الردة في الاسلام وحرية العقيدة

الردة في الاسلام وحرية العقيدة

الردة: هي مصطلح إسلامي يشير إلى ترك الإسلام بعد الدخول فيه وهي الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر والمرتد على الحقيقة: هو الذي يكفر بعد إسلامه بقول أو فعل أو اعتقاد أو شك. الحدود الشرعية بالإسلام حددها الله في كتابه الكريم، ومنها حد السرقة وحد شرب الخمر. وقد جاءت الآيات المتضمنة لهذه الحدود مفصلة تفصيلا شديدا ودقيقا كحد الزنى مثلا : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [1]. الله سبحانه وتعالى جعل عقوبة المرتد, عقوبة أخروية أي يوم الحساب، ولم يجعلها دنيوية. قضية حد الردة بدأت سياسية، واستمرت سياسية، وستظل كذلك، والجانب الديني فيها ضئيل ولا يثار إلا لخدمة الجانب السياسي في الغالب.[بحاجة لمصدر] يرى بعض جمهور الإسلام التقليدي من السنة والشيعة أن عقوبة المرتد هي القتل لكنه يستتاب لثلاثة أيام. وتعليلهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل البعض لخيانتهم ومحاولتهم التفريق بين المسلمين، في وقت كان فيه الإسلام يحتاج للوحدة والتماسك والانتشار. وقد ذكر القرأن هذه الواقعة في الأية “وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون”[آل عمران 72] بهدف تحطيم الجبهة الداخلية للمسلمين وزعزعة ثقتهم بدينهم. وقائع الردة التي حدثت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وبعد الهجرة إلى يثرب تتلخص أن الرسول لم يقتل مرتدا أو زنديقا طيلة حياته إلا في حالة كونه مرتكبا لجريمة أو محاربا. بينما طبق عمر عقوبة الحبس في حق المرتدين، وذلك تأكيد أن حكم الردة هو قرار سياسي تفرضه ظروف البلاد والعباد.. وليس حكما شرعيا. حرية العقيدة في القرآن أحيطت بسائر الضمانات القرآنية التي جعلت منها حرية مطلقة لا تحدها حدود، جاء في القرآن الكريم ما يقارب مائتي آية بينة وكلها متضافرة على تأكيد حرية الاعتقاد. والقرآن المجيد لا يحتوي على حد للردة أو عقوبة دنيوية لها، لا إعدام ولا دون ذلك، ولم يشر لا تصريحا ولا على سبيل الإيماء إلى ضرورة إكراه المرتد على العودة إلى الإسلام، وأن العقوبة على الردة هي عقوبة أخروية موكولة إلى الخالق لقوله تبارك وتعالى “ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”.[البقرة 217]

حد الردة

جمهور الفقهاء قالوا بوجوب استتابة المرتد لثلاثة أيام وإلا فإنه يُقتل وذلك لحديث علي بن أبي طالب المشهور عن النبي :(‏(مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلاَ تُعَذِّبُوهُ بِعَذَابِ اللَّهِ‏)‏ حديث صحيح رواه البخاري وغيره من أهل السنة، وقول الرسول أيضاً (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لدِينِهِ المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ). رواه البخاري ومسلم. وكما أن المرتد إلى الإسلام الا بالنطق بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام.

بالمقابل يوجد صوت فقهي من العلماء يُنادي بأن المرتد لا يُقتل، واستشهدوا بأن الرسول ارتد بوقته عدد من الناس ولم يُهدر دمهم، وكذلك عمر بن الخطاب أنكر قتل المُرتدين وتبرئ من قتلهم [2]. كذلك ردوا على الطرف الثاني في حروب أبو بكر للمرتدين بأنه حرب فتنة وليست حروب ارتداد عن الدين، أيضاً أن من قاتلهم أبو بكر ليسو مرتدين كلهم فكان فيهم من لم يؤمن أصلاً، وفيهم المتربصين فيتبعون الغالب، وفيهم من امتنع عن الزكاة، وبشكل عام فإن حروب أبو بكر لتلك القبائل كان سياسية بشكل كبير فقد كان في انفصالهم عن الجسم الإسلامي ضربة قوية للمسلمين. ويستدل القائلون بعدم قتل المرتد بقول الامام إبراهيم النخعي الذي رُوي عنه أنه قال بعدم قتل المرتد.[3]. وفي عصرنا الحالي يوجد الكثير من العلماء من قال بعدم قتل المرتد

شيخ الأزهر أحمد الطيب حيث أنه صرح بذلك في أحد المقابلات التلفزيونية وقالها صريحة : ” لا أؤمن بحد الردة “.[4]

وعلى الرغم من قوة حجج القائلين بالقول الثاني، إلا أنه يبقى القول المتعارف عليه عند عموم المسلمين هو القول الأول أو الأقدم بوجوب قتل المرتد بعد استتابته.

الحكمة الإسلامية من حد الردة

يدعي البعض أن الحكمة من حد الردة هو أن الإسلام يقضى حرية الاعتقاد للافراد ولا يكرههم على الدخول فيه بأى مسمي وقال تعالى في كتابه (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) سورة الكهف الآية [29] وانما له الحق في محاسبة من يتركه لانه ترك الحق بعد معرفته وقد ضمن له الإسلام من قبل الا يدخل الا بعد يتوثق ويتاكد يقينا، قال تعالى :(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [سورة يونس الايه 99] فـإن اليهود جعلوا من حرية الارتداد وسيلة للطعن في الإسلام، أعلنوا عن دخولهم فيه حتى ينفوا عن أنفسهم تهمة التعصب، ثم قرروا الارتداد السريع كأنهم اكتشفوا فيه ما ينفر من البقاء عليه بغيا.

هذا الكلام يرد عليه بثلاث مسائل:

أغلبية المسلمون (تقريباً كلهم) ولدوا مسلمين ولم يدخلوا للدين من دين أخر عن اقتناع.

حتى من دخلوا بالإسلام لا يمكنهم أن يتوثقوا من كل شيء بالإسلام قبل نطق الشهادة، فهذا ليس فعلياً ما يحصل في الواقع.

حتى لو فرضنا جدلاً أن شخص من ديانة أخرى درس الإسلام بتمعن شديد وفهم كل تفاصيله (و هذه حالة افتراضية لا تمثل واقعياً إلى نسبة قليلة جداً من المسلمين) ثم أراد فيما بعد أن يغير ديانته، فمن القسوة قتل من تغيرت وجهة نظره أو ضهر له ما كان مخفي سابقاً.

في القرآن

ومما قد استدل به المسلمون على ان المسلم قد يقع في الردة آيات منها قول الله تعالى‏  : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ‏وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ﴾ (التوبة/74) ‏و قوله ‏﴿‏ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ ﴾ (فصلت/37) ‏و قول القرآن ‏﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءامَنُوا‏ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ‏‏(الحجرات/15). فهذه الآيات تدل على ان المسلم قد يقع في الكفر إذا قال كلاما كفريا أو فعل أو اعتقد اعتقادات كفرية ولكن القرآن لم يذكر عقوبة دنيوية على ذلك. حد الرده النهائي في الإسلام: في الأخير القران لم يذكر اي عقوبه للمرتد في الدنيا وليس على الإنسان ان يتصرف كما يريد ويقتل الناس انما كل إنسان خلقه الله حر كامل الحرية في اعتقاد ما يريد وليس على البشر اقامه اي حد كما فصل ذلك في القران نفسه ان العقوبه هي في الاخره ولم يطبقها النبى على أحد في الدنيا السياسة لعبت الدور وادخلت احاديث مصطنعه عن النبى ولكن القران شاهد بان لا يوجد اي دليل على القتل للمرتد المرجع (حريه الاعتقاد في القران الكريم والسنه)المالكي جزاه الله خيرا ووفقنا وايه العدل.

أحكام الردة في الإسلام

لقد بين العلماء المسلمون من أهل السنة وكذالك الأئمة الأربعة أحكام الردة فقال النووي الشافعي في كتابه روضة الطالبين ما نصه :” الردة : وهي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة ‏بالقول الذي هو كفر وتارة بالفعل، وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر سواء صدر عن اعتقاد أو ‏عناد أو استهزاء ” ا.هـ.‏

و قال الشيخ محمد عليش المالكي في كتابه منح الجليل ما نصه :” وسواء كفر (أي المرتد) بقول صريح في الكفر كقوله: ‏كفرت بالله أو برسول الله أو بالقرءان، أو: الإله اثنان أو ثلاثة، أو : العزير ابن الله، أو بلفظه ‏يقتضيه أي يستلزم اللفظ للكفر استلزاما بينا كجحد مشروعية شئ مجمع عليه معلوم من الدين ‏بالضرورة، فإنه يستلزم تكذيب القرءان أو الرسول، وكاعتقاد جسمية الله أو تحيزه” ا.هـ

و قال الفقيه ابن عابدين الحنفي في رد المحتار على الدر المختار ما نصه :” قوله: وركنها إجراء كلمة ‏الكفر على اللسان، هذا بالنسبة إلى الظاهر الذي يحكم به الحاكم، وإلا فقد تكون بدونه كما لو ‏عرض له اعتقاد باطل أو نوى ان يكفر بعد حين” ا.هـ.‏

و قال البهوتي الحنبلي في شرح كتابه منتهى الإرادات ما نصه :” باب حكم المرتد : وهو لغة الراجع قال ‏الله : ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21)﴾ [ سورة المائدة / 21]، وشرعا ‏من كفر ولو كان مميزا بنطق أو اعتقاد أو فعل أو شك طوعا ولو كان هازلا بعد إسلامه “. ا.هـ.‏

و من الردة سب الله أو أحد من رسله أو القرآن أو الملائكة أو شعيرة من شعائر الدين الإسلامي أو تحريم الحلال البين كالنكاح والبيع والشراء أو تحليل الحرام البين كشرب الخمر أو السرقة. كذلك من الردة السجود للصنم أو الشمس أو القمر أما السجود لإنسان فان كان على وجه العبادة فكفر. ومن الردة أيضا اعتقاد ان الله علمه لا يشمل الكليات أو الجزئيات أو انه عاجز عن شيء أو انه يشبه شيئا من خلقه أو محتاج إلى شيء من خلقه.

من وقع في الردة بطل نكاحه وصيامه وتيممه وحبطت كل أعماله وإن مات على ردته فلا يرث ولا يورَّث ولا يغسَّل ولا يكفَّن ولا يصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.

متهمون بالردة

من الأشخاص الذين اتهموا مؤخرا بالردة وقتلوا على يد مسلمين، المفكر السوداني محمود محمد طه، والمفكر المصري فرج فودة، رشاد خليفة، كما جرح حامل جائزة نوبل الروائي المصري نجيب محفوظ في محاولة اغتيال.

كذلك اصدرت تهديدات ضد مفكرين وناشطين لادينيين مثل الروائي سلمان رشدي وتسليمة نسرين والمدون المصري كريم عامر والناشطتان الإيرانيتان مريم نمازي ومينا آحادي، وكذلك ضد متحولين إلى المسيحية مثل المصري محمد حجازي والأفغاني عبد الرحمن.

الردة في الفكر الإسلامي الأحمدي

يرى الفكر الأحمدي أن المرتد لا يُقتل لمجرد ردته، بل يحتجون بعدد من الآيات القرآنية التي يرون أنها تؤكد على الحرية الدينية، مثل قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } (البقرة 257)، وقوله تعالى {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف 30)، وقوله تعالى {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (22) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} (الغاشية 22-23). ويرون أن هناك آيات قرآنية تحدثت عن المرتدين، ولكن لم تذكر أي عقوبة لهم، كما في قوله تعالى {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ءَامِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُوا وَجْهَ النـهارِ وَاكْفُرُوا ءَاخِرَهُ لَعَلـهمْ يَرْجِعُونَ} (آل عمران: 72)[5]
فلو كان هناك عقوبة للمرتد لما خطر ببال هؤلاء من أهل الكتاب أن يقترحوا هذا الاقتراح. ويرى الأحمديون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل أي مرتد لمجرد ردته، بل إنّ صلح الحديبية تضمن بندا أنّ من شاء أن يترك الإسلام من أهل المدينة ويذهب إلى مكة فله ذلك. وأما حديث من بدل دينه فاقتلوه فيخصصونه بالمرتد المحارب، ويقولون إنه يُقتل لحرابته لا لردته.[6] حد الرده النهائي في الإسلام: في الأخير القران لم يذكر اي عقوبه للمرتد في الدنيا وليس على الإنسان ان يتصرف كما يريد ويقتل الناس انما كل إنسان خلقه الله حر كامل الحرية في اعتقاد ما يريد وليس على البشر اقامه اي حد كما فصل ذلك في القران نفسه ان العقوبه هي في الاخره ولم يطبقها النبى على أحد في الدنيا السياسة لعبت الدور وادخلت احاديث مصطنعه عن النبى ولكن القران شاهد بان لا يوجد اي دليل على القتل للمرتد المرجع (حريه الاعتقاد في القران الكريم والسنه)المالكي جزاه الله خيرا ووفقنا وايه العدل.

حرية الاعتقاد في القرآن الكريم والسنة النبوية by حسن بن فرحان المالكي

المراجع

^ القرآن الكريم, سورة النور, الآية 2.

^ سعد الدين هلالي – الردة على يوتيوب

^ هل يقتل المرتد ؟

^ تصريح شيخ الأزهر على يوتيوب

^ http://islamahmadiyya.net/pdf/tafseerK2_10.pdf

^ http://www.alislam.org/library/books/Murder-in-the-name-of-Allah.pdf

الشيطانية: في الفهم الأكمل للألوهة

الشيطانية: في الفهم الأكمل للألوهة
لأنّ الأشياء لا تعرف إلا بأضدادها، تبدو فكرة الشيطانية (الشرّ المطلق) هي الفكرة الملاصقة والمقابلة لفكرة الألوهة (الخير المطلق) على مرّ تاريخ الأديان، منذ أن كان لكلّ إله إله آخر مقابل له، حيث ربّة الخصب والحياة مثلاً، قابلتها ربّة العالم السفليّ، وآلهة الحرب قابلتها آلهة السلام وهكذا. رغم ذلك، وبناء على تلك الفكرة، كان من الممكن أن تجتمع الألوهة والشيطانية في قوّة واحدة، أو إله واحد، وذلك حسب الحالة والمزاج والواقعة، فالآلهة متبدّلة متغيّرة في صفاتهم البشرية. لكنّ التوحيد الإلهيّ قابله فكرة التوحيد المقابل، أي إنّ توحيد الآلهة (الخيّرة)، إن صحّ التعبير، وحّدت الآلهة (الشريرة) أيضاً، وذلك عقب تعميم اليهود لثقافتهم الجديدة في التوراة: ثقافة توحيد يهوه. ولأنّهم اعتبروا أن ديانتهم سماوية فقد حاكموا العبادات والديانات القائمة باعتبارها ديانات وضعية، وغدت عبادة (بعل أو مردوك مثلاً) ديانة من صنع البشر ولا يعتدّ بألوهتها! بناء على ذلك عمل التوحيد على تجميع (الشرور) كلّها في بؤرة واحدة سمّيت: الشيطان أو إبليس (في النسخة العربية)، في ثنائية حادّة للظلام والنور والخير والشرّ. ووضع الشيطان مقابل الله كموسوس ومهدّم ونقيض للأفكار (الألوهية). وربما كانت معلومة دالّة أنّ كلمة الشيطان عبريّة الأصل ومعناهـا:(الضدّ والعدوّ). رغم ذلك يمكننا قراءة فكرة الشيطانية بأشكال متبدّلة عبر التاريخ من كونها فكرة ضدية للألوهة، تحمل معنى العدو ومعنى المختلف أيضاً، إلى فكرة ندّية لها، إلى فكرة تكاملية تجعل الألوهة والشيطانية وجهين لعملة واحدة، إلى استخدام فكرة لفكرة أي استخدام الإله للشيطان كتابع أو مستخدم… إلخ.
قبل الحديث عن الشيطان كقوة مفكّكة موسوسة، كما درج على معرفته، يمكن قراءة غواية الشيطان في بعض التأويلات باعتبارها خدمة لله، أي إنّ الشيطان هنا هو خادم لله في محاولة تضليل الإنسان، أو اختبار إيمانه بخالقه. فيبدو إبليس في فكر الحلاج الصوفيّ المخلوق الأكثر إيماناً بفردانية الحقّ الأحد. ويفرد الحلاج طاسينه السادس من كتابه: الطواسين، وهو بعنوان: طس الأزل والالتباس للحديث عنه كما يراه. فيفصّل في طلب الله من إبليس أن يسجد لآدم حين خلقه، ورفض إبليس لذلك مخاطباً الله: (وكيف أذلّ له وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟!) وحين اتهمه الله بالاستكبار قال إبليس: (لو كانت لي معك لحظة لكان يليق بي التكبّر والتجبّر! فكيف وقد قطعت معك الأدهار؟ فمن أعزّ منّي وأجلّ؟ وأنا الذي عرفتك في الأزل! أنا خير منه. لي قدمة في الخدمة، وليس في الكونين أعرف مني بك). نصّ الحلاج هذا، العميق والمشوق، يلعب على فكرة أساسية وهي التصاق ماهية الألوهة بالشيطانية منذ الأزل، فإبليس الذي رفض السجود للطارئ/ آدم كان الأكثر إيماناً بالله وتنزيهاً له من كافّة سكّان السّماء، لأنّه لا يسجد إلا لله وليس لمخلوقه الطينيّ التافه. ربما بدت الألوهية والشيطانية هنا نقيضين، لكنهما نقيضان متجاذبان بقدر تباينهما، ملتصقان بقدر ابتعادهما.
تمثلت فكرة الشيطانية بداية في القوّة المفكّكة التي حاولت منح المعرفة لحوّاء، وبدورها مرّرتها إلى آدم، فيما المعرفة لله وحده. أي إنّ الشيطان، المتمثّل وقتها في الأفعى، خالف رأي الأوحد في احتكار المعرفة والقرار، وراح يهبها لغير الله: أي لمخلوقه الطينيّ، والأصحّ لمخلوق مخلوق من ضلع الطيني. لكنّ تلك الفكرة البدئيّة للشيطان راحت تتحوّر وتتبدّل كمفهوم ودلالة وتمظهرات. ففي مسرحية غوته الشعرية الشهيرة مثلاً: فاوست 1771- 1831، والتي تعود فكرتها إلى وقت أسبق من ذلك، يبيع الدكتور (وربما كانت مهنته/ علمه دلالة على امتلاكه سرّ الجسد البشري) روحه إلى الشيطان مقابل المعرفة، أي حين سمح لنفسه بطرح الأسئلة الخالدة عن معنى الحياة والوجود والله، وبالتالي يضع فاوست نفسه في منطقة هي حكر على الخالق وحده وليس المخلوق، فيمشي كالمنوّم وراء رغباته، أو لنقل يتبع فردانيته دون أن تكون للمبادئ العامّة (أو الأخلاق الاجتماعية الدينية) قيمة لديه. تأتي هذه الفكرة كتكملة أكثر إنسانية للفكرة الأساسية التي ألصقها حكم الدين ورجالاته في عقول البشر بأنّ كل من يخالف إرادة الله، التي هي هنا إرادة رجال الدين، فقد باع روحه للشيطان. وهي فكرة مطّاطة متبدّلة وصلت عقوبتها في القرون الوسطى إلى الموت حرقاً أو شنقاً أو إغراقاً بناء على هذا الاتهام الخطير! إذاً فالشيطان هنا هو كل حركة ذهنية أو عملية تخالف حكم رجال الدين. ورغم مجيء ماني لينظّف المسيحية من تأثيراتها اليهودية الشرسة، كما ادّعى مراراً، إلا أنّه عمل على تعميق ذلك التناقض بين الله والشيطان/ الأبيض والأسود في فلسفته، أو ديانته إن صحّ التعبير، المانوية.
يحاول دان براون أن يتحدّث عن الأمر في روايته الشهيرة: شيفرة دافنشي، حيث يتحدث عن تزييف رجال الفاتيكان لتاريخ المسيح، ومحو كل الشواهد حول بشريته. ويحاول أن يؤكّد على إهدار الدين، كسلطة بطريركية، لدور المرأة حين حوّلت العالم من الوثنية المؤنّثة إلى المسيحية الذكرية بإطلاق حملة تشهير حوّلت الأنثى/ المقدّسة إلى شيطان، ومحت تماماً أي أثر للآلهة الأنثى، لتحوّل التوحد الجنسيّ بين الأنثى والذكر من فعل مقدّس إلى فعلة شائنة. تحويل المرأة إلى ممثّل للشيطان، وفي رواية أخرى إلى تجلٍّ له، يرتبط بفكرة شيطنة أيّ فكرة أو إنسان أو جهة لا تتطابق، أو لا تخضع، مع حكم رجال الدين والسلطات الثيوقراطية التي عمّت الكون. كما يقول سفر يشوع بن سيراخ، وهو نصّ عبرانيّ من القرن الثاني قبل الميلاد: “ومن المرأة بدأت الخطيئة، وبسببها نموت جميعاً”.
الفكرة ذاتها طبّقت قبل ذلك بكثير حين راحت الأساطير الذكورية، ويقال إنّّها بدأت بأوّل نص ذكوريّ هو أسطورة الخلق البابلية: لإينوماإيليش، تشوّه سمعة الربات الإناث اللواتي خلقن، ومن ثم حكمن، الكون قبلاً. ذلك أنّ الخوف من الطاقة المؤنّثة، ومن الفاعلية الأنثوية بشكل أدقّ، عمل على جعل السلطات الجديدة تحارب تلك الطاقة بتشويهها لإبعادها. فتحولت ليليت مثلاً من ربة فاتنة، ملهمة للأمّهات وحبيبة للأطفال، إلى شيطانة تقتل الرضّع وتخنق الرجال وتصيب الأمهات بالعين الحاسدة. ويبدو ذلك واضحاً في تمظهراتها اللاحقة كميدوزا القاتلة والغورغونات المخيفات.
وتحوّلت باوبو أيضاً من فاتنة تثير الطاقات الجنسية الأنثوية، الأساسية في عملية الخلق، إلى شيطان داعر ليس له همّ سوى المجون وتفكيك الروابط الأسرية. فضمن الموجة ذاتها ستتحوّل ساحرات العصور القديمة: ميديا الماهرة بالسموم وسيرسيه الغورغونة، التي حولت رفاق أوليس إلى خنازير، إلى ساحرات العصور الوسطى، وهذا ما جعل قناع ميدوزا يتحول في الأوابد الأريكولوجية إلى شدق فاغر كبوابة للجحيم، أو صورة عرفت باسم أنياب الفرج أو الفرج المسنّن. وفرجها الذي انفصل عن وظيفته التناسلية الرمزية ألصق بالشيطان وبذرة الشيطان، حيث يصفها سفر الرؤيا بأنها عاهرة الشيطان فيقول: “… والمرأة كانت متسربلة بأرجوان وقرمز، ومعها كأس من ذهب في يدها، مملوءة رجاسات ونجاسات زناها، وعلى جبهتها اسم مكتوب. سر، بابل العظيمة أم الزواني ورجاسات الأرض”. ارتباط عبادة الشيطان بالمرأة يتكثف في وثيقة الماليفيكاروم، وهي وثيقة كتبت في العام 1484، حين تقول: “كلّ السّحر يأتي من المتعة الجسدية، الموجودة في شهوانية المرأة.. ذلك أنها أكثر شهوانية من الرجل، كما هو واضح في كثير من رجاساتها الجسدية.. فمن أجل أن تحقق النساء شهواتهن فإنهن يتزوجن حتى من الشياطين”.
إحدى ممثلات الشيطان أولئك كانت حنه ماري جورجيل، التي حرقت في مدينة تولوز حوالي سنة 1330، وهي تقول، كابنة حقيقية للشيطان، حين سؤالها عن رمز الأحبار والعقيدة الواجبة على كل مؤمن في الدين المقدس: (إن المساواة تامة بين الله والشيطان، الأول ملك السموات والثاني ملك الأرض، وكلّ الأرواح التي توصل هذا الأخير لإغوائها كانت ضائعة بالنسبة للعليّ الأعلى، وكانت تعيش أزلياً على الأرض أو في الأجواء، وتمضي كل الليالي لتزور محل إقامتها القديم لتوصي على أبنائها أو أقاربها الرغبة بخدمة الشيطان بدلاً من الله) ثم تعقب حنة ماري حديثها بأن المعركة بين الله والشيطان توجد منذ الأبد ولن تكون لها نهاية، فالنصر كان تارة حليف هذا وتارة حليف ذاك، أما في الوقت الحالي فتبدو الأشياء وكأنها انتصار مؤكد للشيطان. تعود فكرة الضدية بين الألوهة والشيطانية من جديد لكنها هذه المرة ضدية ندية، ليس لأي طرف من الأطراف امتلاك كلية الشر أو كلية الخير، إنهما ندان، لكل منهما منطقته الخاصة وأتباعه الخاصون المؤمنون به والأوفياء له وستستمرّ المعركة المقدرة طالما استمرت هاتان القوتان الأساسيتان.
وكان رجالات روبير التقي قد أحرقوا قبل ذلك، وفي سنة 1002، مجموعة سميت باسم: مذهب مانويي أورليان، وقد ألصقت بهم تهمة عبادة الشيطان لأنهم تجمعوا ليلاً (كي يترنّموا بأسماء الشياطين)، حتى يظهر لهم الشيطان بشكل حيوان مّا، وغالباً بشكل قطّ أسود. ويبدو واضحاً، كما قلت آنفاً، أن رجالات الدين، باسم الدفاع عن حكم الألوهة في الأرض، خلقوا أعداء لله كي يحاربونهم في الأرض بتهمة الشيطانية (المتبدلة المطاطة)، فماري دي ناغلوسكا، مؤسسة كنيسة الحد الثالث للثالوث (وفي رواية أخرى للتثليث)، لقبها راسبوتين بالشيطانة رغم أنها كانت تبشر بعهد جديد سوف تأتي فيه ديانة الأم لمصالحة قوة الظلمات مع روح الأنوار. إذاً كانت ماري تتحدث في فكرة تكامل الألوهة مع الشيطانية، حيث لن يكون المرء مناصراً لديانة الحدّ الثالث للتثليث إذا لم يقبل الفكرة التي تضع يهودا إلى جانب يسوع، والاعتراف بعمل الأول مكملاً للأخير بالطريقة ذاتها التي يكون فيها جهد الجانب الأيسر مكملاً لجهد الجانب الايمن في تكوين خطوة إلى الأمام. هذا ما يصبّ مباشرة في كون الشيطان مكملاً لله، أي أن الشر مكمل للخير، وربما جزء منه، وليس مضاداً له أبداً.
تبدو ماهية الفكرة الشيطانية، سواء أكانت قوة مناقضة للألوهة أم عدوة لها أم مكملة أم خادمة أو حتى مجرد فكرة معارضة لأجل المعارضة، فكرة جديرة بالتفكير والتحليل والتمحيص، وهذا ما عمل عليه الفكر والفلسفة والأدب على مرّ التاريخ البشري: صراع القوى في الطبيعة وفي داخل الإنسان (باعتبار الإنسان بؤرة مصغرة عن الكون الفسيح)، ومدى القدرة على تفكيك ماهية كل منهما وفهمه والتصالح معه، وحتى حين تصل الشيطانية اليوم إلى درجة من التفاهة بتحولها إلى علاج جنسي فقد يبدو الأمر شكلاً من أشكال دفع الفكرة إلى الأمام لديمومتها.

اسطورة الدولة الدينية

اسطورة الدولة الدينية
بقلم : خالد غزال
تحمل الكتب المقدسة للأديان التوحيدية الكثير من الأساطير، بعضها يجري التعاطي معه في وصفه بات من الماضي، بعضها الآخر لا يزال يلهم الحاضر ويسعى إلى التحقق. إضافة إلى ما ورد في الكتب المقدسة، عمل اللاهوت الديني على تكوين أساطير جديدة يدّعي أنها مستلهمة من النصوص المقدسة، أو هي تفسير لما بدا غامضاً فيها. من المعروف أنّ الأساطير تشكل رموزًا تدخل في الوجدان الشعبي وتحرّك فيه مشاعر، وتعطيه أملاً بمستقبل يقع غالبا في عالم الخيال.
قامت إسرائيل كدولة يهودية على أسطورة أرض الميعاد التي وعد الله بني إسرائيل بها، وقامت أسطورة البابا على أنه ممثل المسيح على الأرض ويحكم باسمه. أما في الإسلام، فلا حدود للأسطورة الدينية التي تبدأ من وجود الدولة الدينية زمن النبي مرورًا بالخلافة الراشدية المثالية في التطبيق، وصولاً إلى الخلافة الإسلامية التي تمثل دولة الإسلام منذ العهد الأموي إلى العهد العثماني، وأخيرًا إلى ادعاء قيام دولة دينية في إيران، هي في حقيقتها دولة أوتوقراطية مستبدة. إذا كانت اليهودية قد حققت أسطورتها عبر قيام دولة اسرائيل، وانكفأت المسيحية إلى دولة الفاتيكان بعد الصراع المرير والحروب الأهلية في أوروبا لفصل الدين عن الدولة، فإن الاسلام اليوم يعيش في ذروة الأساطير والحلم بتحققها، من حيث الشعارات المرفوعة منذ عقود لإعادة الخلافة وإقامة الدولة الدينية على مثال الخلفاء الراشدين. تعمقت الأسطورة وبدت لأصحابها قاب قوسين من التحقق بعد الانتفاضات في العالم العربي ووصول التيارات الإسلامية الى الحكم.

أولاً: هل اسرائيل دولة دينية؟
على رغم أنّ الحركة الصهيونية انطلقت كحركة سياسية وثيقة الصلة بالمشاريع الاستعمارية للسيطرة على المناطق العربية واقتسامها خلال أواخر القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، إلاّ أنها انطلقت من الأسطورة الدينية الواردة في التوراة من أنّ الله وعد بني إسرائيل على لسان النبي ابرهيم بأرض الميعاد التي هي أرض فلسطين، فوسعت التعبئة الإيديولوجية عبر شعار أرض فلسطين بلا شعب لشعب بلا أرض، أي اليهود. تحققت للشعب اليهودي دولته في العام 1948 بتواطؤ واضح من المجتمع الغربي، في وصفها دولة الشعب اليهودي، وترجمت إسرائيل هذا الشعار بدعوة اليهود للمجيء إلى “أرض الميعاد” بعدما تحقق لهم وعد الله. هل إسرائيل في حقيقتها دولة دينية منذ قيامها، وما الذي أصابها على امتداد ستة عقود من تكوّنها؟
للوهلة الأولى، تبدو إسرائيل دولة دينية عنصرية. فالإسم، “إسرائيل”، جاء من اسم النبي يعقوب، كما أنّ عَلَم الدولة اعتمد نجمة النبي داوود شعاراً لها. يضاف إلى ذلك أنّ بعض الدعم الآتي من الغرب الأوروبي المسيحي يستند إلى منظور ديني ينطلق من نبوءة ظهور “المسيح” فى أرض الميعاد المشار إليها في العهدين القديم والجديد. لكن التدقيق في النشأة والقوانين التشريعية التي رافقت قيام الدولة كانت تنفي عن اسرائيل صفة الدولة الدينية.
عندما وضع الآباء المؤسسون لدولة اسرئيل قوانين نظامها وكيفية تعاملها مع مواطنيها، كانت تشريعات علمانية على غرار المجتمعات الغربية. لا يوجد في قانون الدولة أي إشارة إلى الشريعة اليهودية كمصدر للتشريع أو اعتبار هذه الشريعة مصدرًا من مصادر التشريع. ويقوم نظام الحكم فيها على المبادئ الديموقراطية وعلى إرادة الشعب كمصدر لشرعية الحكم، وعلى حق المواطنين في اختيار حكامهم من دون أي شروط مسبقة في ما يتعلق بتدينهم أو معتقدهم. كما لا يعطي القانون رجال الدين – الحاخامات- أي سلطة في التشريع أو اختيار الحاكم، بل يتساوى الحاخامون في المواطنية من حيث الحقوق والواجبات مع فئات الشعب. وإذا كانت بعض الفئات من رجال الدين وطلبة المعاهد الدينية قد أعطيت بعض الامتيازات، فلا يعود ذلك إلى عهد إلهي أو إلى نص شرعي منصوص عليه في التوراة. أما الأحزاب الدينية، فتتمتع بحق المشاركة في السياسة أسوة بغيرها من الأحزاب غير الدينية، ولا تحظى بامتيازات خاصة في هذا المجال.
هذا هو الأصل في قيام دولة إسرائيل. على امتداد تطورها، حصلت تغيرات سياسية واجتماعية تتصل بالصراع العربي – الصهيوني والنظرة الإسرائيلية إلى هذا الصراع، جعلت الأحزاب الدينية تطفو إلى السطح، وتذهب بشعاراتها السياسية في اتجاه تحويل اسرائيل دولة دينية تعتمد على التشريعات اليهودية المستقاة من العهد القديم، وهو صراع يخفت أو يصعد بين العلمانيين والمتدينين وفق تغيّر ميزان القوى السياسي والاجتماعي داخل اسرائيل.
ثانياً: هل عرفت المسيحية دولة دينية؟
في السؤال هل عرفت المسيحية وجود دولة دينية أم لا، يذهب الجواب إلى القول بأنها عرفتها بمعنى، ولم تعرفها بمعنى آخر، خلال تاريخها الممتد منذ عشرين قرناً. في النظرة إلى الواقع الراهن، يمكن القول بوجود دولة دينية متحققة هي دولة الفاتيكان التي تأسست وفق معاهدة لاتيران 1929، أيام الحكم الفاشي في إيطاليا، وتشمل الإعتراف بالسيادة الكاملة للكرسي الرسولي على دولة الفاتيكان.
في مراجعة تاريخ العلاقة بين السلطتين الدينية والزمنية في المسيحية، نلحظ عملية صراعية مستديمة امتدت طوال عقود وصولاً إلى القرن العشرين. منذ القرون الأولى للمسيحية، بدأت الصراعات من خلال سعي الأساقفة إلى الإمساك بالسلطتين الدينية والزمنية، وسعي الحاكم إلى التفلت من هذه الهيمنة، ودأبه في المقابل على إلحاق الأبرشية بسلطته، وتوظيف رجل الدين في خدمته. ازداد الصراع حدة بعدما وطدت المسيحية مواقعها فصارت من كبار ملاّكي الأراضي، واكتسبت قوة سياسية إلى جانب قوتها الروحية، مما جعلها تتدخل في كل الشؤون السياسية، وصولًا إلى التحكم في تنصيب الملوك والأباطرة، وإجبارهم على اكتساب مشروعية الحكم من البابوات. ذلك كله تحت عنوان أنّ البابا هو ممثل المسيح على الأرض، وبموجب السلطات المعطاة له من الله، على جميع الحكّام الخضوع لسلطته. لم يكن الخلاف يدور على السلطة الروحية التي يمثّلها البابا، لكن جنوح البابوات إلى الهيمنة على السلطة الزمنية وإلحاق الحكّام بهم، جعل المعركة دوماً مفتوحة، ولم تتوقف إلاّ بعد حروب دامية أوصلت إلى تكريس الدولة المدنية في أوروبا، وإلغاء هيمنة السلطات الدينية في فرض قوانينها وتشريعاتها على الدولة. زاد من حدة الصراع نظرية “الحق الإلهي” في السلطة التي أعلن الملوك أنها ممنوحة لهم وليس للبابوات.
اللاهوت المسيحي أداة الكنيسة في الهيمنة
اذا كانت هيمنة رجال الدين على السلطة السياسية شهدت مدًا وجزرًا على امتداد قرون، ولم تكن في غالب الأحيان لصالح الكنيسة، إلاّ أنّ اللاهوت المسيحي الذي تكوّن على امتداد قرون كان الأداة الأساسية في يد الكنيسة لفرض هيمنتها الفكرية والدينية على المجتمع في جميع مناحي مجالاته. في هذا المجال كان هناك ما يشبه التواطؤ بين الكنيسة والسلطة الزمنية، بحيث يتبادل الطرفان المصالح المشتركة، فتطلق السلطة الزمنية يد الكنيسة في فرض لاهوتها على المجتمع وتُخضعه لسيطرة أفكارها وتمارس سلطة مادية على مَن يخالف تعاليم الكنيسة، فيما تقدم الكنيسة، مقابل ذلك، المشروعية الدينية للسلطة الزمنية، بحيث تأمر بإطاعة الحاكم والخضوع لقوانينه. استمرت هذه العلاقة ولم تنفجر إلاّ في سياق التقدم الإقتصادي والعلمي والفكري الذي بدأت تشهده أوروبا منذ عصر النهضة، حيث بدت نتائجه الفكرية والعلمية متناقضة مع اللاهوت المسيحي المفروض على الفكر. لاحقاً، انفجر هذا التناقض ووصل إلى ذروته في عصر الأنوار الذي انتج فكرًا سياسياً وعلمياً قوّض المنظومات الفكرية للكنيسة، التي ردّت عليه بعنف مادي وفكري، سواء عبر محاكم التفتيش التي كانت تمتلك سلطات زمنية باسم المحافظة على المبادئ الدينية، أو من خلال توظيف نفوذ الكنيسة لدى السلطة الزمنية لمعاقبة مخالفي منظومتها الدينية والفكرية.
مارست محاكم التفتيش السلطة باسم الدين المسيحي، وكانت فتاوى القتل والتعذيب تستند إلى المنظومة اللاهوتية التي كانت ترشد رجال الدين في الممارسة. كانت المحاكم سلطة دينية بكل معنى الكلمة، وإن لم تكن دولة دينية. التقاطع في المصالح بين الكنيسة والدولة، كان العنصر الفاعل في تمكين رجال الدين من تسليط المحاكم على المسيحيين، من العامة إلى رجال العلم والفلسفة، فلم تنج فئة من فئات المجتمع الا ونالت ما تستحق من العقاب لدى أي مخالفة يرى رجل الدين أنّ هذا المواطن قد ارتكبها. كانت الأحكام استنسابية واعتباطية، ذهب ضحيتها الآلاف من البشر، كله باسم الحق والرعاية الإلهية.
ثالثاً: الإسلام والدولة الدينية
إذا كانت الدولة الدينية في اليهودية والمسيحية قد اتخذت منحى الخلط بين الديني والسياسي، بحيث يصعب الحديث عن تحقق الدولة الدينية بمعناها الفعلي، إلاّ أنّ الأمر يختلف بالنسبة إلى الإسلام وتياراته السياسية. إنّ تعبير “أسطورة الدولة الدينية” يطال في واقع الأمر الإسلام، حيث تتموضع هذه الأسطورة بشكل عميق في الوجدان الإسلامي، وتدفع إلى رفع شعار استعادة الدولة الدينية ومعها الخلافة الإسلامية، في وصفه العامل الأساس الذي يعيد إلى المسلمين موقعهم الذي تآمر “الغرب والكفّار” على تقويضه. إن التاريخ الإسلامي والعربي لا يثبت فعلياً أنّ دولة دينية قد تحققت في يوم من الأيام، وأنّ فكر التيارات الإسلامية في هذا المجال ليس أكثر من أساطير ترغب من خلالها تأجيج الوعي الإسلامي وتعبئة الجماهير في الصراع السياسي والاجتماعي وأهدافها في الاستيلاء على السلطة. لا يعني أنّ الشعار لم يكن من دون أساس في التاريخ، فقد تواطأ النظام السياسي مع المؤسسة الدينية في توصيف الحكم القائم بأنه يتبع الشريعة الإسلامية وبأنه خير تمثيل للمسلمين.
الإسلام دين لا دولة
قبل تعيين بعض العوامل التي جعلت شعار الدولة الدينية شعارًا متجددًا، لا بد من التوقف أمام السجال الذي لم ينقطع عما إذا كان الإسلام ديناً ودولة، أم رسالة دينية في الأصل والأساس. لا يوجد في الفكر الإسلامي أو العربي القديم أي مفهوم للدولة، بل إنّ مفهوم الدولة الدينية حديث ارتبط بنشؤ التيارات الدينية الإسلامية في القرن العشرين. يمكن القول إنّ هذا المفهوم تلازم مع فكر “الأخوان المسلمين” الذي ربط فيه المؤسس حسن البنّا بين السياسة والدين في الإسلام. في العودة إلى النص الديني الإسلامي المقدس، لا نرى في القرآن أي حديث عن السياسة، ولم يقل القرآن بضرورة الدولة ومنافعها على المسلمين، بل ركّز على وعد المسلمين بالجنّة وخيراتها، ونصر الله والفتح، لأن الدين يقوم على الهداية والتبشير. بل إنّ الإسلام يمكن اختصاره بكونه رسالة إنسانية وقيماً روحية وأخلاقية في الأساس.
قال “الأخوان المسلمون”، آباء كل التيارات الإسلامية لاحقاً، إن الإسلام هو عبادة وقيادة ودين ودولة وروحانية وعمل وصلاة وجهاد ومصحف وسيف. والحكومة الإسلامية ركن من أركان الإسلام. هذه الدولة الدينية تستمد سلطانها من الله، فالحاكمية له. إذا كانت التيارات الإسلامية تتنوع في التعبير عن شعار الدولة الدينية وتُدخل عليه تحسينات من هنا أو هناك وفقاً لمقتضيات الحاجة، وتبعاً للظروف السياسية والاجتماعية التي تفرض المواربة في الطرح، إلاّ أنّ الأساس النظري الذي حدّدها الكاتب الهندي الأصل أبو الأعلى المودودي والتزمه “الأخوان المسلمون” يظل من الثوابت في برامج الأحزاب والتيارات الإسلامية.
مقابل هذه الوجهة في قراءة الدولة الدينية، كان لعلماء مسلمين آراء جريئة دحضت كل نظرية كون الإسلام ديناً ودولة، وأصرت على أنه دين لا دولة. مثّل الشيخ علي عبد الرازق واجهة الصدام في الربع الأول من القرن العشرين، من خلال كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، الذي كان، ولا يزال، المرجع الأهم في التمييز بين الدين والدولة، ونفى أن يكون الإسلام قال بالخلافة ووجوبها. قبل عبد الرازق، كانت للشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية آراء مهمة في هذا الموضوع كونها صادرة عن مفتي الديار المصرية وعن شيخ أزهريّ ذي موقع أساسيّ في المؤسسة الدينيّة، حول مسألة الدين والدولة والسلطة. نفى الشيخ عبده نمط السلطة السائد في الإسلام فأكّد عدم وجود شيء اسمه السلطة الدينيّة، وإذا كان من سلطة بالمفهوم الدينيّ، فهي التي تقوم “على الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر”، وهذا هو جوهر الدعوة الدينيّة في الميدان الأخلاقيّ والإنسانيّ. ذهب عبده بعيداً في الجزم بأنّ الخليفة هو حاكم مدنيّ من جميع الوجوه، وبأنّ الشرع الإسلاميّ لم يأت على بيان كيفية إدارة أمور الناس اليومية أو وضع قواعد لنظام الحكم، وحتى ما جرت الإشارة إليه في شأن “الشورى” لا يتعدّى مجرد إشارة عابرة في النص الدينيّ أو في بعض الأحاديث، بل إنّ هناك ما يلفت إلى التأكيد المتواصل من الرسول أنّ المسلمين “أدرى بشؤون دنياهم”.
عوامل تجدد شعار الدولة الدينية
منذ اندلاع الانتفاضات في العالم العربي، ارتفع شعار إقامة الدولة الدينية التي انتظرها المسلمون طويلاً وأوفى الله بوعده في إعادتها إلى مجتمعاتهم، وفق ما يردد زعماء التيارات الإسلامية. لم يسقط الشعار من فراغ، بل كانت عوامله تتفاعل على امتداد عقود، وكانت له أسبابه الموضوعية والذاتية المتصلة بتطور المجتمعات العربية.
شكل النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة أساسية في صعود الأحزاب والتيارات الإسلامية وحراكها السياسي وتحوّلها لاعباً في الحياة الإجتماعية والسياسية، عربياً وعالمياً. يدلّل على ذلك المنحى العنفي الذي سلكه ويسلكه معظم التيارات التي تنتمي إلى هذا الإسلام. لم تغب هذه التيارات عن التاريخ الإسلامي، لكنها كانت في كل مرحلة من تطوره تتخذ لنفسها شكلاً متوافقاً مع الواقع السياسي والإجتماعي السائد. يشكل النص الديني الإسلامي الرسمي (القرآن والأحاديث النبوية) الأساس الإيديولوجي الذي تتغذّى منه أفكارها وتستند إليه في تبرير مشروعيتها وممارستها. لكنّ النص الديني لم يشكّل يوماً عنصراً كافياً لتحوّل التيارات الاسلامية إلى مشروع سياسي كما هو حاصل منذ نصف قرن حتى اليوم. يحتاج النص الديني المتكوّن في شكل إيديولوجيا، إلى عوامل من التأزم السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وفشل المشاريع السائدة، بما يمكّنه من أن يقدّم نفسه المشروع السياسي البديل الذي ينقذ من الأزمات. لذا لم يكن غريباً أن تتقاطع كلّ المشاريع الإسلامية، على رغم تنوّعها وتضارب مصالحها احياناً، عند شعار موحّد يقول إن “الإسلام هو الحل”.
إذا كانت التيارات الإسلامية بفكرها وتعاليمها واستنادها إلى النص الديني الأساسي لم تغب يوماً عن الحياة العربية والإسلامية، إلاّ أنّ خروجها من القوقعة الداخلية إلى العلن والتحوّل قوة فاعلة، كان يحتاج الى حدث كبير. كانت هزيمة الأنظمة العربية، خصوصا عمادها المصري، في العام 1967 أمام العدو الصهيوني، العنصر اللازم لهذا النهوض. لم تكن هزيمة حزيران مجرّد هزيمة لجيوش عربية في مصر وسوريا والأردن أمام الجيش الإسرائيلي، بل كانت في حقيقتها هزيمة مشروع تحديثي نهضوي تكوّنت قواه على امتداد القرن العشرين، وتكرّس مع هزيمة الإستعمار في شكله العسكري وقيام أنظمة الإستقلال الوطني وحملها المشروع التحديثي في التقدم والحرية.
لا ينفصل الصعود الإسلامي عن التصدّعات البنيويّة التي تشهدها المجتمعات العربية بعد انفجار مشاريع التحديث، وهي تصدّعات تعبّر عن نفسها بانبعاث قوي لمقوّمات ما قبل الدولة، من عصبويات عشائرية وطائفية وقبلية وإثنية، وتراجع دور الدولة لصالح هذه العصبيات. تمثل العودة إلى الصراع السياسي الذي نشب بعد وفاة الرسول حول السلطة وتحوّل لاحقاً إلى صراع مذهبي بين السنّة والشيعة، مادةً ملتهبة في إذكاء نار الإيديولوجيا الإسلاموية.
إذا كان من خلاصة لهذا البحث، فهي أن المجتمعات التي سادت وتسود فيها الأديان التوحيدية، لم تعرف يوماً دولة دينية، كما يدّعي البعض، بل كانت هناك دائماً دولة سياسية توظّف الدين والنصوص الدينية في خدمة مشاريعها السياسية وتكريس سلطاتها وإسباغ المشروعية عليها.
عن جريدة النهار

اجيال الارهاب الديني

اجيال الارهاب الديني
إشكاليات الانتقال في أجيال العنف إشكاليات الانتقال في أجيال العنف
بقلم / أبو بكر الدسوقي
مرت ظاهرة تنظيمات العنف الجهادية في الشرق الأوسط، عبر تاريخها، بمراحل انتقال شتي ما بين الصعود أحيانا، والتراجع في أحيان آخري، وشهدت أجيالا متعددة، اختلف الباحثون في تحديدها علي نحو محدد. لكن الثابت أن هناك توافقا عاما حول ثلاثة أجيال، أولها: جيل التنظيمات المركزية في مصر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، ومن أبرزها تنظيم الجهاد والتكفير، والهجرة والجماعة الإسلامية في مصر، والجماعة الإسلامية المسلحة، والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، وعصبة الأنصار في لبنان، والجماعة الليبية المقاتلة، فضلا عن عدد من التنظيمات خارج العالم العربي، مثل حركة المجاهدين، وتنظيم جيش محمد في باكستان، وجماعة أبي سياف في الفلبين، ثم الجماعات التي نشأت في ظل القتال ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.

ثانيها: جيل الجهاد الأممي الذي نشأ في عام 1998 في أفغانستان بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، حيث تم تأسيس تنظيم القاعدة. أما الجيل الثالث والأخير، فيتمثل في تنظيم القاعدة، بعد أن انفرط عقده بين الدول المصدرة للمجاهدين، أو جماعات محلية، لكن تحت العباءة الفكرية نفسها للقاعدة وأخواتها، مع تعديلات في بعض الحالات. ومن أبرز تنظيمات الجيل الثالث، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش سابقا”، الذي تحول لاحقا للدولة الإسلامية، وجبهة النصرة في سوريا، وأنصار بيت المقدس في مصر، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، والقاعدة في بلاد المغرب العربي، وأهل السنة للدعوة والجهاد “بوكو حرام” في نيجيريا، وغيرها.

والغريب أن ظاهرة التنظيمات الجهادية ظاهرة “متجددة”. فكلما تراجعت تجربة في وقت ما، وفي مكان ما، تصاعدت تجربة أخري بثوب جديد، وفي منطقة جديدة. ولم يكن التراجع -حتي الآن- في مسيرة هذه التنظيمات يعني الانتهاء أو الفشل، بقدر ما كان يعني الخفوت نحو المراجعة والتقييم، فإذا بالمراجعة تنتج جيلا آخر قادرا علي الاستمرار، بعدما يكون الجيل الذي سبقه قد استنفد أغراضه، أو فقد قدرته علي الاستمرار في مواجهة خصومه، فإذا بجيل آخر يظهر بعد حين بعد إجراء تغييرات في الاستراتيجية. ولا تزال الظاهرة مستمرة، ويصعب التكهن بنهاية محددة لها. لكن الثابت في دورة تغير تنظيمات العنف، عبر أجيال متتالية، أن هناك تمايزا بين هذه الأجيال، وهناك اختلافات تظهر بين جيل والجيل الذي يليه، أو ربما داخل الجيل ذاته. وهناك إشكاليات غالبا ما تثار في رؤي هذه الأجيال في تصاعدها وفي تراجعها، غالبا ما كانت تؤثر في فكر هذه التنظيمات، وفي ممارساتها في الواقع. ونعرض لهذه الإشكاليات بقدر من التفصيل:

أولا- إشكالية تناقض الأهداف (العدو القريب أم العدو البعيد؟):

يري كثير من الباحثين أن أنصار الجيل الأول، “التنظيمات المركزية الكبري”، قد تأثروا بأفكار القطب الإخواني سيد قطب، الذي كان يري أن الإسلام مهمته تغيير الواقع، وأن التوحيد بمنزلة الثورة ضد الطغاة، وأن الخضوع للاستبداد يعد شركا، ومن ثم فهناك ضرورة لمجاهدة “العدو القريب”، أي نظم الحكم في الدول العربية والإسلامية، بحسبانها نظم حكم علمانية لا تحكم بالشريعة الإسلامية، وأنها غير وطنية بسبب موالاتها للغرب. ولذا، فإن الأولوية في فكر “قطب” يجب أن تعطي للكفاح ضد “العدو القريب”

من هذا المنطلق، نشطت تنظيمات الجيل الأول، منذ منتصف السبعينيات وحتي نهاية التسعينيات، في حرب ممتدة مع “العدو القريب”، فيما أحجمت عن مكافحة الغرب، وهو “العدو البعيد”. ومن ثم، فقد وجه أنصار الجيل الأول جل أنشطتهم العنيفة إلي مواجهة النظام المصري العلماني، طبقا لوجهة نظرهم. وكانت هناك مقالة شهيرة لأيمن الظواهري -قائد تنظيم الجهاد المصري- عنوانها “الطريق للقدس تمر بالقاهرة”، أي أن القدس لن تتحرر إلا عندما تتحرر القاهرة من حكامها العلمانيين، إذ عُد ذلك ضرورة استراتيجية، وواجبا دينيا.

في المقابل، فإن جيل التنظيمات الجهادية الأممية -ممثلا في أسامة بن لادن وجماعته- قد دعا لمواجهة العدو البعيد، بعد أن نجحوا في حشد الآلاف من المجاهدين من دول العالم الإسلامي لمواجهة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان. ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية محل استهداف أو عداء من قبل المجاهدين. بل علي العكس من ذلك، كانت واشنطن تدعم المجاهدين في مواجهة الاتحاد السوفيتي، لكن التحول تجاه استعداء الولايات المتحدة حدث فيما بين عامي 1990 و1991. فطبقا لرأي الدكتور فواز جرجس، فإن التدخل الأمريكي في حرب الخليج (تحرير الكويت)، والوجود العسكري الثابت للقوات الأمريكية علي الأراضي السعودية، كانا السبب الرئيسي في هذا التحول، حيث عده “بن لادن” مؤامرة أمريكية لتأسيس قواعد ثابتة للقوات الأمريكية، ولإقرار الهيمنة علي البلدان الإسلامية، ونهب مواردها النفطية. ثم أعلن “بن لادن” عن عدائه الصريح للولايات المتحدة، حيث دعا إلي مقاومة العدو الذي غزا أرض الأمة، ودنس شرفها، وأراق دماء أبنائها، واحتل مقدساتها. ورأي بن لادن في نهاية عا م 1995 أن الجهاد الأممي هو الأداة الوحيدة الفاعلة في صد الهجوم الأمريكي، وإجباره علي الخروج من الأرض العربية والإسلامية. ثم أعلن في نهاية التسعينيات عن تأسيس “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين”.

ومن هنا، كانت انطلاقة القاعدة الرسمية، وقد انضم إليها أيمن الظواهري -قائد تنظيم الجهاد المصري، ممثل الجيل الأول لتنظيمات العنف- لكنه وجد معارضة شديدة من أنصاره في تنظيم “الجهاد”، رافضين تحوله لجهاد “العدو البعيد” بدلا من جهاد “العدو القريب” الذي كرس تاريخه الجهادي له.

أما أسامة بن لادن، فقد عارض طيلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي قتال المسلم للمسلم تأثرا بأفكار أستاذه عبد الله عزام الذي عارض إراقة دماء المسلمين، بمن فيهم الحكام القوميون، لأن التوجه إلي العدو القريب فيه إضرار بالجهاد والمجاهدين، إذ يؤدي إلي تنفير الناس من الحديث عن الجهاد، وخسارة تعاطف الرأي العام. وذكر “بن لادن” مرارا أن الجماعات المجاهدة التي أصرت علي البدء بالعدو الداخلي قد تعثرت مسيرتها، ولم تحقق أهدافها كإخوان سوريا، وليبيا، والجزائر.

لكن في مرحلة تراجع تنظيم القاعدة، بعد خروجه من أفغانستان بعد الحرب الأمريكية عليها، جري تحول في استراتيجية القاعدة، حيث انتشر أنصارها في الأقاليم، وانهمكوا في القتال ضد الأعداء المحليين “العدو القريب”، وذلك بالمخالفة لدعوة “بن لادن”، التي أكد فيها ضرورة تجنب القيام بعمليات في الدول الإسلامية، تجنبا لسقوط ضحايا من المسلمين، لكن يبدو أنه كان قد فقد السيطرة علي تنظيمه وفروعه في الدول العربية والإسلامية.

وليس أدل علي ذلك من قصة الخلاف الحاد الذي نشأ بين بن لادن مع “أبي مصعب الزقاوي”، قائد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، حول طبيعة العمل الجهادي وأولوياته في العراق. ففيما رأي الزرقاوي ضرورة التركيز علي “قتال طوائف الردة”، كان لـ “بن لادن” رأي آخر، حيث دعا إلي التركيز علي قتال المحتلين، قياسا علي تجربة الصومال، وإدراكا لحساسية سقوط الجندي الأمريكي في المعركة، قياسا بسقوط العراقيين، بصرف النظر عن قربهم أو بعدهم عن خيارات الاحتلال، حيث لم ير بن لادن فائدة من القتال المشار إليه من قبل الزرقاوي، الذي كان يعني قتال كل الجهات التي تعمل مع الاحتلال الأمريكي. وقد اشترط الزرقاوي موافقة بن لادن علي أولوية “قتال طوائف الردة” شرطا للبيعة. وفي حال عدم تحقق الشرط، فإن الخيار هو “التعاون علي الخير، والتعاضد علي الجهاد”.

أما الجيل الثالث من تنظيمات العنف، فقد آثر قتال ومهاجمة “العدو القريب”، ممثلا في حكومات الدول العربية والإسلامية، مثل جماعة “أنصار بيت المقدس” في مصر، أو مهاجمة العدوين معا (القريب والبعيد) مثل تنظيمي “داعش”، و“بوكو حرام”. وإذا كان أنصار الجيلين الأول والثاني قد قاتلوا العدوين القريب والبعيد، أملا في قيام دولة الإسلام، كهدف بعيد المدي، فإن التنظيم الرئيسي في الجيل الثالث للعنف وبعض التنظيمات الأخري يري أن وقت إعلان هذه الدولة (الخلافة) قد حان.

ثانيا- الموقف تجاه إنشاء كيان مؤسسي (دولة أو إمارة):

حيث كان هناك خلاف جذري بين أجيال التنظيمات الجهادية، فالجيل الثاني (تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن) كان يحذر من فكرة الإقدام علي إنشاء كيان جغرافي محدد للتنظيم تحت مسمي الدولة أو الإمارة، في حين أن مسألة تأسيس دولة لدي بعض تنظيمات الجيل الثالث كانت بمنزلة “الحلم”، مثل تجربة “أبي بكر البغدادي” بإعلانه قيام الدولة الإسلامية في العراق، ومحاولة تنظيم “بوكو حرام” -بالتعاون مع حركة “أزواد”- تأسيس إمارة إسلامية في شمال مالي في أبريل 2012. ولكل من الجيلين وجهة نظره فيما يخص إنشاء الدولة، أو كيان جغرفي محدد.

فلم يكن الجيل الثاني -ممثلا في بن لادن وتنظيم القاعدة- مولعا بفكرة تأسيس دولة أو إمارة علي كيان جغرافي محدد، فقد كشفت الوثائق -التي وجدت في مخبأ بن لادن بعد اغتياله- مناقشات جرت بين زعيم القاعدة وقادة التنظيم في جزيرة العرب حول جدوي إنشاء إمارة إسلامية في اليمن، تكون منطلقا للتوسع نحو دول الخليج. فقد حذر“بن لادن” أنصاره من مغبة الإقدام علي تأسيس هذه الإمارة، ودعا إلي التركيز علي “عدو اليمن الخارجي”، ومحاولة كسب رضا السكان المحليين والقبائل، منتقدا العمليات التي نفذتها “القاعدة” ضد القوات اليمنية في كل من “مآرب” و“عتق”، مبررا هذا العدوان بقوله “عسي أن تكون هناك ضرورة دفعت إليها كالدفاع عن النفس”. وأضاف “أما المجاهدون، فإذا أحسنوا التعامل مع القبائل، فستنحاز إليهم، إذ إن أثر الدم في المجتمعات القبلية عظيم”. وقال بن لادن أيضا “لا نريد أن نزج أنفسنا وأهلنا في اليمن في هذا الأمر في هذا الوقت، قبل أن تتهيأ الأوضاع، فنكون كالذي يبني في مجري سيل. فإذا سال، اجتاح ذلك البناء وأسقطه. ثم إذا أردنا بناء البيت مرة ثانية، نفر الناس وانفضوا عن مساعدتنا”.

ولاشك في أن قادة القاعدة قد فشلوا في اتباع مشورة بن لادن في كسب ود السكان المحليين، بعد أن دخلوا “أبين”، و“شبوة”، و“جعار”، و“عزان”، و“زنجبار”، مستخدمين العنف والقوة. كما أن ممارساتهم في هذه المناطق، كقطع الأيدي والرءوس، وقتل المدنيين، قد خلقت عداوة بين القاعدة والسكان المحليين.

والخلاصة أن “أسامة بن لادن” لم يكن مشجعا لفكرة إنشاء إمارة، مالم تكن هناك ظروف مهيأة ومشجعة علي ذلك، وبرضاء السكان المحليين. بل تشير تحليلات أخري إلي أنه كانت لديه حساسية قصوي من إقامة أي إمارة إسلامية.

أما “أبوبكر البغدادي”، فقد كانت تسيطر عليه فكرة تكوين الدولة من خلال السيطرة علي مساحة من الأراضي، تكون نواة لإقامة الدولة الإسلامية الكبري “دولة الخلافة”، من خلال مجابهة العدو القريب. لذا، فقد استغل سيطرة تنظيمه علي الموصل، وتكريت في العراق، وسارع بإعلان الدولة الإسلامية، في سابقة هي الأولي من نوعها، وتم تنصيبه خليفة للمسلمين، ودعا المسلمين إلي طاعته، وهو الأمر الذي جعله ينافس أيمن الظواهري -خليفة بن لادن- بقوة علي قيادة الجماعات الجهادية في العالم.

كما سعت “الدولة الإسلامية”، “داعش سابقا”، إلي إعادة رسم الجغرافية السياسية في المنطقة، وهدم نموذج الدولة القومية القطرية، وبناء نموذج متجاوز لنموذج “سايكس-بيكو”، حيث أعلنت الدولة الإسلامية عن إنشاء ولاية “الفرات”، تضم مدينة “البوكمال” السورية، ومدينة “القائم” العراقية، بحيث تُلغي الحدود بين البلدين، ويكون هناك تواصل أرضي بينهما، مستهدفة من ذلك إزالة الحدود التي فرضتها قوي الاستعمار علي الدول العربية. ومن هنا، كان شغلها الشاغل هو الإعلان عن الدولة الإسلامية في العراق.

وفي الواقع، فإن “دولة البغدادي الإسلامية” تفتقد مقومات الدولة، كما أنها تهدد وحدة العراق، وهي تسعي لفرض الشريعة والأحكام الشرعية علي الناس مباشرة، من خلال محاكمها، وقضاتها، ومؤسساتها البدائية. كما أن هذه الدولة ليست لها حدود متعارف عليها باستثناء خريطة تخيلية تضم مناطق من شرق آسيا لشرق أوروبا، وتشمل مساحات كبيرة من إفريقيا.

ومن ناحية أخري لا تعترف هذه الدولة بأية قواعد استقر عليها المجتمع الدولي، وترفض فكرة الدولة الحديثة، سواء من حيث الحدود، أو الالتزامات الدولية، وتحارب كل القيم الحديثة من خلال مشروع قائم علي “الاستباحة غير المحدودة للجميع”، علي حد قول د. شريف يونس. كما أن هذه الدولة لا تملك من سلطات الدولة سوي توقيع الجزاءات والعقوبات علي السكان المدنيين في المناطق التي يستولون عليها بدون إطار تشريعي أو قانوني سوي ما استقر في وجدانهم من فكر متشدد في تطبيق الشريعة الإسلامية. فبأي منطق يتم طرد مسيحيي الموصل و“الأيزيديين” الذين عاشوا عقودا طويلة كمواطنين أحرار في أمن وسلام في كنف العراق، الدولة الإسلامية والعربية؟، فضلا عما نسب لهم من ممارسات كسبي النساء، وبيعهم كجوار، وبيع أطفالهم كرقيق، وأخذ الفتيات عنوة للزواج من رجالهم، فليست هذه سمات الخلافة الراشدة التي يدعون.

فرسول الإسلام الكريم محمد -صلي الله عليه وسلم- عايش وتعايش مع اليهود من خلال “وثيقة المدينة”، التي تضمنت قيم ومبادئ التعايش المشترك بين كل مواطنيها من المسلمين، واليهود، وبعض المشركين، والإقرار بمبدأ التعددية، والقبول بالآخر المختلف دينيا وعرقيا وثقافيا. كما أن الدارس والمدقق في سيرة نبي الإسلام -صلي الله عليه وسلم- وسنته، يجده قد قدم مثلا إنسانيا رفيعا في التعامل مع الآخر، واحترام حقوقه ومقدساته.

وأين هم من حكم الخلفاء الراشدين؟، فالخليفة الأول أبوبكر الصديق كان يوصي قادة جيوشه بألا يقطعوا شجرة، وألا يهلكوا زرعا، أو حرثا، ولا يقتلوا شاة إلا لمأكلة، وألا يعتدوا علي الشيوخ، والنساء، والأطفال، وألا يتعرضوا لراهب أو عابد في صومعة، فقد كان يحذر جنوده من تدمير المدن، وعدم الاعتداء علي المدنيين. كما أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب منح مسيحيي بيت المقدس “العهدة العمرية”، وهي تعهد موقع من خليفة المسلمين، آمن فيها أهل بيت المقدس علي صلبانهم، وكنائسهم، ومعتقداتهم، وحرياتهم الدينية.

لكن إعلان “البغدادي” للدولة الإسلامية، وتنصيبه خليفة لم يجد ترحيبا من قادة الجهاد العالميين ومنظريه. فالمنظر الجهادي أبو محمد المقدسي أصدر بيانا من محبسه في الأردن، انتقد فيه البغدادي، وقال إن فتواه بضرورة طاعة كل المسلمين له إنما تؤدي إلي المزيد من سفك دم المسلمين، وتبث الفرقة والتنابذ بين الجهاديين. كما بث أنصار الظواهري فيديو يشار فيه إلي مبايعة أسامة بن لادن للملا عمر، زعيم حركة طالبان، ووصفه بأمير المؤمنين، وكان الهدف من ذلك تأكيد أن القاعدة وفروعها ملتزمة ببيعة الملا عمر. كما أعلن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي ولاءه للظواهري، وانتقد دولة البغدادي التي لم تبحث عن دعم كبار قادة الجهاد مثل الظواهري، والملا عمر الذي ضحي بدولة كاملة، وهي أفغانستان، من أجل مجموعة صغيرة من المجاهدين، من بينهم أبو مصعب الزرقاوي، مؤسس الدولة الإسلامية في العراق. كما أشار أبو محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة في سوريا، إلي أن خلافة البغدادي باطلة، وتدفع إلي القتال بين المجاهدين.

والغريب أن “الصراع المسلح” كان هو وسيلة التفاهم عندما دب الخلاف بين تنظيمي “البغدادي” و“الجولاني”، بعد أن ضاق الأخير ذرعا من مراقبة الأول له، ورغبته في السيطرة عليه. وقد سقط نتيجة هذا الصراع أربعة آلاف قتيل، وهنا تدخل الظواهري، وأعلن بقاء تنظيم الدولة الإسلامية في مكانها داخل العراق، وجبهة النصرة في سوريا والشام، دون الدمج بينهما، لكن الطرفين لم يستجيبا لذلك، ودخلت المواجهة بينهما حربا مفتوحة من التكفير والتفجير، مما عده قادة القاعدة انتكاسة للنموذج القاعدي.

ثالثا- إشكاليات الربيع العربي:

لاشك في أن ثورات الربيع العربي التي هبت علي مصر، وتونس، وليبيا، وسوريا، واليمن كانت بمنزلة “الحدث الجلل” كما وصفها بن لادن نفسه، الذي كان مدركا ما آل إليه تنظيمه من تراجع حاد في شعبيته بين العرب والمسلمين، وتصاعد مشاعر العداء تجاهها. كما أن دعوته للجهاد الأممي لم تعد تجد ما ينصت لها بسبب الأعمال الإرهابية المحسوبة علي القاعدة، والتي طالت بعض الدول العربية والإسلامية، وما تسبب فيه تنظيمه من عداء سافر بين الدول الغربية والدول الإسلامية، وشيوع ما يسمي بـ “الإسلاموفوبيا”، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتسببه في تدمير منشآت سيادية أمريكية. وترتب علي هذا الحادث أن أعلنت الولايات المتحدة حربا عالمية علي الإرهاب، كانت نتيجتها احتلال وتدمير كل من أفغانستان والعراق.

ولكن ما إن حدثت ثورات الربيع، إلا ووجد بن لادن وتنظيمه في حرج شديد، فقد كشفت الثورات عن تراجع تنظيمه وفقدانه للمصداقية. فها هي الشعوب قد طالبت بالديمقراطية والتغيير بدون أي دور للقاعدة، وبدون أية وسائط إسلامية متشددة. ففيما كانت الشعوب تطالب بالديمقراطية، كانت القاعدة تعدها “بدعة”، وأنها “كفر بواح”، ولم تجد مقولاتهم بشأن التغيير بالعنف والإرهاب أي صدي في مطالب الثوار. وقد حاول “بن لادن” الاستفادة من الحدث، وركوب الموجة، كما فعل الكثيرون، بأن حث الشعوب التي لم تثر بعد، وشجعها علي الخروج علي الحكام، علي أساس أنه واجب شرعي، مع الأمل في القدرة علي قيادتها بعيدا عن “أنصاف الحلول” التي كانت تدعو إليها السياسات الديمقراطية العلمانية.

زعيم القاعدة كان يقول هذا وهو يعلم أن القاعدة كانت غائبة تماما عن المشهد، فلم تقدم برنامجا سياسيا، أو حتي رؤية عامة للمستقبل. وفي الوقت الذي كان فيه قادة القاعدة يرفضون المشاركة السياسية، وينادون بالعنف والإرهاب، كوسيلة للتغيير، كانت الثورات العربية سلمية. لقد كانت الجماهير تطالب بالحرية، والديمقراطية، وفصل السلطات، وإقامة حياة برلمانية، وكانت كل هذه المطالب رفضا تاما لكل الأفكار التي قام علي أساسها تنظيم القاعدة. ومن هنا، بدا وكأن هناك انفصاما تاما بين الشعوب العربية ومطالبها، والقاعدة وادعاءاتها.

وكما كانت ثورات الربيع العربي كاشفة عن تراجع جيل تنظيم القاعدة، فقد كانت فرصة أيضا لتقدم وصعود جيل ثالث من تنظيمات العنف، نشأ علي هامش الثورات العربية، واستفاد من أخطائها، ومن الفوضي التي أعقبت الثورات، وكذلك من المخاض المتعثر للربيع العربي، وللإخفاق الذي أصاب بعض تجاربه.

وهذا الجيل الثالث من التنظيمات الجهادية الذي نشأ عقب الربيع العربي يتناوله ملف “السياسة الدولية” بقدر كبير من البحث والتحليل، من خلال العديد من المحاور، حيث تم التركيز في جزء منها علي الجانب المفاهيمي الذي يتناول نشأة الظاهرة، وإشكاليات تطور أجيالها، ومصادرها الفكرية، والتصنيفات المتعددة لأجيال العنف، خاصة الجيل الثالث وسماته، في حين تناول الجزء الآخر دراسات حالة منتقاة لظاهرة الجيل الثالث للعنف في عدد من دول الإقليم التي انتشرت فيها هذه الظاهرة بوضوح، وهي مصر، والعراق، وسوريا، وليبيا، والمغرب العربي، والساحل والصحراء.

(*) تقديم ملف ” الجيل الثالث للعنف.. فيم يختلف؟ وكيف ينتشر؟، مجلة السياسة الدولية، العدد 198، أكتوبر 2014
عن مجلة السياسة الدولية

السلفيون والأزمة اليمنية.. بين الدعوة والسياسة والسلاح

السلفيون والأزمة اليمنية.. بين الدعوة والسياسة والسلاح
بقلم / جمال الدين أبوحسين
الأحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2014
تثير سيطرة جماعة أنصار الله الحوثية على صنعاء وتمددها في اليمن، أسئلة مازال بعضها مقترنا بغموض مثل السؤال عن موقع التيارات السلفية اليمنية في هذا الصراع وموقفها تجاهه.

وتتطلب الإجابة على هذا السؤال رسم خريطة لأهم التيارات السلفية في اليمن، وتبيان الفروق بينها، ومراحل تطورها في العقود الثلاثة الأخيرة ومواقفها من الثورة اليمنية وحدود تأثرها بها، وصولا إلى موقعها في الصراع الراهن الذي ستقرر نتائجه مصير بلد عربي صار ضمن ضحايا حالة الاضطراب الإقليمي المتزايد.

أولا: التيارات السلفية في اليمن واتجاهاتها وتطورها:

للسلفية أكثر من تعريف اصطلاحي يدور فحواها جميعا حول معنى واحد هو: ما كان عليه الصحابة والتابعون(1) وسائر أصحاب الكتب الصحاح والسنن، دون من رمي بالبدعة أو شهر بلقب غير مرض مثل: الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية والجهمية والمعتزلة.(2)

ويضيف الشيخ محمد عبده مزيد معنى للسلفية هو أنها: “فهم الدين على طريق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، أو الرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى”(3)، ويرى الشهرستاني أن التحديد الزمني“ليس كافيا في الانتساب للسلف، لأن العبرة هي اتباع منهج السلف في تعاملهم مع القرآن والسنة، عقيدة وشريعة وسلوكا”(4).

ويستفاد من ذلك أن المنهج السلفي لا يرتبط بمذهب فقهي معين، وإن كان المذهب الحنبلي هو أحد أهم روافده، ولا يهتم بتخصص معين في العلم الشرعي. وكذلك لا يرتبط بحقبة زمنية محددة، بل هو منهج يسع كل التخصصات الشرعية وكل المذاهب الفقهية.

ارتبطت السلفية في اليمن باسم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الذي ولد في قرية بمحافظة صعدة في شمال اليمن ونشأ بها، ودرس علوم النحو واللغة، ثم انتقل إلى نجران ومكث فيها يواصل الطلب على بعض علمائها، وكانوا من طائفة المكارمة(5)، ثم رحل بعد ذلك إلى مكة، ودرس على علماء الحرم، والتحق بدار الحديث، ثم انتقل إلى المدينة، والتحق بالجامعة الإسلامية، ونال منها درجة الماجستير في علوم الحديث، ثم تغير مذهبه الزيدي في الفروع والأصول إلى مذهب أهل السنة والجماعة والتزم فقه وفكر المنهج السلفي.

ثم عاد الشيخ مقبل إلى اليمن، ومعه زاد من العلم يكفي لنشر دعوته ومذهبه الجديد مدعوما بماجستير في علم الحديث الذي تميز فيه حتى أُشير إليه بالبنان كأحد أقطابه، وأخذ الشيخ في نشر المذهب الجديد في مسقط رأسه في صعدة باليمن وأنشأ دارًا للحديث، فكانت النواة التي أخرجت بعد ذلك كل التيارات السلفية سواء التقليدية أو الحديثة، وانتشرت دعوة الشيخ في كافة بقاع اليمن تقريبا واستوعبت دار الحديث طلبة العلم من شتى بقاع الأرض.

وهناك تيارات سلفية كثيرة في اليمن يمكن اختزالها في ثلاثة هي:

التيار المشيخي، ويندرح ضمنه الشيخ مقبل الوادعي، مؤسس سلفية اليمن، وأهم سماته عدم الصدام مع الأنظمة الحاكمة، كما أنه لا يقر لها بالشرعية، والتيار الجامي(6) أو المدخلي(7)، ويتبعه الشيخ يحيى الحجوري، وأهم سماته إقراره بالأنظمة الحاكمة بالشرعية ووجوب الطاعة لها، والتيار السروري، نسبة إلى الشيخ محمد سرور(8)، ويميزه تحفظه على شرعية الأنظمة، من دون الدعوة إلى التكفير أو إلى رفع السلاح ضدها، وهو لا يشارك في العملية الديمقراطية باعتبارها مشاركة في التزوير، كون الأنظمة تتحكم في الانتخابات تحكما كاملا(9).

والملاحظ على هذه التيارات الثلاثة أنها لم تخرج عن أصول المنهج السلفي الذي يمنع الخروج على الحاكم مطلقا ما لم يأت بكفر بواح أو يمنع إقامة الصلاة، سواء اعترفوا بشرعية الحاكم وأقروه على الحكم، كما فعل الشيخ يحيى الحجوري وشيخه المدخلي، أو خالفوه ولم يخرجوا عليه كالشيخ مقبل وأصحاب التيار السروري، وذلك من أجل عدم الوقوع في مفسدة أعظم وهي سقوط الدولة وتمزق وحدتها.

وقد مرت السلفية في اليمن بثلاث مراحل:

1- مرحلة المنهج السلفي العلمي أو التقليدي

تعد مرحلة حياة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ومن بعده تلامذته مثل الشيخ يحيى الحجوري والشيخ أبي الحسن المأربي، نموذجا لمنهج السلفية العلمية أو التقليدية سواء الجامية أو المشيخية أو السرورية، إلا أن هناك عدة انقسامات تمت بين تيارات المنهج السلفي التقليدي، ظهر بعضها في حياة الشيخ المؤسس وظهر الآخر بعد رحيله.

ففي أثناء حياته عام 1990م قرّرت مجموعة من السلفيين تأسيس ما يعرف بـ“دار الحكمة اليمانية الخيرية”، الأمر الذي أثار غضبه، لأنه رأى في تأسيسها مقدمة للعمل الحزبي ودخول معترك السياسة، وتمزُق الصف السلفي إلى تيارات، وسقوط هيبة علمائه، فقد كان موقفه يرفض العمل السياسي ويرى أنه لا يتناسب مع الدعوة .

وبعد عامين أي في سنة 1992م حدث انشقاق آخر داخل جمعية الحكمة نفسها، وأُعلن عن تأسيس جمعية الإحسان الخيرية، وبعد رحيل الشيخ مقبل في 2001م تطور الخلاف بين كبار تلامذته كأبي الحسن المأربي وخلفاء الوادعي وعلى رأسهم يحيى الحجوري، الذي هاجم هو وشيخه ربيع المدخلي، الشيخ أبا الحسين واتهموه بتحريف السلفية عن منهجها ومقاصدها.

2- مرحلة العمل الخيري

شهدت تبلور السلفية الجديدة الحركية عملها المؤسسي، من خلال كيانات أبرزها جمعية الحكمة اليمانية وجمعية الإحسان الخيرية ويعرف أتباعها بالتيار السروري.

أ- جمعية الحكمة اليمانية:

نشأت في عام 1990م، مخالفة لما اعتاده التيار السلفي التقليدي الذي يرفض إنشاء مثل هذه الجمعيات ويعتبرها من قبل العمل الحزبي المحرم. والتزمت الجمعية نفس المنهج السلفي السائد في اليمن والسعودية وهو التركيز على مباحث التوحيد، والتحذير من مضار البدع على الأمة وكيفية التصدي لها، مع بعض الأنشطة الخيرية، ويقع مقر الجمعية الرئيسي في محافظة تعز وكذلك محافظة إب، ويقوم عمل الجمعية الأساسي على الجانب الدعوي والخيري، وإنشاء مساجد على نفقاتها في مراكز مختلفة مع تدريب شبابها علميا، وإعدادهم للإمامة في تلك المساجد.

وتوجد علاقة وطيدة بين الجمعية وجمعية إحياء التراث الكويتية الخيرية التابعة لفكر ومنهج الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق(10)، وتعتمد في جزء كبير من تمويلها المالي على جمعية إحياء التراث، وتعد جمعية الحكمة الأكثر تعاونا وانفتاحا على التيارات الإسلامية السنية الأخرى وخاصة تيار الإصلاح، وتتجاوب بشكل أكبر مع المتغيرات السياسية والفكرية المستجدة على المشهد والساحة اليمنية، مع اهتمامها بشكل مباشر بقضايا المسلمين وخاصة قضية فلسطين.

ب- جمعية الإحسان الخيرية:

حدث خلاف بين بعض مؤسسي جمعية الحكمة اليمانية بسبب التبعية لجمعية إحياء التراث الكويتية وشيخها عبد الرحمن عبد الخالق، وضوابط التعامل مع الأنظمة الحاكمة الديمقراطية، بالإضافة إلى قضايا الانتخابات والأحزاب ومدى شرعيتها، فحدث تصدع بين مؤسسيها نتج عنه تأسيس جمعية جديدة تحت اسم جمعية الإحسان الخيرية سنة 1992م! وارتبطت جمعية الإحسان ارتباطا وثيقا مع جماعة المنتدى الإسلامي في لندن، التي تمتلك قدرات مالية هائلة من خلال العديد من الاستثمارات والتبرعات، وترفض الجمعية كل أشكال السياسة على الساحة اليمنية من انتخابات وتعددية سياسية وديمقراطية، غير أنها تهتم بشكل كبير بالقضية الفلسطينية من خلال خطابها الإعلامي.

ج- حركة الحرية والبناء السلفية:

ظهرت الحركة في مدينة إب، ويرأسها الشيخ يحيى الوجيه، أحد وجوه سلفية جمعية الحكمة، وتهتم الحركة بالعمل الاجتماعي، وتوجهها السياسي تبلور من رحم ائتلافات الثورة، وللحركة جملة من الفعاليات والأنشطة والكتابات وأيدت الحركة من قبل قائد الجيش المناصر للثورة اللواء علي محسن الأحمر(11).

ثانيًا: موقف السلفيين في اليمن من العمل الحزبي والمشاركة السياسية

ربط جمع من علماء الدين العمل الحزبي والمشاركة السياسية بتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فأينما توجد المصلحة فثم صحيح الدين، لذلك نجد فتاواهم تبيح المشاركات الإيجابية، إذا كانت هناك مصلحة ومنهم الشيوخ:

جاد الحق علي جاد الحق، ود. نصر فريد واصل،وعبد العزيز بن باز ومحمد صالح بن العثيمين، و د. يوسف القرضاوي، و د. عبد الكريم زيدان، و مناع قطان، و د. عمر سليمان الأشقر(12)

ويثير موقف السلفيين عموما من العمل السياسي مسألة أساسية وهي منهجهم في التعامل مع الآخر المختلف، ويرتبط هذا المنهج بتحديد طبيعة الخلاف مع الآخر فينقسم الخلاف(13) إلى خلاف تضاد وغالبا ما يكون في العقائد ومثاله اختلاف أهل السنة مع الخوارج والشيعة والمعتزلة والجهمية، والمرجئة. وهذا النوع من الاختلاف لا يتسامح فيه أصحاب المنهج السلفي قديما وحديثا، ويحاولون جاهدين الرد على المخالف كما فعل الكثير من العلماء في القرون الثاني والثالث والرابع الهجري(14)، بشأن عقيدة الألوهية والأسماء والصفات، ومن قبلهم الصحابة حيث رد عبد الله بن عمر على القدرية عندما تبرأ ممن زعموا أنه لا قدر وأن الأمر أُنف، وكذلك رفض الإمام أحمد بن حنبل القول بخلق القرآن الذي تبنى فيه الخليفة العباسي المأمون رأي المعتزلة، وقد ألف في هذا الصدد الكثير من علماء المنهج في الرد على مخالفيهم في قضايا العقيدة(15)

وثمة نوع آخر من الاختلاف وهو اختلاف التنوع وهو ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين مشروعا مثل تنوع القراءات ودعاء الاستفتاح، وأكثر اختلافات هذا النوع يقع في مسائل الأحكام، ولم يخل منها حتى عصر الصحابة، ومثاله حديث غزوة بني قريظة(16).

وكذلك كان الشافعي يقول(17): رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وقال يونس الصًّدفيُّ: ما رايتُ أعقل من الشافعي ، ناظرتُه يوماً في مسألة ، ثم افترقنا ، ولقيني ، فأخذ بيدي ، ثم قال : يا أبا موسى ، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة. (18)، وقول ابن تيمية وهو أحد رموز المنهج السلفي في القرن السابع الهجري: “الاختلاف في مسائل الأحكام أكثر من أن ينضبط ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء من مسائل الأحكام تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا إخوة”.

3- مرحلة العمل الحزبي

وتتميز هذه المرحلة بازدياد تفاعل بعض التيارات السلفية مع التغيرات الحادثة في المشهد اليمني، حيث بدأ بعضها في استيعاب المتغيرات على الساحة، فتم إنشاء حزب اتحاد الرشاد اليمني ليجمع تحت لوائه تيارات المنهج السلفي. وقد أُنشئ في مارس 2012م، بعدما كان هناك عزم على إنشاء كيان سياسي للسلفيين من قبل بعض رموز جمعيتي الحكمة والإحسان،. وقد شارك في تأسيسه: محمد بن موسى العامري، وعبد الوهاب الحميقاني، وعبدالله الحاشدي، وعبد الرب السلامي، من جمعية الإحسان الخيرية، وكذلك كل من: عقيل المقطري، ومراد القدسي، وعبد الله بن غالب الحميري، من جمعية الحكمة، وإن كانت قيادات أخرى في هذه الجمعية أبدت تحفظًا على المشاركة.

وعندما حدث خلاف حول قضية الجنوب انفصل بعض المنتمين إليه عن اتحاد الرشاد السلفي بسبب عدم إعطاء هذه القضية الاهتمام الكافي وأسسوا حركة النهضة على أساس أن موقف اتحاد الرشاد من قضية الجنوب لم يختلف كثيرا عن موقف النظام السابق، وفق ما أعلنه السيّد صالح يسلم قدار، رئيس حركة النهضة في يافع وأبين.

وبمناسبة هذه القضية تجدر الإشارة إلى أن المنهج السلفي بوجه عام يرفض التقسيم في أيٍ من الدول الإسلامية، وكذلك الحال في التعامل مع مشكلة الجنوب. لكن المنهج السلفي يواجه مشكلة في هذه القضية بسبب غضب الشارع في المحافظات الجنوبية، والدور الإيراني الداعم لانفصال الجنوب لتسهيل قيام إقامة دولة شيعية في الشمال.

وكان انطلاق الثورة اليمنية في 11 فبراير2012م، اختبارًا كبيرًا للسلفية، وفي خلال شهور الثورة ظهر التباين واضحا في مواقف التيارات المنتمية للمنهج السلفي. فقد أيد البعض السلطة، وهم أصحاب المنهج السلفي العلمي التقليدي، مثل يحيى الحجوري وتلامذته وكذلك أبي الحسن المأربي وتلامذته الذين طالبوا جميعا بالتزم طاعة ولي أمر المسلمين على حد وصفهم، وحرموا الخروج عليه، كما وصفوا الاعتصامات والمظاهرات بأنها ليست من الإسلام في شيء، وأنها تفضي إلى فتن كثيرة وتفتت الدولة اليمنية.

وعلى النقيض جاء موقف عدد من علماء ودعاة المنهج السلفي اليمني متضامناً مع الثورة، وشاركوا فيها كذلك، وأكثر هؤلاء كانوا من جمعيتي الحكمة والإحسان، ولم ينس هؤلاء المؤيدون للثورة اليمنية أن يحملوا على أصحاب المنهج التقليدي لوقوفهم مع الظلمة (نظام عبد الله صالح) باسم الدين.

أما القسم الثالث فقد توقفت عن تأييد أو معارضة الثورة اليمنية، وكان أغلبهم أيضا من جمعيتي الحكمة والإحسان وأطلقوا عدة بيانات وسطية بعد تصاعد وتزايد حدة الثورة مؤكدين على حق الأمة اليمنية في الإنكار على حكامها وفي التغيير السلمي ومطالبين جنود الجيش وضباطه بعدم استخدام الرصاص الحي والعنف في تفريق المتظاهرين ورد المسيرات وفض الاعتصامات.

ثالثا: أبعاد الصدام الراهن بين السلفيين و“الحوثيين”:

أحدث الصدام مع “الحوثيين” تغييرا جوهريا في منهج السلفيين في اليمن باتجاه حمل السلاح والقتال، فرغم أن أصحاب المنهج السلفي لا يحملون السلاح على الغير، إلا أن التيار السلفي العلمي بصعدة اضطر إلى حمل السلاح واستخدامه والصمود لسنوات مدافعا عن معهده العلمي ومشايخه في صعدة، بعدما عجزت الحكومة عن الدفاع عنهم، وحتى معركة دماج الأخيرة التي صمد السلفيون فيها أمام القوات الحوثية المنظمة والمدربة على كافة أنواع السلاح، وظل صمودهم قرابة المائة يوم، قُتل خلالها وجرح عدة آلاف منهم، ورغم ذلك تم تهجيرهم مع أهل دماج السُنة، خارج المدينة بعد اتفاقية رأوها جائرة بين الحكومة والحوثيين، ويثير هذا التغيير الجذري قضية قابلية المنهج السلفي للتجديد.

فيرى جمع من العلماء والمتخصصين أن من أهم مثالب السلفية الجمود والوقوف على منهج بات من الماضي العتيق، يقوده الأموات من قبورهم، وأنه لا يوجد أي تجديد يذكر في المنهج السلفي منذ عهد التابعين تقريبا، ويرد أصحاب المنهج السلفي بأنه ليست الحداثة كلها خيرًا وكذلك ليس القديم كله خيرًا، فالفيصل في الأمور هو المصالح والمفاسد، وهناك قسمان في المنهج السلفي يتميز كل منهما بسمات ومظاهر فالقسم الأول يشمل العقيدة والأخبار والأحكام الشرعية فكل هذا لا يتبدل ولا يتغير منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مرورا بالصحابة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، أما القسم الثاني فيلحقه التغيير والتجديد كالفتاوى المرتبطة بالعرف والعادة والاجتهاد، ويكون ذلك التغيير مرتبط بتغير الزمان والمكان وأحوال الناس، ويكون التغيير بضوابط الشرع، وتراعى فيه المصالح والمفاسد.

ويتضمن القسم الثاني جانبا مهما هو القابلية للتجديد المستمر في الأمور والشئون الدنيوية والوسائل الحياتية فهذه جميعا قابلة للتغيير والتطوير، كتطوير الوسائل التكنولوجية والتصنيع إلى غير ذلك من الأمور. وهذا يفسر التغيير الذي لم يكن متوقعا في اليمن، وهو اتجاه قطاع كبير من السلفيين إلى العمل المسلح للدفاع عن النفس بدون التحول الذي يحدث في مثل هذه الحالة، وهو الانتقال من السلفية العلمية أو التقليدية إلى السلفية الجهادية.

الهوامش:

(1)عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “خيرُ الناسِ قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم…” . رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم
(2) ملامح رئيسية للمنهج السلفي – د. علاء بكر – مكتبة فياض ص 17:13، بتصرف يسير.
(3)الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده (340)، دراسة وتحقيق محمد عمارة، بيروت 1972، ص 318.
(4) الملل والنحل (الجزء الأول)، دار الكتب العلمية، ص44.
(5) الإسماعيلية السليمانية (المَكَارِمة): وهي فرقة إسماعيلية عبيدية مستعلية طيبية، انشقت عن الطيبية “البهرة” الداودية عام: 999م، ونسبتهم إلى سليمان بن حسن, وتوجد في مدينة حراز باليمن, كما توجد في مدينة نجران بالسعودية.
(6) محمد أمان بن علي جامي 1349 هـ – 1416 هـ ولد في الحبشة، وكان على المذهب الشافعي، وسافر إلى السعودية وطلب العلم فيها، وصار له تلاميذ وطلبة علم منهم الشيخ ربيع المدخلي.
(7) الشيخ ربيع المدخلي شيخ سعودي، مواليد 1932م، حصل على درجة الماجستير في الحديث من جامعة الملك عبد العزيز فرع مكة عام 1977، وفي عام 1980م حصل على الدكتوراه من جامعة الملك عبد العزيز أيضاً بتقدير ممتاز..
(8) الشيخ محمد سرور زين العابدين سوري الأصل كان مدرسا في سوريا، ثم تعاقد مع المعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود، ودرس في المعهد العلمي ببريدة وعرف عنه نشاطه وتطلعه العلمي والدعوي والحركي. والسرورية فكر ومنهج وتنظيم، ومنشأ هذا الفكر السعودية ثم تعداها إلى بلاد أخرى، وهذا التيار ليس سلفيا كاملا، بل يجمع بين السلفية والإخوانية في رأي كثير من الخبراء.
(9) حركات الإسلام السياسي في اليمن – د. عبد الملك محمد عبد الله عيسى – مركز دراسات الوحدة العربية، ص 166.
(10 الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق ولد بمحافظة المنوفية بمصر، حصل على العالمية من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعمل مدرسا بمدارس الكويت ثم عمل في مجال البحث العلمي بجمعية إحياء التراث الإسلامي وقد صدر مرسوم أميري بتاريخ 31 أكتوبر عام 2011 بمنحه الجنسية الكويتية.
(11) علي محسن صالح الأحمر قائد عسكري يمني، بادر بتأييد الثورة اليمنية، وله معارك مع التنظيم الحوثي، وسافر للسعودية بعد سقوط صنعاء.
(12) د. محمد يسري إبراهيم – المشاركات السياسية المعاصرة في ضوء السياسة الشرعية – ص 72-73 دار اليسر ، الموازنة بين المصالح والمفاسد وأثرها في الشأن المصري العام بعد الثورة ص 155 دار اليسر، ومعظم هؤلاء المشايخ وعلى رأسهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن العثيمين لهم كلمة مسموع في الوسط السلفي، في كافة أنحاء العالم.
(13) انظر اقتضاء الصراط المستقيم – لابن تيمية – ص 49،50،51 طبعة مكتبة الصفا – 2005م
(14) يعتقد البعض أن ابن تيمية هو أول من تحدث في تفاصيل قضايا التوحيد والعقيدة، ولكن الصحيح أن العشرات من علماء السنة سبق ابن تيمية بمئات السنين في الرد على أصحاب المذاهب والملل الأخرى، ولهم مؤلفات في هذا الصدد انظر الحاشية رقم 15.
(15) على سبيل المثال: شرح السنة لأبي محمد الحسن بين علي البرهاوي، المتوفي سنة 329هـ، نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد، لعثمان بن سعيد الدارمي المتوفي سنة 280هـ، اتحاف الأمة بشرح صحيح السنة للطبري المتوفي سنة 310هـ، الرؤية للدارقطني المتوفي سنة 385هـ، التوحيد لابن خزيمة المتوفي سنة 311هـ، الأسماء والصفات للبيهقي المتوفي سنة 458هـ وغير هؤلاء الكثير لن يمنعنا من ذكرهم إلا خوف الإطالة.
(16) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) ففهم بعض الصحابة أن المراد به ظاهر الحديث وقالوا لا نصلي إلا في بني قريظة، حتى ولو دخل علينا العشاء، وجماعة أخرى قالوا: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الحض على سرعة المسير وقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103]، يشهد لهذا الرأي وصلوا العصر قبل الوصول لبني قريظة، ورغم اختلافهم رضي الله عنهم إلا أنهم لم يتنازعوا ولم يكفر أو يفسق بعضهم بعضا، وعند لقياهم النبي صلى الله عليه وسلم حَكَوا له الخلاف، (فلم يعِبْ على أحد) انظر الحديث بتمامه في البخاري برقم :4117 , ومسلم برقم: 1769, وانظر فتح الباري وكذلك شرح النووي لمسلم لهذين الحديثين ففي قولهما فوائد جمة، خالفها أكثر اصحاب المنهج السلفي في عصرنا هذا.
(17) وأهل سنة اليمن ومنهم أصحاب المنهج السلفي مذهبهم الفقهي المعتمد هو المذهب الشافعي.
(18 سير أعلام النبلاء – جـ6 – صـ 399 – طبعة مؤسسة الرسالة – تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط
عن مجلة السياسة الدولية

حقائق ومعلومات حول تنظيمات المعارضة السورية الاسلامية

بينما كان وفد”الائتلاف الوطني السوري”المعارض برئاسة أحمد الجربا يعقد لقاءات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بينها لقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وإلقاء كلمة أمام ممثلي مئة دولة من”مجموعة أصدقاء سورية”، جاءه خبر صاعق: إعلان 13 فصيلاً عدم الاعتراف بـ”الائتلاف”والحكومة الموقتة التي قرر تشكيلها برئاسة أحمد طعمة، ومطالبته بإعادة تنظيم المعارضة في إطار إسلامي.

قرر الجربا التريث في الذهاب إلى واشنطن لعقد لقاء مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، واجتماع في البيت الأبيض مع”احتمال أخذ صورة”مع الرئيس الأميركي باراك أوباما.

وعاد إلى اسطنبول لمعالجة الأزمة الكبيرة التي عصفت بـ”الائتلاف”، إذ كان بين الموقعين”جبهة النصرة”بزعامة أبو محمد الفاتح الجولاني و”أحرار الشام الإسلامية”بزعامة حسان عبود أبو عبدالله الحموي و”صقور الشام”بزعامة أحمد عيسى الشيخ أبو عيسى و”لواء التوحيد”بزعامة عبدالقادر صالح، إضافة إلى”لواء عاصفة الشمال”بزعامة سمير عموري قائده العسكري النقيب أحمد العزالي. واعتبرت هذه القوى أن”كل ما يتم من التشكيلات في الخارج من دون الرجوع إلى الداخل لا يمثلها ولا تعترف به. بالتالي، فإن الائتلاف والحكومة المفترضة برئاسة طعمة لا يمثلانها ولا تعترف بهما”.

المفاجأة أن هذه الفصائل، وهي أكبر الكتائب المقاتلة على الأرض شمال سورية، كان معظمها يعمل تحت لواء”الجيش الحر”عندما كان الحديث يدور عن تقوية المعتدلين وتوحيد أقنية الدعم المالي والعسكري، إضافة إلى أنها تضم أكثر من 50 ألف مقاتل. وتبين لاحقاً أن البيان لم يكن سوى خطوة من مشروع متكامل.

ووفق المعلومات المتوافرة لـ”الحياة”، فإن الخطة المتفق عليها بين هذه الفصائل، مدعومة اقليمياً استباقاً للحل السياسي، تقوم على ثلاث مراحل: إصدار بيان نزع الشرعية من”الائتلاف”وتنظيمها صفوفها وتوحدها في كتلتين رئيستين. واحدة في الشمال والثانية في الجنوب، إعلان حكومة عسكرية لـ”إعطاء القرار للعسكر في الداخل”والتعبير عن الموقف السياسي لهذه القوى الإسلامية القائم على”إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه”ما يعني”رفض الحوار أو التفاوض”معه.

في شمال سورية قرب حدود تركيا، من المقرر أن يتشكل”جيش محمد”من جماعات”أحرار الشام”و”لواء التوحيد”المنضوية تحت لواء”الجبهة الإسلامية السورية”. ووفق وثيقة اطلعت”الحياة”على نصها، توافرت شروط ضرورة تشكيل”جيش إسلامي تكون نواته الفصائل الإسلامية الأكثر تأثيراً والأكبر حجماً، مع مراعاة الظروف المحيطة بالثورة عبر التدرج في تأسيس هذا الجيش بحيث لا يؤثر في جبهات القتال”ضد قوات النظام. وتضيف الوثيقة، التي تضم 20 صفحة، أن تأسيس الجيش المذكور سيتم على ست مراحل بدأت في الشهر الماضي وتنتهي في كانون الأول ديسمبر من عام 2014″يتخللها تحقيق أهداف مرحلية أيضاً تتجسد في توحيد الجيش تحت قيادة موحدة ويكون قوامه مئة ألف مقاتل خلال 18 شهراً وصولاً إلى 250 ألفاً خلال 30 شهراً، مع ضرورة التخلص من فوضى السلاح وتأمينه ذاتياً من طريق التصنيع”.

في غوطة دمشق جنوب البلاد قرب حدود الأردن، أُعلن عن تأسيس”جيش الإسلام”من 43 فصيلاً رئيسياً بينها”لواء الإسلام”بزعامة زهران علوش الذي أصبح زعيماً للتكتل الجديد، إضافة إلى رئاسته”جبهة تحرير سورية”التي تعتبر منافسة أو موازية لـ”الجبهة السورية الإسلامية”. وشارك في”جيش الإسلام”فصائل بينها”لواء سيف الحق”و”لواء درع الغوطة”و”لواء الفاروق”و”لواء جبهة الساحل”.

علوش من مواليد دوما في ريف دمشق في عام 1970. وهو ابن الشيخ عبدالله علوش من”مشايخ دوما العاملين والمعروفين بالتمسك بمنهج أهل السنّة والجماعة والدعوة إليه”، وفق بيان من”جيش الإسلام”. التحق بكلية الشريعة في جامعة دمشق، ثم أكمل الدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة في كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، ثم درس الماجستير في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وكان قبل الثورة يعمل في مجال المقاولات، حيث أسس شركة للخدمات المساندة للإعمار.

وكان علوش ملاحقاً أمنياً عام 1987 إلى أن سجن في 2009 في سجن صيدنايا العسكري الأول وأفرج عنه في 22 حزيران يونيو 2011. وقال البيان:”بعد خروجه من السجن عمل على تأسيس قوة عسكرية لمحاربة النظام كان اسمها في بدايتها سرية الإسلام، ثم تطورت إلى أن صارت لواء الإسلام في الوقت الحالي”.

واضح أن تشكيلي”جيش الإسلام”و”جيش محمد”سيأخذان منحى سنّياً، حيث جاء في الوثيقة أن”جيش محمد”سيقوم بـ”اعتماد مذهب أهل السنّة والجماعة أساساً لهذا الجيش واستبعاد كل شخص ينتمي إلى جهة أو طائفة أو فئة لا تنتمي إلى أهل السنة والجماعة”، لكنها نادت بضرورة”البعد عن الطائفية في طريقة تعاملنا مع جميع الأشخاص الذي ينتمون إلى الأديان والطوائف أو المذاهب الأخرى، مع أخذ الحيطة والحذر والحرص منهم وعدم تمكينهم من قيادة الأمة في المستقبل.

اللافت أن زعماء”جيش الإسلام”زهران علوش من ريف دمشق و”أحرار الشام”حسان عبود من حماة و”صقور الشام”أحمد عيسى الشيخ من إدلب أمضوا وقتاً في سجن صيدنايا قرب دمشق. ومن غير المستبعد أن يكونوا قد تعرفوا أيضاً على زعيم”النصرة”أبو محمد الجولاني من ريف دمشق في صيدنايا. اللافت أنهم جميعا خرجوا من السجن بعد أشهر على اندلاع الاحتجاجات السلمية. كما أن عدداً من قادة الكتائب الإسلامية وكوادرها كان من الذين قاتلوا القوات الأميركية في العراق.

خطط التوحد واتخاذ خطوات استباقية، كانت موجودة لدى كتائب إسلامية منذ أشهر بهدف تأسيس كيان بديل من القيادة السياسية في الخارج، غير أن ضغوطات مورست عليها لدى الحديث عن توسيع”الائتلاف”في أيار مايو الماضي. لكن هذا التوسع ذاته تحول إلى مشكلة بالنسبة إلى كتائب إسلامية بسبب اعتقادها بعدم حصولها على ثقل مناسب لوزنها لدى رفع عدد أعضائه من 63 إلى 114 عضواً، عبر دخول قوى ديموقراطية وتراجع دور”الإخوان المسلمين”والدول الإقليمية الداعمة في الجسم السياسي للمعارضة.

وهنا، يقول أحد قادة المعارضة إن الكتائب الإسلامية أرادت أن”ترد”على طعمة، عندما قال الأخير إنه لن يقبل بالقضاء الشرعي، وإن القانون الوضعي هو الذي سيطبق في سورية، إضافة إلى قوله إنه”لن يسمح أن تؤخذ سورية إلى تيار غير ديموقراطي”. ووفق المعارضة، فإن المحاكم الشرعية هي أول لبنة لتأسيس دولة الخلافة، ومن يؤسس المحاكم الشرعية سيأخذ البلاد إلى خيار غير ديموقراطي. وليس خفياً، أن المحاكم والهيئات الشرعية انتشرت في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام.

وما زاد من شكوك الإسلاميين، الحديث عن تأسيس”جيش وطني”يحارب”المتشددين”ثم تعيين طعمة رئيساً للحكومة الموقتة بدلاً من”الإخواني”غسان هيتو، “الجيش الحر”كان اعترض على تسمية هيتو رئيساً للحكومة الموقتة، إضافة إلى صفقة السلاح الكيماوي بين روسيا وأميركا التي أعادت النظام السوري طرفاً محاوراً مع المجتمع الدولي بالتزامن مع الحديث عن عقد”جنيف – 2″لتشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة مع الإبقاء على مؤسسات الدولة بحيث تكون المشاركة لكل الأطراف”من دون شروط مسبقة”.

وفي موازاة توحد الكتائب الإسلامية الكبرى، بدأ مقاتلو”الدولة الإسلامية في العراق والشام”معارك سواء لدى اقتحامهم مقار”لواء أحفاد الرسول”في الرقة شرق سورية قبل أسابيع أو القيام بمهاجمة مقر لـ”جبهة النصرة”في منطقة الشدادي في دير الزور شرق البلاد، أو المواجهات التي اندلعت مع لواء في”الجيش الحر”في قرية حزانو في إدلب في شمال غربي البلاد. لكن المواجهات بين”الدولة الإسلامية”و”لواء عاصفة الشمال”في مدينة أعزاز قرب حدود تركيا، كانت التطور الأبرز بالنسبة إلى العلاقة بين المتشددين و”الحر”. إذ اقتحم مقاتلو”الدولة الإسلامية”أعزاز ضمن خطة ترمي إلى السيطرة على الريف الشمالي، كشف الناطق باسم”الدولة الإسلامية”عن سببها في تسجيل إذاعي قبل أيام، من أنها جاءت بسبب تخوف مقاتليها من تشكيل”صحوات سورية”كما حصل في العراق لدى مقاتلة المتطرفين وحرمانهم من الحاضنة الشعبية.

كما أن”قوات حماية الشعب الكردي”التابعة لـ”مجلس غرب كردستان”و”الاتحاد الديموقراطي الكردي”بزعامة صالح مسلم، سعت إلى تأسيس إدارة محلية ذاتية في شمال سورية وشمالها الشرقي لـ”ملء الفراغ”الذي خلفه خروج هذه المنطقة عن سيطرة النظام.

واضح أيضاً، أنه كلما اقترب المسار من الحل السياسي في مؤتمر”جنيف – 2″بصيغته الراهنة القائمة على”حكومة انتقالية”تضم مسؤولين من النظام والمعارضة وليس على”إسقاط النظام”، تغيرت التحالفات على الأرض.

“جبهة النصرة”تستدعي نموذج”القاعدة”

وتجاوز حدود سايكس – بيكو

في منتصف 2011، دخل أربعة أشخاص من العراق إلى سورية، هم:”أبو محمد الفاتح الجولاني”و”أبو عماد”من إحدى الدول الخليجية و”أبو الفيصل العراقي”و”القحطاني”. كان هدف الجولاني، الذي خرج من السجون السورية بعد اندلاع الحراك في بداية ذاك العام، من الذهاب إلى العراق، لقاء أبو بكر البغدادي زعيم”الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

أبو محمد الفاتح الجولاني، نازح من هضبة الجولان المحتلة ويعيش في ريف دمشق. وهو في منتصف الثلاثينات من العمر. وبناء على تكليف البغدادي قام الجولاني بجولة في ريف وسط سورية وشمالها قدم في ضوئها دراسة إلى البغدادي. ويعتقد على نطاق واسع أن دراسة موقعة باسم”عبدالله بن محمد”، أنه كان أساساً في تأسيس”النصرة”.

وجاء في الدراسة التي اطلعت عليها”الحياة”، أن سورية”ستكون منطقة مقفلة عسكرياً أمام أي تدخل خارجي وقد جاءت الأحداث بصدق ذلك وبسوء تقدير كل من راهن على السيناريوين التونسي والمصري الناعمين في إسقاط النظام أو السيناريو الليبي المدعوم من الخارج”حتى يصل إلى أنه بات واضحاً أن الحالة السورية ستتميز بـ”سيناريو خاص”باعتبار أن”سورية أو الشام هي أحد أهم المسارح الاستراتيجية للحرب المرتقبة بين الحلفين الشيعي والسنّي”.

وبعدما قدم عرضاً للوضع الإقليمي والدولي، اقترح الرجوع إلى كتابات الشيخ أبو مصعب السوري الذي يعتبر واحداً من أبرز المنظرين لـ”الجهاد”، حيث أفرجت السلطات السورية عنه في بداية عام 2011، واختفت أخباره مذاك. وقال”عبدالله محمد”إن”أبو مصعب السوري”خير من تكلم عن”جهاد الأمة”ذلك أن الوصول إلى هذه المرحلة تطلب سلسلة من عمليات”التقليد”مارستها الشعوب العربية لتخطي عقبات مختلفة عدة، إلا أن”معضلة الثورة السورية استوجبت استدعاء وتقليد النموذج الفريد لتنظيم القاعدة في تخطي مثل هذه العقبات الكبيرة بينها منظومة سايكس – بيكو الإقليمية ومنظومة النظام العالمي”.

وتابع في الوثيقة التي اطلعت على نصها”الحياة”، أن أي نجاح تحققه الثورة السورية بتحولها إلى”ثورة جهادية وأي نجاح تحققه هذه الثورة في إسقاط النظام أو تحقيق الأمن الذاتي في محيطها في ظل هذه الظروف والمعطيات المستحيلة”، سيشجع بقية الشعوب التي باءت ثوراتها بالفشل – وخصوصاً اليمن – على تأييد ذلك النموذج وهو الأمر الذي سيقود في النهاية وفي ظل جو الخروج العام من الهيمنة الغربية إلى جهاد الأمة، وصولاً إلى”الخلافة الإسلامية”والعودة بالصراعات الدولية إلى الشكل الأممي و” صراع الأمم”و”الحرب المكشوفة”أي أن الحروب في تلك المرحلة”ستخاض بدوافعها وشعاراتها الأصلية من دون أي مواربة أو خداع”.

عليه، فإن أي فوضى تحدث في المنطقة العربية ستعيد الحاجة إلى ترتيب الأوضاع من جديد بما يناسب المصالح الغربية و”أي تعارض أو ممانعة سياسية من قبل الأنظمة العربية الجديدة أو من قبل الأنظمة التابعة للشرق والرافضة التغيير الذي أدى إلى الفوضى التي ساعدت على خلق حالة ضاعت فيها هيبة ومصالح الدول الغربية، ستؤدي إلى رفع احتمالات الحلول الاستراتيجية الجذرية والدخول في حرب بمواصفات ومقاييس عالمية لإعادة تشكيل النظام العالمي بقوالب جديدة تضمن استمرار النفوذ الغربي في المناطق الحيوية وتتماشى مع أي واقع جديد بعد الحرب”. وتابع:”علينا أن نبرمج تحركاتنا في اتجاه سلسلة من الصراعات ضد سلسلة الأعداء الموجودين في المنطقة بدءاً من النصيرية العلويين وانتهاء بالعدو الصهيوني. وهذا ما سيجعل الشام ميداناً متكاملاً ومتحداً”عبر تنفيذ”خطة الباب”التي تؤدي إلى”الالتفاف على محاولات النظام لترويض الثورة أو تحطيم سقف خياراتها والاكتفاء بالمشاركة السياسية بدلاً من إسقاط النظام”.

ورأى أن الحراك الشعبي في سورية الذي بدأ في آذار 2011″جزء من حراك شعبي أكبر عم الشارع العربي بنسب متفاوتة، والحراك العسكري الطائفي في سورية هو جزء من حراك عسكري طائفي أكبر سيعم المنطقة بأكملها”، قائلاً: إنه بين”تغذية الحراك الأول وامتطاء الحراك الثاني تكمن الاستراتيجية الناجحة في الوصول إلى التغيير المطلوب أو الهدف المنشود في الشام ككل وليس في سورية فقط”. وقال:”في عام 2003 التقيت بمهندس تحصينات تورا بورا التي صمد فيها المجاهدون لأكثر من شهر تحت القصف الأميركي العنيف وكان ضابطاً سابقاً في أحد الجيوش العربية، وقد أسند إليه الشيخ أسامة بن لادن – رحمه الله – مهمة بناء خنادق وتحصينات تورا بورا لخبرته الجيدة في ذلك وبعد أن شرح لي التفصيلات الخاصة بالخنادق وطريقة العمل قال لي إن الغرض من موقع تورا بورا هو أن الشيخ أسامة أراد أن يصمد العرب في موقع حصين ومجهز ذاتياً ولو سقطت أفغانستان كلها في يد الأميركيين”.

عليه، فإن”عبدالله محمد”يدعو إلى ضرورة اختيار موقع”القلعة”أساساً لمعالجة مشكلة التموين وتهديد واختبار خط الساحل السوري – شمال سورية لمعالجة مشكلة تلقي الدعم الخارجي اللازم للمرحلة التالية”سواء كان ذلك الدعم من خلال الأنظمة في الحلف السنّي أو من خلال شبكات الدعم الجهادية والتي يجب أن نوفر لها منفذاً بحرياً لاستقبال دعمها البشري والمادي”.

وفي ما يتعلق بالصراع مع الجيش النظامي، اقترحت الدراسة”إزاحة وإخراج للجيش من منطقة الخندق الذي يتحصن بها”، لأن”أي نجاح نحققه هنا سيعرض بقية فرق الجيش في الوسط والشرق والشمال والجنوب السوري إلى أن تكون مكشوفة وتقدم أيضاً فرصة كبيرة لإحداث الانشقاقات وتفتيت وحدات الجيش بسقوط منطقة الرأس منه. وهذا ما لا تفعله السيطرة على الشمال أو الشرق أو الجنوب لأن النظام يرتكز على وجوده العسكري والطائفي القوي في هذه المنطقة”، ما يعني أنه لدى الانطلاق”من خط إدلب – الساحل إن تم بطريقة هندسية تؤدي وتعمل على إحداث انهيار عام بين وحدات الجيش السوري سيقود ذلك إلى ترك المعسكرات ومخازن السلاح من دون مقاومة”. كما اقترحت في أكثر من مكان تغذية”استمرار الصراع”في سورية الذي سنستفيد منه في تهذيب أوضاع المنطقة وإعادة ترتيبها.

وعلى رغم أنه ليس هناك تأكيد لإعداد الجولاني هذه الدراسة، غير أن مصدراً قريباً لديه الكثير من وثائق الحركات الجهادية، قال إن هذه الدراسة”أظهرت شخصية الجولاني وتصوره عن تنظيمه فحاز إعجاب الشيخ البغدادي وكلفه وضع السياسة وأعطاه المال”. وتؤكد مصادر عدة أنها الوثيقة المرجعية التي استند إليها مؤسسو”النصرة”.

ووفق وثيقة أخرى اطلعت على مضمونها”الحياة”، فإن البغدادي نصح الجولاني بـ”عدم الإعلان عن اسم الجماعة”و”عدم تولية سجناء من سجن صيدنايا قرب دمشق زمام الأمور خوفاً من الاختراق من قوات النظام لها”، إضافة إلى وجوب”عدم التواصل مع تنظيم القاعدة إلا بالرجوع إلى مجلس الشورى”. وزادت الوثيقة، أن النظام حاول استفزاز”النصرة”كي تخرج من مخابئها، غير أنها عملت بهدوء إلى أن حولت بلدة السحارة في ريف حلب مقراً رئيساً لها وقامت بسلسلة من العمليات العسكرية بينها السيطرة على مخازن أسلحة كبرى في ريف حلب وعمليات انتحارية ضد مراكز عسكرية وأمنية.

وفي 24 كانون الثاني يناير 2012، أعلن ابو محمد الفاتح الجولاني بيانها الأول دعا فيه السوريين إلى”الجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري”، مع إعلان”النصرة”أن إسقاط النظام خطوة في طريق تأسيس الدولة الإسلامية. وتفادياً لدعم أبو بكر البغدادي لدمج التنظيمين تحت اسم”الدولة الإسلامية في العراق والشام”، أعلن الجولاني مبايعة زعيم تنظيم”القاعدة”أيمن الظواهري في نيسان أبريل الماضي. وكانت واشنطن أدرجت”النصرة”على لائحة المنظمات الإرهابية نهاية 2012.

* صحافي من أسرة”الحياة”

150 ألف مقاتل نصفهم إسلامي … و10 – 15 في المئة متشددون

< تقدر دراسات غربية، عدد المقاتلين في كل الأراضي السورية بحوالى 150 ألف شخص، ينتمون إلى 600 فصيل، بينها حوالى 120 فصيلاً أساسياً. ويقدر خبراء نسبة الجهاديين بحوالى 10 – 15 في المئة.

-”الجبهة الإسلامية السورية”وتأسست في 21 كانون الأول ديسمبر 2012، وتضم 25 – 30 ألف مقاتل، ينتمون إلى”أحرار الشام”13 ألف مقاتل بزعامة حسان عبود و”لواء الحق”و”كتائب الطليعة المقاتلة”المنشقة عن”الإخوان المسلمين”.

-”جبهة تحرير سورية الإسلامية”وتأسست في 12 أيلول سبتمبر 2011، وتضم حوالى 30 ألف مقاتل. من”لواء الفاروق”و”لواء التوحيد”بزعامة عبدالقادر صالح و”صقور الشام”بزعامة أحمد عيسى الشيخ و”لواء الإسلام”بزعامة زاهر علوش الذي شكل من 43 فصيلاً”جيش الإسلام”قرب دمشق قبل أيام، إضافة إلى”أحفاد الرسول”.

-”الجيش الحر”الذي أسسه العقيد رياض الأسعد في 29 تموز يوليو 2011 ثم ترأسه لاحقاً اللواء سليم إدريس. بدأ من المنشقين، ثم أخذت الفصائل المسلحة تعمل تحت رايته بسبب مساعٍ لتوحيدها وتعزيز المعتدلين فيها. وعَقدت اجتماعات برئاسة إدريس بمشاركة قادة”لواء الإسلام”و”الفاروق”و”صقور الشام”و”أحفاد الرسول”. وفي لحظة سابقة، بلغت نسبة العاملين بتنسيق مع”الحر”بين الفصائل حوالى 80 و90 في المئة.

-”لواء اليرموك”بزعامة بشار الزعبي. يضم حوالى خمسة آلاف مقاتل ويتمركز في درعا جنوب سورية قرب حدود الأردن.

-”الدولة الإسلامية في العراق والشام”داعش وتضم حوالى ثمانية آلاف مقاتل، ويشكل السوريون نسبة 60 في المئة من مقاتليها. ويتزعمها أبو بكر البغدادي. غير أن عملياتها في سورية تُدار من قبل أبو محمد العدناني الناطق باسمها. ويقع المقر الرئيسي لـ”داعش”في بلدة الدانا في ريف إدلب في شمال غربي البلاد. كما أنها احتلت مبنى محافظ الرقة بعد سيطرة المعارضة على المدينة في آذار مارس الماضي. ولديها مكاتب ضخمة في مستشفى العيون في قلب حلب، يُطل على قلعة حلب ومناطق أخرى تتمركز فيها قوات النظام. وهو أشبه بمقر إداري، فيما يعتبر مركزها في الدانا مقراً أساسياً للعمل العسكري. واعتمدت وجود مكاتب أخرى وفق العمل غير المركزي. لم تتعرض مقارها المعروفة والكبيرة إلى قصف جوي حتى الآن.

- يقدر عدد المقاتلين الأجانب بين أربعة وستة آلاف مقاتل عدا العراقيين الذين يقاتلون في إطار”الدولة الإسلامية”.

- يُعتقد أن”الجهاديين”العرب الذين قاتلوا القوات الأميركية في العراق في العقد الماضي، مروراً بالأراضي السورية يشكلون الكتلة الأساسية لعناصر”الدولة الإسلامية”و”النصرة”. وأفادت مذكرة صادرة من وزارة الخارجية السورية قبل سنوات، بأنه جرى توقيف حوالى 1400 مقاتل عربي، إضافة إلى التحقيق بين 2003 و2005 مع أربعة آلاف سوري، مع توقعات بارتفاع العدد إلى ثمانية آلاف سوري قاتلوا أو حاولوا القتال في العراق.

-”مجلس شورى المجاهدين”الذي ينتشر في حلب وريفها وفي دير الزور، وقوامه من الريفيين والمحليين، ويضم مئات الأشخاص.

-”كتائب المهاجرين”التي تضم نحو 2000 مقاتل شيشاني وتونسي وليبي وأجنبي.

-”الأنصار والمهاجرون”وهم مئات يعملون في ريف حلب.

-”وحدات حماية الشعب”التابعة لـ”الاتحاد الديموقراطي الكردي”بزعامة صالح مسلم، وتضم حوالى 25 ألف مقاتل. وتسيطر على مناطق ذات غالبية كردية في شمال سورية وشمالها الشرقي. ودخلت في مواجهات مع”الدولة الإسلامية”و”النصرة”قرب حدود تركيا