اجيال الارهاب الديني

اجيال الارهاب الديني
إشكاليات الانتقال في أجيال العنف إشكاليات الانتقال في أجيال العنف
بقلم / أبو بكر الدسوقي
مرت ظاهرة تنظيمات العنف الجهادية في الشرق الأوسط، عبر تاريخها، بمراحل انتقال شتي ما بين الصعود أحيانا، والتراجع في أحيان آخري، وشهدت أجيالا متعددة، اختلف الباحثون في تحديدها علي نحو محدد. لكن الثابت أن هناك توافقا عاما حول ثلاثة أجيال، أولها: جيل التنظيمات المركزية في مصر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، ومن أبرزها تنظيم الجهاد والتكفير، والهجرة والجماعة الإسلامية في مصر، والجماعة الإسلامية المسلحة، والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، وعصبة الأنصار في لبنان، والجماعة الليبية المقاتلة، فضلا عن عدد من التنظيمات خارج العالم العربي، مثل حركة المجاهدين، وتنظيم جيش محمد في باكستان، وجماعة أبي سياف في الفلبين، ثم الجماعات التي نشأت في ظل القتال ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.

ثانيها: جيل الجهاد الأممي الذي نشأ في عام 1998 في أفغانستان بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، حيث تم تأسيس تنظيم القاعدة. أما الجيل الثالث والأخير، فيتمثل في تنظيم القاعدة، بعد أن انفرط عقده بين الدول المصدرة للمجاهدين، أو جماعات محلية، لكن تحت العباءة الفكرية نفسها للقاعدة وأخواتها، مع تعديلات في بعض الحالات. ومن أبرز تنظيمات الجيل الثالث، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش سابقا”، الذي تحول لاحقا للدولة الإسلامية، وجبهة النصرة في سوريا، وأنصار بيت المقدس في مصر، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، والقاعدة في بلاد المغرب العربي، وأهل السنة للدعوة والجهاد “بوكو حرام” في نيجيريا، وغيرها.

والغريب أن ظاهرة التنظيمات الجهادية ظاهرة “متجددة”. فكلما تراجعت تجربة في وقت ما، وفي مكان ما، تصاعدت تجربة أخري بثوب جديد، وفي منطقة جديدة. ولم يكن التراجع -حتي الآن- في مسيرة هذه التنظيمات يعني الانتهاء أو الفشل، بقدر ما كان يعني الخفوت نحو المراجعة والتقييم، فإذا بالمراجعة تنتج جيلا آخر قادرا علي الاستمرار، بعدما يكون الجيل الذي سبقه قد استنفد أغراضه، أو فقد قدرته علي الاستمرار في مواجهة خصومه، فإذا بجيل آخر يظهر بعد حين بعد إجراء تغييرات في الاستراتيجية. ولا تزال الظاهرة مستمرة، ويصعب التكهن بنهاية محددة لها. لكن الثابت في دورة تغير تنظيمات العنف، عبر أجيال متتالية، أن هناك تمايزا بين هذه الأجيال، وهناك اختلافات تظهر بين جيل والجيل الذي يليه، أو ربما داخل الجيل ذاته. وهناك إشكاليات غالبا ما تثار في رؤي هذه الأجيال في تصاعدها وفي تراجعها، غالبا ما كانت تؤثر في فكر هذه التنظيمات، وفي ممارساتها في الواقع. ونعرض لهذه الإشكاليات بقدر من التفصيل:

أولا- إشكالية تناقض الأهداف (العدو القريب أم العدو البعيد؟):

يري كثير من الباحثين أن أنصار الجيل الأول، “التنظيمات المركزية الكبري”، قد تأثروا بأفكار القطب الإخواني سيد قطب، الذي كان يري أن الإسلام مهمته تغيير الواقع، وأن التوحيد بمنزلة الثورة ضد الطغاة، وأن الخضوع للاستبداد يعد شركا، ومن ثم فهناك ضرورة لمجاهدة “العدو القريب”، أي نظم الحكم في الدول العربية والإسلامية، بحسبانها نظم حكم علمانية لا تحكم بالشريعة الإسلامية، وأنها غير وطنية بسبب موالاتها للغرب. ولذا، فإن الأولوية في فكر “قطب” يجب أن تعطي للكفاح ضد “العدو القريب”

من هذا المنطلق، نشطت تنظيمات الجيل الأول، منذ منتصف السبعينيات وحتي نهاية التسعينيات، في حرب ممتدة مع “العدو القريب”، فيما أحجمت عن مكافحة الغرب، وهو “العدو البعيد”. ومن ثم، فقد وجه أنصار الجيل الأول جل أنشطتهم العنيفة إلي مواجهة النظام المصري العلماني، طبقا لوجهة نظرهم. وكانت هناك مقالة شهيرة لأيمن الظواهري -قائد تنظيم الجهاد المصري- عنوانها “الطريق للقدس تمر بالقاهرة”، أي أن القدس لن تتحرر إلا عندما تتحرر القاهرة من حكامها العلمانيين، إذ عُد ذلك ضرورة استراتيجية، وواجبا دينيا.

في المقابل، فإن جيل التنظيمات الجهادية الأممية -ممثلا في أسامة بن لادن وجماعته- قد دعا لمواجهة العدو البعيد، بعد أن نجحوا في حشد الآلاف من المجاهدين من دول العالم الإسلامي لمواجهة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان. ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية محل استهداف أو عداء من قبل المجاهدين. بل علي العكس من ذلك، كانت واشنطن تدعم المجاهدين في مواجهة الاتحاد السوفيتي، لكن التحول تجاه استعداء الولايات المتحدة حدث فيما بين عامي 1990 و1991. فطبقا لرأي الدكتور فواز جرجس، فإن التدخل الأمريكي في حرب الخليج (تحرير الكويت)، والوجود العسكري الثابت للقوات الأمريكية علي الأراضي السعودية، كانا السبب الرئيسي في هذا التحول، حيث عده “بن لادن” مؤامرة أمريكية لتأسيس قواعد ثابتة للقوات الأمريكية، ولإقرار الهيمنة علي البلدان الإسلامية، ونهب مواردها النفطية. ثم أعلن “بن لادن” عن عدائه الصريح للولايات المتحدة، حيث دعا إلي مقاومة العدو الذي غزا أرض الأمة، ودنس شرفها، وأراق دماء أبنائها، واحتل مقدساتها. ورأي بن لادن في نهاية عا م 1995 أن الجهاد الأممي هو الأداة الوحيدة الفاعلة في صد الهجوم الأمريكي، وإجباره علي الخروج من الأرض العربية والإسلامية. ثم أعلن في نهاية التسعينيات عن تأسيس “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين”.

ومن هنا، كانت انطلاقة القاعدة الرسمية، وقد انضم إليها أيمن الظواهري -قائد تنظيم الجهاد المصري، ممثل الجيل الأول لتنظيمات العنف- لكنه وجد معارضة شديدة من أنصاره في تنظيم “الجهاد”، رافضين تحوله لجهاد “العدو البعيد” بدلا من جهاد “العدو القريب” الذي كرس تاريخه الجهادي له.

أما أسامة بن لادن، فقد عارض طيلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي قتال المسلم للمسلم تأثرا بأفكار أستاذه عبد الله عزام الذي عارض إراقة دماء المسلمين، بمن فيهم الحكام القوميون، لأن التوجه إلي العدو القريب فيه إضرار بالجهاد والمجاهدين، إذ يؤدي إلي تنفير الناس من الحديث عن الجهاد، وخسارة تعاطف الرأي العام. وذكر “بن لادن” مرارا أن الجماعات المجاهدة التي أصرت علي البدء بالعدو الداخلي قد تعثرت مسيرتها، ولم تحقق أهدافها كإخوان سوريا، وليبيا، والجزائر.

لكن في مرحلة تراجع تنظيم القاعدة، بعد خروجه من أفغانستان بعد الحرب الأمريكية عليها، جري تحول في استراتيجية القاعدة، حيث انتشر أنصارها في الأقاليم، وانهمكوا في القتال ضد الأعداء المحليين “العدو القريب”، وذلك بالمخالفة لدعوة “بن لادن”، التي أكد فيها ضرورة تجنب القيام بعمليات في الدول الإسلامية، تجنبا لسقوط ضحايا من المسلمين، لكن يبدو أنه كان قد فقد السيطرة علي تنظيمه وفروعه في الدول العربية والإسلامية.

وليس أدل علي ذلك من قصة الخلاف الحاد الذي نشأ بين بن لادن مع “أبي مصعب الزقاوي”، قائد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، حول طبيعة العمل الجهادي وأولوياته في العراق. ففيما رأي الزرقاوي ضرورة التركيز علي “قتال طوائف الردة”، كان لـ “بن لادن” رأي آخر، حيث دعا إلي التركيز علي قتال المحتلين، قياسا علي تجربة الصومال، وإدراكا لحساسية سقوط الجندي الأمريكي في المعركة، قياسا بسقوط العراقيين، بصرف النظر عن قربهم أو بعدهم عن خيارات الاحتلال، حيث لم ير بن لادن فائدة من القتال المشار إليه من قبل الزرقاوي، الذي كان يعني قتال كل الجهات التي تعمل مع الاحتلال الأمريكي. وقد اشترط الزرقاوي موافقة بن لادن علي أولوية “قتال طوائف الردة” شرطا للبيعة. وفي حال عدم تحقق الشرط، فإن الخيار هو “التعاون علي الخير، والتعاضد علي الجهاد”.

أما الجيل الثالث من تنظيمات العنف، فقد آثر قتال ومهاجمة “العدو القريب”، ممثلا في حكومات الدول العربية والإسلامية، مثل جماعة “أنصار بيت المقدس” في مصر، أو مهاجمة العدوين معا (القريب والبعيد) مثل تنظيمي “داعش”، و“بوكو حرام”. وإذا كان أنصار الجيلين الأول والثاني قد قاتلوا العدوين القريب والبعيد، أملا في قيام دولة الإسلام، كهدف بعيد المدي، فإن التنظيم الرئيسي في الجيل الثالث للعنف وبعض التنظيمات الأخري يري أن وقت إعلان هذه الدولة (الخلافة) قد حان.

ثانيا- الموقف تجاه إنشاء كيان مؤسسي (دولة أو إمارة):

حيث كان هناك خلاف جذري بين أجيال التنظيمات الجهادية، فالجيل الثاني (تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن) كان يحذر من فكرة الإقدام علي إنشاء كيان جغرافي محدد للتنظيم تحت مسمي الدولة أو الإمارة، في حين أن مسألة تأسيس دولة لدي بعض تنظيمات الجيل الثالث كانت بمنزلة “الحلم”، مثل تجربة “أبي بكر البغدادي” بإعلانه قيام الدولة الإسلامية في العراق، ومحاولة تنظيم “بوكو حرام” -بالتعاون مع حركة “أزواد”- تأسيس إمارة إسلامية في شمال مالي في أبريل 2012. ولكل من الجيلين وجهة نظره فيما يخص إنشاء الدولة، أو كيان جغرفي محدد.

فلم يكن الجيل الثاني -ممثلا في بن لادن وتنظيم القاعدة- مولعا بفكرة تأسيس دولة أو إمارة علي كيان جغرافي محدد، فقد كشفت الوثائق -التي وجدت في مخبأ بن لادن بعد اغتياله- مناقشات جرت بين زعيم القاعدة وقادة التنظيم في جزيرة العرب حول جدوي إنشاء إمارة إسلامية في اليمن، تكون منطلقا للتوسع نحو دول الخليج. فقد حذر“بن لادن” أنصاره من مغبة الإقدام علي تأسيس هذه الإمارة، ودعا إلي التركيز علي “عدو اليمن الخارجي”، ومحاولة كسب رضا السكان المحليين والقبائل، منتقدا العمليات التي نفذتها “القاعدة” ضد القوات اليمنية في كل من “مآرب” و“عتق”، مبررا هذا العدوان بقوله “عسي أن تكون هناك ضرورة دفعت إليها كالدفاع عن النفس”. وأضاف “أما المجاهدون، فإذا أحسنوا التعامل مع القبائل، فستنحاز إليهم، إذ إن أثر الدم في المجتمعات القبلية عظيم”. وقال بن لادن أيضا “لا نريد أن نزج أنفسنا وأهلنا في اليمن في هذا الأمر في هذا الوقت، قبل أن تتهيأ الأوضاع، فنكون كالذي يبني في مجري سيل. فإذا سال، اجتاح ذلك البناء وأسقطه. ثم إذا أردنا بناء البيت مرة ثانية، نفر الناس وانفضوا عن مساعدتنا”.

ولاشك في أن قادة القاعدة قد فشلوا في اتباع مشورة بن لادن في كسب ود السكان المحليين، بعد أن دخلوا “أبين”، و“شبوة”، و“جعار”، و“عزان”، و“زنجبار”، مستخدمين العنف والقوة. كما أن ممارساتهم في هذه المناطق، كقطع الأيدي والرءوس، وقتل المدنيين، قد خلقت عداوة بين القاعدة والسكان المحليين.

والخلاصة أن “أسامة بن لادن” لم يكن مشجعا لفكرة إنشاء إمارة، مالم تكن هناك ظروف مهيأة ومشجعة علي ذلك، وبرضاء السكان المحليين. بل تشير تحليلات أخري إلي أنه كانت لديه حساسية قصوي من إقامة أي إمارة إسلامية.

أما “أبوبكر البغدادي”، فقد كانت تسيطر عليه فكرة تكوين الدولة من خلال السيطرة علي مساحة من الأراضي، تكون نواة لإقامة الدولة الإسلامية الكبري “دولة الخلافة”، من خلال مجابهة العدو القريب. لذا، فقد استغل سيطرة تنظيمه علي الموصل، وتكريت في العراق، وسارع بإعلان الدولة الإسلامية، في سابقة هي الأولي من نوعها، وتم تنصيبه خليفة للمسلمين، ودعا المسلمين إلي طاعته، وهو الأمر الذي جعله ينافس أيمن الظواهري -خليفة بن لادن- بقوة علي قيادة الجماعات الجهادية في العالم.

كما سعت “الدولة الإسلامية”، “داعش سابقا”، إلي إعادة رسم الجغرافية السياسية في المنطقة، وهدم نموذج الدولة القومية القطرية، وبناء نموذج متجاوز لنموذج “سايكس-بيكو”، حيث أعلنت الدولة الإسلامية عن إنشاء ولاية “الفرات”، تضم مدينة “البوكمال” السورية، ومدينة “القائم” العراقية، بحيث تُلغي الحدود بين البلدين، ويكون هناك تواصل أرضي بينهما، مستهدفة من ذلك إزالة الحدود التي فرضتها قوي الاستعمار علي الدول العربية. ومن هنا، كان شغلها الشاغل هو الإعلان عن الدولة الإسلامية في العراق.

وفي الواقع، فإن “دولة البغدادي الإسلامية” تفتقد مقومات الدولة، كما أنها تهدد وحدة العراق، وهي تسعي لفرض الشريعة والأحكام الشرعية علي الناس مباشرة، من خلال محاكمها، وقضاتها، ومؤسساتها البدائية. كما أن هذه الدولة ليست لها حدود متعارف عليها باستثناء خريطة تخيلية تضم مناطق من شرق آسيا لشرق أوروبا، وتشمل مساحات كبيرة من إفريقيا.

ومن ناحية أخري لا تعترف هذه الدولة بأية قواعد استقر عليها المجتمع الدولي، وترفض فكرة الدولة الحديثة، سواء من حيث الحدود، أو الالتزامات الدولية، وتحارب كل القيم الحديثة من خلال مشروع قائم علي “الاستباحة غير المحدودة للجميع”، علي حد قول د. شريف يونس. كما أن هذه الدولة لا تملك من سلطات الدولة سوي توقيع الجزاءات والعقوبات علي السكان المدنيين في المناطق التي يستولون عليها بدون إطار تشريعي أو قانوني سوي ما استقر في وجدانهم من فكر متشدد في تطبيق الشريعة الإسلامية. فبأي منطق يتم طرد مسيحيي الموصل و“الأيزيديين” الذين عاشوا عقودا طويلة كمواطنين أحرار في أمن وسلام في كنف العراق، الدولة الإسلامية والعربية؟، فضلا عما نسب لهم من ممارسات كسبي النساء، وبيعهم كجوار، وبيع أطفالهم كرقيق، وأخذ الفتيات عنوة للزواج من رجالهم، فليست هذه سمات الخلافة الراشدة التي يدعون.

فرسول الإسلام الكريم محمد -صلي الله عليه وسلم- عايش وتعايش مع اليهود من خلال “وثيقة المدينة”، التي تضمنت قيم ومبادئ التعايش المشترك بين كل مواطنيها من المسلمين، واليهود، وبعض المشركين، والإقرار بمبدأ التعددية، والقبول بالآخر المختلف دينيا وعرقيا وثقافيا. كما أن الدارس والمدقق في سيرة نبي الإسلام -صلي الله عليه وسلم- وسنته، يجده قد قدم مثلا إنسانيا رفيعا في التعامل مع الآخر، واحترام حقوقه ومقدساته.

وأين هم من حكم الخلفاء الراشدين؟، فالخليفة الأول أبوبكر الصديق كان يوصي قادة جيوشه بألا يقطعوا شجرة، وألا يهلكوا زرعا، أو حرثا، ولا يقتلوا شاة إلا لمأكلة، وألا يعتدوا علي الشيوخ، والنساء، والأطفال، وألا يتعرضوا لراهب أو عابد في صومعة، فقد كان يحذر جنوده من تدمير المدن، وعدم الاعتداء علي المدنيين. كما أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب منح مسيحيي بيت المقدس “العهدة العمرية”، وهي تعهد موقع من خليفة المسلمين، آمن فيها أهل بيت المقدس علي صلبانهم، وكنائسهم، ومعتقداتهم، وحرياتهم الدينية.

لكن إعلان “البغدادي” للدولة الإسلامية، وتنصيبه خليفة لم يجد ترحيبا من قادة الجهاد العالميين ومنظريه. فالمنظر الجهادي أبو محمد المقدسي أصدر بيانا من محبسه في الأردن، انتقد فيه البغدادي، وقال إن فتواه بضرورة طاعة كل المسلمين له إنما تؤدي إلي المزيد من سفك دم المسلمين، وتبث الفرقة والتنابذ بين الجهاديين. كما بث أنصار الظواهري فيديو يشار فيه إلي مبايعة أسامة بن لادن للملا عمر، زعيم حركة طالبان، ووصفه بأمير المؤمنين، وكان الهدف من ذلك تأكيد أن القاعدة وفروعها ملتزمة ببيعة الملا عمر. كما أعلن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي ولاءه للظواهري، وانتقد دولة البغدادي التي لم تبحث عن دعم كبار قادة الجهاد مثل الظواهري، والملا عمر الذي ضحي بدولة كاملة، وهي أفغانستان، من أجل مجموعة صغيرة من المجاهدين، من بينهم أبو مصعب الزرقاوي، مؤسس الدولة الإسلامية في العراق. كما أشار أبو محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة في سوريا، إلي أن خلافة البغدادي باطلة، وتدفع إلي القتال بين المجاهدين.

والغريب أن “الصراع المسلح” كان هو وسيلة التفاهم عندما دب الخلاف بين تنظيمي “البغدادي” و“الجولاني”، بعد أن ضاق الأخير ذرعا من مراقبة الأول له، ورغبته في السيطرة عليه. وقد سقط نتيجة هذا الصراع أربعة آلاف قتيل، وهنا تدخل الظواهري، وأعلن بقاء تنظيم الدولة الإسلامية في مكانها داخل العراق، وجبهة النصرة في سوريا والشام، دون الدمج بينهما، لكن الطرفين لم يستجيبا لذلك، ودخلت المواجهة بينهما حربا مفتوحة من التكفير والتفجير، مما عده قادة القاعدة انتكاسة للنموذج القاعدي.

ثالثا- إشكاليات الربيع العربي:

لاشك في أن ثورات الربيع العربي التي هبت علي مصر، وتونس، وليبيا، وسوريا، واليمن كانت بمنزلة “الحدث الجلل” كما وصفها بن لادن نفسه، الذي كان مدركا ما آل إليه تنظيمه من تراجع حاد في شعبيته بين العرب والمسلمين، وتصاعد مشاعر العداء تجاهها. كما أن دعوته للجهاد الأممي لم تعد تجد ما ينصت لها بسبب الأعمال الإرهابية المحسوبة علي القاعدة، والتي طالت بعض الدول العربية والإسلامية، وما تسبب فيه تنظيمه من عداء سافر بين الدول الغربية والدول الإسلامية، وشيوع ما يسمي بـ “الإسلاموفوبيا”، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتسببه في تدمير منشآت سيادية أمريكية. وترتب علي هذا الحادث أن أعلنت الولايات المتحدة حربا عالمية علي الإرهاب، كانت نتيجتها احتلال وتدمير كل من أفغانستان والعراق.

ولكن ما إن حدثت ثورات الربيع، إلا ووجد بن لادن وتنظيمه في حرج شديد، فقد كشفت الثورات عن تراجع تنظيمه وفقدانه للمصداقية. فها هي الشعوب قد طالبت بالديمقراطية والتغيير بدون أي دور للقاعدة، وبدون أية وسائط إسلامية متشددة. ففيما كانت الشعوب تطالب بالديمقراطية، كانت القاعدة تعدها “بدعة”، وأنها “كفر بواح”، ولم تجد مقولاتهم بشأن التغيير بالعنف والإرهاب أي صدي في مطالب الثوار. وقد حاول “بن لادن” الاستفادة من الحدث، وركوب الموجة، كما فعل الكثيرون، بأن حث الشعوب التي لم تثر بعد، وشجعها علي الخروج علي الحكام، علي أساس أنه واجب شرعي، مع الأمل في القدرة علي قيادتها بعيدا عن “أنصاف الحلول” التي كانت تدعو إليها السياسات الديمقراطية العلمانية.

زعيم القاعدة كان يقول هذا وهو يعلم أن القاعدة كانت غائبة تماما عن المشهد، فلم تقدم برنامجا سياسيا، أو حتي رؤية عامة للمستقبل. وفي الوقت الذي كان فيه قادة القاعدة يرفضون المشاركة السياسية، وينادون بالعنف والإرهاب، كوسيلة للتغيير، كانت الثورات العربية سلمية. لقد كانت الجماهير تطالب بالحرية، والديمقراطية، وفصل السلطات، وإقامة حياة برلمانية، وكانت كل هذه المطالب رفضا تاما لكل الأفكار التي قام علي أساسها تنظيم القاعدة. ومن هنا، بدا وكأن هناك انفصاما تاما بين الشعوب العربية ومطالبها، والقاعدة وادعاءاتها.

وكما كانت ثورات الربيع العربي كاشفة عن تراجع جيل تنظيم القاعدة، فقد كانت فرصة أيضا لتقدم وصعود جيل ثالث من تنظيمات العنف، نشأ علي هامش الثورات العربية، واستفاد من أخطائها، ومن الفوضي التي أعقبت الثورات، وكذلك من المخاض المتعثر للربيع العربي، وللإخفاق الذي أصاب بعض تجاربه.

وهذا الجيل الثالث من التنظيمات الجهادية الذي نشأ عقب الربيع العربي يتناوله ملف “السياسة الدولية” بقدر كبير من البحث والتحليل، من خلال العديد من المحاور، حيث تم التركيز في جزء منها علي الجانب المفاهيمي الذي يتناول نشأة الظاهرة، وإشكاليات تطور أجيالها، ومصادرها الفكرية، والتصنيفات المتعددة لأجيال العنف، خاصة الجيل الثالث وسماته، في حين تناول الجزء الآخر دراسات حالة منتقاة لظاهرة الجيل الثالث للعنف في عدد من دول الإقليم التي انتشرت فيها هذه الظاهرة بوضوح، وهي مصر، والعراق، وسوريا، وليبيا، والمغرب العربي، والساحل والصحراء.

(*) تقديم ملف ” الجيل الثالث للعنف.. فيم يختلف؟ وكيف ينتشر؟، مجلة السياسة الدولية، العدد 198، أكتوبر 2014
عن مجلة السياسة الدولية

السلفيون والأزمة اليمنية.. بين الدعوة والسياسة والسلاح

السلفيون والأزمة اليمنية.. بين الدعوة والسياسة والسلاح
بقلم / جمال الدين أبوحسين
الأحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2014
تثير سيطرة جماعة أنصار الله الحوثية على صنعاء وتمددها في اليمن، أسئلة مازال بعضها مقترنا بغموض مثل السؤال عن موقع التيارات السلفية اليمنية في هذا الصراع وموقفها تجاهه.

وتتطلب الإجابة على هذا السؤال رسم خريطة لأهم التيارات السلفية في اليمن، وتبيان الفروق بينها، ومراحل تطورها في العقود الثلاثة الأخيرة ومواقفها من الثورة اليمنية وحدود تأثرها بها، وصولا إلى موقعها في الصراع الراهن الذي ستقرر نتائجه مصير بلد عربي صار ضمن ضحايا حالة الاضطراب الإقليمي المتزايد.

أولا: التيارات السلفية في اليمن واتجاهاتها وتطورها:

للسلفية أكثر من تعريف اصطلاحي يدور فحواها جميعا حول معنى واحد هو: ما كان عليه الصحابة والتابعون(1) وسائر أصحاب الكتب الصحاح والسنن، دون من رمي بالبدعة أو شهر بلقب غير مرض مثل: الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية والجهمية والمعتزلة.(2)

ويضيف الشيخ محمد عبده مزيد معنى للسلفية هو أنها: “فهم الدين على طريق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، أو الرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى”(3)، ويرى الشهرستاني أن التحديد الزمني“ليس كافيا في الانتساب للسلف، لأن العبرة هي اتباع منهج السلف في تعاملهم مع القرآن والسنة، عقيدة وشريعة وسلوكا”(4).

ويستفاد من ذلك أن المنهج السلفي لا يرتبط بمذهب فقهي معين، وإن كان المذهب الحنبلي هو أحد أهم روافده، ولا يهتم بتخصص معين في العلم الشرعي. وكذلك لا يرتبط بحقبة زمنية محددة، بل هو منهج يسع كل التخصصات الشرعية وكل المذاهب الفقهية.

ارتبطت السلفية في اليمن باسم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الذي ولد في قرية بمحافظة صعدة في شمال اليمن ونشأ بها، ودرس علوم النحو واللغة، ثم انتقل إلى نجران ومكث فيها يواصل الطلب على بعض علمائها، وكانوا من طائفة المكارمة(5)، ثم رحل بعد ذلك إلى مكة، ودرس على علماء الحرم، والتحق بدار الحديث، ثم انتقل إلى المدينة، والتحق بالجامعة الإسلامية، ونال منها درجة الماجستير في علوم الحديث، ثم تغير مذهبه الزيدي في الفروع والأصول إلى مذهب أهل السنة والجماعة والتزم فقه وفكر المنهج السلفي.

ثم عاد الشيخ مقبل إلى اليمن، ومعه زاد من العلم يكفي لنشر دعوته ومذهبه الجديد مدعوما بماجستير في علم الحديث الذي تميز فيه حتى أُشير إليه بالبنان كأحد أقطابه، وأخذ الشيخ في نشر المذهب الجديد في مسقط رأسه في صعدة باليمن وأنشأ دارًا للحديث، فكانت النواة التي أخرجت بعد ذلك كل التيارات السلفية سواء التقليدية أو الحديثة، وانتشرت دعوة الشيخ في كافة بقاع اليمن تقريبا واستوعبت دار الحديث طلبة العلم من شتى بقاع الأرض.

وهناك تيارات سلفية كثيرة في اليمن يمكن اختزالها في ثلاثة هي:

التيار المشيخي، ويندرح ضمنه الشيخ مقبل الوادعي، مؤسس سلفية اليمن، وأهم سماته عدم الصدام مع الأنظمة الحاكمة، كما أنه لا يقر لها بالشرعية، والتيار الجامي(6) أو المدخلي(7)، ويتبعه الشيخ يحيى الحجوري، وأهم سماته إقراره بالأنظمة الحاكمة بالشرعية ووجوب الطاعة لها، والتيار السروري، نسبة إلى الشيخ محمد سرور(8)، ويميزه تحفظه على شرعية الأنظمة، من دون الدعوة إلى التكفير أو إلى رفع السلاح ضدها، وهو لا يشارك في العملية الديمقراطية باعتبارها مشاركة في التزوير، كون الأنظمة تتحكم في الانتخابات تحكما كاملا(9).

والملاحظ على هذه التيارات الثلاثة أنها لم تخرج عن أصول المنهج السلفي الذي يمنع الخروج على الحاكم مطلقا ما لم يأت بكفر بواح أو يمنع إقامة الصلاة، سواء اعترفوا بشرعية الحاكم وأقروه على الحكم، كما فعل الشيخ يحيى الحجوري وشيخه المدخلي، أو خالفوه ولم يخرجوا عليه كالشيخ مقبل وأصحاب التيار السروري، وذلك من أجل عدم الوقوع في مفسدة أعظم وهي سقوط الدولة وتمزق وحدتها.

وقد مرت السلفية في اليمن بثلاث مراحل:

1- مرحلة المنهج السلفي العلمي أو التقليدي

تعد مرحلة حياة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ومن بعده تلامذته مثل الشيخ يحيى الحجوري والشيخ أبي الحسن المأربي، نموذجا لمنهج السلفية العلمية أو التقليدية سواء الجامية أو المشيخية أو السرورية، إلا أن هناك عدة انقسامات تمت بين تيارات المنهج السلفي التقليدي، ظهر بعضها في حياة الشيخ المؤسس وظهر الآخر بعد رحيله.

ففي أثناء حياته عام 1990م قرّرت مجموعة من السلفيين تأسيس ما يعرف بـ“دار الحكمة اليمانية الخيرية”، الأمر الذي أثار غضبه، لأنه رأى في تأسيسها مقدمة للعمل الحزبي ودخول معترك السياسة، وتمزُق الصف السلفي إلى تيارات، وسقوط هيبة علمائه، فقد كان موقفه يرفض العمل السياسي ويرى أنه لا يتناسب مع الدعوة .

وبعد عامين أي في سنة 1992م حدث انشقاق آخر داخل جمعية الحكمة نفسها، وأُعلن عن تأسيس جمعية الإحسان الخيرية، وبعد رحيل الشيخ مقبل في 2001م تطور الخلاف بين كبار تلامذته كأبي الحسن المأربي وخلفاء الوادعي وعلى رأسهم يحيى الحجوري، الذي هاجم هو وشيخه ربيع المدخلي، الشيخ أبا الحسين واتهموه بتحريف السلفية عن منهجها ومقاصدها.

2- مرحلة العمل الخيري

شهدت تبلور السلفية الجديدة الحركية عملها المؤسسي، من خلال كيانات أبرزها جمعية الحكمة اليمانية وجمعية الإحسان الخيرية ويعرف أتباعها بالتيار السروري.

أ- جمعية الحكمة اليمانية:

نشأت في عام 1990م، مخالفة لما اعتاده التيار السلفي التقليدي الذي يرفض إنشاء مثل هذه الجمعيات ويعتبرها من قبل العمل الحزبي المحرم. والتزمت الجمعية نفس المنهج السلفي السائد في اليمن والسعودية وهو التركيز على مباحث التوحيد، والتحذير من مضار البدع على الأمة وكيفية التصدي لها، مع بعض الأنشطة الخيرية، ويقع مقر الجمعية الرئيسي في محافظة تعز وكذلك محافظة إب، ويقوم عمل الجمعية الأساسي على الجانب الدعوي والخيري، وإنشاء مساجد على نفقاتها في مراكز مختلفة مع تدريب شبابها علميا، وإعدادهم للإمامة في تلك المساجد.

وتوجد علاقة وطيدة بين الجمعية وجمعية إحياء التراث الكويتية الخيرية التابعة لفكر ومنهج الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق(10)، وتعتمد في جزء كبير من تمويلها المالي على جمعية إحياء التراث، وتعد جمعية الحكمة الأكثر تعاونا وانفتاحا على التيارات الإسلامية السنية الأخرى وخاصة تيار الإصلاح، وتتجاوب بشكل أكبر مع المتغيرات السياسية والفكرية المستجدة على المشهد والساحة اليمنية، مع اهتمامها بشكل مباشر بقضايا المسلمين وخاصة قضية فلسطين.

ب- جمعية الإحسان الخيرية:

حدث خلاف بين بعض مؤسسي جمعية الحكمة اليمانية بسبب التبعية لجمعية إحياء التراث الكويتية وشيخها عبد الرحمن عبد الخالق، وضوابط التعامل مع الأنظمة الحاكمة الديمقراطية، بالإضافة إلى قضايا الانتخابات والأحزاب ومدى شرعيتها، فحدث تصدع بين مؤسسيها نتج عنه تأسيس جمعية جديدة تحت اسم جمعية الإحسان الخيرية سنة 1992م! وارتبطت جمعية الإحسان ارتباطا وثيقا مع جماعة المنتدى الإسلامي في لندن، التي تمتلك قدرات مالية هائلة من خلال العديد من الاستثمارات والتبرعات، وترفض الجمعية كل أشكال السياسة على الساحة اليمنية من انتخابات وتعددية سياسية وديمقراطية، غير أنها تهتم بشكل كبير بالقضية الفلسطينية من خلال خطابها الإعلامي.

ج- حركة الحرية والبناء السلفية:

ظهرت الحركة في مدينة إب، ويرأسها الشيخ يحيى الوجيه، أحد وجوه سلفية جمعية الحكمة، وتهتم الحركة بالعمل الاجتماعي، وتوجهها السياسي تبلور من رحم ائتلافات الثورة، وللحركة جملة من الفعاليات والأنشطة والكتابات وأيدت الحركة من قبل قائد الجيش المناصر للثورة اللواء علي محسن الأحمر(11).

ثانيًا: موقف السلفيين في اليمن من العمل الحزبي والمشاركة السياسية

ربط جمع من علماء الدين العمل الحزبي والمشاركة السياسية بتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فأينما توجد المصلحة فثم صحيح الدين، لذلك نجد فتاواهم تبيح المشاركات الإيجابية، إذا كانت هناك مصلحة ومنهم الشيوخ:

جاد الحق علي جاد الحق، ود. نصر فريد واصل،وعبد العزيز بن باز ومحمد صالح بن العثيمين، و د. يوسف القرضاوي، و د. عبد الكريم زيدان، و مناع قطان، و د. عمر سليمان الأشقر(12)

ويثير موقف السلفيين عموما من العمل السياسي مسألة أساسية وهي منهجهم في التعامل مع الآخر المختلف، ويرتبط هذا المنهج بتحديد طبيعة الخلاف مع الآخر فينقسم الخلاف(13) إلى خلاف تضاد وغالبا ما يكون في العقائد ومثاله اختلاف أهل السنة مع الخوارج والشيعة والمعتزلة والجهمية، والمرجئة. وهذا النوع من الاختلاف لا يتسامح فيه أصحاب المنهج السلفي قديما وحديثا، ويحاولون جاهدين الرد على المخالف كما فعل الكثير من العلماء في القرون الثاني والثالث والرابع الهجري(14)، بشأن عقيدة الألوهية والأسماء والصفات، ومن قبلهم الصحابة حيث رد عبد الله بن عمر على القدرية عندما تبرأ ممن زعموا أنه لا قدر وأن الأمر أُنف، وكذلك رفض الإمام أحمد بن حنبل القول بخلق القرآن الذي تبنى فيه الخليفة العباسي المأمون رأي المعتزلة، وقد ألف في هذا الصدد الكثير من علماء المنهج في الرد على مخالفيهم في قضايا العقيدة(15)

وثمة نوع آخر من الاختلاف وهو اختلاف التنوع وهو ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين مشروعا مثل تنوع القراءات ودعاء الاستفتاح، وأكثر اختلافات هذا النوع يقع في مسائل الأحكام، ولم يخل منها حتى عصر الصحابة، ومثاله حديث غزوة بني قريظة(16).

وكذلك كان الشافعي يقول(17): رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وقال يونس الصًّدفيُّ: ما رايتُ أعقل من الشافعي ، ناظرتُه يوماً في مسألة ، ثم افترقنا ، ولقيني ، فأخذ بيدي ، ثم قال : يا أبا موسى ، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة. (18)، وقول ابن تيمية وهو أحد رموز المنهج السلفي في القرن السابع الهجري: “الاختلاف في مسائل الأحكام أكثر من أن ينضبط ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء من مسائل الأحكام تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا إخوة”.

3- مرحلة العمل الحزبي

وتتميز هذه المرحلة بازدياد تفاعل بعض التيارات السلفية مع التغيرات الحادثة في المشهد اليمني، حيث بدأ بعضها في استيعاب المتغيرات على الساحة، فتم إنشاء حزب اتحاد الرشاد اليمني ليجمع تحت لوائه تيارات المنهج السلفي. وقد أُنشئ في مارس 2012م، بعدما كان هناك عزم على إنشاء كيان سياسي للسلفيين من قبل بعض رموز جمعيتي الحكمة والإحسان،. وقد شارك في تأسيسه: محمد بن موسى العامري، وعبد الوهاب الحميقاني، وعبدالله الحاشدي، وعبد الرب السلامي، من جمعية الإحسان الخيرية، وكذلك كل من: عقيل المقطري، ومراد القدسي، وعبد الله بن غالب الحميري، من جمعية الحكمة، وإن كانت قيادات أخرى في هذه الجمعية أبدت تحفظًا على المشاركة.

وعندما حدث خلاف حول قضية الجنوب انفصل بعض المنتمين إليه عن اتحاد الرشاد السلفي بسبب عدم إعطاء هذه القضية الاهتمام الكافي وأسسوا حركة النهضة على أساس أن موقف اتحاد الرشاد من قضية الجنوب لم يختلف كثيرا عن موقف النظام السابق، وفق ما أعلنه السيّد صالح يسلم قدار، رئيس حركة النهضة في يافع وأبين.

وبمناسبة هذه القضية تجدر الإشارة إلى أن المنهج السلفي بوجه عام يرفض التقسيم في أيٍ من الدول الإسلامية، وكذلك الحال في التعامل مع مشكلة الجنوب. لكن المنهج السلفي يواجه مشكلة في هذه القضية بسبب غضب الشارع في المحافظات الجنوبية، والدور الإيراني الداعم لانفصال الجنوب لتسهيل قيام إقامة دولة شيعية في الشمال.

وكان انطلاق الثورة اليمنية في 11 فبراير2012م، اختبارًا كبيرًا للسلفية، وفي خلال شهور الثورة ظهر التباين واضحا في مواقف التيارات المنتمية للمنهج السلفي. فقد أيد البعض السلطة، وهم أصحاب المنهج السلفي العلمي التقليدي، مثل يحيى الحجوري وتلامذته وكذلك أبي الحسن المأربي وتلامذته الذين طالبوا جميعا بالتزم طاعة ولي أمر المسلمين على حد وصفهم، وحرموا الخروج عليه، كما وصفوا الاعتصامات والمظاهرات بأنها ليست من الإسلام في شيء، وأنها تفضي إلى فتن كثيرة وتفتت الدولة اليمنية.

وعلى النقيض جاء موقف عدد من علماء ودعاة المنهج السلفي اليمني متضامناً مع الثورة، وشاركوا فيها كذلك، وأكثر هؤلاء كانوا من جمعيتي الحكمة والإحسان، ولم ينس هؤلاء المؤيدون للثورة اليمنية أن يحملوا على أصحاب المنهج التقليدي لوقوفهم مع الظلمة (نظام عبد الله صالح) باسم الدين.

أما القسم الثالث فقد توقفت عن تأييد أو معارضة الثورة اليمنية، وكان أغلبهم أيضا من جمعيتي الحكمة والإحسان وأطلقوا عدة بيانات وسطية بعد تصاعد وتزايد حدة الثورة مؤكدين على حق الأمة اليمنية في الإنكار على حكامها وفي التغيير السلمي ومطالبين جنود الجيش وضباطه بعدم استخدام الرصاص الحي والعنف في تفريق المتظاهرين ورد المسيرات وفض الاعتصامات.

ثالثا: أبعاد الصدام الراهن بين السلفيين و“الحوثيين”:

أحدث الصدام مع “الحوثيين” تغييرا جوهريا في منهج السلفيين في اليمن باتجاه حمل السلاح والقتال، فرغم أن أصحاب المنهج السلفي لا يحملون السلاح على الغير، إلا أن التيار السلفي العلمي بصعدة اضطر إلى حمل السلاح واستخدامه والصمود لسنوات مدافعا عن معهده العلمي ومشايخه في صعدة، بعدما عجزت الحكومة عن الدفاع عنهم، وحتى معركة دماج الأخيرة التي صمد السلفيون فيها أمام القوات الحوثية المنظمة والمدربة على كافة أنواع السلاح، وظل صمودهم قرابة المائة يوم، قُتل خلالها وجرح عدة آلاف منهم، ورغم ذلك تم تهجيرهم مع أهل دماج السُنة، خارج المدينة بعد اتفاقية رأوها جائرة بين الحكومة والحوثيين، ويثير هذا التغيير الجذري قضية قابلية المنهج السلفي للتجديد.

فيرى جمع من العلماء والمتخصصين أن من أهم مثالب السلفية الجمود والوقوف على منهج بات من الماضي العتيق، يقوده الأموات من قبورهم، وأنه لا يوجد أي تجديد يذكر في المنهج السلفي منذ عهد التابعين تقريبا، ويرد أصحاب المنهج السلفي بأنه ليست الحداثة كلها خيرًا وكذلك ليس القديم كله خيرًا، فالفيصل في الأمور هو المصالح والمفاسد، وهناك قسمان في المنهج السلفي يتميز كل منهما بسمات ومظاهر فالقسم الأول يشمل العقيدة والأخبار والأحكام الشرعية فكل هذا لا يتبدل ولا يتغير منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مرورا بالصحابة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، أما القسم الثاني فيلحقه التغيير والتجديد كالفتاوى المرتبطة بالعرف والعادة والاجتهاد، ويكون ذلك التغيير مرتبط بتغير الزمان والمكان وأحوال الناس، ويكون التغيير بضوابط الشرع، وتراعى فيه المصالح والمفاسد.

ويتضمن القسم الثاني جانبا مهما هو القابلية للتجديد المستمر في الأمور والشئون الدنيوية والوسائل الحياتية فهذه جميعا قابلة للتغيير والتطوير، كتطوير الوسائل التكنولوجية والتصنيع إلى غير ذلك من الأمور. وهذا يفسر التغيير الذي لم يكن متوقعا في اليمن، وهو اتجاه قطاع كبير من السلفيين إلى العمل المسلح للدفاع عن النفس بدون التحول الذي يحدث في مثل هذه الحالة، وهو الانتقال من السلفية العلمية أو التقليدية إلى السلفية الجهادية.

الهوامش:

(1)عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “خيرُ الناسِ قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم…” . رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم
(2) ملامح رئيسية للمنهج السلفي – د. علاء بكر – مكتبة فياض ص 17:13، بتصرف يسير.
(3)الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده (340)، دراسة وتحقيق محمد عمارة، بيروت 1972، ص 318.
(4) الملل والنحل (الجزء الأول)، دار الكتب العلمية، ص44.
(5) الإسماعيلية السليمانية (المَكَارِمة): وهي فرقة إسماعيلية عبيدية مستعلية طيبية، انشقت عن الطيبية “البهرة” الداودية عام: 999م، ونسبتهم إلى سليمان بن حسن, وتوجد في مدينة حراز باليمن, كما توجد في مدينة نجران بالسعودية.
(6) محمد أمان بن علي جامي 1349 هـ – 1416 هـ ولد في الحبشة، وكان على المذهب الشافعي، وسافر إلى السعودية وطلب العلم فيها، وصار له تلاميذ وطلبة علم منهم الشيخ ربيع المدخلي.
(7) الشيخ ربيع المدخلي شيخ سعودي، مواليد 1932م، حصل على درجة الماجستير في الحديث من جامعة الملك عبد العزيز فرع مكة عام 1977، وفي عام 1980م حصل على الدكتوراه من جامعة الملك عبد العزيز أيضاً بتقدير ممتاز..
(8) الشيخ محمد سرور زين العابدين سوري الأصل كان مدرسا في سوريا، ثم تعاقد مع المعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود، ودرس في المعهد العلمي ببريدة وعرف عنه نشاطه وتطلعه العلمي والدعوي والحركي. والسرورية فكر ومنهج وتنظيم، ومنشأ هذا الفكر السعودية ثم تعداها إلى بلاد أخرى، وهذا التيار ليس سلفيا كاملا، بل يجمع بين السلفية والإخوانية في رأي كثير من الخبراء.
(9) حركات الإسلام السياسي في اليمن – د. عبد الملك محمد عبد الله عيسى – مركز دراسات الوحدة العربية، ص 166.
(10 الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق ولد بمحافظة المنوفية بمصر، حصل على العالمية من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعمل مدرسا بمدارس الكويت ثم عمل في مجال البحث العلمي بجمعية إحياء التراث الإسلامي وقد صدر مرسوم أميري بتاريخ 31 أكتوبر عام 2011 بمنحه الجنسية الكويتية.
(11) علي محسن صالح الأحمر قائد عسكري يمني، بادر بتأييد الثورة اليمنية، وله معارك مع التنظيم الحوثي، وسافر للسعودية بعد سقوط صنعاء.
(12) د. محمد يسري إبراهيم – المشاركات السياسية المعاصرة في ضوء السياسة الشرعية – ص 72-73 دار اليسر ، الموازنة بين المصالح والمفاسد وأثرها في الشأن المصري العام بعد الثورة ص 155 دار اليسر، ومعظم هؤلاء المشايخ وعلى رأسهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن العثيمين لهم كلمة مسموع في الوسط السلفي، في كافة أنحاء العالم.
(13) انظر اقتضاء الصراط المستقيم – لابن تيمية – ص 49،50،51 طبعة مكتبة الصفا – 2005م
(14) يعتقد البعض أن ابن تيمية هو أول من تحدث في تفاصيل قضايا التوحيد والعقيدة، ولكن الصحيح أن العشرات من علماء السنة سبق ابن تيمية بمئات السنين في الرد على أصحاب المذاهب والملل الأخرى، ولهم مؤلفات في هذا الصدد انظر الحاشية رقم 15.
(15) على سبيل المثال: شرح السنة لأبي محمد الحسن بين علي البرهاوي، المتوفي سنة 329هـ، نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد، لعثمان بن سعيد الدارمي المتوفي سنة 280هـ، اتحاف الأمة بشرح صحيح السنة للطبري المتوفي سنة 310هـ، الرؤية للدارقطني المتوفي سنة 385هـ، التوحيد لابن خزيمة المتوفي سنة 311هـ، الأسماء والصفات للبيهقي المتوفي سنة 458هـ وغير هؤلاء الكثير لن يمنعنا من ذكرهم إلا خوف الإطالة.
(16) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) ففهم بعض الصحابة أن المراد به ظاهر الحديث وقالوا لا نصلي إلا في بني قريظة، حتى ولو دخل علينا العشاء، وجماعة أخرى قالوا: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الحض على سرعة المسير وقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103]، يشهد لهذا الرأي وصلوا العصر قبل الوصول لبني قريظة، ورغم اختلافهم رضي الله عنهم إلا أنهم لم يتنازعوا ولم يكفر أو يفسق بعضهم بعضا، وعند لقياهم النبي صلى الله عليه وسلم حَكَوا له الخلاف، (فلم يعِبْ على أحد) انظر الحديث بتمامه في البخاري برقم :4117 , ومسلم برقم: 1769, وانظر فتح الباري وكذلك شرح النووي لمسلم لهذين الحديثين ففي قولهما فوائد جمة، خالفها أكثر اصحاب المنهج السلفي في عصرنا هذا.
(17) وأهل سنة اليمن ومنهم أصحاب المنهج السلفي مذهبهم الفقهي المعتمد هو المذهب الشافعي.
(18 سير أعلام النبلاء – جـ6 – صـ 399 – طبعة مؤسسة الرسالة – تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط
عن مجلة السياسة الدولية

حقائق ومعلومات حول تنظيمات المعارضة السورية الاسلامية

بينما كان وفد”الائتلاف الوطني السوري”المعارض برئاسة أحمد الجربا يعقد لقاءات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بينها لقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وإلقاء كلمة أمام ممثلي مئة دولة من”مجموعة أصدقاء سورية”، جاءه خبر صاعق: إعلان 13 فصيلاً عدم الاعتراف بـ”الائتلاف”والحكومة الموقتة التي قرر تشكيلها برئاسة أحمد طعمة، ومطالبته بإعادة تنظيم المعارضة في إطار إسلامي.

قرر الجربا التريث في الذهاب إلى واشنطن لعقد لقاء مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، واجتماع في البيت الأبيض مع”احتمال أخذ صورة”مع الرئيس الأميركي باراك أوباما.

وعاد إلى اسطنبول لمعالجة الأزمة الكبيرة التي عصفت بـ”الائتلاف”، إذ كان بين الموقعين”جبهة النصرة”بزعامة أبو محمد الفاتح الجولاني و”أحرار الشام الإسلامية”بزعامة حسان عبود أبو عبدالله الحموي و”صقور الشام”بزعامة أحمد عيسى الشيخ أبو عيسى و”لواء التوحيد”بزعامة عبدالقادر صالح، إضافة إلى”لواء عاصفة الشمال”بزعامة سمير عموري قائده العسكري النقيب أحمد العزالي. واعتبرت هذه القوى أن”كل ما يتم من التشكيلات في الخارج من دون الرجوع إلى الداخل لا يمثلها ولا تعترف به. بالتالي، فإن الائتلاف والحكومة المفترضة برئاسة طعمة لا يمثلانها ولا تعترف بهما”.

المفاجأة أن هذه الفصائل، وهي أكبر الكتائب المقاتلة على الأرض شمال سورية، كان معظمها يعمل تحت لواء”الجيش الحر”عندما كان الحديث يدور عن تقوية المعتدلين وتوحيد أقنية الدعم المالي والعسكري، إضافة إلى أنها تضم أكثر من 50 ألف مقاتل. وتبين لاحقاً أن البيان لم يكن سوى خطوة من مشروع متكامل.

ووفق المعلومات المتوافرة لـ”الحياة”، فإن الخطة المتفق عليها بين هذه الفصائل، مدعومة اقليمياً استباقاً للحل السياسي، تقوم على ثلاث مراحل: إصدار بيان نزع الشرعية من”الائتلاف”وتنظيمها صفوفها وتوحدها في كتلتين رئيستين. واحدة في الشمال والثانية في الجنوب، إعلان حكومة عسكرية لـ”إعطاء القرار للعسكر في الداخل”والتعبير عن الموقف السياسي لهذه القوى الإسلامية القائم على”إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه”ما يعني”رفض الحوار أو التفاوض”معه.

في شمال سورية قرب حدود تركيا، من المقرر أن يتشكل”جيش محمد”من جماعات”أحرار الشام”و”لواء التوحيد”المنضوية تحت لواء”الجبهة الإسلامية السورية”. ووفق وثيقة اطلعت”الحياة”على نصها، توافرت شروط ضرورة تشكيل”جيش إسلامي تكون نواته الفصائل الإسلامية الأكثر تأثيراً والأكبر حجماً، مع مراعاة الظروف المحيطة بالثورة عبر التدرج في تأسيس هذا الجيش بحيث لا يؤثر في جبهات القتال”ضد قوات النظام. وتضيف الوثيقة، التي تضم 20 صفحة، أن تأسيس الجيش المذكور سيتم على ست مراحل بدأت في الشهر الماضي وتنتهي في كانون الأول ديسمبر من عام 2014″يتخللها تحقيق أهداف مرحلية أيضاً تتجسد في توحيد الجيش تحت قيادة موحدة ويكون قوامه مئة ألف مقاتل خلال 18 شهراً وصولاً إلى 250 ألفاً خلال 30 شهراً، مع ضرورة التخلص من فوضى السلاح وتأمينه ذاتياً من طريق التصنيع”.

في غوطة دمشق جنوب البلاد قرب حدود الأردن، أُعلن عن تأسيس”جيش الإسلام”من 43 فصيلاً رئيسياً بينها”لواء الإسلام”بزعامة زهران علوش الذي أصبح زعيماً للتكتل الجديد، إضافة إلى رئاسته”جبهة تحرير سورية”التي تعتبر منافسة أو موازية لـ”الجبهة السورية الإسلامية”. وشارك في”جيش الإسلام”فصائل بينها”لواء سيف الحق”و”لواء درع الغوطة”و”لواء الفاروق”و”لواء جبهة الساحل”.

علوش من مواليد دوما في ريف دمشق في عام 1970. وهو ابن الشيخ عبدالله علوش من”مشايخ دوما العاملين والمعروفين بالتمسك بمنهج أهل السنّة والجماعة والدعوة إليه”، وفق بيان من”جيش الإسلام”. التحق بكلية الشريعة في جامعة دمشق، ثم أكمل الدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة في كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، ثم درس الماجستير في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وكان قبل الثورة يعمل في مجال المقاولات، حيث أسس شركة للخدمات المساندة للإعمار.

وكان علوش ملاحقاً أمنياً عام 1987 إلى أن سجن في 2009 في سجن صيدنايا العسكري الأول وأفرج عنه في 22 حزيران يونيو 2011. وقال البيان:”بعد خروجه من السجن عمل على تأسيس قوة عسكرية لمحاربة النظام كان اسمها في بدايتها سرية الإسلام، ثم تطورت إلى أن صارت لواء الإسلام في الوقت الحالي”.

واضح أن تشكيلي”جيش الإسلام”و”جيش محمد”سيأخذان منحى سنّياً، حيث جاء في الوثيقة أن”جيش محمد”سيقوم بـ”اعتماد مذهب أهل السنّة والجماعة أساساً لهذا الجيش واستبعاد كل شخص ينتمي إلى جهة أو طائفة أو فئة لا تنتمي إلى أهل السنة والجماعة”، لكنها نادت بضرورة”البعد عن الطائفية في طريقة تعاملنا مع جميع الأشخاص الذي ينتمون إلى الأديان والطوائف أو المذاهب الأخرى، مع أخذ الحيطة والحذر والحرص منهم وعدم تمكينهم من قيادة الأمة في المستقبل.

اللافت أن زعماء”جيش الإسلام”زهران علوش من ريف دمشق و”أحرار الشام”حسان عبود من حماة و”صقور الشام”أحمد عيسى الشيخ من إدلب أمضوا وقتاً في سجن صيدنايا قرب دمشق. ومن غير المستبعد أن يكونوا قد تعرفوا أيضاً على زعيم”النصرة”أبو محمد الجولاني من ريف دمشق في صيدنايا. اللافت أنهم جميعا خرجوا من السجن بعد أشهر على اندلاع الاحتجاجات السلمية. كما أن عدداً من قادة الكتائب الإسلامية وكوادرها كان من الذين قاتلوا القوات الأميركية في العراق.

خطط التوحد واتخاذ خطوات استباقية، كانت موجودة لدى كتائب إسلامية منذ أشهر بهدف تأسيس كيان بديل من القيادة السياسية في الخارج، غير أن ضغوطات مورست عليها لدى الحديث عن توسيع”الائتلاف”في أيار مايو الماضي. لكن هذا التوسع ذاته تحول إلى مشكلة بالنسبة إلى كتائب إسلامية بسبب اعتقادها بعدم حصولها على ثقل مناسب لوزنها لدى رفع عدد أعضائه من 63 إلى 114 عضواً، عبر دخول قوى ديموقراطية وتراجع دور”الإخوان المسلمين”والدول الإقليمية الداعمة في الجسم السياسي للمعارضة.

وهنا، يقول أحد قادة المعارضة إن الكتائب الإسلامية أرادت أن”ترد”على طعمة، عندما قال الأخير إنه لن يقبل بالقضاء الشرعي، وإن القانون الوضعي هو الذي سيطبق في سورية، إضافة إلى قوله إنه”لن يسمح أن تؤخذ سورية إلى تيار غير ديموقراطي”. ووفق المعارضة، فإن المحاكم الشرعية هي أول لبنة لتأسيس دولة الخلافة، ومن يؤسس المحاكم الشرعية سيأخذ البلاد إلى خيار غير ديموقراطي. وليس خفياً، أن المحاكم والهيئات الشرعية انتشرت في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام.

وما زاد من شكوك الإسلاميين، الحديث عن تأسيس”جيش وطني”يحارب”المتشددين”ثم تعيين طعمة رئيساً للحكومة الموقتة بدلاً من”الإخواني”غسان هيتو، “الجيش الحر”كان اعترض على تسمية هيتو رئيساً للحكومة الموقتة، إضافة إلى صفقة السلاح الكيماوي بين روسيا وأميركا التي أعادت النظام السوري طرفاً محاوراً مع المجتمع الدولي بالتزامن مع الحديث عن عقد”جنيف – 2″لتشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة مع الإبقاء على مؤسسات الدولة بحيث تكون المشاركة لكل الأطراف”من دون شروط مسبقة”.

وفي موازاة توحد الكتائب الإسلامية الكبرى، بدأ مقاتلو”الدولة الإسلامية في العراق والشام”معارك سواء لدى اقتحامهم مقار”لواء أحفاد الرسول”في الرقة شرق سورية قبل أسابيع أو القيام بمهاجمة مقر لـ”جبهة النصرة”في منطقة الشدادي في دير الزور شرق البلاد، أو المواجهات التي اندلعت مع لواء في”الجيش الحر”في قرية حزانو في إدلب في شمال غربي البلاد. لكن المواجهات بين”الدولة الإسلامية”و”لواء عاصفة الشمال”في مدينة أعزاز قرب حدود تركيا، كانت التطور الأبرز بالنسبة إلى العلاقة بين المتشددين و”الحر”. إذ اقتحم مقاتلو”الدولة الإسلامية”أعزاز ضمن خطة ترمي إلى السيطرة على الريف الشمالي، كشف الناطق باسم”الدولة الإسلامية”عن سببها في تسجيل إذاعي قبل أيام، من أنها جاءت بسبب تخوف مقاتليها من تشكيل”صحوات سورية”كما حصل في العراق لدى مقاتلة المتطرفين وحرمانهم من الحاضنة الشعبية.

كما أن”قوات حماية الشعب الكردي”التابعة لـ”مجلس غرب كردستان”و”الاتحاد الديموقراطي الكردي”بزعامة صالح مسلم، سعت إلى تأسيس إدارة محلية ذاتية في شمال سورية وشمالها الشرقي لـ”ملء الفراغ”الذي خلفه خروج هذه المنطقة عن سيطرة النظام.

واضح أيضاً، أنه كلما اقترب المسار من الحل السياسي في مؤتمر”جنيف – 2″بصيغته الراهنة القائمة على”حكومة انتقالية”تضم مسؤولين من النظام والمعارضة وليس على”إسقاط النظام”، تغيرت التحالفات على الأرض.

“جبهة النصرة”تستدعي نموذج”القاعدة”

وتجاوز حدود سايكس – بيكو

في منتصف 2011، دخل أربعة أشخاص من العراق إلى سورية، هم:”أبو محمد الفاتح الجولاني”و”أبو عماد”من إحدى الدول الخليجية و”أبو الفيصل العراقي”و”القحطاني”. كان هدف الجولاني، الذي خرج من السجون السورية بعد اندلاع الحراك في بداية ذاك العام، من الذهاب إلى العراق، لقاء أبو بكر البغدادي زعيم”الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

أبو محمد الفاتح الجولاني، نازح من هضبة الجولان المحتلة ويعيش في ريف دمشق. وهو في منتصف الثلاثينات من العمر. وبناء على تكليف البغدادي قام الجولاني بجولة في ريف وسط سورية وشمالها قدم في ضوئها دراسة إلى البغدادي. ويعتقد على نطاق واسع أن دراسة موقعة باسم”عبدالله بن محمد”، أنه كان أساساً في تأسيس”النصرة”.

وجاء في الدراسة التي اطلعت عليها”الحياة”، أن سورية”ستكون منطقة مقفلة عسكرياً أمام أي تدخل خارجي وقد جاءت الأحداث بصدق ذلك وبسوء تقدير كل من راهن على السيناريوين التونسي والمصري الناعمين في إسقاط النظام أو السيناريو الليبي المدعوم من الخارج”حتى يصل إلى أنه بات واضحاً أن الحالة السورية ستتميز بـ”سيناريو خاص”باعتبار أن”سورية أو الشام هي أحد أهم المسارح الاستراتيجية للحرب المرتقبة بين الحلفين الشيعي والسنّي”.

وبعدما قدم عرضاً للوضع الإقليمي والدولي، اقترح الرجوع إلى كتابات الشيخ أبو مصعب السوري الذي يعتبر واحداً من أبرز المنظرين لـ”الجهاد”، حيث أفرجت السلطات السورية عنه في بداية عام 2011، واختفت أخباره مذاك. وقال”عبدالله محمد”إن”أبو مصعب السوري”خير من تكلم عن”جهاد الأمة”ذلك أن الوصول إلى هذه المرحلة تطلب سلسلة من عمليات”التقليد”مارستها الشعوب العربية لتخطي عقبات مختلفة عدة، إلا أن”معضلة الثورة السورية استوجبت استدعاء وتقليد النموذج الفريد لتنظيم القاعدة في تخطي مثل هذه العقبات الكبيرة بينها منظومة سايكس – بيكو الإقليمية ومنظومة النظام العالمي”.

وتابع في الوثيقة التي اطلعت على نصها”الحياة”، أن أي نجاح تحققه الثورة السورية بتحولها إلى”ثورة جهادية وأي نجاح تحققه هذه الثورة في إسقاط النظام أو تحقيق الأمن الذاتي في محيطها في ظل هذه الظروف والمعطيات المستحيلة”، سيشجع بقية الشعوب التي باءت ثوراتها بالفشل – وخصوصاً اليمن – على تأييد ذلك النموذج وهو الأمر الذي سيقود في النهاية وفي ظل جو الخروج العام من الهيمنة الغربية إلى جهاد الأمة، وصولاً إلى”الخلافة الإسلامية”والعودة بالصراعات الدولية إلى الشكل الأممي و” صراع الأمم”و”الحرب المكشوفة”أي أن الحروب في تلك المرحلة”ستخاض بدوافعها وشعاراتها الأصلية من دون أي مواربة أو خداع”.

عليه، فإن أي فوضى تحدث في المنطقة العربية ستعيد الحاجة إلى ترتيب الأوضاع من جديد بما يناسب المصالح الغربية و”أي تعارض أو ممانعة سياسية من قبل الأنظمة العربية الجديدة أو من قبل الأنظمة التابعة للشرق والرافضة التغيير الذي أدى إلى الفوضى التي ساعدت على خلق حالة ضاعت فيها هيبة ومصالح الدول الغربية، ستؤدي إلى رفع احتمالات الحلول الاستراتيجية الجذرية والدخول في حرب بمواصفات ومقاييس عالمية لإعادة تشكيل النظام العالمي بقوالب جديدة تضمن استمرار النفوذ الغربي في المناطق الحيوية وتتماشى مع أي واقع جديد بعد الحرب”. وتابع:”علينا أن نبرمج تحركاتنا في اتجاه سلسلة من الصراعات ضد سلسلة الأعداء الموجودين في المنطقة بدءاً من النصيرية العلويين وانتهاء بالعدو الصهيوني. وهذا ما سيجعل الشام ميداناً متكاملاً ومتحداً”عبر تنفيذ”خطة الباب”التي تؤدي إلى”الالتفاف على محاولات النظام لترويض الثورة أو تحطيم سقف خياراتها والاكتفاء بالمشاركة السياسية بدلاً من إسقاط النظام”.

ورأى أن الحراك الشعبي في سورية الذي بدأ في آذار 2011″جزء من حراك شعبي أكبر عم الشارع العربي بنسب متفاوتة، والحراك العسكري الطائفي في سورية هو جزء من حراك عسكري طائفي أكبر سيعم المنطقة بأكملها”، قائلاً: إنه بين”تغذية الحراك الأول وامتطاء الحراك الثاني تكمن الاستراتيجية الناجحة في الوصول إلى التغيير المطلوب أو الهدف المنشود في الشام ككل وليس في سورية فقط”. وقال:”في عام 2003 التقيت بمهندس تحصينات تورا بورا التي صمد فيها المجاهدون لأكثر من شهر تحت القصف الأميركي العنيف وكان ضابطاً سابقاً في أحد الجيوش العربية، وقد أسند إليه الشيخ أسامة بن لادن – رحمه الله – مهمة بناء خنادق وتحصينات تورا بورا لخبرته الجيدة في ذلك وبعد أن شرح لي التفصيلات الخاصة بالخنادق وطريقة العمل قال لي إن الغرض من موقع تورا بورا هو أن الشيخ أسامة أراد أن يصمد العرب في موقع حصين ومجهز ذاتياً ولو سقطت أفغانستان كلها في يد الأميركيين”.

عليه، فإن”عبدالله محمد”يدعو إلى ضرورة اختيار موقع”القلعة”أساساً لمعالجة مشكلة التموين وتهديد واختبار خط الساحل السوري – شمال سورية لمعالجة مشكلة تلقي الدعم الخارجي اللازم للمرحلة التالية”سواء كان ذلك الدعم من خلال الأنظمة في الحلف السنّي أو من خلال شبكات الدعم الجهادية والتي يجب أن نوفر لها منفذاً بحرياً لاستقبال دعمها البشري والمادي”.

وفي ما يتعلق بالصراع مع الجيش النظامي، اقترحت الدراسة”إزاحة وإخراج للجيش من منطقة الخندق الذي يتحصن بها”، لأن”أي نجاح نحققه هنا سيعرض بقية فرق الجيش في الوسط والشرق والشمال والجنوب السوري إلى أن تكون مكشوفة وتقدم أيضاً فرصة كبيرة لإحداث الانشقاقات وتفتيت وحدات الجيش بسقوط منطقة الرأس منه. وهذا ما لا تفعله السيطرة على الشمال أو الشرق أو الجنوب لأن النظام يرتكز على وجوده العسكري والطائفي القوي في هذه المنطقة”، ما يعني أنه لدى الانطلاق”من خط إدلب – الساحل إن تم بطريقة هندسية تؤدي وتعمل على إحداث انهيار عام بين وحدات الجيش السوري سيقود ذلك إلى ترك المعسكرات ومخازن السلاح من دون مقاومة”. كما اقترحت في أكثر من مكان تغذية”استمرار الصراع”في سورية الذي سنستفيد منه في تهذيب أوضاع المنطقة وإعادة ترتيبها.

وعلى رغم أنه ليس هناك تأكيد لإعداد الجولاني هذه الدراسة، غير أن مصدراً قريباً لديه الكثير من وثائق الحركات الجهادية، قال إن هذه الدراسة”أظهرت شخصية الجولاني وتصوره عن تنظيمه فحاز إعجاب الشيخ البغدادي وكلفه وضع السياسة وأعطاه المال”. وتؤكد مصادر عدة أنها الوثيقة المرجعية التي استند إليها مؤسسو”النصرة”.

ووفق وثيقة أخرى اطلعت على مضمونها”الحياة”، فإن البغدادي نصح الجولاني بـ”عدم الإعلان عن اسم الجماعة”و”عدم تولية سجناء من سجن صيدنايا قرب دمشق زمام الأمور خوفاً من الاختراق من قوات النظام لها”، إضافة إلى وجوب”عدم التواصل مع تنظيم القاعدة إلا بالرجوع إلى مجلس الشورى”. وزادت الوثيقة، أن النظام حاول استفزاز”النصرة”كي تخرج من مخابئها، غير أنها عملت بهدوء إلى أن حولت بلدة السحارة في ريف حلب مقراً رئيساً لها وقامت بسلسلة من العمليات العسكرية بينها السيطرة على مخازن أسلحة كبرى في ريف حلب وعمليات انتحارية ضد مراكز عسكرية وأمنية.

وفي 24 كانون الثاني يناير 2012، أعلن ابو محمد الفاتح الجولاني بيانها الأول دعا فيه السوريين إلى”الجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري”، مع إعلان”النصرة”أن إسقاط النظام خطوة في طريق تأسيس الدولة الإسلامية. وتفادياً لدعم أبو بكر البغدادي لدمج التنظيمين تحت اسم”الدولة الإسلامية في العراق والشام”، أعلن الجولاني مبايعة زعيم تنظيم”القاعدة”أيمن الظواهري في نيسان أبريل الماضي. وكانت واشنطن أدرجت”النصرة”على لائحة المنظمات الإرهابية نهاية 2012.

* صحافي من أسرة”الحياة”

150 ألف مقاتل نصفهم إسلامي … و10 – 15 في المئة متشددون

< تقدر دراسات غربية، عدد المقاتلين في كل الأراضي السورية بحوالى 150 ألف شخص، ينتمون إلى 600 فصيل، بينها حوالى 120 فصيلاً أساسياً. ويقدر خبراء نسبة الجهاديين بحوالى 10 – 15 في المئة.

-“الجبهة الإسلامية السورية”وتأسست في 21 كانون الأول ديسمبر 2012، وتضم 25 – 30 ألف مقاتل، ينتمون إلى”أحرار الشام”13 ألف مقاتل بزعامة حسان عبود و”لواء الحق”و”كتائب الطليعة المقاتلة”المنشقة عن”الإخوان المسلمين”.

-“جبهة تحرير سورية الإسلامية”وتأسست في 12 أيلول سبتمبر 2011، وتضم حوالى 30 ألف مقاتل. من”لواء الفاروق”و”لواء التوحيد”بزعامة عبدالقادر صالح و”صقور الشام”بزعامة أحمد عيسى الشيخ و”لواء الإسلام”بزعامة زاهر علوش الذي شكل من 43 فصيلاً”جيش الإسلام”قرب دمشق قبل أيام، إضافة إلى”أحفاد الرسول”.

-“الجيش الحر”الذي أسسه العقيد رياض الأسعد في 29 تموز يوليو 2011 ثم ترأسه لاحقاً اللواء سليم إدريس. بدأ من المنشقين، ثم أخذت الفصائل المسلحة تعمل تحت رايته بسبب مساعٍ لتوحيدها وتعزيز المعتدلين فيها. وعَقدت اجتماعات برئاسة إدريس بمشاركة قادة”لواء الإسلام”و”الفاروق”و”صقور الشام”و”أحفاد الرسول”. وفي لحظة سابقة، بلغت نسبة العاملين بتنسيق مع”الحر”بين الفصائل حوالى 80 و90 في المئة.

-“لواء اليرموك”بزعامة بشار الزعبي. يضم حوالى خمسة آلاف مقاتل ويتمركز في درعا جنوب سورية قرب حدود الأردن.

-“الدولة الإسلامية في العراق والشام”داعش وتضم حوالى ثمانية آلاف مقاتل، ويشكل السوريون نسبة 60 في المئة من مقاتليها. ويتزعمها أبو بكر البغدادي. غير أن عملياتها في سورية تُدار من قبل أبو محمد العدناني الناطق باسمها. ويقع المقر الرئيسي لـ”داعش”في بلدة الدانا في ريف إدلب في شمال غربي البلاد. كما أنها احتلت مبنى محافظ الرقة بعد سيطرة المعارضة على المدينة في آذار مارس الماضي. ولديها مكاتب ضخمة في مستشفى العيون في قلب حلب، يُطل على قلعة حلب ومناطق أخرى تتمركز فيها قوات النظام. وهو أشبه بمقر إداري، فيما يعتبر مركزها في الدانا مقراً أساسياً للعمل العسكري. واعتمدت وجود مكاتب أخرى وفق العمل غير المركزي. لم تتعرض مقارها المعروفة والكبيرة إلى قصف جوي حتى الآن.

- يقدر عدد المقاتلين الأجانب بين أربعة وستة آلاف مقاتل عدا العراقيين الذين يقاتلون في إطار”الدولة الإسلامية”.

- يُعتقد أن”الجهاديين”العرب الذين قاتلوا القوات الأميركية في العراق في العقد الماضي، مروراً بالأراضي السورية يشكلون الكتلة الأساسية لعناصر”الدولة الإسلامية”و”النصرة”. وأفادت مذكرة صادرة من وزارة الخارجية السورية قبل سنوات، بأنه جرى توقيف حوالى 1400 مقاتل عربي، إضافة إلى التحقيق بين 2003 و2005 مع أربعة آلاف سوري، مع توقعات بارتفاع العدد إلى ثمانية آلاف سوري قاتلوا أو حاولوا القتال في العراق.

-“مجلس شورى المجاهدين”الذي ينتشر في حلب وريفها وفي دير الزور، وقوامه من الريفيين والمحليين، ويضم مئات الأشخاص.

-“كتائب المهاجرين”التي تضم نحو 2000 مقاتل شيشاني وتونسي وليبي وأجنبي.

-“الأنصار والمهاجرون”وهم مئات يعملون في ريف حلب.

-“وحدات حماية الشعب”التابعة لـ”الاتحاد الديموقراطي الكردي”بزعامة صالح مسلم، وتضم حوالى 25 ألف مقاتل. وتسيطر على مناطق ذات غالبية كردية في شمال سورية وشمالها الشرقي. ودخلت في مواجهات مع”الدولة الإسلامية”و”النصرة”قرب حدود تركيا

شيركي – قصة قصيرة – كتبها: إيتجار كيريت

شيركي – قصة قصيرة – كتبها: إيتجار كيريت

هذا روفين شيركي، شخص رائع، رجل ذو خطة، شخص لديه الشجاعة ليعيش أحلاماً لا يجرؤ أغلبنا على مجرد الحلم بها، شيركي بالغ الثراء، ولكن ليس هذا ما أعنيه، لديه صديقة كذلك، عارضة أزياء فرنسية، تقف للتصوير عارية لحساب أفضل المجلات المصقولة في العالم (إذا لم تستمنِ قبالتها فلأنك فقط تعجز عن شرائها)، ولكن هذا لا يجعل منه الرجل الذي تتطلعون إليه كذلك، ما يجعل شيركي مميزاً، أنه يختلف عن العديد من مشاهير الناجحين، فهو ليس أذكى منك، ولا أوسم، ولا يتمتع بعلاقات أفضل، وليس أكثر دهاءً، وهو لا يفوقك حظاً أيضاً، شيركي يشبهك ويشبهني تماماً – أعني تماماً – من كل النواحي، وهذا ما يجعلك بالغ الغيرة، كيف بلغ شخص مثلنا هذا الحد؟، والأحمق هو من يبرر ذلك بالتوقيت أو الاحتمالات، سر شيركي أكثر بساطة بكثير: لقد نجح لأنه استغل عاديته حتى أقصاها بدلاً من إنكارها أو محاولة إخفائها، قال شيركي لنفسه: هذا هو أنا، وهذا كل ما في الأمر، لم يحاول المبالغة أو التقليل من ذاته، لقد قام فقط بمجاراتها، ناتيورال، اخترع أشياءً عادية، وأشدد على ذلك، عادية وغير مبهرة، وذلك ما تحتاجه البشرية بالضبط، قد تناسب الاختراعات العبقرية أناساً عباقرة، ولكن كم من العباقرة في هذا العالم؟، أما الاختراعات العادية فتصلح للجميع.

كان شيركي جالساً يوماً ما في غرفة معيشته يأكل زيتوناً محشواً بالفلفل الحلو، ولم يكن راضياً عن الزيتون المحشو، أحب الزيتون نفسه أكثر مما أحب حشو الفلفل الحلو، ولكنه فضل الفلفل الحلو على النواة الأصلية الصلبة والمرة كذلك، وهكذا خطرت له الفكرة – الأولى في سلسلة أفكار ستغير حياته وحياتنا – الزيتون المحشو بالزيتون، هل هناك ما هو أبسط؟، زيتونة تخلو من النواة، ومحشوة بزيتونة أخرى، استغرقت الفكرة فترة بسيطة لتشتهر، ولكن عندما حدث ذلك استعصى انصرافها عن الذهن، تماماً ككلب (البيتبول) عندما يطبق بفكيه على كاحل ضحيته، وبعد الزيتون المحشو بالزيتون، جاء الأفوكادو المحشور بالأفوكادو، ثم كانت مفخرته الحُلوة النهائية، المشمش المحشو بالمشمش، وفي أقل من ست سنوات، فقدت كلمة (حشو) أحد معانيها، وأصبح شيركي مليونيراً بالطبع، وانتقل بعد مكاسبه في الصناعات الغذائية إلى تجارة العقارات، دون بصيرة خاصة في ذلك المجال أيضاً، فقط تأكد من شراء عقارات غالية الثمن، ولكن خمنوا ما حدث، لقد ارتفع سعرها خلال عام أو عامين، وهكذا نمت ممتلكات شيركي بمرور الوقت، ووجد نفسه مستثمراً في كل شيء تقريباً، باستثناء التكنولوجياً، كان هذا مجالاً أرجأه لأسباب بدائية جداً لم يستطع مجرد التعبير عنها بالكلمات.

وكما هو الحال مع كل شخص عادي، غيّر المال شيركي، زاد امتلاء خديه، وزادت سمنته، وزادت عاطفيته، باختصار زاد كل شيء، لم يهيم به الناس، ولكنه لم يمقتوه كذلك، وهذا أمر يستحق الانتباه، ذات مرة في مقابلة تلفزيونية كانت شخصية إلى حد كبير، سأل المحاور شيركي إذا ما كان يرى العديد من الطامحين ليصبحوا مثله، “لا داعي لأن يطمحوا” كان نصف ابتسامته للمحاور ونصفها الآخر لنفسه حين قال ذلك، “إنهم مثلي بالفعل”، وامتلأ الاستوديو بتصفيق عاصف دوّى صادراً عن جهاز خاص اشتراه منتجو البرنامج خاصةً لمثل هذه الإجابات الصريحة.

تخيلوا شيركي في كرسيه ذي الذراعين على سطح حمام سباحته الخاص، يحرك ضجراً قطعة من الخبز الشامي في طبق من الحمص، ويشرب كأساً من العصير الطازج، بينما تتشمس صديقته ملفوفة القوام عارية على مرتبة هوائية، والآن حاولوا أن تتخيلوا أنفسكم في موضعه، ترشفون العصير الطازج، تقذفون حلوى ما للفتاة الفرنسية العارية، هذا سهل، أليس كذلك؟ والآن حاولوا تخيل شيركي في موضعكم، في موضعكم بالضبط، يقرأ هذه القصة، ويفكر فيكم هناك في قصره، ويتخيل نفسه جالساً جوار حمام السباحة في موضعكم، وفجأة، ها أنتم مرة ثانية تقرأون قصة، وهو هناك مرة ثانية، بالغ العادية، أو كما تحب صديقته الفرنسية أن تقول “تري ناتيورال”، يأكل زيتونة أخرى، لا يبصق حتى النواة، لأنها غير موجودة.”

تساؤلات واستفسارات مشروعة – د. مريم الزين

استاذ الجامعة والنخبة 

اذا كان استاذ الجامعة لا يستطيع مناقشة قضية البطالة في المجتمع مثلا .. واذا خرج عن نطاق دائرة المنهج الذي يدرسه تاه وضاع وارتبك فهل يعتبر مثل هؤلاء من اساتذة الجامعات من النخبة ؟؟

التقديس

لماذا يقدس الشيعة علي وابناءه الحسن والحسين ويذكروهم اكثر بكثير من ذكرهم لله ويستنجدون بهم ويرجونهم ويدعونهم ويبكون عليهم … اليسوا هما بشرا خلقهما الله ؟

للقضاء على العنوسة
اذا كان ثلث بنات العرب عوانس حسب احصاءات الجهات الرسمية .. والسبب ان الشباب لا يملكوا قيمة (قيمة) شراء الزوجة .. طيب حتى تحلوا المشكلة اما ان تنهوا عملية البيع والشراء او يتقاسم الطرفات التكلفة او تقوم الفتاة بشراء الزوج وفي الحالتين الثانية والثالثة عليكم ان تطلقوا للفتيات الحرية في التعلم والعمل حتى يتمكن من دفع ثمن الزوج .بغير هذا توقعوا تفاقم العنوسة.

يا شاب اذا مش قادر تتجوز روح على الهند 

تكاليف الزواج في الهند (عند السيخ) على حساب والد العروس الذي يدفع كل مصاريف العرس ويفرش البيت دون إجبار العريس على دفع أي شيء، وكذلك فإن والد العروس هو من يقدم المهر والعريس فقط يتسلم العروس ومعها كل لوازم البيت.

بالعامية 

قاللوا والله يا ابو محمد الحال تعبانة عالاخر .. والله ما قادرين ندفع اجرة البيت الا بطلوع الروح .

قال ابو محمد بلهجة الواعظ : اصبر يا ابو خالد اصبر .. فالجنة للفقراء .
قال ابو خالد : يا عمي لا تضحكوا علينا .. اعطيني بعض من اموالك وروح انتا عالجنة .. وانا يا سيدي بروح النار .. يلا  بلا كزب على بعض.

الارزاق

اذا كانت الارزاق على الله .. والرزق مقسوم ومكتوب للانسان قبل ان ينزل من بطن أمه فلماذا الحسد والغيرة يا فقراء .. ولماذا تدعون الى ثورة الطبقة العاملة على البرجوازية والاغنياء .. اليس في ذلك اعتراض على ارادة ومشيئة الله ؟؟
يا ويلكم من جهنم.

لماذا ؟

إذا كان يوجد الاف حملة شهادات القانون عاطلون عن العمل .. فلماذا كليات الحقوق ما زالت مفتوحة وتلقي سنويا بالاف العاطلين الجدد ؟

الماء والزمن

اذا ملأت وعاءً بالماء النظيف “المفلتر” وتركته فترة 10 سنوات .. ثم عدت اليه .. فكيف ستكون حالته عندما ترجع  له ؟؟ سوف يتبخر الماء تماما اذا كان الوعاء ليس له غطاء ……… ولكن اذا كان له غطاء محكم ومناسب وبه ثقب متناهى الصغر سيخرج من هذا الماء شتى الكائنات …… وعلى ذلك قيسوا الكثير جدا من الاشياء وفي مقدمتها الافكار

حوار بين مدرس وعدد من الطلاب 

سال المدرس طلاب الصف النهائي فقال :
شو سباب .. شو بدكن تتعلموا بالجامعة بعد ما تنجحوا بالبكالوريا ؟ يلا بدي اسئلكن واحد ورا التاني .
قال الاول : بدي اتعلم ادارة اعمال
قال المدرس : وليش ادارة اعمال شو بدك تشتغل بشهادة ادارة اعمال
قال الطالب : مش عارف بس عاجبني الاسم ادارة اعمال
قال المدرس : طيب انطز اقعد
سال الثاني فاجاب : بدي اتعلم تجارة
قال المدرس وشو بدك تشتغل بشهادة التجارة
قال الطالب : بدي اشتغل تاجر
قال المدرس : ومين يلي قالك ان كلية التجارة بتعلم الدارس فيها كيف يصير تاجر ؟
قال الطالب : ما حدن قللي بس من اسمها بيقول انه بتعلم التجارة
قال المدرس : طيب انطز اقعد انتا التاني
وسال المدرس الطلاب واحدا بعد الاخر فقال احدهم محاسبة والاخر حقوق واخر طب واخر هندسة واخر لغة فرنسية واخر لغة انكليزية واخر علوم سياسية
وكانت الكلمة التي يختتم بها المدرس حديثه مع الطالب .. انطز اقعد
تململ الطلاب وبدا استيائهم فقام شجاع من بينهم قال لمدرسه : شو استاذ ما بدك ايانا نتعلم بالجامعة .
قال المدرس : امبلى بدي اياكن تتعلموا .. لكن انا نفسي مش عارف شو لازم تتعلموا

حوار سياسي بالعامية 

قاللو يا زلمة شو بدك شاغلي حالك بهالمضاريب .. يا عمي هيدول الله تاعسهن من عنده .. لو بدو الله ما يتعسهن كان اعطاهن متلك فيلا عالبحر وخمس سيارات على بابها وخدامتين وارصدة بالبنوك وسفر وسمر .. يا حبيبي كل شي بايد الله لا تتعب حالك

ما هي الثقافة 
سأل احد الاصدقاء عن معنى الثقافة
بايجاز شديد يمكن تعريف الثقافة بانها “الوعي والادراك” وتشمل كافة الجوانب غير المادية والمتمثلة بالعقيدة والقيم والافكار والعادات والتقاليد والاعراف والامزجة والاذواق واللغه والمشاعر التي يختص بها مجتمع .
وهناك اقسام متعددة للثقافة .. منها الثقافة السياسية والثقافة الاقتصادية والثقافة العلمية والثقافة الادبية والثقافة الفنية وثقافة العلاقات العامة وثقافة المأكل والمبس والمسكن وثقافة التزاوج وثقافة الاديان والثقافة الجنسية والثقافة الصحية وكذا باقي جوابب حياة الانسان كالثقافة الصناعية او السياحية او الترفيهية او العسكرية او الفلكية الى اخره .وبقدر امتلاك الشخص لمعارف من هذه الثقافات تقاس درجة ثقافته.

والثقافة والسلوك ايضا ليست واحدة فثقافة سكان السهول تختلف عن ثقافة سكان الجبال وكليهما تختلفان عن سكان الصحراء .. وثقافة سكان الشواطيء تختلف عن ثقافة سكان الجبال او الوديان او المناطق غير الساحلية .. حتى ان ثقافة سكان سواحل البحار تختلف عن ثقافة سكان سواحل الانهار ..
فثقافة سكان سواحل البحار مثلا اكثر انفتاحا وارقى ثقافة واكثر ميلا للتجارة وفنون العمارة من سكان الجبال او الصحاري او حوافي الانهار  او الوديان طبعا الحديث بالاجمال وهناك لكل قاعدة شواذ لكن هذه القضايا يجب على المناضل الثوري ان ياخذها بعين الاعتبار في نضاله
فالتقسيمات في المجتمع ليست طبقية فقط

الرعب من الحقيقة

هناك ناس ترهبهم الحقيقة .. يرتجفوا خوفا وهلعا . ورعبا . لان في اذهانهم تصورات مقدسة واي شيء مغاير لها يعتبروه حدثا مرعبا مفزعا .. لانهم يعيشون في قمقم .. والقمقم في اعماق البحر او جوف الصحراء .. لا علاقة لهم بثورة الافكار والمعلومات والعلوم ..صامدون على ما انتجه عصر الطوابين من معارف وثقافات وعلوم ..
هنيئا لكم عالمكم .. اما نحن فلنا عالمنا .. لا شيء فيه ثابت .. كل شيء فيه يتحرك ويتغير ويتطور

هل تعلموا ؟
هل تعلموا ماذا يكون رد فعل المسؤول الحكومي على الانتقادات سواء اللفظية او المكتوبة .. ؟ رده يا اعزائي يكون بقوله ” يا عمي يقولوا شو ما يقولوا الحكي كتير .. ولو بدنا نوقف عند كل كلمة ما بنخلص .. “
يعني يا اعزائي كلامكم طاير بالهواء الطلق .. لا يقدم ولا يؤخر .. هل تعلموا لماذا؟
لأنه يا سادة غير مسنود بقوة قادرة على المحاسبة .
وهذه القوة يا سادة في الدول المتقدمة والمتحضرة هي الحزب السياسي باعتباره يمثل الجماهير ويدافع عن مصالحها ..
بالعامية “الحكي وحده ما بينفع”

عدة مجتمعات وليس مجتمع واحد

هل في الدولة الواحدة (الوطن) مجتمع واحد ام عدة مجتمعات ؟
الواقع يقول عدة مجتمعات .. مجتمع المدينة مجتمع الريف مجتمع البداوة (في البلدان المتخلفة) مجتمع الاثرياء مجتمع الفقراء وثقافة كل مجتمع تختلف عن المجتمعات الاخرى وان التقوا ببعض الخطوط العامة لكن من المؤكد ان ثقافة البدوي تختلف عن ثقافة الفلاح والاثنتان تختلفان عن ثقافة المدني .
فمثلا البدوي اكثر تشددا اجتماعيا الريفي اقل منه تشددا والمدني منفتح اجتماعيا
لذا يمكن القول انه عندما يكون في مراكز السلطة اشخاص لا زالوا يحملوا ثقافة البدوي فالمجتمع سيكون متشددا ومنغلقا .. وسيكون اقل تشددا وانغلاقا لو كانوا من حملة ثقافة الريف .. وسيكون مجتمعا منفتحا ومرنا لو كانوا مدنيين.

الحب يقوم على المصالح

سالتني زميلتي قائلة : لماذ الناس تحب الورود والازهار .. وتكره الشوك ؟
اجبتها : لان في الزهور فائدة .. وفي الشوك ضرر
قالت : يعني المصلحة هي التي تحدد المحبة او الكراهية
اجبتها : نعم اكيد .. فلانسان لا يمكن ان يحب شيئا ليس له فيه مصلحة
قالت شكرا يا ريت الناس تستخدم هذه الحقيقة في تفسير كل شيء في الحياة

حقيقة لا يدركها النائمون في ضيافة الجهل

عندما يكون الاقتصاد الوطني منهارا ومتخلقا وقديما .. يكون المجتمع متخلفا ومنهارا يتاجر بالقيم ويتاجر بالدين ويتاجر بالاخلاق ويتاجر بالجسد ويتاجر بالاطفال ..
كل شيء فيه مشوه .. السياسي مشوه ورجل الدين مشوه والتاجر مشوه والمعلم مشوه والخباز مشوه وسائق التاكسي مشوه والفن مشوه والادب مشوه والطرق مشوهة والماء ملوث والهواء فاسد

انتبهوا 
في المحطات الكبرى حيث تخوض الشعوب معركتها للانتقال من مرحلة الى اخرى ينتشر الى جانب الارهاب وفقدان الامن ايضا ينتشر قلة الادب وتهافت الذوق العام وتنشر الرذيلة ايضا ..
ظواهر مرافقة للتحولات الكبرى .. لا يحد منها الا مزيدا من الفعالية لدور النخبة السياسية الوطنية

مأساة نصف المجتمع ميت
مما يدلل ويؤكد ويثبت تخلف ثقافة المرأة العربية وتدني مستوى وعيها ومحدودية فكرها انها اذا ارادت ان تكتب شيئا على الفيس بوك فلا تكتب الا موعظة دينية او دعاء ديني او عبارات عاطفية او تنشر صورة ورد او زهور ..
لا علاقة لها بالحياة العامة

فهمت السبب 
بعد ما سمعته من الاصدقاء حول مراقبة الزوجات لصفحات ازواجهن فهمت لماذا معظم الصفحات على الفيس بوك فارغةمن اي محتوى فيه القيمة و لا تحتوي الا على مواعظ وتهاني وتبريكات وسلامات وتحيات .
وفهمت ايضا سبب عدم مشاركة الرجال في حوارات حول قضايا تطرحها نساء
اذن المرأة هي السبب في تخلف الرجل وانزواءه عن المشاركة بفعالية في شؤون المجتمع ..
طبعا اضافة لاسباب اخرى اهمها الجهل اصلا المتاصل في العقول

الزوجات يضطهدن الازواج
في حوار على صفحة احدى الزميلات اللبنانيات حول العلاقات الزوجية واثرها على حرية الرجل .. ذكر بعض الاصدقاء ان معظم الرجال المتزوجون لا يملكوا حرية كاملة في استخدام الفيس بوك ..
فسالت ما السبب ؟؟
فقال البعض لان الزوجات تراقب وتتابع ان سرا او علنا صفحات ازواجهن على الفيس بوك “ويا ويله لو كان كتب تعليق على موضوع نشرته سيدة .. ومصيبة لو تعرف اصلا انه عنده صديقات على الفيس بوك وكارثة لو ردت السيدة على تعليق رجل بقولها مثلا “صديقي العزيز” او اي عبارة لطيفة.

الاقتصاد والعقوبة

لان الاقتصاد هو المحرك الرئيسي للتاريخ فان اول تهديد من الام لابنها اذا خالفها او تطلب من والده قطع المصروف عنه ..
وقطع المصروف عن الابن المشاكس احد اهم الاجراءات العقابية ..
ومع ذلك فكثيرون غير مقتنعين .. ويعتقدوا ان الوعظ والارشاد هو الذي يربي الناس

القرن العشرون وظاهرة الزعيم الخالد

القرن العشرون وظاهرة الزعيم الخالد

كامل عباس
الحوار المتمدن-العدد: 952 – 
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية 

يعد القرن المنصرم بحق قرن الزعماء الخالدين , الذين حكموا عن طريق الأجهزة , ولم يزح أحد منهم إلا بالموت أو الحديد والنار , ستالين – ماوتسي تونغ – تيتو – هونيكر – شاوشسكو – كاسترو – هتلر – موسليني – فرانكو – سالازار – عبد الناصر – هواري بو مدين – صدام حسين – حافظ الأسد – القذافي … الخ
هذه الظاهرة التي حولت الجماهير الى قطيع تسير خلف القائد واختزلت الأمة الى رجل وألغت أي دور للمجتمع المدني ومؤسساته المستقلة عن الدولة , تحتاج الى سجال نظري حولها كي نجعل القرن الواحد والعشرين قرن الانسان العادي وحقوقه الفردية المصانة ضمن دولة القانون والمؤسسات ومن أهم الأسباب الموجبة لذلك ما تركت لنا تلك المرحلة من مخلفات في مقدمتها الارهاب الذي يضرب العالم ويذكرنا بطفولة الجنس البشري وما ساد فيها من وحشية وبربر ية
( قطع الرؤوس بالبلطات على الشاشات كمثال )
يشار هنا الى ان دراسة دور الفرد في التاريخ على أسس علمية بدأ مع ماركس وأنخلز وكان همهما الرد على الفكر المثالي الذي يعتبر التاريخ من صنع الأفراد المميزين – أنبياء أو رسل أو مصلحين _ ومن سخرية القدر أن يحكم أولئك الزعماء باسم ماركس وأنخلز والفكر المادي والعلماني !!!
إنها محاولة لوضع أسس عامة لظاهرة الفرد في التاريخ تنسجم مع ماقدم العلم والتطور وتضع الأساس لدراسة كل من اولئك القادة كل في ساحته وتلك مهمة المعنيين بالتقدم الاجتماعي في كل ساحة على حدة . وهي محاولة متواضعة من أربع حلقات أقدمها هدية لهيئة تحرير الحوار المتمدن كي تدعم جهودهم في نشر العلمانية داخل عالمنا العربي وأرجو أن تنشر على أربع حلقات إن أمكن أو كما يرون نشرها مناسبا
ملاحظات عامة حول دور الفرد في التاريخ :

الحلقة الأولى
المميزون من أبناء الجنس البشري :

(مافي حدا يساوي من جنسه ألف سوى بني آدم)
يؤكد هذا المثل الشعبي حقيقة تكاد تكون بديهية .وهي : إن ما يقرر أهمية الإنسان هو إمكاناته العقلية وليس الجسدية .كما أنه يؤكد حقيقة أخرى ليست بديهية ولها علاقة بالعلوم الطبيعية وهي التفاوت الهائل في نلك الإمكانات العقلية بين الناس .لدرجة تجعل قلة قليلة منهم تترك بصمات كبيرة على التاريخ يصعب إن لم نقل يستحيل محوها ,في حين تمضي الغالبية العظمى منهم إلى الدار الآخرة دون أن تترك أي أثر يدل عليها .
ما من شك في أن السبب الرئيسي لهذا التفاوت هو البنية الفيزيولوجية والتشريحية لمخ كل فرد على حدة, والتي تنتج عنها تلك الخصائص .
وقد شغل هذا الموضوع عامة الناس قبل أن يشغل العلماء ,واحتاروا في تفسيره ووصفوا العبقرية بأنها أكثر الأمور غموضا وتعقيدا في الكون وربطوا بينها وبين الجنون أحيانا :
أما العلماء فقد بنيت نظرياتهم السابقة حول آلية عمل المخ على فرضية وجود مركز فيه أطلق عليه اسم مركز الذكاء والذاكرة والتفكير ,عزيت اليه خصائص وميزات مقدرة الفرد العقلية التي تختلف اختلا فا كبيرا بين الناس وتتدرج مثل قوس قزح من البلهاء حتى العباقرة ,وصممت روائز متعددة لقياس نسبة الذكاء عند كل فرد وتم التمييز عند الأفراد بين ذكاء شفهي وذكاء عددي وذكاء فراغي , ولقد نجحت تلك النظريات الى حد ما في تفسير ظاهرة المميزين في حقل مهم تعارفنا على تسميته (حقل المواهب ) مثل موهبة الموسيقى أو الشعر أو الفن أو سرعة البديهة أو الحفظ أو التعلم أما العبقرية فليست سوى اجتماع مواهب متعددة في مخ فرد واحد بعرف تلك النظريات .
لكن كيف نصف حالة شخصين ونحن نقارن بين نشاط مخيهما ؟.
الأول: يتمكن من حفظ مقطوعة شعرية طويلة لدى تلاوتها أمامه من المرة الأولى. ولكنه يحتاج في نفس الوقت الى محاولات عدة حتى يتمكن من إتقان دق مسمار في حائط .
الثاني : يحتاج إلى تلاوة تلك المقطوعة أمامه مرات عديدة حتى يتمكن من حفظها .ولكنه ينجح في تعلم وإتقان دق المسمار في الحائط من المرة الأولى .
فاذا كان الأول زكيأ في حفظ ا لمقطوعة فهو غبي في دق المسار والثاني على العكس منه تماما.
لقد افتتح في أمريكا عام (1945) ناد سمي نادي منسا .شروط عضويته والانتساب إليه الايقل معدل الذكاء عند طالب الانتساب إليه عن (149) %حسب تصنيف تلك الروائز . وفي نفس الفترة قامت العالمة الأمريكية – كاتين مورس كوكس – بدراسة عن ثلاثمائة عبقري في التاريخ وجمعت معلومات كافية عن سيرهم الذاتية سمح لها بتقييم معادلهم الذكائي حسب رائز ترومان المأخوذ به في النادي ولكنها فوجئت بأن غالبيتهم لايحق لهم الإنضمام إلى النادي .
الظاهر أن الدراسات القديمة لاتفسر سوى جانب واحد من نشاط المخ ,وحتىهذا الجانب يحيرنا فالعبقري فيه بمنتهى الذكاء ولكن العبقرية بينها وبين الجنون خيط رفيع ينقلب فيها ذلك الشخص الى الحالة المعاكسة ,حالة الغباء المطلق .
لم يعد مقبولا في النظريات الحديثة تقسيم الناس بين أغبياء وأذكياء الأمر أعقد من ذلك بكثير .
يبدو أن لكل مخ طاقة محددة ,وهذه الطاقة رغم تقدم العلم لم يكت شف منها سوى (20) % , وما زلنا في أول الطريق بالنسبة للتعرف على آلية عمل المخ ولقد ألقى علم ألإلكترونيات الحديث والإنسان الآلي –Report – الضوء على آلية عمل المخ ,وتلك الطاقة مع أنه أحد نتائجها ز بحيث يمكننا أن نتخيل أن تلك الآلية تجري على النحو التالي . إنها نوع معين من الإرتباط بين تجمعات خلوية عصبية داخل المخ تنفتح وتنغلق على بعضها وتجيب على طرق الإثارة والتحريض الآتية الى المخ من المستقبلات العصبية حسب نوع الإثارة ومستوى ذلك التحريض بالتناسب مع طاقتها وطرق ارتباطها .ربما قد يسمح تطور العلم مستقبلا بتفسير آخر لآلية عمل المخ .ولكن هذا التفسير له تطبيقاته الناجحة وأهمها العقول الالكترونية التي تعمل استنادا إلى جمل الكترونية تنفتح وتنغلق على بعضها حسب البرنامج الذي يغذيها .وتعطي إجابتها استنادا إلى المعلومات التي في تلك الدارات التي تثير الواحدة منها عمل الاخرى المجاورة .
مع ذلك علينا أن نعلم بأن المخ يحوي على عدة مليارات من الخلايا العصبية في حين لاتستطيع أكثر الحواسيب تطورا أن تعطي أكثر من {500}ألف وضعية للذاكرة في الثانية الواحدة .علينا أن نعلم أيضا أنه إذا أمكننا تفسير موهبة حفظ المقطوعة الشعرية بفعل تلك الدارات وسرعة انفتاحها وانغلاقها داخل الخلايا العصبية للمخ . وإذا فسرت لنا تلك النظريات البرنامج الذي يغذي تلك الدارات الارتجاعية ,المستند الى منعكسات الجملة العصبية وارتباطها في المخ وطريقة تأثير الوراثة والبيئة في الوصول إلى البرنامج النهائي لكل فرد .فإنها لا تفسر لنا دور الجملة العصبية شبه الودية “Para Timbitik” “” في ذلك البرنامج والتي ليس لها ارتباط مباشر في المخ …. أي أن العلم في هذا المضمار مازال ينتظر جهود العلماء والاختصاصين لكشف أسرار وطاقات المخ البشري .لكن تلك النظريات الحديثة تعيننا على فهم موضوعنا في هذا الكتاب أكثر من النظريات القديمة بكثير. مجال القدرة على الاستيعاب والصبر والتحمل ,مجال الأشخاص الذين يعملون في حقل الشأن العام والتي تختلف مقدرتهم على العمل فيه باختلاف طاقة مخ كل منهم .

* * * * * *

بالطبع إن سعة طاقة مخ كل فرد على حدة وداراته الارتجاعية العصبية يحددها عامل الصدفة البحت ,صدفة التقاء نطفة ما من ملايين النطاف ببويضه ما داخل الرحم .وكل من النطفة والبويضة تحمل صفات وراثية معينة محمولة على صبغياتها ,إلا أن تلك الصدفة تندرج ضمن قانون ,عندما ننتقل من الدراسة على مستوى الفرد إلى الدراسة على مستوى النوع البشري ككل . وإذا كانت دراسة الخصائص العقلية لكل فرد على حدة هي من اختصاص علم النفس ,فإن دراستها على مستوى النوع هي من اختصاص علم الاجتماع .
من المعروف أن النوع البشري جاء إلى هذا الكوكب كثمرة ونتاج لتطور الأنواع ,وهو نوع فتي لا يتجاوز عمره مليوني سنة , في حين يتجاوز عمر الحياة ملايين السنين .والخطوة الحاسمة باتجاه ظهور النوع كانت تحرر اليدين في الغابة وانتصاب العمود الفقري ,وما رافق ذلك من تغييرفي بنية المخ التشريحية والفزيولوجية مهد لظهور الخصائص العقلية عند النوع الجديد ومع الممارسة والتجربة تطورت لغة الانسان وتفكيره وعملياته العقلية وانتقلت تلك الخبرة الى الأجيال اللاحقة وساعد على ذلك نوعية البروتين وتجليها الأكثر تعقيدا في الخلايا العصبية داخل المخ .مما نتج عنه ذلك التنوع الهائل في الامكانات العقلية بين الأفراد . لكنها كانت تستعمل جميعها بادئ الأمر من أجل التكيف أكثر مع الطبيعة. وظل الأمر كذلك حتى عرف الانسان ظاهرة زيادة إنتاج بعض المواد عن حاجته . منذ ذلك التاريخ بدأت حضارته المشوبة بالقلق والتي انتقل فيها الصراع بين الانسان والطبيعة الى المرتبة الثانية واحتل الصراع بين الانسان وأخيه الانسان االمرتبة الأولى حتى وصلنا الى العصر الحالي والذي بدا فيه العقل وكأنه نقمة على النوع وليس نعمة له. على سبيل المثال لا الحصر أخل الانسان الحالي بالتوازن البيئي بسبب اختراعاته العلمية وتجبيرها لمصلحة حفنة منه حتى وصل الأمر لدرجة خطيرة جدا تلوث بها الماء والهواء وهما عصبا الحياة الحساس .
الأهم من ذلك بالنسبة لموضوعنا هو وجهة تطور الحضارة بين أجناس النوع البشري , واثر امتلاك قلة قليلة من أفراده للثروة . إن فعل الوراثة والبيئة من جراء تلك الوجهة ,وفر الإمكانية لأن يكون المميزون داخل تلك الفئة أكثر بكثير جدا منها داخل الكتلة الكبرى من أفراد النوع البشري التي تشكل مايعرف باسم الكتلة الشعبية وهذا يعني ببساطة أن المميزين لاينحدرون من بين الطبقات الشعبية الفقيرة كما يتوهم البعض . بالطبع يبقى ظهور ذلك العبقري أو ذاك صدفة قد تتوفر لها الامكانية لتظهر في بيئة فقيرة ولكن إذا أجرينا إحصاءا دقيقا سنجد أن تلك الصدفة تتكرر بين أبناء الطبقات الغنية أكثر بمئات المرات منها بين الطبقات الفقيرة . وهذا ما يفسر لنا أيضا الاختلاف بين سوية الشعوب ووجود أماكن حضارية أكثر غنى في الحياة العقلية ,تقابلها أماكن لم تقطع سرتها بحبلها الحيواني بعد .وهو الذي يفسر لنا أيضا لماذا تكون نسبة المميزين داخل الذكور أضعاف أضعاف نسبتها داخل الإناث مع أن النوع البشري يقسم الى قسمين بالتساوي . لقد سارت حضارتنا باتجاه حضارة ذكورية منذ أن عرف التطور سيادة الرجل داخل الأسرة وتشكل العائلة البطريركية المتمحورة حول الأب ,وعانت بعدها المرأة من اضطهاد مركب داخل الأسرة والمجتمع .مما جعل المميزات أقل عددا بكثير من المميزين مع أن الدراسات الفزيولوجية تثبت أن مخ المرأة يملك نفس المواصفات التشريحية والفزيولوجية للرجل .
ذلك هو تاريخنا كنوع بشري مهما كان في ذلك من مرارة ,تاريخ تحكم رجال فينا ليسوا مميزين في شيء ,في حين يجبر المميزون على أفعال لايرتضونها ,تماما كما أجبر ليو ناردو دافنشي ,الرسام , الفنان , المهندس , الميكانيكي, العسكري الطبيب الملم بكل علوم عصره على تبديد جزء كبير من وقته كي يصنع الجزمات الأنيقة لأمير مملكته .
مع ذلك يقع على عاتق المميزين العمل باتجاه دفع تلك الفئة التي تملك الثروة والجاه والنفوذ كي تعي انتماءها الإنساني , تذكير اولئك بأنهم سيموتون وسيأكل الدود عيونهم , وستتعفن جثثهم , وسيتحولون الى تراب ولن يأخذوا معهم من ممتلكاتهم شيئا . تحضرني حكاية أحد الأثرياء الأمريكيين والذي كان يملك من المال والثروة ما لا تملكه دول عديدة مجتمعة .لم يتزوج في حياته , وعندما شعر بدنو أجله أوصى بأن تدفن ثروته وحليه وجواهره معه وأصر على وصيته ولكنها لم تنفذ بالتأكيد .
ربما تكون تلك الدعوة أخلاقية بحته ولكنها تراكم باتجاه وعي يدفع نحو عالم جديد مختلف يحتل فيه الصراع بين الانسان والطبيعة المرتبة الأولى من جديد . عندها يبدأ تاريخ الجنس البشري الحق , تاريخ انتمائنا جميعا الى عائلة واحدة ,نحن فيها إخوة مهما اختلفت إمكانياتنا العقلية . تاريخ تكامل الامكانات والمواهب وعملها من أجل حياة أكثر سعادة لكل أبناء الجنس البشري.

الحلقة الثانية

حول دور الفرد في التاريخ بشكل عام

شغل دور الفرد في التاريخ, الحركات الاجتماعية والسياسية والعلماء والمؤرخين منذ أقدم العصور, وقد جاء أقدم تفسير لدورهم فيه من قبل اللاهوتيين اللذين نسبوا التطور الاجتماعي لإرادة ذات إلهية تتجسد على الأرض عبر رجال عظام مثل الأنبياء والرسل وأولياء الله الصالحين …الخ . أما المثاليون فقد فسروا تطور التاريخ بأنه في البداية . الفكرة تتطور في ذهن الرجال العظام أولا ومن ثم يتطور الواقع على أساسها , ولقد بلغ هذا المذهب كماله على يد الفيلسوف الألماني (هيغل) حيث رأى أن التاريخ ليس سوى تطور الفكرة المطلقة او الروح العمومية حسب الزمان .
أما تفسير دور الفرد في التاريخ على أسس علمية صرفة فلم يظهر إلا بعد تبلور الفلسفة الماركسية في القرن التاسع عشر والتي مهد لظهورها اكتشاف الخلية من قبل العالم تيودر شوان ,وتحول الطاقة من قبل العالم لافواذيه وأصل الأنواع (دارون ) إلى جانب الفلسفة الألمانية والاقتصاد البريطاني والإشتراكية الفرنسية, والهيكل العظمي لتلك الفلسفة صاغه ماركس على النحو التالي ((إن الناس أثناء الإنتاج الاجتماعي لحياتهم يقيمون فيما بينهم علاقات معينه ضرورية ,مستقلة عن إرادتهم وتطابق علاقات الإنتاج هذه درجة من تطور قواهم المنتجة المادية ,ومجموع علاقات الإنتاج هذه يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع ,أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي , وتطابقه أشكال معينة من الوعي الاجتماعي والسياسي والفكري بصورة عامة ,فليس إدراك الناس هو الذي يحدد معيشتهم ,بل على العكس من ذلك معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدد إدراكهم .)) (3) .
وعلى هذه الأرضية عالجت تلك الفلسفة دور الفرد في التاريخ .
((الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكن ليس بإرادة جماعية ,وطبقا لخطة أو حتى في مجتمع محدد سابقا ومطامحهم تتصارع .ولهذا السبب فإن كل هذه المجتمعات وأمثالها تحكمها الضرورة التي تعتبر الصدفة تكملة وشكلا ً لمظهر هذه الضرورة .إن الضرورة التي تؤكد نفسها ومعها كل الصدف هي ضرورة اقتصادية بشكل نهائي ,وهنا لابد أن نعالج مشكلة من يسمونهم بالرجال العظام . إن ظهور هذا الرجل العظيم ,وهذا الرجل العظيم بالذات لاغيره في زمن معين هو بالطبع مجرد صدفة , ولكن نحّه يظهر حاجة الى بديل سيئاً كان أم جيدا , ولكنهم سيعثرون عليه في نهاية الأمر . (4) .
أكمل بليخانوف ما بدأه ماركس وأنجلز في هذا المضمار .
((وينتج أن الأفراد يستطيعون بفضل خصائص معينة لطباعهم أن يؤثروا على مصير المجتمع ,وأحيانا يكون تأثيرهم كبيرا جدا .إلا أن نفس إمكانية مثل هذا التأثير ومقاييسه على السواء تتحدد بتنظيم المجتمع , بتناسب قواه , فطبع الفرد هو عامل التطور الاجتماعي , حيث فقط ,وحتى فقط , وطالما فقط . تسمح تلك العلاقات الاجتماعية .
يمكن أن يلاحظوا لنا أن مقاييس التأثير الفردي تتوقف كذلك على مواهب الفرد أيضا . نحن نوافق على ذلك ,إلا أن باستطاعة الفرد أن يظهر مواهبه فقط في تلك الحالة التي يتشكل فيها الوضع الضروري لأجل ذلك في المجتمع .فلماذا قدر لمصير فرنسا أن يقع بين يدي شخص يفتقر الى أي مقدرة ورغبة في خدمة المجتمع , لأنه هكذا كلن تنظيمها الاجتماعي ,وبهذا التنظيم بالذات تتحدد في كل ظرف تلك الأدوار وبالتالي تلك الأهمية الاجتماعية التي يمكن أن تكون من نصيب أفراد موهوبين أوغير موهوبين ………
ولقد كان الشعب يكف عن التعاطف مع ميرابو ,حالما يتحقق من عدم تعاطفه مع طموحاته الجمهورية . وعندئذ كان الخطيب الكبير يفقد كل نفوذ له على وجه التقريب . ويمكن أن يقال الشيء نفسه تقريبا عن روبسبير لنفترض أنه كان قوة لاغنى عنها في فريقه ,لكنه لم يكن على أي حال القوة الوحيدة فيه ولو أن السقوط المفاجئ لقرميدة على رأسه والذي يسبب مقتله _ ولنقل في كانون الثاني عام 1793أي شهر إرسال الملك لويس السلدس عشر الى المقصلة _ . من المؤكد أن شخصا ً آخر كان سيتخذ مكانه . وبالرغم من أن هذا الشخص يمكن أن يكون دونه من مختلف وجهات النظر .فقد كانت الأحداث تتخذ مع ذلك نفس المجرى الذي اتخذته حين كان روبسبيير حياً)) (5).
باختصار .رأت الفلسفة الماركسية . أن سبب دور الأفراد المميزين في التاريخ يعود الى انعكاس خصائص تلك المرحلة التي عاشوها في أذهانهم أكثر من غيرهم ,تماما كما تنعكس خصائص التربة في ثمار أشجارها المميزة .وهكذا عبر بطرس الأكبر بجبروته وطغيانه وقوة شخصيته عن روح روسيا الجاف وتطلعات بورجوازيتها نحو الحضارة الغربية ومحاولة استيعابها .(6). أيضا عبّر المهاتما غاندي بقلبه الطيب وتواضعه وبساطته عن روح الهند الشرقية وتطلعات بورجوازيتها نحو الاستقلال.
الثغرة الكبيرة في تفسير الماركسية لدور الفرد في التاريخ تكمن في مبالغتها بدور الاقتصاد في تطور المجتمعات قياسا بالدور السياسي لدوافع أيديولوجية . لقد كان هم ماركس وأنخلز وهما في خضّم المعركة مع الطرف الآخر ,تثبيت وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر المثاليين التي تعزو الدور الأول للتطور إلى الرجال العظام في التاريخ . ولقد اعترف أنجلز أواخر حياته تصريحاً أوتلميحا بذلك (( إن ماركس وأنا ملومان جزئيا عن واقع أن الشباب في بعض الأحيان يعلقون على الجانب الاقتصادي أهمية أكبر مما تعزى إليه .ولقد اضطررنا إلى التأكيد على هذا المبدأ الرئيسي لمواجهة خصومنا الذين رفضوه , ولم يكن لدينا الوقت دائما ولا المناسبة لتقديم تقدير للعناصر المشتركة في التفاعل , ولكن عندما نأتي إلى عرض مرحلة من التاريخ , أي القيام القيام بتطبيق عملي فإن الأمر يكون مختلفا ….)) (7) .

**************

يصح تفسير الماركسية لدور الفرد في التاريخ إلى حد ما على التاريخ الأوروبي , ولكنه لا يفسر لنا دورهم المتعاظم في الشرق , وبشكل عام من جمع منهم بين مرحلة النهوض والهبوط إبان فترة حكمه ,لاتفسر لنا الماركسية دور الأفراد المعبرين عن تطلعات فئات اجتماعية مصلحتها عكس التطور الاجتماعي ,لاتفسر لنا دور العباقرة والمميزين في عصر الظلمات , مثلا ابن خلدون وابن رشد ظهرا في عصر ملوك الطوائف , في المغرب العربي . أكثر عصور الإنحطاط في التاريخ الإسلامي .
كان من المفروض ردم تلك الثغرة بعد رحيل الروّاد الأوائل, ودفع النظرية لتتخلص من وهمها الأيديولوجي ولتلتصق بالعلم والمعرفة أكثر . ولكن مع الأسف الشديد فإن المحصلة حتى هذه اللحظة التاريخية تبدو وكأننا سرنا خطوتين إلى الوراء بدلا من أن نتقدم خطوة إلى الأمام .
أخيرا لابد من كلمة حول مصطلح الرجال العظام وما يثيره من لغط .
إننا نستطيع أن نقول بكل ثقة أن صفة الرجل العظيم تنطبق على كل فرد في كل مرحلة تاريخية , وهب فيها ذلك الفرد إمكانيات عقلية خاصة عملت في مصلحة التطور الاجتماعي ككل , سواء جاء هؤلاء من الطبقات الشعبية أم من الطبقات الغنية أو الحاكمة أو المتنفذة , سواء كانوا كانوا على تماس مباشر مع الجمهور أو منعزلين في صوامعهم عنه . المهم أن يكون ما يشغلهم هو مقاربة الحقيقة الموضوعية في مجال عملهم مثل العالم (غاليلو) الذي أصر على أن الأرض تدور في حينه مع معرفته بأن ذلك يمكن أن يكلفه حياته وغيره من العلماء كثيرون أفنوا عمرهم حتى أنتجوا اختراعات علمية في حقل الفيزياء والرياضيات والكيمياء والذرة والطب والوراثة …الخ. أو رجال فن وأدب وموسيقى وفلسفة لم يكن نتاجهم متأثرا بالسياسة ولا يخدم فئة بعينها .
وإذا انتقلنا إلى الرجال المميزين في الحقل السياسي فاللغط يكمن هنا لأن العظمة تختلف باختلاف الزاوية التي ننظر منها إلى ذلك الرجل , فإذا نظرنا إليه من زاوية قوة نفوذه وسطوته في زمانه ومكانه , وما تركه من أثر على التاريخ , لقلنا أن هتلر وهولاكو وجنكيز خان وأمثالهم في مقدمة عظماء التاريخ . وإذا نظرنا اليهم من منظور إنساني بحت, حيث العظيم عظيم بمقدار ما يهب من حياته في سبيل إخوته حسب تعبير العهد القديم, فإننا سنخرج من خانة الرجال العظام ليس هتلر وأمثاله فقط بل وحتى رجال عمالقة فكرياً مثل عالم الاجتماع ابن خلدون والذي سبق ماركس بقرون في هذا المجال , الفارق بين الرجلين أن ماركس عمل يكل ما أوتي من قوة منسجما مع قناعاته وأفكاره وتحمل العذاب والآلام والفقر من أجل إخوته في الإنسانية , في حين لم يكن ابن خلدون أمينا لمنهجه الموضوعي في المقدمة عندما كتب لنا مجلداته في التاريخ العربي الإسلامي لغاية في نفس يعقوب , والمعروف عنه أنه تعاون مع تيمور لنك لكي ينجو بجلده ويحافظ على امتيازاته . وقد شغل هذا الموضوع الأديب الراحل سعد الله ونوس , فقدّم لنا تلك المفارقة في عمل مسحي جميل سماه –منمنمات تاريخية- في حين كان ابن رشد أقرب الى ماركس فقد تحمّل تبعات فلسفته وأصّر عليها ولم يقدّم أي تنازلات لحكام زمانه , وعندما واتته المنيه كان منفيا ومعزولا في قرية نائية , وقد وضعت جثته في كفة خرج على ظهر دابة , ووضع مقابلها في الكفة الأخرى حجارة حتى تتوازن الكفتان , وسار الحمار بالجثة والحجارة إلى القبر ولم يكن خلفه الآعدد محدود من الناس .
من جهة أخرى لقد انشغل ماركس وأنجلز وكل الشيوعيين من بعدهم أفرادا وقوى وحركات وأحزابا في الرد على الفكر المثالي من موقع نضالي , ولكنهم وفقوا في جانب وأخفقوا في جانب آخر . لقد وفقوا في جانب إبراز دور العقل واستعماله من أجل قضية الإنسان . جانب استنباط قوانين اجتماعية قد تعمل بهمجية أشد من همجية القوانين الطبيعية إن لم نعرف كيف نتقي شرّها . ولكنهم أخطأوا في فهم دور الفكر المثالي ككل في خدمة قضية الإنسان . فإذا كان الفكر الشيوعي يعتمد العقل , فإن الفكر الديني يعتمد القلب إذا صّح التعبير لخدمة قضيته والشيوعيون الحقيقيون مثلهم مثل الدينين الحقيقيين ينظرون الى الإنسان بوصفه غاية ويجب العمل من أجل قضيته في كل زمان ومكان ولكن كًَلً بأسلوب .
وإذا كان الفكر الديني تحديدا قد عرف ظاهرة المنافقين فيه , ظاهرة رجال ركبوا موجته واستغلوا شعور الدينين الحقيقي, ووجهوه جهة أخرى باتجاه السماء بدلا من العمل لتحقيق العدل على الأرض خدمة لمآربهم ومآرب أسيادهم . فإن الفكر الشيوعي عرف ظاهرة موازية أيضا . ظاهرة فئة من المثقفين الذين جيروا ذلك الفكر من أجل خدمة مصالحهم الخاصة وعلى حساب المصلحة العامة (الإنتهازيين),

**************

وبناء على نتائج تلك المعركة التي انتهت الجولة الأولى منها بسقوط النظام العالمي القديم فإننا نستطيع أن نقول:
إن قضية الإنسان تحتاح الى المخلصين من الجانبين , تحتاج الى العقل والقلب كما يحتاج الطائر الى الجناحين ليحلق في الجو.

الحلقة الثالثة

دور الفرد في التاريخ بشكل عام

أعتقد جازما ً أن أفراد النوع البشري الذين عملوا في الحقل السياسي منذ أقدم العصور وحتى الآن هم ضحايا التطور الاجتماعي مع إنهم الأكثر تأثيرا فيه , وهنا تكمن المفارقة , جّل هؤلاء تحرمهم السياسة من حياة عائلية طبيعية , فهم غالبا ما يتناولون وجبات طعامهم مع العمل , وبالتالي لاوقت لديهم للإهتمام بأطفالهم أو شؤونهم الخاصة , والسياسة تفعل فيهم فعل الأفيون بمن يتعاطاه , ومع ذلك يشعرون لدى ممارستها بخدر لذيذ لا يستطيعون الاستغناء عنه .
لكن ليس هذا هو المهم بالنسبة لموضوعنا , بل الأهم منه هو محاولة الإجابة على السؤال التالي . هل تحتاج الرموز السياسية المعبرة عن مصالح فئات اجتماعية متضاربة , إلى مهارات عقلية خاصة تحمل عبر صفات وراثية وتتجلى صدفة في هذا الفرد أو ذاك , ويقوم التطور عند حاجته إليها استدعاءها في زمان ومكان محددين ؟. أم أن أي إنسان عادي يستطيع أن يقوم بهذا الدور إذا زج في المعمعان ؟ … هل يحتاج هؤلاء الى ذكاء من نوع خاص ؟ لكي تظهر موهبتهم في هذا المجال . الموسيقى مثلا تحتاج الى ارتباطات حسية عصبية وراثية لدى الموهوبين فيها . وكذلك الأمر بالنسبة للفن والأدب تحتاج الى شيء مماثل , وأما النوابغ في الرياضيات والفيزياء فإن مخهم يكون مزودا بدارات ارتجاعية عصبية تنفتح وتنغلق بطريقة خاصة ماذا بالنسبة للسياسيين ؟ . وخاصة الدكتاتوريين منهم والذين يستطيعون ربط المجتمع بكافة فئاته وطوائفه بشخصهم ويستطيعون متابعة كل ما يجري في بلدانهم .
للإجابة على السؤال نحتاج الى دراسات إحصائية عديدة شبيهة بدراسة العالمة الأمريكية المذكورة سابقا (كوكس) ولكن بدلا من دراسة سيرة (300) عبقري في التاريخ تجب دراسة سيرة (300) سياسي كان لهم حضور كبير في زمانهم ومكانهم . ويجب استعمال طرق حديثة غير الطرق القديمة, أي بصريح العبارة الموضوع يحتاج الى جهود علمية كبيرة مشتركة بين علماء النفس وعلماء الوراثة حتى تتم الإجابة عليه .
إذا انتقلنا الى دور الفرد السياسي في زمانه ومكانه , فإن بإمكاننا القول أن الماركسيين الأوائل لم يوفقوا في معالجته من كل جوانبه , ولنبدأ برائدهم ماركس ومعالجته لدور لويس بونابرت في فرنسا . فبالرغم من أن تلك المعالجة كانت نقلة نوعية قياسا بمعالجة علماء اجتماع آخرين عاصروا تلك الفترة إلا أن كلام ماركس ((أما أنا فإني أثبت على النقيض كيف أن الصراع الطبقي قد أوجد الظروف والعلاقات التي مكنت شخصا عاديا ومضحكا من أن يؤدي دور بطل )) (8) . يحتاج الى بعض المراجعة والتدقيق . ربما كان لويس بونابرت شخصا مضحكا ولكنه لم يكن عاديا ((إن جمعية العاشر من كانون الأول كانت تخصه , كانت فكرته الخاصة بالذات أما كل ما يحوزه فيما عدا ذلك فقد وضع بيديه في حكم الظروف , وكل ما يفعله فيما عدا ذلك تفعله الظروف أو يكتفي بالنسخ من أعمال الآخرين …))(9). ولكن الا تكفي جمعيةالعاشر من كانون الأول ؟ . التي ألفها وجمع فيها (( مشردون وجنود مسرحون ومجرمون جنائيون مطلقوا السراح وهاربون من الأشغال الشاقة ونصّابون وقوادون وأصحاب مواخير وحمالون ونساخون وضاربو أرغن متجولون وجماعو أسمال وسنانو سكاكين ولحامو معادن ومتسولون , وباختصار جميع هذا الجمهور السائب , المتنوع غير المحدد الذي تدفعه الظروف هنا وهناك والذي يسميه الفرنسيون بوهيميا )) (10).
إن من يستطيع أن يقود هؤلاء ويوحد بينهم تحت اسم جمعية خيرية , ويصل الى أهدافه السياسية ليس رجلا عاديا , إنه رجل بمنتهى الذكاء والمهارة , وقيادة حثالة البروليتاريا أصعب وبحاجة الى فن أكبر من قيادة البروليتاريا على ما أعتقد .
أما الماركسيون فقد استنبطوا من االكتاب ما سموه ملامح البونابرتية والتي عالجوا بوحيها انظمة خاصة أطلقوا عليها اسم أنظمة الإستثناء حسب القاعدة الفقهية التالية – إن الصراع الطبقي ذلك المحرك الجبار للتاريخ يدفع الى السطح شخصا عديم المواهب وربما أبلها , في لحظات التوازن بين جهتين متصارعتين يصعب على إحداها حسم المعركة لصالحها , ذلك الشخص ينشئ فيما بعد أجهزته ومؤسساته وتقع بالنهاية العباءة الأمبراطورية على كتفيه –
إن رؤية ماركس وأنجلز وبليخانوف حول دور الفرد في التاريخ على قاعدة نحّه يظهر غيره عاجلا أم آجلا , سيئا كان أم جيدا لحاجة التطور الى ذلك , وما أسفرت عنه الثورة البلشفية ودور الفرد فيها دور مهندسها لينين دحضتها التجربة , تجربة الشيوعيين بالذات وها هي الوقائع العنيدة تفقأ العين .
كانت روسيا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين , بلد نصف متخلف نصف إقطاعي , نصف رأسمالي , تتداخل فيها التشكيلات الاجتماعية من المشاع الى الرأسمالية لابل إن قوة مشاعاتها كانت كبيرة جدا ولها ممثلوها السياسيون –الشعبيون – ودعوتهم لإنتقال روسيا من المشاع الى الرأسمالية لم تأت من فراغ ومع أن انجلز قد عاصر وراسل بعض شيوعيي روسيا , الا أنه لم يتكهن يوما لاهو ولا سلفه ماركس ببداية انطلاق الاشتراكية على هذا الكوكب من روسيا وتفسير ذلك ببساطة لأن الاشتراكية وفقا لمنهجهم يجب أن تنبثق من دولة رأسمالية متقدمة , استنفدت فيها الرأسمالية كل مهامها التاريخية ونضجت في داخلها المقدمات المادية للاشتراكية . لكن التفاوت الهائل في روسيا بين الغنى والفقر وسلطة القيصر الدموية دفعت البلاد الى الانفجار الاجتماعي مرتين , الأولى عام – 1905 – والثانية عام – 1917 – وفي المرة الثانية جرى على الأرض ازدواجية سلطة , سلطة البورجوازية ممثلة بالحكومة المؤقته وعلى رأسها كيرنسكي وسلطة السوفييتات , سوفييتات العمال والجنود والفلاحين . كان الحزب البلشفي ومعه كل القوى اليسارية مع دعم حكومة كيرنسكي . ولكن لينين وحده عارض تلك القوى وطالب بإسقاط الحكومة المؤقته والاستيلاء على السلطة , وكان يرى أن دعم سلطة كيرنسكي معناه تسهيل المهمة على تلك السلطة في القضاء مستقبلا على دور الطبقة العاملة وحلفاؤها من الطبقات الأخرى , ولن تتورع عن ذلك حتى بالتعامل مع العدو الخارجي من أجل إضعاف الطبقة العاملة , والسيطرة عليها كليا .لذلك يجب تحويل الحرب الدائرة الى حرب أهلية وطرح شعار الحرب الإنهزامية , من أجل الاستيلاء على السلطة قبل التصدي للدفاع عن الوطن .
اتهم لينين آنذاك بأن غيابه عن روسيا جعله لايفهم واقعها , وان الجماهير مع شعار الدفاع عن الوطن , وأجاب لينين يجب السباحة ضد التيار وإقناع العمال والفلاحين والجنود بتحويل الحرب الى حرب أهلية , والانتقال بالسلطة كليا الى السوفييتات .
استقال لينين من اللجنة المركزية للحزب البلشفي , وعمل في صفوف الحزب لتغيير قراره ونجح في ذلك , ثم عمل مع الحزب ضمن السوفييتات لإقناعهم باستلام السلطة ككل وخطط للانتفاضة كما هو معروف . وقال إن تقديم ليلة أوتأ خير ليلة في الهجوم على قصر الشتاء قد يضييع الفرصة كليا .
المعروف أن لينين صاغ موضوعات نيسان الشهيرة وهو في طريقه الى روسيا داخل عربة قطار ألماني وبجواز سفر أصم أبكم , وفي تلك الموضوعات طالب بتحويل مسار الثورة من ثورة بورجوازية الى ثورة اشتراكية وراى أن الرأسمالية بعد ثورة (1905) قد تطورت بما فيه الكفاية لتجعل الطبقة العاملة ناضجة لإقامة ديكتاتوريتها بالتحالف مع الفلاحين , مع أنه هو القائل في التسعينات من القرن التاسع عشر ((إن فكرة السعي وراء خلاص الطبقة العاملة عن طريق غير طريق تطور الرأسمالية المضطرد فكرة رجعية , ففي بلدان كروسيا لاتعاني الطبقه العاملة من الرأسمالية بقدر ماتعاني من النقص في تطور الرأسمالية , ولذا فإن مصلحة الطبقة العاملة إطلاقا أن تتطور الرأسمالية فيها بمنتهى الاتساع والحرية والسرعة , من المفيد للطبقة العاملة إطلاقا القضاء على جميع بقايا الماضي التي تعيق تطور الرأسمالية تطورا واسعا وسريعا , والثورة البورجوازية هي على وجه الدقة انقلاب يكنس بأشد الحزم بقايا الماضي , بقايا القنانة التي لاتشمل الأوتوقراطية وحسب, بل الملكية أيضا , ويؤمن على أكمل وجه تطور الرأسمالية بمنتهى الاتساع والحرية والجرأة. ))(11) .
لقد كان لينين براغماتيا ثوريا من طراز رفيع وكان همه الأساسي الوصول الى السلطة بأي ثمن , حيث الفعل الجوهري يبدأ منها من أجل تحويل المجتمع لمصلحة المنتجين الحقيقيين فيه . من أجل ذلك لوى عنق النظرية بما يخدم هدفه السياسي, لا يعقل أن تصبح روسيا بأقل من ثلاثين عاما تعاني من آلام زيادة الرأسمالية فيها بعدما كانت تعاني من نقصها . الأرجح أن شعار رفع الثورة الاشتراكية كان يساهم في حسم اذدواجية السلطة لمصلحة السوفييتات ومن ثم ديكتاتورية البروليتاريا بقيادة البلاشفة . ولقد نجح لينين في ذلك . وبنجاح ثورة البلاشفة في روسيا قدّم لنا التاريخ برهانا آخر على دور السياسة الموازي للاقتصاد , دور البنيان الفوقي , دور الوعي . دور التراث والتاريخ المتجسد في قرار ذلك الفرد . لايصح هنا كلام أنجلز –نحه يظهر غيره – لايصح هنا قوله أن الاقتصاد هو المقرر في نهاية المطاف . (( وهكذا هو الأمر مع الصدف الأخرى وكل الصدف الواضحة في التاريخ , وبقدر المجال الخاص الذي ندرسه عن المجال الاقتصادي , وبقدر مايقترب من المجال الأيديولوجي الصرف فإننا نجد الكثير من الصدف في تطوره ويزداد خطه المنحني تعرجا , ولكن إذا رسمت المحور الأوسط للمنحني فسوف تجد أن هذا المحور يقترب أكثر فأكثر بشكل متواز لمحور التطور الاقتصادي كلما طالت المرحلة التي ندرسها وكلما اتسع الميدان الذي نعالجه.)) (12) .
السياسة فعلها في التاريخ يوازي فعل الاقتصاد في حالات كثيرة , تجب دراستها في أوانها وما هو العامل المحدد عندما نكون على مفترق طرق كما كنا في روسيا و وأثر ذلك على التطور اللاحق . دعونا نتخيل نجاح الطريق الآخر في روسيا ونكتشف من خلاله دور السياسة التي تكثّفت في قرار فرد .
ترى لو أن عربة لينين قد تحطمت من جراء اصطدام القطار بقطار آخر ؟ ولم يصل الى روسيا أبدا . الأرجح أن الطريق كان باتجاه استقرار السلطة للبورجوازية ممثلة بشخص كيرنسكي , بعد دعمها من البلاشفة والمناشفة والضغط عليها من أسفل كي تنفذ المهام الديمقراطية بمنتهى الاتساع والجرأة والقوة . والنتيجة أن روسيا كانت قد سلكت طريقا رأسماليا آخر ربما كان شبيها بطريق الدول الأوروبية أو على الأقل مثل دولة الهند الشرقية.
صحيح أن كلا الطريقين أدى الى تعميق الرأسمالية في روسيا ولكن الفارق بين الطريقين ليس أمرا قليلا أبدا وهي على كل حال مهمة الشيوعيين وغيرهم من القوى التقدمية والديمقراطية لاستخلاص العبر والدروس منها أكثر منا . لكن تأثيرها علينا نحن الشيوعيين لم يكن قليلا . لقد بدأ الفكر الشيوعي طريقه بإعلاء شأن العقل وربط أي تقدم به . ولكن مع الأسف الشديد بدا وكأن اكبر محنة في العصر الحديث للعقل تمت على يد الفكر الشيوعي ذاته . لقدتم تحطيمه تماما في روسيا تحت يافطة شيوعية عريضة , مارسوا الكذب والرياء والنفاق بشكل رخيص جدا لدرجة وصلت حد القول أنهم ألغوا الطبقات في بلادهم وبدأوا بالطور الأدنى من الشيوعية ولما رفع الغطاء عن المجتمع الروسي تبين حجم الهوة الفاصلة بين الادعاء والواقع وكان وقع ذلك مذهلا على السواد الأعظم من الناس العاديين خارج روسيا . أما على الصعيد العالمي فقد مهّد نجاح الثورة في روسيا ليأخذ شكل الصراع بين الرأسماليات المتنافسة على السوق العالمية شكل عسكري – معسكرين – كل منهما وجد مبررا للتنكر للإنسان وحقوقه بحجة خطر ومقاومة الطرف الآخر .
إن أول من عالج دور الفرد في التاريخ بطريقة مختلقة عن الطريقة الكلاسيكية مشخصا بدور لينين هو تروتسكي . وقد كتب عنه بالحرف الواحد (( ويبقى سؤال هام , ولكن طرحه أسهل من الإجابة عليه , ترى كيف سيجري تطور الثورة لولم يستطع لينين الوصول الى روسيا في نيسان عام -1917- . وإذا كان حديثنا السابق كله يؤكد ويكشف شيئا , فإننا نأمل أن يكون هذا الشيء هو و أن لينين لم يكن خالق التطور الثوري , ولكنه انتظم في سلسلة القوى الايجابية فكان حلقة كبيرة في هذه السلسلة , وجاءت ديكتاتورية البروليتاريا من الوضع كله , ولم يكن لينين عنصرا صدفيا في التطور التاريخي ولكنه نتاج مجمل التاريخ الروسي السابق , وكان يمد جذوره الى أعماق هذا التاريخ ولا يمكننا أن نستنتج من الأهمية الخارقة التي أخذها مقدم لينين. سوى أن الزعماء لايأتون صدفة . وأن اختيارهم وإعدادهم يتطلب عشرات السنين وأن من المتعذر استبدالهم بشكل اعتباطي , وأن إبعادهم الآلي عن الصراع يصيب الحزب بجرح دام وقد يصيب الحزب في بعض الحالات بشلل طويل الأمد. )) (13).
لقد استنكر مؤرخ ماركسي معجب بتروتسكي وكاتب سيرته الذاتية ذلك التحليل ورأى فيه وهو محق خروجا عن الماركسية إذ لايعقل من وجهة نظره أن تكون سقوط قرميدة واحدة من فوق أحد سطوح المنازل في زيوريخ كافية لتبديل مصائر الإنسانية وعزا ذلك الى خصائص نفسية في شخصية تروتسكي ((إن تروتسكي اعتبر نفسه عند فجر خلق الأممية الرابعة وكأنه لينين عام – 1917 – الذي لايمكن الاستغناء عنه في الثلاثينات والأربعينات , واستمد من هذا الإيمان القوة اللازمة لجهوده البطولية التي بذلها في وحدته . )) (14). في هذا الكلام ظلم كبير لتروتسكي , ومع إقراري بأن اسحق دويتشر كان يفهم تلك الشخصية ودوافعها على المستوى الذاتي والسياسي فهما كبيرا , إلا أنه لم يوفق هنا بسبب قناعته العميقة بصحة تحليل ماركس وأنجلز حول دور الفرد في التاريخ , لكن الموضوع هنا أبعد من أن يكون مسأله لها علاقة بالصفات الشخصية لتروتسكي . إنه جزء من الحقيقة الموضوعية والمعرفية انعكست في ذهن تروتسكي . وهو المشهود له بعبقريته في مجال النظرية . إدراكه لدور مجمل التاريخ الروسي . لدور الوعي المستقل نسبيا عن الواقع وانعكاسه في ذهن أفراد لهم تاريخهم الخاص مثل لينين , وهذا التنظير يكاد يكون منسجما مع ما بينه التطور الروسي لاحقا مع تعديل بسيط وهو أن دور لينين لم يكن داخل السلسلة الايجابية بل داخل السلسلة السلبية . (15) ربما لو أن الله أمد بعمره ثلاثين سنة اخرى لكان قد لعب دورا إيجابيا ما, يستحيل على المرء أن يتخيل بأن لينين يمكن أن يقدم على إعدام رفاقه من أجل أن يصبح مركز القرار موحدا . لقد أفشى زينوفيف وكامنييف سر الانتفاضة , ولم يطالب حتى بفصلهما من اللجنة المركزية ناهيك عن إعدامهما في حين أعدمهما ستالين مع أنهما أبديا الندم والتوبة أمامه ولم يرف له جفن !!! . لم يكن لينين مستعدا للعب هذا الدور ونتائجه لوكان مكان ستالين آنذاك, على تطور روسيا والعالم والحركة الشيوعية بعده لم يكن قليلا . وفي كلتا الحالتين : حالة وصوله الى روسيا عام – 1917 – وحالة غيابه عنها عام -1924 – يقدم لنا درسا بخصوص أهمية السياسة بموازاة الاقتصاد في التطور وأن الغلبة لأي منهما يجب أن تدرس في كل حالة على حدة ويستخلص منها توازن القوى في تلك اللحظة التاريخية والعوامل التي حسمت التطور باتجاه هذا الطرف أو ذاك .

 الحلقة الرابعة

القادة السياسيون والقرن العشرين

بدأ القرن العشرون ب (بروفا) للثورة الروسية الكبرى عام – 1905 – كان للجماهير من عمال وفلاحين وجنود وعامة الناس . دور أساسي فيها وقد تعاظم هذا الدور وسقط القيصر , رمز الظلم والوحشية والفظاعات الانسانية . ونجاح الثورة مّد المقهورين بالأمل في كل مكان بإمكانية صنع جنتهم على الأرض . وتوقع المؤرخون بداية جديدة لكتابة التاريخ يظهر فيها دور الجماهير على حقيقته ويتراجع دور الأبطال في المسرحيات التاريخية والآن وبعد رحيل القرن يتبين للقاصي والداني , أن ثورة اوكتوبر كانت سحابة صيف عابرة في سماء ذلك القرن . لابل إن ماجرى من تضخيم لدور الفرد فيه ذكّرنا بالقرون الخوالي, قرون عبادة الأفراد وتقديسهم , قرون الرجال العظام صانعي التاريخ, كل منهم رجل في أمة وأمة في رجل وعظيم قرنه مع فارق أن أولئك الحكام ادّعوا أن حقهم في الحكم إلهي , وهم يحكمون بتفويض من السماء , في حين ادّعى جميع قادة القرن العشرين أنهم ممثلو الجماهير ويعملون من أجل قضيتها , وبالتالي عليهم طاعتها أكثر , وكانوا أسوأ من أسلافهم في التشبث بالحكم لدرجة أن لاأحد منهم ترك منصبه الا بالموت أو بالحديد والنار . ستالين في روسيا , ماو تسي تونغ في الصبن , كيم إينغ إيلسون في كوريا الشمالية , شاوشسكوا في رومانيا , هونيكر في ألمانيا , جيفكوف في بلغاريا , تيتو في يوغسلافيا , كاسترو في كوبا , هوشي منه في فيتنام , منكستو هيلا مريام في أثيوبيا , زياد بري في الصومال , جمال عبد الناصر في مصر , النميري في السودان , صدام حسين في العراق , معمر القذافي في ليبيا , هواري بو مدين في الجزائر , هتلر في ألمانيا , موسليني في إيطاليا , فرانكو في أسبانيا , سالازار في البرتغال .
وإذا دققنا في أسماء الأفراد السابقين ودورهم في مجتمعاتهم , لوجدنا أن ظهورهم في الشرق هو القاعدة في هذا القرن , في حين يمثل الاستثناء في الغرب , وعندي أن لذلك تفسير يكمن في تاريخ تطور الشرق والغرب , وحضارة الشرق والغرب , وكيف تمت إشادة كل منهما , ففي الغرب مع أن تاريخ حضارته هو الأحدث , لكن تحلل مشاعاته الأولى الجرمانية والسلافية واعتمادها في التحلل على الظروف الطبيعية فقط -ماء المطر تحديدا – وانتقالها إلى نمط كلاسيكي للرق ومن ثم الإقطاع , وتوحيد السوق القومية لكل من تلك الاقطاعات على يد البورجوازية في سوق واحدة عبر ثورات تميزت بمشاركة شعبية كبيرة وبدفع التطور في تلك المجتمعات من أسفل إلى أعلى, وبزمن كبير نسبيا ترافق مع صراع طبقي عنيف أحيانا بين الجهتين , كل تلك الظروف قادت الى الحكم النيابي البرلماني الديمقراطي ووجود مؤسسات مدنية قوية إلى جانب الدولة تسندها وتسانده, وبالتالي أخذ دور الفرد السياسي حجمه الطبيعي تقريبا, واعتمد على قوة نفوذه بين شعبه بسبب عدم السماح بالتجديد له في ا لحكم لأكثر من مرتين متتاليتين قانونيا , ساعد على ذلك الاستقرار والاستمرار فيما بعد, تحول التناقض في تلك البلدان الى تناقض خارجي بينها وبين المستعمرات التي غزتها فنهبت شعوب تلك المستعمرات وطّورت اقتصادها على حساب تلك البلدان . أما النازية في ألمانيا . والفاشية في إيطاليا والديكتاتورية في أسبانيا فقد كانت الاستثناء عن القاعدة ولدتها ظروف خاصة في كل دولة على حدة استدعت دور الفرد السياسي المميز في تلك الفترة.
أما الشرق, ومع أن حضارته هي الأقدم بكثير إلا أن تطورها كان له مسار مختلف عن الغرب , والسبب أن تلك الحضارات بدأت مسيرتها حول الأنهار , النيل في مصر , الرافدين في العراق , وأنهار مماثلة في فارس والصين والهند وغيرها من تلك البلدان , واعتماد تلك الحضارة على مياه الأنهار مما استدعى ظهور مركز ينظم ويشرف على توزيع المياه تطورت مهامه مع الزمن لتشمل شق الترع والقنوات والمصارف وبناء القناطر والسدود والجسور , وضبط مياه النهر على مدار العام والإحتياط لسني الجفاف والفيضان . هذا المركز تطور الى حكومة مركزية قوية تشرف على نظام الري في طول البلاد وعرضها وتجمع بيدها كل السلطات وتقوم بتنظيم أعمال الصيانة والسخرة وبث الرعب والذعر في نفوس الناس لإرغامهم على الطاعة . يقف على رأس هذه الدولة المركزية فرد قوي يصبح مهيمنا ,جبارا , مقتدرا ,قاهرا , واهبا , مانعا , جليلا , مهيبا, ..الخ.
لقد كان ماركس أول من بدأ هذه الدراسات عن تاريخ الشرق الخاص أواخر حياته ولم يمهله الموت حتى يكملها ولكنه وضع ما سماه –نظام إنتاج آسيوي – على قدم المساواة مع الأنظمة الأخرى مثل نظام الرق والاقطاع والنظام الراسمالي حتى جاءت الستالينيه وضربت التاريخ على أنفه لترغمه على الدخول في ترسيمتها المعروفة –مشاع –رق – إقطاع –رأسمالية – وحذفت نمط الإنتاج الآسيوي من بينها لأسباب سياسية .
ولكن دراسات عالمية وعربية عديدة حملت من العمق في هذا الموضوع ما يؤهلها لأن تعد استمرارا لمنهج ماركس تقف في مقدمتها دراسات الماركسيين المصريين مثل دراسة ابراهيم عامر عن الأرض والفلاح في مصر , ودراسة أحمد صادق سعد عن نمط الانتاج الآسيوي في مصر ودراسة سمير أمين عما اقترح تسميته بنمط جديد ساد الشرق –نمط الانتاج الخراجي – الصفة المشتركة لذلك النمط سواء كان آسيويا أم خراجيا أم إقٌطاعا شرقيا هو وقدرته على تجديد نفسه وبالتالي عدم الخروج من ذلك الركود . ولذلك سبقتنا بلدان أخرى أقل حضارة منا بكثير وعادت فاستعبدتنا لتضيف إلى تخلفنا وعدم القدرة على الخروج من ذلك النفق سببا جديدا .
أما في العصر الحديث عصر القرن العشين وما رافقه في تلك البلدان. من تصدي الطبقات الوسطى للحكم فقد تجلى تاريخ الفرد القابع على رأس الهرم بنفس الطريقة السابقة إن لم نقل وبشكل أبشع . كثيرون منهم مثلوا دور الصعود والهبوط في بلدانهم دون أن يرف لهم جفن . تبادلوا الدور مع الكرسي , فبدت الكرسي هي الشخص والشخص هو الكرسي . في حين فعل ماضي بعضهم فعله في داخله فنخره وقصر في عمره .
إن تاريخ كل شخص من القائمة السابقة وتاريخ بلده وفعل الصفات الشخصية في ذ لك التاريخ يجب أن تدرس كل حالة فيها على حدة اما التعميم فلا يقرر سوى منحى عريض لاأكثر .
الجدير ذكره هنا أن البلدان التي نجت من هيمنة الطبقات الوسطى على مسيرتها السياسية عرفت الى حد ما تراجع ظاهرة الفرد ليكون دوره مشابها لدور الأفراد في البلدان ذات الحكم النيابي البرلماني, وأسطع مثال على ذلك كوريا الشمالية والجنوبية , فلقد جسد كيم إينغ إيلسون في كوريا الشمالية دور القائد الملهم لدرجة اسطورية وصلت حد عدم قبول السفارات الأجنبية لبلاده أي مذكرة رسمية لاتعظم الرئيس الكوري ثلاث مرات .في حين لم يعرف قي كوريا الجنوبية رئيس تمتع بجزء بسيط من تقديس ونفوذ ايلسون وابنه من بعده