معوقات الاقتصاد في العالم العربي

معوقات الاقتصاد في العالم العربي

ان التنمية المستدامة (اي التطور الشامل) تتألف من ثلاث عناصر رئيسية هي :
أولاً : العنصر الاقتصادي ويستند الى المبدأ الذي يقضي بزيادة رفاه المجتمع الى اقصى حد والقضاء على الفقر من خلال الموارد الطبيعية على النمو الامثل وبكفاءة ويشير مفهوم الاحتياجات الاساسية لفقراء العالم الذين ينبغي اعطاؤهم الاولوية الاولى.
ثانياً : العنصر الاجتماعي ويشير الى العلاقة بين الطبيعة والبشر والى النهوض برفاه الناس وتحسين سبل الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية الاساسية، والوفاء بالحد الادنى من معايير الامن واحترام حقوق الانسان ،كما يشير الى تنمية الثقافات المختلفة والتنوع والتعددية والمشاركة الفعلية للقواعد الشعبية في صنع القرار.
ثالثاً العنصر البيئي ويتعلق بالحفاظ على قاعدة الموارد المادية والبيولوجية وعلى النظم الايكولوجية والنهوض بها.

وحول جوهر إشكالية التنمية في الوطن العربي تقول المنظمة العربية للتنمية الادارية التابعة للجامعة العربية ان جوهر التخلف يكمن في البنية المعرفية لمفهوم التنمية.
وأن نموذج التنمية الحقيقية في جوهره يقوم على فكرة العدل والمساواة ويجب أن تتحرك التنميو بصورة شاملة ومتوازنة على جميع المستويات، من أجل تحقيق نهضة حضارية شاملة في الدولة.

فهي عملية مجتمعية شاملة متوازنة هدفها تأمين متطلبات الحياة الكريمة للإنسان، وتسعى للنهوض بكل مكونات الدولة عبر عمليات متوالية ومتتالية. ويجب أن لا تكون ذات حركة عشوائية أو استجابة وقتية لمتطلبات واقعية أو رد فعل لبيئة دولية أو إقليمية، وإنما تكون دائمًا في جوهرها عملية مستقلة شاملة متواصلة من خلال السيطرة على الفائض الاقتصادي وعدم استنزافه، وإعادة توزيعه لصالح الطبقات الفقيرة، لتحقيق التطور والتقدم لإيجاد نهضة حضارية. وفي الوقت ذاته يجب على التنمية أن تعمل لتحقيق التوازن للمجتمع دونما التركيز على قطاع بعينه عن القطاعات الأخرى، أي التركيز على التنمية الاقتصادية على حساب التنمية الاجتماعية والسياسية والثقافية، وهكذا.

فيما نجد أن جوهر إشكالية التنمية في الوطن العربي يكمن في البنية المعرفية لمفهوم التنمية الذي يتم الحديث عنه، أو ما يمكن أن نطلق عليه (أبستمولوجيا التنمية)، وهو تلك المنظومة من المسلمات والمفاهيم والغايات والأهداف المؤطرة برؤية معينة للإنسان والكون والحياة.

الاقتصاد اهم الجوانب الاساسية في بناء الدولة ومؤسساتها
وتعتبر المنظمة العربية ان الاقتصاد اهم الجوانب الاساسية في بناء الدولة ومؤسساتها فمن خلاله يمكن ان تُسير باقي الامور، ويشكل الجانب الاقتصادي اليوم في بعض البلدان العربية مصدر قلق للعديد من المهتمين خصوصا تلك الدول التي تعرف بالدول الفتيه أو غير المستقرة والتي شهدت تغيراً سياسياً أدى إلى تغيرات كبيرة في الأونة الأخيرة، الامر الذي ولد مشكلة اقتصادية كبيرة، بالإضافة الى المشاكل الاخرى. والداعي إلى ضرورة التحول عن نموذج الاقتصاد السياسي السائد في الدول العربية والذي أدى الى تركز السلطة السياسية والاقتصادية في أيدي قلة قليلة، وأثار سخطا شعبيا واسع النطاق. مما يستدعي ضرورة التحول من (الدولة الريعية) التي تعتمد على العائد من ايجار الموارد الطبيعية وبيعها إلى (نموذج الدولة التنموية التي تعطي اولوية لجميع قطاعات الدولة المختلفة بالتوازي والمساواة

وحول المعوقات يقول عدد من الخبراء :

مصطفى العبد الله الكفري يقول :ان ابرزها هي :
• ارتفاع معدل تزايد السكان في الدول العربية .
• النقص في الكوادر الوطنية.
• التبعية وأهمية قطاع النفط .
• التفاوت في مستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي .
• انخفاض مستوى الادخار وتراكم رأس المال.
• التجزئة وإعاقة التنمية في الوطن العربي.

اما د. أحمد بن صالح العثيم-كاتب اقتصادي فيقول :
أهم المعوقات هي عدم القدرة على التصدي للمشكلات القطرية المستعصية، ففي كثير من البلدان العربية هناك حالة صراعات إثنية وطائفية وقبلية وسياسية، كما هو الحال الآن في السودان واليمن والصومال والجزائر ولبنان والعراق وفلسطين، وهذه الظروف تشكل قوة طاردة للتنمية، فرأس المال يبحث عن الاستقرار.

ودائماً يبحث عن تحقيق قدر أعلى من الربح، وليس بوسع المستثمر المغامرة في مشروعات يمكن أن تتعرض إلى الدمار والفشل في أية لحظة، وبالتالي فوجود الإرادة السياسية لحل الأزمات المحلية هو شرط لازم لنجاح خطط التنمية وجلب الاستثمارات من الخارج.
وهناك العديد من الأسباب الأخرى التي تتمثل في المعوقات الإدارية مثل ضعف الأداء الإداري وانتشار البيروقراطية وتفشي الفساد الإداري وعدم الاهتمام بالرقابة الذاتية،
كما يأتي تدني مستوى دراسات الجدوى كأحد أهم المعوقات التي تواجه المستثمر، فمعظم دراسات الجدوى الموجودة في الدول العربية لا ترقى إلى المستوى المهني المطلوب، إما لميل هذه الدراسات نحو الإفراط في التفاؤل أو لعدم إلمامها بمختلف جوانب المشروع وعدم تقديرها لاحتياجاته الفعلية،
وهناك أيضاً عدم استقرار النظم القانونية، والافتقار إلى البنية التحتية، وخلل السياسات النقدية، ومشكلات التسويق، والتساهل في مراقبة تطبيق المواصفات القياسية، وافتقار أسواق المال لآليات تمويل المشروعات الجديدة

فيما قال أ . د . سرمد كوكب الجميل – جامعة الموصل :
الحديث عن معوقات الاستثمار في الدول العربية في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ليس كالحديث عنها في عقود السبعينات والثمانينات آو حتى التسعينات من القرن الماضي ، فالأمر قد اختلف رأسا على عقب ، وما كنا نقرأه عبر الدراسات والبحوث والأدبيات المالية الأخرى من معوقات للاستثمار في هذه الدولة أو تلك أو في مجموع الدول العربية أو بعضها كان منطلقا ومركبا على أسس ومبادئ لا تمت لبيئة اليوم بصلة لا من قريب ولا من بعيد

ومن جانبه عزى الكاتب الباحث المصطفى عبد الحافظ معوقات التنمية الى 3 اسباب رئيسية هي :
البطالة – ندرة المياه العذب – ثم ازمة البحث العلمي
بالاضافة الى الهجرة الريفية الى المناطق الحضرية مما اوجد معدلات عالية من النمو الاقتصادي والتوسع الحضري في الدول العربية شكل ضغوطاً كبيرة على الموارد الطبيعية العربية.

اما عبد الرحيم نقي الأمين العام لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي فقال:

 إن ضعف الأداء الإداري وانتشار البيروقراطية وتفشي الفساد الإداري وعدم الاهتمام بالرقابة الذاتية، في الدول العربية، إلى جانب تدني مستوى دراسات الجدوى تأتي كأحد أهم المعوقات التي تواجه المستثمر.
ولفت تقي إلى أن من الأمور المؤثرة على الاستثمار العربي من بينها «عدم توفر مصادر مختلفة للتمويل، ووجود عدد قليل من البنوك التي تساهم في تمويل الاستثمار العربي في المشاريع الإنتاجية والصناعية، وضعف المعلومات والبيانات المتاحة»

معوقات تطور الصناعة في البلدان العربية
على الصعيد القطري فان أهم التحديات التي تواجه الصناعة العربية في كل بلد على حدة تقول دراسة بحثية انها تتمثل فيما يلي:
اولا : نتهاج سياسة التوجه الداخلي، فقد انتهجت أغلب الدول العربية غير النفطية سياسة الإحلال محل الواردات والإنتاج للسوق الداخلي كأسلوب مفضل للتصنيع منذ بداية مسيرته في تلك البلدان مستندة في ذلك إلى سياسة تجارية حمائية.
ثانيا :  ارتفاع الأعباء الجمركية وغير الجمركية، حيث كانت السياسة التجارية الحمائية في أغلب الدول العربية إحدى مشاكل الصناعة العربية لما يترتب عليها من ارتفاع تكلفة الإنتاج وانخفاض القدرة التنافسية للمنتج العربي محليًا وعالميًا.
ثالثا : ضعف العلاقات التشابكية الصناعية، حيث تعاني أغلب الصناعات العربية من انخفاض درجة التشابك الصناعي (وعلى الأخص التشابكات الخلفية) ما يؤدي إلى توجه النشاط الصناعي المحلي نحو التزود من الخارج مما يترتب عليه حرمان الإنتاج الصناعي من فرص للنمو الصناعي والتشغيل، ويؤدي إلى استنزاف الثروات الطبيعية للدول العربية دون مردود مرتفع على القيمة المضافة والنمو الصناعي المستدام.
رابعا : ضعف الالتزام بمعايير ونظم الجودة والمواصفات القياسية والبيئية للسلع والمنتجات الصناعية، الأمر الذي يترتب عليه انخفاض قدرة الصناعة العربية على النفاذ إلى أسواق الدول المتقدمة، وكذلك تراجع قدرة الصناعة العربية على الصمود أمام منافسة المنتجات الأجنبية.
خامسا : ضعف القدرة التكنولوجية العربية وعدم استكمال نظم التطوير الداخلي، حيث أضحت الميزة التنافسية للصناعة في الوقت الراهن تعتمد بالدرجة الأولى على قدرتها على الابتكار والإبداع على نحو متواصل، إلا أن أغلب الصناعات العربية اعتمدت في الابتكار على حقوق المعرفة المقدمة من الشركات العالمية ومشروعات تسليم المفتاح. وفي الوقت نفسه لم تهتم أغلب الصناعات العربية بمراكز البحث والتطوير ومراكز التصميمات، الشيء الذي أدى إلى عجز الصناعة العربية عن مواكبة التطور التكنولوجي السريع، وفقدها أحد المقومات الأساسية لبناء القدرة التنافسية الديناميكية.

سادسا : ضعف مناخ الاستثمار، حيث تدل المؤشرات الاقتصادية على ضآلة مساهمة القطاع الخاص في الحياة الاقتصادية من جهة مساهمته في الإنتاج والاستثمار في الدول العربية، وهذا يعود بشكل أساسي إلى ضعف جاذبية المنطقة العربية للاستثمار بصفة عامة والاستثمار الصناعي بصفة خاصة الأمر الذي حال دون توسيع قاعدة الصناعة العربية

معوقات الصناعة العربية على الصعيد الاقليمي
أما على الصعيد الإقليمي فتتمثل أهم التحديات التي تواجه الصناعة العربية فيما يلي:

اولا : تماثل هياكل الإنتاج والصادرات: تعكس هياكل الصادرات العربية درجة عالية من التشابه مع اتباع معظم الدول العربية لسياسات التوجه الداخلي، وسياسة الأنماط الصناعية التي تخدم السوق المحلي في الأساس، إضافة إلى انخفاض درجة التكامل الداخلي واللجوء إلى استيراد مستلزمات الإنتاج من العالم الخارجي، فتتماثل إلى حد كبير الهياكل الإنتاجية الصناعية للدول العربية النفطية، وكذلك الحال بالنسبة للدول غير النفطية.
ثانيا : تباين القواعد الإنتاجية الصناعية بين الدول العربية: يتضح من أرقام القيمة المضافة بالدول العربية التباين الكبير في حجم القاعدة الصناعية التحويلية، حيث تتركز معظم القيمة المضافة الصناعية للقطاع التحويلي في الوطن العربي في عدد محدود من الدول العربية.
ثالثا : تباين القاعدة التشريعية المتعلقة بالاستثمار: يشكل تباين التشريعات المتعلقة بالاستثمار فيما بين الدول العربية أحد المعوقات أمام نجاح محاولات التعاون والتنسيق في المجالات الاقتصادية وخاصة في المجال الصناعي، على اعتبار أن مواءمة تلك التشريعات يمثل صورة من التعاون والتنسيق يمهد بالتالي لمراحل أعلى من التكامل والاندماج

معوقات التنمية الزراعية في الوطن العربي
استمرت الزراعة العربية تعاني من مشكلاتها المتعددة سواء الطبيعية منها المتعلقة بالموارد المائية والجوية ونقص العناصر الغذائية في التربة وزيادة الملوحة وإعادة التمليح، أو الاقتصادية المرتبطة بتفتيت حجم الحيازات الزراعية في إطار انتشار الملكية الخاصة، وتخلف أساليب الإنتاج الزراعي، بالإضافة إلى المشكلات الاجتماعية، وخاصة سوء التوزيع، استمرار ضعف البنى المؤسسية وقصور التنمية البشرية في ظل غياب متطلبات التنمية الريفية المتكاملة، لذلك لا بد من التأكيد على الجهود الزراعية المشتركة من خلال التكامل الاقتصادي العربي للتغلب على هذه المشكلات والقضاء عليها.
أهم المعوقات
أهم المعوقات والأسباب التي أدت إلى انخفاض الإنتاجية وتزايد العجز في سد احتياجات السكان من المواد الغذائية على المستوى القطري وعلى مستوى الوطن العربي:
اولا : معوقات في مجال استعمال الموارد في إنتاج المواد الغذائية، وهذا يشمل مياه الري وأنظمة الصرف، خصائص الأرض الزراعية واستعمالاتها، النمط المحصولي وقابلية الأرض لإنتاج محصول دون آخر، ضعف الإجراءات والتشريعات لحماية مصادر إنتاج الغذاء.
ثانيا : معوقات في مجال التسويق والسياسات التموينية وهذا يتضمن السياسات السعرية للمنتجات الغذائية وخاصة الزراعية، (انخفاض الأسعار بصورة عامة)، اللجوء إلى سياسات تموينية مهنية على الاستيراد، ضعف الإمكانيات المتمثلة بعدم توفر الأسواق المركزية المنظمة وانخفاض مستوى الخدمات التسويقية، صعوبة تبادل المنتجات الغذائية والاتجار بها بين أقطار الوطن العرب بسبب القيود التي تفرضها السلطات المحلية في كل قطر.
ثالثامعوقات في مجال استخدام المدخلات أو مستلزمات الإنتاج بما في ذلك البذور والأشتال، الآلات الزراعية، الأسمدة الكيماوية والمبيدات.
رابعا :  معوقات في مجال استخدام العلوم والتقنية الحديثة في عمليات الإنتاج، وهذا يتضمن عدم وجود مؤسسات أو ضعف دورها في تقديم الخدمات التقنية مما يؤدي إلى استيراد التقنية من خارج الوطن العربي.
خامسا :تخلف اقتصاديات الإنتاج الحيواني.
سادسا :عدم وجود تنسيق وتكامل بين قطاعي الزراعة والصناعة والضعف في تأمين الحاصلات الصناعية من الزراعة.
سابعا :إغفال السياسات الزراعية الحكومية في حال وجودها ـ لأهمية دور الدولة في ضبط إيقاع التنمية الزراعية لتتوافق مع التنمية الشاملة والاحتياجات الفعلية لتأمين الأمن الغذائي . وبخاصة السياسات التالية :
- سياسات التسعير.
- السياسات المالية وبخاصة المتعلق منها بالضرائب.
-  سياسة الدعم وتشجيع الزراعة.
-  سياسة التصنيع الغذائي.
-  سياسة استخدام المكننة الزراعية.
ثامنا :  ضعف مؤسسات إدارة النشاط الزراعي ، وتداخل الصلاحيات.
تاسعا :عدم مراعاة برامج الإصلاح الاقتصادي التي تم اعتمادها في بعض الدول العربية خصائص الزراعة العربية.
عاشرا :  ضعف وسائل التسويق للمنتجات الزراعية ، وبخاصة المحاصيل الموسمية.
احد عشر : تدني الإنتاجية في قطاع الزراعة.
اثنى عشر :ضعف سياسات التخزين وبخاصة وسائل التخزين من الاهراءات والصوامع، ووسائل التخزين المبرر للخضار والفواكه والمنتجات الحيوانية (اللحوم والألبان ) . مما قد يؤدي إلى هدر أو تلف قسم من الغلال.
ثلاثة عشر :ضعف التصنيع الغذائي في الوطن العربي.
اربعة عشر : ضعف استخدام المكننة الزراعية والنقص في الآلات والمعدات الزراعية في معظم الدول العربية

اهم معوقات الاقتصاد في العالم العربي
نقاط مستخلصة من عدة دراسات
ملخصا لابرز الاستنتاجات لبعض اهم الدراسات المتخصصة في فروع الاقتصاد حول المعيقات الرئيسية للتطور الاقتصادي الذي يشكل قاطرة التطور لكل مكونات المجتمع
اولا : عدم اكتراث القوى السياسية الرسمية او الشعبية بالموضوع الاقتصادي
ثانيا : ضعف دور البنوك وجهات التمويل في دعم الاقتصاد الانتاجي وتمويله
ثالثا : هيمنة القطاع العقاري على النشاط الاقتصادي
رابعا : تفضيل الاثرياء استثمار اموالهم في الودائع المصرفية او في العقار لدواع امنية ودواع ثقافية متجذرة اقطاعية الطابع
خامسا : تفضيل المصارف تقديم قروضها للحكومة على تقديمها للمواطنين الراغبين باقامة مشاريع اقتصادية
سادسا : هجرة رؤوس الاموال العربية للخارج كونها اكثر نشاطا وحماية من الاسواق الوطنية
سابعا : ضعف الوازع الوطني عند الطبقة الغنية
ثامنا : ميل الطبقة الفقيرة والوسطى الى التعليم كونه يوفر لهم في دخلا ثابتا امنا .
تاسعا : شجع الاثرياء الذين يبحثوا عن تحقيق اعلى نسبة من الارباح حتى وان كان ذلك على حساب تدمير الصناعات الوطنية
عاشرا : ضعف الادخار المجتمعي نظرا لتدني المداخيل وهيمنة ثقافة الاستهلاك
احد عشر : شيوع الثقافة الريفية التي تعتز بالملكية العقارية وشعورها بالعيب من العمل في القطاع الصناعي (استمرارا لثقافة البداوة)

اثنى عشر : عدم وجود حماية جمركية للصناعات الوطنية لان ذلك يتعارض ومصالح الطبقة التجارية (وكلاء الاستيراد(
ثلاثة عشر : ضعف شبكة المواصلات والطرق مما يرفع التكلفة
اربعة عشر : محدودية السوق المحلي وانعدام فرص الامتداد للاسوق المجاورة الشقيقة بسبب الخلافات والصراعات السياسية
خمسة عشر : شيوع ثقافة تفضيل السلعة الاجنبية على السلعة محلية الصنع

موضوعات الدكتورة خلود العبد الله اليوم الخميس 4 ابريل

مما كتبته الدكتورة خلود العبد الله اليوم الخميس 4 ابريل

سؤال على غرار اسئلة صديقتي العزيزة الدكتورة مريم الزين

هل الله فعلا خلق البشر طبقات غني ومتوسط وفقير .. ام ان هناك خطأ في تفسير المفسرين لما ورد بهذا الشان في القران الكريم ؟ 
لان خلق البشر طبقات يتعارض مع العدالة المطلقة لرب العالمين .. واول خلقه قابيل وهابيل لم يكن احدهما ثريا والاخر فقيرا .. 
اظن ان المفسرين حاولوا بتفسيرهم اقناع الفقراء بفقرهم وانه من عند الله حتى لا يحتجوا ويعترضوا

اصحاب روما 
امر طبيعي جدا ان يكون دعاة العودة “للفضائل الرومان القديمة” طويلي لسان ويفتقروا للتحضر والادب الحضري والاسلوب المعاصر في الحوار والتعامل مع الاخر .. 
وطبيعي جدا الا يكون لديهم اي قدرة سواء بكشف اخطاء الراي المخالف او تقديم رأي مخالف .. 
وطبيعي جدا ان لا يمتلكوا سوى بضعة جمل كلها في الغالب تحرم التفكير .. او تكفر الاخر .. او تتهمه في دينه ووطنيته 
لكننا بالمرصاد لدعاة العودة للفضائل الرومانية القديمة

الفاسقة

الفاسقة لو حجت الى بيت الله 20 مرة .. قد تصبح مؤمنة وربما تدخل الجنة .. لكنها لن تصبح بنظر الناس شيخة فاضلة.. 
والداعر حتى لو سكن باقي عمره الى جانب بيت الله سيظل داعرا في اعين الناس 
والتاريخ لا يمحى .. حتى وان جرت الف محاولة لاخفاءه فلن يختفي 
فانتبهوا يا دعاة الفضيلة .. هناك من يمتلكوا اضواء كاشفة

مظاهر رجعية كذابة 
بدلا من ان تقيم القبائل والعوائل ومقرات ودواوين لاهل البلد وتدفع ايجارات وكهرباء وتكاليف القهوة والشاي وخلافها .. اليس الافضل لو استثمرت ال 3 او اربعة الاف دينار في اقامة منجرة او محددة او مشغل خياطة او مصنع جبنة او خلافه ووزعت عائداته على فقراء العائلة بدلا من الوجاهة القبلية العشائرية الكذابة ؟

حكاية تصفع العقول المتجمدة 
في دائرة حوار الكترونية من تلك التي نجريها يوميا مع الزميلات في فريق الاعلام الجديد قالت احدى الزميلات : 
تخيلوا احد رجال العرب عاد الى قريته بعد غيبة 10 سنوات ومعه كم الف دولار (تحويشة العمر) .. وهذا المبلغ يمكنه من فتح متجر متوسط (سوبر ماركت صغير) او مشغل خياطة او مصنع بلاستيك او معمل حلويات شوكولاته .. او غيرها من المعامل او المصانع الصغيرة .. او يستثمر امواله في مزرعة . 
فاذا فتح (سوبر ماركت) سوف يعمل هو وربما بعض افراد عائلته المقربين وربما عامل او اثنين من اهل القرية او الناحية او الضاحية . والفائدة ستكون له وحده تقريبا . 
لكن اذا فتح معمل حلويات فانه سوف يشغل عدد اكبر من الناس ممن لديهم خبرة .. وسوف يوفر سلعة محلية بدل المستوردة فيخدم الاقتصاد الوطني ومع تنامي الخبرة يتطور المعمل الى مصنع وتزداد العمالة وبعضها سيكون من خارج القرية مما يعني توفير مصدر رزق لبضعة عشرات من الناس .. وموارد هؤلاء العشرات سوف تنفق عن البقالة والحلاق ومعرض النوفوتيه واللحام وبائع الخضار .. اذن هو خدم كل هؤلاء الناس وستهم بدرجة من الدرجات بتطوير قريته .. 
وكلما انتعشت الاعمال تطورت البنية التحتية في القرية فصارت شوارعها افضل وفيها حدائق واسواقها اكثر تنظيما وساد الامن فيها اكثر لان انتشار الجريمة (السرقة والمخدرات غالبا مرتبطة بالفقر) 
وحتى على المستوى الاجتماعي ربما بعض العمال القادمين من خارج القرية يتزوجوا من بنات القرية مما يخفض نسب العنوسة فيها .. 
وهذا سيؤدي الى ان يقتدي به عائدون جددا من مهاجرهم 
وهذا سيؤدي الى ان تغار القرى المجاورة من القرية النشيطة 
وهذا سيؤدي الى زيادة التفاعل والتعامل بين سكان القرى المجاورة وسيؤدي الى تحسين طرق المواصلات بينها ويخدم قطاع النقل والمواصلات .. 

تخيلوا لو ان حزبا او مجموعة من المبادرين ساهموا كل حسب طاقته في مثل هذه المشاريع ؟ الا تعتقدوا ان حال بلادنا ستكون احسن .. بدلا من البكاء والنحيب ؟

امرأة تدعي على زوجها

قالت لي صديقتي انها سمعت جارتها في لقاء تم بالصدفة على درج العمارة تدعي على زوجها وتقول ” الله يجعله ما يطلع منها سالم” وزوجها في المستشفى بدهم يعملوله عملية في القلب .
فشو بتقولي بهالجارة اللي ما بتترك صلاة ومبرقعة وحالتها حالة

ملاحظة سريعة 
الذي ينقل مفالات من صحف العدو الصهيوني دون التعليق عليها وقول رايه بمحتواها يكون يقدم خدمة جليلة لاعلام العدو .. على الاغلب لانه جاهل

انتبهي ايتها الجماهير الغفورة 
مدعي الثورية والثقافة الرفيعة الذي يتفنن في نشر المواعظ الفلسفية ويمارس هواياته الكلمنجية فيبحث عن اكثرها تعقيدا ولا تفهمها الجماهير الغفورة .. فانه انما يتسلى ويستعرض عضلاته اللغوية المستعارة من كتب غيره .. ولو سالتوهم عن تفسير ما ينقله لعجز وهرب من الاجابة .. او اعتبركم جهلة دهماء لا تفقهون

اذا كنت شاهد عيان على حادث دهس وامام

ك طفل ممدد على الارض والدم ينزف من بعض اجزاء جسمه اذا لم من كل كل انحاء جسمه (كالمجتمع العربي) فماذا تفعل ؟
هل تقف وتلطم وتبكي وتنوح وتجوح كما يفعل غالبية العرب ؟
ام تلعن ابو السائق المجرم المتهور الذي تسبب بما يعانيه الطفل ؟
ام تنتقد الحكومة لان الطريق هي سبب الحادث ؟ 
ام نلعن حظ هذا الطفل المسكين ؟ 
ام تلعن الطفل ذاته لانه لم ينتبه اثناء قطعه الطريق ؟
ام يا سيدي مطلوب منك ان تحمل الطفل باي وسيلة واسرعها واخذه الى المستشفى لعلاجه ؟؟ 
كفى بكائيات كفى

من يصنع الطغاة

قبل ان تهاجموا الطغاة .. هل سالتم انفسكم من الذي صنع الطغاة ؟ وكيف يصنع الطغاة؟ وما هو دوركم في صناعتهم وفي بقائهم وفي استشراء طغيانهم ؟؟ 

اذا لم تسالوا انفسكم من قبل الرجاء ان تسالوا الان

داحشون

اذا كان في حارتكم لا توجد مجاري صرف صحية .. والمية بتيجيكم في الاسبوع مرة والكهرباء بتقطع وقت ما بدها شركة الكهرباء وبتصف على الدور لتشتري صحن فول وصحن حمص لتتعشى وعائلتك او تفطروا .. بذمتك لشو هالعيشة ؟؟ 
روح صير داحش احسن لك او هاجر على تورا بورا .. المجتمع بصراحة لا يحتاجك فانت عبء عليه

سيدتي

سيدتي العزيزة .. انتي خارج الحسابات السياسية والاقتصادية لانك فقط طباخة وعاملة نظافة .. وينطبق عليكي المثل “اقلب الجرة عتمها بتطلع البنت لأمها

متركون

اذا كنت تتغزل بتركيا وبارطوغان وبامجاد دولة الخوازيق العثمانية .. فما هي الرابطة التي تربطك فينا نحن العرب .

 

نحكي بصراحة …؟؟ 
بدكم نحكي بصراحة يا دعاة اولوية الفكر والثقافة على الاقتصاد في تطوير الدنيا ؟؟ 
تعالوا نحكي بصراحة 
لو معك شهادة دكتوراة وراتبك على قدك بتقدر تتجوز وتعمل حفل في اكبر فنادق البلد زي اولاد الاغنياء ؟؟
بتقدر يكون عندك سيارة بي ام دبليو او بورش او لامبرغيني 
بتقدر تسافر والمحروسة حرمك الى جزر اكابولكو في المكسيك 
بتقدر يكون عندك فيلا في مناطق علية القوم 
بتقدر تدرس ابناءك طب او قانون في الولايات المتحدة 
والدول مثلك يا عزيزي .. الدول الطفرانة التي شعبها لا ينتج ما بتقدر تمتلك غير سيارة كوري جنوبي او شقة بالايجار وعروس من العيلة مهرها ليرة ذهب

المهمة شاقة لكنها مجدية 
السلفي المسلم .. والعوام من اصحاب الثقافة السلفية بوعي او بسذاجة يعتقدوا ان الخلاص من حالة البؤس التي تعيشها المجتمعات العربية يتطلب العودة الى مجتمع الفضيلة زمن الخلافة الراشدة . 
والاروبي المسيحي كان ايضا على مشارف نهايات العصور الوسطى يطالب بالعودة الى عصر “الفضائل الرومانية . 
واليهود ايضا يريدون العودة الى عصر الفضيلة زمن سليمان وهيكله المزعوم . 
لماذا يا ترى المتدينون يريدون اعادة الزمن الى الوراء .
الجواب هو : الجهل والتفكير البدائي حيث يوجد ميل بشري غريزي (اي بدائي حيواني) الى الاعتقاد بان المشكلات الناشئة يمكن حلها بالعودة الى “الفضائل القديمة” .

ومن الصعب تعليم هؤلاء بان العالم قد تغير وبان الفضائل الرومانية القديمة والراشدية القديمة والسليمانية القديمة لم تعد فضائل .
ومن العسير للغاية اعتراف هؤلاء بان الحقائق الجديدة تفرض خلق فضائل جديدة .
ويستخدمون ضدك كل اشكال العنف اللفظي وان امكن العملي دفاعا عما يسمونه الثوابت والاصول وتراث الاجداد .. 

لكن التطورات المادية على ارض الواقع ستفرض على هؤلاء فرضا اجباريا اما التغير وقبول الجديد او الانزواء على احد ارفف التاريخ

كيف نفهم معركتنا مع الثوابت والجوامد 
تخيلوا معي .. ان شخصا عنده بيت يعتبره من اجمل ما يمكن .. واهله وجيرانه وزواره كلما زاروه يمدحون ذوقه ورقيه وعظمته وجمال بيته وروعة ديكوراته .. فيشعر بالزهو بل وببعض الغرور احيانا .. 
وفجأة تقوم واحدة (مشاغبة) مثلي فتزور السيد في منزله .. فتفاجئها الفوضى وعدم تناسق الالوان وازدحام الموجودات وعدم التنسيق والرائحة المزعجة المنبعثة من المطبخ والوان الجدرات ورداءة ستائر النوافذ .. 
فتقول لمضيفيها .. ما هذا الذوق يا جماعة ؟ هل يجوز ان تضعوا هذه الكنبة هنا في الطريق .. ومن هو الذي اختار لكم هذا القماش للستائر ، وما هذه الرائحة الكريهة الصادرة من المطبخ .. وهل معقول لن يكون لون الستائر غير منسجما مع الكنبات .. له له له كيف بتحطوا طاولة “النص” هنا .. والله امركم غريب يا جماعة معقول طاولة الطعام بيكون وضعها “هيك” .. شو هالسجادة يا جماعة هل في الصيف بتنحط سجاجيد ؟؟ 

تخيلوا معي عندما اخرج ماذا سيكون ردة فعلهم ؟ 
اولا رح يلعنوا ابو الساعة اللي دعوني فيها الى منزلهم وسيقولوا في ما لم يقله مالك في الخمر .. ويبداوا في توصيفي (هاي غيراته هاي حسوده هاي ما بتفهم .. هاي اكيد حدن واززها علينا الى اخره مما يعتبر عن ادانة حاسمة لما قلته) 

ولكن بعد يومين اسبوع شهر 
ولما كانت كلماتي ظلت ترن في رؤوسهم رنا وزنا يبدأوا في احداث بعض التغيير .. وهذه خطوة هامة جدا .. فاي تغيير نعتبره مكسب عظيم حتى لو كان تغيير قشة من مكانها 

وهناك احتمال اخر وهو الا يبالي اصحاب البيت بملاحظاتي النقدية وينسوا الزيارة من اصلها وما دار فيها .. فستبقى امورهم على حالها وهذا لن يؤثر علي مطلقا فعلى الاقل حاولت .. فليؤمن من يؤمن وليكفر من يكفر

ما هو الفرق بين كلمة فطرة وكلمة غريزة 
ولماذا يستخدم المسلم العربي كلمة فطرة في خطابه .. بينما العلم يستخدم كلمة غريزة ؟؟ 
والسؤال الاهم .. هل تتغير الفطائر مع الزمن ام تظل على ما هي عليه

الفكر والتفكير

لمن استعصى عليهم معرفة الفرق بين الفكر والتفكير .. نبسط لهم الامر .. 
الفكر محتوى (معلومة معرفة ادراك مدارك) 
التفكير ماكينة آلة 
حتى يتخذ فرار ما مثلا يجب وضع جزء من المحتوى (الفكر) في التفكير (الماكينة) فيخرج قرار ..

من يملك المعلومات يملك العالم

من يملك المعلومات يملك العالم 
هذا هو القانون الجديد الذي يقرر مصير العالم
هناك كتابان (بل جوهرتان) صدرا في نهاية ثمانينات القرن الماضي الاول كتاب للعالم الامريكي الفين توفلر وعنوانه : تحول السلطة .. المعرفة والثروة والعنف على اعتاب القرن الحادي والعشرون .
والثاني للبروفيسور الامريكي ليستر ثرو وعنوانه : الصراع على القمة
ويبدو للاسف ان العرب لم يقرأوا اي من الكتابين واذا تمت قراءتهما فيبدو انه تم بشكل فردي محدود ومن المؤكد ان الاحزاب التقدمية او غير التقدمية ولا الحكومات اولت اي من الكتابين الاهمية المستحقة .. رغم انهما يتحدثات عن المستقبل وتوقعا وتنبئا بمعظم ما يحدث حاليا وما سيحدث مستقبلا
وسوف اقدم عرضا تفصيليا للكتابين لاحقا .. وساكتفي الان بتقديم نبذة عنهما
الاول : كتاب تحول السلطة :
محور هذا الكتاب معادلة فكرية(يعتبرها المؤلف سحرية) ملخصها: “أن من يملك المعلومات يملك العالم”. وقد صدرت ترجمتان عربيتان لهذا الكتاب.الأولى صدرت العام 1991 عن إتحاد الكتاب العرب بدمشق وترجمها الأستاذان حافظ الجمالي وأسعد صقر, والثانية صدرت في مصر, وترجمتها الأستاذة لبنى الريدي. لكن المؤسف ان ترجمة الكتاب لم تتم الا بعد مرور عشر سنوات على صدوره وبالتالي لم يصل إلى القارئ العربي الا بعد مضي أكثر من عشر سنوات على صدوره.
والمفارقة أن الكتاب محوره المستقبليات او التوقعات المستقبلية, وبالتالي فإن التأخر في الإطلاع عليه يقلل من أهميته خصوصا بعد صدور كتاب جديد للمؤلف صدر العام 1994 تحت عنوان: “نحو بناء حضارة جديدة – سياسات الموجة الثالثة” والذي تعتبر طروحاته تطويرا للطروحات المستقبلية التي ضمها هذا الكتاب.
ورؤية تولفر لا تختلف عن الرؤية الماركسية , من حيث الربطة بين التغيير الإقتصادي وبين تغير شكل السلطة (أو تحولها كردة فعل للإقتصادي).
ولكن ايضا هناك اختلاف بين رؤية توفلر والماركسية فماركس المادي رفع من قيمة (قوى الإنتاج – ووسائل الإنتاج), في المقابل اعتمد تولفر على الإعتبار العقلي (اعطى للفرد قيمة منفردة تخرجه من مفهوم أداة إنتاجية).
لكن الخلاف الأعمق هو في النظرة الإنثربولوجية. ففي حين يتكلم ماركس عن”المشاعية البدائية” نجد توفلر يتكلم عن عصور حضارية. إذ يعمل عصر الصيد (بدائي) ويبدأ في عصر الزراعة (الحضارة الأولى) , ثم عصر الصناعة الصغيرة(الحضارة الثانية) , يليها عصر الصناعات الكبيرة(الحضارة الثانية المتطورة).أما الحضارة الثالثة فهي عصر المعلومات الذي بدأ منذ فترة غير وجيزة, والذي يحمل معه تغيرات كرس العالم توفلر جهوده للتنبؤ بها , وبإتجاهات التغيير .

    ديمقراطيات الغرب واليابان في طريقها لالغاء ديمقراطية الجماهير

ويطرح توفلر في كتابه (تحول السلطة) إشكاليات عميقة الجذور في الفكر السياسي , المرشح للإعتماد في حكم العالم خلال القرن المقبل . فالقرار يجب أن  يكون مسؤولية مالكي المعلومات , لأن هذه الملكية تتيح لهم إتخاذ القرارات الصحيحة .

وهذا يعني إبعاد الجماهير (التي تعجز عادة من ملكية مقدار كاف من المعلومات) , عن التأثير في القرار . لذلك يعتبر المؤلف أن إحدى سخريات التاريخ تمكن في أنه بينما يطمح المواطنون بشغف إلى إستكمال ملكيتهم للحرية , فإن ديموقراطيات الغرب واليابان في طريقها نحو إنهاء عصر ديموقراطية الجماهير. مما يوقع هذه الديموقراطيات في أزمات داخلية طاحنة.

   ويستعرض المؤلف نماذج من هذه الأسئلة الداخلية , فيرى قدرتها على إصابة المجتمع بالتفكك. ذلك أن تقنية المعلومات – الإتصال تستطيع أن تعتمد شرائح إجتماعية بعينها , تاركة الشرائح الأخرى لحملة معلومات آخرين , بحيث تفقد الجماهير تجانسها , وتتحول إلى جماعات غير متجانسة.

   ويشير المؤلف إلى أن بإستطاعة المصالح الأجنبية إستغلال هذه الناحية, عن طريق إمداد جماعة صغيرة دينية أو عرقية بالمال أو بأي صور المساندة , بحيث يتضخم تأثير هذه الجماعة بصورة هائلة.

      وهذه الإشارة تدفعنا للتساؤل عن إثارة مشكلة الأقليات في الوطن العربي , وعن الجهات الخارجية التي تعطيها الإمدادات والقدرة على التأثير. بل أن هذه الإشارة تدل على إتباع بعض الدول الأجنبية لمثل هذه الدراسة – وللمستقبليات عموما- كأساس للتعامل مع الدول الأخرى -خصوصا العالم الثالث – ولإختبار مدى الفعالية الإجرائية لهذه النظرية المستقبلية أو تلك ؟.

  في المقابل يطرح السؤال, هل نجت الدول الكبرى من عدم تجانس مجموعاتها ؟. والجواب هو لا بالطبع , لأن العالم يسير في هذا الإتجاه. ومن الأمثلة على ذلك نذكر حوادث لوس أنجلوس , والحركات الميليشياوية للبيض الأمريكيين , وكذلك سعي الشمال –الإيطاليين للإنفصال…الخ.

    كما يطرح المؤلف إشكالية حكم الحكومة الخفية , ويعطي مثالا عليها تغير الرؤساء الأمريكيين مع بقاء الحكومة الخفية (يصفها بأنها هي التي تخلصت من الرئيس كينيدي عندما حاول تخطيها) , ثم يعود ليؤكد أن الحزب الفائز (مهما تعددت الأحزاب) هو الذي يشكل الحكومة الخفية التي تتحكم بالرئيس , أو بالزعيم مهما كانت قوة شعبيته. لكن إنتشار المعلومات وسرعة هذا الإنتشار , ستجعل من الصعب على القادة السياسيين أن يمنعوا تسرب المعلومات إلى الجمهور , وكذلك سيصعب عليهم معرفة حقيقة المعلومات الواردة إليهم من مصادر وفي بيانات مختلفة. لذلك إتجهت لعبة المعلومات بإتجاه خفض المعلومات المصنفة سرية , واللعب بمهارة على تسريب ما هو مناسب من هذه المعلومات , وهذه المهارة هي التي تحدد نجاح القادة. كما يشير المؤلف إلى لعبة معلومات أخرى , مفادها حجب المرؤسين لبعض المعلومات عن رئيسهم , حتى يتاح له الدفاع عن نفسه (بأنه يجهلها) إذا ما ساءت الأمور.

     ولتأكيد أهمية المعلومات في عالم اليوم , يشير المؤلف إلى أن القادة قد لا يستعملون الكومبيوتر بشكل شخصي , ولكنهم في المقابل يتخذون قراراتهم بناء على معلومات وتقارير تمت معالجتها بالكومبيوتر من قبل متخصصين. وهو لا يهمل الإشارة إلى إمكانية توجيهها نحو نتائج متناقضة. وهو يسمي هذا الختلاف ب”حرب المعلومات”. وفي هذا الإطار يشبه المعلومات , التي تصل إلى القادة بالنور الذي يمر في متاهة من المرايا المحرفة. وهي متاهة من شأنها أن تحدد إنقلاب الصورة أو إنعكاسها أو حتى تشويهها. من هنا حاجة الجميع إلى المعلومة الأصلية , وإزدياد مطالبة الجماهير بالشفافية , وضمان تسهيل حرية وصولها للمعلومات.

     ويتنبأ المؤلف بإزدياد أهمية الجاسوسية في عصر المعلومات المقبل , لكنه يرى حاجتها للتطوير خصوصا بإتجاه التجسس الإقتصادي الذي إزداد أهمية بعد نهاية الحرب الباردة. ويعطي الأمثلة على تورط عدد من الشركات العملاقة الأمريكية في تأمين الغطاء لجواسيس المخابرات الأمريكية , في البلاد التي تعمل فيها هذه الشركات.

    بل أن المؤلف يذكر حكاية ذات مغزى خاص , فيروي قصة وكالة مخابرات خاصة تمكنت من جمع معلومات تتنبأ بإغتيال الرئيس السادات قبل عشرة أشهر من إغتياله. كما تنبأت هذه الوكالة بنشوب الحرب العراقية الإيرانية قبل نشوبها بتسعة أشهر.

     ومع تطور إمكانات رصد المعلومات وإيصالها الفوري , فإن المسألة لن تكون مسألة الحصول على المعلومات بقدر ما هي مسألة قدرة على قراءة هذه المعلومات وتحليلها تحليلا صحيحا. وأهمية القراءة الصحيحة ستعطي للعقل وللقدرات الفردية – العقلية أهميتها في عصر المعلومات المقبل. فهل تصح النبوءة بأن من يملك المعلومات يملك العالم ؟

لمحات في موضوع السلطة

لمحات في موضوع السلطة 

السلطة حكرا على الطبقة الثرية منذ الازل 

السلطة في اي مجتمع كان هي مجموعة افراد تفرزهم الطبقة العليا في المجتمع .. والطبقة العليا في المجتمع يفرزها الواقع الاقتصادي وهي تحتل الموقع الاعلى في المجتمع نظرا لما تمتلكه من قوة اقتصادية “الثروة”
وهذه السلطة كان يتم اختيار اعضائها اما سلما او حربا .. فاذا كانت هناك طائفة (قبيلة عشيرة عائلة) تمتلك اكثر من غيرها كانت تلقائيا تمسك بالسلطة وهي التي تقوم باختيار من يساعدها على ادارة شؤون الامارة او السلطنة او الدولة التي لم تكن باي حال من الاحوال تشبه الدولة المعاصرة .
اما اذا توازنت القوى وتعادلت فليس الا السيف يفصل بين الجماعات المتنافسة .. وكم هي المرات التي كان السيف فيها هو صاحب القرار منذ فجر التاريخ حتى ظهور الدولة الحديثة في اوروبا ..
لكن دولا عديدة مثل دولنا العربية ما للسيف كلمة وان تغير السيف من مجرد نصل من الحديد والفولاذ الى سيارة متفجرة او جيوش احتلال جرارة .

اذن السلطة هي اولا مقصورة على الطبقة العليا الثرية
وثانيا ان حسم موضوعها يعتمد على حجم الملكية والقوة وموازين القوى هي التي تقرر كيف يتم الفوز بها هل سلما او بالعنف .

في العالم المعاصر لم يختلف الامر بصورة عامة الا في شكل حسم الصراع بين ابناء الطبقة العليا المتنافسين على السلطة .. حيث تم بلورة ما يعرف بالنظام الديمقراطي حيث يخوض التمنافسون الانتخابات والشعب هو الذي يقرر من الفائز ..
بالاضافة الى انه في الماضي كانت مجموعة قليلة قد لا يتجاوز عددها 10 اشخاص تقرر من الفائز اما في العصر الحالي فقد اعطي الخيار للشعب باسره .
بالاضافة الى عنصر اخر مهم وهو ان الطبقة العليا تنأى في الغالب عن ممارسة السلطة مباشرة وتكتفي باختيار ممثلين عنها مهمتهم تنظيم الامور وتصريفها بما يخدم مصالحهم .

اذن لنعود ونؤكد بعض ما سبق ومن امهم ان السلطة حكرا على الطبقة العليا الثرية .. التي يفرزها الواقع الاقتصادي وان الصراع على السلطة موجود من الازل وانما تغيرت اساليبه الى ان وصلت الى الاسلوب الديمقراطي
الاقتصاد هو العامل الحاسم
قلنا ان الواقع الاقتصادي يخلق طبقة مالكة ثرية (بدرجات متفاوتة طبعا) وهذه الطبقة بحكم ما تملكه من قوة اقتصادية هي التي تقرر من يكون في قمة هرم السلطة السياسية (الادارة) التي يكون دورها ترتيب كل احوال المجتمع بما يخدم الطبقة العليا ..
ولتحقيق هذا الغرض يكون اتجاه تاثير السلطة باتجاه واحد دوما من القمة إلى الأسفل، وكل شيء ياتي من مصدر محدد، هو السلطة صاحبة السيادة، التي تدير الدولة، لمصلحة الطبقة الحاكمة .
ولتحقيق ذلك تنشيء الطبقة الحاكمة (المالكة) المهيمنة نظاما اداريا في المجتمع تدعمه بقوة قواعد مؤسساتية، كالقوانين، والتعليم ومجالات العمل والجيش والشرطة ، وجيش من الموظفين الاداريين ، ومؤسسات اعلامية، ومؤسسات دينية ، وحتى مؤسسات تروج الرذيلة واي شيء يمكنه الحفاظ على هيمنة الطبقة (المالكة) ،
و لذلك فإن هيمنة الخطاب الأعلى يفرض على كل الخطابات الادنى، بحيث أن يضمن سلطة الطبقة العليا التي تشرف علي جميع ما دونها من الطبقات.

ومن اهم القواعد على الاطلاق التي تحرص عليها الطبقة العليا هي القاعدة الاقتصادية التي هي مصدر قوتها الاساسي والرئيسي .. وكل ما تقوم به وتوجده السلطة السياسية من جيش وشرطة وجيش موظفين وجيش من الاعلاميين وجيش من رجال الدين الهدف الاساسي من وراءه هو الحفاظ على الملكية الاقتصادية والسيطرة والهيمنة على الاقتصاد الوطني
انماط السلطة السياسية
من نافل القول وكما بينا سابقا فان نمط او طبيعة السلطة السياسية تعكس بشكل واضح مستوى تطور المجتمع .. فالمجتمع البدائي يفرز سلطة بدائية
ودولة بدائية لان النخب السياسية في المجتمع البدائي تفتقر للخبرة والمعرفة ويسيطر عليها الجهل ولا تمتلك الا قدرات بدائية متواضعة لممارسة السلطة وادارة شؤون الدولة
والمجتمع البدائي يفرز سلطة ذات طبيعة استبدادية قهرية “دكتاتورية” مما يضفي على الدولة بمجملها ممارسات دكتاتورية .

بينما المجتمع المتطور يفرز نخبا مثقفة واسعة المدارك والخبرات والقدرات تتمكن هذه النخبة من استخدام مهاراتها في ممارسة سلطاتها وادارة الدولة، فتكون الدولة مدنية الطابع ديمقراطية النظام تتيح المجال واسعا للمشاركة الشعبية .

المجتمع البدائي يقوم على العصبيات القبلية العشائرية العائلية المذهبية الطائفية الجهوية .. وتكون هي المعايير التي يتم اختيار افراد السلطة على اساسها حتى وان استخدمت بعض مظاهر الديمقراطية كالانتخابات مثلا التي لا يفوز فيها الفائز الا تبعا لمدى قوة العصبية التي ينتمي اليها ..
وتشيع في المجتمع البدائي السلوكيات القائمة على العصبية وعلاقة الدم “القرابة” فتنتشر فيه الرشوة والمحسوبية والواسطة، وتهمش القوانين ويفسد القضاء وتفتقد “مجالس الشعب او الامة” دورها التشريعي والرقابي، وتتعاظم سطوة الامن والمخابرات ويستخدم الجيش في قمع المعارضين.

بينما المجتمع المتطور يقوم على مبدأ سيادة القانون والعدالة والمساة وعدم التمييز باي شكل من الاشكال امام القانون ، وتكون معايير اختيار رموز السلطة وان كانت وظيفتها كما قلنا سابقا خدمة الطبقة المالكة الثرية الا ان المعيار الرئيسي للاختيار هو قدرة هؤلاء على خدمة الوطن بشكل عام وخدمة الاقتصاد وهو كما ايضا ذكرنا سابقا يشكل قاعدة هيمنة “الطبقة المالكة” على الدولة بشكل عام .. وعلى الرغم من تحسن الاوضاع المعيشية في المجتمع المتطور ورقي المنظومة الاجتماعية واشكال الرعاية والتكافل الا ان الهوة تتسع بين الطبقات الثلاث المكونة للمجتمع (الثرية والوسطى والفقيرة
انماط السلطة السياسية
من الضروري اعادة التاكيد على ان السلطة، هي الادارة التي تنظم النشاطات المتبادلة بين افراد المجتمع وتنظم شؤون حياتهم وتدير موارد الدولة وتحميها من الاعتداءات الخارجية وتحفظ امن المواطنين .وكان عالم الاقتصاد والسياسة الالماني “ماكس فيبر” الأول بين جميع علماء الاجتماع الكلاسيكيين الكبار، الذي عزل بشكل واضح جداً مفهوم السلطة والذي عمل جهده لمعالجته من خلال وجهة النظر المزدوجة القائمة على النشاط المتبادل وعملية الدمج.
ومن وجهة نظر ثانية، أضاف تحليلاً ديناميكياً أو على الأقل مخططاً عاماً لهذا التحليل.
وتعتبر السلطة بتعابير النشاط المتبادل، علاقة غير متناسقة بين فاعلين على الأقل، يمكننا أن نعرّف هذه العلاقة مع ماكس فيبر بأنها قدرة (الطرف A) على إلزام (الطرف B ) بفعل ما لم يكن ليفعله من تلقاء نفسه، وما يكون مطابقاً للتبليغات أو التوجيهات الصادرة عن الطرف A .
وطرح فيبر نقطتان مهمتان في تعريفه للسلطة أولاً، يتوقف تصرف الطرف B على تصرف الطرف A : وإن – B – يستجيب لمبادرات – A – ورغباته.

ويحدد فيبر” ثلاث أنماط للسلطة السياسية:
1-السلطة التقليدية:
مشروعيتها تستند لقدسية النظام ومكانة السلطة فيه أي أنها مرتبطة بالقيمة أو الدعم الذي يتوفر لها من خلال عمرها الزمني الطويل في السلطة أو بالنظر لعدد الأشخاص المقدسين الذين شاركوا في تأسيسها، فالشرعية مكتسبة من تقاليد الاعتقاد بأنها سلطة تقليدية.

2-السلطة العقلانية:
هدفها الأساس تأسيس مجموعة من العلاقات تبعاً لمبادئ العقل والمعقولية ولاعلاقة لها بالعمر الزمني في السلطة أو درجة القداسة للقائمين عليها، فالمعايير التي تحملها هي التنظيم، الحساب، والتخطيط الخاضع للعقل.

3-السلطة الكارزمية:
يتحكم بها شخص واحد يمتلك قدرة سحرية أو دينية أو عسكرية ويتصور أنه يمتاز بخاصية تنبئوية -سامية لايمتاز بها باقي البشر لذلك يجب أن يؤمنون به”.

سلوكيات السلطة السياسية وشكل النظام السياسي
…………
إن السلطة السياسية أداة وأسلوب لإدارة شؤون الدولة والمجتمع والقائمين عليها تحكمهم توجهات سياسية أكثر منها مهنية (خاصة في الدول المتخلفة) وهذا الأمر ينعكس على أداء السلطة على المستوى العام لذلك التقييم الشامل لأداء السلطة السياسية – الشرعية يحدده الناخب الذي يحتكم إلى مصالحه الخاصة للتعبير عن الرضى أو الرفض للسلطة القائمة.

وبالتالي فإن تصويته على بقاء أو رحيل السلطة السياسية يعني التصويت على سياساتها (الاقتصادية، الصحية، التعلمية، والاجتماعية…) أي برامجها السياسية التي يفترض ان تحقق مصالح الجمهور.
وعليه فإن التوجه السياسي يعكس أداء السلطة الممثلة لنخب سياسية تعبر عن كتل أو مؤسسات سياسية متحالفة تشكل السلطة وتكون متفقة على برامج انتخابية متقاربة تسعى لتبادل المصالح بينها وبين الجمهور لإستمرارها في السلطة.
ومن الطبيعي ان يكون للقائمين على السلطة الشرعية لهم رؤية خاصة في استخدام آلياتها في إدارة شؤون الدولة والمجتمع ولاتمتثل الرؤية للتشريعات والقوانين التي تنظم عملها وحسب، وإنما لاجتهاد في تطبيقها مما قد يحرفها عن مسارها الشرعي ، لذلك تعمد السلطة القضائية والتشريعية والاعلام بقدر نسبة حريته على كبح توجهات الانحراف التي قد تظهر في ممارسات وسلوكيات السلطة والقائمين عليها.

أما في السلطات غير الشرعية فإن رؤية القائمين عليها لاتعر أهمية لتشريعات وقوانين الدولة التي تنظم عمل السلطة، وإنما تفرض توجهاتها باستخدام آليات السلطة العنفية وترفض وجود سلطات أخرى تشاركها المسؤولية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.

إن لأنماط السلطة آليات عمل لإدارة شؤون الدولة والمجتمع وبغض النظر عن تباين أنماطها واختلاف توجهاتها فعشوائية اتخاذ القرارات السياسية لاتعني عدم وجود بنية تنظيمية – إدارية لتنفيذها لكن درجة التنظيم وحُسن الإدارة هما اللذان يميزان نمط السلطة.

شكل النظام السياسي :
أما التوجه فيعكس شكل النظام السياسي الذي بمقتضاه تدار آليات السلطة للوصول إلى الهدف المنشود.
يرى ((لابيار)) هناك خمسة أنماط لأنظمة السلطة السياسية:”
1-سلطة تمارس عبر تنظيم إداري مميز إلى حد ما وتعتبر بشكل عام سلطة قوية نسبياً ويكون شكل الدولة فيها بدائي وغير واضح المعالم.
2-سلطة سياسية ذات طابع فردي وترتكز على جهاز إداري غير متطور نسبياً.
3-سلطة سياسية في طور النشوء.
4-سلطة سياسية مشتركة توزع المهام بين عدة أشخاص دون أن يفرض أحدهم إرادته على الآخر وترتبط مهامهم بسلطات اجتماعية مما ينزع عنهم الصفة السياسية البحتة.
5-غياب السلطة السياسية لدى جماعات متباينة ومنضوية تحت إطار المجتمع الواحد حيث تتخذ قراراتها بالاجماع والتوافق ويغلب عليها

>>>>>الطابع الاقتصادي أو الثقافي اكثر منه الطابع السياسي”

>>>>

د.ندى الغاد 

ما هو الفرق بين التفكير الحر وبين الفكر الحر ؟؟

ما هو الفرق بين التفكير الحر وبين الفكر الحر ؟؟ 
د. خلود العبد الله 
الجزء الاول : 
لان اغلب الناس سايحة رايحة هايصة تايهة .. لا تميز بين معاني ومضمون الكلمات فتختلط الاشياء ويتشوه الوعي وتغيب الرؤى الصحيحة والقدرة على تفسير الواقع ، ومن ثم العجز عن وضع حلول لمشاكل الواقع .. 
وفي محاولة للخروج من بعض جوانب هذه المتاهة اتساءل 
ما هو معنى او مفهوم حرية الفكر ، وما معنى اومفهوم الفكر الحر . 
وما الفرق بينهما 
ما هو التفكير اصلا ؟؟ 
حتى نفهم الفرق بين التفكير الحر وبين الفكر الحر علينا ان نعرف ما هو مفهوم التفكير اساسا .. 
اولا هناك عدة اقسام للتفكير متفق عليها هي : 
التفكير الابداعي ، الاستدلالي، الابتكاري، الناقد، العلمي، الايجابي، التاملي، الفلسفي، الاستقرائي. 
اما مفهوم التفكير فهو :
عبارة عن سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لما يثيره ويتم استقباله عن واحدة من طرق الحواس الخمس او اكثر ، وهو مفهوم مجرد ينطوي على نشاطات غير مرئية وغير ملموسة ، وما نلاحظه ، أو نلمسه هو في الواقع نواتج فعل التفكير سواء أكانت بصورة مكتوبة ، أو منطوقة ، أو حركية ، أو مرئية .

وهناك تعريفات متنوعة للتفكير منها : 
1- التفكير هو معالجة ذهنية للصيغ و المضامين و ذلك في محاولة إيجاد مضمون كل صيغة أو صيغة لكل مضمون .
2- التفكير هو عملية ذهنية تتميز باستخدام الرمز لتنوب عن الأشياء و الحوادث.
3- التفكير هو عمليات النشاط العقلي التي يقوم بها الفرد من أجل الحصول على حلول دائمة أو مؤقتة لمشكلة ما ، و هي عملية مستمرة في الدماغ ، لا تتوقف أو تنتهي طالما أن الإنسان في حالة يقظة .
يتبين لنا مما سبق أن التفكير يحتوي على مجموعة من العمليات الذهنية و التي تمثل التفكير و منها : التخيل ، و الصور الخيالية ، و فهم الأفكار أو استيعابها ، و التأمل فيها ، و النقاش السياسي ، و اتخاذ القرارات ، و القراءة والكتابة ، و التذكير ، و التجريد ، و التمييز ، و التعميم ، و التعليل ، و الاستنتاج .

وينقسم التفكير الى نوعين هما 
هما : التفكير التفريقي ، التفكير التجميعي .
1 ـ التفكير التفريقي ( divergent thinking ) :
يرتبط هذا النوع بنتيجة المعلومات وتطويرها وتحسنها للوصول إلى معلومات وأفكار ونواتج جديدة من خلال المعلومات المتاحة ، ويكون التأكيد هنا على نوعية الناتج وأصالته ، ويعني أن الفرد يمكن ألا يصل إلى إجابة واحدة صحيحة ، لأنه ينطلق في تفكيره وراء إجابات متعددة ، وهذا النوع يقابل عمليات التفكير الإبداعي .
2 ـ التفكير التجميعي ( convergent thinking ) :
يحدث هذا النوع من التفكير عندما يتم تنمية وإصدار معلومات جديدة من معلومات متاحة سبق الوصول إليها ، ومتفق عليها ، وينتج عن ذلك إجابة صحيحة واحدة لما يفكر فيه الفرد ، وهو والحالة هذه في تفكير تجميعي مجدد ، ويقابل هذه العملية التفكير الناقد
الاسطورة والبرهان 
والتفكير المستنير هو التفكير الذي انتقل من التقليد الشفوي إلى أدب مكتوب ،بمعنى الانتقال من نمط تفكير يعتمد السرد والخيال والأسطورة إلى نمط يستند على الاستدلال والبرهان أي على الحجة العقلية.
اي التفكير الذي له قيمة برهانيه وأساس عقلاني ،يتميز بها عن الأسطورة التي تفسر كل شيء بمنطق الآلهة وبطولاتها الدرامية

ويذهب جون بيير فرنان إلى اعتبار أن الأسطورة من حيث هي خطاب شفوي يتجه القول فيها نحو اللذة ، من اجل الثاتير في المستمع وإقناعه بطرق سحرية .
أما التفكير العقلاني فانه يخاطب العقل وينمي الحس النقدي والتساؤل.

وقد برع اليونانيين القدماء في حياكة الاساطير عن الالهة والنساء والحروب وعنهم اخذ بنو اسرائيل الجانب الاسطوري عن قصص انبيائهم وصاغوها في كتبهم المقدسة .. ونسقوها وطوروها في الكتب المسيحية 
ومنها استمد فقهاء المسلمين اساطير تفسير القران
ما هو التفكير الحر
الفكر الحر لا ينطلق من قيود بل ينطلق من مفهوم واضح تماما يقوم على أنه لا يشترط ان تتلاقى الانسانية بالدين، أو العقيدة، أو العادات، أو التقاليد، أو الجنس، أو القومية، أو ما شابه ذلك من قيود. وانما ينطلق من مبدأين اثنين – الاول : احترام الآخر والثاني التعاون مع الاخر .. وهما مبدآن يساعدان على كيفية اتخاذ قرار متحرر من القيود مما يمكن اصحاب الفكر الحر من المساهمة بفعالية في تنمية المجتمع
ما هو الفكر الحر 
الفكر الحر بما أنه حر فهو لا يلتزم باتجاه معين. ولا ينطلق من مسلمات عقائية فلسفية او دينية او موروثة .. فقد يؤيد فكرة يعتقد أنها تخدم الانسانية .. ثم يعارضها اذا ثبت لاحقا انها غير سليمة ، ويخوض في جميع المجالات التي تلامس حياة الفرد مثل (القضايا السياسية، والاجتماعية، والتاريخية، والاقتصادية، والتجارية، والرياضية، والفنية، والعاطفية،والعلمية، والفكرية، والثقافية) ومجالات كثيرة غيرها قد تظهر له في المستقبل.
وهو عندما يعرض لفكرة ويشرحها انما هدفه هو حث الانسان على استخدام عقله بافضل ميكانيزم ممكن في معالجة الأمور .
واصحاب الفكر الحر يخاطبون العقول النيّرة .. والعقول المتعصبة (المقيدة) على حد سواء ، لتسليط الضوء على نقطة ما يمكن أن يتلاقيا عندها ، ويبذلون جهودهم في محاولة لتوجيه العقول الى الكيفية المثلى (من وجهة نظرهم) لاتخاذ القرارات التي يمكن لها أن تساعد في تنمية المجتمع وتطويره. 
الفكر الحر لا يقيم وزنا للمراجع ولا لما انتجته افكار غيره .. الا بقدر توافق هذه الفكرة او تلك على هذا الحدث او ذاك .. ويتعامل معها بحرية تامة 
الفكر الحر بحترم القانون بقدر تجاوبه مع دفع المجتمع نحو التطور ، ويعارض ما يدعو للثبات والجمود . 
الفكر الحر يتسم بطابع المغامرة (قد تزيد وقد تنقص) لكن اتجاهه العام محاولة الخروج عن المالوف .. 
الفكر الحر ليس لواما اي لا يلوم احدا فردا او جماعة او مؤسسة بل يلوم الثقافة التي يحملها الفرد او الجماعة او المؤسسة 
الفكر الحر يبحث عن جذور الظواهر وليس عما ظهر منها .. لذا نجد الفكر الحر يهتم كثيرا بالعلوم الطبيعية وقوانين الصراع الرئيسية في تفسير الظواهر

تعالوا نلاقي حل .. د.خلود العبد الله

تعالوا نلاقي حل .. د.خلود العبد الله

الزن على الرؤوس
في امارة الخليفة عمر البشير يوجد 13 الف إمرأة تبيع الشاي والقهوة على الارصفة .. لسد حاجة اسرهن من الجوع ..
اطال الله عمر الخليفة الاخواني عمر البشير وسدد الله على طريق افقار الشعب السوداني الشقيق ومكنه من اخراج كل نساء السودان ليبعن الذرة والترمس والشاي على الارصفة.
الطبيب الغلبان
هل تتخيلوا ان الوضع المادي للطبيب في الاردن او سوريا او لبنان او مصر احسن حالا من الكندرجي او الصباغ او صاحب الدكانة الصغيرة ؟؟
اعرف الكثر جدا ممن تخرجوا من كليات الطب لا يجدوا فرصة عمل ومن وجد فبراتب متواضع بالكاد يمكنه من دفع اجرة شقة صغيرة مع توفير متواضع للطعام والشراب .. فلماذا التهافت على لقب طبيب .. ما فائدة الطبيب المفلس والذي لا يجد فرصة عمل ؟
لماذا الجامعة ؟
لا افهم لماذا هذا الاهتمام والهجمة الشعواء على التعليم الجامعي في الدول العربية علما بان البلاد لا توفر فرص عمل لخريجي الجامعات الذين ينضموا الى صفوف البطالة الطويلة ..
ما هي العقدة اذن ؟؟ هل هي عقدة ام جهل ام وهم او ماذا
يتحدثون عن التاريخ المجيد ويسرفون في اضفاء طابع القدسية عليه .. فهل يا عشاق التاريخ المجيد يوجد اي وثيقة او نص او بيت شعر يقول ان البلاد التي خضعت لنظم الخلافة والامراء والسلاطين من المحيط الى الخليج صدرت كرتونة فقط كرتونة تفاح او رمان او عنب او سبانخ او ذرة او قمح لاوروبا او الهند او الصين ؟؟ .
احتقار العمل
كيف يمكن ان تتطور بلاد معظم شعبها يحتقر العمل اليدوي ؟؟
تخيلوا في الاردن الثقافة المجتمعية تعتبر العمل في قطاع البناء عيب .. لذا معظم من يقوم بعملية البناء والتطوير العمراني هم عمال مصريون ..
فيما الاردني لا يشرفه العمل في الاعمال اليدوية ويعتبرها عيبا واهانة وعار .. ولا هم له ولا هدف الا ايجاد وظيفة بالدولة .. التي تعاني عجزا وتعيش على الهبات والقروض والمساعدات ..
فكيف ستتطور الاردن اذن ؟؟
والسؤال الاهم لماذا لم تعر الاحزاب الوطنية والثورية العرمرية هذا الامر الاهتمام الذي يستحقه ؟
ما الفائدة
ما فائدة الحديث السياسي اذا كان الناس لا يعرفوا ان اي حدث سياسي ما هو الا ردة فعل على حدث او احداث اما ظاهرة واما شبه خفية .. مما يجعل الحديث السياسي والتحليل السياسي طويلا كان او قصيرا يمكن تلخيصه بكلمتيم “مع او ضد .. “
نفس المنطق الثنائي الذي يحكم ويتحكم بعقلية ذوي الثقافة الريفية وثقافة البدوي ..
كل ما يدور من حوارات وما يسمى بتبادل الراي في اي شأن كان يكون اما تاييد واما معارضة .. اما لماذا مؤيد فلا احد يجهد نفسه باكثر من عبارات الاطناب، وايضا لماذا معارض فلا احد يجهد نفسه باكثر من عبارات اشيه بالشتائم .. والتوصيفات الشائنة .
فكيف يتم التفاعل اذن .. اين هي الاراء التي يتم تبادلها ؟
السلفية الشيعية والسلفية السنية
حقيقة يخفيها الفقهاء عن العامة .. يستثمرها الشيعة بقوة وهي قضية السلف .. فالخلاف بين السنة والشيعة هو على “من هم السلف الصالح” ؟؟

وكثير من الناس يعتقدوا ان السلفية المتحجرة هي فقط عند السنة .. لكن الحقيقة ان من يتعمق في التعرف على الفقه الديني عند الشيعة يجده سلفيا اكثر تشدادا وتخلفا بمراحل من سلفية السنة ..
وهناك تعصب شديد جدا لرموز السلف الشيعية الامام علي وابناءه واحفاده بل كل نسله .. يصل الى درجة التاليه والعبادة ..
لذا فعلى من يتصدى للافكار السلفية الغارقة بالرجعية والتفسير السياسي للدين .. عليه ان يتصدى بذات الوقت للافكار السلفية الشيعية الاشد تخلفا وتعصبا
اخر خبر .. في اليوتيوبات
هل تعلموا ان الله ممكن يكلمكم ؟؟؟؟
هذه اخر ابداعات رجل دين مغفل مضلل كذاب يقول وصفه من نشر اليوتيوب ب “الامام الجليل صالح المغامسي ”
يقول هذا الامام الخرف :
.اذا اردت ان يرد الله عليك ويكلمك ويرفع من شأنك اسمع هالدعاء.. “”
هل تتخيلوا الى اين وصلت الخرافة ؟؟
والادهى والامر ان الجاهل ناشر اليوتيوب يصفه بالامام الجليل

فكروا كما شئتم مجرد اثارة للعقل
هل الاخلاق هي بنت الواقع .. ام ان الاخلاق هي التي تخلق الواقع ؟؟
هل القوانين مكرمات ومنح حكومية ام يفرضها الواقع اجباري ؟؟
اذا كان الواقع هو الذي يفرز وياتي باعضاء الحكومات فكيف تنتظروا من جاء بهم الواقع ان يفيروا الواقع ؟؟
اذا كان الامين العام للحزب يظل ايمينا عاما الى ان يتوفاه الله الى واسع رحمته فكيف ستتطور الاحزاب ؟؟
اذا كان اغلب الناس لا تكترث بقاون المرور الا اذا كان هناك شرطي يراقبها .. فكيف يتوقع هؤلاء الناس من حكومة لا يراقبها احد الا تكسر القانون ؟؟
سنمطر عليك بالاسئلة كل يوم .. لعل وعسى يتم الانتقال من الكلام العام الى الكلام المحدد المخصص الواضح الصريح
هل مهمة اليساريين والوطنيين والديمقراطيين والثوار الابرار هي فقط تشخيص الظواهر القائمة ونقدها ولعنها ؟؟
ولو كانوا ياتون بجديدا لشكرناهم وشكرنا الله على نعمته وفضله .. لكن كل ما يقال مكرر ومعاد كما قالت الزميلة مريم في تعليقها على احد المنشورات ..
فلماذا لا يقدم هؤلاء فكرة لمشروع في اي مجال كان .. المهم طرح فكرة تساهم بالخلاص من الواقع القائم بغض النظر عن حجم مساهمتها .. حتى لو كانت دعوة لتاليف مسرحية بشكل جماعي ..
او القيام بتقديم خدمات لفلاح بسيط مجاور .. اي شيء اي شيء المهم فكرة قابلة للتحقيق .. اليس خير الف مرة من لعن الظلام
الرفق بالاقتصاد وليس بالحيوان
الدعوة الدينية – ليست رفقا بالحيوان بل اهتماما بالاقتصاد
يقول العوام من المتدينين ان الدين اوصى بالرفق بالحيوان ..
ممتاز امنا بالله العلي العظيم ..
لكن اي حيوان الذي اوصنا الدين الرفق به ؟؟
اكيد ليس الكلب لانه نجس وفق تعاليم الدين
واكيد ليس القط لان تربية القطط في المنازل وتدليلها موضة جديدة
واكيد ليس الفأر او الذئب او الواوي او اي من الحيوانات المفترسة
اذا ماذا تبقى يا سادة من الحيوانات التي اوصانا الدين الرفق بها ؟؟
لم ينبق سوى الخرفان والماعز والجمال والحير والبقر .. اليس كذلك ؟؟
طيب لماذا اوصانا الدين الرفق بهذه الحيوانات ؟؟
هل هناك اي سبب اخر سوى انها تعتبر ثروة اقتصادية ؟؟
اذن الدين اوصانا بالرفق بالثروة الاقتصادية من خلال دعوته للرفق بالحيوان
فالمسالة اذن ليست اخلاق ولا شهامة ولا كرامات ..
دققوا ايها السادة بكل شيء لا تتركوا شيئا يفوتكم

دراسة : من اصول الحوار الراقي – د. ندى الغاد

من اصول الحوار الراقي

مقدمة

هكذا انت او انا او اي منا كانك تسير في عابة ليلها ليل ونهارها ليل ، ورق واغصان الشجر المتشابكة الكثيفة تحجب ضوء الشمس وضور القمر .. وامامك 99 ذبابة من تلك التي تسبب النوم الطويل، وتحت اقدامك وحل وطين يجبرك على السير بحذر خشية السقوط .. لا ضوء في الافق وبالكاد تشق الطريق ، ذئب يقفز امامك من هنا وثعلب يسلط عليك شعاع عينيه بلون احمر مخيف، ويصم اذنيك ازيز وصفير الصراصير والحشرات من كل نوع ، وثعابين وسعادين وبعض الطيور الجارحة ، وفيلة باحجام مختلفة رابضة ، ونمور على السيقان متوثبة ، واناث الاسود مستنفرة ، ورياح ساخنة تلفح وجهك وتارة تاتي باردة، الماء غزير ووفير لكنه اسن ورائحته ظاهره تغتسل فيه الوحوش الكاسرة 
ليل ثم ليل ثم ليل .. يا ويلك ان فقدت القدرة على السير .. سيعيدك ابناء اوى الى ما كان عليه جد جدك الالف، وتنهش عظامك الغربان والضباع وما تبقة منك ستلتهمه الحشرات الارضية غير الطائرة وبعض الزواحف التي تمضي معظم عمرها في التراب غائرة .. 
عليك ان تواصل المسير في هذه الغابة السوداء القاتمة.. فمن المؤكد انك ستصل الى فتحة خلفها الدنيا مغايرة .. غزلان وارانب وحمام وعصافير وورود وزهور وماء سلسبيل وفاكهة من كل لون وبساتين .
واصل المسير .. وخلال سيرك انتبه فقد اصبحت تمتلك المقاييس والمعايير، وعرفت من يستحق الاشتباك معه في حوار مجد غزير .. ومن يدعي انه يملك القدرة على توظيف الطير الابابيل فيرميك بحجارة من سجيل، بصفته ناقل امين لهذا الامام او ذاك الفقيه ، واصبحت تعرف من لا يملك الا صنعة الاختلاف حتى في الاختلاف ، ومنهم من يدعي امتلاك اليقين وبرب العالمين عليك يستعين ولا يتوانى عن حذفك تارة نحو الشمال وتارة نحو اليمين .. 
وبت تعرف يا صديقي ان في الغابة الكثير من المساكين من لا ناقة لهم في المعارف ولا بعير ولا يميزون بين القمح االشعير .. ولا طاقة لهم على قراءة اكثر من سطرين بالكثير .. 
واصل يا صديقي المسير فرغم سواد الليل وعتمة النهار وغياب العقل والابصار الا ان هناك مثلك الكثير كل في غابته يسير وهم بجانبك كنت ستراهم لولا تشابك الاغصان واوراق الشجر .ومعهم اشتبك بكل ما استطعت في الحوار . فكلكم في ذات الطريق نحو تنصيب العقل سيدا للزمان والمكان .. وكن على ثقة بان ما يحيط بكم ليس الا بقايا زمان .. وكما تمكنت شعوب من طيه في سجلات التاريخ فانت ايضا ومن يسيرون في ذات الطريق سوف تتمكنوا من اختراق الغابة وطيها في عالم النسيان ، وتنهضوا بوطن يعلي من كرامة الانسان كانسان بغض النظر عن دينه او جنسه او من اي عرق او لون كان .

ضعف عام في اصوليات الحوار

من يتتبع الحوارات التي تجري بين المواطنين العرب بمختلف مستوياتهم يلاحظ ضعفا شديدا والتباسات وخلط عجيب بين الراي والشتيمة وعدم معرفة موضوع الحوار اصلا والخلط بين جوهر الموضوع وفروعه

ولان الحوار احد الابواب المهمة في علم الاعلام ويشكل قاعدة في علم العلاقات العامة التي اصبحت جزءا من المكون الاعلامي الى جانب فنون التسويق في النظام الاعلامي الجديد فانه يمكن ابداء بعض الملاحظات علها تساهم بالارتقاء بالحوارات والتفاعلات الجارية على صفحات وسائط الاعلام الجديد .وهو الاعلام المستقبلي الذي اصبح منافسا قويا للاعلام التقليدي بما فيه الفضائيات لما يتيحه من فرص وامكانات للتفاعل المباشر بين الناس ، وايضا لاتاحته الفرصة للجميع وبمساواة تامة للتعبير عن وجهات نظرهم .
وفي هذا الجزء اعرض ما لمسته على ارض الواقع من نقاشات وحوارات على صفحات الفي سبوك العربية :
من اول الامور التي لفتت انتباهي ان الثقافة الشائعة تقوم على الثنائيات المتناقضة : الصح والخطأ ، الجنة والنار ، الصدق والكذب، المحبة والكراهية النهار او الليل ..
اما الامر الثاني في الثقافة الشائعة هو (اذا لم توافقني الرأي فانت عدوي) وبمقتضى هذه الثقافة تستخدم الكثير جدا من مفردات الشتيمة والازدراء والتخوين والتكفير .
الامر الثالث توظيف الدين (الايات والاحاديث) في مواجهة الخصم .. الامر الذي يترتب عليه نوع من الترهيب من الكفر .. وما يترتب عليه من عقاب الله
الامر الرابع توظيف الموروث (قيم واعراف) في مواجهة الخصم .. وهو ايضا نوع من الترهيب .. (معاداة ما يعتبر قيم عليا) وهذا بالطبع يضعف الخصم
الامر الخامس استخدام غزير لجمل وعبارات مجتزأة سطحية (مجرد عناوين)
الامر السادس افسير كل ما يجري من احداث باعتباره مؤامرة خارجية
الامر السابع : تقييم الكاتب بشخصه وليس تقييم ما كتب الكاتب مما يحول الحوار الى مشاحنات شخصية
الامر الثامن ضعف عام بالمعلومات في مختلف جوانب الحياة مما يشتت الحوار وينقله من موضوع الى اخر ومن فرع الى اخر ومن نقطة الى اخرى ليتحول بالنهاية الى مجرد ثرثرة لا توصل الى اي نتيجة
الامر التاسع كثرة المقدسات الممنوع الاقتراب منها
الامر العاشر ان الكثير من التعليقات لا تحمل رايا وانما تحمل نوعا من الشتيمة (كما في الثقافة الشعبية تستخدم جملة يلعن ابوك ليش عملت كذا او قلت كذا)
الامر الحادي عشر ثقافة “جماعتي في الجنة وكافة الجماعات الاخرى في النار” يستخدمها اصحاب العقائد الدينية وغير الدينية
الامر الثاني عشر وهو الاكثر شيوعا على صفحات الفيس بوك هو المجاملات بين الاصدقاء (رائع وبوركت وسلمت يداك وابدعت الى اخر عبارات الاطراء)
هذه بايجاز ابرز سمات التفاعل والحوار على صفحات الفيس بوك العربية

هدف الحوار

طالما ان اسمه حوار اذن يفترض بالمتحاورين اول ما يفترض احترام بعضهم بعضا ، وطالما انه حوار اذن فانه لا يستهدف التوصل الى تغيير وجهة نظر الاخر او الى التوافق في الرؤى .. لان هذا يحدده الكثير من الامور .
اذا ما الهدف الرئيسي من الحوار ؟؟
الجواب هو : “عرض وجهات النظر .. لعل وعسى ان تؤثر في الطرف الاخر وتصحح موقفه .. هذا الهدف العام من الحوار في اي شان كان” .. اي استطلاع راي الاخر .. ومن ثم الرد عليه وتتواصل الردود المتبادلة فاما ان يتفقا على بعض النقاط او يقول كل للاخر شكرا سنحاول مرة اخرى اذا سمحت الظروف ..
وفيما يلي نموذج من الحوار الراقي :
يقول الاول : انني اعتقد ان الشمس تشرق من الشمال ثم تقوم بجولة نحو الشرق ثم تعاود ادراجها لنراها من الغرب ..
يقول الثاني : اسمح لي ان اختلف معك فالشمس تشرق من الجنوب وتحمل الجنوب معها الينا وتنقل الارض التي نقف عليها الى حيث كان الجنوب .
(تخيلوا كم حجم الخلاف والتباين لا يوجد اي شيء مشترك بينهما الا كلمة الشمس وتشرق ).
لنتابع الحوار ..
يقول الاول اظن انه وفق العالم الفلاني قال كذا وكذا وكذا (مما يؤيد وجهة نظره)
يرد الثاني : ولكن العالم الفلاني الفلاني قال كذا وكذا (ايضا مؤيدا لوجهة نظره )

وقد يطول الحوار .. كل منهما يقدم اسانيده بادئا بكلمة اعتقد او برأيي او انا ارى او من وجهة نظري .. ولا يستخدم عبارات مثل انت مخطيء قولك ليس علمي او رايك متطرف او انت لا تعرف شيئا او اقرا الكتاب الفلاني .. لان الحوار يكون حوار نصوص يقدمها المتحاورين
النتيجة
يقول الاول : على كل كان حوارا لطيفا او مفيدا او شيقا شكرا لك اتمنى التحاور مرة اخرى في مواضيع اخرى .
فيرد الثاني شكرا لك لقد كان فعلا حوارا عميقا استفدت من بعض المعلومات فشكرا لك ايضا وان شاء الله لنا لقاءات اخرى .
وبذلك ينتهى الحوار وقد كسب كل منهما صديقا جديد قد يلتقيا او يتفقا في مواضيع اخرى وقد يختلفا لكن وفق هذه الاصول مؤكد انهما سيبقيا اصدقاء وسوف يستفيد كل منهما من الاخر

تقديم وجات النظر من اصول الحوار  
من اصول الحوار ان يقدم المحاور وجهة نظره في القضية المطروحة للنقاش .
فلنفترض ان المنشور يتحدث عن المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية
فيقول المنشور مثلا :
ان السلطة الوطنية تقدم خدمة جليلة للاحتلال حين توفر له المزيد من الوقت عبر التفاوض الذي لن يؤدي الى نتيجة سوى مضيعة الوقت .. لان النتائج على الارض تحددها موازين القوى الفعلية وليس الامنيات وحسن النوايا ..
الى اخر المنشور ولكن هذا جوهره
يفترض بالمحاور المعارض للمفاوضات ويتفق مع المنشور ان يضيف معلومات جديدة لم يتضمنها المنشور تساعد في تثبيت وجهة النظر ..
ولكن للاسف لا نرى مثل هذا الاسلوب بل معظم ما نراه هو عبارات تخوين وشتيمة وازدراء للسلطة وعبارة “المفاوضات العبثية” اضافة الى اعادة موضوع اوسلوا ومسلسل الحكايات والذكريات واعادة كتابة التاريخ

وهذا الاسلوب لا يفيد اطلاقا اولا لانه مكرر الف الف مرة .. ثانيا لان الوضع الحالي والظروف والشروط ليست هي ذاتها كما كانت ..
وعندما تكون الردود من هذا النوع فورا يتم اكتشاف صاحب الرد بانه غير متابع للتطورات وانه توقف عند زمن معين وحسم الامر

يفترض على الاقل اذا لم يكن للشخص لديه معلومات حديثة ان يدفعه المنشور للبحث عنها وزيادة معلوماته ومعارفه وخبرته بما يجري

ولنفترض ان شخصا مؤيدا للمفاوضات واراد التعليق فيجب عليه ان يقدم وجهة نظر مدعمة ومسندة يرد من خلالها على كل بند في المنشور .. لا ان يستخدم عبارات مثل (انت لا تعرف شيئا انت تشكك بالقيادة السلطة لا يمكن ان تخدم الاحتلال .. وعبارات اخرى عنترية لا مجال لذكرها ..
فهذا لا يخدم موقفه ولا يخدم قضيته .. بل يظهره بمظهر العاجز عن تقديم الراي الحقيقي الذي يتفق مع اصول الحوار .

العصف الذهني

” ان الهدف من الحوار ليس ان نخطئ بعض او نطعن في شخوص بعض بل تبادل معلومات واراء وعصف ذهني اقوى…ولذلك سمي حوار ولم يسمى احلال ..وجزء من تقييم رقي المجتمعات هو ثقافتها واثراء الثقافة هو باختلاف وجهات النظر ولن يتم هذا اﻻثراء اﻻ بحوار راقي.” ..

انها جملة بالغة التعبير وشاملة لمعنى الحوار واهدافه واستخدمها هنا كمدخل لمتابعة الموضوع لأشير الى ان الحوار هو احد اساليب علم العلاقات العامة  .. والذي اصبح كما قلت جزءا من الاعلام الى جانب التسويق (ثري اون ون) اي الشخص الواحد الخبير او الذي يتقن فنون الاعلام والعلاقات العامة والتسويق معا وفي ان واحد.
وربما قليلون هم من يعرفوا ان ما من شركة كبرى او مؤسسة او بنك او ادارة حكومية بما فيها طاقم الرئيس الامريكي الا ويوجد له شركة علاقات عامة تروجه وتسوقه وتضع له خططا وبرامجا بهدف الوصول الى الجمهور واقناعه بوجهة نظر المؤسسة التي تخدمها شركة العلاقات العامة
وعندما يتسم الحوار بالاصول وبأدب الحوار وبأهداف الحوار الساعية الى اثارة المزيد من التفكير في أمر ما والمساعدة على تقبله من الاطراف الاخرى كلما أدى الى النتيجة المبتغاة .. ويلبي الحاجات التي وجد الحوار اصلا من اجلها .
ولو كان الحوار بلا قيمة ولا جدوى لكانت الدنيا شكل اخر تماما هناك سادة يعطون الاوامر وعبيد ينفذوها .. وحتى بين السادة يجب ان يكون هناك حوار وتحاور وتبادل للراي ..

والسؤال: لماذا الغالبية الساحقة لا تعرف هذه القواعد ؟؟
والاجابة هي لان مجتمعنا العربي ما زال يعيش في عصر الزراعة وثقافة عصر الزراعة الذي تقوم ثقافته على الثنائيات المتناقضة (المطلقات) (معي او ضدي ابيض واسود حياة او موت جنة ونار وطني وخائن كبير وضغير )
وهذه الثقافة لا تعرف الحوار
بينما في المجتمعات الصناعية المتطورة اكثر الكلمات استخداما على مستوى المجتمع هي ( جرب اعمل يمكن اتركني افكر ) .. مع حق الاعتراض وابداء الراي منذ ان يكون الانسان طفلا في سنواته الاولى وحتى يصبح كهلا يعتبر هذه حقوقه ..
وكل ذلك في اطار انت ربما على حق ولكني اخالفك او انت على حق واتفق معك .. دون اي شعور بالنقص او الدونية

الحوار هو الشكل الوحيد لايصال المعلومات
الحوار كما ذكرت اعلاه هو احد الاساليب الاعلامية (قاعدة اساسية في علم الاعلام) باعتباره احد اهم طرق ايصال المعلومة وتفاعل المعلومات بين البشر..

وقد يعتقد البعض ان هناك الكثير جدا من المعلومات تصل للبشر دون اي شكل من اشكال الحوار وهذا الاعتقاد تنقصه الدقة لان اي معلومة تصل الى الانسان تكون وصلته عن طريق شخص او مصدر اخر (اي هناك طرف يقول معلومة) وهناك انت (متلقي المعلومة) وهنا يحدث الحوار بين معلوماتك (ما لديك من معلومات) والمعلومة التي وصلتك .. فيجري الحوار اما صامتا او مجاهرة بين ما لديك وبين ما سمعت او قرات .. ولك مطلق الحق ان تشك وترتاب بما سمعت وبين ان تتقبل وتسلم بما سمعت او قرات ..
لكن احدا قد يعترض على ما ادعي (لاحظوا هنا انا ادعي واحد الاشخاص الذين سيقرأو ما ادعيه سيعترض – اي هناك حوار) .. ويقول ان الاب يامر ابنه او يوجهه او يامر زوجته او مدير يامر موظفيه (وفي كل ذلك هناك معلومة او معلومات صادرة ومتلقي او متلقون للمعلومة) لكنهم لا يحاورون من اصدر المعلومة او التعليمات (عليهم تنفيذ الاوامر بلا نقاش اي بلا حوار) .

ولكن في واقع الامر هناك حوار صامت يجري والذي اجبر على ان يكون صامتا هو السلطة التي يملكها من اصدر التعليمات .. ولا اعتقد ان الامر يحتاج الى عناء كبير لمعرفة ان الكثير ممن ينفذون الاوامر والتعليمات ينفذونها مجبرين وربما عن غير رضى (ويطبقوا المثل العربي القائل “اربط الحمار محل ما يريد صاحبه” وهو مثل يدلل على العبودية والخضوع والمذلة ولكنه لا يلغي ان هناك حوارا قد حدث وان هناك معلومات تصارعت فيما بينها بهذه الدرجة او تلك ..
اذن الهدف الرئيسي من هذا البوست هو التاكيد على ان الحوار هو الوحيد الذي من خلاله تتناقل وتتفاعل وتتواصل المعلومات بين البشر ..
وكلما كان الحوار جادا بين البشر ويستند الى حصيلة واسعة من المعارف والمعلومات كلما كانت جدواه افضل واكمل واسرع للوصول الى الحقيقة

ايا كان مصدر المعلومات يتم معها حوار
وقد يتساءل البعض معترضا او مرتابا او مشككا (وهذه المفردات ساتعرض لها لاحقا لتفسيرها والتعريف باهميتها في الحوار) فيقول .. انا احصل احيانا على معلومات من صورة او من مشاهدة حدث امامي بام عيني او بما تلمسه يدي او يتذوقه لساني او يشمه انفي ..

وكل ما تفضل به المعترض سليم وصحيح لكن كل هذا يا صديقي هو حوار ولنرى كيف ذلك ..
لنبدأ بالصورة .. عندما يشاهد شخصا صورة لقتلى سواء في حادث او في حرب او يشاهد صورة لمجموعة من الناس تحتفل وترقص او يشاهد صورة لطفل يبتسم .. فكل من هذه النماذج تحمل معلومات وبمجرد مشاهدتها دخلت المعلومات الى الحافظة في الذهن وتبدأ عملية الحوار . فاذا كان هناك ما يناقضها في ذهنك اما ان ترفض المعلومة او ترتاب بها وتشك او تقبل بها وقد يقول قائل انك تتحدثين عن التفكير ..

 واقول نعم لان التفكير هو حوار بين معلومتين او اكثر وقد يكون صامتا او يدفع لحوار علني مع اخر او اخرين حول المعلومات التي تضمنتها الصورة
وكذا الامر مع المعلومات عن طريق الحواس .. فقد يتذوق شخصا ما طعاما فيرفضه او يقبله او يرتاب او يشكك .. وكذا لو شم رائحة معينة (هناك مئات من اصناف العطور) بعضها يستسيغه شخصا ما ويرفضه اخرون .. حتى المشاهدة بام العين فهي نوع من الحوار تدفع لاتخاذ موقف بشان ما تمت مشاهدته وكل يرى المشهد من زاويته فالبعض قد يبكي واخر لا يكترث وثالث يكون سعيدا

كل ذلك هو انواع من الحوار بين الشخص ومعلوماته وبين الخارج وما يقدمه من معلومات ، ولكل انسان كامل الحق في ان يقبل ما يراه او يرفض او يرتاب او يشك او يعتبره يقينا او غير يقين ..

التركيز على المعلومة محور الحوار
لان مستويات الوعي تختلف وتتباين عند البشر فمنها من هو على حافة واطراف المعرفة البدائية ومنها ما يتدرج حتى يصل الوسط ومنها يرتقي الى مستويات عليا يسبقها تدرج حتى الوسط

لذا فليس كل معلومة (مع ملاحظة ان الراي هو معلومة ايضا) يتعامل معها جميع المتلقين بنفس الاهتمام او بفهم جوهرها ومبتغاها او بفهم مضمونها وتفاصيلها ..
وبسبب من هذا التباين الهائل في الفروقات بين مستويات وعي البشر قد تكون هناك معلومات على قدر كبير جدا من الاهمية ولا تجد ادنى اهتمام من المتلقي ولاعطي مثلا على ذلك ” هناك تقرير بثته وكالات الانباء منذ ايام مفاده ان منطقة الشرق الاوسط تواجه جفافا لم تشاهده من عقود .. وهذا يعني وفق التقرير ان الشعوب في المنطقة قد تواجه العطش وانحدار مستويات الانتاج الزراعي (مصدر الطعام) يعني مشكلة كبرى في المأكل والمشرب وهما الحاجتين الرئيسيتين الاوليتين للحياة ..
ومع ذلك لم يجد التقرير اهتماما عند المتلقي .. ولو تفحصتم الصحف العربية لما وجدتم حرفا واحدا كتب في الموضوع .. وكذلك لم يعلق أحد

والاسوأ من ذلك ما تشهده الحوارات ان يكون مضمون المعلومة يتحدث عن الشمس مثلا وفي سياقه وردت معلومة حول خط الاستواء .. فتجد المحاور ترك مضمون الحوار وجوهره وامسك بخط الاستواء ..
والامثلة على ذلك اكثر من ان تحصى .. وهذا ما دفع مؤسسات الاعلام الكبرى لانفاق ملايين الدولارات على امتلاك الوسائط الحديثة لمعرفة مستوى ونوعية المتحاورين (المتلقين) للمعلومات التي تبثها

الاعلام والناس


لما كان كل قول او كتابة او صورة او حركة او رسم هو اعلام .. وبذلك يكون الواعظ الديني داعية اعلامي يقوم بالدعاية لمعتقداته ، والمعلم كذلك رجل اعلام يقوم بالدعاية للمنهج الذي يدرسه لتلاميذه ، والرسام يقوم بعمل اعلامي يدعو لفكرة او افكار من خلال رسوماته ، والمصور يقوم بدور اعلامي ويمارس الدعاية من خلال الصورة ، والام تمارس دورا اعلاميا عندما تدعو لافكارها ومعتقداتها وقيمها وعاداتها بين ابنائها والاب كذلك ، والسياسي ايضا يقوم بدور اعلامي من خلال الدعاية لمعتقداته ، والمثقف والكاتب وكل بشر ايا كان موقعه يمارس دورا اعلاميا .

وباختصار فكل من يصدر معلومة ايا كان نوعها او مستواها هو يقوم بعمل اعلامي ..
والفرق بين البشر في هذه المسالة ان البعض يستطيع الوصول الى الملايين ليوصل معلوماته اليهم من خلال الوسائل والوسائط الاعلامية المتطورة ، والبعض لا يستطيع ان يوصل معلوماته الا لفئة محدودة من الناس لانه لا يمتلك من الوسائل والوسائط شيئا الا محدودا ..
ولذا فان من يملك وسائل ووسائط متقدمة يستطيع ان يحاور الملايين بينما بسطاء الناس لا يستطيعون الا محاورة قلة محدودة .. ولكما ارتقت القدرات واتسع الجمهور الذي تصل اليه المعلومة كان الحوار فيها اكبر وتاثيرها اكبر سواء بالاتفاق او الاختلاف .. (طبعا تدخل فنون الاقناع كطرف رئيسي في قبول المعلومة وهذا موضوع اخر سنناقشه فيما بعد)

لكن وايا كانت الامكانات او نوع المعلومات فان هناك حوارات تدور بشانها .. فلا يعتقد احد انه بمجرد ذكره لمعلومات ما انه سيكون هناك اجماع عليها واتفاق ايا كانت هذه المعلومة حتى كلام الله في الديانات لا يوجد عليه اجماع .. بل يدور حوله حوارات صاخبة كثيرا ما تجاوزت الحوار السلمي شفويا او مكتوبا الى الحوار بالحروب والغزو ..
وهذا ينقلنا الى موضوع المطلق والنسبي وموضوع الشك في الحوارات بين البشر .

الشك والحوار


ان المعنى اللغوي لكلمة الشك هو الارتياب او عدم اليقين وهو حالة تنطلق من معايير

موجودة اصلا عند المتلقي .. وبناء على هذه المعايير يتعامل الشخص مع المعلومات الجديدة التي تصله، وبقدر التباين او الاختلاف او التناقض مع ما لديه من معلومات بقدر ما يكون “الشك” اي الارتياب وعدم اليقين.
اذا وفق هذا المعنى فان الشك مضمونه (صراع بين المعارف او الرؤى او المعلومات) وهو بالتالي حق مشروع لكل انسان .. حتى وصل الامر الى اعتبار الشك اثباتا وبرهانا على وجود الانسان ذاته (المذهب الشكي (انا اشك اذا انا موجود) ” او (الشك أساس الحكمة.)
ووفق هذا التعريف فمن المنطقي ان يكون الشك موجودا وله حضور ايا كان نوع او مستوى او مضمون الحوار .. (المادة الاعلامية او المعلوماتية)
فلا قيمة اطلاقا لاي فلسفة او فكر او فكرة اذا لم يتم الاعلام عنها ودخولها في دائرة الحوار بين البشر (سواء كان العدد محدودا او ضخما)

ومن ابرز فلاسفة الشك رينيه ديكارت فى فرنسا و فرانسيس بيكون في انجلترا ، والامام الغزالي في القرن الحادي عشر الميلادي، وسقراط في الحضارة اليونانية القديمة وغيرهم الاقل شهرة.
وينسب لديكارت فضل تطوير شكية عالمية كطريقة في التفكير، في محاولته لإيجاد حتمية مطلقة يبني عليها فلسفته. غير أن ديكارت لم يكن شكيا، بل طور نظريته في اليقين المطلق بهدف دحض نظريات شكيين آخرين حاججوا بأنه ليس ثمة يقين.
كما يعد الفيلسوف البريطاني، ديفيد هيوم، أيضا شكيا عالمي.
ولم يكن ديكارت هو أول من ابتدع المنهج المسمى ” الشك المنهجى ” بهدف الوصول إلى الحقيقة , فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة مثل سقراط فى منهجه ” التهكم و التوليد ” و كذلك أتى الإمام أبو حامد الغزالى ( في نهايات القرن الحادي عشر) وهو من أوجد مذهب الشكية، في الثقافة الاسلامية كجزء من المدرسة الأشعرية فى كتابه “المنقذ من الضلال” وهو شك مماثل مناظر لشك ديكارت فى الشكل مخالف له فى الطبيعة ، فلقد كان شك ديكارت شكا عقليا ، بينما كان شك الغزالى حالة نفسية .. لكن شك كليهما كان سعيا للوصول إلى الحقيقة

ثلاثة انواع للشك
الاول :

هناك ثلاثة منظورات في العالم في الموقف من المعرفة .. نظرة اتباع الشكية الدينية والعقائدية وتقول بان هناك معارف كلية مطلقة لا يجوز اطلاقا اقتراب الشك منها (نظرة الاديان عموما وبعض العقائد الشمولية ومن ضمنهم بعض الاصلاحيين الذين يعتقدوا بضرورة الشك لكن ليس في جميع المجالات)
وهؤلاء “الشكيون” يرون بانه لا يجب الخلط بين الشك بالمعارف ها وبين الشك في العقيدة وهؤلاء “الشكيون” يسائلون السلطة ويشكون في افعالها وهذا مجاز لكنهم لا يسمحوا للشك بالدين مثلا او بالنظرية الماركسية ، وقد يكونوا معادين للسلطة لكنهم ليسوا بالضرورة معادين للدين ولكنهم ليسوا معادين للدين او للعقيدة وقد يشكوا في بعض او كل المعتقدات او بعض السلوكيات او الممارسات لكنهم ملتزمون بالعقيدة ، بعضهم قد يكون حتى فقيها دينيا او منظرا ماركسيا محترفا ،
وتجدر الاشارة الى ان أول شكيا ديني كان سقراط ، الذي تساءل حول شرعية المعتقدات السائدة في زمنه في ظل وجود أكثر من إله .
والحوار مع اصحاب هذه النظرة للمعرفة من الصعوبة بمكان ان يصل الى اتفاقات متقاربة لانها تشترط بالاساس تحديد موقف من العقيدة (مع او ضد) .. وهي تحاور الاخرين لاقناعهم بمعتقداتها وليس اتبادل الراي .. وبالتالي فهي (ون وي حوار) او اللاحوار بل اسمع وتعلم واقتنع ووافق والتزم ..
ولهذا شاع عند اتباع هذه النظرة منطق النقل قبل العقل واسلوب النسخ والنقل ويمارس اتباعها دور الوعاظ الدعاة الاعلاميين لمعتقدهم الذي لا ياتيه الباطل من امامه او من خلفه

وغالبا ما يكون الحوار مع هذه الفئة متشنجا حادا وقد تتخلله عبارات التشكيك والاتهام وقد يصل الى درجة التكفير والاخراج من الملة .. او تصنيفك في قائمة “البرجوازية العفنة” او العمالة للامبريالية الى اخر المفردات وما اكثرها المباشر منها وغير المباشر ..
ويلاحظ ان اي حوار من احد من هؤلاء يكون هو الاول والاخير

ثانيا :
الشك التاملي والشك التجريبي والحوار المجدي
نظرة الثانية تقول ان كل معرفة ايا كان نوعها او مضمونها يجب اخضاعها للشك حتى يتم الوصول الى اليقين ..

وابرز ممثلي هذه النظرة هما رينيه ديكارت و فرانسيس بيكون لكن الاول نظرته تأملية والثاني تجريبية ..
ومن المهم القاء بعض الضوء على العصر الذي ظهر فيه ديمارت وبيكون وهو نهاية العصور الوسطى في نهاية القرن السادس عشر و واكتملت نظرياتهما في منتصف القرن السابع عشر

لقد سبقت ديكارت وبيكون فترة طويلة من الركود الفكرى في اوروبا نتيجة لإيمان الكنيسة بفلسفة أرسطو , و اعتمادها فى البرهنة على القضايا الدينية بالمنطق الأرسطى – خاصة القياس , و حرمت الخروج عليه و اتهمت من يفعل ذلك بالهرطقة .. فكبلت بذلك العقل , و حرمته من الإبداع و الاختراع .
وكانت أوربا تعيش فترة من اليقين الدوغماطيقى (القطعى – الذى لا يقبل مناقشة ) .. فكان لا بد من ظهور حركة تعيد للعقل احترامه و للعلم أساليبه … فظهر ديكارت فى فرنسا (عام 1596 – 1650) و فرانسيس بيكون (1561-1626) فى انجلترا .. الأول اهتم بالعقل و الفكر و أساليبه و أساليب تطهيره من الخرافات و استخدم فى ذلك منهج الشك المنهجى .. و بيكون قام ليضع للعقل أسلوبا تجريبيا يتقدم به العلم ..
كان منهج ديكارت منهجا تأمليا يقوم على الحدس و الاستنباط و اما منهج بيكون يقوم على التجربة و الاستقراء و الأسلوب العلمى …مع اعتيار أن كليهما بدأ منهجه بمهاجمة أرسطو و منهج أرسطو و اتهامه بالعقم .
واسلوب منهج الشك المنهجى الذي اوجده ديكارت يهدف الى غربلة الأفكار ليسقط منها الخاطئ و الخرافى و لا يتبقى إلا ما هو يقينى .. فهو شك بناء يريد أن يقيم الحقيقة على أساس من اليقين البديه .

والحوار مع اتباع المنهج الشكي الديكارتي غالبا سواء كان عن وعي وادراك المحاور انه يتبع هذا المنهج او انه يتبعه بشكل تلقائي واكتشاف ذاتي فهو حوار ذو طابع ايجابي غالبا ما يؤدي الى نتائج ايجابية .. ويجري في اجواء ودية واحترام متبادل

 ثالثا : 

الشك المطلق او المذهبي وعدم جدوى الحوار مع اتباعه
وهناك نظرة ثالثة هي الشك المطلق و التي تقول باستمرار الشك لانه لا يمكن الوصول الى اليقين النهائي وهذا النوع من الشك العاصف، ظهر على يد من سُموا بالسوفسطائيين في تاريخ الفكر اليوناني، ومن ابرز مثليه ( شك بيرون ) ومن بعده تلميذه ( تيمون ) : زجوهرها كل قضية تقبل النفي والإثبات بقوة معادلة.

فالشك المطلق نشأ في خضم الصراع بين الفلسفة والسفسطة، حيث شهد القرن الخامس قبل الميلاد خلافات واسعة وكان على رأسهم بروتاغوراس وغورغياس( )؛ فبروتاغوراس ينفي وجود حقيقة مطلقة بقوله: (ما دام كل شيئ يتحول، ولا شيئ يبقى فليس هناك حقيقة مطلقة، وأما ما يسميه كل واحد منّا حقيقة، فهو ما يظهر له في الوقت الذي يتحدث فيه..) وأما غورغياس فينفي الحقيقة، والمعرفة، وإمكان إبلاغها للآخرين وذلك في كتابه (اللاوجود).

وأول من ظهر على يديه هذا المذهب هو فيرون (Pyrrhon).
وتنكر نظريته إمكان معرفة طبيعة الأشياء، وترى أن المعرفة الحسية والعقلية ليس لها قدرة تعريفنا بالحقيقة وإيصالنا إليها، فنحن لا ندرك من الأشياء إلا ما (يبدو) لنا.

ووتقول المدرسة الفيرونية ان خلاصة ما يمكن أن يصل إليه الفيلسوف أو المفكر هو أن كل ما يحصّله من معارف إنما هو ظني غير يقيني، وإذا كانت غاية الفلسفة في جميع مذاهبها هي الوصول إلى حقيقة يقينية تطمئن إليها النفس؛ ولما كان هذا اليقين غير متحقق عند الفيرونيين؛ لذا فهم يرون أن على الإنسان أن يتوقف عن إصدار أي حكم ومن ثمّ يصوم عن الكلام مطلقاً، ولما كان هذا الوضع مستحيلاً على الإنسان العاقل ؛ فيتنازل الفيرونيون قليلاً ويؤمنون بأن الأفعال الضرورية لا تحتاج إلى معرفة يقينية بل يستطيع الإنسان للضرورة العملية أن يلجأ إلى هذه المعارف الظنية.(بدوي موسوعة الفلسفة 2/18) و (أسس الفلسفة، ص306، وأيضاً سليمان وسعيد، نظرية المعرفة، ص91) .

ومن ابرز سمات الشك المذهبى:

  •  هو شك مطلق ودائم يستخدمه صاحبه من أجل الشك فقط وليس من أجل التوصل لليقين.

  •  مذهبى: لأن صاحبه يتخذه مذهباً له فى الحياة والتفكير.

  •  دائم: لأن صاحبه يظل مقتنعاً به طوال الحياة ولا يحاول تغييره.

  •  هدف فى ذاته: لأن صاحبه يشك من أجل الشك فقط.

  •  يؤدى إلى الشك: لأن صاحبه يبدأ بالشك وينتهى بالشك ولا يؤدى إلى نتيجة جديدة غير الشك.

    والحوار مع اصحاب هذا النوع من الشك مضيعة للوقت لانهم لا يمكن ان يتوقفوا عند نقطة من النقاط .. فكل نقطة هي مفتاح لنقاط اخرى الى مالا نهاية

الشك المطلق او المذهبي في الفكر الاسلامي السني
سموا اصحاب هذه المدرسة في التراث الفكري الاسلامي باللاأدريين.

  • فرقة اللاأدرية:

    الذين يقولون بالتوقف في الحكم والذين يقدحون في كل من الحس والعقل طريقين للمعرفة، ذلك أنه ليس بعد الحس والعقل من حاكم إلا النظر، والنظر فرع الحس والعقل فباطل ببطلانهما، وأنه لا ضرورة فيجب التوقف في الحكم، في وجود كل شيء وفي علمنا به. هذا التوقف من شأنه أن يورث حالا من عدم القابلية للتأثر والسكينة الكاملة في النفس والتحرر من العاطفة وضربا من اللامبالاة بالأشياء الخارجية.

  •  فرقة العنادية:

    وهم الذين يدعون أنهم جازمون بأن لا موجود أصلا، وإنما نشأ مذهبهم من الإشكالات المتعارضة، إذ ما من قضايا بديهية أو نظرية إلا ولها معارضة مثلها في القوة تقاومها.

  • فرقة العِندية:

    وهم القائلون بأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات، دون العكس، وأن الإنسان مقياس الأشياء جميعا. وهذا يعني أن المعرفة لا تتعلق بالموضوع المعروف، بل بالذات العارفة، وأن مبدأ الأشياء، ينبغي أن لا يطلب في العالم الخارجي، وإنما هو بالنسبة لكل فرد على حدة، فالحقيقة عندك هي ما تتراءى لك والحقيقة عندي هي ما تتراءى لي، فلا يوجد مقياس كلي للحقيقة، ولا وجود لحقيقة موضوعية، يمكن الرجوع اليها لتصويب المصيب وتخطيىء المخطىء.

    وفي كل هذا إنكار للعلم الذي هو صلة الذات العارفة بالموضوع المعروف، والذي هو الحقيقة الكلية الموضوعية، التي يشترك الناس في أصولها العامة، وقواعدها البديهية، والذي هو الحكم الفعلي على الأشياء وجودا وعدما، وما يتعلق بذلك من أحكام.

    وهذه المدارس تقدم مجموعة من الحجج تبريراً لموقفهم الإنكاري، وتقوم كلها على استحالة المعرفة، لأن طرق المعرفة من حس وبديهيات عقلية، لا توصلنا إلى الحكم على شيء بأنه موجود أو معلوم. فالحس والبديهيات هما هدفان لهدم المعرفة .

    ويمكن اجمال مبرراتهم في طعنهم بالحواس والعقل كما يلي:

    طعنهم في الحواس:

    عللوا تعليق الحكم في المحسوسات بالنسبة في معرفة الحس، ذلك أن الأعضاء الحاسة مختلفة فيما بين الإنسان والحيوان، وهذا يستتبع أن لكل إحساسه الخاص به، ولذلك فإن ما يدرك بالحس ليس إلا كما يبدو لنا كذا، ليس هو في حقيقة أمره أو في ذاته كذا.

    وقالوا: ان الناس مختلفون في إحساسهم وهذا يستتبع بدوره اختلافهم في الإحساسات والأحكام، وبهذا يمتنع الحكم. والحواس متعارضة إزاء الشيء الواحد، فالبصر يدرك بروزا في الصور واللمس يدركها مسطحة، والرائحة اللذيذة للشم، مؤذية للذوق، وهكذا. وهذا بدوره يؤدي الى التباين والتعارض في الإدراكات الحسية.

    وقالوا : تختلف الإدراكات الحسية تبعا لاختلاف الظروف والأحوال من صحة ومرض ونوم ويقظة، واختلاف الأمكنة والأوضاع والمسافات والكمية والوسط فما تراه عن قرب يبدو لك كبيرا، وإذا رأيته عن بعد فإنك تراه صغيرا. وقد تنظر إلى شيء من زاوية معينة فتراه مربعا، وإذا نظرت إليه من وضع آخر قد تراه دائريا. والشيء إذا تحرك بسرعة كبيرة تراه على غير ما كنت تراه ساكنا شكلا ولونا… وهكذا.

    ومن ابرز قواعد نظريتهم :

  •  البديهيات ليست يقينية فلا تصلح أن تكون أساسا للمعرفة، ذلك أن الشيء أما أن يكون أو لا يكون _أي التردد بين النفي والإثبات _ وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان من أجلى البديهيات ومع ذلك فهي غير يقينية إذ لا تعدم من ينقضها بقوله: إن الشيء الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد، وهذا يعني أن الشيء يصدقه عليه أنه معدوم وموجود معا، ومن ثم فقد اجتمع النقيضان، وهذا مخالف للبديهية نفسها.

  •  البديهيات إنما نجزم بها كجزمنا بالعادات ولا فرق بينهما، فكما أننا لا نعتمد على العاديات أصلا للمعرفة فكذلك لا اعتماد على البديهيات.

  •  إن الأمزجة والعادات لها تأثير على اعتقادات القلب فلا تكون البديهية يقينة كما أنها لا تكون عامة ومطلقة إذ تختلف باختلاف الأمزجة والمؤثرات، وإن مزاولة العلوم العقلية، قد دلت على أنه قد يتعارض دليلان قاطعان بحسب الظاهر بحيث نعجز عن القدح فيهما وذلك يعني أننا نجزم بمقدماتهما مع أن إحدى هذه المقدمات خاطئة بالتأكيد. هذا مع كوننا قد نجزم بصحة دليل ما زمنا ما ثم نغير المذهب ولا نعود نجزم بصحة ذلك الدليل بل نجزم ببطلانه.

    كل هذا يؤدي إلى تناقض الأفكار الإنسانية، ومن ثم فكيف تقوم المعرفة وكيف تكون ممكنة مع وجود هذا التناقض؟

  • أنه إن وجدت الحقيقة فهي لا تخلو أن تكون إما محسوسة وإما معقولة. ولكنها ليست محسوسة، لأن كل ما هو محسوس فهو مدرك بالحس، وليست الحقيقة مدركة بالحس، لأن الإحساس بذاته خلو من البرهان، وليس يمكن إدراك الحقيقة دون برهان فليست الحقيقة محسوسة. وهي ليست معقولة وإلا لم يكن شيء محسوس حقيقيا، وهذا باطل.

  • العلّية ممتنعة فلا يصح أن يكون تعريف العلم هو معرفة العلل بالظواهر. وذلك لأنه لا يستطيع الجسم أن يحدث جسما إذ يستحيل أن يحدث شيء شيئا لم يكن موجوداً، ولا يستطيع اللاجسمي أن يحدث لا جسميا لنفس السبب ولسبب آخر هو أن الفعل والانفعال يقتضيان التماس، واللاجسمي منزه عن التماس فلا يفعل ولا ينفعل، ولا يستطيع الجسم أن يحدث لا جسميا ولا اللاجسمي أن يحدث جسميا فالعلية ممتنعة.

  • ضرورة البرهنة على كل شيء وتسلسل هذه البرهنة إلى غير نهاية. إذ أبطلوا الاعتماد على الحواس وعلى البديهيات العقلية. وأما أن يصبح البرهان على قضية في حاجة لكي يبرهن عليه إلى هذه القضية نفسها، فهذا دور، ذلك أن حقيقة الفكر لا يمكن البرهنة عليها إلا بالاستعانة بالإدراك الحسي وبالعكس.

    وأيضا فإن كل برهان يرجع في نهاية الأمر إلى أن يكون مصادرة على المطلوب. ثم إنه من سيقطع بالحقيقة؟ أهو إنسان فرد أم كل الناس؟ وإذا فرضنا جدلا قدرة الإنسان على القطع بالحقيقة، فعن طريق أي الملكات سيتم له هذا؟ هل عن طريق الحواس؟ لكنها ليست صالحة كما ذكر. أم عن طريق العقل؟ ولكن كيف يستطيع العقل وهو باطن أو داخل في الإنسان أن يصل إلى معرفة الأشياء التي توجد خارج الإنسان؟

    وإذا فرضنا أن إنساناً أدرك الوجود فلن يستطيع أن يبلغه لغيره “ذلك أن وسيلة التفاهم بين الناس، هي اللغة، ولكن ألفاظ اللغة إشارات أي رموز، ليست مشابهة للأشياء المفروض علمها، فكما أن ما هو مدرك بالبصر ليس مدركا بالسمع والعكس فإن ما هو موجود خارجا عنا مغاير للألفاظ، فنحن ننقل للناس ألفاظا ولا ننقل لهم الأشياء. فاللغة والوجود دائرتان متخارجتان”.

    وعلى ذلك فإنه لا يوجد شيء، وإن كان هناك شيء، فالإنسان قاصر عن إدراكه وإذا أدركه _جدلا _ فلا يستطيع أن ينقله إلى غيره من الناس فالعلم ممتنع. أو يتوقف في الحكم على الاشياء وإن الإنسان هو مقياس الأشياء جميعا.

الشك في الفكر الاسلامي الشيعي


شك المقِلّدة:

هناك نمط من الشك في قدرة العقل والحواس، على الوصول إلى المعرفة، ولكنه لا ينكر وجود الحقيقة، وهذا الشك ليس إنكاريا، وإنما مقصوده الإيمان أو الاعتماد فحسب على مصدر خارجي عن الإنسان أو عن ذاته العارفة.
كما حصل هذا النمط من الشك لفرقة في الفكر الإسلامي أطلق عليهم اسم المقلدة وهم من يطلق عليهم السنة لقب الباطنية أو التعليمية. إذ أقرت مثلا الطائفة الإسماعيلية بالعلم واعترفت بأن المرء لا يخلق عارفا، وإنما يكتسب المعرفة، ولكن هذه المعرفة، لا تحصل لطالبها بأية وسيلة من الوسائل الإنسانية المعروفة كالحس والعقل وإنما مصدر هذه المعرفة وطريقها هو الإمام المعصوم، فهو وحده أهل للعلم، ومعصوم عصمة مطلقة. فطريق العلم إنما هو الأخذ والتقليد، أو النقل عن الإمام المعصوم والإمام يورث هذا العلم إلى معصوم آخر.. وهكذا توريث وعصمة وتعليم.
ويتواصل انتقال العلم والمعرفة من المعصوم الى الائمة الى ان يظهر المهدي صاحب المعرفة المطلقة الملهمة له من الله تعالي
وحينها يتم حل جميع مشاكل البشرية استنادا الى معارفه الكلية
ولهذا فالاجتهاد ممنوع تحت طائلة التفكير .. وان كل مسلم شيعي يجب ان يكون تابعا لامام يتلقى منه تعاليمه الدينية والدنيوية .. ومن لا امام له فلا دين له ..
ولذا فمن العبث محاورة من هم متوغلون بالايمان من هذه الطائفة

الشك المطلق او المذهبي في الفكر المسيحي

ينظر الفكر المسيحي بكنائسه المختلفة الى الشك من زاوية إن الحقيقة ليست في صلة الفكر بالموضوع، ولا في رجوع الفكر على نفسه.

ولذا يرى الفكر المسيحي انه يجب البحث عن مصدرها في تلقين مباشر، ممن هو مصدرها الأبدي، أي من الله وقد مهدت هذه الشكية لهذا الرأي، بأن جعلته ضرورة لازمة، فكان يجب أن نقنط من اليقين الفكري، لكي نبحث عن الحقيقة في الوحي الذي يوحى إلى هذا الفكر. ولكن كيف نقيم اليقين على معرفة الله الذي يحتاج وجوده لدينا إلى برهان؟ هذا ما يجيب عليه مذهب أفلوطين: فالله في ضمائرنا ولسنا منفصلين حقا عنه. فإن الفكر إذا تأمل ذاته أحس بهذه الوحدة، وكانت له من ذلك النشوة الكبرى التي تلاشينا في الوحدة الكبرى، فالنفس تسكن أعاليها في المعقول، فهي إذ تحدس نفسها تحدس العقول أي عالم المثل. ولكن الحدس العقلي، الذي فيه مكان للوعي وللتمييز هناك حدس “الواحد” وهو النشوة التي ترفعنا فوق الفكر المعين وتخلطنا بالله.
وبهذا النشوة نحصل على مبدأ ورباط المثل. وما دمنا لم نرتفع إلى هذا الحدس العالي، الذي يوحدنا بالمطلق تتبقى ثنائية الذات والموضوع، الفكر والوجود التي تهدد كل معرفة ففي النشوة يقوم مبدأ كل يقين.

وهذا الفهم لليقين، كان أساس النظرة المسيحية الداعية إلى أهمية الإيمان لكل معرفة. فالإيمان أي عمل الإرادة الذي يعطي الإقرار للتفكير، هو الخطوة الأولى نحو المعرفة. فأن تكون التصورات الحسية صحيحة ذاتيا هذا أمر ليس فيه شك. أما أن يكون عالم واقعي مقابل هذه المدركات فهذا ما لا يقين لنا به، إلا عن طريق الإيمان.

فمثل هذا النوع من الشك دوافعه إيمانية، والمقصود بإيمانية هنا في المفهوم المسيحي لا في المفهوم الإسلامي، ذلك أن عقيدة الخطيئة التي يدعيها المسيحيون وهي أن يولد الإنسان ملوثا بخطيئة أبي البشر آدم عليه السلام _في نظرهم _ وتنقل إلى أبنائه دون أي اقتراف من احدهم، لها أثر كبير في هذا النمط من الشك.
فالإنسان إذا كان فطريا مخطئا فهو لا يستطيع إدراك الحقائق على وجهها الصحيح، كما أنه لو أدرك منها شيئا، فإنه لا يدرك كل الحقيقة، ولا يستطيع أن يلج مجالاتها. وأن أية معرفة عنده وصل إليها فهي مشوشة أيضا حتى لو كان من أصحاب اليقين. ويترتب على هذا أن يلغي الإنسان ذاته الملوثة المخطئة، وأن يشك أن فيها أية كفاية للمعرفة الصحيحة، ويسلم لنداء خارجي عنه وهو الإيمان أو الوحي _على مفهوم الكنيسة _ لأن المخلّص هو الذي ينجيه من هذه الكبوة ويعطيه المعرفة الصحيحة، دون أن تكون لهذا الإنسان قيمة في مصدر المعرفة أو حتى فهمها وتفسيرها.

 ========================

مراجع البحث

1. الطويل – أسس الفلسفة، ص306، وأيضاً سليمان وسعيد، نظرية المعرفة، ص91.
2. انظر بدوي، موسوعة الفلسفة 2/16.
3. الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص120 – 123. وانظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ص170. وانظر الموسوعة الفلسفية، ص81.
4. الفلسفة اليونانية أصولها وتطوراتها التاريخية (ترجمة عبدالحميد محمود) طبعة مكتبة دار العروبة، القاهـرة، بدون تاريخ، ص102. وأيضاً أحمد البهادلي، محاضرات في العقيدة الإسلامية، ص87.
6. بدوي، موسوعة الفلسفة 2/16 – 17.
7. ابن عطية، عبد الحق بن غالب (ت 541هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، نشر وزارة الأوقاف المغربية، الرباط، ط/1، د.ت.
8. ابن قيم الجوزية، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ت 751هـ)، بدائع الفوائد، إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة، د. ت.
9. ابن كثير، الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر (ت 774هـ)، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، ط/2، 1977م.
10. أحمد البهادلي، محاضرات في العقيدة الإسلامية، دار التعاون للمطبوعات، بيروت، ومطابع مؤسسة البيادر، الشوف، 1399هـ، 1979م.
11. ألبير ريفو، الفلسفة اليونانية أصولها وتطوراتها التاريخية، ترجمة عبد الحميد محمود، طبعة مكتبة دار العروبة، القاهـرة، د.ت.
12. الإيجي، القاضي عبد الرحمن بن أحمد(ت756هـ)، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، مكتبة المتنبي، القاهرة، 1979م.
13. الإيجي، المواقف بشرح الجرجاني، القسطنطينية، الجزائر، 1286هـ.
14. بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط/1، 1984م.
15. بوخينسكي، مدخل إلى الفكر الفلسفي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط/2، 1979م.
16. تراث الإنسانية، دار الرشاد الحديثة، القاهرة، بدون تاريخ للطبع ولا عدد، الجزء الثالث، “جمهورية أفلاطون”، للدكتورة أميرة حلمي مطر.
17. الجاحظ، أبو عثمان(ت255هـ)، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، منشورات محمد الداية، بيروت، ط/3، 1388هـ، 1969م، 6/ 35 – 36.
18. الجرجاني، السيد الشريف (ت 816هـ)، التعريفات، نشر الشؤون الثقافية العامة، العراق، د.ت.
19. جودة، ناجي حسين، المعرفة الصوفية (دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة)، دار الجيل، بيروت، ط/1، 1992م.
20. جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط/2، 1997م.
21. د. عبد الحليم منتصر، تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط/6، 1975م

===================

انتهى البحث

د. ندى الغاد / 22 فبراير 2014 

احد اسباب محدودية الوعي في المجتمع العربي

احد اسباب محدودية الوعي في المجتمع العربي

توعية الجماهير مهمة اساسية كبرى بالغة الاهمية في بناء الحضارات والتطور البشري .. ودراسة الفعاليات العاملة في هذا المجال تمثل احد الزوايا  في الكشف عن مستوى وعي مجتمع معين ، ومن خلال دراسة واقع العاملين والفعاليات العاملة في ميدان التوعية ونشر المعلومات والمعارف في العالم العربي وجدناه تنقسم الى 10 اقسام رئيسية على النحو التالي:

الاول يعلق على الاخبار  (كثيرو العدد و واسعي الانتشار )

الثاني يعلق على الافكار (لهم حضور ومحدودي الانتشار )

الثالث متخصص في الادب (اكاديميين في اغلبهم وقليلو العدد)

الرابع المهتم بفروع علم الاجتماع (قليلو العدد اكاديميون محدودي الانتشار )

الخامس متخصص بعلم الاقتصاد (محدودي العدد والانتشار )

السادس متخصص بفرع من فروع العلوم العقلية  (عدهم محدود جدا اكاديميون في الغالب محدودي الانتشار)

السابع  متخصص بالمشاعر  ( كثيرو العدد ولهم انتشار )

الثامن  متخصص في ذاته (كثيرو العدد ولهم انتشار)

التاسع ثنائي الابعاد سياسي ومفكر  (محدودي العدد انتشارهم وسط حلقة ضيقة)

العاشر  رباعي الابعاد سياسي ومفكر وأديب وله دراية بعلم الاجتماع . (نادرين الوجود انتشارهم محدود جدا داخل حلقات ضيقة ) .

يستنتج من ما ذكر اعلاه ان انخفاض حجم جهود التوعية الشاملة في البلاد العربية وانخفاض اعداد العاملين بها وانتشار المتخصصين بالتعليق على الاخبار والأحداث والحوادث والمتخصصين بالمشاعر والوجدانيات (كثير منهم متدينون) والمتخصص في ذاته و ابراز ذاته والتغني بإبداعاته من اصحاب عبارات (ذهبت التقيت اجريت زرت قابلت قلت قال لي الخ)

فيما رافعة الامم هم من يعلقوا على الافكار وينتجوا افكارا جديدة ويطوروا القديمة ، وايضا الفئة رباعية الابعاد التي تشكل قمة النخبة والتي تعتبر الغربال والمصفاة وفريق الحكماء والخبراء الذين يصنعوا الافكار الجديدة واسس الثقافاة الجديدة 

ملامح حول الاقتصاد العالمي / التجارة

اخطاء شائعة عند كبار مثقفي العرب (1)

امريكا ليست اكبر نصدر للسلع

ولا تسيطر على اسواق العالم الثالث

ولا شركاتها تهيمن على اقتصادات العالم العربي

مقدمة :

يجب وبالضرورة ان يمتلك المفكرون والسياسيون والمثقفون الحقائق الاقتصاية بدقة متناهية حتى لا يكون تناولها في اطروحاتهم السياسية كمن يتعامل مع قصيدة شعر يكون الانطباع والحدس هو اساس التحليل كما تبين لي من خلال متابعة ما يكتبه المثقفون العرب وخصوصا اليساريين منهم ..

فتحدهم بقولون ان الولايات المتحدة وتارة باستخدام لفظ الامبريالية تهيمن على اسواف العالم الثالث .. وفي هذه العبارة خطأ فادح جدا ويدل على عدم ادراك حقيقة الاوضاع الاقتصادية في العالم ..

ثم هناك خطأ اكثر فداحة عندما يصورون ان امريكا اكبر مصدر للسلع الاستهلاكية في العالم .

وخطأ ثالث بقولهم ان الشركات الامريكية اسيطر على اسواق العالم الثالث

وغيرها من الاخطاء الاقل اهمية وكلها تدخل في باب التحريض على “العدو” المتوحش الولايات المتحدة .. ولا اعراض مطلقا على اهمية مواجهة العدوانية الامريكية لتطلعات شعوبنا ولكن يفترض ان يتم ذلك على اسس صحيحة وبيانات وارقام صحيحة ..

ففي الاقتصاد لا يسمح بالانطباعية ولا بالتاملية ولا بالاعتقاد ..

وسوف اعرض بتكثيف يتناسب وتفادي الملل والرغبة بعدم توفر المزاج عند الاغلبية الساحقة للقراءة الطويلة مجموعة من الحقائق عن الاقتصاد العالمي .

واول هذه الحقائق :

قائمة بالاقتصادات الكبرى في العالم

يحدد معيار القوة الاقتصادية في العالم على اساس معيارين اساسيين هما الناتج القومي الاجمالي والمعيار الاخر الناتج المحلي الاجمالي

والفرق بين المعيارين ان مفهوم الناتج القومي الإجمالي (GDP)، يحسب قيمة السلع والخدمات المنتجة من الموارد الموجودة محلياً، بينما الناتج المحلي الإجمالي يحسب قيمة السلع والخدمات المنتجة من الموارد المملوكة محلياً. يعني الفرق ان الموارد في الاول موجود وفي الثاني مملوكة .

ووفقا لبيانات صندوق النقد الدولي لعام 2011 لاجمالي الناتج المحلي فقد جاء ترتيب اكبر 15 اقتصادا في العالم على النحو التالي :

1 الولايات المتحدة الولايات المتحدة 15,094,025

2 الصين الصين 11,299,967

3 الهند الهند 4,457,784

4 اليابان اليابان 4,440,376

5 ألمانيا ألمانيا 3,099,080

6 روسيا روسيا 2,383,402

7 البرازيل البرازيل 2,294,243

8 المملكة المتحدة 2,260,803

9 فرنسا فرنسا 2,217,900

10 إيطاليا إيطاليا 1,846,950

11 المكسيك 1,661,640

12 كوريا الجنوبية 1,554,149

13 إسبانيا 1,413,468

14 كندا 1,396,131

15 إندونيسيا 1,124,649

ا هي انواع السلع

ان الخلط وعدم التمييز بين انواع السلع يوقع الكاتب او المحلل باخطاء فادحة حيث ان استيراد دولة ما لسلع راسمالية فان هذا يبشر بتحسن قوى وقدرة الانتاج المحلية وهذا يختلف جذريا عن استيراد السلع الاستلاكية

وفيما يلي تعريف موجز لانواع السلع حتى ندخل بعدها في تصنيف الدول وتنافسها في اسواق العالم واين هي ميادينها الرئيسية ..

اولاً: السلع الاستهلاكية :

تعرف السلع الاستهلاكية بأنها تلك السلع التي يشتريها المستهلك النهائي بنفسه أو بواسطة غيره لكي يستخدمها في إشباع حاجاته أو حاجات اسرته.

وتنقسم هذه السلع الى انواع :

١- السلع الميسرة:

هي السلع التي لا يمكن الاستغناء عنها في المعيشة اليومية وغالبا ما تكون متاحة على مدار ساعات اليوم وفي أي وقت ومكان ويمكن الحصول عليها بسهولة ويسر مثل الخبز والمرطبات.

٢- سلع التسوق:

تخضع لمنطق العقل عند الشراء ورجراء عمليات المفاضلة والمقارنة بين الأنواع المتشابهة بها والبديلة وعند اتخاذ قرار الشراء يكون المستهلك قد انتقى السلعة التي تلبي حاجاته ورغباته، لذا تسمى السلع الانتقائية

٣- السلع الخاصة:

بعض المستهلكين تكون لهم رغبة عالية في التميز والخصوصية فيما يحصلون عليه من أشياء وتعرف السلع الخاصة بأنها ذات خصائص متميزة تنفرد بها عن غيرها لتشبع رغبات خاصة لدى بعض المستهلكين ولذلك يبذل المستهلكون جهدا كبيرا في الحصول عليها بغض النظر عن اسعارها، ويغلب عليها طابع الفخامة والرقي والإبهار واتباع سياسية إعلانية متميزة تعمل على مخاطبة تلك الشريحة من المستهلكين والوصول إلى تجمعاتهم مع ضرورة تميز العلامة التجارية لتلك السلع.

===========================

ثانيا: سلع الإنتاج الصناعي:

هي السلع التي يتم شراؤها لأغراض إنتاجية أو خدمية ومن يقومون بعملية الشراء مشترون صناعيون أو هيئات ومؤسسات إنتاجية.

انواع السلع الصناعية:-

١- السلع الرأسمالية:

وهي التي تستخدم في عمليّة إنتاجية بهدف إنتاج سلع أخرى جديدة كالآلات والمعدات والشاحنات والجرّارات وغيرها بمعنى آخر هي السلع التي تدخل في تأسيس المصنع وتمتاز هذه السلع بإرتفاع قيمتها. .

٢- السلع التامة الصنع:

عبارة عن منتجات جاهزة الصنع تستخدم في عملية الإنتاج النهائي وتمتاز هذه النوعية بتكرار عملية الشراء بشكل منتظم طالما استمرت عملية الإنتاج وتسويق السلع النهائية. بمعنى آخر هي سلع مكملة لسلع رئيسية اخرى مثل إطارات السيارات.

٣- السلع الاولية:

تلك المواد التي تستخدم في عمليات الإنتاج ولا يمكن الحصول على المنتج النهائي دون استخدامها ويشترط التعاقد على شرائها ضمانا لتوفيرها في اوقات محددة وبأسعار متفق عليها وتخضع لشروط في عمليات التخزين. بمعنى آخر هي المواد الخام التي تصنع منها السلع.

٤- الخدمات:

هي التي تعمل على تلبية حاجات المستهلك الصناعي كالتأمين، البنوك، النقل، التخزين،… وغيرها.

ان هذا التعريف مهم جدا حتى لا تختلط الامور عندما ناتي الى موضوع صادرات الدول وترتيبها .

الصين الاولى في العالم تليها المانيا ثم الولايات المتحدة

وفقا لبيانات ادارات التجارة الخارجية الصينية فان الصين تخطت الولايات المتحدة كأكبر دولة تجارية في العالم، وهو اللقب التي تحتفظ به الولايات المتحدة منذ عقود.

ووفقا لأحدث البيانات، فإن إجمالي النشاط التجاري الصيني زاد بنسبة سنوية بلغت 7.6 في المئة ليصل إلى 4.16 تريليون دولار العام الماضي.

ولم تصدر الولايات المتحدة بيانات حول نشاط السنة بالكامل، لكن إجمالي نشاطها التجاري خلال الأشهر ال11 الأولى من عام 2013 بلغ 3.5 تريليون دولار.

اما على صع تجارة السلع الاستهلاكية فان الصين أصبحت أكبر مصدر للسلع في العالم منذ عام 2009، .

لكن المفاجأة ان المانيا ايضا تجاوزت الملايات المتحدة حيث أعلنت رابطة الغرف الألمانية للصناعة والتجارة أن ألمانيا قد تتجاوز الولايات المتحدة لتصبح ثاني أكبر دولة مصدرة في العالم هذا العام 2014 .

هذه الارقام الحديثة يبدو ان احدا من السياسيين في بلادنا لا يطلع عليها فما زالت الغالبية العظمى وفق ما يرد في مقالاتهم ودراستهم يعتقدوا ان بريطانيا وفرنسا وقبلهما اليابان وامريكا يسيطرون على تجارة السلع في العالم في العالم .

والاخطر من ذلك هو الغياب التام لما هو اهم من تجارة السلع وهو تجارة الخدمات لا احد يعيرها اهتماما .. سوف نعرض لها لاحقا

تجارة الخدمات

من الاستخدامات المضللة جدا تصوير التجارة الدولية بانها تجارة سلع استهلاكية تسلب الاموال من جيوب الفقراء من دول العالم الثالث تقوم بها الدول الامبريالية بزعامة الولايات المتحدة ..

وقد بينا في المنشور السابق ان الصين ثم المانيا تحتلان المركز الاول والثاني

ولا يبدي المثقف العربي ادنى اهتمام بتجارة الخدمات علما بانها الاهم والاكبر حجما في الاقتصادات المتطورة

فقد أظهر التقرير، الذي أصدره مكتب الإحصاء ومكتب التحليل الاقتصادي بوزارة التجارة، معدلا قياسيًا للصادرات في شهر كانون الثاني/يناير اذ بلغت قيمة صادرات السلع والخدمات الأميركية 180.8 بليون دولار.

منها لصادرات الخدمات (52.2 بليون دولار) والسلع الرسمالية (43.2 بليون دولار) والسيارات (12.7 بليون دولار) وللسلع الاستهلاكية كالحبوب . (11.4 مليون دولار) والباقي لسلع اخرى متنوعة عالية التقنية .

ويمثل قطاع الخدمات في الولايات المتحدة والمانيا واليابان حوالي 70% من اجمالي الناتج القومي ..

ويشمل قطاع الخدمات العمل المصرفي والسياحة والجامعات والاتصالات والنقل والتامين وفروع اخرى ..

ولا اعلم لماذا المثقفين العرب لا يرون بالتجارة الا السلعية منها مع ان هناك تحول هائل من قبل الدول المتطورة عن هذا النوع من الانتاج والتخلي عنه لدول العالم الثالث ..

من يرغب بالاطلاع على الارقام الدقيقة لتجارة الخدمات الدولية على مستوى العالم فهذا تقرير الامم المتحدة

http://unstats.un.org/unsd/tradeserv/msitsintro.htm

—————————————— 

اقرأو الارقام جيدا

عجز في الميزان التجاري الامريكي

هل تدركوا معنى ذلك ؟؟

أظهر التقرير، الذي أصدره مكتب الإحصاء ومكتب التحليل الاقتصادي بوزارة التجارة، ارتفاع واردات الولايات المتحدة من السلع والخدمات في كانون الثاني/يناير، إذ ارتفع معدلها بنسبة 2.1 في المئة في الفترة من كانون الأول/من العام الماضي لتصل إلى 233.4 بليون دولار. وهذه القفزة تعكس الزيادة في واردات السيارات، والمواد الصناعية ولوازم التصنيع، والمواد الغذائية، والأعلاف، والمشروبات، والسلع الاستهلاكية.

 وكانت الزيادة في الواردات أكبر منها في الصادرات، مما أدى إلى عجز في الميزان التجاري بلغ 52.6 بليون دولار، بعدما كان 50.4 بليون دولار في كانون الأول/ديسمبر.

 وتوضح الأرقام وجود فوائض تجارية مع هونغ كونغ وأستراليا وسنغافورة ومصر.

 ولكن الميزان التجاري للولايات المتحدة سجل عجزًا مع الصين ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وكندا، والمكسيك، وألمانيا، وأيرلاندا، وفنزويلا، وكوريا الجنوبية، وتايوان، ونيجيريا.

  هذا يعني ان السوق الامريكي هو المستهدف وهو الهدف وليس العكس كما يروج السادة المثقفين العرب

 =============================

اسباب قوة الاقتصاد الامريكي

مؤشرات حول الاقتصاد الأمريكي :

1/ الزراعية :

أول قوة زراعية في العالم

القمح 40% – الذرة 40 % – الصويا 41.3%

 الصناعة

2 / اول قوة صناعية في العالم

 3 / ثالث قوة تجارية – 11 % من الصادرات العالمية و 18 % من الواردات العالمية

 4/ المالية : 25 % من حجم الاستثمارات العالمية

 5/ المواصلات : 36 % من حجم الملاحة الجوية في العالم

 6/ البحث العلمي : 48 % من حجم الاستثمارات العالمية في البحث العلمي

 النتيجة : الاقتصاد الأمريكي هو المحرك والمتحكم والموجه الرئيسي للاقتصاد العالمي

 ثانيا

مقومات الاقتصاد الصناعي

مفهوم الإقليم الصناعي: مساحة جغرافية تمتاز بقوة نشاطها الصناعي وتنوعه . و شروط قيام الإقليم الصناعي: المواد الأولية ، اليد العاملة ، قوة الاستهلاك ، المواصلات ، الظروف الطبيعية الملائمة

وتمتاز بخصائص طبيعية : موقع ممتاز ، ثروات طبيعية متنوعة ، ملائمة مناخه ، وقوة بشرية : تركز سكاني كبير ، قوة المواصلات ، قوة المراكز البحثية العلمية و التكنولوجية.

ثالثا : عوامل قوة الاقتصاد الأمريكي

الطبيعية : اتساع المساحة ، تنوع المناخ ، تنوع و ضخامة الموارد الطبيعية ، قوة الشبكة المائية ( البحيرات + الأنهار + الواجهتين البحريتين في الشرق والغرب )

البشرية : اليد العاملة المؤهلة ، قوة رؤوس الأموال ، التطور العلمي و التكنولوجي ، قوة الاستهلاك قوة شبكة المواصلات

التاريخية : استفادتها من الحربين العالميتين ، الاستقرار السياسي ، هيمنتها على المؤسسات الاقتصادية الدولية

5/ مظاهر قوة الاقتصاد الأمريكي:

الاقتصادية و المالية و العلمية :

- قيادتها للاقتصاد العالمي

- قوة استهلاكها للمواد الأولية

- مساهمتها الكبيرة في التجارة العالمية

- رواج إنتاجها في العالم

- هيمنتها على المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية

- امتلاكها لأكبر الشركات العالمية

- تفوق الدولار كعملة عالمية

- التطور التكنولوجي

 وهذا يوضح ان مقومات الاقتصاد الامريكي قائمة على عوامل ذاتية

طبعا هذا لا ينفي اسنغلال الشركات الامريكية لدول العالم .. لكن جتى يكون هناك دقة يجب ان نعرف اين هي اسواق صادرات امريكا الرئيسية

الاعلام السام

الاعلام السام

من ابرز سمات الاعلام المسموم انه يبيع الاوهام .. والاوهام المقصود بها هي الوعود التي لا يمكن البرهنة على امكانية تحقيقها في الواقع مباشرة .. وبعض هذه الوعود تتعلق بالدنيا وممكن مع التجارب الحذر منها .. لكن الاخطر والاكثر كارثية ذاك الاعلام الذي يستخدمه وعاظ الدين بترويج وعود ما انزل الله بها من سلطان .. وهي وعود وهمية تاثيرها نفسي ودوافع قبولها عاطفية ..

وهذا هو الاعلام الانشط والاكثر انتشارا في العالم العربي

يقابله اعلام السلطات ووعودها وتنظيرات الكتاب في دعم الوعود الوهمية

خدع الاعلام

وتوظيف الماكينة الاعلامية

فجأ قد تجدوا سيلا من الاخبار والتصريحات حول حدث معين .. يتقدم على ما عداها من الاحداث .. فتشد جمهور المتلقين وتستنفر عقولهم وعواطفهم ومخاوفهم ويتسابق محللين سذج او خبراء في التضليل في تفسير المغزى الذي تحنله هذه المعلومات ويبدا التنبوء ويشتغل قراء وقارئات الفنجان في الكشف عن المستقبل ..

وهذا الاسلوب يسمى في الاعلام الحديث “اسلوب التشويش ” اي التعمية او التضليل بهدف اخفاء احداث اخرى او ترتيبات اخرى يجري العمل لتنفيذها

وكان قيديما وقبل اكتشاف القدرة الجبارة لوسائل الاتصال الحديثة تقوم الخدع في الحرب على شن معركة جانبية لشد انظار جيش العدو عن المعركة الرئيسية المقرر خوضها ومورست في الحرب العالمية الثانية انواعا من الخدع التقليدية لعب الاعلام على محدودية دوره انذا ادوارا مؤثرة .

واليوم في الحرب الدموية الدائرة في سوريا تمارس هذه الخدع وكان احدها ما اشارت له الصديقة الدكتورة حلود العبد الله بالامس تصريح لاحد اقطاب المعارضة “المأجورة” اي المدفوعة الاجر مقابل مهمات الدكتور برهان غليون

وقد اطلعت على مقابلته كاملة واهم ما فيها انه يبشر بغزوة لدمشق من الجنوب ..

وقد يفاجأ البعض ممن لا يتابعوا الاعلام عن كثب ان الحديث عن هذه الغزوة احتل موقعا بارزا في العديد من اجهزة الاعلام عربية وعالمية .. حتى وكان الطوفان قد بدأت حركته منطلقا من منطقة حوران الجنوبية لياخذ في طريقه دمشق واريافها وضواحيها وجيشها ونظامها وكل ما فيها ..

ان احد الادوار المركزية لاجهزة الاسنخبارات هي اطلاق مدافع الاعلام اما في اتجاه تشوية وتزييف واقع او خلق وقائع وهمية او لفت الانظار عن وقائع يتم التحضير لها

والوسيلة الرئيسية لكل ذلك هو الاعلام

واعتقد ان “غزوة دمشق” مجرد خدعة للتغطية اما على فشل قد حصل وفعلا حصل في جنيف او عملا يتم التحضير له .. ولا اظن ان الحكومة السورية واجهزتها تقاتل وفق اسلوب الغزوات البدوية حتى تنخدع بهذه الخدعة المكشوفة

تعريف مصطلحات سياسية

السياسة

هي الإجراءات و الطرق المؤدية لاتخاذ قرارات من أجل المجموعات و المجتمعات البشرية ومع أن هذه الكلمة ترتبط بسياسات الدول و أمور الحكومات فإن كلمة سياسة قد تستخدم أيضا للدلالة على تسيير أمور أي جماعة و قيادتها و معرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة و التفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد بما فيها التجمعات الدينية و الأكاديميات و المنظمات . وتعرف السياسة بكيفية توزع القوة والنفوذ بمجتمع ما أو نظام معين . تعريفات للسياسة يبحث العلم فيها: 

القوة هي قدرة طرف ما على فرض إرادته على طرف آخر، فالسياسة حتماً تتكون من أطراف متفاوتة القدرة وبالتالي هناك الأقوى وهناك الأضعف.

مثال

قامت القوة التي تملك السلطة في البلاد بتوزيع القوى الإعلامية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والدينية لصالح نهضة البلاد ورفاهيتها.  إن الاستخدام الحكيم لهذه الأوراق للوصول إلى تحقيق الأهداف لب العمل السياسي لذا قيل السياسة فن الحكم و فن إدارة الصراع. لا يستطيع طرف غالباً فرض كل ما يريد لذا تتم عملية مساومة مستمرة للحصول على أعلى المكاسب وتقديم أقل التنازلات، ومن خلال استخدام أوراق القوة تتم العملية السياسية  أن السياسة شان يخص المجتمع ويؤثر فيه، فالتعليم والإعلام والاجتماع والقانون والحرب والسلام والاقتصاد أمور تخص الناس جميعاً وتتأثر مباشرة بقرارات الحكومة وممارستها وكل من يهتم بمناقشة هذه الجوانب ويتعامل معها فهو شاء أم لايتعامل مع السياسة.  مفهوم كلمة السياسة لغوياً “سياسة” مشتقة من سَاسَ ويَسُوسُ. أي ينصرف إلى معالجة الأمور.

 العلوم السياسية

هي دراسة السلوك السياسي و تفحص نواحي و تطبيقات هذه السياسة و استخدام النفوذ , أي القدرة على فرض رغبات شخص على الآخرين .وهي إحدى تخصصات العلوم الاجتماعية التي تدرس نظرية السياسة وتطبيقاتها ووصف وتحليل الأنظمة السياسية وسلوكها السياسي. هذه الدراسات غالبا ذات طابع أكاديمي، نظري وبحثي. تحوي العلوم السياسية: النظرية السياسية، والفلسفة السياسية، والمدنيات civics وعلم السياسة المقارن (comparative politics)، والأنظمة القومية وتحليل سياسات بين الأمم (cross-national political analysis) والتطور السياسي والقانون الدولي والسياسة

 أهمية علم السياسة

(1) فهم الترابط بين أجزاء العملية السياسية وبالتالي تفسير ما يدور بالساحة السياسية كمقدمة ضرورية لاتخاذ القرار بشأن التحرك السياسي الملائم.

(2) فتح آفاق العقل للتعامل مع الأحداث بطرق حكيمة بنظرة واقعية.

(3) القدرة على تحقيق الأهداف بأفضل النتائج بأقل التكاليف.

 نشأة وتطور علم السياسة

(1) السياسة بالمعنى اللغوي متداولة بحياتنا اليومية في جمبع المجالات: المنزل , العمل , المدرسة و المعاملات الحياتية اليومية و علاقة الأفراد و المؤسسات و الدول. إلخ.

(2) بدأ الاهتمام بالسياسة (كعلم) منذ السنين الأولى من القرن الحالي ولا سيما في الثلاثينات والأربعينات.

(3) ولكن بدأت أولى محاولات تطوير هذا العلم في الولايات المتحدة حيث اصطبغ بصبغة المجتمع الأمريكي.

(4) حفزت الطفرات التعليمية والتجارية والصناعية في المجتمع الأمريكية إلى التآزر مع علماء أوروبا نحو إيجاد الحلول لهذه الطفرة فنشطوا وأنشأوا الجامعات بدايةً من 1880م.

(5) في الفترة بين الحربين العالميتين برزت معطيات جديدة خرجت بعلم السياسة من دائرة الأمركة إلى التدويل بسبب الأحداث العالمية من ثورات وظهور النازية والفاشية.

(6) أدلى العلماء المهاجرين من الأوروبيين بدورهم البارز في تطوير العلم من مناهجه التقليدية وإحلال المناهج السلوكية الحديثة تعتمد على الملاحظة والاستنباط والاستقراء ووضع الفروض.

(7) تمخضت الحرب العالمية الثانية عن أحداث واستقلت الكثير من دول العالم الثالث، وتطورت وسائل الاتصال وتطور التكنولوجيا مما أفسح لتمدد علم السياسة بتعدد هذه الموضوعات.

 مصطلحات سياسية

الخلافة الإسلامية

هي نظام الحكم (المنظمة السياسية) التي أوجدها المسلمون بعد وفاة رسول العالمين محمد بن عبد الله لتولي قيادة المسلمين و إدارة شؤون الجماعة الإسلامية والدولة الإسلامية التي كانت قد بدأت مرحلة التوسع و نشر الدعوة .

وهي مشتقة من الفعل خَلَفَ أي اتبع في الحكم. ومصطلح الاستخلاف في التعاليم الإسلامية هي من الأسباب الرئيسية التي وضع الله بني البشرعلى الأرض من اجلها؛ ليعبدوه ويطبقوا أحكامه التي أرسلها إلى الأنبياء والرسل على مر الزمن.

الخلافة مفهوم دارج بين المسلمين أيضا للدلالة على حكم المسلمين للأرض لفترة زمنية طويلة، كانت بدايتها على عهد الخلفاء الراشدين.

 أرستقراطية Aristocracy

في اليونانية سُلطة خواص الناس، وسياسياً طبقة اجتماعية ذات منـزلة عليا تتميز بكونها موضع اعتبار المجتمع تتكون من الأعيان الذين وصلوا إلى مراتبهم ودورهم في المجتمع بالوراثة ،واستقرت هذه المراتب على أدوار الطبقات الاجتماعية الأخرى، وكانت طبقة الارستقراطية تتمثل بالأشراف الذين كانوا ضد الملكية في القرون الوسطى ،وعندما ثبتت سلطة الملوك بإقامة الدولة الحديثة تقلصت صلاحية هذه الطبقة السياسية واحتفظت بالامتيازات المنفعية، وتتعارض الارستقراطية مع الديمقراطية.

 أنثروبولوجيا Anthropology

تعني باليونانية علم الإنسان ، وتدرس الأنثروبولوجيا نشأة الإنسان وتطوره وتميزه عن المجموعات الحيوانية ،كما أنها تقسم الجماعات الإنسانية لسلالات وفق أسس بيولوجية، وتدرس ثقافته ونشاطه.

 أيديولوجية ideology

نتاج عملية تكوين نسق فكري عام يفسر الطبيعة والمجتمع والفرد، ويحدد موقف فكري معين يربط الأفكار بمختلف الميادين الفكرية والسياسية والأخلاقية والفلسفية.

 أوتوقراطيةautocratic

مصطلح يطلق على الحكومة التي يرأسها شخص أو جماعة، أو حزب لا يتقيد بدستور أو قانون، ويتمثل هذا الحكم في الاستبداد في إطلاق سلطات الفرد أو الحزب، وتوجد الأوتوقراطية في الأحزاب الفاشية أو الشبيهة بها، وتعني باللاتينية الحكم الإلهي، أي أن وصول الشخص للحكم تم بموافقة إلهية، والأوتوقراطي هو من يحكم حكمًا مطلقًا ويقرر السياسة دون أية مساهمة من الجماعة، تختلف الأوتوقراطية عن الديكتاتورية من حيث أن السلطة في الأوتوقراطية تخضع لولاء الرعية، بينما في الدكتاتورية فإن المحكومين يخضعون للسلطة بدافع الخوف وحده.

 براغماتية (ذرائعية) Pragmatism

مشتق من اللفظ اليوناني ” برا غما ” اي العمل، وهي مذهب فلسفي سياسي يعتبر نجاح العمل المعيار الوحيد للحقيقة؛ فالسياسي البراغماتي يدعّي دائماً بأنه يتصرف ويعمل من خلال النظر إلى النتائج العملية المثمرة التي قد يؤدي إليها قراره، و لا يتخذ قراره بوحي من فكرة مسبقة أو أيديولوجية سياسية محددة ، بل من خلال النتيجة المتوقعة لعمل . والبراغماتيون لا يعترفون بوجود أنظمة ديمقراطية مثالية إلا أنهم في الواقع ينادون بأيديولوجية مثالية مستترة قائمة على الحرية المطلقة ، ومعاداة النظريات الشمولية وأولها الماركسية.

 بروسترايكا Brostraika

إعادة البناء في الاتحاد السوفيتي التي تولاها ميخائيل جورباتشوف وتشمل جميع النواحي في الاتحاد السوفيتي ، وقد سخر الحزب الشيوعي الحاكم لتحقيقها ، وهي تفكير وسياسة جديدة للاتحاد السوفيتي ونظرته للعالم ، أدت تلك السياسة

لاتخاذ مواقف غير متشددة تجاه بعض القضايا الدولية ، كما أنها اتسمت بالليونة والتخلي عن السياسات المتشددة للحزب الشيوعي السوفيتي .

 بروليتاريا Breaulitaria

مصطلح سياسي يُطلق على طبقة العمال الأجراء الذين يشتغلون بالإنتاج الصناعي ومصدر دخلهم بيع ما يملكون من قوة العمل، وبهذا فهم يبيعون أنفسهم كأي سلعة تجارية.

وهذه الطبقة تعاني من الفقر نتيجة الاستغلال الرأسمالي لها، ولأنها هي التي تتأثر من غيرها بحالات الكساد والأزمات الدورية، وتتحمل هذه الطبقة جميع أعباء المجتمع دون التمتع بمميزات متكافئة لجهودها. وحسب المفهوم الماركسي فإن هذه الطبقة تجد نفسها مضطرة لتوحيد مواقفها ليصبح لها دور أكبر في المجتمع.

 بورجوازية bourgeoisie

تعبير فرنسي الأصل كان يُطلق في المدن الكبيرة في العصور الوسطى على طبقة التجار وأصحاب الأعمال الذين كانوا يشغلون مركزاً وسطاً بين طبقة النبلاء من جهة والعمال من جهة أخرى، ومع انهيار المجتمع الإقطاعي قامت البورجوازية باستلام زمام الأمور الاقتصادية والسياسية واستفادت من نشوء العصر الصناعي ؛ حتى أصبحت تملك الثروات الزراعية والصناعية والعقارية، فأدى إلى قيام الثورات الشعبية ضدها لاستلام السلطة عن طريق مصادرة الثروة الاقتصادية والسلطة السياسية.

وهي عند الاشتراكيين والشيوعيين تعني الطبقة الرأسمالية المستغلة في الحكومات الديمقراطية الغربية التي تملك وسائل الإنتاج.

 بيروقراطيةbureaucratic

نظام الحكم القائم في دولة ما يُشرف عليها ويوجهها ويديرها طبقة من كبار الموظفين الحريصين على استمرار وبقاء نظام الحكم لارتباطه بمصالحهم الشخصية ؛ حتى يصبحوا جزءً منه ويصبح النظام جزءً منهم، ويرافق البيروقراطية جملة من قواعد السلوك ونمط معين من التدابير تتصف في الغالب بالتقيد الحرفي بالقانون والتمسك الشكلي بظواهر التشريعات، فينتج عن ذلك ” الروتين ” وبهذا تعتبر نقيضاً للثورية، فتنتهي معها روح المبادرة والإبداع وتتلاشى فاعلية الاجتهاد المنتجة ، ويسير كل شيء في عجلة البيروقراطية وفق قوالب جاهزة، تفتقر للحيوية. والعدو الخطير للثورات هي البيروقراطية التي قد تكون نهاية معظم الثورات، كما أن المعنى الحرفي لكلمة بيروقراطية يعني حكم المكاتب.

 تعددية Multilateralism

مذهب ليبرالي يرى أن المجتمع يتكون من روابط سياسية وغير سياسية متعددة، لها مصالح مشروعة متفرقة، وأن هذا التعدد يمنع تمركز الحكم ، ويساعد على تحقيق المشاركة وتوزيع المنافع.

 تكنوقراطية technocratic

مصطلح سياسي نشأ باتساع الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي، يعني (حكم التكنولوجية) أو حكم العلماء والتقنيين، وقد تزايدت قوة التكنوقراطيين نظراً لازدياد أهمية العلم ودخوله جميع المجالات وخاصة الاقتصادية والعسكرية منها، كما أن لهم السلطة في قرار تخصيص صرف الموارد والتخطيط الاستراتيجي والاقتصادي في الدول التكنوقراطية، وقد بدأت حركة التكنوقراطيين عام 1932 في الولايات المتحدة الأمريكية ،حيث كانت تتكون من المهندسين والعلماء والتي نشأت نتيجة طبيعة التقدم التكنولوجي.

والمصطلح استحدث عام 1919 على يد وليام هنري سميث الذي طالب بتولي الاختصاصيين العلميين مهام الحكم في المجتمع الفاضل.

 ثيوقراطيةtheocracy

نظام يستند إلى أفكار دينية مسيحية ويهودية ، وتعني الحكم بموجب الحق الإلهي ! ، و ظهر هذا النظام في العصور الوسطى في أوروبا على هيئة الدول الدينية التي تميزت بالتعصب الديني وكبت الحريات السياسية والاجتماعية ، ونتج عن ذلك مجتمعات متخلفة مستبدة سميت بالعصور المظلمة.

 دكتاتورية dictatorship

كلمة يونانيه رافقت المجتمعات البشرية منذ تأسيسها، يدل معناها السياسي الان على سياسة تصبح جميع السلطات بيد شخص واحد يمارسها حسب إرادته،دون اشتراط موافقة الشعب على القرارات التي يتخذها.

 ديماغوجية demagoguery

كلمة يونانية مشتقة من كلمة (ديموس)، وتعني الشعب، و(غوجية) وتعني العمل، أما معناها السياسي فيعني مجموعة الأساليب التي يتبعها السياسيون لخداع الشعب وإغراءه ظاهرياً للوصول للسلطة وخدمة مصالحهم.

 ديمقراطية democracy

مصطلح يوناني من لفظين الأول (ديموس) ومعناه الشعب، والآخر (كراتوس) ومعناه سيادة، فمعنى المصطلح إذاً سيادة الشعب أوحكم الشعب.والديمقراطية نظام سياسي اجتماعي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين ويوفر لهم المشاركة الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة، وهي كنظام سياسي تقوم على حكم الشعب لنفسه مباشرة، أوبواسطة ممثلين منتخبين بحرية كاملة كما يُزعم، فأما تكون الديمقراطية اجتماعية أي أنها أسلوب حياة يقوم على المساواة وحرية الرأي والتفكير، او تكون اقتصادية تنظم الإنتاج وتصون حقوق العمال، وتحقق العدالة الاجتماعية.

 راديكالية (جذرية) radical

الراديكالية نسبة إلى كلمة راديكال الفرنسية وتعني الجذر، واصطلاحاً تعني نهج الأحزاب والحركات السياسية الذي يتوجه لإحداث إصلاح شامل وعميق في بنية المجتمع، والراديكالية تتقاطع مع الليبرالية الإصلاحية التي يكتفي نهجها بالعمل على تحقيق بعض الإصلاحات في واقع المجتمع، والراديكالية نزعة تقدمية تنظر لمشاكل المجتمع ومعضلاته ومعوقاته نظرة شاملة تتناول مختلف ميادينه السياسية والدستورية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، بقصد إحداث تغير جذري في بنيته، لنقله من واقع التخلف والجمود إلى واقع التقدم والتطور. والراديكالية تطلق الآن على الجماعات المتطرفة والمتشددة في مبادئها.

 رأسمالية Capital

هي نظام اجتماعي اقتصادي تُطلق فيه حرية الفرد في المجتمع السياسي، للبحث وراء مصالحه الاقتصادية والمالية بهدف تحقيق أكبر ربح شخصي ممكن، وبوسائل مختلفة تتعارض في الغالب مع مصلحة الغالبية الساحقة في المجتمع. وبمعنى آخر إن الفرد في ظل النظام الرأسمالي يتمتع بقدر وافر من الحرية في اختيار ما يراه مناسباً من الأعمال الاقتصادية الاستثمارية وبالطريقة التي يحددها من أجل تأمين رغباته وإرضاء جشعه، لذا ارتبط النظام الرأسمالي بالحرية الاقتصادية أو ما يعرف بالنظام الاقتصادي الحر،وأحياناً يخلي الميدان نهائياً لتنافس الأفراد وتكالبهم لجمع الثروات عن طريق سوء استعمال الحرية ألمباحه بالنظام الرأسمالي.

 رجعية Retroactivity

مصطلح سياسي اجتماعي يدل على التيارات المعارضة للمفاهيم التقدمية الحديثة وذلك عن طريق التمسك بالتقاليد الموروثة، ويرتبط هذا المفهوم بالاتجاه اليميني المتعصب المعارض للتطورات الاجتماعية السياسية والاقتصادية إما من مواقع طبقية أو لتمسك موهوم بالتقاليد، وهي حركة تسعى إلى التشبث بالماضي؛ لأنه يمثل مصالح قطاعات خاصة من الشعب على حساب الصالح العام. وقد استورد المنافقون هذا المصطلح من الغرب وحاولوا إلصاقه بأهل الإسلام الداعين إلى تحكيم الكتاب والسنة .

 شوفينية Diseased

مصطلح سياسي من أصل فرنسي يرمز إلى التعصب القومي المتطرف، وتطور معنى المصطلح للدلالة على التعصب القومي الأعمى والعداء للأجانب، كما استخدم المصطلح لوصم الأفكار الفاشية والنازية في أوروبا، ويُنسب المصطلح لجندي فرنسي اسمه نيقولا شوفان حارب تحت قيادة نابليون وكان يُضرب به المثل لتعصبه لوطنه.

 غيفارية Gavril

نظرية سياسية يسارية نشأت في كوبا وانتشرت منها إلى كافة دول أمريكا اللاتينية، مؤسسها هو ارنتسوتشي غيفارا أحد أبرز قادة الثورة الكوبية، وهي نظرية أشد تماسكاً من الشيوعية، وتؤيد العنف الثوري ، وتركز على دور الفرد في مسار التاريخ، وهي تعتبر الإمبريالية الأمريكية العدو الرئيس للشعوب، وترفض الغيفارية استلام السلطة سلمياً وتركز على الكفاح المسلح وتتبنى النظريات الاشتراكية.

 فاشية fascist

نظام فكري وأيديولوجي عنصري يقوم على تمجيد الفرد على حساب اضطهاد جماعي للشعوب، وتتمثل بسيطرة فئة دكتاتورية ضعيفة على مقدرات الأمة ككل، طريقها لذلك العنف وسفك الدماء والحقد على حركة الشعب وحريته، والطرازالأوروبي كنظام هتلر وفرانكو وموسيليني،وهناك عشرات التنظيمات الفاشية التي ما تزال موجودة حتى الآن،وحالياً تجد صداها عند عصابات متعددة في العالم الثالث،واسم الفاشية من لفظ فاشيو الإيطالي واي حزمة من القضبان استخدمت رمزاً رومانياً يعني الوحدة والقوة وتعني الجماعة التي انفصلت عن الحزب الاشتراكي الإيطالي بعد الحرب بزعامة موسيليني الذي يعتبرأول منادى بالفاشية كمذهب سياسي.

 فيدرالية Federal

نظام سياسي يقوم على بناء علاقات تعاون محل علاقات تبعية بين عدة دول يربطها اتحاد مركزي ؛ على أن يكون الاتحاد مبنيًا على أساس الاعتراف بوجود حكومة مركزية لكل الدولة الاتحادية، وحكومات ذاتية للولايات أو المقاطعات التي تنقسم إليها الدولة، ويكون توزيع السلطات مقسماً بين الحكومات الإقليمية والحكومة المركزية.

 كونفدراليةConfederation

يُطلق على الكونفدرالية اسم الاتحاد التعاهدي أو الاستقلالي ؛ حيث تُبرم اتفاقيات بين عدة دول تهدف لتنظيم بعض الأهداف المشتركة بينها ؛ كالدفاع وتنسيق الشؤون الاقتصادية والثقافية ، وإقامة هيئة مشتركة تتولى تنسيق هذه الأهداف و تحتفظ كل دولة من هذه الدول بشخصيتها القانونية وسيادتها الخارجية والداخلية ، ولكل منها رئيسها الخاص بها .

 ليبرالية (تحررية)liberal

مذهب رأسمالي اقترن ظهوره بالثورة الصناعية وظهور الطبقة البرجوازية الوسطى في المجتمعات الأوروبية، وتمثل الليبرالية صراع الطبقة الصناعية والتجارية التي ظهرت مع الثورة الصناعية ضد القوى التقليدية الإقطاعية التي كانت تجمع بين الملكية الاستبدادية والكنيسة.

وتعني الليبرالية إنشاء حكومة برلمانية يتم فيها حق التمثيل السياسي لجميع المواطنين ، وحرية الكلمة والعبادة ، وإلغاء الامتيازات الطبقية، وحرية التجارة الخارجية ، وعدم تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد إلا إذا كان هذا التدخل يؤمن الحد الأدنى من الحرية الاقتصادية لجميع المواطنين.

 مبدأ أيزنهاور Eisenhower principle

أعلنه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في 5 يناير عام 1957م ضمن رسالة وجهها للكونجرس في سياق خطابه السنوي الذي ركز فيه على أهمية سد الفراغ السياسي الذي نتج في المنطقة العربية بعد انسحاب بريطانيا منها، وطالب الكونجرس بتفويض الإدارة الأمريكية بتقديم مساعدات عسكرية للدول التي تحتاجها للدفاع عن أمنها ضد الأخطار الشيوعية، وهو بذلك يرمي إلى عدم المواجهة المباشرة مع السوفيت وخلق المبررات، بل إناطة مهمة مقاومة النفوذ والتسلل السوفيتي إلى المناطق الحيوية بالنسبة للأمن الغربي بالدول المعنية الصديقة للولايات المتحدة عن طريق تزويدها بأسباب القوة لمقاومة الشيوعية ، وكذلك دعم تلك الدول اقتصادياً حتى لا تؤدي الأوضاع الاقتصادية السيئة إلى تنامي الأفكار الشيوعية.

ولاقى هذا المبدأ معارضة في بعض الدول العربية بدعوى أنه سيؤدي إلى ضرب العالم العربي في النهاية، عن طريق تقسيم الدول العربية إلى فريقين متضاربين : أحدهما مؤيد للشيوعية والآخر خاضع للهيمنة الغربية.

 مبدأ ترومان Truman principle

أعلنه الرئيس الأمريكي هاري ترومان في مارس 1947 م للدفاع عن اليونان وتركيا وشرق البحر الأبيض المتوسط في وجه الأطماع السوفيتية، ودعم الحكومات المعارضة للأيديولوجيات السوفيتية الواقعة في هذه المنطقة، والهدف من هذا المبدأ هو خنق القوة السوفيتية ومنعها من التسرب إلى المناطق ذات الثقل الاستراتيجي والاقتصادي البارز بالنسبة للأمن الغربي.

 مبدأ كارتر the principle Carter

أعلنه الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، أكد فيه تصميم الولايات المتحدة على مقاومة أي خطر يهدد الخليج ؛ بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، وكانت جذور هذا المبدأ هي فكرة إنشاء قوات التدخل السريع للتدخل في المنطقة وحث حلفائها للمشاركة في هذه القوة، وقد أنشئت قيادة عسكرية مستقلة لهذه القوة عرفت (بالسنتكوم).

 مبدأ مونروThe principle of the Monroe

وضعه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823 م وحمل اسمه ؛ وينص على تطبيق سياسة شبه انعزالية في الولايات المتحدة الأمريكية في علاقاتها الخارجية، وظل هذا المبدأ سائداً في محدودية الدور الأمريكي في السياسة الدولية حتى الحرب العالمية الثانية في القرن الحالي حين خرجت أمريكا إلى العالم كقوة دنيوية عظمى.

 مبدأ نيكسونNixon principle

 أعلنه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في يوليو عام 1969 م ؛ وينص على أن الولايات المتحدة ستعمل على تشجيع بلدان العالم الثالث على تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن نفسها، وأن يقتصر دور أمريكا على تقديم المشورة وتزويد تلك الدول بالخبرة والمساعدة

 مبدأ ويلسون the principle of Wilson

وضعه الرئيس الأمريكي وودر ويلسون عام 1918 م ؛ ويتألف من 14 نقطة، ويركز على مبدأ الاهتمام بصورة أكبر بمستقبل السلم والأمن في الشرق الأوسط ، وكان هذا المبدأ ينص على علنية الاتفاقيات كأساس لمشروعيتها الدولية، وهو ما كان يحمل إدانة صريحة لاتفاقية سايكس بيكو التي سبقت إعلانه بسنتين، ولمبدأ الممارسات الدبلوماسية التآمرية التي مارستها تلك الدول.

كما دعا مبدأ ويلسون ضمن بنوده إلى منح القوميات التي كانت تخضع لسلطة الدولة العثمانية كل الضمانات التي تؤكد حقها في الأمن والتقدم والاستقلال، والطلب من حلفائه الأوروبيين التخلي عن سياساتهم الاستعمارية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها

ولما اصطدمت مبادئه بمعارضة حلفائه الأوروبيين في المؤتمر الذي عقد بعد الحرب العالمية الأولى في باريس، أمكن التوفيق بين الموقفين بالعثور على صيغة (الانتداب الدولي) المتمثل في إدارة المناطق بواسطة عصبة الأمم وبإشراف مباشر منها، على أن توكل المهمة لبريطانيا وفرنسا نيابة عن العصبة

 يسار – يمين left-rightist

اصطلاحان استخدما في البرلمان البريطاني، حيث كان يجلس المؤيدون للسلطة في اليمين والمعارضون في اليسار فأصبح يُطلق على المعارضين للسلطة لقب اليسار، وتطور الاصطلاحان نظراً لتطور الأوضاع السياسية في دول العالم ؛ حيث أصبح يُطلق اليمين على الداعين للمحافظة على الأوضاع القائمة، ومصطلح اليسار على المطالبين بعمل تغييرات جذرية، ومن ثم تطور مفهوم المصطلحان إلى أن شاع استخدام اليسار للدلالة على الاتجاهات الثورية واليمين للدلالة على الاتجاهات المحافظة والاتجاهات ذى صبغة دينية.

المجتمع القبلي والديمقراطية لا يلتقيان

المجتمع القبلي والديمقراطية لا يلتقيان

ممارسة الديمقراطية ليست سهلة، خاصة من قبل شعوب متخلفة لم تمارسها من قبل مثل شعوبنا العربية، حيث كانت ضحية الاستبداد طوال تاريخها. حيث تشكل قيم البداوة اهم ركن من اركان الشخصية والثقافة العامة .. فلو اخذنا على سبيل المثال الشعب العراقيى التي تنتمي ثقافته الى البداوة والقبيلية نجد ان شيخ العشيرة والضابط العسكري يمثل قمة الرجولة .. نجد حزب البعث وحتى يهيمن ويسيطر على السلطة ويفرض نظامه الاستبدادي تقمص شخصية (الضابط العسكري .. وقام بتطويع رجال القبائل والعشائر) فمنح صدام حسين نفسه أعلى رتبة عسكرية (مهيب ركن) يعادل رتبة مارشال، وهو لم يخدم يوماً واحدا في الجيش، وللإمعان في إذلال العسكر، منح مرافقه رتبة فريق ركن، يرافقه كظله، وفي الاجتماعات يقدم له الكرسي، ويقف خلفه كالتمثال أو الصنم. وأعاد العراق إلى مرحلة القبلية، ونصب على كل عشيرة أحد مرتزقته من تلك العشيرة، وحوَّل العراق إلى إتحاد مشيخات، ونصب من نفسه شيخ المشايخ، فأحيى قانون العشائر الذي ألغته ثورة 14 تموز قبل أكثر من خمسين سنة، حيث منح الشيوخ الحق في حل المنازعات بين أفراد عشائرهم، متجاوزاً بذلك السلطة القضائية والمحاكم المدنية. وكان صدام يدعو الشيوخ بين حين وآخر إلى بغداد ليقدموا أمامه رقصات ذليلة مع ترديد أهازيج يمجدون بها شخصه، ليشعرهم بإخصائهم وبأنه هو وحده الفحل في العراق!!.

مفاهيم شائعة خاطئة 
عدم ادراك المفهوم الشامل للديمقراطية
يبدو ان الغالبية الساحقة من المجتمع العربي دون استثناء بين النخبة والعامة يقتصر فهمها للديمقراطية على احد اشكال الديمقراطية وهي الديمقراطية السياسية المتعلقة بشكل المشاركة في الحكم
ويبدو ان الاغلبية الساحقة لا تعرف ان هناك “الديمقراطية الاقتصادية” و”الديمقراطية الاجتماعية” و “الديمقراطية الشعبية” ..

فالديمقراطية الاقتصادية نعتبر نوعا من إيديولوجيا اقتصادية-اجتماعية فيعتبرها البعض نظرية قائمة بذاتها ويطرحها البعض كجزء من برنامج إصلاحي متنوع. ويرى انصارها انها تمثل البوابة او المدخل للديمقراطية السياسية كاملةً والحقوق السياسية كاملة.

وهناك شبه اجماع على اعتبار الديمقراطية الاقتصادية فلسفة اقتصادية-اجتماعية تقوم على نقل سلطة صنع القرار من أيدي المساهمين إلى مجموعة أكبر من أصحاب المصلحة العامة كالعمال و الموزعين و أبناء الأحياء والجمهور عموما .

ويرى معظم أنصارها أن علاقات الملكية الخاصة الحديثة لا اخلاقية وليست ديمقراطية حيث تضخم التكاليف وتخضع المصلحة العامة و الرفاه العام لسيطرة “الربح الخاص” للملاك (الطبقة الرأسمالية) , و تمنع أي شكل من أشكال المشاركة الجماعية في النشاط الاقتصادي. وبالإضافة إلى هذه القضايا الأخلاقية,يدعي أنصار الديمقراطية الاقتصادية تقديم حلول عملية لمشكلة فجوة الطلب الفعال, الملازمة للرأسمالية

===========================

وجهات نظر شائعة حول الديمقراطية 

الاعتقاد شيء وما يثبته الواقع شيء اخر . 

يرى بعض الباحثين في شؤون الديمقراطية وتطور ودواعي وأسباب وشروط الانتقال إلى النظام الديمقراطي، انه ليس شرطا ان يكون النمو الاقتصادي وانتشار الثقافة الديمقراطية شروطا ضرورية لحدوث انتقال إلى الديمقراطية .
ويرى البعض ان ان الشــروط الاقتصـادية والاجتماعية ليست كافية في حد ذاتها للانتقال الى النظام الديمقراطي بل يعتقد البعض انها غير لازمة بتاتا.
ويعتقد البعض ان الانتقال الى النظام الديمقراطي قد يكون بسبب تردي أداء النظام السياسي في مجال الأمن والتنمية – على سبيل المثال – ومن ثم الوصول إلى مأزق سياسي (Stalemate) وطريق مسدود يحول دون قدرة النظام السياسي على الحكم بأساليبه السابقة، وعدم قدرة أي من فصائل المعارضة على الاستحواذ على الحكم منه، ويرو بذلك سببا للانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي باعتباره الاختيار الثاني المتاح لجميع القوى الفاعلة.
فيما يعتقد البعض أن وجود حاكم مستنير أو وجود قيادات واعية ومسؤولة تتوافق على الانتقال إلى الديمقراطية.
ويعتقد البعض الاخر ان شروط الممارسة الديمقراطية، من بنى مجتمعية ناضجة وثقافة ديمقراطية ووجود مجتمع مدني ورأي عام مستنير، يمكن أن تنمو من خلال عملية التحول الديمقراطي نفسها بعد إعلان القطيعة مع قبول حكم الفرد والقلة وإنكار هيمنتهم على مقدرات الدولة والمجتمع، وليس من الضروري أن تكون تلك الشروط مكتملة قبل الانتقال إلى الديمقراطية.
كلها اعتقادات ورؤى واراء .. لكن الواقع العملي لوجود الديمقراطية وازدهارها وتطورها انما كان بسبب النمو والتطور الاقتصادي بالانتقال من عصر الاقطاع الزراعي الذي يقدس الفرد (القائد المستبد العادل) من وجهة نظر المجتمع الذي تقوم العلاقات بين افراده على صلة الدم والاصل والمذهب والدين

==============================

اسرائيل لن تقبل طوعا قيام دولة فلسطينية في اي مكان في العالم

اسرائيل لن تقبل طوعا قيام دولة فلسطينية في اي مكان في العالم

ربما الذاكرة لا تساعد الكثير منا على تذكر اشياء مهمة .. وفي ضوء الجدل السياسي الصاخب حول التسوية وخطة اطار السيد كيري ارى من الضروري جدا ان تتذكروا خطة ابا ايبان للتسوية التي طرحها عام 1968 .. حيث انه لم يتغير فيها بند واحد من بنودها وما زالت اسرائيل تتبناها بالكامل واهم بند فيها الا تقوم دولة للفلسطينيين في اي مكان في العالم حتى لو كانت في حوض المسيسيبي .. وان يتم دمج اللاجئين في المجتمعات التي يعيشون فيها .

لادراك الكيان الصهيوني ان اقامة دولة للفلسطينيين ولو على مساحة 10 كيلومترات مربعة ستوفر لها قاعدة للنمو والنماء وبعد 10 او 20 او 50 سنة ستمتلك هذه الدولة القوة التي ستنهي وجود دولة اسرائيل

وهذا ما قاله ابا ايبان في حينها ولا زال هذا الهاجس هو الرئيسي الذي يسيطر على القيادات الصهيونية

وفي ما يلي تفصيل مشروع ابا ايبان بالتفصيل ..

في تشرين الأول 1968 ألقى ابا إيبان وزير خارجية إسرائيل خطابا أمام الجمعية العامة للمم المتحدة حدد فيه المبادئ والأسس التي تريد الحكومة الإسرائيلية تحقيق السلام من خلالها وهي:

 

1. يجب أن يكون السلام الذي يلي وقف إطلاق النار، عادلا ودائما، ومتفاوضا عليه، ومعبرا عنه بشكل تعاوني، وفقا للأصوال المرعية في هذه الميادين.

2. بما أن السلام هذا، يترتب عليه نتائج عملية وحقوقية وسياسية بعيدة المدى تقترح إسرائيل أن تأخذ التسوية شكل معاهدة تحدد بدقة شروط تعايش إسرائيل مع جيرانها وتحدد خريطة متفق عليها للحدود الآمنة والمعترف بها.

3. يتم الاستعاضة عن خطوط وقف إطلاق النار، بحدود دائمة، آمنة، ومعترف بها، بين إسرائيل وكل دولة عربية من جيرانها، وتوزع القوات العسكرية على الحدود، كما يتم الاتفاق عليها في نصوص السلام النهائية.

4. يجب إجراء محادثات لوضع ترتيبات أمنية، تجنب الوضع الذي سبب انهيار السلام في حزيران 1967.

5. يجب أن لا يكون هناك تحفظات حول الترتيبات المتعلقة بضمان حرية الملاحة التي ينبغي أن تكون بدورها دقيقة وملموسة وقائمة على المساواة في الحقوق والواجبات بين إسرائيل والدول البحرية الأخرى.

6. عندما يتم التوصل إلى اتفاق حول إقامة السلام مع حدود دائمة يجب المحافظة على حرية التحرك المتوفرة الآن وخاصة في القطاعات الإسرائيلية – الأردنية.

7. تنبغي الدعوة لعقد مؤتمر تحضره الدول الشرق أوسطية والدول المساهمة في إعانة اللاجئين والأجهزة المختصة في هيئة الأمم من أجل رسم خطة خمسية هدفها حل مشكلة اللاجئين ضمن إطار السلام الدائم وعن طريق دمجهم في الدورة الإنتاجية للمجتمعات الموجودة فيها.

8. لا تعمل إسرائيل على ممارسة أي تشريع بالنسبة للأماكن المقدسة التابعة للمسيحية والإسلام أن رغبة إسرائيل هي التوصل إلى وضع محدد يعطي هذه الأماكن طابعها العالمي عن طريق التوصل إلى الاتفاق المناسبة مع الأطراف المعنية تقليديا. وتتخلص سياسة إسرائيل حول هذا الموضوع بالقول أن الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية يجب أن تقع ضمن إطار مسئولية الذين يقدسون هذه الأماكن.

9.تثبيت مبدأ حق الحياة القومية وسيادتها وسلامتها وهو المبدأ المتضمن في ميثاق الأمم المتحدة والذي تم التعبير عنه في قرار مجلس الأمن رقم 242. ولا يمكن تطبيق هذا المبدأ من خلال التزامات تعاقدية (محددة) تدخل فيها حكومة إسرائيل والحكومات العربية.

10. ويستتبع هذا، أنه على الحكومات العربية، أن تسحب تحفظاتها الماضية بالنسبة لوجود إسرائيل وبالنسبة للالتزام بالمعاهدات الدولية المتعلقة بإسرائيل.

11. يجب أن تشمل محادثات السلام توجيه الاهتمامات المشتركة إلى موارد المنطقة ووسائل الاتصال فيها في محاولى لإرساء دعائم مجموعة شرق أوسطية مؤلفة من دول مستقلة وذات سيادة .

12. لا يمكن تصفية النزاع والانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم إلا على طاولة المفاوضات

الرؤية السياسية العربية بين الواقع والاوهام

الرؤية السياسية العربية بين الواقع والاوهام

كثير من مفكري العرب وساستهم يقزمون الاهداف الامريكية في المنطقة ويركزوا على ما ليس هو اساس وليس له اهمية استراتيجية من الناحية الاقتصادية او السياسية في المنطقة باستثناء النفط والذي تقول الابحاث انها لن تكون بحاجة الى نفط الخليج في نطلع العقد المقبل ..

ولم اقرأ نهائيا تقريبا اي دراسة او بحث عربي يتحدث عن ان الولايات المتحدة تعتبر العالم كله باركانه الاربع هو مجال امنها القومي ..

وانها تقاتل على مختلف الجبهات حتى لا تترك فراغا قد يستغله اي كان من دول العالم .. وانها تسعى بكل قوة لملء اي فراغات تتركها الدول الاخرى ..

وهذه الاستراتيجية الكونية هي الدافع الرئيسي لحربي افغانستان والعراق لملء الفراغ الناتج عن انهيار الاتحاد السوفياتي .

النفط عامل استراتيجي ليس لان الولايات المتحدة لا تستطيع الاستغناء عنه بل لانه شريان الحياة لحلفائها الذين تحرص على بقائهم على درجة من القوة لمساعدتها ومشاركتها في مواجهة القوى الكبرى التي تنازعها فكرة الهيمنة الكونية وعلى وجه الخصوص روسيا والصين ..

فالاهتمام بمنطقتنا العربية نابع من موقعها الاستراتيجي في وسط الكرة الارضية وليس لان ارضها تحتوي على موارد وكنوز اقتصادية لتقوم بنهبها او السيطرة عليها ..

وما الدعم الهائل الذي تقدمه للعدو الصهيوني الا لانه يمثل صديقا موثوقا ولا يشكل اي نوع من التهديد اطلاقا لمصالحها بل انه يخدم هذه المصالح بابقاء حالة القلق في المنطقة العربية مما لا يمكن دول المنطقة من تحقيق طموحاتها القومية التي تشكل فزاعة مرعبة لها ولكل حلفائها ..

ولهذا فهي تتحالف وتدعم جماعات الاخوان المسلمين الذين تقوم دعوتهم على فكرة نرجسية لا اساس لها في الواقع ولا يمكن ان تتحقق فكرة الدولة الاسلامية الواحدة بل ان هذه الجماعة تشكل رأس الرمح في مواجهة المشاعر القومية والتوجه القومي ..

وتعمل بنفس الوقت على دعم جميع الجهود الرامية الى ابقاء حالة التمزق الداخلي الى ملل ونحل ومذاهب وقبائل وعائلات وعشائر

اظن انه ان الاوان ليدرك نشطاء العمل السياسي من جميع التلاوين الليبرالية والعلمانية هذه الحقيقة وبالتالي يضعوا برامجهم على ضوئها ..

لان الاستمرار في الحلقة المفرغة القائمة على افكار وهمية وغير واقعية سيكون مساهمة غير مباشرة في تحقيق الولايات المتحدة وشركائها الموضوعيين او المباشرين اهدافهم الرامية على بقاء الاوضاع على ما هي عليه الى اطول فترة ممكنة ..

د.ندا الغاد

مقاربة بين حكايتي المسيح والحلاج

مقاربة مورفولوجية لحكايتي المسيح والحلاج 

نحاول في هذه المقالة دراسة حكايتين اشتهرتا عبر التاريخ. إنهما نصان ولدا في عالم لم تكن فيه الكتابة ميزة متوفرة لدى الجميع، أين كان الفكر لا يزال قيد الإيمان العميق بالأسطورة والخرافة، مسَلِّماً بشكلٍ مطلق بقدسية ما هو خارق وعجيب. كانت النفس البشرية آنذاك توّاقة إلى خلاصها من جميع الأنساق القاهرة التي أخضعتها لمجموعة من الإلزامات الثقيلة. مثَّلَ البحث عن بطل مخلص كما في الروايات الحديثة، أو عن الإنسان الخارق بالمفهوم النيتشوي أمل الإنسان في استعادة كينونته المفقودة التي من أجلها يحيَا ليشع ضياء جوهرها الخالص. في هذين النصين يتدفق صدق الإنسان وشعوره النبيل وإحساسه السّامي بعُلّوه وارتقائه(1).

إننا في هذه الدراسة أمام بنيتين متشابهتين ومتماثلتين لسيرتي المسيح والحلاج، لا نجد أنفسَنَا إلاَّ مضطرِّين لإلقاء الضَّوء عليهما والبحث في آليات الوظائف التي تشتغل ضمن طرق الحكاية. وصلت سيرة المسيح إلينا عن طريق الإنجيل «العهد الجديد»، أمَّا فيما يخصُّ سيرة الحلاج فقد وصلت إلينا أيضا بفضل كتب المؤرخين الذين تناولوا أخبار الحلاج بالاهتمام والتدوين والتنقيب. لكن هاته الحكايات التي رُويت لتُثبِتَ سيرة كل واحدٍ منهما لم ترد بصياغة واحدة، وإنما كان لكل حكاية نمطها الخاص، أسلوبها المختلف وأحداثها التي ضُبِطَت على خلاف. ولهذا السبب ولأسباب أخرى سيأتي ذكرها بالترتيب سنجد أنفسنا أمام عائق كبير أثناء التحليل، وربما سيترك في هذا البحث أثراً يجعله يفقد تركيزه وتوازنه.

فنحن أمام نصوص لا أمام نص واحد، فقصة صلب المسيح روتها الأناجيل الأربعة باختلافاتها البنيوية ( أي إنجيل متّى، مرقس، لوقا ويوحنّا)، كما أن قصة صلب الحلاج جاءتنا مختلفة باختلاف رواتها. فقد أورد نص صلبه ابن الأثير في الكامل، وابن الجوزي في المنتظم، وابن كثير في البداية والنهاية، ومسكويه في تجارب الأمم، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والقاضي التنوخي في نشوار المحاضرة وغيرها من كتب التاريخ التي قد يشكل علينا اختلافها في الرواية بعضا أو أكثر من إشكال. إضافة إلى محاولات المستشرقين في استيفاء الموضوع كما نجد ذلك لدى لوي ماسينيون في أخبار الحلاج التي جمعها وعند رينولد نيكولسون في التصوف الإسلامي وتاريخه. إذاً فنحن مبعثرون بين بنيات مختلفة ومتعددة لمحتوى واحد خلاف أن نكون كما ينبغي للدارس أن يكون، أمام بنية واحدة لمحتويات مختلفة ومتعددة.

ثانياً، إن دراستنا تنسحب على فارق زمني كبير يقاس بما يقارب 890 سنة، فصلب المسيح كان حوالي 33 ميلادي فيما ترويه الأصول المسيحيَّة، أما صلب الحلاج فكان حوالي عام 922 ميلادي، فضلا عن أنَّ قصة الصلب لدى المسيح تمتد على ما يقارب يوما كاملا، أما قصة صلب الحلاج فتمتد على فترة زمنية مقدارها حوالي 13 سنة ميلادية.

ثالثاً، إننا نسلّم تسليما قاطعا بتمايز النسق المعرفي السياسي والديني الذي أحاط بالحلاج والمسيح، فقد كانت الروم أيام صلب المسيح تستوطن الأرض وتحكم بقوانينها وتدير شؤون اليهود والعبرانيين الذين حكموا فيما بينهم بالناموس الديني التوراتي، أما ظروف صلب الحلاج فقد كانت محاطةً بالثورات التي اشتعل لهيبها، ووصل مداها إلى تهديد خلافة المقتدر بالزوال. وصِلةُ الحلاج كما تذكر المصادر كبيرة بضلوعه غير المباشر في إضرامه هذه النار لاسيما التواطؤ الذي أبداه مع القرامطة-تهمة أو حقيقة، فسياق صلبه كان فيما ترويه بعض كتب التاريخ على هذا النحو- وقد كان تبني الخلافة لمذهب المالكية الذي لا يجيز توبة الزنادقة بل يدعو إلى قتلهم قويًّا جدًّا. لقد كانت الزندقة مصطلحا لَـحِقَ بالثوريين بما فيهم الحلاج وذلك لما فيه من خلاص للسلطة من أسباب الإطاحة بنظام الخلافة آنذاك أو ما شابه ذلك.

هذه الاختلافات في النسق القائم ضمن القصتين قد نتبناها كدعم مهم وأساسي للبنية النصية التي سندرسها، فإن كان فيها من الإشكال ما سيوحي لنا بالغموض، فإن فيها على الأقل من توفير سبل الدراسة ما سيضيء طريق الوصول إلى الغاية المبتغاة على أكثر تقدير. ولذلك ما سنقوم به هو إيجاد وظائف ثابتة ضمن هاته الاختلافات المطروحة على أكثر من وجه.

2. بين المسيح والحلاج :

يرى كثير من المسلمين والمثقفين في الحلاج صورة الإنسان المعرفي الذي راح ضحية حسابات سياسية، فقد كان صلبه تمكينا للسلطة على الأقل من تمكُّنِها من قمع الحركات المناهضة. لكن يرى فيه أكثر من ذلك -وهذا رأي ماسينيون- مثالا خالصا للمعرفة الروحية والدينية العميقة التي تصل بالإنسان من طريق التصوف إلى الإيمان المطلق بالتوحيد. وهو ما تمثَّلَ في صورةٍ تماثلُ المسيح على نحو متطابق، فإذا كان القرآن قد قدّم المسيح منذ ولادته على أنه كلمة الله، وأنه بفضل هاته الكلمة-الروح ولدته مريم، وأن هاته الكلمة نفسها تعبر بشكل عنفواني عن نوع من التوحد الروحي المقدس، وأن معجزات المسيح التي تكلم عنها القرآن هي كما ذكر ابن عربي وليدة هذه الروح وميزتها، فمن الطبيعي إذاً أنَّ جموع المسلمين المعاصرة تبحث في شخص الحلاج – هذا الذي لفت أنظار الناس بتمجيد حياة التوحد الروحاني- عن ما يشبه التمثيل القرآني للمسيح(2). فهو منح الحياة لعصافير من طين وعالج الأعمى، وطهّر الأبرص، وأذهب الحمّى وحدس بما تسرّ الصدور، وأيقظ النائم وأقام الموتى وأخرج الشياطين. تشبه هاته الملازمات صفات ما قدّمه الحلاج أيضا، فقد قيل: إن الملائكة تخدمه فتحمل إليه شتاءً فواكه الصيف تماما كما كانت تحمل إلى مريم في الهيكل، وجاء في كتاب تجارب الأمم أنه يحيي الموتى وأنه يعمل ما أحبّ من معجزات الأنبياء(3) وقد جاء في آثار البلاد أنه كان يركب الأسد ويتخذ الحية سوطا، وكان يمد يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم أحدية(4)، وكان يخبر الناس بما في ضمائرهم وبما فعلوا.(5) وقد أطفأ الحلاج نار المجوس المقدسّة التي لا يطفؤها إلا المسيح(6) وأوقد يوم الجمعة أضواء كنيسة القيامة التي ليس لأحد أن يوقدها إلا الفجر الموالي ليوم عيد السبت. هذا التقاطع الحسي يتوقف على تماثل عقائدي ظاهر بوضوح. فقد حدد الحلاج القداسة على مقدار ما ذكره القرآن عن المسيح، فهي وحدة متحدّة بـ«كن»(7). تشابُهُ الحلاج بالمسيح، أو تلقيبه بالمسيح هو ما شاع بعد موته، وذلك لسبب يعود أساسا إلى صلبه والإشهار به كما صلب وأشهر بالمسيح على حسب الروايَّة الإنجيلية. فنهاية الحلاج كانت بالمعنى المجازي مسيحية إذا، فضلا عن كون بدايته على النَّحو نفسه، فقد تنبّأ أكثر من مرّة بموته كالمسيح مصلوبا. روى تلميذه أحمد ابن فاتك قائلا: كنّا بنهاوند مع الحلاج وكان يوم النيروز فسمعنا صوت البوق فقال الحلاج: أيّ شيء هذا. فقلت: يوم النيروز. فتأوّه وقال : «متى نُنَوْرَزْ» وفي رواية أخرى «متى نُنَوْرِزْ». فقلت متى تعني. قال يوم أصلب. فلمّا كان يوم صلبه بعد ثلاثة عشر سنة نظر إليّ من رأس الجذع وقال: يا أحمد نورزنا. فقلت أيها الشيخ : هل أُتْحِفْتَ،( أي تلقيت هدايا النيروز) قال بلى : أتحفتُ بالكشف واليقين، وأنا مما أتحفتُ به خجل غير أني تعجّلت الفرح(8). وقد جاء في رواية أن الحلاج تنبّأ بطريقة موته فقال:

ألا أبــلِغ أحبّــائي بأنّـي ركِبْت البحر وانكسر السـفينة

على دين الصّليب يكون موتي ولا البطـحا أريد ولا المديـنة

إن الجملة الإخبارية توحي لنا في بداية البيت الثاني أن تقديم الصليب على الموت فيه تأكيد بأن الحلاج كان على يقين بذلك، ويتأكد هذا أيضا في قول له بالإشهار والموت على الصليب.

ومن مظاهر تنبِئهِ بالصُّلب ما رواه إبراهيم ابن فاتك لمَّا قال: دخلت يوما على الحلاج في بيت له على غفلة منه فرأيته قائما على هامة رأسه(…) فلما أحس بي قعد مستويا وقال: أدخل ولا عليك، فدخلت وجلست بين يديه، فإذا عيناه كشعلتي نار. ثم قال يا بنيّ إن بعض الناس يشهدون عليّ بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية. والذين يشهدون علي بالكفر أحب إليّ وإلى الله من الذين يقرّون لي بالولاية. فقلت: يا شيخ ولم ذلك. فقال: لأن الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنهم بي والذين يشهدون عليّ بالكفر تعصّبا لدينهم. ومن تعصّب لدينه أحب إلى الله ممّن أحسن الظن بأحد. ثم قال لي: وكيف أنت يا إبراهيم حين تراني وقد صُلبت وقُتلت وأُحرقتُ، وذلك أسعد يوم من أيام عمري جميعة، ثم قال لي : لا تجلس واخرج في أمان الله(9).

تشبه هذه القصة بشكل كبير قصة المسيح حين تنبّأ بالصُّلب وبعدها طرد تلميذه بطرس. فقد جاء في الإنجيل: قال المسيح لتلامذته تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلّم ليصلب»(10) وجاء أيضا «من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثير من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم، فأخذه بطرس وابتدأ ينهره قائلا حاشاك يا ربّ، لا يكون لك هذا، فالتفت وقال لبطرس : اذهب عنّي…»

فلماذا بعد التنبّؤ مباشرة يطرد المسيح تلميذه بطرس ويطرد الحلاج تلميذه إبراهيم بن فاتك؟ هل لأن التلميذين يشكلان عنصرا مانعا لصيرورة القصة، أم هل لأنه سيغيب دورهما الفعال في منع البطلين من الموت؟ أم لأن كل من المسيح والحلاج كان يريد على طريقة التراجيديا اليونانية أن يجعل من القدر الإلهي مآلا البشرية الوحيد؟ وكيف كان بمقدورهما التكهن بالموت وطريقته؟ هل هناك راو يكون قد تدخل في بناء الحكاية واختار للبطلين هذه النهاية؟

تشبه بداية قصة صلب المسيح ونهايتها في بنيتها الحكائية إلى حد كبير بداية قصة صلب الحلاج ونهايتها. فالشكل المورفولوجي الذي يجمع القصتين ينبني كما قلنا على دعامتين مشتَرَكتين: التنبؤ وطرد التلميذ –تحقق التنبؤ. لكن هذه المسألة تجعلنا نفترض وجود وقائع أخرى ودعائم تتقاسمها الحكايتان. فإذا كانت الواقعتان متشابهتين في البداية والنهاية، أي في الرؤيا (التنبؤ) وفي التشكيل (المصير)، فلربما يكون للبنيات التي تتفاعل فيما بينهما على هذا النحو من التشابه والاتفاق؟

إن المقاربة التي سنقوم بها والتي سنطبقها على القصتين هي مقاربة مورفولوجيَّة لا تعتمد على دراسة الزمن وديناميكيته فحسب وإنَّما أيضاً على دراسة الشخصيَّات وخصوصا على دراسة البنيات السَّرديَّة. لكن ينبغي أن نشير أيضاً أنَّهُ ليس من شأن هذه المقاربة مقارنة الحكايتين، وإلا سنبقى رهائن الدراسة المقارنة. ما سنحاول إبرازه هو إيجاد بنية تاريخية عميقة مسؤولة عن إبداع الحكايتين في جوهرها الزَّمني. نصوغ السؤال بطريقة أخرى: هل هناك أصول مشتركة للواقع التاريخي للقصتين؟ للإجابة على ذلك، نحاول إيجاد البنيات التي تقاسمتها الحكايتان، ليكون لنا فيما بعد أن نستخلص ما بإمكانه مساعدتنا على تعميق نظرتنا للنسق الحكايتين.

3. دراسة التماثلات:

1.3. التماثلات البنيوية :

1.1.3. التماثلات البنيوية في حكاية المسيح: وهي تنقسم إلى إحدى عشر بنية.

1.1.1.3. المناصبة والكيد

اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا. وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب(11).

2.1.1.3. تواطؤ الشهود

و كان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه. فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. ولكن أخيرا تقدم شاهد زور وقال. هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه.فقام رئيس الكهنة وقال له أما تجيب بشيء. ما يشهد به هذان عليك. وأما يسوع فكان ساكتا(12).

3.1.1.3. المحاكمة

«و الذين أمسكوا يسوع مضوا به إلى قيافا رئيس الكهنة حيث اجتمع الكتبة والشيوخ.

4.1.1.3. تردد الحاكم في مسألة الصلب:

قال لهم بيلاطس ماذا أفعل بيسوع الذي يدعى المسيح. قال له الجميع ليصلب. فقال الوالي وأي شر عمل. فكانوا يزدادون صراخا قائلين ليصلب»(13)

5.1.1.3. تدخل المدبّر في استصدار الحكم:

«لكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرّضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويهلكوا يسوع… فكانوا يزدادون صراخا قائلين ليصلب»(14)

6.1.1.3. تدخل عنصر المرأة في طلب إعفاء:

وإذ كان جالسا (بيلاطس) على كرسي الولاية أرسلت إليه امرأته قائلة إيّاك وذلك البّارّ. لأنّي تألّمت اليوم كثيرا في حلم من أجله»(15)

7.1.1.3. قيام الليلة الأخيرة أو صلاة ما قبل الصلب (نص التوحُّد):

« وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلّى. قائلا يا أبتاه إن شئت أن تجيز عنّي هذه الكأس. ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك. وظهر له ملاك من السماء يقوّيه. وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشدِّ لجاجةٍ وصار عرقه كقطرات دمٍ نازلة على الأرض»(16).. وجاء في إنجيل يوحنَّا قوله: «تكلَّمَ يسوعُ بهذَا ورفعَ عينَيهِ نحوَ السماء وقالَ أيها الآبُ قد أتتِ الساعةُ، أنا مجَّدتُكَ على الأرضِ. العملُ الذي أعطيتَني لأعملَ قد أكملتُهُ. والآن مجِّدْني أنتَ أيها الآبُ عندَ ذاتِكَ بالمجدِ الذي كانَ لي عندَكَ قبلَ كونِ العالمِ. (…) لستُ اسألُ من أجلِ العالمِ بل من أجلِ الذينَ أعطيتَني لأنهم لكَ. وكلُّ ما هو لي فهو لكَ. وما هو لكَ فهوَ لي وأنا ممَجَّدٌ فيهم. ولستُ أنا بعدُ في العالمِ وأما هؤلاء فهم في العالمِ وأنا آتي إليكَ. أيها الآبُ القدوسُ احفظهُم في اسمكَ الذين أعطيتَني ليكونُوا واحداً كما نحنُ. حينَ كنتُ معهمْ في العالمِ كنتُ أحفَظُهُم في اسمكَ الذينَ أعطيتَني حَفِظْتُهُم ولم يهلكْ منهم أحدٌ إلا ابنُ الهلاكِ ليتمَّ الكتابُ. أما الآنَ فإني إليكَ. وأتكلَّمُ بهذا في العالمِ ليكونَ لهم فرحِي كاملاً فيهم. أنا قد أعطيتُهُم كلامَكَ والعالمُ أبغضَهُم لأنهم ليسُوا من العالمِ كمَا أني أنا لستُ منَ العالمِ. لستُ أسألُ أنْ تأخذَهُم من العالمِ بل أنْ تَحْفَظَهُم من الشريرِ. ليسوا من العالمِ كما أني أنا لستُ من العالمِ. قدِّسْهُم في حقِّكَ. كلامُكَ هو حقٌّ.(…). ليكونَ الجميعُ واحداً كما أنكَ أنتَ أيها الآبُ فيَّ وأنا فيكَ ليكونُوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمنَ العالمُ أنكَ أرسلتَني. وأنا قد أعطيتُهُم المجدَ الذي أعطيتَني ليكونُوا واحداً كما أننا نحن واحدٌ. أنا فيهم وأنتَ فيَّ ليكونُوا مكمَّلينَ إلى واحدٍ وليَعْلَمَ العالمُ أنكَ أرسلتَني وأحببتهم كما أحببتَني»

8.1.1.3. استقدامه صباحا للصلب:

«و لما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتّى يقتلوه، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي(17).

9.1.1.3. تلاوة نص الاستغفار (الدُّعاء):

«فقال يسوع يا أبتاه اغفر لهم لأنَّهم لا يعلمون ماذا يفعلون»(18)

10.1.1.3. التبرؤ من دم الضحية:

فلمّا رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئا بل بالحريّ يحدث شغب أخَذَ ماءً وغسل يديه قدّام الجمع قائلا إني بريء من دم هذا البار»(19)

11.1.1.3. انبعاثه بعد الموت

« إنه قد قام من الأموات»(20)

2.3. التماثلات البنيوية في حكاية الحلاج :

وهي تنقسم إلى إحدى عشر بنية أيضا.

1.2.1.3. المناصبة والكيد:

أثار حامد بن العباس سنة 309 هـ/ 922م عند الخليفة المقتدر قضيَّة الحلاج وأظهر للخليفة خطره العظيم إن هو بقي على قيد الحياة وأوغر صدره على علي بن عيسى ونصر القشوري لحمايتهما لهذا الصوفي الخطر(21).

2.2.1.3. تواطؤ الشهود

وأتى حامد بن العباس بالشهود يشهدون بصحَّة المحاكمة ويوافقون على الحكم. وكان الوزير قد حشد لذلك في المحكمة عدداً وافراً منهم بمعونة عبد الله بن مكرم الذي كان مشهوراً باحتراف شهادة الزُّور. وبلغ عدد الشهود أربعة وثمانين. وقد كوفئ عبدالله بن مكرم هذا بتقليده منصباً فخرياً في القضاء في الفسطاط(22).

3.2.1.3. المحاكمة

تقصَّد الوزير حامد بن العبّاس ألا يكون بين أعضاء المحكمة قاض شافعي لأن الشافعية مثل الحنبلية تقبل توبة الزنديق، أما الحنابلة فإنهم أقصوا عن المحاكمة لعدائهم السافر للدولة ولتعاطفهم مع الحلاج. فألفت المحكمة من القاضي المالكي أبي عمر الحمادي رئيسا وهو الذي كان قد وافق حامد بن العباس(23).

4.2.1.3. تردد الحاكم في مسألة الصلب:

جاء في نشوار المحاضرة أنَّ حامد بن العبَّاس كتب إلى الحاكم المقتدر مستأذناً في تنفيذ الحكم، ولكنَّه رأى منه تردُّداً»(24)

5.2.1.3. تدخل المدبّر في استصدار الحكم:

«ثم جاء حامد إليه مستأذنا في تنفيذ الحكم ولكنه رأى منه ترددا فقال: يا أمير المؤمنين، إن بقي قلَب الشريعة وارتد خلق على يده، وأدّى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء فاقتلني»، فأذن الخليفة له في قتله، وبادر حامد بتنفيذ الحكم من يومه لئلا يغير المقتدر رأيه»(25)

6.2.1.3. تدخل عنصر المرأة في طلب الإعفاء:

فوجئ نصر القشوري بالحكم، فلجأ إلى السيدة والدة المقتدر (وكانت تعرف بهذا اللقب) مستعينا بها للتوسط مع ابنها لإلغاء الحكم أو إصدار عفو عن الحلاج..أو تأجيل تنفيذ الإعدام. وتقدمت السيِّدة من المقتدر سائلةً إياه عدم تنفيذ الحكم أو تأجيله. ولكنَّ المقتدر رفض الطَّلب. غير انَّه سرعان ما يصاب بالحمَّى فيصاب بالشَّك في أمر قتل الحلاج، وينفذ إلى وزيره حامد يمنعه من تنفيذ الحكم(26). وفي نشوار المحاضرة أنَّها توسطت مانعة إبنها من قتل الحلاج إلا أن المقتدر رفض ذلك، فأُصيب بعدها بحمّى فشك في أمر قتل الحلاج.»(27)

7.2.1.3. قيام الليلة الأخيرة أو صلاة ما قبل الصلب (نص التوحُّد):

أنبأنا ابن الفتح محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الشاشي يقول: قال أبو الحديد لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحسين بن منصور قام من الليل فصلّى ما شاء الله، فلمّا كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه، ومدّ يديه نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ، وكان مما حفظت أن قال: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك. لتبدّى ما شئت من شأنك ومشيئتك، أنت الذي في السماء إله وفي الأرض إله. تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن صورة..»(28) ذكر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحدّاد المصريّ قال: لمّا كانت الليلة التي قُتل في صبيحتها الحلاّج قام واستقبل القبلة متوشحاً بردائه ورفع يديه وتكلم بكلام كثير جاوز الحفظ. فكان مما حفظته منه أن قال: نحن بشواهدك نلوذ. وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك. وأنت الذي في السماء عرشك، وأنت (الذي في السماء إله وفي الأرض إله). تتجلى كما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة والبرهان. ثم أوعزتَ إلى شاهدك الأنيّ في ذاتك الهويّ. كيف أنت إذا مثّلت بذاتي، عند عقيب كرّاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعداً في معارجي إلى عروش أزلياتي، عند القول من بريّاتي. إني أُخذت وحُبست وأُحضرت وصُلبت وقُتلت وأُحرقت واحتملت السافيات الذاريات أجزائي. وإنّ لذرّةً من ينجوج مظانَّ هاكول متجليّاتي اعظم من الراسيات(29).

8.2.1.3. استقدامه صباحا للصلب:

فلمَّا كان صباح الثلاثاء، أخرج الحلاج إلى ساحة الإعدام بباب خراسان على الضفَّة الغربية من دجلة، واجتمع عليه خلق كثير. ثمَّ تلي أمر الخليفة المقتدر(30). قال عبد الرؤوف بن محمد المناوي في كتاب الكواكب الدرية(31) في سيرة الحلاج: وقال الحلواني: قدم الحلاج للقتل وهو يضحك فقلت: يا سيدي ما هذا الحال. قال: دلال الجمال، الجالب إليه أهل الوصال.

9.2.1.3. تلاوة نص الاستغفار (الدُّعاء):

عن إبراهيم بن فاتك قال: لما أُتي بالحسين بن منصور ليصلب رأى الخشبة والمسامير فضحك كثيراً حتى دمعت عيناه. ثم التفت إلى القوم فرأى الشبليّ فيما بينهم فقال له: يا أبا بكر هل معك سجادتك. فقال: بلى يا شيخ. قال: افرشها لي. ففرشها فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين وكنت قريباً منه. فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى (لنبلونَّكم بشيءٍ من الخوف والجوع) الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب وقوله تعالى (كل نفس ذائقة الموت) الآية، فلما سلم عنها ذكر أشياء لم أحفظها وكان مما حفظته: اللهم إنك المتجلي عن كل جهة، المتخلي من كل جهة. بحق قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك. وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي. فإنّ قيامي بحقك ناسوتيّة، وقيامك بحقي لاهوتيّة. وكما أنّ ناسوتيّتي مستهلكة في لاهوتيّتك غير ممازجة إياها فلاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير مماسّة لها. وبحق قِدَمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة التي أنعمت بها عليَّ حيث غيّبت أغياري عمّا كشفت لي من مطالع وجهك وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرّك، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصُّباً لدينك وتقرُّباً إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لَما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لَما ابتُليتُ. فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد، ثم سكت وناجى سراً. (32)

10.2.1.3. التبرؤ من دم الضحية:

في الغد جاء حامد بن العباس إلى ساحة الإعدام كأنه خشي انتقام النَّاس في مستقبل الأيَّام. فحاول أن يبرِّئ ساحته وساحة الخليفة وساحة صاحب الشُّرطة من كل تبعة. فدعا الشُّهود الذِّين كانوا قد صدَّقوا على وقائع المحاكمة من قبل، وكانوا مجتمعين حول مقدِّمهم ابن مكرم، وطلب منهم بصوتٍ عالٍ أن يعلنوا موافقتهم على حكم الإعدام. فصاحوا قائلين: «نعم اقتله، ففي قتله صلاح المسلمين، ودمه في رقابنا»(33)، ثمَّ قال لهم : « أمير المؤمنين برئ من دمه»، قالوا «نعم»، قال: «أنا بريء من دمه»، قالوا «نعم»، قال: «وصاحب الشُّرطة بريءٌ من دمه،» قالوا: «نعم»(34). ثمَّ أنزل الحلاجُ عن الجذع وقدِّمَ أمام السَّيَّاق»(35)

11.2.1.3. انبعاثه بعد الموت:

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب حدثنا عبيدالله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال، قال لنا أبو عمر ابن حيويه:»..لمّا أخرج الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس ولم أزل أزاحم حتى رأيته فقال لأصحابه لا يلهونكم هذا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. قال السواسطي(36): هذا الإسناد صحيح لا يشك فيه.

وزعم بعض أصحاب الحلاج أن المضروب عدو الحلاج ألقى شبهه عليه، وادعى بعضهم أنهم رأوه في ذلك اليوم بعد الذي عاينوه من أمره، والحال الذي جرت عليه، وهو راكب حمارا في طريق النهروان ففرحوا به، وقال لعلكم مثل هؤلاء البقر الذين ظنوا أني أنا المضروب والمقتول. وممّا يفتعل عليه أنّه قال للّذين قتلوه: أتظنون أنَّكم إيّاي تقتلون؟ إنمّا تقتلون بغلة المادراني وأنّ البغلة وجدت في إسطبلها مقتولة(37). وفي الكامل ذكر ابن الأثير أنَّ الحلاج لمّا صار رماداً، أُلقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، وأُرسل إلى خُراسان لأنّه كان له بها أصحاب، فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنّه لم يُقتل، وإنّما أُلقي شبه على دابّة، وإنّه يجيء بعد أربعين يوماً؛ وبعضهم يقول: لقيتُه على حمار بطريق النَّهروان، وإنّه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذي يظنّون أنّي ضُربت وقُتلت.

نلاحظ أن الأحداث في قصتي المسيح والحلاج متشابهة إلى حدٍّ كبيرٍ جٍدًّا، فالشخصيات داخلها تؤدي الأدوار نفسها، والنُّصوص متشابهة لا سيما في طريقة تناول فكرة التوحد مثلاً التي كثيرا ما ينادي بها المتصوِّفة.

2.3. التماثل الرَّمزي:

لا بدَّ أن نشير قبل أن نخوض في مختلف التماثلات أن بين اسمي المسيح والحلاج علاقة جد غريبة. نعرف جيدا أن مصطلح المسيح مستخرج من الأصل الثلاثي مسح. سمي بذلك لأن الرجل إذا أراد أن يتبرك مسح بيديه على رداء المسيح. فالتيمن الروحاني قد يكون من طريق ما يرتديه النبي.(38) أما الحلاج فهو مستخرج من أصل يدل على نوع من أنواع النسيج. يقول الخطيب البغدادي إنما سميّ الحلاج لأنه دخل واسطا فتقدم إلى حلاج وبعثه في شغل له، فقال له الحلاج: أنا مشغول بصنعتي. فقال: اذهب أنت في شغلي حتى أعينك في شغلك، فذهب الرجل فلما رجع وجد كل قطن في حانوته محلوجا، فسمي بذلك الحلاج»(39). وجاء في المصدر نفسه أن الحلاج كان بالأوقات يلبس المسوح، وبالأوقات يمشي بخرقتين(40). إذاً نلاحظ أن لمفردتي الحلاج والمسيح تقارب دلالي رمزي عميق.

3.3. التماثل الزَّمني:

1.3.3. زمن ما قبل الصلب:

1.1.3.3. زمن ما قبل صلب المسيح:

ينقسم زمن ما قبل الصلب إلى قسمين. يمتد الزمن الأول إلى غاية نبوءة الصلب عند المسيح، وهو زمن يخص أحداث حياة المسيح قبل أن يصبح رهن الصلب، وفي هذا الزمن تتراكم الأحداث الخاصة بالمعرفة الدينية والروحانية. أما الزمن الثاني فهو زمن تبتدئ حركيته انطلاقا من ورود الصلب في نبوءة المسيح ثم من محاكمته وإحالته لذلك. ويتمثل في الجملة الواردة في إنجيل متّى في الإصحاح السادس والعشرين «ولمّا أكمل يسوع هذه الأقوال كلّها قال لتلاميذه. تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلَّم ليُصْلَبَ»(41). فزمن ما قبل الصلب يعادل يومين.الحاصل الزمني لجميع هاته الأحداث 33 سنة، طبقا لما يُذكر من أن المسيح عاش هذه المدة(42).

2.1.3.3. زمن ما قبل صلب الحلاج:

ينبغي أن نكون حذرين في التعامل مع الزمن المتعلق بصلب الحلاج. ونحن مجبورون أن نسرد أهم أزمنته التاريخية. ولد الحلاج سنة 232 للهجرة. تنبّأ سنة288هـ/ 900 ما بعد ميلاد المسيح أنه سيصلب وكان ذلك يوم النيروز. وفي سنة301 للهجرة/ 913 للميلاد صلب صلب الإشهار وذلك بأمر من وزير المقتدر علي بن عيسى القنّاني، وفي رواية أخرى أنه صلب صلب الموت43، وفي يوم الثلاثاء 24 ذو القعدة 309هـ/ 26 مارس 922 أي بعد تسع سنين يصلب صلب الموت.

إن زمن السنة الميلادية وزمن السنة الهجرية متفقان في مسافتهما لأن المدة التي نشتغل ضمنها أي فترة ما قبل الصلب وزمن تنفيذ الصلب لا تستوجب تجاوز أحد الزمنين الآخر.

يمكن أن نقسم زمن ما قبل صلب الحلاج إلى قسمين. الزمن الأول ينسحب على كامل فترة حياته إلى غاية محاكمته. والزمن الثاني تتوقف بداية حركيته انطلاقا من محاكمته وإحالته للصلب.

يبتدئ الزمن الثاني من إحساس الحلاج وتكهنه بأنه سيصلب. وقد كان ذلك قبل ثلاث عشرة سنة. «لمّا كان يوم صلبه بعد ثلاثة عشر سنة من قوله «متى نُنَوْرَزْ» أي يوم صلبه، نظر إلى أحمد بن فاتك من رأس الجذع وقال: يا أحمد نورزنا(44). هذا النص يدل دلالة قاطعة أن مسألة الصلب بالنسبة للحلاج كانت بديهية ومتوقعة. لكن ما الدافع الذي جعل الحلاج يتوقع ذلك؟ هل فكرة الصلب لم تزل تعبر في الفكر الشرقي آنذاك بما في ذلك الفكر الإسلامي عن تخليص الروح من الجسد وإلحاقها بالذات العليا فيتحقق التوحد ولاسيما أن الحلاج من دعاة التوَّحد(45)، غير أنه لم يمت في هاته الفترة وإنما صلب مرّة أخرى وكان ذلك سنة309 هـ/922 م. وبالتالي فزمن ماقبل الصلب يعادل 22 سنة.

2.3.3. زمن الصلب:

1.2.3.3. زمن صلب المسيح:

بقي المسيح على صليبه حيّا مدة ثلاث ساعات: (ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كلّ الأرض إلى السّاعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني لماذا تركتني. فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح» (إنجيل متّى 27/45-50). ينبغي أن نشير إلى مسألة مهمة وهو أن زمن صلب المسيح كان متمثلا في يوم الفصح.

2.2.3.3. زمن صلب الحلاج:

بقي الحلاج على صليبه حيّا مدّة ثلاثة أيام؛ «روي عن الشيرازي أنه قال لمّا صلب الحلاج بقي ثلاثة أيّام لم يمت فأنزلوه وفتشوه ووجدوا معه ورقة مكتوبة بخطّه وفيها (آية الكرسي) وبعدها هذا الدعاء: اللهم ألق في قلبي رضاك، واقطع رجائي عمن سواك، وأعنّي باسمك الأعظم وأغنني بالحلال عن الحرام وأعطني ما لا ينبغي لأحد غيري بحمعسق، وأمتني شهيدا بكهيعص»(46). نشير بالموازاة إلى ما سبق أن زمن صلب الحلاج كان ممثلا في يوم عيد النيروز. وهو يوم سابق في نبوءته؛ إذ قال متى ننورز أي متى نصلب.

3.3.3. زمن الانبعاث والعودة :

1.3.3.3. زمن الانبعاث والعودة : قال المسيح وهو حي : إني بعد ثلاثة أيام أقوم

2.3.3.3. زمن الانبعاث والعودة : قال الحلاج: إني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما.

تنبأ المسيح بصلبه قبل يومين من ذلك، أما الحلاج فقد تنبأ في سنة 280 للهجرة بصلبه قبل 13سنة من صلب الإشهار وقبل 22 سنة من صلب الموت(47). ويكون العدد 22 ضعفا لليومين. أي أن يومين تنبّأ فيهما المسيح يقابل 22 سنة تنبّأ فيها الحلاج.

بقي المسيح معلقا على صليبه دون أن يموت ثلاث ساعات، أما الحلاج فقد بقي حيّا أيضا ومعلّقا على صليبه ثلاثة أيام. نلاحظ ههنا ظاهرة المضاعفة نفسها تتكرر. فساعة في صليب المسيح تعادل يوما في صليب الحلاج.

أما في إشارة المسيح إلى قيامه فقد حدّد قيامه بثلاثة أيام أما الحلاج فقد حدّد قيامه بثلاثين يوما، فتكون مدة اليوم في قيامة المسيح بمقدار 10 أيام في قيامة الحلاج.

مات المسيح وعمره 33 سنة ومات الحلاج وعمره 77 سنة. فيكون الفرق بينهما في الحياة 44 سنة. ونلاحظ هنا نفس الرقم يتكرر فضلا عن الرقم المتكرر في عمري المسيح والحلاج. غير أنَّ الاختلاف يكمن في مسألة إلقاء الشَّبه التي لا نجدها في حكاية المسيح من خلال الإنجيل بينما نجده في حكاية الحلاج. والواقع أن النص القرآني يقرُّ بذلك. وبالتالي يمكن الحكم على أن مسألة إلقاء الشبه على الحلاج مستمدَّة من أصول إسلامية وليست مسيحية(48).

4.3. التماثل السردي:

في التمثيلين الآتيين نلاحظ كيف أن البنيات السياسية الدينية المعرفية والاجتماعية تتطابق فيما بينها. حيث تمثل المعرفة خطرا على السياسة فتتدخل السلطة الدينية لتفصل الأمر لحساب السياسة. بينما يذهب رمز المعرفة المتمثل في الشخصيتين ضحية هذا الحساب. أما السلطة الاجتماعية فليس لها أي تأثير على مستوى أخذ القرار، وإنما نلاحظ أن تأثيرها كان فقط متمثلا في تدخل عنصر المرأة في توجيه قرار الحاكم. إلا أن الحاكم يخضع أخيرا إلى السلطة الدينية سواء بموجب الخوف من أن تنقلب السلطة الدينية على سادة الحكم وذلك ما تمثّل في خوف بيلاطس من انقلاب الكتبة ورؤساء الكهنة عليه، وفي خوفه أيضا من تحريض الكهنة الشعب على حرب الرومان لاسيما وأنها لم تكن آنذاك سوى قوة حاكمة في المنطقة، أو بموجب الخوف من أن تنتشر إيديولوجيا المعارضة بين أوساط الجماهير فتنقلب على الحاكم كما هو الحال في خلافة المقتدر التي عرفت ثورة القرامطة. فاتهم الحلاج بأنه «لو بقي قلب الشريعة وارتد خلق على يده»(49). يصف سامي مكارم ذلك بقوله: كانت الدولة العباسية تقف من الحلاج موقف الخشية والريبة، فقرر علي بن محمد بن الفرات سنة 299 هـ/ 911-912 م – وهي السنة نفسها التي تأسست فيها الخلافة الفاطمية في المغرب(50)، أن يلقي القبض على الحلاج، وكان قد وشى به رجل من أهل البصرة، ولكن السلطة لـم تتمكن من القبض عليه إلا سنة 301 هـ/ 913-914 م، وذلك في بلدة السوس بالأهواز.(51) يبدو من خلال ما سبق أن المسيح والحلاج عاشا في ظروف جد متشابهة على المستوى السياسي خصوصاً.

1.4.3. في طبيعة الشخصيات ولعب الأدوار:

إن فعل تبين الحكايتين على نحوٍ واحدٍ وبطريقةٍ مقنَّنة يتيح لنا فرصة قراءةِ عميقةٍ ونافذة في النص، وأكثر من ذلك يمنحنا حساسية الاستجابة إلى واحدية النَّص بدلا من الاستجابة إلى تعدُّديته. ذلك لأن البناء المتكامل والمتماثل لحكايتين كلُّ واحدةٍ على حده، يتوقف على مدى تطابق الوظائف الحكائية فيما بينها. أي أن النص لا يتيح فقط إمكانية لفعل التأويل على المستوى الموضوعي وممارسة تعددياته وإنما يتيح أيضا إمكانية قصوى في تأويل البنيات الوظيفية على نحو واضح ومتشابه. «وراء كل نص نجد نظاما لغويا، وكل البنيات التي تتكرر أو يعاد إنتاجها في النص، وكل ما من شأنه أن يضاف من خارج النص يطابق هذا النظام. ولكن في الوقت ذاته، كل نص بصفته منطوقا هو نص متفرد، واحد وغير منتَج، وهنا بالضبط يكمن معناه، أي لماذا تم إبداعه؟. انطلاقا من ههنا، فإن النص يحيل إلى الحقيقة، الواقع، إلى التاريخ. إن البنيات المتكررة والمنتجة وبشكل ثانوي تمثل بالنظر لما سبق مجرد مواد ومستخدمات»(52)

يعتبر التحليل السردي أن الشخصية جوهر، وقد حوّل بروب الشخصيات إلى مجموعة من النماذج البسيطة مؤسسة على وحدة الأفعال التي تهبها القصة للشخصيات (البطل، المساعد، الشرّير…) وعلى الرغم من إدراكنا أنه ليس ثمة قصة دون شخصيات أو عوامل فإن بروب اهتم بـالوظائف أكثر من اهتمامه بالشخصيات .

تساعدنا نظرية بروب على فهم شامل للانتظام الذي تحققه الوظائف في الحكاية الشعبية، وهي وظائف ساعدت على خلق بنية سردية قارة للحكاية. إنها تشكل بمفهوم كلود بريـمون منطقا خاصا بالحكي ينبني على وحدة قاعدية أو نواة سردية تحكم النص. يمكن فهم هذه الوظائف على ضوء مسيرة بطل الحكاية. ففي نسقها نستطيع معرفة العوامل المتحركة والمحركة داخل النص. كما يمكن فهم الشخصيات على ضوء مسيرة المسيح والحلاج. فهناك العامل الذات Sujet الذي يتمثل في شخصية (قيافا رئيس الكهنة وحامد ابن العباس) أي هو العامل الأقوى في تحريك الموضوع أي البطل إلى غاية نهايته المأساوية. أمَّا العامل الموضوع Objet المتمثل في شخص كل من (المسيح والحلاج) فلكأنَّما هو الوحيد الذي ليس بإمكانه التدخل في نسج القصَّة..إنه عامل مشلول وغير قابل للتَّحرك) وهذا ما نلاحظه حين يرفض كلاهما الدفاع عن نفسه. ويمثل عنصر المرأة (زوجة بيلاطس – أم المقتدر) عاملا معاكساً لصيرورة البطل، بينما يمثل عنصر الحاكم (بيلاطس-المقتدر) عاملا مساعداً على تحرُّكه وصيرورته في ديناميكية الحكاية. يقابل كلُّ عاملٍ من العوامل المختلفة في النَّص الشخصَ بما في ذلك نوعيته، طبيعته وثقافته. يقابل أيضا الطبقةَ الاجتماعيةَ ونوعيتَها، وأخيراً السلطةَ التي يمثلها سواء رمزياً أو سياسيا.

يمكن أن نستنتج أن البنيات في كل من قصتي المسيح والحلاج متشابهة جدًا، ويمكن أن نستنتج أن هناك جهة مسؤولة عن إنتاج ما يشبه هذا النوع من القصص. ولا نعتقد ههنا بالجهة المسؤولة شخصاً ما، وإنَّما مجموعة التقاليد والمعارف التي تهيِّءُ للرَّاوي نوعاً خاصًّا من الإنباء الحكائي.

فالمدرسة الميثولوجية ترتكز على فكرة مفادها أن التشابه الخارجي بين ظاهرتين تشهد صلتهما التاريخية53. فطريقة تطوُّرِهما قد تكون على ما يشبه نموَّ الأحداث بشكل مختلف عيانا ولكن متشابه رمزاً وإيماءً وعمقاً. يمكن أن نفسِّرَ ذلك على نحوٍ آخر, فلقد وجدت منذ مدّة طويلة فكرة وجود علاقة بين الحكاية من جهة ونسق العادات والدين من جهة أخرى. وتظهر المؤسسة الدينية في عدّة وجوه ومظاهر ثقافية؛ وعلاقة الحكاية بها يمكن دراستها كمسألة ذاتية، تنحدر أساسا من العلاقة بين الحكاية والمؤسسات الاجتماعية(54)..

وبالتالي إذا استطعنا يقول فلاديمير بروب أن نظهر هذه العادات، فإن أصول هذه الغايات يمكن تفسيرها إلى حدٍّ ما. فدراسة العلاقة بين الحكاية والتقليد قد تساعدنا على فهم جيدٍ لبنيات من قبيل ما وجدناه في قصتي المسيح والحلاج. ويمكن على ضوء هذا التَّحليل أن نجزمَ أنَّ العادات التِّي ميَّزت الشرق الأوسط بمعزل عن الدِّين هي المسؤولة عن إنتاج قصص من مثل ما درسنا. إن الأسطورة والحكاية لا يختلفان في شكلهما وإنما في وظيفتهما الاجتماعية، وتعتمد الوظيفة الاجتماعية للأسطورة على الدرجة الثقافية للمجتمع(55). لكن في هذه الدِّراسة ألقينا الضوء على الزَّمنية والتقليد اللَّذين تبرز فيهما الوظيفة الاجتماعية كأداة لتحقيق مصير البطلين في الحكايتين.

4. خاتمة:

في الواقع، تعتبر هذه الدراسة بمثابة استقراء ورصد لمختلف البنيات التي تحدد الشكل المورفولوجي للحكايتين. يبقى على الأقل من خلال هذه الدراسة استنتاج الحركية السردية وكل ما يتعلق بالزَّمنية في النَّص. كما يبقى هاذان النَّصان رهن الدراسات السيميائية التي بإمكانها تقديم دراسة وافية للموضوعين. يمكن في الأخير أن نمثِّل علاقة الشخصيات في الحكايتين معا بتمثيل بياني تظهر فيه التمركزات المحدَّدة للشخصيَّات بمعانيها ودلالاتها المتشابهة إلى حدِّ التطابق.

========================================= 

مراجع

1. إنجيل العهد الجديد.

2. التَّنوخي (القاضي أبو علي الحسن بن علي) ، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، تحقيق عبُّود الشَّالجي، 1971.

3. الخطيب البغدادي (الحافظ أبو بكر أحمد بن علي)، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، مكتبة الخانجي بالقاهرة، المكتبة العربية ببغداد ومطبعة السَّعادة بمصر.

4. ابن السَّاعي البغدادي (تاج الدين أبو طالب علي ابن أنجب)، كتاب أخبار الحلاج، تحقيق موفق فوزي الجبر، دمشق، دار الطليعة الجديدة، ط2، 1997.

5. القزويني (زكرياء بن محمد بن محمود)، آثار البلاد وأخبار العباد، ط دار صادر، دار بيروت، بيروت، 1960.

6. لويس ماسينيون، المنحنى الشَّخصي لحياة الحلاج، شهيد الصُّوفية في الإسلام، منشور في كتاب شخصيَّات قلقة في الاسلام، لعبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط3، 1978.

7. مسكويه (أبو علي أحمد بن محمد)، كتاب تجارب الأمم، شركة التمدن الصناعية، مصر، 1914.

8. المعرِّي أبو العلاء، رسالة الغفران، تحقيق د. علي شلق، دار القلم، بيروت، ط3، 1981.

9. مكارم سامي، الحلاج فيما وراء المعنى والخط واللون، رياض الريس للكتب والنشر، لندن.

 

1. Mikhaïl Bakhtine, Esthétique de la création verbale, Paris, Gallimard, 1984.

2. René Guenon, Le symbolisme de la croix, Editions de la maisnie, 1984.

3. Louis Massignon,

a. Akhbar al-hallaj, recueil d’oraisons et d’exhortations du martyr mystique de l’islam (usayn Ibn Mans?r (all(j, Paris, Librairie philosophique J.Vrin, 1957.

b. La passion de H?usayn Ibn Man(?r Al-(?all?j, Martyr mystique de l’Islam exécuté à Bagdad le 26 mars 922, Etude d’histoire religieuse, Tome III, La doctrine de H?all?j, éd Gallimard, 1975.

c. Recueils des textes inédits. Concernant l’histoire de la mystique en pays de l’Islam. (Collect, de textes inédits, 1) Paris, Geunthner, 1930.

4. Vladimir Propp, Les racines historiques du conte merveilleux, trad. L. Cruel Apert, Paris, Gallimard, 1983.

 

1 النصوص اقتطفتها من الأناجيل الأربعة والتي تروي قصة صلب المسيح، أما النصوص التي تروي قصة صلب الحلاج فقد اقتطفتها من كتب التاريخ المختلفة. اقتصرنا على النص الإنجيلي دون القرآني نظراً لاختلافهما في مسألة بعض الجوانب المتعلقة بمصير المسيح. ففي القرآن الكريم لم يصلب وإنما شُبِّهَ لهم. بينما يوحي الانجيل أنَّه صلب.

2 Louis Massignon, La passion de H?usayn Ibn Mans?r Al H?all?j, Martyr mystique de l’Islam exécuté à Bagdad le 26 mars 922, Etude d’histoire religieuse, Tome III, La doctrine de H?all?j, éd Gallimard, 1975. p. 232.

3 أبو علي أحمد بن محمد مسكويه، كتاب تجارب الأمم، ج1، شركة التمدن الصناعية ، مصر ، 1914، ص76

4 أي أنه مكتوب عليها «قل هو الله أحد».

5 زكرياء بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، ط دار صادر، دار بيروت، بيروت 1960، ص165. وفي الواقع، إن المسلمين رأوا في الحلاج الصُّورة الكاملة للمسيح فالتقاربات التي كانت موجودة بينهما توحي إلى حدٍّ بعيد ثقافة التأليه والحلولية التي طالما كانت تسيطر منذ العهد التَّموزي وعبر مختلف حضارات الشَّرق الأوسط بما في ذلك الحضارة البوذية في ثقافة المجتمع الشرقي. وقد كان ابتداء حال الحلاج كما جاء في الكامل لابن الأثير أنّه كان يُظهر الزهد والتصوّف، ويُظهر الكرامات، ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمدّ يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب: (قل هو الله أحد)، ويسمّيها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلّم بما في ضمائرهم، فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، وبالجملة فإنّ الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح، عليه السلام، فَمِنْ قائل أنّه حلّ فيه جزء ألهيّ، ويدّعي فيه الربوبيّة، ومِن قائل أنّه وليّ الله تعالى، وإنّ الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ومِن قائل إنّه مشعبذ، وممَخرق، وساحر كذّاب، ومتكهّن، والجنّ تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها. راجع ابن الأثير، الكامل في التاريخ، فصل في ذكر قتل الحسين الحلاّج.

6 حكى أبو القاسم بن كجّ أن جمعا من الصوفية ذهبوا إلى الحسين بن منصور وهو بِتستر، وطلبوا منه شيئا. فذهب بهم إلى بيت المجوس فقال الديراني: إن الباب مغلق ومفتاحه عند الهربد. فجهد الحسين فلم يجبه، فنفض الحسين كمّه نحو القفل فانفتح، فدخلوا البيت، فرأوا قنديلا مشتعلا لا ينطفئ ليلا ولا نهارا، فقال: إنها من النار التي ألقي فيها الخليل عليه السلام. نحن نتبرك بها وتحمل المجوس منها إلى جميع بلادهم. فقال له: من يقدر على إطفائها؟ قال: قرأنا في كتابنا أنه لا يقدر على إطفائها إلا عيسى ابن مريم، عليه السلام. فأشار الحسين إليها بكمّه فانطفت، فقامت على الديراني القيامة وقال : الله الله. قد انطفت في هذه الساعة جميع نيران المجوس شرقا وغربا. راجع هذا النص في المرجع السابق. زكرياء بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد, ص166.

7 Louis Massignon, La passion de H?usayn Ibn Mans?r Al H?all?j, p. 232-233.

8 Louis Massignon, Akhbar al-hallaj, recueil d’oraisons et d’exhortations du martyr mystique de l’islam Husayn Ibn Mansur Hallaj, Paris, Librairie philosophique J.Vrin, 1957, p. 44-45.

9 المرجع نفسه، ص. 14. 15.

10و لمَّا كان الصَّباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتَّى يقتلوه، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي. راجع إنجيل متَّى 1/76.

11 إنجيل متَّى 26/3

12 إنجيل متَّى 26/59-63

13 إنجيل متَّى 27/22-23

14 إنجيل متَّى 27/20-23

15 إنجيل متَّى 27/19

16 إنجيل لوقا 22/41-44

17 إنجيل متَّى 76/1

18 إنجيل لوقا 23/34

19 إنجيل متى 27/24

20 إنجيل متى 28/7

21 سامي مكارم، الحلاج فيما وراء المعنى والخط واللون، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ص45.46.47.

22 راجع سامي مكارم، ص51، راجع أيضا ماسينيون «المنحنى الشَّخصي لحياة الحلاج، شهيد الصُّوفية في الإسلام»، منشور في كتاب شخصيَّات قلقة في الاسلام، لعبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط3، 1978. ص. 77.

23 انظر تعليق سامي مكارم. المرجع نفسه، الصفحات نفسها.

24 القاضي أبو علي الحسن بن علي التَّنوخي (م 384 هـ)، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، تحقيق عبُّود الشَّالجي، 1971، ج1، ص. 164.

25 المرجع نفسه.

26 راجع سامي مكارم. ص. 52.

27 القاضي التَّنوخي، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، ج1/164

28 الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (463 هـ)، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، المجلد 8، مكتبة الخانجي بالقاهرة، المكتبة العربية ببغداد ومطبعة السَّعادة بمصر، 1931، ص. 129.

29 تاج الدين أبو طالب علي ابن أنجب ابن السَّاعي البغدادي م 674هـ، كتاب أخبار الحلاج، تحقيق موفق فوزي الجبر، دمشق، دار الطليعة الجديدة، ط2، 1997، ص. 65.

30 سامي مكارم، ص. 54.

31 انظر مخطوط بيت النقيب ببغداد.

32 ابن السَّاعي، كتاب أخبار الحلاج، ص. 63.64.

33 ماسينيون، المنحنى الشَّخصي، ص. 87.

34 Louis MASSIGNON, Recueils des textes inédits. Concernant l’histoire de la mystique en pays de l’Islam, (Collect, de textes inédits, 1) Paris, Geunthner, 1930. pp. 63-64.

35 سامي مكارم، ص. 61.

36 ذكره صاحب تاريخ بغداد باسم السوانيطي.

37 أبو العلاء المعرِّي، رسالة الغفران، تحقيق د. علي شلق، دار القلم، بيروت، ط3، 1981 ، ص. 228.

38 . ونحن نعرف جيّدا قيمة البردة التي أهداها النبي لكعب بن زهير وهي مقدَّسة لدى المسلمين، وقيمة النسيج الذي ترتديه الكعبة، فقد كان يؤتى بالنسيج من الهند ومن الحبشة لجعلها أستارا لها.

39 الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ص. 114.

40 المرجع نفسه، ص. 112.

41 إنجيل متّى 26/1-2

42 في هذا الأمر اختلاف كبير، إلا أن المسيحيين يقرُّون بصلبه وعمره 33 سنة لكي يتكافأ هذا العدد مع رمزية التثليث. فالمسألة إذا رمزية على أكبر تقدير.

43 وفي رواية أخرى أنه صلب صلب الموت راجع ص.64 من كتاب Recueil de textes inédits لصاحبه L.Massignon

44 Louis Massignon, Akhbar al-h?all?j, pp. 44-45.

45 يعتقد غينون في كتابه رمز الصليب أن هذا الرمز يمثل الاحتواء الشامل للفضاء. إنه يعبر عن وحدة النقائض ويشير إلى الشمولية والكمال. حينما كانت المخطوطات القديمة تبحث لتمثيل العالم، كانت تجمع الفضاءات الأربع حول المركز في شكل صليب يوناني أو مالطي.

R. Guenon, Le symbolisme de la croix, Editions de la maisnie, 1984. p. 48

46 L. Massignon, Recueil de textes inédits, p. 64.

47 فَيَكُون رقم 13 مطابقا تماما لعدد الأغلال التي كان يحملها في قدميه، فقد وضع في رجلي الحلاج ثلاثة عشر قيدا وصلت إلى ركبتيه.

48 كما هو الأمر في باقي البنيات الحكائية الأخرى. بطريقة أخرى، يمكن أن نقول: إن تدخل البنية «إلقاء الشبه» كما نلاحظ ذلك كان استمراراً لعملية إنتاج البنى نفسها التي رأيناها فيما سبق. لقد كانت صورة المسيح حاضرةً في أذهان مؤرِّخي الحكاية حتَّى بعد نهايته، ولذلك فإن حكاية الحلاج تبدو غريبةً إلى حدٍّ ما، لأنَّها تبدو كنسخة طبق الأصل لحكاية المسيح الموجودة في الإنجيل. الاختلاف الوحيد يكمن في مسألة إلقاء الشبه التي نلاحظ أنها تأتي من مصدر معرفي ديني إسلامي بحت، وبذلك تكون شخصية الحلاج إحدى البنى الوظيفية التي تتطابق مع قصة المسيح الإنجيلية والإسلامية.

49نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، ج1/164.

50 نلاحظ أن الخلافة الفاطمية بدأت تبث الرعب في أوساط الخلافة العباسية، فقامت هذه الأخيرة بحجز الحلاج كإعلان حالة تأهب ضد كل المعارف التي لا تمثل المذهب المالكي الذي يوحد الخلافة.

51 سامي مكارم، ص. 32.

52 Mikhaïl Bakhtine, Esthétique de la création verbale, Paris, Gallimard, 1984, p. 313.

53في الواقع، يعتبر التماثل شيء والعلاقة التاريخية شيء آخر. فنمو ظاهرة البطل السريعة يكون في الواقع من ساعة إلى أخرى وليس من يوم إلى آخر كما يمثل لذلك فلاديمير بروب، تماما كظاهرة الشمس وهي صاعدة نحو السماء، فهي تبدو بالنسبة إلى العين وكأنها ذات حجمٍ ضخم فإذا توسَّطت في كبد السماء صارت بحجم أقل، لكن هذا لا يعني في الواقع أن نموها الزمني يقل وإنما بالعكس، إنه يتقدَّم.

Vladimir PROPP, Les racines historiques du conte merveilleux, trad. L. Cruel Apert, Paris, Gallimard, 1983, p. 15.

54 المرجع نفسه، ص. 21-22.

55 المرجع نفسه، ص. 27.

الهواري غـــزالي – مجلة نزوى الثقافية

 

التزوير في كتابة الاحاديث النبوية الشريفة

الدس والتدليس والتزوير في كتابة الاحاديث النبوية الشريفة

كان الوضع و التزوير من اهم اسباب الوهن في التفسير الماثور فقد كانت الدواعي متوفرة للدس و الاخـتـلاق فـي الـماثور من التفسير, الى جنب الوضع في الحديث , فهناك اسباب سياسية و اخرى مـذهـبية و كلامية , و ربما عاطفية , كانت عن قصور النظرلا عن سؤ نية و العمدة ان القرآن كان المحور الاساسي الذي يدور عليه رحى الدين و السياسة و السلوك آنذاك , فلابد لكل منتحلي مسلك مـن الـمـسـالك ان يتشبث بعرى القرآن , و يجعل من آياته الكريمة وسيلة ناجعة , لبلوغ اهدافه ان خـيـرا و ان شـرا,الامر الذي جعل من سوق الكذب و التزوير في التفسير و الحديث رابحة ذلك العهد.

و فـي ذلـك يـقـول الامـام الشيخ محمد عبده : و توالت الاحداث بعد الفتنة الكبرى , و نقض بعض المبايعين للخليفة الرابع الامام امير المؤمنين (ع ) ما عقدوا, و كانت حروب بين المسلمين انتهى فيها امر السلطان الى الامويين بـهـم الـمذاهب في الخلافة , و اخذت الاحزاب في تاييد آرائهم , كل ينصررايه على راى خصمه بالقول و العمل , و كانت نشاة الاختراع في الرواية و التاويل , و غلا كل قبيل

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية

الاف الاحاديث وضعها الزنادقة

ذكـروا لـوضـع الـحديث و الكذب على رسول اللّه (ص ) و على اصحابه الخيار والائمة الاطهار اسبابا كثيرة , ناتي على اهمها :

1ـ مـا وضـعه الزنادقة اللا بسون لباس الاسلام غشا و نفاقا, و قصدهم بذلك افساد الدين و ايقاع الخلاف و الافتراق بين المسلمين

قال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة اربعة آلاف حديث

قال ابورية : هـذا بـحسب ما وصل اليه علمه و اختباره في كشف كذبها , والا فقد اكثر الزنادقة من وضـع الاحـاديث في اعداد هائلة فهذا عبدالكريم بن ابي العوجا ـ و كان خال معن بن زائدة و ربيب حـمـاد بـن سـلمة , و كان يدس الاحاديث في كتب حماد ـ فلما اخذ و اتي به الى محمد بن سليمان بـن عـلـى , فـامر بضرب عنقه لزندقته , فلما ايقن بالقتل قال : و اللّه لقد و ضعت فيكم اربعة آلاف حـديـث احـرم فـيها الحلال و احل فيها الحرام و لقد فطرتكم في يوم صومكم و صومتكم في يوم فطركم فهذا زنديق واحد يضع آلاف حديث , فكيف بغيره و هم كثيرون

و ايضا روى حماد بن زيد عـن جـعفربن سليمان , قال : سمعت المهدي يقول : اقر عندي رجل من الزنادقة انه وضع اربعمائة حديث , فهى تحول في ايدي الناس .

كـمـا روى ابـن الـجوزي باسناده الى حماد بن زيد, يقول : وضعت الزنادقة على رسول اللّه (ص ) اربعة عشر الف حديث.

و اخـرج جلال الدين السيوطي باسناده الى ابن مبارك , انه قال بشان حديث فضائل السور المعزوة الى ابي بن كعب : اظن الزنادقة وضعته , و ذلك تشويها لسمعة القرآن الكريمة .

و ذكـر ابـن الجوزي ان جماعة من الكذابين ندموا على كذبهم و تنصلوا من ذلك فقد حدث عن ابي شيبة , قال : كنت اطوف بالبيت و رجل من قدامي يقول : اللهم اغفر لي , و مااراك تفعل قـنـوطـك اكـثـر من ذنبك ؟ خمسين حديثا, و طارت في الناس , ما اقدر ان ارد منها شيئاو قال ابن لهيعة : دخلت على شيخ و هو يـبـكـي فـقلت : ما يبكيك ؟ فقال : وضعت اربعمائة حديث ادرجتها ادراجا مع الناس ,فلاادري كيف اصنع ؟

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (2)

الحنابلة يزورون حديث فيرد عليهم الشافعية بحدث مزور

2ـ الـوضـع لـنصرة المذاهب في اصول الدين و فروعه فان المذاهب و الاراء لما تشعبت , جعل كل فـريق يستفرغ ما بوسعه لاثبات مذهبه و دعم عقيدته , لاسيما بعد ما فتح باب المجادلة و المناظرة فـي الـمـذاهـب و الاراء و لم يكن المقصود من ذلك الا افحام الجانب الاخر مهما بلغ ثمن ذلك , و لو بالحط من كرامة الدين .

فقد روى ابن الجوزي باسناده الى الدارقطني عن ابي حاتم ابن حبان , قال : سمعت عبد اللّه بن علي يـقول : سمعت محمد بن احمد بن الجنيد يقول : سمعت عبد اللّه بن يزيد المعري يقول عن رجل من اهـل الـبدع رجع عن بدعته , فجعل يقول : انظروا هذا الحديث ممن تاخذونه , فانا كنا اذا راينا رايا جعلنا له حديثا.

و بـاسناده الى ابن لهيعة قال : سمعت شيخا من الخوارج تاب و رجع , و هو يقول : ان هذه الاحاديث ديـن , فانظروا عمن تاخذون دينكم , فانا كنا اذا هوينا امرا صيرناه حديثا

و عن آخر, قال : كنا اذا اجـتمعنا استحسنا شيئا جعلناه حديثا

قال ابورية : و ليس الوضع لنصرة المذاهب محصورا فـي الـمـبـتـدعة و اهل المذاهب في الاصول , بل ان من اهل السنة المختلفين في الفروع من وضع احاديث كثيرة لنصرة مذهبه او تعظيم امامه .

مـن ذلك ما رواه الاحناف , قدحا في الشافعي و مدحا لابي حنيفة , باسناد رفعوه الى ابي هريرة عن النبي (ص ) : ((يكون في امتي رجل يقال له : محمد بن ادريس , اضر على امتي من ابليس و يكون في امتي رجل يقال له : ابوحنيفة , هو سراج امتي )).

و قـد رواه الخطيب مقتصرا على ما ذكروه في ابي حنيفة , و قال : موضوع وضعه محمد بن سعيد الـمـروزي البورقي ,و هكذا حدث به في بلاد خراسان ثم حدث به في العراق , و زاد فيه : ((و سيكون في امتي رجل يقال له : محمد بن ادريس ,فتنته اضر على امتي من فتنة ابليس )).

قـال ابـوريـة : و هـذا الافك مما لايحتاج الى بيان بطلانه , و مع هذا تجد فقها الاحناف المعتبرين يـذكـرون فـي كتبهم الفقهية شق الحديث الذي يصف ابا حنيفة بانه سراج الامة و يسكنون اليه , بل يستدلون به على تعظيم امامهم على سائر الائمة .

الامر الذي اضطر الشافعية ازا ذلك ان يضعوا في امامهم حديثا يفضلونه على كل امام , و هذا نصه : ((اكرموا قريشا فان عالمها يملا طباق الارض علما)) و انصار الامام مالك لم يلبثوا ان وضعوا في امـامـهـم هـذا الـحـديـث : ((يخرج الناس من المشرق الى المغرب , فلايجدون اعلم من عالم اهل المدينة )) و احاديث مشابهة وضعوها بهذا الشان .

هذا فضلا عن الدس و التزوير فى الاحاديث لنصرة المذهب .

هـذا ابوالعباس القرطبي ـ في شرح صحيح مسلم ـ يقول : اجاز بعض فقها اهل الراي , نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلى الى رسول اللّه (ص ) نسبة قولية فيقولون في ذلك : قال رسول اللّه (ص ) : كـذا و كـذا, و لـهـذا نرى كتبهم مشحونة باحاديث تشهد متونها بانها موضوعة , لانها تشبه فتاوي الفقها, و لاتليق بجزالة كلام سيد المرسلين , كما لايقيمون لها اسنادا.

قـال ابـوشامة في مختصر كتابه ((المؤمل )): مما يفعله شيوخ الفقه في الاحاديث النبوية و الاثار الـمـرويـة , كثرة استدلالهم بالاحاديث الضعيفة على ما يذهبون اليه , نصرة لقولهم , و ينقصون في الفاظ الحديث , و تارة يزيدون فيه قال : و ما اكثره في كتب ابي المعالي و صاحبه ابي حامد

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (3)

التزوير بهدف الترهيب والترغيب

3ـ شـدة الـتـرهـيب و زيادة الترغيب لاجل هداية الناس فقد تساهل الوعاظ و علما الاخلاق في تـصـحـيـح ما يروونه بهذاالشان , و ربما تنازل بعضهم فاجاز الاختلاق في ذلك , مادام الغرض هو هـدايـة الناس , و ليس اغواهم فقد كان الوضع للّه , و برربعضهم ذلك بانه انما كذب لرسول اللّه و لم يكذب عليه .

يـقـول ابـوريـة عـن العباد و الصوفية : انه راجت عليهم الاكاذيب و حدثوا عن غير معرفة و لا بصيرة , فيجب ان لايعتمد على الاحاديث التي حشيت بها كتب الوعظ و الرقائق و التصوف , من غير بـيـان تخريجها و درجتها و لايختص هذا الحكم بالكتب التي لايعرف لمؤلفها قدم في العلم , ككتاب ((نـزهـة الـمـجـالـس )) المملؤ بالاكاذيب في الحديث و غيره بل ان كتب ائمة العلماء ((الاحيا للغزالي )) لاتخلو من الموضوعات الكثيرة .

قـلـت : و هكذا بعض كتب الوعظ و الارشاد عندنا, ككتاب ((الانوار النعمانية )) للسيد نعمة اللّه الـجـزائري , مـمـلؤ بالاكاذيب و المخاريق , و مثله كتاب ((خزائن الجواهر)) للشيخ علي اكبر النهاوندي فيه من المخاريق الطامات

وايضا كتب المقاتل و المراثي من المتاخرين , ككتاب ((محرق الـقـلـوب )) لـلـمـولى مهدي النراقي , و كتاب ((اسرار الشهادة )) لابن عابد الدربندي المملوء بـالاكـاذيـب و الـطـامات .

و امثال هذه الكتب كثير مع الاسف , كتبتها ايدي اناس ضعاف العقول , ممن تساهلوا في امرالدين , و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا, سامحهم اللّه .

اخـرج ابـن الـجوزي باسناده الى محمود بن غيلان قال : سمعت مؤملا يقول : حدثني شيخ بفضائل سور القرآن الذي يروى عن ابي بن كعب فقلت للشيخ : من حدثك ؟ قال : حدثني رجل بالمدائن و هو حـي , فـصـرت اليه فقال : حدثني شيخ بواسط وهو حى , فصرت اليه فقال : حدثني شيخ بالبصرة , فـصـرت الـيـه فـقال : حدثني شيخ بعبادان , فصرت اليه فاخذ بيدي فادخلني بيتا فاذا فيه قوم من الـمتصوفة و معهم شيخ فقال : هذا الشيخ حدثني فقلت : يا شيخ من حدثك ؟ فقال : لم يحدثني احد,و لـكـنـا رايـنـا الـنـاس قـد رغـبـوا عن القرآن , فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم الى القرآن .

و من ثم قال يحيى بن سعيد القطان : لم نر الصالحين في شئ اكذب منهم في الحديث .

و أوله مسلم بقوله انه يجري الكذب على لسانهم و لايتعمدون الكذب.

يعني كذابون بالسليقة

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (تابع 3)

التزوير بهدف الترهيب والترغيب

قـال الـقـرطبي في ((التذكار)) لا التفات لما وضعه الواضعون و اختلقه المختلقون من الاحاديث الـكـاذبـة و الاخـبار الباطلة في فضل سور القرآن , وغير ذلك من فضائل الاعمال , و قد ارتكبها جـمـاعة كثيرة وضعوا الحديث حسبة ـ كما زعموا ـ يدعون الناس الى فضائل الاعمال , كما روي عـن ابـي عـصـمة نوح بن ابي مريم المروزي و محمد بن عكاشة الكرماني , و احمد بن عبد اللّه الـجـويـبـاري , و غـيرهم .

قيل لابي عصمة : من اين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور الـقـرآن سورة سورة ؟ فقال :اني رايت الناس قد اعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بفقه ابي حنيفة و مغازي محمد بن اسحاق , فوضعت هذا الحديث حسبة وقـال : قد ذكر الحاكم و غيره من شيوخ المحدثين : ان رجلا من الزهاد انتدب في وضع احاديث فـي فـضل القرآن و سوره فقيل له : لم فعلت هذا؟ فقال : رايت الناس زهدوا في القرآن فاحببت ان ارغـبهم فيه انا ما كذبت عليه , انما كذبت له .

و هذا ميسرة بن عبد ربه ـ كان كذابا وضاعا ـ وضع في فضل قزوين اربعين حديثا قال ابوزرعة : كان يقول : اني احتسب في ذلك و قال ابن الطباع : قلت لميسرة : من اين جئت بهذه الاحاديث : ((من قرا كذا فله كذا))؟ قال : وضعته ارغب الناس فيه و قد وصفه جماعة بالزهد.

و هكذا كان الحسن ـ الراوي عن المسيب بن واضح ـ ممن يضع الحديث حسبة .

و كان نعيم بن حماد يضع الحديث في تقوية السنة .

 و كـان الـهيثم الطائي يقوم عامة الليل بالصلاة , فاذا اصبح يجلس و يكذب , وامثاله كثير من الزهاد كانوا من الوضاعين حسبة للّه فيما زعموا .

 قـال ابن الجوزي : منهم قوم وضعوا الاحاديث في الترغيب و الترهيب , ليحثوا الناس بزعمهم على الخير و يزجروهم عن الشر و هذا تعاط على الشريعة , ومضمون فعلهم ان الشريعة ناقصة تحتاج الى تتمة , فقد اتممناها ثم اسند الى ابي عبداللّه النهاوندي , قال : قلت لغلام خليل : هذه الاحاديث التي تحدث بها من الرقائق ؟ فقال : وضعناها لنرقق بها قلوب العامة و كان غلام خليل هذا يتزهد و يهجن شهوات الدنيا و يتقوت الباقلا تصوفا و غلقت اسواق بغداد يوم موته.

 وقال تحذيرا من الاحاديث الموضوعة : و اعظمهم ضررا, قوم منسوبون الى الزهد, وضعوا الحديث حسبة

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (4)

وضع الاحاديث تزلفا للسلاطين

4ـ وضـع الحديث تزلفا لدى الامرا كان بعض ضعفا النفوس من المحدثين الضعيفي الايمان يتزلفون لدى الامراو السلاطين , بوضع احاديث تروقهم , او تشيد من شناعاتهم في السياسة و الحكم .كان الرشيد يعجبه الحمام و اللهو به , فاهدي اليه حمام , و عنده ابو البختري القاضي , فقال : روى ابـوهريرة عن النبي انه قال : لا سبق الا في خف او حافر او جناح فزاد جناح و قد وضعها تـزلفا لدي الرشيد, فاعطاه جائزة سنية ولما خرج قال الرشيد : واللّه لقد علمت انه كذاب , و امر بـالـحمام ان يذبح فقيل له : و ما ذنب الحمام ؟ قال : من اجله كذب على رسول اللّه (ص ) .

 و حكى ابن الجوزي نظير هذه القصة لغياث بن ابراهيم بمحضر المهدي العباسي .

و هكذا حدث الرشيد : ان جعفر بن محمد حدثه عن ابيه : ان جبرائيل نزل على النبي (ص ) و عليه قبا اسود و منطقة و انما قال ذلك , لان ذلك كان شعار العباسيين فدخل يحيى بن معين , فقال له : كذبت يا عدو اللّه , و قال للشرطة خذوه فقال فيه المعافى التميمي :

ويل و عول لابي البختري ـــــ اذا توافى الناس في المحشر.

من قوله الزور و اعلانه ـــــ بالكذب في الناس على جعفر.

الـى آخـر الابيات , و هي مشهورة و لما بلغ ابن المهدي موته قال : الحمد للّه الذي اراح المسلمين منه .

 و روى ابن الجوزي عن زكريا بن يحيى الساجي , قال : بلغني ان ابا البختري دخل على الرشيد ـ و هـو قـاض ـ و هـارون اذ ذاك يطير الحمام , فقال : هل تحفظ في هذا شيئا؟ فقال : حدثني هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة : ((ان النبي (ص ) كان يطيرالحمام )) فقال هارون : اخرج عني ثم قال : لولا انه رجل من قريش لعزلته .

قـال ابـن الـجـوزي : هـذا الـحـديث من عمل ابي البختري , و اسمه وهب بن وهب كان من كبار الوضاعين .

و روى حـديـث القبا الاسود, قال : لما قدم الرشيد المدينة اعظم ان يرقى منبر النبي (ص ) في قبا اسـود و مـنـطـقـة فـقال ابوالبختري : ((حدثنا جعفر بن محمد عن ابيه قال : نزل جبرئيل على النبي (ص ) و عليه قبا اسود و منطقة , محتجزا فيهابخنجر)).

 قـال يـحيى بن معين : وقفت على حلقة ابي البختري و هو يحدث بهذا الحديث , مسندا عن جعفر بن مـحمد عن ابيه عن جابر فقلت له : كذبت يا عدو اللّه , على رسول اللّه قال : فاخذني الشرط فقلت : هـذا يـزعـم ان رسـول رب العالمين نزل على النبي و عليه قبا فقالوا لي : هذا واللّه قاص كذاب و افرجوا عني

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (5)

التزلف لسلاطين الامويين (1)

5ـ الـوضع نزولا مع سياسة الطغاة كان معاويه اول من وضع سياسته على وضع الاحاديث و قلبها, تمشية مع اهدافه في التغلب على خصومه بني هاشم واتباع علي .

قال الاستاذ ابورية : لابد لنا ان نكشف عن ناحية خطيرة من نواحي الوضع في الحديث , كان لها اثر بـعـيد في الحياة الاسلامية , و لايزال هذا الاثر يعمل عمله في الافكار العفنة و العقول المتخلفة و الـنـفـوس الـمـتعصبة ذلك ان السياسة قد دخلت في هذا الامر, و اثرت فيه تاثيرا بالغا, فسخرته ليؤيدها في حكمها, و جعلته من اقوى الدعائم لاقامة بنائها.

و قـد علا موج هذا الوضع السياسي و طفا ماؤه في عهد معاوية الذي اعان عليه و ساعده بنفوذه و مـاله , فلم يقف وضاع الحديث عند بيان فضله والاشادة بذكره , بل امعنوا في مناصرته , والتعصب له , حـتـى رفعوا مقام الشام الذي يحكمه الى درجة لم تبلغها مدينة الرسول (ص ) و لا البلد الحرام الذي ولد فيه و اسرفوا في ذلك اسرافا كثيرا, و اكثروا حتى الفت في ذلك مصنفات .

 و ذكر ابن ابي الحديد عن شيخه ابي جعفر الاسكافي : ان معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين , على رواية اخبار قبيحة في علي بن ابي طالب تقتضي الطعن فيه و البراءة منه , و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله , فاختلقوا ما ارضاه منهم : ابوهريرة , و عمروبن العاص , و المغيرة بن شعبة , و من التابعين عروة بن الزبير.

 روى الـزهري ان عروة بن الزبير حدثه , قال : حدثتني عائشة , قالت : كنت عند رسول اللّه (ص ) اذ اقبل العباس و علي فقال : يا عائشة , ان هذين يموتان على غير ملتي ـ او قال ـ غير ديني .

 و فـي حـديث آخر عنه , قال : حدثتني عائشة , قالت : كنت عند النبي (ص ) اذ اقبل العباس و علي , فقال : يا عائشة , ان سرك ان تنظري الى رجلين من اهل النار, فانظري الى هذين قد طلعا.

 و امـا عـمـرو بـن الـعـاص فـقـد اخـرج عـنه البخاري و مسلم باسناد متصل اليه , قال : سمعت رسول اللّه (ص ) يقول : ((ان آل ابي طالب ليسوا لي باوليا انما وليى اللّه و صالح المؤمنين )).

 و امـا ابـوهـريـرة فـروي عـنـه الـحديث الذي معناه : ان عليا خطب ابنة ابي جهل في حياة رسـول اللّه (ص ) فـاسخطه ,فخطب , و قال : لاها اللّه , لاتجتمع ابنة ولي اللّه و ابنة عدو اللّه ابي جهل , ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها فان كان علي يريد ابنة ابي جهل فليفارق ابنتي , و ليفعل ما يريد.

 و ايـضـا روى ابـو جـعـفـر عـن الاعـمـش قـال : لـمـا قـدم ابوهريرة العراق مع معاوية عام الـجماعة , جاء الى مسجد الكوفة ,فلما راى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه , ثم ضرب صلعته مرارا, و قال : يا اهل العراق , اتزعمون اني اكذب على اللّه و على رسوله و احـرق نـفـسـي بالنار بالمدينة ما بين عير الى ثور فمن احدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس اجمعين)), و اشهد ان عليا احدث فيها فلما بلغ ‌معاوية قوله اجازه و اكرمه و ولاه امارة المدينة .

و ايـضـا روى عـن شـيخه ابي جعفر : ان معاوية بذل لسمرة بن جندب ـ الرجل الوقح ـ مائة الف درهم حتى يروي ان هذه الاية نزلت في علي بن ابي طالب : (و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد اللّه على ما في قلبه و هو الد الخصام و اذا تولى سعى في الا رض ليفسد فيها و يهلك الحرث والنسل و اللّه لايحب الفساد).

و ان الاية الاخرى نزلت في ابن ملجم , و هي قوله تـعـالـى : (و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه و اللّه رؤوف بالعباد) فلم يقبل , فـبـذل له مئتي الف درهم فلم يقبل , فبذل له ثلاثمئة الف فلم يقبل , فبذل له اربعمئة الف فقبل , و روى ذلك .

 نعم كان معاوية يرى بنفسه ما يضاهي به عليا فكان يجعل الجعائل للوضع في تفضيله و تفضيل بلاده “الشام” التي كان يحكمها, و حاضرة ملكه , كان يجهد جهده في ذلك

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (1/5)

تزوير احاديث في فضائل الشام واهلها ارضاء لمعاوية

قال ابورية : و قد وضعوا فيه و فـي تـفضيل الشام احاديث نسبوها الى رسول اللّه (ص ) نذكر منها : ما اخرجه الترمذي ان النبي قال لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا و في حديث آخر ان النبي قال : اللهم علمه الكتاب و الحساب وقه العذاب ـ و هناك زيادة ـ : و ادخله الجنة .

و عـلـى كـثرة ما جا في فضائل معاوية من احاديث لا اصل لها, فان اسحاق بن راهويه و هو الامام الكبير و شيخ البخاري قد قال : انه لم يصح في فضائل معاوية شي .

 و هكذا ذكر الاستاذ ابورية : ان اشادة كهان اليهود ـ يريد كعبا و اذنابه ـ الى ان ملك النبي سيكون بالشام انما هو لامر خبئ في انفسهم و قد تبين ان الشام ما كان لينال من الاشادة بذكره و الثناء عليه , الا لـقـيام دولة بني امية فيه , تلك الدولة التي قلبت الحكم من خلافة عادلة الى ملك عضوض , و التي تـحـت كـنـفـها و في ايامها نشات الفرق الاسلامية التي فتت في عضد الدولة الاسلامية و مزقتها تـمزيقا, و استفاض فيها وضع الحديث فكان جديرا بكهنة اليهود ان ينتهزوا هذه الفرصة و ينفخوا في نار الفتنة , و يمدوها بجيوش الاكاذيب و الكيد و كان من هذه الاكاذيب ان بالغوا في مدح الشام و اهله , وان الخير كل الخير فيه ,و الشر كل الشر في غيره .

 و مـمـا قـالـه هـؤلا الكهنة بهذا الشان : ان ملك النبي سيكون بالشام , روى البيهقي في الدلائل عن ابي هريرة ـ تلميذ كعب ـ مرفوعا : الخلافة بالمدينة والملك بالشام و عن كعب : اهل الشام سيف من سيوف اللّه ينتقم اللّه بهم ممن عصاه .

 و من حديث : ستفتح عليكم الشام , فاذا خيرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة يقال لها : ((دمشق )) ـ و هـي حـاضـرة الامـويـيـن ـ فـانـها معقل المسلمين في الملاحم , و فسطاطها منها بارض يقال لها : ((الغوطة )).

و قـد جـعـلوا دمشق هذه , هي الربوة التي ذكرت في القرآن الكريم :

(و آويناهما الى ربوة ذات قـرار و مـعين ) و ذلك في حديث مرفوع الى النبي (ص ).

و قد جعلها ابوهريرة من مدائن الـجـنـة ايـضـا في حديث رفعه الى النبي (ص) هذا نصه : ((اربع مدائن من مدائن الجنة : مكة , و المدينة , و بيت المقدس , و دمشق )) .

 و هـكـذا نـرى معاوية الذي تعلم من كعب كيف يضع الحديث , يصف نفسه بان النبي (ص ) وعده بانه سـيلي الخلافة من بعده قال في خطبته لما عاد من العراق الى الشام بعد بيعة الامام الحسن سنة (41):

((ايـهـا الـنـاس , ان رسـول اللّه (ص ) قـال : انـك ستلي الخلافة من بعدي , فاختر الارض المقدسة , فان فيها الابدال ))

قال ابورية : و ماكاد معاوية يذكر ان الشام ارض الابدال الا و ظـهـرت احـاديـث مـرفـوعـة عـن هـؤلا الابـدال و قـد اوردهـا الـسـيـوطي في ((الجامع الصغير))

 و بذلك نكشف عن جانب خطير من كيد الدهاء اليهودي للمسلمين و دينهم وملكهم

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (2/5)

التزلف لبني امية بتعظيم الشام واهله 2

ذلك انهم لم يكتفوا بما قالوه في الشام بل زادوا على ذلك بان جعلوا الطائفة الظاهرة على الحق تكون في الشام كذلك , و حتى نزول عيسى الذي قالوا عنه : سيكون بارضه .

فـقد جا في الصحيحين : ((لاتزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم و لا من خـالـفهم , حتى ياتي امراللّه و هم كذلك روى البخاري : هم بالشام

و في رواية ابي امامة الباهلي : انهم لما سالوا النبي قال : بيت المقدس واكناف بيت المقدس .

 و في مسلم عن ابي هريرة : ان النبي قال : لايزال اهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة قال احمد و غيره : هم اهل الشام .

و فـي ((كـشـف الخفا)) : ان كعب الاحبار قال : اهل الشام سيف من سيوف اللّه , ينتقم اللّه بهم من العصاة .

 قـال ابـوريـة : و لعل العصاة هنا هم الذين لاينضوون تحت لواء معاوية , ويتبعون غيره و غيره هو علي بن ابي طالب .

 اخـرج ابـن الـجـوزي مـن طـريق عبد اللّه بن احمد بن حنبل , قال : سالت ابي ما تقول في علي و مـعـاويـة ؟ فـاطرق , ثم قال :ايش اقول فيهما, ان عليا كان كثير الاعدا, ففتش اعداؤه له عيبا فـلـم يـجـدوا, فـعـمـدوا الـى رجـل ـ يـريـد مـعـاوية ـ قد حاربه و قاتله فاطروه , كيدا منهم لعلي .

 قـال ابـن حـجر : فاشار بهذا الى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا اصل له قال : و قد ورد في فضائل معاوية احاديث كثيرة , ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد و بذلك جزم اسحاق بن راهوية و النسائي و غيرهما .

 و من طريف الامر, ان البخاري في كتاب ((الفضائل )) نراه عنون الباب الذي خصه بمعاوية , بقوله : ((بـاب ذكر معاوية )),و لم يجرا ان يعنونه بلفظة ((الفضائل )) كما في سائر الابواب , و بالفعل لم يات فيه شيئا مذكورا , و هكذا ابن الجوزي و غيره و من ثم قال ابن حجر في الشرح : عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله ((ذكر)) و لم يقل : ((فضيلة )) و لا ((منقبة )), لـكـون ((الـفضيله)) لاتؤخذ من حديث الباب , اي لاتستفاد فضيلة من الحديث الذي ذكره تحت هذه الترجمة , و قد عرفت انه لم يصح فيه حديث .

 و روى الـذهـبـي قـال : سئل النسائي ـ و هو بدمشق ـ عن فضائل معاوية , فقال : الا يرضى راسا بـراس , حتى يفضل فتوفى بها .

و هكذا استمر الحال بعد معاوية مادامت السلطة الاموية قائمة فهذا هشام بن عبد الملك نراه يفرض عـلـى اتـباعه و متملقيه من علماء ذلك العصر ان يرووا ان الاية : (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) نزلت في علي فاقروه على ذلك

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (6)

القصاصين وتزوير الحديث

6ـ الـوضـع نـزولا مـع رغبة العامة , و رغبة فيما بايديهم من حطام الدنيا و هذه مهنة القصاصين , يقصون على الناس القصص و الاساطير البائدة و يحدثونهم الغرائب و العجائب , ليستدروا ما لديهم من نقود و اعانات و فضول طعام .

و قـد كـان وضـع الـحـديـث لارضـا الناس و ابتغاء القبول عندهم , و استمالتهم لحضور مجالسهم الوعظية , و توسيع حلقاتهم , امرا رائجا و لايزال .

 قال القرطبي في مقدمة تفسيره : منهم (من الوضاع و الكذابين ) قوم من السؤال و المكدين , يقفون في الاسواق و المساجد, فيضعون على رسول اللّه (ص ) احاديث باسانيد صحاح قد حفظوها, فيذكرون الموضوعات بتلك الاسانيد

 قال ابن الجوزي : هناك قوم شق عليهم الحفظ, فضربوا نقد الوقت , و ربما راوا ان الحفظ معروف , فاتوا بما يغرب ممايحصل مقصودهم , فهؤلا قسمان , احدهما : القصاص , و معظم البلاء منهم يجري , لانـهـم يزيدون احاديث تثقف و ترقق ,و الصحاح يقل فيها هذا ثم ان الحفظ يشق عليهم و يتفق عدم الـديـن, و مـن يحضرهم جهال , فيقولون و لقد حكى لي فقيهان ثقتان عن بعض قصاص زماننا و كان يـظهر النسك و التخشع , انه حكى لهما, قال : يوم عاشورا, قال رسول اللّه (ص ) : من فعل اليوم كذا فله كذا, و من فعل كذا فله كذا, الى آخر المجلس فقالا له : و من اين حفظت هذه الاحاديث ؟ فقال : واللّه ما حفظتها,و لااعرفها, بل في وقتي قلتها.

 قـال : و الاجـرم كان القصاص شديدي النعير, ساقطي الجاه , لايلتفت الناس اليهم , فلا لهم دنيا و لا آخرة و قد صنف بعض قصاص زماننا كتابا فذكر فيه : ((ان الحسن و الحسين دخلا على عمر بن الخطاب و هو مشغول , فلما فرغ من شغله رفع راسه فرآهما, فقام فقبلهما, و وهب لكل واحد منهما الـفا,

وقال : اجعلاني في حل , فما عرفت دخولكما, فرجعا و شكراه بين يدي ابيهما على فقال على : سمعت رسول اللّه (ص ) يقول : عمر بن الخطاب نور في الاسلام و سراج لاهل الجنة فرجعا فحدثاه فدعا بدواة و قرطاس

و كتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم , حدثني سيدا شباب اهل الجنة عن ابيهما المرتضى عن جدهما المصطفى انه قال : عمر نور الاسلام في الدنيا و سراج اهل الجنة في الجنة و اوصى ان تجعل في كفنه على صدره , فوضع فلما اصبحوا وجدوه على قبره , و فيه : صدق الـحـسـن و الـحـسين و صدق ابوهما و صدق رسول اللّه (ص ) : عمر نور الاسلام و سراج اهل الجنة )).

 قـال ابن الجوزي : و العجب بهذا الذي بلغت به الوقاحة الى ان يضيف مثل هذا و ماكفاه حتى عرضه على كبار الفقهاء,فكتبوا عليه تصويب ذلك التصنيف فلا هو عرف ان مثل هذا محال و لا هم عرفوا و هـذا جـهـل متوفر, علم به انه من اجهل الجهال الذين ما شموا ريح النقل , و لعله قد سمعه من بعض الطرقيين

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (7) الجزء الاخير

قال الامام احمد بن حنبل : اكذب الناس السؤال و القصاص .

و عن ابي قلابة : ما امات العلم الا القصاص .

و كان ابو عبد الرحمان يقول : اتقوا القصاص .

و كان الذي احدث القصص ـ في المساجد ـ هو معاوية بن ابي سفيان فقد اخرج الزبير بن بكار في اخـبـار المدينة عن نافع و غيره من اهل العلم , قالوا : انما القصص محدث احدثه معاوية حين كانت الفتنة .

لـكـن سيوافيك في قصة الاسرائيليات ان القصص في المساجد, حدث في اواخر عهد عمر, حين اسـتـجازه تميم الداري فاجازه ان يقص قائما في مسجد المدينة و هكذا استمر على عهد عثمان , واستمر في عهد معاوية في المساجد,

و كـان الذي اشاع القص في المساجد هو كعب الاحبار, حيث انتهز الفرصة ايام الفتنة لبث مخاريقه بين المسلمين كيدا بالاسلام , و ذلك ان وجد من امكان اشاعة اساطيره بين الناس .

كـان كـعـب قـد تـوعـده عـمر بالنفي الى ارض القردة اذا هو روى اسرائيلياته او ما كان يلصقه بالنبي (ص ) من احاديث خرافة فلم يجد كعب تلقاء هذا التهديد مناصا مـن ان يـذعن في غيظ , ثم اخذ يسعى في الخفاء لكي يحقق اغراضه التي اسلم من اجلها.

قال ابـوريـة : و ما لبث ان اتيحت له فرصة المؤامرة التي دبرتها جمعية سرية لقتل عمر, فاشترك هو فيها, و نفخ في نارها.

فـلـمـا خـلا لـه الجو بقتله , اطلق العنان لنفسه لكي يبث ما شا الكيد اليهودي ان يبث من الخرافات الاسـرائيـلـيـات الـتي تشوه بها الدين ,

 و قد درس هذا الكاهن اليهودي في ملامح معاوية تحقيق اهدافه و امكان رواج اسرائيلياته , فلم يدع تلك الفرصة ,و اغتنمها منذ عهد عثمان . ذلك انه لما اشتعلت نيران الفتنة في زمن عثمان و اشتد زفيرها, حتى التهمت عثمان فقتلته و هو ـ اي كـعـب الاحبار ـ في بيته , لم يدع هذا الكاهن الماكر هذه الفرصة تمردون ان يبتهلها, بل اسرع يـنـفـخ في نارها, و يسهم بكيده اليهودي فيها ما استطاع الى ذلك سبيلا و قد كان من كيده في هذه الفتنة ان ارهص بيهوديته بان الخلافة بعد عثمان ستكون لمعاوية .

 فقد روى وكيع عن الاعمش عن ابي صالح : ان الحادي كان يحدو بعثمان يقول:

ان الامير بعده على ـــــ و في الزبير خلق رضي .

فـقـال كـعب : بل هو صاحب البغلة الشهباء ـ يعني معاوية ـ و كان يراه يركب بغلة , فبلغ ذلك معاوية فـاتاه , فقال : يا ابا اسحاق ما تقول هذا؟ و ها هنا على و الزبير و اصحاب محمد لعله اردف ذلك بقوله : اني وجدت ذلك في التوراة ـ كما هي عادته .

و قدر معاوية هذه اليد الجليلة لكعب , و اخذ يغمره بافضاله .

و قـد عـرف مـن تـاريخ هذا الكاهن انه تحول الى الشام في عهد عثمان , وعاش تحت كنف معاوية , فاستصفاه معاوية لنفسه و جعله من خلصائه , لكي يروي من اكاذيبه و اسرائيلياته ما شا ان يروي في قصصه , لتاييده , وتثبيت قوائم دولته .

و قـد ذكـر ابـن حجر العسقلاني بان معاوية هو الذي امر كعبا بان يقص في الشام و هو الذي بث احاديث تفضيل الشام و اهلها, سوا بنفسه او على يد تلامذته.

انتهى البحث

أهمية دراسة علم التاريخ

 أهمية دراسة علم التاريخ

 يذكر ” العز الكنانى ” رأيه في أهمية علم التاريخ فيقول ” لاشك في جلالة علم التاريخ وعظم موقعه من الدين وشدة الحاجة الشرعية إليه لأن الأحكام الانتقادية والمسائل الفقهية مأخوذة من مكارم الهدى من الصلات والمبصر من العمى والجهالة ، والنقلة هم الواسطة بيننا وبينه فوجب البحث عنهم والفحص عن أحوالهم ، وهذا مجمع عليه ، والعلم المتكفل بذلك هو علم التاريخ ولهذا قيل أنه من فروض الكفاية ( 47 :55)0

 ويرى ” المقريزى ” ” أن علم التاريخ من أجل العلوم قدراً وأشرفها عند العقلاء مكانة وخطراً لما يحويه من المواعظ والإنذار بالرحيل إلى الدار الآخرة عن هذه الدار ، والاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدي بها ، واستعلام مذام الفعال ليرغب عنها أولوا النهى ” ( 87 : 89) ، ويشير ” السخاوى ” إلى أهمية علم التاريخ بقوله ” فعلم التاريخ فن من فنون الحديث النبوي ، وزين تقر به العيون ، حيث سلك فيه المنهج القويم المستوى ، بل وقعه من الدين عظيم ، ونفعه متين فى الشرع ، بل جعله من فروض الكفايات ” ( : 4 ) 0

 ولقد أوضح ” ابن الأثير ” أهمية دراسة علم التاريخ بقوله ” لقد رأيت جماعة ممن يدعى المعرفة والدراية ، ويظن بنفسه التبحر فى العلم والرواية يحتقر التواريخ ويزدريها ، ويعرض عنها ويلقيها ظناً منه أن غاية فائدتها القصص والأخبار ، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار ، وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره . ومن رزقه الله طبعاً سليماً وهداه صراطاً مستقيماً ، علم أن فوائده كثيرة ومنافعه الدنيوية والأخروية حجه غزيرة….. ( 24 : 7 ) 0

 ويذكر “ابن الأثير ” أن من الفوائد الدنيوية لدراسة علم التاريخ ” إن الإنسان لا يخفى أنه يحب البقاء ويؤثر أن يكون فى زمرة الأحياء ، فيا ليت شعري ‍‍‌‌‍‍! أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه وبين ما قرأه فى الكتب المتضمنة أخبار الماضيين وحوادثن المتقدمين ؟ فإذا طالعها فكأنه عاصرهم ، وإذا علمها فكأن حاضر هم( 24 :7)، ويضيف “إبن الأثير ” ان الملوك ومن إليهم الأمر والنهى إذا اطلعوا على تجارب الماضي وأحداثه أفادوا منها واستقبحوا الأشياء التى أساءت للبلاد والعباد واستحسنوا السيرة الحسنة للحكام والولاة العادلين فرغبوا فيها وخلصوا بها واستعانوا نفائس المدن وعظيم الممالك” ( 24 : 7 ) 0

  وأخيراً يختم ” ابن الأثير ” حديثه عن أهمية علم التاريخ وفوائده الأخروية بقوله ” وأما الفوائد الأخروية فمنها أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ورأى تقلب الدنيا بأهلها ، وتتابع نكباتها على أعيان قاطنيها وأنها سلبت نفوسهم ، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم فلم تبق على جليل ولا حقير ولم يسلم من نكدها غنى ولا فقير زهد عنها وأقبل على التزود للآخرة منها 000 ومنها التخلق بالصبر والتأنى وهما من محاسن الأخلاق ، فإن العاقل إذا رأى مصاب الدنيا لم يسلم منه بنى مكرم ، ولا ملك معظم ، بل ولا أحد من البشر ، علم أنه يصيبه ما أصابهم ، وينوبه ما نابهم ” ( 42 : 7 ) 0

  ويذكر ” خليفة بن خياط ” أهمية التاريخ بقوله ” وبالتاريخ عرف الناس أمر حجهم وصومهم وانقضاء عدد نسائهم ومحل ديونهم ” ( 41 : 49) ، ويشير ” الطبري ” إلى أهمية علم التاريخ بقوله ” قال جل جلاله وتقدست أسماؤه ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً )صدق الله العظيم ( سورة الإسراء الآية 12 )ليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار والشهور والسنين من الصلوات والزكوات والحج والصيام وغير ذلك من فروضهم وحين حل ديونهم وحقوقهم ” ( 63 : 3 ) 0

  ولا زال تعريف ” ابن خلدون ” للتاريخ في فاتحه مقدمته يعتبر من أدق ما قيل فى هذا العلم عند العرب ، وهو تعريف أعجب به وأشار إليه نفر من كبار المؤرخين في الغرب ، حيث قال ” ابن خلدون ” بعد مدخل بلاغي ” أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال ، وتشد إليه الركائب والرحال ، وتسمو إلى معرفته السوقة.. وتتنافس فيه الملوك .. ، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال ، إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدى إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمحال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان لهم الزوال 0 وفى باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق ” ( 37 : 3 ) 0

  ويذكر ” حسين مؤنس ” إن التاريخ ليس لغواً ، فهو لا يقتصر على أخبار الماضيين وأساطير الأولين ، بل هو يدرس التجربة الإنسانية أو جوانب منها ، ويسعى إلى فهم الإنسان وطبيعة الحياة على وجه الأرض ، وإذا نحن اعتبرنا الحياة طريقاَ يقطعه الإنسان ، فلا شك بأن معرفتنا بما قطعناه من الطريق يعيننا على قطع ما بقى منه ( 37 : 12 ) 0

 وخلاصة هذا الكلام أن التاريخ ينفع في العظة والعبرة فنحن ندرس تواريخ الدول والملوك لنتعلم ، وندرس سير الأنبياء لنتأسى بهم ، وندرس تجارب الأمم ونرى ما وقعت فيه من الأخطاء لننجو بأنفسنا عن المذلات ومواطن الضرر ، وهذه أعظم فوائد التاريخ في نظر دارسيه .

 ويوضح ما سبق ما قاله ” ابن خلدون ” في مقدمته ” أعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية ، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دولهم وسياستهم ، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا ، فهو محتاج إلى مأخذ متعددة ومعارف متنوعة ، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق ، وينكبان به عن المذلات والمغالط “( 37 : 14 )

 وللتاريخ أهمية عظمى في بناء الأمم ، والمحافظة على هويتها وشخصياتها بل وعلى قوتها ، وقدرتها على الشموخ ، والاستطالة والاستمرار فهو جذور الأمة التي تضرب بها في الأعماق ، فلا تعصف بها الأنواء ، ولا تزلزلها الأعاصير ، ولا يفتنها الأعداء 00 وهو ذاكرة الأمة ، والذاكرة للامة كالذاكرة للفرد تماماً ، وبها تعي الأمة ماضيها ، وتفسر حاضرها ، وتستشرف مستقبلها 0 ( 70 : 54- 55 ) 0

   والتاريخ ليس هو الحوادث ، وإنما هو تفسير هذه الحوادث واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها ، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات ، متفاعلة الجزئيات ، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان ( 55 : 37 ) 0

  وعن قيمة التاريخ يذكر المفكر ” مالك بن بنى ” إن نظرتنا إلى التاريخ لا تؤدى إلى نتائج نظرية فحسب ، بل إلى نتائج تطبيقية تتصل بسلوكنا في الحياة ، فهي تحدد موقفنا أمام الأحداث ، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها ( 94 : 26 ) 0

 والتاريخ ليس علم الماضي ، بل هو علم الحاضر ، والمستقبل في واقع الأمر وحقيقته ، فالأمة التي تستطيع البقاء ، هي الأمة التي لها ضمير تاريخي ، ومعرفة التاريخ ، وعشق له ، والتاريخ أيضا ” عرض الأمة ” كما سماه كاتب العربية الأكبر ” عباس محمود العقاد ” ، ورحم الله أمير الشعراء حين قال :

 مثل القوم أضاعوا تاريخهم كلقيطٍ عيّ في الحي انتسابا

 ويشير “محمد قطب ” إلى الغاية التي من أجلها يدرس التاريخ ليس مجرد أقاصيص تحكى ، ولا هو تسجيل للوقائع والأحداث ، إنما يدرس التاريخ للعبرة 00 ويدرس للتربية -تربية الأجيال 0بسم الله الرحمن الرحيم ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ، ما كان حديثاً يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون))صدق الله العظيم (يوسف الآية 111 )( 106 : 27- 28 ) 0

 لقد أصبح التوجه صوب التاريخ والتعامل معه كمعطى ثقافي ، أو كمورد من أهم موارد التشكيل الثقافي ، من الأهمية بمكان ، لأنه يعتبر إلى حد بعيد من ضرورات الخصوصية الثقافية ، وعلى الأخص في عصر العولمة ، ومحاولات طمس الهوية وتذويب الخصوصيات ، وفرض ثقافة وتاريخ الغالب باسم التطبيع أو نهاية التاريخ والنزوع إلى العالمية والإنسانية ( 47 : 32 ) 0

 “فالتاريخ هو ذاكرة الأمة ومخزون تراثها الثقافي ، ومناخ عمليات التفكير وتحديد الوجه ، وحامل قسمات شخصياتها الحضارية ، وهو من أهم عوامل الارتكاز الثقافي ، وهو مفتاح لكل نهوض أو إصلاح أو تغيير ، في صفحاته تقرأ الأمم والشعوب ، ويكتشف دليل التعامل معها ، ومن خلال استقرائه تعرف السنين الفاعلة في الحياة ، والقوانين التي تحكم الفعل التاريخي ، وتحقق العبرة التي تختزل لنا التجربة ، وتطوى مسافة الزمان والمكان ، وتمد أعمارنا إلى الماضي البعيد وتوجه أبصارنا إلى أفق المستقبل وعالم الغد المديد وتمنحنا الحكمة ، وتزكى عقولنا ، وتنمى معارفنا ، وتمنحنا القدرة على الموازنة والمقارنة والفهم والتحليل والتعليل” ( 47: 33 ) 0

 ولقد قال أسلافنا القدماء – من علماء التاريخ وكتابه “أن قراءة التاريخ تضيف لقارئه عمراً ثانياً ، وإنها من ثم – تضاعف العمر ، لأنها تضيف إلى عمر القارئ عمر الشعوب والقادة والأبطال الذين قرأ تاريخهم عن طريق إكسابه خبراتهم ، وجعله يعيش ما عاشوا من أحداث ووقائع وأيام” ( 105 : 33 ) 0

 ولما كان كلام أسلافنا القدماء عن قارئ التاريخ ، فأننا نستطيع أن نضيف هنا أن الوعي بالتاريخ يكسب أصحابه إلى جانب عمرهم وعمر أسلافهم أيضاً عمر الأجيال التي لم تأتى بعد ، لأن الوعي بالتاريخ تتجاوز فائدته وثمراته حدود الاستفادة بهذا الوعي في حياتنا الحاضرة وبناء واقعنا المعاش ، إلى التأثير في المستقبل القريب منه والبعيد ، ومن ثم فنحن نضيف إلى أعمارنا إذا وعينا تاريخنا أعمار الأقدمين ونسهم كذلك في زيادة أعمار الأجيال القادمة بما نضعه على ضروبها من أضواء ، وما نقدمه لتجاربها وخبراتها من إضافات ( 105 :33).

 إن الوعي بالتاريخ ليس حفظاً للذاكرة وتسجيلاً للحدث ، وإنما إعمالاً للتفكير ، واستنتاجاً للعبرة والعظة ، وامتلاك المؤهل لاستيعاب الحاضر وتفسيره ، والتبوء بتداعياته ومآلا ته وعواقبه ، وكذلك فإن الوعي التاريخي هو من أهم الموارد الثقافية والمعرفية ، لثقافة الحاضر ورؤية المستقبل ، وأن القطيعة التاريخية تجعل التعامل مع الحياة نوعاً من الخبط الأعشى ( 47 : 18 ) 0

 والتاريخ يختص بدراسة الحاضر وجذوره الضاربة في الماضي القريب والبعيد ، وهو يتتبع قصة الإنسان ونشأته وتطوره وعلاقاته ومشكلاته ، الأمر الذي يشارك في إيضاح جذور منابع ذلك الحاضر الذي يعيش فيه ويحدد اتجاهات المستقبل ومن خلال دراسة التاريخ تتاح فرصة التعرف على المشاكل العالمية المعاصرة وأسبابها ، والعلل وتعيين مداها ، ونوع أثرها ( 15 :15 ) 0

 ويشير ” استراير ” STROYER إلى أن دراسة التاريخ تعين الإنسان على مواجهة المواقف الجديدة لا لأنها تقدم له أساساً للتنبؤ بما سيكون ، ولكن لأن الفهم الكامل للسلوك الإنساني فى الماضي يتيح الفرصة للعثور على عناصر مشتركة بين مشاكل الحاضر والمستقبل مما يجعل حلها حلاً ذكياً أمراً ممكناً ( 37 : 39)0

 بينما يذكر ” ستيوارت هيوز ” إن التاريخ كان يعد نفسه دائماً علماً شاملاً وعلماً وسيطاً ، وقد كان التاريخ في الماضي يربط الشعر بالفلسفة ، وهو اليوم يربط الأدب بعلم الاجتماع ، وما دام لكل شيء تاريخه ، فإن التاريخ كعلم يشمل كل شيء ، حتى الكاتب الصغير الذي يدرس مبادئ التأمين ، يجد نفسه يدرس إلى حد ما تاريخ التأمين ، وبذا يصبح التاريخ ميدان التقاء كثير من العلوم 0( 37 :39) 0

 ويهتم التاريخ بالعلاقات والمشكلات المختلفة متتبعا نشأتها وتطورها ، والنتائج التي ترتبت على هذا التطور ، ويلقى أضواء من الماضي على ما هو كائن في الحاضر من هذه العلاقات والمشكلات والسلوك ، ويبرز في كل هذا أدوار البطولة والقيادات وجهاد الشعوب والنتائج التي ترتبت عليها ( 57 : 9)

 ويؤكد ” سالم أحمد محل ” على أهمية تعلم التاريخ بقوله ” فالتاريخ هو ذاكرة الأمة ومخزون تراثها الثقافي ، ومناخ عمليات التفكير وتحديد الوجهة ، وحامل قسمات شخصياتها الحضارية ، وهو من أهم عوامل الارتكاز الثقافي ، وهو مفتاح لكل نهوض أو إصلاح أو تغيير ، في صفحاته تقرأ الأمم والشعوب ، ويكتشف دليل التعامل معها ، ومن خلال استقرائه تعرف السنين الفاعلة في الحياة والقوانين التي تحكم الفعل التاريخي ، وتحقيق العبرة التي تختزل لنا التجربة ، وتطوى مسافة الزمان والمكان وتمد أعمارنا إلى الماضي البعيد ، وتوجه أبصارنا إلى أفق المستقبل وعالم الغد المديد ، وتمنحنا الحكمة ، وتزكى عقولنا ، وتنمى معارفنا ، وتمنحنا القدرة على الموازنة والمقارنة والفهم والتحليل والتعليل ، وتحرضنا على التفكير فى أسباب السقوط والنهوض ، لذلك اعتبر القرآن التاريخ مصدراً للمعرفة ، ودعا إلى السير فى الأرض لاستيعابه ، واستنكر الركود ، وعدم الاكتشاف الحضاري 0

 قال الله تعالى “( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) – ( سورة الروم الآية 9 ) ( 47 : 32 – 33 ) 0

 ويتفق ” هيوم اتكن ” مع ما سبق بقوله ” إن الهدف من الدراسة التاريخية أكثر من مجرد الوقوف على الحوادث وعلى النحو الذي وقعت فيه ولكن لا بد من فهم هذه الحوادث والكشف عن وحده الارتباط بين بعضها وللكشف عن الصلة بين الأحداث واستخراج العبر والعظات منها للاستفادة منها في فهم الواقع الذي نعيشه الآن ( 123 : 11 ) 0

 ويذكر المؤرخ الإنجليزى ” آرثر مارفيك ” فى كتابه المسمى ” طبيعة التاريخ ” وهو من الكتب الدراسية الجامعية المعتمدة واسعة الانتشار في جامعات أوروبا وأمريكا قال ” مارفيك ” ” وإذن فالتبرير الأساسي للدراسة التاريخية هو أنها ضرورية ، فهي تسد حاجة غريزة إنسانية أساسية وتفي بحاجة أصلية من حاجات البشر الذين يعيشون في المجتمع ( 37 : 32 )

لماذا نناقش الخرافات التوراتية اليهودية؟

 توظيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطاب

مسعد عربيد 

مقدمة
لماذا نناقش الخرافات التوراتية اليهودية؟

لا تكمن جذور الصراع العربي ـ الصهيوني في الابعاد والعوامل الدينية، بل في المصالح والتناقضات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية للاطراف المتصارعة. فلسنا، إذن، امام صراع ديني وإن كان يتخذ لبوس الدين في كثير من الاحيان ولا يخلو من تجليات دينية على مستوى الحدث وتسييس الدين والتفاعلات السياسية والاجتماعية، بل إننا أمام مشهد تتداخل فيه وتتفاعل ديناميكيتان أساسيتان:

1) التوظيف الصهيوني للديانة اليهودية والخرافات الدينية الغيبية (النبوءات التوراتية تأويلاتها اليهودية ـ الصهيونية والمسيحية البروتستانتية )، والتي وُظفت في التأسيس لادعاء “الحق الديني والتاريخي” لليهود في فلسطين؛

2) التلقي العربي لهذ المقولات والتعامل معها عبر الخطاب الديني والاعلامي والسياسي. وسيكون الرد الديني محور النقاش الرئيسي في هذه المقالة لما له من حضور دائم وعميق في مجتمعاتنا وبين جماهيرنا، ومن حيث قدرته على إختراق الوعي الشعبي والتأثير في تكوينه وتحديد مفرداته وأفكاره وأدواته.

في إطار هذا الفهم للابعاد الدينية ودورها في الصراع العربي ـ الصهيوني، فان تناولنا للخرافات الدينية والنبوءات التوراتية، قد يستدعي تلمس بعض الجوانب الدينية واللاهوتية:
□ التي لا نتناولها من منظور ديني، بل من حيث توظيفاتها السياسية، وبقدر ما تعيننا على فهم إستراتيجية العدو التي وظفتها الحركة الصهيونية في كسب الدعم الجماهيري اليهودي (في التجمعات اليهودية الموزعة في أنحاء العالم) والدعم الرسمي والشعبي في الغرب الراسمالي (المجتمعات المسيحية الغربية)؛
□ وبقدر ترابطها بالمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين والمشروع الامبريالي في فضائه الاوسع ضد الوطن العربي؛
□ وأخيراً، بقدر ما تسهم في إستشراف إستراتجية المقاومة للمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني. 
□ وعليه، فلسنا بصدد المعالجة اللاهوتية لهذه النبوءات، لبس إنتقاصاً من أهمية وضرورة هذه البحوث في فهم العدو ومكوناته الثقافية، بل لاننا سنحصر نقاشنا في التوظيف السياسي الصهيوني لهذه الخرافات، من جهة، وتعامل خطابنا الديني في رده عليها، من جهة اخرى. 

وتجدر بنا الاشارة، قبل الولوج الى موضوعنا، الى ملاحظة هامة وهي ان الصهيونية لم تُوظف النبوءات التوراتية فحسب، بل سعت، منذ المراحل الجنينية للفكرة الصهيونية السياسية، الى إستخدام كافة الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية واللاهوتية الاوروبية في خدمة وتبرير سياساتها ولم تتورع، في مسعاها هذا، عن إستغلال الفكر الثوري والاشتراكي وحركاته المتنامية في ذلك العصر. إلاّ أن هذا يجب الا يعمينا عن رؤية الجوهر الاستيطاني والعنصري والفاشي للايديولوجيا الصهيونية. 

سنبدي في الجزء الاول بعض الملاحظات النقدية حول عبثية الرد الديني على النبوءات التوراتية، ننتقل بعدها الى محاولة تفسير هذه الخرافات ـ متخذين كذبة “العودة” الى “أرض الميعاد” كنموذج ـ من خلال قراءة هذه النبوءات من منظور توظيفها لخدمة الاهداف السياسية للصهيونية وفي سياق تاريخ الجماعات اليهودية وتطورات حياتهم عبر القرون.
(1)
عبثية الرد الديني

تكمن مواطن الخلل الاساسية في الخطاب الديني حيال المقولات اليهودية ـ الصهيونية في جوانب عديدة، نذكر أهمها:

1) مخاطر هذا النهج على مستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني ومشروع مقاومته.
2) عجز الخطاب الديني عن صياغة برنامج عملي: فالخطاب الديني لا يمكن ترجمته الى فعل بشريٍ واعٍ ومنظم، وبالتالي تتعذر صياغة برنامج نضالي عملي. 
3) فشله في إحراز نتائج ملموسة على عدة مستويات:
ـ فقد فشل في توعية الجماهير العربية وتعبئتها وتحريضها وتنظيمها في النضال ضد العدو الصهيوني، بل كثيراً ما عمل على إيقاظ المشاعر الدينية العنصرية والنزعات الطائفية. 
ـ لم يساهم في التأسيس لمشروع مقاومة للاحتلال والمشروع الصهيوني والراسمالي برمته (دون التنكر لنضال الحركات الاسلامية المقاومة في لبنان وفلسطين، والتي تكافح ضد الاحتلال والمشروع الصهيوني على أسس وطنية وقومية لا على مرتكزات الخطاب الديني).
ـ لم يوفق الخطاب الديني في كسب التأييد العالمي لقضايانا سواء على المستوى الرسمي او الشعبي. 

نهج الخطاب الديني

يعجز الخطاب الديني عن تحليل الواقع القائم وتفسير تطوراته ومتغيراته لان التفسير الديني بطبيعته تفسير نصوصي يفتقر الى التحليل المادي التاريخي ويرتكن، في فهم الواقع والطبيعة والمجتمع والتاريخ، الى قوى غيبية ومشيئة ربانية وتفسيرات ميتافيزيقية مثالية. وهي أدوات لاتاريخية تعجز عن فهم الصراع في بلادنا وطبيعة تناقضاته ومكونات العدو الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني. 

1) يخفق الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في فهم وتفسير أوضاع الجماعات اليهودية وتطور الحياة اليهودية في المجتمعات التي عاشوا فيها. ولهذا السبب فانه يخفق أيضاً في فهم السياق الذي نشأت في إطاره الصهيونية وعلاقتها بهذه الجماعات بكافة فئاتها (الفقيرة والبرجوازية، المندمجة في المجتمعات التي كانت تقيم فيها أو المنعزلة عنها، المتدينة أو العلمانية…). 

قد يكون الجهل المعرفي لهذه الاوضاع احد الاسباب الهامة وراء ذلك، إلا انه حتى عندما يتوفر الكم المعرفي والمعلوماتي، فان الخطاب الديني لا يرقى الى المنهج التحليلي لفهم التاريخ والقوى المحركة له كديناميكية حيّة والى فهم التناقضات بين القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية كعامل أساسي في صنع التاريخ وحركته. 

2) كما يخفق الخطاب الديني في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في إطار تطور حياة وأوضاع الجماعات اليهودية عبر العصور وعبر المجتمعات. ومن هنا، وللسبب ذاته، فانه يفشل في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في نشوء الدعوة الصهيونية وتبلورها كحركة سياسية تدّعي تمثيل المصالح اليهودية وتعمل على حل المسألة اليهودية باقامة “وطن قومي” لليهود في فلسطين، من جهة، وتحالف الصهيونية مع الراسمالية العالمية كوليدة وأداة لها، من جهة اخرى. 

3) بالاضافة الى ان الخطاب أو التفسير الديني لا يلتقط ولا يعير الاهمية لتلاقي المصالح وتحالف الصهيونية مع الراسمالية العالمية.

لهذا الاسباب وغيرها، يعجز الرد الديني عن تفسير جذور وأسباب الصراع العربي ـ الصهيوني وحلوله تفسيراً موضوعياً بل نراه ينسج من حوله الاوهام والغيبيات.

مخاطر نهج الخطاب الديني

أ ـ تديين الصراع وتسييس الدين: للاسباب المذكورة، فان الرد الديني يقدم فهماً مشوهاً لاسباب وجذور الصراع ويتوه في مطلقات غيبية تؤدي الى الانزلاق في تديين الصراع أي التأسيس لفهم الصراع في بلادنا على أنه صراع ديني، فيتحول صراعنا مع الصهيونية وكيانها الى صراع مع اليهودية واليهود، أما صراعنا مع الامبريالية الاميركية والراسمالية العالمية فيصبح حرباً ضد النصارى والصليبيين والكفّار. ان السقوط في فخ تديين الصراع في بلادنا لهو كارثة، بل هو أكبر المخاطر التي تحيق بنضالنا ومستقبلنا، ناهيك عن ان الصهيونية والغرب الراسمالي دأبا لعقود طويلة على تغذيه وتسعير مثل هذه المفاهيم.

ما نود ان نخلص اليه هو ان مثل هذا النهج يؤدي الى طمس وتشويه طبيعة الصراع ومعسكر الاعداء؛ والى تشخيص العدو على أساس مكوناته الدينية. ويفضي هذا بدوره الى اعتبار ان صراعنا هو مع اليهودية (كديانة) واليهود (كأتباع لهذه الديانة) مما يحرف بوصلة نضالنا عن العدو الرئيسي: الصهيوني. كما ام مثل هذا الوهم يفرش الارضية للتمييز على أساس الدين وتسعير النزعات والاحقاد الطائفية. وعليه، فانه في أجله البعيد وفي رده الديني على “يهودية” الدولة الصهيونية، يفضي الى طرح الحلول الدينية والطائفية البديلة في بلادنا والدعوة الى إقامة كيانات “دينية” كنقيض للكيان الصهيوني، تقوم هي ايضاً على حوامل دينية ونزعات طائفية. ولا يخفى ان مثل هذه الدعوات تلقى الكثير من “الترحيب” والصدى من العديد من القوى والنزعات كما انها تجد في واقعنا الراهن تربة خصبة لها.

ب ـ عبثية السجال الديني: دون الانتقاص من الجوانب الدينية واللاهوتية والفكرية التي تهم المعنيين والباحثين بهذا الشأن، إلا أن الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية والدحض اللاهوتي للنبوءات التوراتية من منظور توظيفاتها السياسية، يجرنا، بحكم كونه جدلاً دينياً، الى المحاججة الدينية المعاكسة ويوقعنا في فخ السجال الديني العقيم وتصوير صراعنا مع الصهيونية والغرب الراسمالي على أنه صراع ديني.

وتتجلى عبثية مثل هذا النهج في انه يحرمنا من فرصة تقديم نقد موضوعي تاريخي يستند الى وقائع التاريخ وحقائقه، إضافة الى أنه يخلق الانطباع باننا نعادي اليهودية كعقيدة دينية مهما حاولنا تفادي هذا الانطباع الذي تحرص الدعاية الصهيونية دوماً على تعزيزه. ونكون بذلك قد قدمنا للصهيونية سلاحاً مجانياً وإضافياً لإلصاق تهم العنصرية والشوفينية والتعصب الديني بنا وبنضالنا وبقضايانا العادلة. فالعدو الصهيوني غير معني بمثل هذا الجدل الذي مرّ عليه أكثر من قرن، بل لعله معني بالمزيد من إلهائنا وحرفنا عن المعارك الرئيسية.

بالرغم من أن العديد من مفكري الحركة الصهيونية وقادتها السياسيين، بما فيهم مؤسسها ثيودور هرتسل، كانوا من العلمانيين والملحدين، فقد أتقن الصهاينة توظيف الدين ومقولاته في خدمة مشروعهم منذ بداية الفكرة الصهيونية، ولاحقاً في تغذية الهجرة والاستيطان الصهيوني لفلسطين. ولم يتوقف هذا التوظيف يوماً حتى بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، وما زلنا نشهده يومياً في نهب الارض العربية وبناء المستوطنات الصهيونية في مرتفعات الضفة الغربية المحتلة. ولم يتواني الصهاينة وحاخاماتهم يوماً عن إستحضار كل ما اوتوا به من أساطير توراتية لتبرير جرائمهم.

أما دحضنا ومحاججاتنا لمقولاتهم الدينية على مدى قرن من الزمان، فقد ذهبت أدراج الرياح، لانهم لم يأبهوا يوما بها. ولعل ما قاله الحاخام ياكوف سافيرونقلته وكالات الانباء (30 مايو 2009) يعبر عن هذا بجلاء: “ان الانتقادات الدولية للاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية” سخيفة لان الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب ان يرحلوا الى مكان آخر”، ثم أضاف: “ان هذه الأرض هي ارض يهودية – انها ديارنا”. 

أما السجال الديني مع الغرب المسيحي فهو هدر للطاقات لا جدوى منه، بالرغم من الترويج الذي نشهده منذ سنوات ل”حوار” الاديان والثقافات. فرأس المال لا دين له ولا ثقافة سوى الربح والربح الاقصى. أما السياسة، فهي مصالح إقتصادية وسياسية واستراتيجية لا تجدي فيها جلسات الحوار الصوفية. وبعد هذا فانه لا يهمنا الكلام المعسول من مفردات الحوار والتسامح … الى آخر تلك المعزوفة الممجوجة. الغرب الراسمالي في مستواه الرسمي، مستوى قواه المهيمنة وطبقاته الحاكمة، معني فقط بمصالحه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية: نهب ثروات الشعوب والهيمنة على مقدراتها. أما على المستوى الشعبي، مستوى الثقافة الشعبية المسيحية الغربية، فان الغرب يصدق ما يقوله الصهاينة وحاخاماتهم. والى أن نعود الى هذه المسألة لاحقاً، نكتفي الآن بالقول بان الغرب قد إستدخل المقولات الدينية اليهودية في معتقداته الايمانية وشعائر عبادته كما في ثقافته ومنظومة قيمه فأصبحت هذه المقولات احدى المكونات الهامة لهويته الثقافية. 

ملاحظة في مصطلح “الغرب الراسمالي”

لا ينطلق مفهومنا “للغرب الراسمالي” من مفهوم عرقي او عنصري أو إثني او شوفيني. بل اننا نستخدم مفردة “الغرب الراسمالي” كمصطلح سياسي من منطلق فهمنا للتناقض الرئيسي في بلادنا على انه تناقض بين مشروعين متناحرين: (1) المشروع التحرري ـ التنموي ـ القومي العربي، و(2) والمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني الذي يسعى منذ ما ينوف على قرنين من الزمن الى الهيمنة على بلادنا وشعوبنا بمقدراتها وثرواتها. وعليه، فان استخدامنا لمفردة الغرب الراسمالي يدلل الى مستويين:
أ ـ الغرب الرسمي: بطبقاته الحاكمة وقواه المهيمنة التي تقود مشروع الهيمنة على بلادنا وشعوب العالم الثالث والعالم باسره.
ب ـ الغرب الشعبي: ولا نقصد الانسان والفرد الغربي، بل ما يتضمنه ذلك من ثقافة شعبية ودينية ونظم قيمية وتاريخ وتراث …الخ. وهذا التحديد لا يعني معاداة الآخر الغربي المسيحي ولا يلغي وجود فئات وقوى سياسية واجتماعية مؤيدة لنضالنا وقضايانا، بل هو يبقي الباب مفتوحاً كي نلتقي مع هذه القوى ونحاورها ونناضل معها ولكن على ارضية برنامج مشترك يقوم على مبادئنا وثوابتنا الوطنية والقومية ويخدم قضايانا العادلة.

تحديات التعامل مع الغرب الراسمالي
مركزية اليهود واليهودية في الثقافة الغربية

بدءً، تجدر الاشارة الى ضرورة التمييز بين المقولات التوراتية لدى اليهود كما وردت في الديانة اليهودية، والمقولات الانجيلية (المسيحية) أي تلك التي تشمل التأويلات والتفسيرات (الحَرْفية) للمقولات التوراتية لدي المسيحيين وعلى وجه الخصوص أتباع الحركات والطوائف البروتستانتية. 

وتنبع أهمية المقولات الانجيلية هذه من أنها تُعتبر أحد المنابع الرئيسية للثقافة السائدة في الغرب. وقد تغلغلت هذه المقولات، على مدى قرون طويلة، الى الوجدان الغربي ووعيه وثقافته الشعبية السائدة وأصبحت، في نظر الاغلبية الشعبية من المواطنين، “مسلمات” لا يرقى اليها الشك والتشكيك وليست قابلة للجدل أو التساؤل. ومن أهم تجليات هذه المقولات في العقلية والوعي الغربي هو تفرد اليهود وخصوصياتهم كشعب الله المختار وحقهم في العودة الى الارض التي وعدهم الله بها.

من هنا ندرك ان “مركزية” الموقع الذي يحظى بها اليهود والادعاءات اليهودية في الخطاب والثقافة الغربيين، تعود في جزءٍ هامٍ منها، الى العقيدة المسحية في المجيء الثاني للمسيح من أجل الخلاص البشري وإشتراط مجيئه هذا بعودة اليهود الى “أرض الميعاد” وفق المشيئة الربانية لتحقيق هذه النبوءة. بهذا المعنى، فان خرافة العودة توضح أهمية هذه المقولة ودورها المركزي الذي يحظى به اليهود في الوجدان الغربي، وسيظل اليهود يحتلون هذا الموقع في الثقافة الغربية الى أمدٍ طويل، حيث ان المجيء الثاني للمسيح مرتبط بعودتهم الى فلسطين.

من هذا المنطلق فان الغرب يرى الصهيونية كحركة يهودية جاءت لإحياء الدين والتراث اليهوديين، وكآلية ووسيلة لتحقيق النبوءات التوراتية وتجسيد الحلم اليهودي في العودة. ومن هنا فان الغرب يرى ان الصهيونية فكرة وحركة قديمة قدم التاريخ.

هذا هو باختصار تفسير المسيحية وخصوصاً البروتستانتية لمقولات جاءت في التوراة ثم تكررت بمجملها في العهد القديم من الكتاب المقدس للمسيحيين. 

خطابنا وخطابهم:
أين نجحوا وأين أخقفنا؟

لقد أتقن الخطاب الصهيوني استخدام وتجيير المفاهيم الغيبية والاساطير التوراتية لتحقيق مشروعه فأدخلها الى وعي اليهودي وإستدخلها هذا الاخير كوسيلة للخلاص اليهودي (الفردي والجماعي)، وتحقيق “الحلم اليهودي” في اقامة “الوطن القومي” في فلسطين، والتخلص من الاضطهاد “الازلي” لليهود. ولم تنجو من هذا الوعي المشوه سوى القلة القليلة التي تعارض الصهيونية على خلفيات متعددة من لاهوتية الى علمانية وسياسية وايديولوجية. أما الكثرة فقد إبتلت بهذا الوعي المشوه وتجسيده المادي في الكيان الصهيوني ومقولة “حق اسرائيل في الوجود”، فعجزت دون إستثناء عن تجاوز هذا “الخط الاحمر” بغض النظر عما أتت به من تبريرات وفذلكات تقدمية ويسارية وإشتراكية وماركسية وتروتسكية وغيرها. لقد فرشت الدعوة والدعاية الصهيونية في ذهن ووعي اليهودي، والى حد ما وعي المسيحي الغربي، (1) الارضية لفهم براجماتي لمصالحهم إستدخله كل من اليهودي والغربي المسيحي، كل في سياقه، حتى بلغ مواطن الوعي والوجدان (سواء كانت هذه المصالح شخصية أو جمعية، طبقية او أجتماعية أو اقتصادية، او تلبية لرغباتهم او قناعاتهم العقائدية والدينية، أو دغدغة لمشاعر النفي والمنفى والحنين الى صهيون…الخ)، (2) كما ان الصهيونية قدمت لهم مشروعاً وبرنامجاً (سياسياً وتنظيمياً وعملياً) لتجسيد هذه المصالح. 

نخلص من هذا ان الصهيونية نجحت عبر سنوات الاستيطان وبناء الكيان الصهيوني، في المقاربة المستديمة بين الفكرة والمشروع الصهيونيين من جهة، ووعي اليهود من جهة اخرى (من حيث انها رأت فيهم مادة الاستيطان ووقود المشروع الصهيوني)، وخلقت الآليات لتضليل أتباعها وصهرهم في تنظيمات وجمعيات شحذت جهودهم في خدمة المشروع وأفكاره “ومثله” (نموذج الكيبوتس والهستدروت وغيرهما من آليات التلقين والعمل التنظيمي والدعاوي). 

ولعله من نافلة القول تكرار مقولة ان المشروع الصهيوني لم يكن ليحظى بالنجاح دون توظيف العوامل المحلية والاقليمية (في اوروبا الشرقية والغربية) والدولية، ودون التحالف والتلاقي المصلحي (الطبقي والاقتصادي والسياسي) بين القوى البرجوازية اليهودية والحركة الصهيونية من جهة، ومثيلاتها من القوى الاستعمارية والحاكمة في اوروبا الغربية والولايات المتحدة من جهة اخرى. إلا انه هذا لا ينفي، وينبغي الا يقلل من أهمية الحقيقة الملازمة للصهيونية وهي انها قدمت نفسها كممثلة “للمصالح القومية اليهودية” (الفردية والجمعية)، وهكذا إستدخلها الوعي اليهودي والمسيحي الغربي، ودأبت منذ بداية فكرتها على مقاربة هذه المصالح مع المشروع الصهيوني عبر:
1) تحقيق مصالح البرجوازية اليهودية (المندمجة والمتحالفة مع البرجوازية الاوروبية)؛ 
2) الإدعاء بالعمل على تحقيق مصالح فقراء اليهود (البروليتارية اليهودية) في إنقاذهم من الاضطهاد والتمييز وإيصالهم الى شاطىء الامان في الدولة الموعودة و”طنهم القومي”؛ 
3) وأخيراً، وهو ما يهمنا، الولوج الى وعي اليهودي عبر توظيف الدين والتراث اليهوديين، ومن ثم إستدخاله للصهيونية، فكرة ومشروعاً، كمشروع خلاص من الاضطهاد و”كحركة تحرر وطني يهودية” و”كحل” نهائي للمسألة اليهودية عن طريق بناء “الوطن القومي لليهود”، وكذلك إستدخال المشروع الصهيوني كتجسيد للنبوءات التوراتية والمشيئة الربانية وتحقيق الحلم الذي طال إنتظاره.

* * * 
الآن يمكننا الانتقال الى السؤال الثالي، وإن لم نكن في معرض المقارنة مع الصهيونية:
إذا كان الخطاب الصهيوني (من حيث توظيفه للدين) قد نجح في تضليل وكسب الجماعات اليهودية والمجتمعات الغربية لاكثر من قرن من الزمان، فهل إستطاع ردنا الديني، وهل يقوى، على مقارعة الخطاب الصهيوني؟
وهل تمكن هذا الخطاب من إدخال مشروع تحرير فلسطين الى الوعي العربي صاحب الارض والقضية، على غرار ما فعل الخطاب الصهيوني في وعي اليهودي المستوطن القادم من بولندا او روسيا، على سبيل المثال، في مطلع القرن المنصرم؟
هل توفرت لدينا آليات النضال وعوامل الانجاز (التنظيم السياسي والبرنامج السياسي والعملي والقيادة والرؤية والقدرة على إستخدام الاوضاع المحلية والاقليمية والدولي)؟ وهل بوسع الخطاب الديني ان يخلق الوعي العربي بالمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني وفهم مراميه ومخاطره فهماً مادياً وموضوعياً؟
وبالمحصلة، هل يستطيع الخطاب الديني ان يحرض الجماهير وينظم فعلها؟ 

لقد جاء خطابنا الديني في مجمله، (والعلماني في بعض الاحيان)، كرد فعل على الخطاب الصهيوني وغرق في إستنباط الآيات والاقوال القرآنية والانجيلية لدحض الخطاب اليهودي ـ الصهيوني. وبالرغم من الاهيمة البحثية لمثل هذه الشؤون الدينية، فاننا لا نبالغ إذا قلنا أن جلَّ ما قيل وكُتبَ في معرض هذا الدحض الديني وما شق طريقه الى وعي المواطن العربي (في مرحلة يكسوها إستدخال الهزيمة وهيمنة الفكر الغيبي)، لم يتجسد في فهم موضوعي للخطاب الصهيوني المعادي ولم يترجم الى آليات عملية نضالية لمكافحته والرد عليه، ولم يخرج عن آفاق الطروحات الدينية الميتافيزيقية الملقنة. لقد جاء هذا الرد في مجمله، كما أسلفنا، من قبيل السجال الديني والمحاججة واللاهوتية وإستخراج الاقتباسات والاستشهادات القرآنية والانجيلية. وكثيراً ما تم هذا السجال في فضاءِ مشحون بالتعصب الديني وخلط الاوراق والمفاهيم ومعاداة اليهودية والمسيحية أو اليهود والمسيحيين الغربيين كأتباع لهذا الديانات، بدلاً من ادارة الصراع مع القوى والمشاريع والمخططات الاقتصادية والسياسية الراسمالية الغربية والصهيونية. 

رب قائل بان للدين والمحاججة الدينية دور فعال في مجتمعاتنا وفي التأثير على المواطن والرأي العام، وهو ما يجيز إستخدامهما كأدوات تثقيف للمواطنين وتوعيتهم وتحريضهم على النضال ضد العدو المحتل. ويتابع أصحاب هذه الحجة، إذا كان الصهاينة والغرب الراسمالي قد سخروا الدين في خدمة أهدافهم على مدى عقود من الزمن، فما الذي يعيب علينا ان نستخدم الادوات ذاتها؟

لا شك في ان إستخدام الدين، كعاملٍ وفاعلٍ واحدى مكونات الهوية الثقافية، يلعب دوراً هاماً وفعالاً في المجتمعات والتقليدية منها على وجه الخصوص، وفي عملية خلق وتكوين الوعي والوجدان، إلا انه لا يؤسس لمشروع تحرير وطني إبتلى بهذا المعسكر من الاعداء وبعوامل التعقيد والتعثر ما لم تواجهه حركة تحرير وطنية في التاريخ. كما ان توظيف الدين لا يؤسس لفهم موضوعي لطبيعة ومكونات الصراع القائم بين مشروعنا العربي (التحريري ـ النهضوي ـ التنموي) من جهة، والمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني من جهة أخرى. إذ إننا نقف امام صراع يكاد يكون أزلياً، إحتدم على ارضنا لما ينوف على قرنين من الزمن، وكان من أهم عبره ودروسه أنه ليس صراعاً دينياً، وإن إتخذ لبوس الدين وإحتقن بالكثير من المظاهر والتجليات الدينية، بل هو مشروع هيمنة راسمالية ـ امبريالية يقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين في القلب منه بهدف تجزئة الوطن العربي والهيمنة عليه، ومن هنا كانت الصهيونية وكيانها وليدة راس المال العالمي وأداة وظيفية في خدمته.

ما نريد ان نخلص اليه هو انه ما لم يتوفر لدينا الفهم الموضوعي للنبوءات التوراتية ولتوظيفاتها السياسية، فان ردنا الديني الداحض، ومجمل خطابنا الدعاوي والاعلامي، لن يعدو كونه جدلاً لاهوتياًً عقيماً لا طائل تحته. وفي هذا، فهو يخدم الدعاية الصهيونية ويغريها الى المزيد من إلهائنا وهدر جهودنا، ناهيك عن مخاطر الانزلاق في الصراع والتعصب الديني والتأسيس لاصولية دينية أضحت منفلته في مجتمعاتنا. لن يكتب لنا النصر في نضالنا العادل إذا قام هذا النضال على عكازات دينية دون التأسيس لوعي نقدي جذري وثوري. 

لذا نرى أن البحث في حقيقة الصهيونية وتعرية أكاذيبها والرد على النبوءات التوراتية، التي إستغلتها أفضل إستغلال، لا يتسنى بالرد الديني، بل يجب ان يتجه نحو فضح الصهيونية في مفاهيمها السياسية والاستعمارية والاستيطانية وتحالفها مع راس المال العالمي، وتجليسها بدقة في الثالوث المعادي: الراسمالية والامبريالية والصهيونية. اما الخرافات الدينية والتوراتية فيجب فهمها من خلال توظيفها لخدمة الاغراض السياسية للصهيونية والامبريالية الغربية.

ولعل المحك التاريخي الاكثر مصداقية يكمن في السؤال التالي: فماذا حقق الرد الديني حتى يومنا هذا وما هي إنجازاته؟ 
(2)
النبوءات التوراتية:
عقيدة “العودة” نموذجاً

“العودة”: كذبة تفرخ مسلسلاً من الاكاذيب

الكذب والتزوير ضرورة وسمة أساسية ملازمة لكافة الايديولوجيات العنصرية والفاشية والاستعمارية، وخاصة الاستيطانية والصهيونية. والكذب في هذه الايديولوجيات يتعدى كونه مجرد وسيلة بل يصبح جزءً من طبيعتها وبنيتها، وهو لا يعني لوي عنق الحقيقة فحسب، بل إختلاق وفبركة الحقائق والوقائع وإبتداع المزاعم وتكرارها الى أن تتحول الى مسلمات. 

في البدء، كما يوافينا السرد الصهيوني، كان “شعب الله المختار”، ثم كان “المنفى” الذي ولّد حنين اليهود ورغبتهم الازلية في “العودة” الى فلسطين. كانت تلك اولى أكاذيب التلفيق والتزوير، التي إضحت إحدى المسلمات التي يكاد يصدقها العالم باسره، كما يصدق الاكاذيب التي تفرعت عنها. فطالما ان الله قد إختار اليهود ليكونوا “شعبه المختار”؛ فلا بد، ان يكون لهذا الشعب “بلداً”، فكان أن وعد الله هذا الشعب بالعودة الى وطنه ـ “أرض الميعاد” ـ والتي ستبقى بانتظاره. ويسهل بعد ذلك الاسترسال في مسلسل الاكاذيب لتتصب في غاية واحدة: إستدامة وتأبيد “الحلم الصهوني”. 

ولم تتوقف الخرافات عند هذا الحد من “النبواءت” التوراتية بل تعدته الى بث التلفيقات التي ادعت ان اليهود سعوا خلال الاف السنين للعودة الى فلسطين. وفي أحشاء هذه الاكاذيب ولدت كذبة اخرى مؤداها انه بفضل الحلم اليهودي القديم والازلي في العودة فان حلم إنشاء الدولة اليهودية قديم أيضاً، وان الصهيونية ـ حاملة فكرة العودة وممثلة تلك الرغبة اليهودية، هي قديمة قدم التاريخ. 

هكذا، بايجاز شديد، توالت مشاهد الاكاذيب الصهيونية واحدة تلو الاخرى.

نشأة فكرة “العودة” في العقيدة اليهودية
التزامن بين العودة والصهيونية

يدعي المؤلفون والمؤرخون الصهاينة انه من أجل فهم “العودة” (التي جاءت الصهيونية لتعبر عنها) ينبغي الرجوع الى قديم التاريخ، الى القرن الثامن ق. م. حين سقطت اسرائيل امام هجوم قوات الملك الاشوري سرجون الثاني، في حين يذهب بعضهم الى ان “العودة” رأت النور في مرحلة سبي اليهود بعد هدم الهيكل من قبل نبوخذنصر أي في القرن السادس قبل الميلاد. ومهما تنوعت الاجتهادات، فليس لهذه الاكذوبة سوى غاية واحدة: عقد التزامن والتطابق بين “فكرة العودة” من جهة، والصهيونية من جهة ثانية، من حيث ان هذه الاخيرة جسدت فكرة ومشروع عودة اليهود الى ارضهم الموعودة، فلسطين. وعلى الرغم من سخافة هذا الافتراض، إلا انه نجح في تكريس وتصديق الزعم القائل بقدم رغبة اليهود في العودة الى فلسطين وولادة الصهيونية كفكرة تجسد هذه الرغبة. بعبارة اخرى، فان ما يريد ان يؤكده لنا السرد الصهيوني هو تزامن نشوء “العودة” و”الصهيونية” عبر التاريخ، وهو ما يؤسس لإبتداع “تاريخ يهودي في النضال نحو تحقيق الحلم”. والادلة على هذا الابتداع كثيرة عبر تاريخ الصهيونية، نورد فيما يلي بعضاَ منها:

□ يقول ناحوم سوكولوف: “إنها حقيقة بسيطة…. بدأ تاريخ اسرائيل بالصهيونية. ويبين هذا التاريخ في الازمنة السحيقة طريق تحقيق الصهيونية… فالخروج من مصر كان مثلاً للجمع بين الهجرة والكولونيالية [أي أستعمار الارض ]… والعودة من بابل كانت حدثاً صهيونياً عظيماً”. 

□ أما بن غوريون، فيقول يوم إعلانه تأسيس الكيان الصيوني، 15 أيار 1948، ما يسميه الاسرائيليون “اعلان الاستقلال”: “لقد كانت ارض اسرائيل، اريتس اسرائيل، مسقط راس الشعب اليهودي. هنا صاغ اليهود هويتهم الروحية والدينية والسياسية. وهنا اقاموا دولتهم للمرة الاولى، وشكلوا القيم الثقافية ذات الاهمية الوطنية والانسانية ومنحوا العالم كتاب الكتب الازلي”. ويتابع بن غوريون قائلا: “وعليه، فنحن اعضاء مجلس الشعب وممثلو اليهود في اريتس اسرائيل والحركة الصهيونية، الملتئيمن في هذا اليوم، يوم جلاء الانتداب البريطاني عن اريتس اسرائيل، واستنادا الى حقنا الطبيعي والتاريخي، وبموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة، نعلن هنا تأسيس الدولة اليهودية في اريس اسرائيل لتعرف باسم دولة اسرائيل”.

□ أما نتنياهو فيعود ليؤكد على المقولة اليهودية- الصهيونية، قائلا: “لكن حقنا بإقامة دولتنا هنا، في أرض إسرائيل، ينبع من الحقيقة البسيطة: هذا وطن الشعب اليهودي، وهنا تَشكَلّ وعيه”. 

معنى “العودة” في العقيدة اليهودية

لم تكن “أرض الميعاد”، حسب المعتقدات الدينية اليهودية، تعني جغرافية فلسطين، بل كانت مفهوماً يعبر، من منظور تلك العقيدة، عن ارض لاهوتية إفتراضية لا جغرافية. وعليه، فان العودة في اليهودية لا تعني العودة الى فلسطين. ناهيك عن ان اليهود يؤمنون بان العودة الى “ارض الميعاد” ستتحقق عند “مجيء المسايا” (المسيح المخلص) وبمشيئة ربانية. 

صحيح أن الانبياء تحدثوا عن تجميع بقايا اليهود من شتى بقاع الارض، وادعوا بان الرب سيعيد شعبه الى أرضهم في جبل صهيون، إلا ان ذلك ارتبط عبر الاجيال بالمعنى الديني بقدوم المسيح وحلول الآخرة. إلا انه “بمرور الاجيال وإخفاق حسابات المتدينين لتحديد موعد “اليوم الآخر” ساد إقتناع الطوائف اليهودية ان معجزة قدوم المسيح المرتقب ستحل في موعدها بارادة الرب ولذلك فمن التطاول والتجديف السعي للاسراع بها، ولم يتخل المتدينون عن هذا الرأي وقاوموا الصهيونية حتى وقت متأخر جداً.” وجدير بالذكر، في هذا المقام، ان الراب منشي بن اسرائيل الذي سافر الى إنجلترا في القرن السابع عشر ليسترحم حاكمها كرومويل كي يسمح باستيطان اليهود في تلك البلاد، كان يعلن ان على اليهود ان ينتشروا في اربعة أطراف المعمورة قبل ان يعيدهم الرب الاله الى “ارض الميعاد”. 

وإعتماداً على تراث القرن التاسع عشر، لاحظ الباحثون “ان الوعد بقدوم المسيح إفترض ان لا يقوم اليهود باي عمل لاعادة سيادتهم (القومية)، فعليهم ان يواصلوا رسالتهم بين الامم على إعتبار ان الخلاص سيأتي من جرّاء تدخل إلهي”. ويرى د. إميل توما ان التدقيق التاريخي يكشف “ان ترقب المسيح بين الطوائف اليهودية، الذي كان يقترن طبيعيا بالعودة الى صهيون، كان يشيع في اقطار عينية وفي تواريخ محددة (في سورية في القرنين السابع والثامن، وفي إسبانيا في القرن الحادي عشر). في حين كانت الطائفة اليهودية في ذلك القطر أو ذاك وفي التاريخ المعين، تعيش في ظروف صعبة، تتوق الى الخلاص فتتشبث بالمسيحية [أي فكرة قدوم المسيح المخلص ـ م.ع.] وفكرة العودة الى صهيون”. ويتابع توما: “ولكن هذه الفكرة كانت دينية ولذلك لم تتجسم تنظيمياً الا في حالات قليلة جداً وفي أقاليم عينية. وهكذا تجسمت في سورية تنظيماً في القرنين السابع والثامن، وكانت إشتياقاً دينياً شائعاً في إسبانيا في القرن الحادي عشر، وهذا الشكل التنظيمي لم يتجاوز بضع حالات إندثرت عبر القرون وإنتهت في القرن السابع عشر.” 

أما المرحوم د. عبد الوهاب المسيري فيخلص الى انه رغم الاختلافات في وجهات النظر والتأويلات اليهودية والحاخامية لعقيدة العودة، “على وجه العموم، يمكن القول بان أعضاء الجماعات اليهودية قد قبلوا وجودهم في الاوطان التي كانوا يعيشون فيها، وان الحديث عن المنفى أصبح جزءً من الخطاب الديني، وأصبحت العودة تطلعاً دينياً وتعبيراً عن حب صهيون أي تعبيراً عن التعلق الديني بالارض المقدسة وهو تعلق ذو طبيعة مجازية، لا يترجم نفسه الى عودة حرفية الى فلسطين، حتى وان خلق إستعداداً كامناً لذلك”. 

يتضح من هذا، وهو ما نود الاشارة اليه، الفرق بين الشوق والحنين الديني الى صهيون، من جهة والصهيونية كايديولوجية وحركة سياسية تسعى الى إقامة مستوطنة يهودية في فلسطين، من جهة ثانية. ولا يغير في الامر شيئاً ان الصهيونية السياسية إقتبست هذا الشوق او الحنين، بل يؤكد انها إستخدمت الدين اليهودي والنبوءات التوراتية في أغراضها السياسية وسخرتها في إبتداعها لفكرة “الشعب اليهودي” وعودته.

التأويل البروتستانتي “للعودة”

ظل مفهوم العودة في العقيدة اليهودية، كما رأينا، مقتصراً على “الحنين الى اوراشليم” و”الشوق الى صهيون” “والى مجيء المسايا” بدلالاته الايمانية واللاهوتية، حتى مجىء الجماعات الانكليزية البيوريتانية والحركات البروتستانتية، التي شاعت في اوروبا وخاصة في انكلترا ثم هاجرت لاحقا الى اميركا الشمالية، والتي إبتدعت تأويلات الخرافات والاساطير التوراتية واستدعت التفسيرات الحرفية لها، فتحولت فكرة العودة من “تطلع ديني روحاني” الى عودة فعلية أي إستيطانية الى فلسطين تبلورت لاحقاً، بعد ما ينوف على ثلاثة قرون، في المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. 

ومع ان الصهيونية السياسية فكرة غير يهودية في جذورها ونشأتها، إلاّ أن هذا لا ينفي ان الديانه اليهودية قد زودتها (الصهيونية) بالعودة كعقيدة دينية إيمانية، ثم قامت الصهيونية بنسج حبال الاكاذيب والاوهام حول هذه الكذبة فإبتدعت “القومية اليهودية” على اسس دينية خرافية، بغية إيقاظ الحنين لصهيون وارض الميعاد وإجتذاب اليهود الفقراء وتهجيرهم الى فلسطين، مستغلة أوضاعهم البائسة في بناء القاعدة الاستيطانية هناك.

أما المفارقة التاريخية اللافتة فهي انه فيما غرق مسيحيو الحركات البيوريتانية والبروتستانتية في هذه الخرافات والخزعبلات، كانت الجماعات اليهودية تجهد في البحث عن الاستقرار والاندماج في المجتمعات التي تواجدت فيها، ولم يشهد تاريخهم، حتى ولادة الصهيونية الهرتسلية (1897)، أن قامت بينهم حركات سياسية تطالب بالعودة الى فلسطين. وحتى عبر فترات الاضطهاد الذي عانت منه الطوائف اليهودية، لم تنشأ ايديولوجيا صهيونية ولا حركة تدافع عن اليهود أو تدعو الى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين أو في غيرها، بل ظلت فكرة العودة الى ارض الميعاد محصورة في إطارها “الالهي” اللاهوتي وإقتصرت على مشاعر الحنين الدينية.

وعليه، فبالاضافة الى إنتفاء الدعوة الدينية اليهودية (التي كانت تنتظر قدوم المسايا حسب المشيئة الربانية) وغياب المطالبة السياسية (التنظيم السياسي والبرنامج الذي يضطلع بانجازها)، فان اليهود لم يسعوا، عبر محطات تشردهم للعودة الى فلسطين، ولم يقصدوها عبر موجات ترحلهم وهجراتهم على مدى القرون المديدة. 

المعارضة اليهودية لفكرة “العودة”

كان من الطبيعي ان تواجه الصهيونية في المراحل المبكرة عداءً سافراً من فئات وتيارات يهودية متعددة شملت المتدينين والليبراليين والثوريين والاشتراكيين وقطاعات كبيرة من الجماهير اليهودية الفقيرة، حيث لم يقتنع هؤلاء بان الخرافات التوراتية كفيلة بان تشكل اساسا للوطن القومي او ان ذلك الوطن المنشود سينهي الاضطهاد ويوفر لهم الأمن والاستقرار. 

لقد ألمحنا ان الكثيرين من اليهود الارثودوكس عارضوا (وما زالوا يعارضون) فكرة الصهيونية ومشروعها لانهم رأوا فيها تحدياً للارادة الالهية وتدخلاً بشرياً بغية التعجيل بقدوم النبوءة. إضافة الى أن الكثير من الباحثين والحاخامات أكدوا انه لا وجود لاية اشارة “لمبدأ أو عقيدة العودة الى فلسطين” في “كافة المحاولات التي تمت في العصور الوسطى لصياغة عقيدة يهودية”. 

إشتبك أصحاب الحركات الاندماجية والتنويرية اليهودية، في معارضتهم للصهيونية، ورأوا في “العودة الى صهيون” مجرد فكرة روحية دينية لا رغبة حرفية، ونادوا بان ازالة “واقع المنفى المؤلم والمؤقت” يجب أن تكون من خلال الاندماج في المجتمعات التي يعيش فيها اليهود. 

أما فقراء اليهورد فقد رأوا مهمتهم في الانخراط في النضال الثوري والاشتراكي من أجل تحقيق العدالة ومحو الاستغلال سوية مع القوى الثورية الساعية الى التغيير في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها. 
(3)
العودة:
من مشيئة ربانية الى مشروع استيطاني

ظهرت الصهيونية في اواخر القرن التاسع عشر في سياق إجتماعي وتاريخي اوروبي إتسم بالصفات الرئيسية التالية: 

1) صهينة فكرة “العودة”: ذكرنا سابقاً أن فكرة “العودة” بتفسيرها المتصهين أصبحت تعني العودة الى “ارض الميعاد” أي فلسطين، وانها لم تكن يهودية في الاصل بل مسيحية بروتستانتية، ولم تولد في ألمانيا أو بولاندا أو روسيا حيث كانت تقيم أغلبية يهود اوربا والعالم ، بل كانت قد نمت أولاً في انجلترا والتي لم يكن فيها آنذاك سكان يهود، ثم إرتحلت عبر الاطلسي مع الحركات البيوريتانية والبروتستانتية الى المستوطنة الاوروبية البيضاء حديثة العهد آنذاك: الولايات المتحدة الاميركية والتي لم يكن فيها يهود أيضاً.

إنتقل تفسير “العودة”، بفضل تسييس المعتقدات الدينية الذي بشرت بها ودعت اليها الحركات المسيحية البروتستانتية، من فكرة يرتهن تحقيقها بالمشيئة الالهية الى مشروع بشري (سياسي) مرهون بالارادة والفعل البشريين، وبهذا يكون الاصلاح البروتستانتي قد كرس التأسيس الديني ومهد السبيل للمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. 

2) أوضاع الجماعات اليهودية في اوروبا: شهدت الجماعات اليهودية المقمية في اوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر العديد من المخاضات والمتغيرات العميقة كان أهمها:
ـ تحالف البرجوازية اليهودية وإندماجها وتلاقي مصالحها مع البرجوازيات الاوروبية الحاكمة والمهيمنة؛ 
ـ صعود الحركات الاندماجية اليهودية وحركات الاصلاح الديني اليهودية الداعيتين الى رفض فكرة المنفى؛
ـ إنخراط فقراء اليهود في نشاط الحركات الثورية والاشتراكية في المجتمعات التي كانوا يقيمون فيها.

3) المعارضة اليهودية للصهيونية: رفض دعاة حركة التنوير اليهودية (الهاسكالا) التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر والحركات اليهودية الاندماجية فكرة القبول “بالمنفى” ونادوا بالكف عن الانتظار السلبي “للماشيح” ، وحثوا اليهود على ان يحصلوا على الخلاص بانفسهم. 

ومع الارهاصات الاولى للحركة الصيونية كانت مسألة “العودة” في التجمعات اليهودية الاوروبية قد حسمت بين:
ـ اليهود “الاندماجيين” الذين نادوا بانصهار اليهود في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها واعتبروا العودة فكرة لاهوتية مثالية؛
ـ “والانفصاليين” الذين دعوا الى ان يعمل اليهودي بنفسه للعودة الى ارض الميعاد دون انتظار الامر الالهي. 

4) الاوضاع الاوروبية: إتسمت الاوضاع الاجتماعية والسياسية في اوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بإحتدام المعارك الطبقية للحركة البروليتارية العاليمة وتحول الفكر القومي الاوروبي الى حركات عنصرية واستعمارية وشوفينية، وإنتقال النظام الراسمالي الى حقبة الامبريالية. ففي خضم هذه الارهاصات، ولدت الفكرة الصهيونية السياسية وإتخذت من التراث الديني اليهودي ما يتفق وغاياتها السياسية وأوَّلت المفاهيم اللاهوتية والدينية المجازية الى مفاهيم حَرْفية تستدعي التنفيذ الفعلي هادفة الى ترسيخ الادعاتءات التالية:

أ ـ ترسيخ الافضلية والاستثنائية اليهودية (“إستثنائية الشعب اليهودي”) كشعب مختار على السكان الاصليين للمستوطنة الموعودة في فلسطين.

ب ـ ترسيخ كذبة اخرى كامنة في كذبة العودة، ان اليهود أينما كانوا وبالرغم من تعدد خلفياتهم الثقافية والحضارية والعرقية، هم شعب واحد تشتت وإبتلى بامراض المنفى. وعليه فحل مشكلته، تقول الكذبة، يكون في إقامة وطن قومي يهودي، يعيد لهذا الشعب وحدته المهدورة ويشفي اليهود من أمراض وتشوهات المنفى.

في هذا السياق جاء ثيودور هرتسل، في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، ليأخذ معنى العودة بدلالاتها السياسية البراغماتية ويوظفها في خدمة الحركة الصهيونية. وبالرغم من هيمنة الاثرياء اليهود على المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية (بازل، سويسرا عام1897)، وإعتماد هرتسل على دعم البرجوازية اليهودية، فانه كان يدرك إن إقامة “الدولة اليهودية” المزعومة كان يتطلب اكثر من مجرد أموال روتشيلد وغيره من أثرياء اليهود (والتي بلغت ما يكفي لبناء عشرات الدول مثل فلسطين). فقد تطلب مشروع استيطان فلسطين، بالاضافة الى أموال البرجوازية اليهودية، إستعداد ولو قسم من اليهود للانتقال الى هذا البلد، ناهيك عن الدعم العسكري الذي سعى هرتسل لتأمينه من الدول الامبريالية. 

لقي هذا التوجه إرتياحاً لدى البرجوازية اليهودية، وتحقيقاً لمصالحها، فقد أدركت هي
الاخرى أن النجاح لن يكتب للمشروع الصهيوني إلا اذا إنتشرت الدعوة بين فقراء اليهود ولقيت دعمهم لانهم يشكلون موضوعياً مادة الهجرة اليهودية والوقود البشري للمشروع الصهيوني الاستيطاني. 

كان لابد لهرتسل ومنظمته الناشئة المتحالفة مع البرجوازية اليهودية، ان يقدموا مشروعاً لحل المسألة اليهودية وإقامة الدولة اليهودية الموعودة يجمع بشكل متكامل كلاً من المكونات الدينية/التراثية اليهودية من جهة، والاهداف السياسية من جهة أخرى. هكذا كانت ولادة الصهيونية الهرتسلية التي جمعت “المشترك” الديني/التراثي والسياسي في تنظيم ومشروع سياسي واحد: 

○ فعلى المستوى الدين/ التراثي إدعت الصهيونية بانها جاءت لتجديد العقيدة والتراث اليهوديين وإحياء الحلم اليهودي في العودة الى الارض الموعودة؛ 

○ وعلى المستوى السياسي بلورت برنامجاً سياسياً وظف الادعاءات الدينية والتراثية، مما ضمن للبرنامج الصهيوني القبول والدعم الواسعين بين الجاليات اليهودية في اوروبا وخاصة الشرقية منها.
(4)
التوظيف السياسي لعقيدة “العودة”

نستعرض في الجزء الاخير من هذه المقالة، أهم التوظيفات السياسية لعقيدة العودة من خلال المنظور الصهيوني.

1) ثنائية المنفى والعودة: ركيزة “الاستثنائية اليهودية”

كان من أهم وظائف خرافة “العودة” التأسيس لفكرة واسطورة “الاستثنائية اليهودية” أو كما يسموها “خصوصيات الشعب والتاريخ اليهودي” أو “إستثنائية الشعب اليهودي”، والتي كانت بدورها ركيزة للعديد من الاكاذيب والفبركات التي أتت بها الصهيونية وإستند عليها مشروعها الاستيطاني في فلسطين. وتأسس هذه الاسطورة لفرضية “إحساس اليهود الدائم بالنفي ورغبتهم في العودة الى ارض الميعاد”، والذي يتم تصويره على انه جزء ثابت من المكونات الاساسية لطبيعة اليهود البشرية. 

يمكننا إيجاز ثنائية “النفي/المنفى ـ العودة”، وفق السرد الصهيوني، على النحو التالي: لقد حكم الله (إله اليهود) على شعبه المختار بالنفي والتشتت في بقاع الارض، وسوف يستمر هذا التشتت الى أن يعود الماشيح المخلص. وعلى هذه الركيزة قامت الاساطير وتوالت الخرافات التوراتية اليهودية في مختلف مشاهدها المتلاحقة: مقولة “شعب الله المختار”، وأن نفيهم كان حكماً إلهياً؛ مما أسس لاحساس اليهودي بالنفي إحساساً دائماً وازلياً سيلازم اليهود الى يوم مجيء الماشيح المخلص. هكذا تم نسج مقولة “التاريخ اليهودي” حيث يتخذ السرد اليهودي ـ الصهيوني خصوصية يهودية اخرى تتميز بثنائية المنفى ورغبة اليهود الدائمة للعودة (العودة الملاصقة باستمرار للمنفى). ويتفرد اليهود بهذا الاحساس الذي يقتصر عليهم دون غيرهم. وبما ان تميز اليهود هذا، يرتكز على إدعاءات دينية توراتية تمنحه المصداقية والحصانة، فان الامر يصبح مغلقاً على العقل ويستعصي على الحجة والمنطق وحق التسائل والشك.

ولكن اذا كان اليهود “شعب الله المختار”، فلماذا أراد الله ان ينفيهم؟ ولماذا شاء ان يدوم هذا النفي حتى “عودة الماشيح المخلص”؟

تتعدد الاجابات وتتباين، إلا انها على وجه العموم، تتمحور في ان الله نفى اليهود تمهيداً لخلاص البشر من خطاياهم، مما يؤكد مجدداً الاستثنائية اليهودية. وهو ما يؤسس لمقولة ان اليهود، وفق هذا السرد، هم “الشعب المختار” لاداء هذه المهمة الجليلة، خلاص البشر. وهنا نجد انفسنا من جديد أمام تجليات لا نهاية لها من التميّز والفرادة. وبالاضافة الى ان ثنائية “النفى ـ

الإسرائيليات والرواية عن اليهود في كتب التفسير الإسلامية – 2

 الإسرائيليات والرواية عن اليهود في كتب التفسير الإسلامية

ابن إسحاق: من أئمة أهل الشأن في معرفة السير. لكنه كان يكثر من التحديث والرواية عن الضعفاء والمجاهيل. قال عنه ابن المديني: «ثقة، لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب». ومن عجائب الإسرائيليات التي ينقلها ابن إسحاق ما رواه ابن جرير الطبري (15|42)، قال: حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن «أبي عتاب رجل من تغلب كان نصرانياً عمراً من دهره ثم أسلم بعد فقرأ القرآن وفقه في الدين وكان فيما ذكر أنه كان نصرانياً أربعين سنة ثم عمر في الإسلام أربعين سنة قال: …». ومن ذلك (16|17): حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: «ثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم مما توارثوا من علم ذي القرنين (كذا!!) أن…». ولك أن تتخيل وهاء ما ينقله هؤلاء عن الإسرائيليات.

- يروي عنه عدد من الرواة مثل سلمة بن الفضل (ثقة عنه) ومثل يونس بن بكير (لا بأس به لكنه يدرج كلام ابن إسحاق ويصله بمتن الحديث).

 هؤلاء هم المصدر الرئيسي لأكثر الإسرائيليات ولأكثر المنقول عن أهل الكتاب. وأكثرهم بلا أدنى ريب هو كعب الأحبار ثم وهب بن منبه. وهؤلاء كلهم (يعني أهل الكتاب الذين نقل المفسرون عنهم) كانوا يسكنون البادية مع العرب، ولا يعرفون من ذلك –ما عدا عبد الله بن سلاَم t– إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. فكم من مقولة قيل أنها في الإسرائيليات أو في الإنجيل ولم نجدها. وقد يختلفون عليها أيضاً. وقد تقدّم تكذيب عبد الله بن سلام t لكعب الأحبار، ثم تراجع كعب بعد قراءته للتوراة. فهو غير ثقة حتى في نقله عن عقائد اليهود.

أما باقي الرواة فهم نقلة عن غيرهم (وبخاصة عن هؤلاء). أعني ابن إسحاق وقتادة والسدي وسعيد وأمثالهم، فهؤلاء نقلة عن غيرهم، وليس لديهم اطلاع مباشر على الإسرائيليات. وعامة من يروي الإسرائيليات في التفسير هم ممن وصفوا بأنهم ينقلون الغث والسمين بغير تمييز. وقد قال الشعبي عن قتادة: «حاطب ليل». وكان الحسن البصري أيضاً يصدّق كل من حدَّثه. وكذلك ابن جريج وابن إسحاق يوصف كل منهما بأنه حاطب ليل. والسدي الكبير هو نفسه متهم بالكذب، فضلاً عن روايته عن ضعفاء ومتروكين.

وشرح ابن خلدون في مقدمته أسباب نقل المفسرين هذه الإسرائيليات فقال «والسبب هو أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجـود فإنما يسألون أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل الكتاب الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْيَرَ الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها – مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان، والملاحم، وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام (أقول: ذكر عبد الله t هنا خطأ كما أوضحنا)، وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم. وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى فيها الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلا أنه بَعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ». مقدمة ابن خلدون ص 404 طبعة كتاب الشعب.

ونقل الصحابة عن الإسرائيليات قليل جداً مقارنة بالتابعين وأتباع التابعين. ولم يثبت عن أُبَيّ بن كعب t أنه روى شيئاً من الإسرائيليات. وجاء عن عبد الله بن سلاّم t شيء قليلٌ جداً، وقد شهد له اليهود قبل معرفتهم بإسلامه بأنه أعلمهم جميعاً. فهو أعرف الناس بما لم يُصبه التحريف من الإسرائيليات، فلا خوف من نقله. وأكثر النقل عن أهل الكتاب هو عن كعب الأحبار ووهب بن منبه. وكان عمر t شديداً على كعب الأحبار لئلا يحدث الناس بما يفتنهم. وكذلك كان ابن مسعود t يحذو حذو عمر t في أعماله وأقواله، فلم يثبت عنه رواية شيء من الإسرائيليات. والمروي عنه في ذلك إنما هو من طريق السدي الكذاب الكبير.

 وما ثبت كذلك رواية الإسرائيليات عن أحدٍ من كبار الصحابة أبداً، لكن جاء عن بعض صغارهم. فأما عبد الله بن عمرو بن العاص t فقد كان قد أصاب في اليرموك صحفاً من أهل الكتاب أسماها بالزاملتين. فنقله صحيح عن أهل الكتاب، لكن مروياته في التفسير قليلة. وأبو هريرة لم يحدث الكثير من التفسير، وكان يبين بوضوح ما ينقله عن كعب الأحبار، لكن قد يغلط بعض الرواة عنه فلا يذكر ذلك، وهذا في كل حال نادر. وعبد الله بن عمر t ليس له –فيما أعلم– إلا رواية واحدة عن كعب الأحبار. فبقي ابن عباس الذي كان مُكثراً في التفسير، لكن ما رواه من الإسرائيليات قليل مقارنة مع مروياته الكثيرة. خاصة أنه لم يرو في تفسير الطبري سوى ستة عشر رواية حسب إحصاء الدكتورة آمال محمد عبد الرحمن في كتابها “الإسرائيليات في تفسير الطبري – دراسة في اللغة والمصادر العبرية” (وهي دراسة ناقصة لا تشمل كل التفسير). ويظهر أن أكثرها –إن لم يكن كلها– قد جاء بها من كعب الأحبار. ذلك الخبيث الذي ملئ كتب التفسير بخرافاته اليهودية.

 مناهج المفسرين في التعامل مع الإسرائيليات

وقد اختلف منهج المفسرين في تلقي هذه الإسرائيليات. فابن جرير الطبري قد ذكر الكثير منها دون أن يتعقبها بما ينبغي. وفعل كذلك عدد من المفسرين كابن أبي حاتم ممن لم يكن لهم همٌّ إلا الجمع فحسب دون التنقيح. أما المحققون فأكثرهم انتقدوا الإسرائيليات، لكنهم لم يقدروا على التخلص من كلها، خاصة الذي اختلط بكلام الصحابة والتابعين، وصعب تمييزه. ومن هؤلاء المفسر الإمام ابن كثير الدمشقي.

قال ابن كثير (ت 747هـ): «ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل. وما أقل الصدق فيه! ثم ما أقل فائدة كثير منه، لو كان صحيحاً! قال ابن جرير: #213 حدثنا ابن بشار أبو عاصم أخبرنا سفيان عن سليمان ابن عامر عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير عن عبد الله –هو ابن مسعود– قال: “لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. فإنهم لن يهدوكم وقد ضَلّوا. إما أن تُكَذِّبوا بحق، أو تُصَدِّقوا بباطل. فإنه ليس أحدٌ من أهل الكتاب، إلا وفي قلبه تاليةٌ تدعوه إلى دينه كتالية المال”». وكلام ابن مسعود t صحيح تماماً. وقد سبق بيان أنه اتهم كعب الأحبار بأن اليهودية ما تزال في قلبه.

و لعلّ من أشد الناس في الرد على الإسرائيليات، هو الشوكاني الذي يندر جداً أن يوردها في تفسيره إلا لينقدها ويفنّدها. وهو يرى أن رواية الإسرائيليات سبب للاضطراب في التفسير والتناقض بين السلف، حيث تجد كل مفسر يقول بقولٍ مختلف. إذ أن المنقول عنهم متناقض ويشتمل على مالا يعقل في الغالب، ومقصود بعض من أورد هذه المتناقضات هو التشكيك على المسلمين والتلاعب بهم. كما أن تفصيل تلك القصص ومعرفة فصولها من التكلف والفضول، ولهذا نهى الله عن سؤالنا أهل الكتاب عن تلك التفاصيل {ولا تستفت منهم أحداً}. وكذلك يرى أن ما نُقِلَ في التفسير من قصص السابقين الغريبة إنما هو مأخوذ عن بني إسرائيل وليس منقولاً عن النبي r ولا هي من كلام الصحابة. وهو يرى عدم الترخص برواية الإسرائيليات في التفسير. يقول رحمه الله: «فإن تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٍ بالرواية عنهم لمثل ما روي “حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج” فليس ذلك فيما يتعلق في تفسير كتاب الله سبحانه بلا شك، بل فيما ذُكِرَ عنهم من القصص الواقعة لهم».

وعلى هذا النهج سار الألوسي والسعدي في تفسيريهما. قال المفسر السعدي بعد تفسير الآية (74) من سورة البقرة: «واعلم أن كثيراً من المفسرين رحمهم الله قد أكثروا في حشوا تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونَزَّلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيراً لكتاب الله، محتجين بقوله r: “حَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج”. والذي أرى أنه –وإن جاز نقل أحاديثهم على وجهٍ تكون مفردة غير مقرونة ولا مُنَزَّلَةٍ على كتاب الله– فإنه لا يجوز جعلها تفسيراً لكتاب الله قطعاً إذا لم تصح عن رسول الله r. ذلك أن مرتبتها كما قال r: “لا تُصدّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذّبوهم”. فإذا كان مرتبتها أن تكون مشكوكاً فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به، والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة –التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها– معاني لكتاب الله مقطوعاً بها. ولا يستريب بهذا أحد. لكن بسبب الغفلة عن هذا، حصل ما حصل. والله الموفق».

وكلامهما صحيحٌ رحمها الله. فما حاجتنا إلى اللجوء إلى كتبٍ حُرّفَ أكثرها؟ بل قد يكون في نقل الصحيح منها وإثباتها في التفسير، تزكيةٌ لذلك المصدر وتوثيقٌ له وتغريرٌ بالعامة ليعتمدوا على إسرائيليات غيرها لم تثبت صحتها. فإن إيراد هذه الرواية في هذا الموضع، يعني أنك تريد حمل الآية القرآنية عليها. وهذا يدل على تصديقك لها!

وهناك من يرى أن الإسرائيليات دسيسٌ على الإسلام: قال: «إن الفتنة لم تدخل المسيحية إلا من طريق رَجُلٍ (يهودي) قال أنه آمن بالمسيح… وإن الفتنة يجب أن تدخل الإسلام بنفس الوسيلة وبنفس الطريق وعلى رجل يماثل بولس» (ولعله يقصد كعب الأحبار). ويرى أنها شر قال: «وهكذا انفتح باب الإسرائيليات على مصراعيه أمام المسلمين، لينفتح به باب للشر لم ينغلق. ولن ينغلق ما دام في هذه الدنيا مسلمٌ تغيب عن وَعْيِهِ تلك الحقائق التي قدمناها». وقال: «دخلت شعوبٌ في الإسلام. ورأت مناسبةً بين الدين الجديد، وبعض ما في دينهم. فذهبوا يُفسّرون الإسلام ويفهمونه على أساس تلك الموروثات المهجورة». قلت: وأكثر ما نجد هذا عند الشيعة، حيث أدخل الفرس المعتقدات المجوسية، ليس في التفسير فحسب، بل في العقيدة والفقه كذلك!

ويقول: «حكمت الدولة العباسية، وهم سلالة عبد الله بن عباس، رائد الإسرائيليات في الإسلام. وظلت هذه الدولة منذ قيامها بعد سقوط دولة بني أمية (132هـ) تعمل على تضخيم شخصية عبد الله، ونسبة كافة المعارف إليه ورفع مقالاته إلى درجة التوثيق والتقديس التي للرسول r… وربما ادعوا أنه كان في كل ما يقول يصدر عن علوم أو وصايا ورثها عن الرسول r. وكل ذلك باطل ولا ظل له من الحقيقة، ولكنه صار عبئاً على الإسلام. ظل يعاني وسيظل يعاني منهم زمناً طولاً». وفيه كلامه مبالغة.

يقول الشيخ أحمد شاكر –رحمه الله– في “عمدة التفسير”: «إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن وجعله قولاً أو رواية في معنى الآيات أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها شيء آخر. لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مُبَيِّن لمعنى قول الله سبحانه ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك. وإن رسول الله r إذ أذن بالتحدث عنهم، أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم. فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه موضع التفسير والبيان؟!».

 ثم قال: «ومن أعظم الكلم في الدلالة على تنزيه القرآن العظيم عن هذه الأخبار الإسرائيلية، كلمة لابن عباس رواها البخاري في “صحيحه” (#6929)، ونقلها عنه الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية (79) من سورة البقرة. قال ابن عباس: “كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله r أحدث؟ تقرؤونه محضاً لم يشب. وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا {هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً}. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم!”. وهذه الموعظة القوية الرائعة رواها البخاري في ثلاثة مواضع من صحيحه».