهولنا إحنا مش هيطلعوا منه حاجة» وأضاف: «مبننشرش منه حاجة خالص».

 اعتدل محمد مرسى فى جلسته بعد أن اطمأن لأمر التسجيلات ثم استأنف حديثه عن الوضع الانتخابى لحزب الحرية والعدالة وقال: «ده الوضع بالنسبة للوضع الانتخابى وده معقول، مستهدفاتنا كانت أعلى من كده قليلا لكن ده جيد وكنت عايز أقترح على فضيلة المرشد أن إخواتنا اللى عندهم انتخابات النهاردة ينصرفوا بعد ما نخلص الفقرة المهمة لأن وجودهم فى دوائرهم مهم جدا، خاصة مسؤولى المكاتب الإدارية».

 ولم ينس مرسى أن يتحدث عن موقف عدد من المرشحين الذين يخوضون انتخابات جولة الإعادة فى ذلك اليوم، مثل هانى جاد الرب مرشح الحرية والعدالة على مقعد العمال فردى فى دائرة بنها وطارق قطب مرشح العمال فردى فى دائرة المنصورة، لكن اللافت أن مرسى اعترف فى ثنايا حديثه بأن الإخوان مارسوا ضغطا على المجلس العسكرى آنذاك لإنجاح بعض المرشحين.

 قال مرسى نصا: «بنها عندنا تحدى ضخم جدا إلى أبعد حد والمقصود يطيروا هانى مرشح العمال اللى مع محسن راضى وأظن أنهم هيطيروه وأتوقع يطيروا طارق قطب فى المنصورة.. عايزين نضغط على أد ما نقدر وإحنا ضاغطين على الجماعة بتوع الجيش فى هذا الجانب بشكل عالى جدا لأن بعض الأسباب تعود إليهم».

 واصل مرسى حديثه عن موقف مرشحى الإخوان فى عدد من المحافظات الأخرى قائلا: «برضه هياكلوا من جنوب سيناء بالتأكيد.. لنا فيهم مكانين هياكلوا منهم واحد، وقنا طبعا الغول والكلام اللى هو بيعمله وضرورى نقف مع إخوانا عشان البلطجة اللى بيستخدمها الغول فى قنا».

 بعد هذه المقدمة انتقل مرسى إلى الخطوة الثانية، وهى الحديث عن التحالف الانتخابى الذى سيمكن الإخوان من الحصول على الأغلبية داخل مجلس الشعب، حيث قال: الموقف العام جيد بفضل الله سبحانه وتعالى ومازال هناك عدد محتاجينه لتكوين أكثر من %50 وإحنا بالتنسيق مع مكتب الإرشاد على مدى اليوم والساعة بنحاول قدر المستطاع نوجد نوع من التحالف القوى والفعال بالاتصال بالآخرين وفى تفاصيل كثيرة فى هذا الموضوع ربما لا يتسع الوقت إننا نتكلم فيها لكن غالبا سننجح فى إيجاد الأغلبية المتآلفة المتحالفة ومعظم الناس اللى لها تأثير وبتقدر وبتفهم بتقول خلاص اللى عنده 235 من 250 يجب أن يؤول ويؤوب إليه الجميع من أجل إيجاد الأغلبية المستقرة فى المجلس علشان الجلسات تمشى».

 مرسى يكشف علاقة الجماعة بسامى مهران

 أثناء استطراد مرسى ذكر معلومات مهمة تفسر طبيعة العلاقة التى جمعت الإخوان بسامى مهران أمين عام مجلس الشعب، الذى ثار جدل، فيما بعد، حول تواطؤ محمد سعد الكتاتنى رئيس مجلس الشعب السابق معه لاسيما بعد أن أصر على اصطحابه معه فى جولته إلى الكويت رغم صدور قرارات بمنعه -أى مهران – من السفر بسبب اتهامه فى عدد من القضايا أمام جهاز الكسب غير مشروع.

 أكد مرسى أن مهران تعاون مع عدد من نواب الإخوان قبل أن يبدأ مجلس الشعب العمل بحوالى أسبوعين حتى يتمكنوا من الإشراف على الشؤون الإدارية لمجلس الشعب حيث قال نصا: «إخوانا راحوا المجلس وتعاونوا مع سامى مهران أمين عام المجلس للتأكد من أن المسائل مترتبة وإن عنده «الإستاف» بتاعه وإن القاعة بتشتغل لأن دى مسؤولية بنعتبر إن إحنا لازم نقوم بيها بعد كده».

 عاد مرسى مرة أخرى إلى الحديث عن كيفية الحصول على أغلبية مجلس الشعب والسيطرة على المناصب المهمة فيه وقال: «كل يوم فى اتصالين تلاتة وأربعة مع كل القوى والكل بيحاول يوجد لنفسه موضع قدم بطرق متعددة وإخوانا واخدين بالهم من الموضوع.. معظم الناس بيتكلموا على إن رئيس المجلس لابد أن يكون من الإخوان مفيش حد شذ عن هذا.. والكلام عن الوكلاء يبقوا منين.. واللجان فيها كلام كتير».

 خطة الإطاحة بالجنزورى وتشويه صورته

 انتقل مرسى إلى الهدف الرئيسى من الجلسة، وهو التخطيط للمشاركة فى الحكم والإطاحة بحكومة الجنزورى التى لم يكن قد مر أيام على تعيينها بموافقة الإخوان كما يعترف هو فى هذه الجلسة، بالإضافة إلى اعتراف ضمنى آخر بأنهم عارضوا إسناد رئاسة الحكومة إلى الدكتور محمد البرادعى. قال مرسى: «المشاركة فى الحكم.. العالم كله يترقب هذه المسألة، الخارجى والداخلى، الآن هناك حكومة مؤقتة يرأسها الجنزورى وقد أخذ رأينا أو رأى الإخوان فى موضوع الجنزورى وكنا موافقين لكن إحنا عارضنا حاجات تانية كانوا عايزينها»، فى إشارة واضحة إلى تعيين البرادعى رئيسا للوزراء.

 يتضح من خلال السطور القادمة كيف وضعت جماعة الإخوان مخطط الإطاحة بحكومة الجنزورى الذى يتسق مع طبيعة سير الأحداث فيما بعد فمازلنا نذكر أزمة سحب الثقة من الحكومة التى أثارتها جماعة الإخوان فجأة وبدون مقدمات فى مارس 2012، لكن وفقا لما ورد على لسان محمد مرسى فى هذه الجلسة فإن الأمر كان مبيتا قبل حتى أن يبدأ البرلمان العمل لكنهم وفقا لما قاله مرسى قرروا فى هذه الجلسة أن ينتظروا بضعة أشهر ثم يبدأوا بعدها المطالبة بتشكيل حكومة.

 يقول مرسى: «الأغلبية ينتقل لها الحكومة والعالم متوقع أن يؤول الأمر إلى الأغلبية سواء خلال شهر- 2- 3 أو 5 خلال مدى قصير أو كبير، الأغلبية البرلمانية لابد أن يخرج منها ومن رحمها حكومة معبرة عنها.. تبقى شكلها إزاى تبقى رئاستها إزاى يبقى تفاصيلها إيه ده ملف إحنا بنحاول نزقه لقدام شوية بضعة أسابيع وربما أحيانا أيام لأن إثارة الجدل واللغط حول هذا الموضوع بتضر أكثر ما تنفع».

 مرسى: الأمريكان طلبوا منا عدم التحالف مع السلفيين

 مخطط الاستئثار بالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية فى دولة بحجم مصر لا يمكن أن يمر دون الحصول على الضوء الأخضر من القوى الخارجية وهو ما أراد مرسى أن يطمئن قيادات الجماعة بشأنه لكنه وقع فى اعتراف آخر خطير حين أكد أن القوى الخارجية لديها تحفظات على أن يشكل الإخوان حكومة ائتلافية مع حزب النور وهو ما انصاعت إليه الجماعة بالفعل حتى عندما تولى مرسى رئاسة الجمهورية.

 قال مرسى نصا: «مفيش حد بيجادل فى الجماعة اللى بيزرونا من بره.. نائب وزير الخارجية الأمريكى أو غيره من السفراء الكبار وسفراء أمريكا وفرنسا.. مفيش حد بيجادل سواء فى نتيجة الانتخابات أو الحكومة اللى هتخرج منها لكن الجميع متحفظ أن تكون الحكومة ائتلافية مع السلفيين وربما هذا مكر فى السياسة».

 بوضوح شديد حدد مرسى الخطوات التى ستتبعها الجماعة لتشكيل الحكومة فى المرحلة الانتقالية فقال: «خلاصة القول تأجيل الكلام عن تشكيل الحكومة لغاية أما المجلس ينعقد وربما شهر اتنين يبقى فى كلام ومشاورات مع الحكومة الموجودة عشان خدمة الناس.. لكن فى شبه اتفاق على أن الإخوان تكون حكومة»، ثم أضاف: «مسؤولية الحكومة تقع على الإخوان فى المرحلة الجاية». انتقل مرسى بعد ذلك للحديث عن موقف القوى السياسية من تشكيل الإخوان للحكومة فى محاولة واضحة للإيحاء بأن الجميع فى مصر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار متفق على ضرورة أن يشكل الإخوان الحكومة فقال: «كان لنا لقاء مع أبوالغار قريب، وقال أنا مستغرب إنكو بتقولوا مش هنشكل حكومة دلوقتى.. وقال الناس هتلومكوا لو مشكلتوش حكومة عشان متوقعين منكو تعملوا حاجة وهو المجلس هيعمل حاجة لوحده».

 واستشهد مرسى بتصريحات أدلى بها الكاتب الصحفى فهمى هويدى فى أحد البرامج التلفزيونية أكد خلالها أنه لا يوجد دولة فى العالم يطالب فيها أحد بألا تشكل الأغلبية البرلمانية الحكومة.

 خطة «الاستفراد» بالقوى السياسية

 وعرض مرسى فى إيجاز لطبيعة السياسة التى اتبعتها جماعة الإخوان للتعامل مع القوى السياسية، والتى يمكن وصفها بسياسة «الاستفراد» أو الجلوس مع كل طرف على حدة بهدف كسر حدة حركة التيارات المعارضة للإخوان آنذاك وكان أبرزها قائمة «الثورة مستمرة».

 قال مرسى: «زارنا السيد البدوى قريب.. إحنا بنحاول نكسر حدة الحركة الثانية بعض الناس اللى ليها عدد قليل جدا من المقاعد.. مقعد أو اتنين تقريبا لغاية دلوقتى بيتحركوا بشكل مزعج جدا وإحنا بنحاول نوجد جو أهدا شوية».

 ثم أضاف فى موضع آخر: «بنقعد مع أبوالغار لوحده وبنقعد مع السيد البدوى لوحده فى إطار كلام عام لكن اللى بيسمع 230 و235 مقعد فى مجلس الشعب مبيجادلش كثير.. يمكن الله أراد متبقاش نسبتنا 50% مع إنها قريبة لأنها أقل حدة.. يمكن فى مكان لـ40 أو 50 أو 60 عضو من اتجاهين تلاتة آخرين ينضموا وتتكون الأغلبية المريحة».

 انتقل مرسى فى معرض حديثه عن القوى السياسية إلى حزب النور وكان واضحا من كلامه أن العلاقة بين الطرفين لم تكن فى أفضل حالاتها ربما بفعل المنافسة الانتخابية الناشئة آنذاك فقال: «إخوانا بتوع حزب النور متلخبطين شويتين تلاتة وإحنا بنحاول نصبر عليهم عشان متبقاش الصورة إن فى حد له %25 من البرلمان وملوش مكان تبقى مسألة فجة شوية لكنهم ذهبوا إلى اتجاهات أخرى ومنجحوش فى المسألة دى حتى الآن».

 تعرض مرسى بعد ذلك إلى مناقشة نقطة فى غاية الأهمية تكشف حقيقة النقاش داخل الإخوان حول الاستئثار بالسلطة وأن المجموعة التى رأت وقتها ضرورة أن تتروى الجماعة قليلا فى الهرولة باتجاه السلطة كانت نسبتها قليلة للغاية أو محدودة، بحسب تعبيره.

 مخاوف الاستحواذ على السلطة

 قال مرسى: «بعض الآراء داخلنا إحنا حوالى 4 أو 5 أو 6 أو 10… عدد قليل محدود يرى أن هناك تصور أنه لو فى 3 مناصب مهمة وهى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس الشعب ميبقاش فيهم اتنين من اتجاه واحد، ويتم توزيع الأماكن الـ3 على أحزاب مختلفة.. ده بيتقال فى إطار رئاسة الحكومة مش تفاصيلها أما تفاصيلها مسؤوليتكو»، مشيرا إلى أن هناك اهتماما أكبر بالعمل الداخلى والوزارات أكثر من الوزارات السيادية «اللى فيها مشاكل» – بحسب تعبيره – وهى وزارات الدفاع والداخلية والخارجية حسبما أكد بلسانه.

 ومزيد من التوضيح عرض مرسى مبررات ذلك الرأى الذى يرى عدم استحواذ الإخوان على المناصب العليا فى الدولة مرة واحدة، وهى مبررات تنظر إلى الخارج أكثر من الداخل حيث قال: «الرأى اللى بيقول بلاش الاتنين – أى المناصب العليا فى الدولة – من نفس الاتجاه عينه فى المقام الأول على الخارج وإن المسؤولية الكبيرة هتبقى مكلفة فى الأول بالنسبة للرأى العام وخدمات الناس».

 فى هذه الأثناء خرج محمد مرسى من القاعة لإجراء مكالمة هاتفية وأثناء غيابه تدخل محمود حسين، وقال موجها حديثه لأعضاء مجلس شورى الإخوان: «إحنا بنذكر إننا واخدين قرار بعدم المشاركة فى الحكومة الانتقالية وبنذكر أيضا أن الجزء الآخر من القرار يخص مكتب الإرشاد ومن صلاحياته مناقشة التفاصيل فى إشارة لتفاصيل المشاركة فى الحكومة». لم ينس محمود حسين أن ينبه الأعضاء لعدم الحديث مع وسائل الإعلام حول تفاصيل الاجتماع وقال: «لاحظوا إننا كتبنا فى جدول الأعمال الرؤية المرتبطة بالمستقبل حتى لا نسمح أن يتسرب للإعلام شىء حول هذا الموضوع، ومع ذلك للأسف بعض الإخوة تطوعوا وتحدثوا أيضا عن أشياء معروضة على مجلس الشورى.. نرجو بعد الجلسة ألا يكون هناك حوار مع الإعلام إطلاقا حول هذا الموضوع».

 عاد محمد مرسى مرة أخرى وفتح الباب للأسئلة والاستفسارات وتلقى أول استفسار من وائل طلب مسؤول المكتب الإدارى للإخوان فى حلوان الذى طالب بألا يقل الائتلاف الذى سيشكله الإخوان عن ثلثى أعضاء مجلس الشعب لضمان تسيير العمل داخل المجلس بدون مشاكل، لكن رد محمد مرسى كان غريبا فقال: «مش كل القرارات محتاجة الثلثين وامتلاك الثلثين فى الأول بيعمل مشاكل». استمرت المناقشات حول مشاركة الإخوان فى الحكومة وانتهت إلى أنهم لن يشاركوا بحقيبة أو حقيبتين فى الوزارة وإنما سيستحوذون عليها بالكامل عندما تسمح الظروف، ولخص مرسى الموقف قائلا: «أنتوا قراركم على ما أفهمه المشاركة الفعالة القوية والإدارة سواء الظروف تسمح مبكرا أو لاحقا لكن مشاركة باتنين تلاتة من وجهة نظرى لا».

 وأثبت مرسى موقفه بضرورة استثناء وزير مجلسى الشعب والشورى من هذا القرار، حيث قال: «لكن وزير مجلسى الشعب والشورى مرتبط بالمجلس أكثر من الوزارة ولازم يبقى مننا مينفعش واحد تانى يجى وكل المجلس يهيج عليه وميعرفش يقول حاجة».

 الغريب حقا أن مرسى كان فى هذا التوقيت منحازا تماما للنظام البرلمانى وهو ما تكشف عنه المناقشات حين قال: «فى فعل بيجرى فى البلد إنه يبقى النظام رئاسى شويتين عشان يجى رئيس جديد يبقى هو اللى بيختار الوزارة برضه لكن ده تصور خطأ من اللى بيفكر كده والا حال البلد يقف».

 فى هذا التوقيت أراد محمود حسين أن يصيغ القرار الذى سيصدر عن مجلس الشورى العام، وقال: «مكتب الإرشاد يتولى إدارة المشاركة فى الحكومة المستقرة المقبلة أما قضية المرحلة الانتقالية بتوقيتها وظروفها فيدرسها المكتب».أجرى أمين عام الإخوان تصويتا على هذا القرار انتهى بموافقة الأعضاء بالإجماع وعقب ظهور النتيجة دار حديث هامس ضاحك بين مرسى ومحمود حسين لكنه ذو دلالة.. قال مرسى لمحمود حسين تعليقا على نتيجة التصويت: «ده انتوا متعطشين للسلطة بقى»، فضحك حسين ساخرا وقال للأعضاء: «الدكتور مرسى بيقول انتوا متعطشين للسلطة»، فضحك الجميع ولم يعلموا أن سعادتهم بهذا التعطش للسلطة ستنقلب بعد أقل من عام إلى بكاء.

 جمال حشمت يعترض

 قرأ محمود حسين على الأعضاء الصيغة التى ستظهر فى البيان الذى سيوجه للإعلام ودار حديث حول ازدواجية العلاقة بين حزب الحرية والعدالة والجماعة فتحه جمال حشمت، وهو كما ستكشف التسجيلات كان من أشد المعترضين على تبعية الحزب المطلقة لمكتب الإرشاد.

 اقترح جمال حشمت صياغة القرار على النحو التالى: «وافق مكتب الإرشاد على مبدأ مشاركة الحزب فى الحكومة»، وبرر هذه الصياغة قائلا: «الحزب هو الجناح السياسى الذى يتداول السلطة وليست الجماعة، والجماعة تناقشت فى هذا القرار بحكم أنها تمثل المرجعية ورأت أنه لا مانع من مشاركة الحزب فى الحكومة».

 ويبدو أن جمال حشمت قد نكأ جرحا لدى كل أنصار تيار التنظيم والذين يرون أن الجماعة لابد أن تستحوذ على كل شىء، وكان على رأس هؤلاء محمد مرسى الذى طلب الكلمة خصيصا للرد على هذه النقطة وقال: «أحيانا بيبقى عندنا حساسية مين بيقود مين ومين بيشرف على مين.. بوضوح جدا لدى المؤسسة فى مصر داخليا وخارجيا أن الإخوان بيشاركوا فى الحكم يمكن الكلام اللى بيقوله الأخ جمال جايز يقلل كتر الإزعاج الإعلامى اللى بيسأل إيه الحكاية والرواية».

 الإخوان واللعب مع كارتر

 أضاف مرسى: «كارتر جه زار المرشد مش كده ولا إيه، كل الناس راحوا لكارتر “الفورسيزون” وهو راح لاتنين بس المشير طنطاوى والمرشد، الأمر واضح للناس إنه يقصد الإخوان بمؤسساتهم بحزبهم وجماعتهم، وجماعتهم وحزبهم، الأمر ده واضح جدا، النقطة دى مش هتشكل قلق فى المستقبل.. يمكن حاجة شكلية عشان الوش اللى فى الإعلام».

 محمد بديع نفسه تدخل هنا ليؤد أى حديث عن تدخل الجماعة فى شؤون الحزب فقال: «الأمر واضح جدا فى لائحة الحزب أن هناك موضوعات مش بس التشاور فيها، لا ده القرار والمرجعية فيها للجماعة ودى قضية مفيهاش جدال».

 انتقل محمد بديع بالحديث إلى مستوى آخر تماما حيث استعرض تفاصيل لقائه الذى سبق الاجتماع بجيمى كارتر الذى زار مصر وقتها بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية فى إطار عملية الإشراف على الانتخابات التى قامت بها مؤسسة كارتر الدولية.

 بديع استهل حديثه عن اللقاء مع كارتر بالحديث عن لقاء آخر مع الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر لكنه لم يكشف تفاصيله بالكامل فقال: شيخ الأزهر اتصل بى وطلب منى أن أزوره، وقلت له أنت عارف يوم الأربعاء لازم أكون فى مكتب الإرشاد.. قالى لازم تيجى عشان خاطرى قلت له خير، قالى موضوع مهم جدا، ولما تيجى هتعرف فكان كلامى معاه إنى هاجى إكراما لشخصه وإعلاء لقدر الأزهر والمهم إن ربنا قدر هذا اللقاء قبل لقاء كارتر.

 انتقل بديع لعرض تفاصيل لقائه بكارتر وقال: «كارتر كان حريص على نقطتين.. موضوع الاتفاقية مع إسرائيل والأحزاب الصغيرة اللى لسه ناشئة وقال دول مخدوش حاجة وانتوا هتديروا المرحلة القادمة ولازم دول يبقالهم مكان بالإضافة إلى موضوع المرأة».

 وأشار بديع إلى أنه بدأ حديثه مع كارتر بسؤاله حول الجديد الذى لاحظه فى الانتخابات فى مصر وأضاف: «قال لى كارتر إنه لاحظ إقبالا شديدا من الشعب المصرى على الانتخابات بنزاهتها وحياديتها وحب الشعب المصرى للإخوان المسلمين».

 وتحدث بديع حول حوار دار بينه وبين كارتر معه حول اتفاقية كامب ديفيد وقال: «قلت لكارتر أنت الوحيد الذى مازلت على قيد الحياة من الـ3 اللى عملوا اتفاقية كامب ديفيد والاتنين التانيين سبقوك لمحكمة العدل الإلهية.. عايز شهادة للتاريخ تقول إيه عن الاتفاقية؟».

 وتابع بديع: «قال لى كارتر نعم الشعب الفلسطينى ظلم فى هذه الاتفاقية والجزء اللى كان لحساب الصهاينة تم بالكامل وأنا نصحتهم بأن الشعب الفلسطينى ياخد حقوقه وتقف المستوطنات فلم تستجب لى الإدارة الأمريكية وبالذات بوش الابن وأوباما».

 أشار بديع إلى أنه استثمر نتائج الانتخابات البرلمانية التى أظهرت تفوق الإخوان أثناء حديثه مع كارتر، حيث أكد له أن المرحلة القادمة هى مرحلة شعوب وأنا أمريكا إذا كانت تريد أن تحافظ على مصالحها فإن مصالحها لن تكون إلا مع الشعوب، وأن أمريكا لها تجربة مريرة فى دعم النظم الديكتاتورية ظنا منها أنها تحافظ على مصالحها.

أيضا واجه بديع اتهام كارتر له بإقصاء شباب الثورة حيث قال: «قلت لكارتر أنت حضرتك متصور إن الشباب اللى شارك فى الثورة مفيهمش ولا واحد من شباب الإخوان، شباب الإخوان شاركوا فى الثورة بالمئات والآلاف ودمائهم سالت فى التحرير لكن ولا واحد منهم جه يطلب حاجة لنفسه».

 خطة اقتحام «التحرير» بالسلاح

 هل تذكرون أحداث الذكرى الأولى لثورة 25 يناير؟ لمن لا يذكر فإن هذه كانت المرة الأولى التى تتشابك فيها القوى السياسية مع بعضها البعض داخل ميدان التحرير الذى كان قد شهد قبل عام واحد من ذلك اليوم حالة من التوحد بين الجميع أسفرت فى النهاية عن الإطاحة بنظام مبارك من السلطة، لكن الفارق بين 25 يناير 2011 و25 يناير 2012، كما تكشف التسجيلات التى تنفرد «اليوم السابع» بنشرها، أن الإخوان لم يشاركوا فى الأولى فتعاون شركاء الميدان، ونجحوا أما عندما شاركوا فى الثانية صار الميدان ساحة للعراك بين القوى السياسية.

حصيلة الاشتباكات فى هذا اليوم أسفرت عن 86 مصابا فى عموم مصر بينهم العشرات فى ميدان التحرير، وكانت معظم حالات الإصابة فى الميدان نتيجة لـ«الازدحام الشديد»، ونتيجة سقوط إحدى المنصات وتراوحت غالبية الإصابات بين إغماءات أو هبوط فى ضغط الدم والقلب، وكسور وكدمات وشرخ فى العظام، ومغص، وغيرها.

يومها خرج بيان الإخوان يقول: إن ديدنهم فى كل فعالياتهم هو الالتزام بالمبادئ والأخلاق، وسلمية العمل والسلوك، واحترام حقوق الآخرين فى فعالياتهم وآرائهم، واتهم مجموعات من الشباب بأنها بدأت بالعدوان على الإخوان بقذف الحجارة وغيرها، وأنها حاولت هدم منصة الإخوان فى الميدان، وأطلقت هتافات بذيئة واتهامات باطلة، وأنهم تصدوا لما وصفه البيان بالأسلوب العدوانى غير الأخلاقى بطريقة حضارية، وأنهم دافعوا عن منصتهم وأنفسهم، وأصيب منهم عدد من الشباب، وقد كان فى مقدورهم الرد بنفس الطريقة أو أشد، ولكنهم قرروا ألا يعكروا صفو هذه المناسبة الكريمة.

أما الواقع فكان يختلف تماما عن البيان حيث تكشف تسجيلات اجتماع مجلس شورى الإخوان فى 14 يناير 2012 أن الجماعة وضعت خطة للسيطرة على ميدان التحرير، وأن بعض القيادات اقترحوا تسليح الشباب، لكنهم اكتفوا فى النهاية بأنهم «عاملين حسابهم» كما ورد على لسان حسام أبوبكر عضو مكتب الإرشاد آنذاك ومحافظ القليوبية الذى لم يدخل مبنى المحافظة فى آخر أيام مرسى بسبب مظاهرات أبناء المحافظة ضده.

انتهز أبوبكر فرصة إجراء انتخابات على مقعد خالٍ داخل مكتب الإرشاد بسبب إعفاء سعد الحسينى من عضوية المكتب بعد ضمه إلى عضوية المكتب التنفيذى لحزب الحرية والعدالة، وبدأ أبوبكر فى الحديث عن تكليفات مكتب الإرشاد للإخوان فى الذكرى الأولى لثورة 25 يناير التى أعقبت الاجتماع بنحو 10 أيام.

حمل حديث أبوبكر هجوما عنيفا على شباب الثورة، والغريب أن أحدا من الجالسين لم يرد عليه بما يعنى أن هذه هى النظرة المعتمدة داخل الجماعة لشباب الثورة، قال أبوبكر نصا: «سنؤكد على مطالب الثورة والإنجازات التى تحققت حتى الآن، ونحتفل بالإنجازات التى تحققت لأن بعض الاتجاهات الشبابية والاتجاهات التى تريد أن تفسد المشهد تؤكد أن الثورة لم تحقق شيئا، وبالتالى هناك حاجة إلى ثورة غضب ثالثة».

انتقل أبوبكر فى حديثه إلى نقطة فى غاية الأهمية وهى مخطط الجماعة للسيطرة على ميدان التحرير، حيث قال: «هناك جزء لا بد أن نؤكد عليه وهو أن نؤمن ميدان التحرير من يوم الثلاثاء 24 يناير، نؤمنه مع ألا يحدث نوع من الاشتباك والصدام».

تابع: «المتوقع إن ائتلافات الثورة وشباب الثورة يأجروا بعض البلطجية وعشان أبطل أى محاولة للبلطجة لازم يبقى فى عدد كبير جداً ممكن أن يصلوا حوالى 18 ألف واحد بجد».

ويمضى أبوبكر فى الحديث حول تفاصيل مخطط السيطرة على الميدان ويقول: «قمنا بتقسيم 18 ألف على النحو التالى 4 آلاف على كل قطاع، 4 آلاف على أربع قطاعات.. قطاع القاهرة والشرقية ووسط والدقهلية هيباتوا فى التحرير، ومن شمال الصعيد 2000».

وتابع: «الـ4 آلاف أخ اللى جايين يعلموا حسابهم أنهم هيباتوا، والتواجد من صلاة العشاء وبهذا العدد الكبير يساعد أن يمر الأمر بسلام» ويستطرد: «لابد أن نكون الثلاثاء عقب صلاة العشاء موجودون بالميدان حتى يتم حشد كامل للإخوان من كل المحافظات فى ميدان التحرير صباح يوم الأربعاء».

ويضيف: «مطلوب 18 ألف يكونوا 10 الصبح فى الميدان، ولابد من متابعة الشكل العام حتى يتم نزول المواطنين العاديين، وسيتم وضع خطة قبل الاحتفالية، وسيكون لنا منصة خاصة حتى يتم مشاركتنا بدون مشاكل».

ويبدو أن كلام أبوبكر قد فتح شهية الأعضاء لتصورات أكثر تطرفا، حيث طالب أحد الأعضاء الذى لم يتبين وجهه فى تسجيل الفيديو بتسليح شباب الإخوان الذين سيشاركون فى احتفالية الذكرى الأولى للثورة تحسبا لتعرضهم لأى اعتداءات قال شبابنا هيبقوا عزل ودوكهم مسلحين.. لازم يبقى معاهم شىء من القوة فرد أبوبكر: «القوة هى العدد» إلا أن العضو واصل حديثه قائلا: يعنى حد معاه قنبلة ولا حاجة أواجهه بإيدى «كلام مش معقول» فأنهى أبوبكر الحديث بكلمة واحدة «هنبقى عاملين حسابنا».

وأضاف: «نستهدف أن يكون فى عدد من الإخوان حوالى 18 ألف فى الميدان لمنع حدوث أحداث مثل محمد محمود وغيرها، وهدف الإخوان من المبيت هو منع حدوث اشتباكات وضمان استمرار الميدان مفتوحا لتأمين الميدان».

ورد «أبوبكر» على تساؤل أحد الأعضاء عن التواصل مع المجلس العسكرى، قائلاً: إن هناك تواصلا مباشرا مع المجلس العسكرى وقائم للترتيب والمراجعة حتى يتم السيطرة على الميدان، مشيرا إلى أن سيطرة الإخوان على الميدان ستوقف أى بلطجة بالميدان.

وأضاف: «البلطجية لن يحتكوا معنا إذا حشدنا أضعافهم حتى لا يتم تكرار أحداث محمد محمود، وألا يغلق ميدان التحرير، وإذا وجد عدد قليل من الإخوان لا يسد فسيتم سحبهم من الميدان».

الاعلام العربي في مأزق ويفتقد للمحللين

الاعلام العربي في مأزق

ويفتقد الى المحللين والباحثين

عند مطالعتك الصحف العربية تنتابك الدهشة والمرارة في ان واحد ، فاذا تجاوزنا غالبية المقالات التي توصف في خانة “فشة خلق” وركزنا عل المقالات التي توصف بالرصينة ويوصف كتابها بالمحللين والكبار واحيانا بالخبراء وتسلط عليهم الاضواء ويكونوا نجوما في الفعاليات ومقربون من السادة كبار القوم والحكومات فسوف نندهش عندما نرى ان جوهر ما يكتبه هؤلاء في مقالاتهم اليومية او الاسبوعية كأنه موجه بدقة من جهات اعلامية تتقن فن التوجيه والقيادة عن بعد ، قترسم لكتابنا الكبار افكارهم بل تحدد لهم مضمون مقالاتهم وتقرر ما هي القضايا التي عليهم الاهتمام بها والكتابة فيها .

ومع انها تترك لهم حرية الخيار في الاستنتاج الا ان استنتاجهم نادرا ما يخرج عن نطاق ما هو مرسوم لهم ، وينفذوا تلك التعليمات دون وعي او ادراك .

وهذا الحال هو النتيجة المنطقية لما نسميه في الاعلام “اشعل نارا مع نزول الثلج فسياتي الجميع ليتدفأ” ومعنى هذه العبارة هو ان من يشعل النار هو الذي يحرك الاخرين لياتوا اليها ليس فقط هربا من البرد بل ان المعنى الاعمق هو انه ليس هناك من يستطيع اشعال نار اخرى ومن يستطيع فلن يات الى نارك.

وهكذا هي الحال في بلاد العرب من يشعل النار هم غير العرب أي من يصنع الاخداث (نار الكاتب والمحلل والخبير ليس العرب) ولا تنطلق من الاوضاع المحلية ، وان كل الدور الذي يمكن ان يقوم به العرب هو ردة فعل ليس الا

لذا فان الكاتب والمحلل والخبير في الاعلام العربي لا يقوم باحسن حالاته الا بشرح تقافصيل (النار) الحدث فالتحليل هنا لا علاقة له بالتحليل بل كل ما يقوم به هو الوصف وبناء على الوصف الذي يغلب عليه الطابع الانطباعي العاطفي والذي لا يمكن الا ان يكون منحازا (وفق انتماء الكاتب فكريا وسياسيا وايديولوجيا) لذا فان معظم ما ينتجه هؤلاء المحللين وهو ما نشاهده في الصحف والمقابلات التلفزيونية لا يمكن ان يكون ارضية او قاعدة لبناء موقف او اتخاذ قرار سياسي عليها

فتكون مجرد تعبير عن رأي او مجرد اعلان موقف رافض او موافق منسجم او مخالف للحدث الذي صنعه الخارج

وبسبب ضعف القدرة على التحليل نظرا للضعف الفكري وندرة الاطلاع والقراءة ومحدودية المعرفة عند الاغلبية الساحقة من “اعضاء نادي المثقفين” نجدهم غير مؤثرين في ثقافة ووعي الجماهير ، والاخطر انهم يرددوا ما يريده العدو وينغمسوا في الاوهام التي يشيعها .

فمن المستغرب مثلا هذا الانشغال الكبير في موضوع كيري والوعود الموهومة والسلام الزائف .. فكل ما قراته خلال الاسبوع في الصحف العربية حول هذا الموضوع كان مجرد مقالات راي وليس تحليل وبحث واستنتاج

فالجماهير يا اعزائي لا تريد فقط الموقف مع او ضد تريد ان تفهم لماذا مع ولماذا ضد ..

ان “الرقص” على ايقاعات “العدو” اخطر بكثير من الايقاع ذاته

اتذكر في سنة 2006 عندما قال ايهود اولمرت خلال حملة الانتخابات لاختيار رئيس للوزراء التي جرت في ذاك العام ، انه إذا تولى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات ، فان إسرائيل “ستعمل على أن تسمح لها حدودها الدائمة بالانفصال عن أغلبية الشعب الفلسطيني والاحتفاظ بأغلبية يهودية مهمة ومستقرة”.

وأكد اولمرت حينها في حديث لصحيفة “جيروزاليم بوست” أن إسرائيل ستحدد حدودها النهائية من الآن وحتى 2010م.

اتذكر الحرب الضارية التي شنها ضدي كتاب ومثقفين وسياسيين من مختلف التيارات لانني ومجموعة عارضنا الاعتقد الذي تخيل ان المستقبل القريب يحمل حلا للقضية الفلسطينية .

وهكذا كان الامر مع اوهام كيري فقد اعترض الكثيرون لاننا قلنا انها مجرد مضيعة للوقت ومجرد تخدير .. وانه لن يترتب عليها شيئا لا سلام ولا السلطة ستبيع الارض ولن يتغير شيئا وان كل ما في الامر تحقيق مكاسب سياسية للحزب الديمقراطي الحاكم .. حيث ان وظيفة وزير الخارجية في الولايات المتحدة هي اقرب لرجل العلاقات العامة منها الى رجل السياسة المقرر.

 ومع ان معظم ما يقال في الحملات الانتخابية لا يتحقق في الواقع الا ان من يطالع الصحف العربية في موسم الانتخابات الامريكية مثلا يجدها تغص بنشر اوهام وتصورات وخيالات جلها مستمد او منقول ومعرب عن الصحف الامريكية .

 اما القضايا المحلية فكل ما يقال بشانها هو مجرد اراء ووجهات نظر واذا ما اقترب بعضها من التحليل نجده تحليل انطباعي لا يقوم على معلومات ومستندات وحقائق وانما مجرد تقديرات شخصية لا اكثر ولا اقل .

 ومن ابرز الملاحظات ان البعض يلتقط هذا التصريح او ذاك لهذا المسؤول او ذاك ويمضي ليبني عليه تصورا وتنبؤات مع ان معظم التصريحات تدخل في نطاق حملات العلاقات العامة .. وان ما يتم التخطيط القيام به يا سادة يا محللين يا كرام وما يوضع من برامج لتحقيق الاهداف لا يتم الاعلان عنه.

وبدلا من انشغال المحللين بكشف خطط العدو والتحذير منها واقتراح بدائيل واستعدادات لمواجهتها نجدهم يكتفون بوصف المعلن وتحديد موقف مع او ضد او على الحياد (والحياد هو موقف ايضا) .

لهذا لا يمكن الاستفادة من معظم ما ينتجه الكتاب والمحللين العرب الا من زاوية واحدة فقط وهي (من مع ومن ضد). وهذا اضعف الايمان .

الحل : بتجديد الدماء واهالة التراب على ثقافة ردة الفعل والتزام المثقف بدوره التحريضي التنويري للجماهير وليس للتباهي وارضاء اصدقائه ومحبيه والتنافس في دائرة الوجاهة والنرجسية وحب الظهور

 

تحسين اقتصاد السوق الاشتراكي / جنهاي تانغ

تحسين اقتصاد السوق الاشتراكي / جنهاي تانغ

برغم منجزاتنا في التطوير الاقتصادي والاجتماعي فلا زالت هناك حاجة الى جهود عظيمة لتحسين النظام. فلتحسينه يلزمنا ان نسعى لفهم سلسلة من القضايا النظرية، لاسيما ما يتعلق بالعلاقة ما بين الاشتراكية واقتصاد السوق، وهل يمكن الجمع بينهما. في رأيي، ان العلاقة بينهما، هي في الجوهر، العلاقة بين العدالة والكفاءة، وانه من الممكن الجمع بينهما بصورة جيدة.

في الماضي، غالباً ما كان الناس يربطون اقتصاد السوق بالرأسمالية، والاقتصاد المخطط بالاشتراكية. الحق، ان السوق والخطة كلاهما مقياسان لتنظيم الاشتراكية والاقتصاد، واقتصاد السوق ليس أبا الرأسمالية. ان اقتصاد السوق كوسيلة في خدمة الناس لتبادل منتجات العمل او المصادر المحلية يمكن ان يتكامل ليس مع الرأسمالية وحدها وانما مع الاشتراكية أيضاً. ان اقتصاد السوق، من الوجهة التأريخية، كآلية هامة للشعب لتبادل العمل والمنتجات، هو احد المبتكرات العظمى للأنسان، وهو أمر شهدته مدنيات عديدة. ففي عهد الاقطاع بل حتى في المجتمعا? القديمة، وجد السوق، لكنه لم يلعب الدور المركزي في النشاطات الاقتصادية. ولكن المجتمع الرأسمالي طور اقتصاد السوق الى أبعد حدوده ليغدو الشكل الاقتصادي السائد.

والعتلة الاقتصادية لأقتصاد السوق هي القيمة. وميزتها الهامة للغاية كونها قادرة على توليد مختلف المصالح الاقتصادية بين الناس وبهذا فانها تزيد من التقدم الاقتصادي. في الجانب المقابل، نقيصتها الخطيرة للغاية تكمن في كونها تميل الى توليد استقطاب اجتماعي، وتغري بالظلم، ولا تساعد في استقرار التقدم الاجتماعي. ان الطبيعة الثورية للرأسمالية تكمن الى حد بعيد، في قدرتها على الانتفاع الكامل من الأوجه الايجابية للسوق، لكن محدوديتها تكمن في كونها غير قادرة على السيطرة على تطورها وتوليدها التباينات الاجتماعية الكبيرة.والاشتراكية التي انبثقت من نقد شرور الرأسمالية، تسعى الى الحفاظ على مصالح الغالبية وتحقيق العدالة والمساواة الاجتماعية. واقتصاد السوق الاشتراكي لا يمكنه فقط جعل السوق يلعب الدور الذي يمكّن من نيل المنافع الاقتصادية العظمى، وانما ايضا تحقيق العدالة والمساواة الاجتماعية الى حدها الاقصى. وقد اظهرت النظرية والتطبيق ان اقتصاد السوق الاشتراكي هو الشكل الاقتصادي الرئيسي الذي يأخذ بالاعتبار الكفاية والعدالة في آن واحد.في هذا المجتمع، إن الكفاية والعدالة هما عجلتا عربة وكجناحي الطائر، وكلاهما جانبان لا يمكن الاستغناء عنها ومن اجل أن يؤدي المجتمع وظيفته على النحو الأفضل، من الضروري ان يعدل العلاقة بينهما بانتظام ويجعلهما في حالة توازن أساسية. الكفاية والعدالة هما وحدة تناقض، تتوحدان من خلال فجوات مناسبة من المصالح الاجتماعية والاقتصادية. ورغم ان الفجوات شرط أساسي للكفاية، الا انها ينبغي ان تكون محمودة لدرجة معينة. فلو كانت الفجوة صغيرة للغاية، حينئذ تكون الكفاية واطئة، والقوى الدافعة ستكون غير كافية ولن يؤدي المجتمع وظيفته على نحو جيد. أما اذا كانت الفجوة واسعة جداً، حينئذ ستكون هناك حاجة الى الكفاية وخصام جلي من المجتمع، الذي لا يمكن ان يتطور بيسر. ان الفجوات الصغيرة ستقود الى المساواة، غير العدالة بالنسبة الى الناس ذوي القابليات العالية. والفجوات الواسعة ستحبط من حماسة غالبية الشعب، وهي بدورها ستقلل من كفاية المجتمع.

في هذا الشأن، العلاقة ما بين الكفاية والعدالة هي علاقة جدلية. ففي المرحلة الاولى من الاصلاح والانفتاح الصيني، كانت مشكلة المساواتية، والكفاية الواطئة بارزة، لذلك حشرنا كل قوانا لمعالجة قضية الكفاية، مستفيدين من ميكانزم السوق، لجعل المداخيل متباينة والسماح لفئة صغيرة من الشعب لكي تغتني قبل الأوان. اما اليوم فالوضع مختلف تماماً: فالفوارق في المداخيل واسعة حقاً وباتت مسألة العدالة بارزة.

لذلك، ينبغي ان نعبئ قوانا لمعالجة هذه القضية. ومن خلال سياسات الرفاه الاجتماعي ونظام سليم للمالية والعوائد، يمكننا ان نقلل الفجوات في الثروة والمواقع تدريجياً، مبقين عليها ضمن نطاق معقول، ومحققين الرفاه المشترك خطوة فخطوة. وبالتالي، فلا توسيع الفجوات بافراط، ولا التقليل فيها بافراط، هو السليم. وهو صحيح البحث الى الحد الاقصى عن تفاوت مقبول من المجتمع والتقدم علمياً نحو الدرجة التي يمكن للمجتمع ان يتقدم الى امام قدماً وبعافية. وهذا هو ما يؤلف لب نظرية اقتصاد السوق الاشتراكي.

ثمة، بالتأكيد، عديد من القضايا الأخرى التي تتعلق بالاقتصاد السوق الاشتراكي. ومع المزيد من التطبيق، سنعمق فهمنا والهيمنة عليه اكثر مستخدمين مقاييس القيم الاشتراكية. وبذلك سنحسن اقتصاد السوق الاشتراكي، وهكذا يغدو بوسع الشعب الصيني ان يسهم بشيء جديد في تقدم المجتمع البشري.

“مقتطف”

كلمة “اقرأ” لا تعني القراءة خارج القران

كلمة اقرأ لا تعني القراءة خارج القران

ما هي اول اية نزلت بالقران ؟؟

تفسير كلمة اقرا .. لا تعني القراءة او التعليم

====================

ما معنى كلمة “اقرا” ؟؟

كثيرون من يرددوا عبارة “نحن امة إقرأ” على اعتبار ان اول اية نزلت على الرسول حسب وجهة نظر بعض المصادر هي “اقرأ باسم ربك الذي خلق”

ويفسروا كلمة اقرا بمعنى قراءة بل يفسروها بمعنى تعلم او تعليم وهذا ليس صحيحا فمعنى كلمة اقرأ في المعجم الوسيط هو :

المعجم: المعجم الوسيط

أقرأ – إقراء:

1 – أقرأه : جعله يقرأ . 2 – أقرأه السلام : أبلغه إياه . 3 – أقرأ الأمر : قرب . 4 – أقرأ من السفر : رجع . 5 – أقرأ : تنسك . 6 – أقرأت الرياح : هبت في أوقاتها المعلومة . 7 – أقرأ النجم : غاب . 8 – أقرأ : عنه : انصرف عنه . 9 – أقرأ الحاجة : أخرها . 11 – أقرأ العام : تأخر مطره .

==================

 

ما هي اول اية نزلت على الرسول ؟؟

أول ما نزل من القرآن:

لم يكن أول ما نزل من القرآن محل اتفاق بين العلماء – رحمهم الله تعالى – كما أسلفت، بل اختلفوا في ذلك على أقوال عدة، لكن أقواها وأسعدها بالدليل قولان اثنان لا غير، واليك البيان:

 

• القول الأول:

ذهب أكثر العلماء إلى أن أول القرآن نزولاً هي (سورة العلق) (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ….).

روى الشيخان في الصحيحين وغيرهما – وهذا لفظ البخاري – عن حديث عائشة رضي الله عنها، قالت “أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه – وهو التعبد الليالي ذوات العدد – قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ…). فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم يرجف فؤاده…”

وهذا قول ابن عباس ومجاهد وجمهور العلماء.

 

• القول الثاني:

وذهب طائفة من العلماء إلى أن أول ما نزل من القرآن سورة المدثر، فقد روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: “سألت جابر بن عبد الله ، أي القرآن أنزل قبل؟! قال : يا أيها المدثر”

بسم الله الرحمن الرحيم ” يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر “

 

====================

ما هو التفسير لأول آية نزلت في القرآن (اقرأ)

وهل قراءة الكتب الثقافية من ضمن المعنى الكلي لهذه الكلمة ؟

في في تفسير البيضاوي اقرأ فقط قاصرة على قراءة القران ولا تعني اقرا في الكتب غير القران

فهل يفهم المسلمون دينهم ؟؟ ام يظلوا على عماهم يرددون ما سمعوه ولم يدققوا فيه ؟؟

تفسير الاية :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فأما تفسير أول آية نزلت من القرآن فنحيلك فيه إلى ما ورد في تفسير البيضاوي، حيث قال: (اقرأ باسم ربك) أي اقرأ القرآن مفتحاً باسمه سبحانه وتعالى، أو مستعيناً به. (الذي خلق) أي الذي له الخلق أو الذي خلق كل شيء. ثم أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعاً وتدبيراً وأدل على وجوب العبادة المقصودة من القراءة فقال: (خلق الإنسان) أو الذي خلق الإنسان فأبهم أولاً ثم فسر تفخيماً لخلقه ودلالة على عجيب فطرته. (من علق) جمعه على الإنسان في معنى الجمع. ولما كان أول الواجبات معرفة الله سبحانه وتعالى نزل أولاً ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته. (اقرأ) تكرير للمبالغة، أو الأول مطلق، والثاني للتبليغ أو في الصلاة، ولعله لما قيل له: (اقرأ باسم ربك) فقال: ما أنا بقارئ، فقيل له (اقرأ وربك الأكرم) الزائد في الكرم على كل كريم فإنه سبحانه وتعالى ينعم بلا عوض، ويحلم من غير تخوف، بل هو الكريم وحده على الحقيقة. (الذي علم بالقلم) أي الخط بالقلم، وقد قرئ به لتقيد به العلوم ويعلم به البعيد. (علم الإنسان ما لم يعلم) بخلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئاً، وقد عدد سبحانه وتعالى مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهاراً لما أنعم عليه، من أن نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريراً لربوبيته وتحقيقاً لأكرميته، وأشار أولاً إلى ما يدل على معرفته عقلاً ثم نبه على ما يدل عليها سمعاً.

 

رأي البضاوي :

وقد علمت مما ذكر أن قراءة الكتب الثقافية إذا لم تكن مشتملة على شيء من القرآن أو ما يجب اعتقاده في الله تعالى، فإنها لا تدخل ضمن المعنى الذي تأمر به الآية الكريمة على وجه الخصوص، لكن العلماء ذكروا أن هذه الآيات الكريمات التي هي أول ما نزل من القرآن فيها دلالة على فضل العلم والتعلم لأنها تضمنت أمرا مكررا بالقراءة وامتن الله فيها على الإنسان بالقلم وما علمه مما لا يعلم

 

=======================

حتى يكف العامة “وبعض من يدعي العلم من الفقهاء” عن ترديد ما هو غير صحيح في الدين.

تفسير معنى كلمة “اقرا” في سورة العلق

“اقرا باسم ربك الاكرم ” كما جاء في التفسير الكبير المسمى البحر المحيط

(أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي) الصادر عن دار إحياء التراث العربي

التفسير :

وقرأ الجمهور : ( اقرأ ) بهمزة ساكنة ، والأعشى ، عن أبي بكر ، عن عاصم : بحذفها كأنه على قول من يبدل الهمزة بمناسب حركتها فيقول : قرأ يقرا ، كسعى يسعى ، فلما أمر منه قيل : اقر بحذف الألف ، كما تقول : اسع ، والظاهر تعلق الباء باقرأ وتكون للاستعانة ، ومفعول اقرأ محذوف ، أي اقرأ ما يوحى إليك ، وقيل : ( باسم ربك ) هو المفعول وهو المأمور بقراءته ، كما تقول : اقرأ : الحمد لله . وقيل : المعنى اقرأ في أول كل سورة ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم . وقال الأخفش : الباء بمعنى على ، أي اقرأ على اسم الله ، كما قالوا في قوله : ( وقال اركبوا فيها بسم الله ) أي على اسم الله . وقيل : المعنى اقرأ القرآن مبتدئا باسم ربك . وقال الزمخشري : محل ” باسم ربك ” النصب على الحال ، أي اقرأ مفتتحا باسم ربك ، قل : بسم الله ثم اقرأ . انتهى . وهذا قاله قتادة ، المعنى : اقرأ ما أنزل عليك من القرآن مفتتحا باسم ربك ، وقال أبو عبيدة : الباء صلة ، والمعنى اذكر ربك . وقال أيضا : الاسم صلة ، والمعنى اقرأ بعون ربك وتوفيقه ، وجاء باسم ربك ، ولم يأت بلفظ الجلالة لما في لفظ الرب من معنى الذي رباك ونظر في مصلحتك ، وجاء الخطاب ليدل على الاختصاص والتأنيس ، أي ليس لك رب غيره ، ثم جاء بصفة الخالق ، وهو المنشئ للعالم لما كانت العرب تسمي الأصنام أربابا ، أتى بالصفة التي لا يمكن شركة الأصنام فيها ، ولم يذكر متعلق الخلق أولا ، فالمعنى أنه قصد إلى استبداده بالخلق ، فاقتصر أو حذف ، إذ معناه خلق كل شيء .

 

المصدر : التفسير الكبير – البحر المحيط للاندلسي

لماذا فشلت الأحزاب كشكل للتنظيم السياسي في المجتمعات العربية

نقد أهلية”الحزب السياسي” لماذا فشلت الأحزاب كشكل للتنظيم السياسي في المجتمعات العربية المعاصرة؟*

  سامر خير احمد  - باحث وكاتب

تقديم:

 هذه دراسة نظرية لا تطبيقية, همها كشف جذور الفشل الذي ما فتئت تعانيه الاحزاب السياسية العـربية منذ نشأتها الاولى, سواء تمثل هذا الفشل في انحراف الأحزاب عن أهدافها الطبيعية, أو عن وظيفتها حين وصولها السلطة حيث تتحول الى ” عشيرة سياسية” أو الى واجهة عائلية, أو تمثل الفشل في عزوف الناس عنها و عدم اعتمادها وسيلة للتعبير السياسي كما يحدث في غير بلد عربي.

 من الطبيعي أن صيغة “الحزب السياسي” هي جزء من مجموعة صيغ التنظيم التي تشكل الدولة الحديثة, والتي منها أيضا: المجلس النيابي, الحكومة, الجيش الحديث, المجتمع المدني,…الخ, ففي الحزب السياسي يجتمع المواطنون بشكل فردي و بناء على الاختيار الحر القائم على الاشتراك فيما بينهم في مجموعة اهداف عامة, من أجل التعبير عن مطالبهم و محاولة تحقيقها عبر الوصول الى السلطة. وهكذا فان وجود الحزب السياسي يستلزم وجود دولة حديثة اساسها المواطنة و اطارها القانون, وضمنها (المواطنة و القانون) ينشط الحزب و يتفاعل مع مجموعة المواطنين من جهة, ومع المؤسسات الأخرى في الدولة من جهة ثانية.

 ويمكن اعادة تاريخ نشأة الأحزاب السياسية في العالم العربي الى ما قبل قرن من الزمان, حيث تأسست أولها في مصر و تونس حوالي عام 1907, غير أن الأحزاب السياسية الأساسية التي عرفها العالم العربي انما كانت تلك الأيدولوجية التي ظهرت بين العقدين الثالث و الرابع من القرن العشرين, وأهمها أحزاب: البعث الاشتراكي, الأحزاب الشيوعية العربية, جماعة الخوان المسلمين (التي كانت عمليا بمثابة الحزب السياسي).

 غير أن البحث عن جذور أزمة الحزبية في المجتمعات العـربية يستلزم أولا البحث في كيفية تشكل المجتمعات العربية الحديثة, ومدى تجاوب هذا الشكل مع متطلبات التوافق مع صيغ التنظيم الحديثة في الدولة, والتي منها صيغة ” الحزب السياسي” بحيث لا يكون وجود هذه مجرد تشكل مظهري مقطوع الجذور عن البيئة التي يتواجد فيها.

 وبصورة اكثر تحديداً, فان الاساسي في هذا الجانب هو دراسة تشكل المدينة العربية المعاصرة باعتبارها حاضنة هذه الصيغ الحديثة والمكان الذي تنطلق ادارتها منها من جهة, وباعتبار تلك الصيغ كلها, بما فيها الحزب السياسي, مدينة بالدرجة الأولى, اي انها صيغ تتجاوز الصيغ الاجتماعية التقليدية ما قبل المدينة التي وجدت في المجتمعات العربية سابقاً.

 ولعل من المهم, لذلك, اجراء مقارنة سريعة بين هذه الصيغ الحديثة/ المدنية و تلك ما قبل المدنية حتى يكون ممكنا فهم ازمة العلاقة بين المجتمعات العربية و الصيغ الحديثة التي يفترض انها ادوات تعبير تلك المجتمعات عن نفسها.

 الحديث و القديم, مقارنة سريعة:

 تتمحور الصيغ المدنية الحديثة في المجتمعات حول صعود قيمة الفرد بصفته المجردة, اي دون النظر الى الجماعة العرقية و الدينية التي ينتمي لها, ففي الصيغ ما قبل المدنية ظلت قيمة الفرد تتحدد في ضوء قيمة الجماعة التي هو جزء منها بحكم روابط الدم، كالقبيلة او العشيرة او الطائفة. وهكذا، فان مدى تحول المجتمعات العربية الى المدنية من عدمه انما يقاس بمدى تقدم مفاهيم الفردية فيه وتراجع مفاهيم جماعة العرق والدم أو الدين.

 من هذا المفهوم الاساسي في المدنية يمكن اشتقاق معايير قياس اخرى، مثل معنى مفهوم المواطنة في الدولة، ففي الصيغ ما قبل المدنية تحددت المواطنة في ضوء الانتماء الديني فيما كان الذين لا يدينون بدين الاغلبية “ذميين” لا مواطنين كاملي الحقوق، اما في المدنية فالمواطنة تتحدد في ضوء انتماء الفرد للوطن وحمله جنسيته بغض النظر عن الاعتبارات الدينية، ناهيك عن العرقية.

 كذلك فان مفهوم الاسرة له اهميته في هذا السياق، فالمفهوم ما قبل المدني يعني القبيلة والعشيرة او الأسرة الممتدة التي تعيش في دار كبيرة مشتركة، اما المفهوم المدني فيعني الاسرة النووية المكونة من الاب والام والابناء. ولعل من الواضح ان الاسرة النووية تكرس الشعور بالفردية، وهي التي تبدأه في نفوس الابناء، فيما المفهوم القديم يعمل بالاتجاه المعاكس. وعليه، فان المجتمعات تقترب من المدنية كلما ابتعدت عن صيغ التنظيم الاجتماعية القبلية والممتدة وتحولت الى استقلال الاسر النووية.

 ولعل من معايير المدنية الهامة ايضاً، مكانة المرأة وقيمتها في المجتمع، فالمجتمعات ذات البنية المدنية التي يكون الاعتبار فيها لقيمة الفرد واهليته وكفاءته، تكون للمرأة فيها فرصة للعب دور مساو لدور الرجل باعتبار ان مقدار الدور انما يتحدد وفق الكفاءة الشخصية لا وفق الجنس او العرق او الدين. وفي هذه المجتمعات يتاح للمرأة التعبير عن رأيها والمطالبة بحقوقها وأداء الدور الاجتماعي الذي تجده مناسباً، فيما ان الصيغ ما قبل المدنية تحول بين المراة وتلك الفرص باعتبار ان القيمة هي للجماعة وللرجال الذين يقودون الجماعة لا للافراد بصفاتهم المستقلة.

 تنعكس الفردية بالضرورة في مسالة الحزبية, فالفرد المستقل يحدد علاقاته و ارتباطاته في المجتمع المحيط وفق ما يقتنع به و يؤمن به و يجده متوافقا مع رؤيته للدنيا و الكون و مصالح الناس, وهكذا يكون الطريق مفتوحا امامه للاتصال بالمجموعة التي تتبنى رؤاه ذاتها ومن ثم الانخراط في الحزب السياسي الذي يعبر عن طموحاته, او تشكيل حزب سياسي يعبر عن تلك الطموحات بالاتفاق مع نظائره, دون اعتبار لمسألة الانتماء العرقي او الديني او القبلي او الطائفي, وبهذا فان المدنية المتمحورة حول الفردية هي شرط ضروري لقيام الحزبية الصحيحة, فيما أن استمرار الصيغ الاجتماعية ما قبل المدنية تعتبر عائقا امام ذلك لأنها لا تقيم وزنا لخيارات الانسان و تقيده في روابط الدم التي ولد ضمنها دون اختيار منه. و اذا كان لنا ان نذهب خطوة اخرى الى الامام, فان صيغ روابط الدم تلك, كالقبلية مثلا, انما تطرح نفسها نقيضا للحزبية و بديلا لها, فاما ان توجد هي و اما ان تكون حزبية, وليس ممكنا للاثنتين ان تجتمعا بصيغهما و مفاهيمها الحقيقيين.

 تشكل المدينة العربية المعاصرة:

 السؤال المطروح هنا يتعلق بمدى قيام مدن عربية كاملة المدنية, اي التساؤل حول ما اذا كانت مجتمعات هذه المدن تتصرف وفق مفاهيم المدنية الحديثة سابقة الذكر, والمتمحورة حول الفردية وقيمة الفرد بذاته, ام العكس.

 منذ أواسط القرن التاسع عشر, شهدت البلاد العربية حراكا اجتماعيا هائلا أساسه الانتقال من الريف الى المدنية, وهمه الانتقال من العمل في الحقول الى العمل في الخدمات وبعض الصناعات في المدن. ولما كانت البلاد العربية ليست صناعية كما هو الحال في اوروبا, فان هذا التكدس البشري الهائل في المدن الذي بدا واضحا منذ أواخر النصف الأول من القرن العشرين, لم يؤد دورا انتاجياً محموداً, فقد عمل المهاجرون في مجال التجارة و الخدمات و المشاريع الصغيرة و الجيش و الأمن و الوظائف الحكومية, ما لم يساعد على قيام تنظيمات اجتماعية جديدة بشكل حقيقي وعملي, ذلك ان تلك التنظيمات انما تبرز الحاجة لها في وجود انتاج صناعي لما له من تأثير على بنية المجتمع الطبقية.

 هذا الانتقال لم يكن عديم الأثر بالطبع, فقد ظهرت كل أشكال التنظيم و العلاقات المدنية تقريبا, بما في ذلك الأحزاب السياسية, لكن القضية الأساسية هي في مقدار تحول هذه التنظيمات الى أدوات حقيقية لتمثيل الناس مقابل ذوبان صيغ التنظيم ما قبل المدنية, ففي هذه الجزئية يكمن قياس مشكلة الحزبية في المجتمعات العربية المعاصرة.

 لقد أدى هذا الانتقال الكبير الى قيام نوع جديد من السلطة السياسية في معظم الدول العربية, والى مشاركة فئات جديدة في السلطة في جميع البلدان العربية, وهي أساسا تلك الفئات التي وفدت حديثا الى المدينة و باتت تشكل اكثر سكانها. وهذه الفئات نفسها هي التي سيطرت على أشكال التنظيم في المدن, وأهمها الأحزاب السياسية, وخاصة الأحزاب العقائدية التي صنعت تاريخ العالم العربي طيلة السنوات الستين الأخيرة, وهذا الأمر طبيعي لأنه يندرج في عملية تحول تاريخي كبرى, وليس صحيحا فهمه بأنه انتقال الريف- كما هو- الى المدينة, فهو في في حقيقته جزء من مرحلة تاريخية عاشها العالم العربي ظل خلالها يبحث عن النهضة نتيجة تأثره بأوروبا التي تحولت الى مستعمر في بلاد العرب, وشعوره بالتخلف تجاه هذا المستعمر المتحضر وسعيه الدؤوب للحاق به.

 وقاد هذا الانتقال الكبير, في أبرز واهم نتائجه, الى إحداث تغيير ثقافي كبير في المجتمعات العربية, التي باتت تتركز أعدادها في المدن الكبرى, خاصة العواصم, أساسه خلخلة قيم و أفكار المجتمعات الريفية بما يتناسب و الحياة المدنية الجديدة. إن فهم الحالة الثقافية الجديدة للمجتمعات العربية, خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين, هو أساس فهم أزمة الصيغ المدنية في المدن العربية, و على رأسها صيغة” الحزب السياسي” ذلك أنها هي التي توجه سلوك الأفراد و الجماعات في هذه المجتمعات.

 ثقافة مجتمعات المدن العربية المعاصرة:

 أهم ما يمكن قوله عن ثقافة هذه المجتمعات أنها غادرت ابويتها القديمة التقليدية، ولم تنجح في الوصول الى ثقافة مدنية كاملة تقوم على الفردية، فهي تجمع بين الاثنتين فيما يمكن اعتباره حالة مرضية بينة لأن سلوك هذه المجتمعات يأخذ بمفاهيم الثقافة التقليدية في بعض سلوكه وبمفاهيم المدنية الحديثة في بعضه الآخر، وقد يأخذ بمفاهيم إحداهما في مظهر سلوكه وبمفاهيم الثانية في جوهره ومغزاه.

 صيغ التنظيم الظاهرية التي تملكها مجتمعات المدن كلها صيغ حديثة، كأجهزة الدولة و السياسة و الاقتصاد, غير أن عملية الانتقال التاريخي الكبرى المشار اليها, والتي لم تستطع إنجاز انتقال كامل الى الثقافة المدنية, لم تكن قادرة على خلق الوعي الاجتماعي اللازم لانخراط الناس الكامل في أطر هذه الصيغ, بما في ذلك الأحزاب السياسية, لأنها لم تنتج مصلحه حقيقية لهذه المجتمعات بالتخلي عن المفاهيم القديمة القائمة على الجماعية بشكل تام, لصالح الأخذ بالمفاهيم المدنية الجديدة بشكل كامل, فوسائل العمل و”الإنتاج” في هذه المدن لم تخلق هذه المصلحة, فظل الفرد قادرا على الجمع بين فرديته في الحصول على العمل-مثلا- وجماعيته في المطالبة بحقوقه السياسية لأن روابط العمل الجديدة لم تنتج أدوات قادرة حقا على إنجاز مطالبه السياسية, والشيء نفسه يقال عن مطالبه الأخرى أيضا بما في ذلك الحصول على العمل نفسه في أحيان كثيرة.

 واذا كانت وسائل العمل لم تخدم الانتقال تماما للمدينة الحديثة, فان السلطة السياسية أيضا كانت مستفيدة من عرقلة هذا الانتقال و الإبقاء على المفاهيم التقليدية الجماعية في المجتمعات العربية لأنها ظلت توظفها للحيلولة دون انفلات المجتمعات من قبضتها فكانت وسيلة سيطرة و أداة لضمان ولاء الأفراد الذين ينتظمون في الجماعات التقليدية التي استطاع النظام السياسي ضمها الى صفه, وكانت أيضا وسيلة لتطبيق قاعدة ” فرق تسد” فالسلطة الحاكمة تعزز الانقسامات على أساس الأصل العرقي أو الديني أو الطائفي بين أفراد المجتمع حتى تضمن تسابق هذه الجماعات المنقسمة فيما بينها, على تقديم الولاء للسلطة و إثبات أنها الأكثر اخلاصها لها.هذا في مقابل ان السلطة لا تستطيع تماما السيطرة على تجمعات مدنية كالأحزاب السياسية, فهذه أولا تطمح بالحلول محل السلطة, ثم أنها قائمة على حرية الفرد للانضمام لها او تركها على عكس التجمعات التقليدية التي يولد الفرد واحدا منها دون اختياره, وعليه فان السيطرة على المؤسسة المدنية التي يمكن ان تتراخى بترك أعضائها لها. ولعله واضحا ان من السهل على السلطات النفخ في الغرائز و العواطف و تعظيمها, وهي الموجودة في القبلية و الطائفية, فيما ان تنشيط العقول و توجيهها للانخراط في المؤسسات المدنية يأتي لها “بوجع الرأس” وليس مضمون النتائج اذا ما قصدت تنظيمه و ضبطه في صفها, وبالعكس فان قمع الأفكار وتعطيل التفكير بالإرهاب سهل وممكن في حين ان تجفيف العواطف و الغرائز مستحيل تماما.

 كما أن التجمعات العربية لم تنجح- بدعوى الحفاظ على ” الأصالة” – في حسم اختياراتها بين الجماعية/التقليدية/الأبوية و الفردية / الحداثة / حرية الاختيار, وظلت تراوح بين واقع يدفعها مظهره للأخذ بالحديث, وذاكرة محلها اللاوعي تربطها بالقديم الذي لم يعد ضروريا, حتى اذا اضطرتها بعض الظروف لاستجماع عزمها, اجتمعت على ما هو كامن في لا وعيها, واختارت أن تتوزع على أسس قبلية او طائفية لا حزبية / مدنية, فهذه المدنية الموجودة في مظاهر حياة مجتمعات المدن العربية حديثة التشكل و التضخم لم تنتقل بعد الى اللاوعي, سواء للسببين الذين تم ذكرهما (ظروف الانتاج و الأنظمة السياسية) او لأن هذه المجتمعات المهزومة في حاضرها لا زالت مشدودة للتراث / الماضي لأنه كان منتصرا و بهيا, ولا زالت ترى الحل في تمثل الأجداد و العيش كما عاشوا حتى و ان كان أسلوب التفكير هذا غير منطقي ولا واقعي. وهذا كله يحول دون التحلل من القديم البالي و الأخذ بالجديد العصري حتى وان كان هذا الأخير هو المفيد عمليا.

 ولعل البحث في أسباب هذه الحالة الثقافية المشوهة التي تعيشها مجتمعات المدن العربية المعاصرة يحتاج التعرض لجزيئات كثيرة, غير ان أهم ما يمكن استخلاصه منها هو أن عملية الانتقال التاريخي الكبرى التي حلم فيها العرب بالحداثة و النهضة انما قادت الى اعادة انتاج التخلف القديم ذاته, لكن هذه المرة في صورة بنى حديثة ليس منها الا المظهر, فظل التخلف هو التخلف, ما ابقى المجتمعات العربية مرتبكة و حائرة و مأزومة(5).

نتيجة الثقافة المدنية المشوهة في الحزبية السياسية:

 النتيجة البديهية لهذه الثقافة المدنية المشوهة هي أن تكون الحزبية السياسية مظهرا لا جوهرا, أي ان يأخذ الحزب السياسي شكل الجماعة المنضوية وفق اختيار أفرادها في إطار فكر واحد او برنامج مشترك, فيما الحقيقة ان الحزب يتصرف كعشيرة أو طائفة او جماعة دينية. ولا يعني ذلك بالضرورة ان كل واحد من اعضاء الحزب يقصد اتباع افراد عشيرته او طائفته المنضوين في ذلك الحزب, وانما ان الجهة المسيطرة على قيادة الحزب و الموجهة لآدائه توظفه لخدمة أهداف عشائرية او طائفية ( وهي كما يتضح اهداف قبل مدنية و غرائزية و لا علاقة للنهضة و المدنية بها) أو ان تلك القيادة – وباسم فكر الحزب و برنامجه – تنفخ في القبلية او الطائفية لأنها القادرة على جمع الناس و حولها, وبالتالي تعظيم نفوذها.

 هذا ما كان طيلة النصف الثاني من القرن العشرين في الأحزاب العربية الرئيسية, خاصة تلك التي وصلت السلطة, دون ان يعني ذلك ان الحال كان واحدا في الأحزاب كلها, فالأحزاب التي ظلت في المعارضة و ظلت تعاني الملاحقة و القمع و المنع, وظل قادتها و أعضاؤها يعيشون تهديد السجن و النفي و التعذيب, مثل أكثر الأحزاب الشيوعية العربية, ما كان لها ان تتحول الى اداة قبلية أو طائفية لانعدام المكاسب من وراء اكثرها, و لا يعود ذلك بالتأكيد لنبل في أفكارها و مطالبها وزهد في قياداتها و مناضليها, فلو أنها وصلت السلطة لتحولت الى ما تحول اليه غيرها, ولحكم باسمها لحشد القبلية او الطائفية.

 والطريف ان الأمر لم يقتصر على الأحزاب التي حازت السلطة, بل امتد لكل حزب كان من ورائه منفعة او فائدة او غنيمة مهما صغرت, حتى وان اقتصرت على مسمى ” الأمين العام” الذي يتلقى الدعوات الرسمية و يضر المناسبات الكبرى, فتلك هي الوسيلة الوحيدة لحشد الأعضاء في الحزب: الغرائزية التي تأخذ شكل القبلية او الطائفية.

 وهكذا فان البنى الاجتماعية القديمة ظلت على حالها و قاومت التحلل الطبيعي الناتج عن زوال الحاجة لها و أعادت إنتاج نفسها تحت مسميات جديدة, اهمها ” الحزب السياسي”, فذلك حزب لقبيلة كذا, وهذا حزب لطائفة كذا, تسيطر عليه و تحركه حتى وان لم يكن أعضاؤها كلهم من أبنائها و بناتها.

ذلك يعني ان الحزبية السياسية لم تقم في حقيقة الأمر في العالم العربي, بشكل عام, مع استثناءات قليلة لأحزاب معدودة و لأفراد قادتهم نواياهم الطيبة او أجبرتهم ظروفهم للانضمام لأحزاب العشائر و الطوائف.

 والأمر لا يستوجب كثيرا استغراب, فالمؤسسات المدنية و على رأسها الأحزاب السياسية تحتاج بيئة مدنية لتنمو فيها, فقد يكون ممكنا لأفراد مدنيين في سلوكهم ان يشكلوا حزبا سياسيا, غير أن تجربتهم سيكون محتوما عليها بالفشل جماهيريا لو ظل حزبهم مدنيا خالصا,فبيئة المجتمعات العربية ليست مدنية أبدا, بل قديمة و متخلفة, حتى و ان سميت تجمعاتها السكانية الكبرى “مدناً”!

 المدنية أولى من الحزبية:

 الحزبية السياسية في – أصلها – وسيلة لا هدف, همها تحويل مطالب الأكثرية في المجتمع الى واقع عبر الوصول الى السلطة, فمطالب الأكثرية في هذه الحالة برنامجية او ايدولوجية, لا غرائزية او عنصرية, فالمجتمعات المدنية المتحضرة لا وجود فيها للغرائزية و العنصرية و العرقية, وان وجدت فهي منبوذة و مدانة ( و الحديث عن الغرائزية و العنصرية بين ابناء المجتمع نفسه) . ولأنها مطالب و أحداث ذات طابع برنامجي او ايدولوجي, فهي لا يمكن التعبير عنها الا بوسائل مدنية, بمعنى ان المجتمعات المدنية تستخدم بالضرورة أدوات مدنية.

 هكذا فان البنية المدنية للمجتمع شرط لازم لوجود وفاعلية المؤسسات المدنية الحقيقية، وعلى رأسها الأحزاب السياسية، فإذا وجدت البنية المدنية نجحت المؤسسات المدنية، واذا لم توجد تحولت تلك المؤسسات الى هياكل تسكنها الأرواح الشريرة المتمثلة بالقبلية والطائفية والعنصرية، الى آخر ذلك من سلوكيات تعبر عن عدم تقدير كفاءة الإنسان وأهليته كفرد بغض النظر عما ولد ضمنه من عرق او دين او طائفة.

 التساؤل عن أسباب ضعف الأحزاب السياسية او فشلها لا معنى له، فالأحزاب ليست غاية أبدأً الا عند من يريدون اتخاذها “ديكوراً” لحياتهم السياسية المريضة، والتي يعشش فيها التخلف والرجعية، والأولى التساؤل عن غياب “المدنية” عن مدن العرب، فالمدنية هي الغاية، وهذه الغاية لا تتحقق بطريقة عكسية، اي بإيجاد الأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية الأخرى، وانما تتحقق بالقضاء على نقيضها المتمثل بالقبلية والطائفية والتخلف عبر تجفيف منابعه في عواطف وغرائز الناس، وابدال مفاهيم المدنية محله، وعندما يقتنع الفرد العربي بأن قيمته كفرد تتحدد في ضوء كفاءته وإمكانياته الشخصية لا في ضوء “عزوته”، يصير انسانأ مدنياً متحضراً، ويصير المجتمع كله كذلك، وهكذا يتجه المجتمع لاستحداث أو تفعيل المؤسسات المدنية المختلفة، ولدفن التجمعات التقليدية القديمة التي تستخدم لأهداف تحقيق النفوذ، ويتخذ الأحزاب السياسية بما هي أدوات لجمع المتفقين في أفكارهم وبرامجهم، للتعبير عن ارادة الناس السياسية، فتنجح الأحزاب باعتبارها وسيلة، والتي هي محلها الطبيعي في الحياة السياسية السليمة.

 الأولى بالمثقفين العرب ان يتحاوروا ويتباحثوا في أسباب غياب المدنية عن المجتمعات العربية التي تعيش تخلفها، وفي كيفية الانتهاء من هذا الغياب، لا أن يتباحثوا في أسباب غياب او ضعف او فشل الأحزاب السياسية التي انفض عنها الناس، فهذا الانفضاض ليس الا مظهراً من مظاهر غياب المدنية، وليس هو الأزمة بذاتها.

 وليس يغني المجتمعات العربية وجود أحزاب سياسية او الدفع الإعلامي لإنجاحها (رغم انه دفع محكوم عليه بالفشل اذا قصد فعلاً إنتاج أحزاب حقيقية) ما دامت هذه المجتمعات تائهة في التاريخ بين ما قبل الحداثة والحداثة. المدنية أولاً .. ثم المؤسسات المدنية!

________________________________________

 

 التاريخ 12 – 06 – 2004

 * ورقة عمل قدمت لمؤتمر “الاحزاب السياسية في العالم العربي …الوراقع الراهن وآفاق المستقبل” الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 12-13/حزيران 2004,الاردن -عمان.

لماذا فرض الاستعمار تقسيم بلاد الشام .. بقلم الدكتور محمد السعدي

لماذا فرض الاستعمار تقسيم بلاد الشام

لماذا كانت اتفاقية “سايكس بيكو”

وما اهمية كشف اسرارها وكشف الدور العثماني فيها

كثرا ما نجد المثقفين سواء بمستوياتهم العليا او من هم على هامش الثقافة يستسهلون تفسير وتحليل الاحداث الراهنة باعادى كل ما يجري الى اتفاقية “سايكس بيكو” البريطانية الفرنسية وكفى الله المؤمنين شر القتال يكفي ذكر هذه الاتفاقية حتى يعتبر المحلل والمثقف وشبه المثقف انه “كفى ووفى” وفسر مجريات الاحداث في الجزء الخاص من الكون الذي تتكون منه بلادنا

وفحوى هذه العبارة عند مستخدميها ذو طابع تبريري في نفس الوقت وذو عمق اصولي من ناحية اخرى وذو طابع عرقي “قومي” من ناحية ثالثة

فكانهم يريدون القول ” ان هزيمتنا تحققت واكتملت فصولها بتطبيق اتفاقية سايكس بيكو وانه لا يمكن لبلادنا ان تنهض الا بالغاء هذه الاتفاقية واعادة الوحدة لبلاد الشام .

لكن كيف يمكن الغاء هذه الاتفاقية دون معرفة اسباب وجودها، ودون معرفة من هم اطرافها ، ودون معرفة دور الدين في اقرارها ودون معرفة دور الاحتلال العثماني في ابرامها فهذا ليس محل اهتمام من احد

ولهذا فانه من المستحيل على هؤلاء ان يتمكنوا من وضع تصورات لكيفية الغاء هذه الاتفاقية واعادة ربط اجزاء بلاد الشام ببعضها البعض

فيكون كلامهم نوعا من الترف الفكري لا علاقة له بالسياسة ولا يقدم ولا يؤخر في تفسير مجريات الاحداث وتطوراتها .

وهذا لا يعني ان الموضوع المركزي في الكفاح باشكاله المتعددة هو تفسير طلاسم “اتفاقية سايكس بيكو” بل ان فهم دوافع التقسيم تساعد على فهم التحالفات القائمة المعادية لالغاء التقسيم والمعادية لتطلعات شعبنا واذا ادركنا ذلك يكون من السهل وضع البرامج الكفاحية والاساليب والشعارات وتنظيم الجهود لتغيير الواقع القائم وتحقيق الاهداف المنشودة في مقدمتها “اقامة الدولة الوطينة” حيث انه حتى هذه اللحظة لا توجد دولة في المنطقة اكتمل بناؤها لتكون دولة وطنية حقيقية كاملة متكاملة.

 المؤامرة شاملة من جميع الاطراف ومنهم الدولة العثمانية

لنعود الى السؤال: لماذا فرضت الدول الاستعمارية تقسيم بلاد الشام ؟

وهذا يطرح سؤالا اخر : لقد تحالف العرب مع “معسكر دول الحلفاء” بريطانيا وفرنسا ضد “معسكر دول المحور” المانيا وايطاليا والدولة العثمانية”

فلماذا نكث الحلفاء عهودهم وبدلا من مساعدة العرب على التحرر قاموا هم انفسهم باستعماره وتمزيقه الى 4 دول 3 للعرب والرابعة مشروع وطن قومي لليهود في فلسطين؟

والدول العربية الثلاث تحمل في احشائها كل انواع المتفجرات وعوامل التمزق والاقتتال كون هذه الدول تمحورت حول “القبيلة والعشيرة والعائلة الاقطاعية والطائفة والمذهب.

فيما المخطط بناء دولة لليهود قوية متماسكة وفر لها كل اسباب القوة والمنعة لتمكينها من التسلط والغلبة لجيرانها الممزقون من الداخل وضعفها المهين على كل المستويات .

 وهذا يدفعنا الى العودة قليلا الى التاريخ

فمن المعروف ان الغرب بعد ان حقق ثورته الصناعية واخذ يبحث عن اسواق لمنتجاته ومواد اولية لصناعاته كان الاستعمار المباشر احد اشكال توفير هذه العناصر الاقتصادية الاساسية .

وكان عليه معالجة نتائج هزائمه ونكساته وانكساراته التي تعرض لها في العصور الوسطى واهمها :

 أ ـ بداية صعود الدولة الروسية وطموحها للحلول محل الدولة البيزنطية المسيحية بعد ان تمكنت روسيا من تدمير مملكة الخزر اليهودية على بحر قزوين.

ب ـ انشقاق الكنيسة المسيحية الى شرقية (روس، يونان، بلغار وصرب، ارمن، عرب، الخ) وكنيسة غربية تضم باقي شعوب اوروبا

ج ـ وقوف المسيحيين الشرقيين “على الحياد” او “ضد” الحملات الصليبية التي شنتها دول الكنيسة الغربية على الشرق العربي.

د ـ هزيمة الصليبيين في الشرق العربي الاسلامي وفي القسطنطينية التي كان الصليبيون قد استولوا عليها واقاموا فيها مملكة “لاتينية” في 1204 استمرت اكثر من ستين سنة.

وبالرغم من ظهور البروتستانتية والحروب الاوروبية الغربية على اساس ديني او دولوي، فإن اخشى ما اخذت تخشاه الدول الاستعمارية الغربية الصاعدة، هو:

أ ـ احتمال توحيد المناطق العربية (والكردية) في دولة واحدة. (نموذج دولة الايوبيين)

ب ـ والاخطر من ذلك هو: احتمال قيام تحالف عربي (كردي) مع المسيحيين الشرقيين: الروس واليونانيين والارمن والبلغار والصرب الخ.

 ولذلك اعتبرت الدول الاوروبية الغربية ظهور الامبراطورية العثمانية بمثابة “هدية من السماء” للكنيسة والاقطاع والبرجوازية الصاعدة في اوروبا الغربية، وللمتمولين اليهود الخزر والعبرانيين الذين انتشروا في كل اوربا بعد تدمير دولتهم. وشعرت الدول الغربية بالانتصار والامان وتنفست الصعداء حينما اجتاح العثمانيون شبه جزيرة البلقان والقسطنطينية “المسيحيتين الشرقيتين”، وشعرت بغبطة وسعادة غامرة حينما اجتاح العثمانيون البلاد العربية (وبلاد الكرد( .

 الغرب يوقف العثمانيين على ابواب فينا

فهم العثمانيون الرسالة وقدموا خدمة هائلة للغرب بالاتجاه شرقا

 وكما يشير معظم المؤرخين “المحايدين” والعديد من الكتاب العرب انه بعد ان اجبر الغرب العثمانيون على التزام “حدودهم” على ابواب فينا، “فهم العثمانيون الرسالة تماما وهي ان عليهم توجيه سيوفهم ورماحهم نحو “الشرق” وليس نحو “الغرب”،

فاتجهوا بكل قوتهم لينطحوا الجلمود الروسي. ومنحوا “الامتيازات الاجنبية” لكل طالبيها من الغرب ومن اليهود. وهكذا تحولت الامبراطورية العثمانية الى اداة للغرب الاستعماري، والى “صليبية غربية” بادوات واعلام اسلامية.

 وطوال مرحلة وجود الامبراطورية العثمانية كانت الدول الاستعمارية تخشى ليس بقاءها، بل تخشى من “خطر” زوال تلك الامبراطورية الغاشمة، وقيام دولة عربية وكردية على انقاضها. ولهذا فحينما وصلت قوات ابرهيم باشا المصري الى الاناضول، تحركت الاساطيل الاستعمارية فورا للدفاع عن الدولة العثمانية لمنع سقوطها.

 وحينما أزفت ساعة النهاية بالنسبة للامبراطورية العثمانية ولم يعد بالامكان الدفاع عنها، تركز هم الدول الاستعمارية الغربية على: تجنب قيام اي بديل، يمكن ان يشكل في المدى القريب والبعيد خطرا على المصالح الاستعمارية في الشرق.

ولكي يتم ابعاد شعوب الشرق عن التلاقي مع روسيا (خصوصا بعد قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية) قدمت الدول الاستعمارية شتى الوعود الكاذبة للعرب والاكراد والارمن واليونانيين. ولكنها بعد ان استتب لها الامر نسبيا ضربت عرض الحائط بكل وعودها السابقة، ومنعت قيام دولة ارمنية، او دولة كردية، او دولة عربية موحدة في المشرق العربي،

ومنعت اليونانيين من استعادة حقوقهم في اراضيهم التاريخية او ضم المناطق ذات الاكثرية اليونانية في “تركيا” الى دولة اليونان.

وبالعكس، فان الدول الاستعمارية الغربية فضلت ان تعطي الاراضي الارمنية والاراضي اليونانية الى تركيا (التي حاربت ضد الدول الحليفة)، على ان تعطيها لاصحابها الارمن واليونانيين الذين حاربوا معها.

 اما المناطق العربية، بيت القصيد، فقد تم “معالجة مشكلتها” بوسيلتين:

أ ـ الاستعمار المباشر، تحت اسم الانتداب والحماية و”معاهدات الصداقة”.

ب ـ التجزئة كيفما كان ذلك ممكنا.

فكانت اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية البريطانية

================================

الملك فيصل الاول يتحدث 

مقابلة مع الملك فيصل سنة 1920

عُقد المؤتمر السوري الأول ( وهو أول برلمان سوري منتخب في التاريخ )في ربيع عام 1920 اجتماعه بعدما انسحبت القوات البريطانية التي واجهت القوات العثمانية و أخرجتها من الأراضي السورية.

و تقرر إعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية، وإعلان الأمير الهاشمي فيصل بن الشريف حسين ملكا عليها.

وعلى الرغم من الشكوك الكبيرة التي أحاطت بعمل فيصل واتصالاته الدبلوماسية وتوقيعاته السرية مع الفرنسيين و الانكليز ، فإن رجال العمل العربي رأوا فيه وعداً فاتناً بالاستقلال العربي.

توجه الأمير فيصل مع حاشيته إلى مقر المؤتمر السوري، وأُعلن في الساعة الثالثة بعد الظهر في الثامن من آذار عام 1920، استقلال سورية بحدودها الطبيعية وإعلانها مملكة، وتنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً عليها، ورُفع العلم السوري بعد ان تقرر أن يكون العلم العربي في الحجاز علماً للبلاد بعد إضافة نجمة بيضاء عليه .

 

أما البريطانيون والفرنسيون فقد رفضوا الاعتراف بالمؤتمر السوري وبقراراته، وبتنصيب فيصل ملكا على سوريا وبقيت مراسلاتهم للملك تعنون باسم الأمير فيصل وليس الملك فيصل.

في أيار عام 1920 وصلت لسوريا أنباء مقررات مؤتمر سان ريمو، و انكشفت اتفاقية سايكس بيكو المبرمة سريا قبل سنوات وتوضح اتفاق البريطانيون مع الفرنسيين على وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني.و بدأ الاحتلال الفرنسي و الانكليزي للبلاد .

قبل هذه الاحداث المصيرية نشرت جريدة “العاصمة ” الدمشقية في 26 شباط 1920 لقاء مع الامير فيصل الذي نصب بعدها ملكا على سورية سأله فيه الصحفي عن الشكوك التي انتابت السوريون بعد وصول إشاعات عن وجود اتفاقية سرية حملت اسم سايكس بيكو يقتسم بها البريطانيون و الفرنسيون الاراضي السورية .

و كان رد الامير تأكيده على وجود اتفاقية واضحة بين والده الملك حسين و وزير الخارجية البريطانية مكماهون ليتبين للسوريين فيما بعد عدم جدية هذه الاقوال و يصدموا بتغرير البريطانيين و الفرنسيين بالملك فيصل ووالده و بدء احتلالهم و اقتسامهم لاراضي سوريا و العراق و فلسطين .

 

نص المقابلة الصحفية :

سؤال- كنا قرأنا في جريدة الشرق التي كانت تصدر في دمشق إبان الحرب نص معاهدة تسمى ((معاهدة سايكس بيكو)) نشرها جمال باشا زاعماً أن البلشفيك ظفروا بها بين الأوراق الرسمية في بتروغراد عندما استولوا عليها ثم انقطعت أخبار هذه المعاهدة حتى عادت صحف أوربا منذ بضعة أشهر تردد صداها، و قيل أن جلاء الجنود الانكليزية عن سورية منذ مدة كان تنفيذاً لنص تلك المعاهدة .

فهل ذلك حقيقي، وهل سمعتم سموكم بها في الأماكن الرسمية أو اطلعتم عليها في أثناء الحرب أو بعدها ؟

جواب- حينما نشر جمال باشا تلك المعاهدة أثناء الحرب اطلع عليها والدي في العدد 101 من جريدة المستقبل فسأل جلالته الحكومة البريطانية بواسطة معتمده بمصر عن تلك المعاهدة فأجابته الحكومة الإنكليزية بكتاب هذا نصه :

((إن البلشفيك لم يجدوا في وزارة الخارجية بتروغراد معاهدة معقودة، بل محاورات و محادثات مؤقتة بين انكلترا و فرنسا وروسيا في أوائل الحرب لمنع المصاعب بين الدول أثناء مواصلة القتال ضد الترك، وذلك قبل النهضة العربية .

وأن جمال باشا – إما من الجهل أو الخبث – غير في مقصدها الأساسي وأهمل شروطها القاضية بضرورة رضى الأهالي و حماية مصالحهم وقد تجاهل ما وقع بعد ذلك على أن قيام الحركة و نجاحها الباهر وانسحاب روسيا قد أوجد حالة أخرى تختلف عما كانت عليه بالكلية منذ أمد مضى ))

قال سمو الأمير:

فيظهر لكم من هذا الجواب أن تلك المعاهدة لم يكن معترفاً بها اعترافاً رسمياً لدى والدي و العرب و إذا فرض وجودها فإنهم قد أنكروها بتاتاً بحيث أصبحت كأنها لم تكن و تصريحات الحكومات بإلغاء جميع المعاهدات السرية تجعلنا لا نعترف بتلك المعاهدة .

سؤال : رأينا يا صاحب السمو في العدد المؤرخ بثامن جمادى الأولى 1338 من جريدة (القبلة) الصادرة في مكة المكرمة إعلانا رسمياً يقول به والدكم صاحب الجلالة الهاشمية أن لديه معاهدات من الحلفاء الكرام تقتضي باستقلال البلاد العربية جميعها وأن جلالته ينشرها للملأ عند الحاجة فهل لسموكم أن توضحوا لنا ما هي هذه المعاهدات و ماذا تحتوي ؟

فأجاب سمو الأمير: أن المعاهدات التي يذكرها صاحب الجلالة ما رأيتها.

و قد طلبت منه مراراً أن يجعلها سلاحاً لي إذا كانت موجودة، لا علم ما سبب تأخيره إرسالها لي و اكتفاء جلالته بإرسال صورة اتفاقية يقول أنها نسخة من تلك المعاهدة، وها أنا أعطيك تلك الصورة و يمكنك نشرها .

وهذا نصها بحروفها :

صورة ما تقرر مع بريطانيا العظمى بشأن النهضة

1-تتعهد بريطانيا العظمى بتشكيل حكومة عربية مستقلة بكل معاني الاستقلال في داخليتها و خارجيتها و تكون حدودها شرقاً من بحر فارس و من الغرب بحر القلزم و الحدود المصرية و البحر الأبيض و شمالاًُ ولاية حلب و الموصل الشمالية إلى نهر الفرات و مجتمعه مع الدجلة إلى مصبها في بحر فارس ، ما عدا مستعمرة ( عدن) فإنها خارجة عن هذه الحدود .

وتتعهد هذه الحكومة برعاية المعاهدات و المقاولات التي أجرتها بريطانيا العظمى مع أي شخص كان من العرب في داخل هذه الحدود و بأنها تحل محلها في رعاية و صيانة تلك الحقوق و تلك الاتفاقيات مع أربابها أميراً كان أو من الأفراد

2-تتعهد بريطانيا العظمى بالمحافظة على هذه الحكومة و صيانتها من أي مداخلة كانت بأي صورة كانت في داخليتها و سلامة حدودها البرية و البحرية من أي تعد بأي شكل يكون، حتى ولو وقع قيام داخلي من دسائس الأعداء أو من حسد بعض الأمراء فيه تساعد الحكومة المذكورة ( مادة و معنى ) من دفع ذلك القيام .

وهذه المساعدة في القيامات أو الثورات الداخلية تكون مدتها محدودة أي لحين يتم للحكومة العربية المذكورة تشكيلاتها المادية .

3-تكون (البصرة) تحت أشغال العظمة البريطانية لحين يتم للحكومة الجديدة المذكورة تشكيلاتها المادية. و يعين من جانب تلك العظمة مبلغ من النقود يراعى فيه حالة احتياج الحكومة العربية التي في حكمها قاصرة في حضن بريطانيا، و تلك المبالغ تكون في مقابلة ذلك الأشغال.

4-تتعهد بريطانيا العظمى بالقيام بكل ما تحتاجه ربيبتها الحكومة العربية من الأسلحة و مهماتها و الذخائر و النقود مدة الحرب .

5- تتعهد بريطانيا العظمى بقطع الخط من (مرسين)أو ما هو مناسب من النقاط في تلك المنطقة لتخفيف وطأة الحرب عن البلاد لعدم استعدادها.

قال سمو الأمير:

ولكني مع الأسف حينما كنت في لوندرة ( يقصد لندن ) قدمت هذه الصورة إلى رئاسة الوزراء فأنكرت وجودها كل الإنكار وقالت بأنه لا يوجد عهد – ولا كتاب كعهد- بمثل هذا التصريح و لكن لدينا رسائل أهمها رسالة من السير هنري مكماهون و هذا نصها بحروفها:

كتاب السير هنري مكماهون

إلى جلالة المليك المعظم بمكة في 24 تشرين الأول سنة 1915 :

(لما كانت مقاطعات مرسين و الاسكندرونة و بعض أجزاء سورية الواقعة إلى الغرب من مقاطعات دمشق و حمص و حماه لا يمكن تسميتها عربية محضة فإنه يقتضي إخراجها من الحدود التي بينتموها وأنه بمقتضى هذا التعديل ومن غير إخلال بمعاهداتنا السابقة مع بعض زعماء العرب نقبل الحدود على ما ذكرتموه )).

ثم بخصوص الأراضي التي لبريطانيا العظمى حرية العمل فيها من غير إضرار بمصالح حليفتها (فرنسا) فإن لي السلطة باسم بريطانيا العظمى أن أعطي التأكيدات الآتية وأجيب على كتابكم بما يلي:

إن بريطانيا العظمى مستعدة – بعد التعديلات المذكورة آنفاً – أن تعترف باستقلال العرب و الأخذ بناصرهم و ذلك ضمن الحدود التي قدمها شريف مكة .

أما ولاية بغداد وولاية البصرة فعلى العرب أن يسلموا أن مركز بريطانيا العظمى و مصالحها تقتضي اتخاذ تدابير خاصة لإدارتها و حمايتها من كل اعتداء أجنبي، ولارتقاء أهاليهما، و المحافظة على مصالحنا المشتركة فيهما.

قال سمو الأمير :

عندئذ كررت طلب تلك المعاهدة من مكة المكرمة، ولكنها و ياللأسف لم ترد عليّ حتى الآن. فلهذا لا يمكنني أن أقول بأن وزارة الخارجية البريطانية مخالفة للحقيقة بأقوالها، ولا أقول أن حكومة مكة تقول غير الواقع.

فإذا كان لدى حكومة مكة المكرمة عهد كهذا فتأخير إبرازه في هذا الوقت الذي وضعت به مسألة العرب على بساط البحث و قد أوشك المؤتمر أن يبت بشأنها مضر جداً، لأن هذه المعاهدة لم تعقد إلا لتبرز في مثل هذا اليوم العصيب و يعمل بموجبها و قد ألحت في المدة الأخيرة على جلالة والدي بإرسالها ، وأظنها ستصلني عما قريب .

فإذا وصلت سيكون في النوادي السياسية غير موقفي الحاضر .

سؤال – هل دفاعكم في مؤتمر السلم سيكون خاصاً بشؤون سورية أم يتناول المسألة العربية كلها ؟

جواب- إن صفتي في مؤتمر السلام هي تمثيل والدي و حكومته الذي قام مدافعاً عن حقوق العرب بأجمعها ، فإذا تخليت عن جانب من بلاد العرب المحررة من الأتراك أكون قد قصرت بواجبي السياسي و أخللت بما أودع اليّ من الوظائف .

إذا يتحتم عليّ أن أضع المسألة العربية برمتها موضع البحث وأدفع عنها باسم جلالة الملك .

سؤال- في كتاب السر مكماهون الذي تقدم الكلام عنه ما يتعلق بفلسطين و بغداد و البصرة فما رأى سموكم فيما ينطوي عليه و هل صرحت لكم الحكومة البريطانية بشيء بعده ؟

جواب – إذا وجد ذلك العهد الذي أعلن جلالة والدي وجوده فأظن الحكومة البريطانية ستكون مضطرة إلى تشكيل الوحدة العربية و الاعتراف و هي ملزمة بعهدها الوارد في كتاب السر مكماهون أن تؤلف حكومة في العراق تكفل مصالح العرب و البريطانيين معاً وأن تعترف بأن فلسطين و الموصل عربيتان داخليتان في ضمن الحكومة السورية والصداقة التي بيننا و بين الحكومة البريطانية تجعلني أواصل البحث فيما هو واجب على انكلترا إجراؤه في الممالك و البلدان التي هي الآن تحت أشغالها العسكرية وأملي عظيم بأنها ستقوم بعهودها .

سؤال- هل تفكرون برفض ما تدعيه الحكومتان الفرنسوية والانكليزية من الحقوق في أقسام البلاد العربية ، سواء كان في سورية أو العراق أو غيرهما ، وما هي خطة سموكم في هذا الأمر ؟

جواب – إنني لا أتصور أن أقابل جميل هاتين بمعاملة غير لائقة و أنا أعلم بأن لهما منافع أدبية و اقتصادية يجب احترامها و لكني في الوقت نفسه أؤمل أن تنظر إلينا هاتان الحكومتان بنظر الاحترام ، و إلى حقوقنا بنظر الإنصاف و العدل وأن لا تطالبانا بما يخل باستقلالنا و رقينا المادي و المعنوي وأن لا تجبرانا على إتباع تقاليدهما على العمياء بل نأخذ منها ما طاب من مدنيتهما الحديثة و نترك ما هو مخالف لمدنيتنا .

وعلى كل فأنني أؤمل من رجال الحلفاء و الأمم المتمدنة أن تنظر إلينا بعين الحب ولا تهضم لنا حقاً كيما نتمكن من خدمة المدنية الحاضرة كما خدم أجدادنا المدنية الغابرة.

 

 

إرشادات طبية أميركية جديدة حول معالجة الكولسترول

فيما يُعتبر تطورا كبيرا في استراتيجيات الوقاية والمعالجة لأمراض شرايين القلب والدماغ، أصدرت رابطة القلب الأميركية والكلية الأميركية لطب القلب الأسبوع الماضي إرشاداتها الجديدة بعنوان «إرشادات 2013 حول معالجة كولسترول الدم لتقليل مخاطر الإصابة بتصلب الشرايين لدى البالغين» 2013 ACC-AHA Guideline on the Treatment of Blood Cholesterol to Reduce Atherosclerotic Cardiovascular Risk in Adults.. وتأتي هذه الإرشادات بعد أكثر من عشرة أعوام من الانتظار لتحديث إرشادات عام 2002 لهذا الأمر.

* إرشادات جديدة

 * ومع استمرار احتلال أمراض القلب المركز الأول للسبب في الوفيات بالولايات المتحدة وفي كل أنحاء العالم، فإن الإرشادات الجديدة تمثل تقدما واسعا في مواجهة الانتشار المضطر للإصابات بأمراض الشرايين القلبية والدماغية وتداعياتهما المتمثلة في نوبات الذبحة الصدرية وإصابات نوبات الجلطة القلبية والسكتة الدماغية. والواضح جدا من عناصر الإرشادات الطبية الجديدة حول كيفية التعامل مع مشكلة ارتفاع نسبة الكولسترول الخفيف، الضار بالشرايين، هو تبني المكافحة الواسعة لحماية عموم الناس من الإصابات بأمراض الشرايين. وحتى وقت صدور هذه الإرشادات الجديدة، ووفق إرشادات عام 2002. كان التوجه الطبي أقل تشددا في معالجة الأشخاص الأصحاء الذين لديهم ارتفاع متوسط في نسبة كولسترول الدم طالما كانوا سليمين من تشخيص إصابتهم بأمراض الشرايين. وتعتمد استراتيجية الوقاية من أمراض الشرايين القلبية والدماغية على تقييم مدى احتمالات خطورة الإصابة بأمراض تصلب الشرايين خلال العشر سنوات القادمة من عمر الإنسان. وهذا التقييم يجمع المعلومات المتعلقة بالعمر ونسبة الكولسترول الخفيف الضار في الدم ومقدار ضغط الدم والجنس والتدخين. ووفق عمليات حسابية يتم معرفة مدى نسبة احتمالات خطورة الإصابة بأمراض الشرايين خلال العشر سنوات القادمة من العمر. ويُعامل مرضى السكري أسوة بمرضى شرايين القلب، أي أنهم من البداية يُعتبرون مجازا مرضى قلب وتتعين معالجة الكولسترول لديهم بطريقة لا تهاون فيها أسوة بالذين أُصيبوا بالجلطة القلبية.

 واعتمدت الإرشادات السابقة على تبني وصف أدوية خفض الكولسترول من فئة أدوية «ستاتين» للأشخاص السليمين من أمراض الشرايين حينما تكون نسبة احتمالات الخطورة 20% وما فوق. وفي الإرشادات الجديدة، تم تبني ضرورة وصف الأدوية الخافضة للكولسترول في الحالة السابقة عند وجود احتمالات الخطورة تلك بنسبة 7.5% (سبعة فاصلة خمسة). وهو ما يعني، وعلى نطاق الولايات المتحدة وحدها دون بقية دول العالم، ارتفاع بالملايين في عدد الناس الذين يتعين على الأطباء وصف أدوية الستاتين لهم، وإلزام شركات التأمين بتوفيرها لهم كجزء مهم من معالجتهم للوقاية من الإصابة بأمراض الشرايين. وتحديدا تشير المصادر الطبية إلى رقم 33 مليون أميركي يتعين عليهم تناول هذه النوعية من الأدوية، وأضعاف هذا الرقم على مستوى العالم. وكانت أرقام حجم سوق المبيعات لواحد فقط من بين المجموعة المتعددة لأدوية الستاتين بالولايات المتحدة قد تجاوزت هذا العام مبلغ 5.4 مليار دولار (خمسة فاصلة أربعة).

 تقرير الإرشادات الطبية الجديد بشأن معالجة الكولسترول يقع في نحو 85 صفحة، ولا تزال الأوساط الطبية بحاجة إلى مزيد من الوقت لمراجعته بتأن وفهم المبررات العلمية لنتائج الدراسات الطبية التي تم إجراؤها خلال العشر سنوات الماضية والتي أدت نتائجها وتقييم مدى قوة استنتاجاتها إلى تبني كل من رابطة القلب الأميركية والكلية الأميركية للقلب لهذا النهج المتشدد في التعامل مع مشكلة ارتفاع كولسترول الدم.

 ولكن من بين الكثير من الإشكالات لعناصر الإرشادات الجديدة الخاصة بالتوسع في وصف تناول أدوية الستاتين، هناك الإشكالية التي طرحها الباحثون في جامعة هارفارد الصيف الماضي حينما نشروا مراجعتهم الواسعة للعلاقة بين تناول أدوية «الستاتين» وارتفاع احتمالات الإصابة بمرض السكري. وهي التي راجعوا فيها نتائج 136 دراسة طبية حول سبعة أنواع من أدوية «الستاتين». وتبين من نتائج المراجعة الشاملة أن تناول أدوية «الستاتين» يرفع بنسبة 9% احتمالات الإصابة بمرض السكري