آباء مغتربون.. أمهات بمسؤولية مزدوجة

أن تعتبر امرأة الأمومة تفصيلاً بالمقارنة مع الواجبات الملقاة على عاتقها، فهذا يعني أن تعبها وشقاءها ووجعها الجسدي والنفسي أمور لا تستطيع أن تتفلت منها، لأن القدر شاء لها أن تكون الأم والأب في آن، لا سيّما حين يضطّر الزوج إلى السفر للعمل.

قصص نساء صنعن أسرهن بمفردهن. كنّ الحضن الدافئ ولكن أيضاً ربّ المنزل المسؤول عن مصير الأولاد. بعضهن نسين معنى الأنوثة، وقد ضاعت بمهامهنّ كأمهات. في حين بقيت الأنوثة عند بعضهن الآخر ترفاً لا يحلمن به، بسبب قساوة القدر، فحتى لقمة العيش كانت ملقاة على عاتقهّن.

جميعهن تعبن من أداء دور الأب، من اتخاذ القرارات الصعبة، ومن الانتظار أن يعود الشريك ذات يوم لاستلام مهماته، لا بل وأكثر من العمل على إبقائه موجوداً في ذهن الأولاد، فلا يتأثرون بخلل عائلي شاءته الظروف. بعضهن لا يملكن حتى صوراً تجمعهن مع أزواجهن وأولادهن، وقد تعبن من الأمل الذي لا يشأن التخلّي عنه، وهو الأمل الذي يعيدهن أمّهات، وفقط أمّهات.

نوال المغربي: خوف وقلق

هي معاناة متوارية ليس ثمة من يرصد تفاصيلها بكل الوجع والتعب والقهر، نساء يعشن تبعات غربة أزواجهن، يتحملن مسؤوليات تربية أبنائهن ويواجهن، وحيدات، غربة من نوعٍ آخر وهن يكابدن في صقيع أيامهن صعوبات ومشقات تثقل في العادة كواهل عائلات ملتئم شملها، فكم بالحري وهن يعوضن غياب الأب والزوج.

تختصر نوال المغربي، من بلدة كفرسلوان في المتن الأعلى، مسيرتها من دون زوجها بكلمات موجعة فتقول «تعب، مسؤولية، خوف وقلق». وتروي أنها اضطرّت إلى العودة من الإمارات مع أولادها الثلاثة من أجل متابعة ابنتها الكبيرة دراستها الجامعية في لبنان، و«كان لا بد لي من أن أواجه التحدي، فبالرغم من أنني شديدة الخوف اضطررت لتعلم قيادة السيارة لأكون دائماً بالقرب من أولادي وتأمين حاجاتهم وأكون العين الساهرة عليهم».

وتشير المغربي إلى أن «المسؤوليات كبيرة والناس لا يرون الأم إن نجحت في تربية أبنائها، ولكنهم يلقون باللائمة عليها إذا ما قصر أحد أبنائها في الدراسة مثلا، فالعيون لا ترى إلا السلبيات وهذا ما يفرض عليها الكثير من التعب والعمل والسهر لتربية أولادها وتدبر شؤونهم».

وهي إلى جانب مسؤولياتها كربّة منزل وأم لثلاثة أولاد، تقع على عاتقها الواجبات الاجتماعية «لأننا نعيش في أجواء القرية ولا يمكن التقاعس أبداً في هذا المجال، وهنا عليَّ تعويض غياب زوجي الذي لا يأتي إلى لبنان الا لخمسة أيام كل سنتين».

ولعلّ الواجبات الملقاة على عاتقها والتعب الذي تعاني منه، تبدو أهون من بعض المواقف التي تعترض مسيرتها، ومن هذه المواقف بلوغ ابنها البكر سنّ الثامنة عشرة و«في مثل هذه السن من المفترض أن يواكب الوالد ابنه ليرشده، تماماً كما هو الأمر بالنسبة لابني الأصغر وعمره 14 سنة. وفي مثل وضعي، على المرأة تعويض غربة زوجها لتكون قريبة من مشاكل أبنائها وما يواجهونه في حياتهم وهم في طور بناء شخصياتهم».

إلى ذلك، هناك القلق من الوضع المادي، فالزوج يعمل في مجال المقاولات في أبو ظبي حيث تعترضه صعوبات في بعض الأحيان، ليبقى الحلم في اجتماع العائلة تحت سقف واحد ذات يوم.

 سليمة عبد الخالق ضحّت بأنوثتها

 لم تقض سليمة عبد الخالق، من مدينة عاليه، سوى خمس سنوات برفقة زوجها، فهو اضطرّ بعدها للسفر إلى السعودية. وها هو اليوم يختم عامه الخامس والثلاثين فيها. جهدت سليمة وكدّت خلال هذه الأعوام لتكون الأم والأب في آن، «اهتممت بكل ما تتطلبه مني تربية الأولاد وبكل ما يحتاجون إليه. وكنت أشعر في بعض الأحيان أنه ليس هناك وقت كاف في النهار للقيام بكل ما تتطلبه مني الواجبات اليومية، ولكن حاولت ألا أقصر في أي مجال حتى اجتماعياً مع مجتمعي وعائلتي».

لم يكن هناك من سند لتلك الأم سوى أمّها «التي لم تتركني يوماً إلى أن فارقت الحياة، فكانت الدعم الوحيد لي»، تقول سليمة. ومع ذلك نسيت أنها امرأة لتكون أماً وأباً وصديقة وسائقة وممرضة في الوقت نفسه. فتربية الأولاد ومشاكلهم في مراحل نموهم المختلفة، وفق ما تشير، «أنستني كل ما يتعلّق بأنوثتي، وكنت أتمنى لو أن زوجي إلى جانبي ليتحمل عني قليلا، ولكن تأمين الحياة الكريمة للأولاد تطلبت منا التضحية سوياً، هو بالسفر للعمل والحرمان من جو الأسرة وأنا بالبقاء والقيام بكل واجبات الأم والأب».

تخطّت وحدها مشكلة ابنها الصغير الذي كان يأبى أن يكمل تعليمه، فانكبّت على مساعدته لتخطي مشاكله الدراسية ليتساوى مع شقيقه وشقيقته في المستوى العلمي في ما بعد، ويحصل على شهادته الجامعية بتفوّق.

تعترف سليمة أن ظروفها جعلتها تقسو في تربية أولادها، حتى أنها كانت تحمّلهم مسؤولية أي خطأ يرتكبونه «لأنه سينعكس عليَّ ويكون خطأ مني أمام أبيهم، وبالتالي تلقى عليَّ المسؤولية. وكنت أهددهم بإخباره عندما يتسببون بأمر لا يعجبني، ولكني لم أفعل هذا يوماً واحتفظت بصورته وهيبته في المنزل رغم غيابه المتواصل». وهي بذلك جعلته محور تربيتها لهم، مذكّرة إياهم أنه يضحي بإقامته بينهم لتأمين حياة أفضل لهم، وقد آلمها أن تسألها ابنتها ذات مرّة «متى سيرحل هذا الرجل» بالإشارة إلى أبيها الذي أتاهم للزيارة.

 نجيبة المختار طوت رسالة الزوج

 باعت نجيبة المختار، ما كانت تدخره من ذهب ابتاعته يوم زواجها، واشترت بثمنه رخصة تبغ.

كانت هذه الرخصة التي تخولها زراعة مساحة دونم من الأرض، سنداً رئيسياً في تحصيل عيش وتعليم بناتها الأربع، إلى جانب عمل «صف» التبغ عند بعض المزارعين وزراعة حقول من القمح والخضار، إلى أن استقر بها الأمر في دكان صغير، يؤمن لها استمرار العيش بكرامة، بعدما أضناها التعب والفراق.

في التالي قصة نجيبة مروة، المعروفة على امتداد قريتها بنجيبة المختار، نسبة إلى والدها الذي كان يشغل منصب مختار البلدة في تلك الفترة، وهي من القصص النادرة في بلدتها.

فقبل أربعين عاماً، ترك عباس مروة، زوج نجيبة المختار لبنان، متوجها إلى الإمارات للعمل بهدف تحسين ظروفه المعيشية.

لم يستقر به الحال هناك، إذ انتقل بعدها مباشرة إلى البرازيل. يومها وصلت منه رسالة عبر البريد يطمئن بها نجيبة بأنه وصل بخير إلى ذاك البلد. اتبعها في العام 1982 برسالة مماثلة للاطمئنان إلى زوجته وبناته الأربع، بسبب الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وبعدها لم يكن لا مرسال ولا كلام. «كنت أعلم، تقول نجيبة، بأنني أصبحت مسؤولة عن العائلة، عندما وصل عباس إلى البرازيل».

شمرت الحاجة نجيبة، التي كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، عن ساعديها، وبدأت مشواراً جديداً في الحياة، نجحت خلاله في تعليم بناتها وتربيتهن وتزويج غالبيتهن، وبناء منزل واسع طالما حلمت به، وفرت تمويل بنائه من إنتاجها الزراعي. تؤكّد أنها تعبت كثيرا، وتروي «كنت استيقظ قبل الخامسة فجراً، متوجهة الى زراعة التبغ، وثم قطافه وصفه وتسليمه إلى إدارة الريجي لقبض ثمنه لاحقاً». وفي حديثها مفاخرة باعتمادها على نفسها لتأمين عيشها مع بناتها وتعليمهن من دون منة من احد.

تسرد الحاجة نجيبة مشوارها بكلمات سريعة، رغم انه كان دهراً من الزمن والوجع نظراً لشدة وقسوة الحياة وتحمل مسؤولية أربع بنات كبرن معها، حتى بدت كأنها واحدة منهن. «كان زمن آخر، قبل خروجي إلى الحقل، كنت أؤمن الطعام للبنات، والطعام في ذلك الزمن لم يكن جاهزاً وتحت الطلب كما هو الحال اليوم، ما يعني انه يحتاج إلى إشعال الموقدة وتسخين المياه، وانتظار الطبخة حتى تنضج».

لا تنظر هذه الحاجة إلى الوراء، وحين تنتظر لا يكون في بالها إلا الأحفاد والأحبّاء وبناتها الأربع. أما انتظار الزوج فطوته حين طوت آخر رسالة وصلتها منه قبل واحد وثلاثين عاماً.

مريم أم وأب لـ«نصف دزينة»

 في مطلع العام 1990 اقترنت مريم بزوجها أحمد، ولم تمض أكثر من سنتين على زواجهما حتى اضطر احمد للسفر إلى إحدى الدول الخليجية، التي كان يتدفق إليها اللبنانيون للعمل في مجالات مختلفة.

بقيت مريم في صور مع ابنها الأول محمد، وبعد نحو سنتين عاد احمد فأنجبا بنتاً وبعدهما أربعة أولاد.

كبر الأولاد الستة في ظل غياب الزوج، الذي كان يحضر سنوياً مع غلة من المال كان يجنيها هناك وتعيش العائلة من مخزونها. وبقي الوضع على ذلك المنوال، نحو عشرين عاماً.

خلال هذه الفترة، التي أصبح فيها أولاد مريم في مراحل الشباب، كبرت المسؤوليات، كيف لا وهي الوحيدة التي تتولى إدارة المنزل وتسجيل الأولاد في المدارس وتدريسهم وتأمين رعايتهم الصحية والاجتماعية، التي كانت من أصعب المهام عليها.

تروي مريم، أن السنوات العشرين، التي كانت فيها أماً وأباً ومدرّسة وربة منزل، نتيجة الغياب القسري لزوجها، وحجم الصعوبات في بيئة محافظة، لم تسلم فيها من ألسنة الناس. تقول: «صحيح أنني لم أكن اعمل في أي مجال، باستثناء بعض أعمال الخياطة داخل المنزل، إلا أن عملي في البيت، على مدى ساعات النهار والليل، في تأمين الأكل والشرب للأولاد، ومتابعة مدارسهم وشؤونهم الصحية، ومراقبة تصرفاتهم وعلاقتهم مع زملائهم، كانت أكثر تعباً ومسؤولية، تجاه نصف دزينة من الأولاد، كل واحد منهم يحمل طباعاً ومزاجاً مختلفاً عن الآخر».

 ملكة قلموني:

التوفيق بين الدخل والمصروف

 «لا يمكن وصف حجم المسؤولية الملقاة على عاتقي كأم في ظل غياب رب الأسرة بداعي تأمين لقمة العيش»، تقول ملكة قلموني وهي أم لأربعة أولاد جميعهم في سن تستدعي المتابعة، «كل شيء تبدل بعد سفر زوجي وبات عليَّ متابعة أدق التفاصيل لجهة تأمين مصروف الأولاد والاهتمام بمتطلبات المنزل، والأصعب هو التوفيق بين الدخل والمصروف».

سافر زوج ملكة بعدما عجز عن تأمين الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة في لبنان. وهو لا يكافأ على هجرته إلى نيجيريا بالكثير، إذ يتقاضى 1800 دولار لقاء عمله في شركة أخشاب، ويُمنع من السفر إلى لبنان إلا مرّة واحدة. لكنّ كل ذلك أفضل من العمل في طرابلس حيث تتدنى الرواتب وترتفع الأسعار، تقول ملكة، مضيفة أنه «للسفر في هذه الأيام العصيبة التي تمر على لبنان فوائد كثيرة أولها ضمان العمل، والابتعاد عن التوترات الأمنية المتنقلة، فلقد كان زوجي يعمل يوماً ويعطل قسرياً حوالي الأسبوع بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتدهورة في مدينة طرابلس». وهي تشير إلى أنها تحتال على المدخول «كي نتمكن من سداد قسط المدرسة لأبنائي الصغيرين، أما الولد الأكبر سعد فهو ينتظر استلام وظيفة بعد تخرجه من المعهد الفني، وابنتي الوحيدة جنان في الثانوية». يدرك الاولاد، على حدّ قولها، الظروف الصعبة التي أجبرت والدهم على السفر و«إن كانوا يتأففون من غيــابه بين الفترة والأخرى، وأبذل جهداً مضاعفاً للتعــويض عليهم». وهي إلى ذلك لم تأل جهداً كي يبقى الوالد حاضراً ومتابعاً لأمور أولاده، حتى أن مؤمن، وهو الولد الأصغر في العائلة، بات شديد التعلق بوالده، «وهو ينتظر بفارغ الصبر موعد زيارته المرتقبة بعد شهريــن، كما بات لديه موعد تبادل الحديث مع والده مســاء كل يوم مقدساً، فيخبره عن كل شيء ويستــشيره بكل ما يريد أن يفعل حتى بالهدية التي سيحــضرها لوالدته بمناسبة عيد الأم».

  ديانا الحسيني: ظلّ غياب الأب

 عندما تسأل ديانا الحسيني عن الأمومة ومعاناتها وترتيباتها مع ابنتيها لونا (4 سنوات) وسيلين (سنة ونصف السنة)، تتحدث عن «الأبوة» التي كتب عليها أن تضيفها إلى أمومتها بعدما فُرض السفر على زوجها إلى إحدى الدول الأفريقية للعمل.

حين سافر الأب، لم يكن قد تجاوز عمر ابنتها الصغرى سيلين الشهرين، وكان عليها أن تشرح هذا الغياب لابنتها لونا التي ترعرعت في كنف والدها وتعلقت به ولم تعد تحاكيه إلا عبر الهاتف والانترنت، في عملية جهد مضاعفة تؤذي وتحول دون الحياة الطبيعية للأم وللأطفال.

تقول ديانا لم يقتصر دوري على الأمومة فقط، كان عليَّ أن أكون الأب أيضاً في غيابه، ما حتم عليَّ أن أتكبد وأتحمل كل أعباء المسؤولية، خصوصاً إذا تعرضت لونا أو سيلين لأي عارض طبي طارئ، عدا عن تدبر أمور المدرسة للونا وإدارة المنزل.

قد تكون الأمومة وفق ديانا أهون الأمور وأقل كلفة من تحمل أعباء الغياب المؤقت للأب. فهي باتت المؤتمنة الحصرية على الحياة السليمة والآمنة للطفلتين، وعليها أن تتحمل أي طارئ قد تتعرض له الطفلتان.

تحقيق: أنور عقل ضو، حسين سعد، نجلة حمود وسامر الحسيني

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s