لباس المرأة بين الجاهلية والإسلام

لباس المرأة بين الجاهلية والإسلام

د.منجيـة السوايحـي*

 قبل الحديث عن لباس المرأة في هاتين الفترتين أذكّر أن المرأة في ما قبل الإسلام حازت مكانة رفيعة حجبها الكثير من مؤرخي الفترة الإسلامية لابراز ما اعطاه الإسلام للمرأة من حقوق. وكأن الفضائل لا تظهر إلا بحجب فضائل سابقة، والموضوعية التاريخية تقضي ذكر الحقائق كما هي مثل ما كان للمرأة في الجاهلية فقد نالت احترام الرجل، وتضحيته بحياته من أجلها. وقد سجل الشعر العربي والقصص والأغاني تلك المآثر، ولم يقف الامر عند التغزل والتغني بها وإنما تجاوزه لتصبح المرأة حكما بين الرجال الشعراء. تروي الأخبار أن أمرئ القيس نزل على بني طئ بعد قتل أبيه وتزوج من نسائهم أم جندب، ودار سجال شعري بين امرئ القيس وعلقمة بن عبدة، وتنازعا إمامة الشعر، ولم يتنازل أحدهما للآخر. واختار علقمة أن يُحكّما أم جندب بينهما. وقبل امرؤ القيس المقترح، فطلبت منهما أن ينظما كل واحد منهما قصيدة على نفس الوزن وبقافية واحدة يصفان بهما الجياد. وبعد نزاعهما من النظم عرضا الشعر على أم جندب وافتتح امرؤ القيس قصيدته بقوله:

خليلي مرّا بي على أم جندب

 ولما وصل إلى وصف الفرس قال:

فللزجر ألهوب وللساق درة ***والسوط منه وقع أهوج منعب

 وجاء دور علقمة فأنشد مفتتحا:

ذهبت من الهجران في غير مذهب

 ولما صار إلى وصف الفرس أنشد:

فعفى على آثارهن بحاصب***وغيبة شؤبوب مـن الشد ملهب

فـأدركهن ثانيـا من عنانه*** يمـر كمر الـرائح المتحلـب

 وبعد سماعها للشاعرين قال أم جندب لزوجها:

– علقمة أشعر منك

 فقال أمرؤ القيس:

-وكيف ذلك؟ قالت:

-لأنه وصف الفرس بأنه أدرك الطريدة من غير أن يجهده أو يكده، وأنت مريت بفرسك بالزجر وشدة التحرك والضرب.

 فغضب امرؤ القيس وطلقها فتزوجت علقمة.

 وتبوّأت المرأة في الجاهلية مكانة علية ظهرت بفضلها طبقة من النساء صاحبات القرار العظيمات الشأن من بينهن الكاهنة والعرافة والمتنبئة،وصاحبة السيادة والريادة ففي مكة كان مفتاح الكعبة عند امرأة وهي بنت خليل الخزاعي حافظت عليه زمنا طويلا قبل أن تتنازل عن ملكيته لقصي حسب ماجاء في كتاب “أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار”. وتذكر الأخبار أن مفتاح الكعبة أيام الفتح الإسلامي. كان في يد أم عثمان بن طلحة،ولم تسلمه للرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد شدة ومقاومة حسب ما ذكره مسلم في صحيحه.

 ورافقت النساء الرجال في الحروب قبل الجاهلية، ووقفت مواقف جريئة تحرض فيها الجند على القتال واشهرها موقف ابنتي الفند الزماني في الحرب التي دارت رحاها بين تغلب وبكر. ويتمثل في أن البنتين لما اشتعلت نيران الحرب تقدمت إحداهما وخلعت ثيابها ورمت بها وسط المعركة، واقتدت بها أختها ثم تقدمت صفوف الرجال عارية الجسد لتبعث في الجنود الشجاعة والحرص على حماية بناة القبيلة.

 وفي نفس المعركة يرفع عوف بن مالك ابنته على جمل ويسيره ثم يضرب عرقوبيه، وينادي في قومه:

-لا يمر بي رجل من بكر بن وائل فرّ من القتال إلا ضربته بسيفي هذا.

 وشاركت المرأة في الجاهلية في الحياة العامة ومنها المجال السياسي وما موقف هند بنت عتيبة من الدين الجديد ومساندتها لزوجها إلا موقف سياسي واضح.

 ذكرت هذه النماذج لأبين أن المرأة لم تكن منبوذة ومغيبة إلا عند بعض القبائل مثلما هو الحال اليوم، وأن الإسلام لم يرفع منزلة المرأة وإنما رفع مستواها الأدبي في الحضارة إلى حد عظيم على حد عبارة نيكولسون في كتابه:

(Nicholson:Literary History of the Arabs)

 1-زي المرأة في الجاهلية:

مقصودي من كلمة الجاهلية ليس الوصم والاستنقاص وإنما تحديد مرحلة تاريخية قبل الإسلام اصطلح على تسميتها “الجاهلية” في المصادر العربية والإسلامية.

 ماذا كانت ترتدي المرأة في هذه الفترة؟

 في هذه الفترة احتفت النساء بلباسهن حفاوة كبيرة مما يفند المزاعم التي تتدعي أن فترة الجاهلية فترة بداوة وبربرية وهمجية لم تعرف فيها المرأة فنون اللباس. والشواهد كثيرة على أن المرأة العربية ارتدت أنواعا مختلفة من الثياب الخلاّبة ذات الألوان الراقية والأشكال الفنية من صنع فناني العراق والشام واليمن، وماجلبه التجار من الهند وفارس والبلاد المجاورة للجزيرة العربية،وقراءة في الأشعار العربية وأخبارها وآثارها تكشف لنا عما اتخذته المرأة من ملابس الزينة،وإظهار الحسن،وتبين لنا ضروب التفنن في ابتكار الأزياء واختيار الألوان التي حبكت من الصوف والقطن والحرير والدمقس والسندس والديباج والاستبرق والخز،يقول اليشكري:

الكاعب الحسناء ترفل***في الدمقس والحرير

 وتسمية المرأة العربية في الجاهلية لأشكال الثياب دليل على تفننها وذوقها الرفيع وحسها المرهف،فإنها تسمي مارقّ نسجه ودق خيطه من الثياب:المهلهل والهفاف وما نسج بخيوط الذهب:المذهب يقول سلمىبن ربيعة:

والبيض يرفلن كالدمي***في الريط المذهب المصون

وتسمي المرأة أيضا ماكان نسيجه مكثفا:الصفيف والحصيف.

 وولع المرأة العربية بالثياب المطرزة بالذهب والمزينة بأصناف النقوش تشهد به الأخبار، وكذلك ولعها بالحلل الشفافة كان كثيرا.ومن الأزياء التي ارتدتها في الجاهلية الدروع وهي قمصان تلبسها المرأة الكبيرة والمجول وهي قمصان تلبسها المرأة الصغيرة، والنوعان دون أكمام،ومن الأزياء النطاق،لباس تشده المرأة إلى وسطها وترخي نصفه الأعلى على نصفه الأسفل ومن فوقه البت يحيط بجسمها ويحجب جزءا من وجهها ورأسها. ويختار هذا الثوب من القماش الرقيق وغالبا لونه الأخضر،ومن الأزياء أيضا الحبرة وهي برد من اليمن موشى من أبهج وأثمن مالبست المرأة العربية،كما لبست المرط وهي ملاءة ذات شقين من الحرير الخالص،وكذلك من ثيابها الإزار.

 وتختار المرأة العربية في زمنها ذاك لباس المناسبات “كجر الذيل”في المناسبات المختلفة كالأعياد وحفلات الزفاف،والحفلات الساهرة،وفي المآدب العامة. في هذه المناسبات ترسل ذيل لباسها النفيس اعتدادا بنفسها وزيادة في التأنق يقول عنترة يصف عبلة وهي تجر ذيل ثيابها الحريرية.

 وتظل عبلة في الخزوز تجرها ***وأظل في حلق الحديد المبهم

وشاركهن الرجال في جر ذيول الثياب افتخارا وعلامة على القوة والسيادة.

 إضافة إلى تفننهن في اللباس، فقد تفننت نساء الجاهلية في التحلي بالجواهر النفيسة، وخصت كل موضع من جسدهن بحلي معلوم:القرط المرصع والمذهب لأسفل الأذن، والشنف لأعلى الأذن،والإكليل عصابة مرصعة بالجواهر للجبين، والجبرة للساعد،والسوار للمعصم، وتنوعت الخواتم بين الخاتم ماله فص، والفتح مالا فص له،ولبست الخواتم في أصابع اليدين والرجلين.

 هذا شأن المرأة في الجاهلية امرأة أنيقة تعتني بلباسها وبزينتها مما يدل على أنها عاشت في فترة حضارية محترمة لها إجابيتها وسلبياتها ككل الفترات وكل الحضارات.

  2-لباس المرأة في الفترة الإسلامية الأولى.

لماذا اخترت هذه الفترة، لأنها الفترة التي يستدل بها كل من يريد حجب المرأة عن الأنظار، ووصف الإسلام بالدين الذي جمد سمة الجمال في نفوس النساء وفرض عليهن زيا موحدا ومعينا.فهل هذا صحيح؟

 لما جاء الإسلام وجد النساء تفنن في اللباس والزينة، وبالغت بعضهن فخرجت عن الأدب العام في الستر فكشفن الصدور والأعناق والثديين، فدعا إلى الستر، وتهذيب الألبسة الخليعة لتراعي الآداب العامة وقيمة الحياء الاجتماعي أما فصل النساء عن الرجال وحجزهن في حجر منزوية، ومنعهن من المشاركة في الحياة فهذا ليس من الدين الإسلامي في شيء بدليل عمل النساء مع الرجال والتحدث إليهم. فهذه عائشة بنت أبي بكر وزوج النبي صلى الله عليه وسلم تعلم الرجال الحديث، وتشاركهم في الحروب وفي السياسة واشتهرت منهن سكينة بنت الحسين وعاتكة بنت زيد وفاطمة بنت عبد الملك وعائشة بنت طلحة، وزينب بنت موسى الجمحية وكان لهن باع في البلاغة والفصاحة والشعر والجدال وقوة المحاحة.

 فماذا ارتدت هذه المرأة في هذه الفترة؟

 من الطبيعي أن يتشكل زي المرأة تبعا لاختلاف الأذواق والبيئة الاجتماعية، والاقتصادية. ومما لا شك أن لكل عصر ولكل مصر زيه الذي يختص به ويميزه عن غيره من الأزياء من هنا سنتتبع تشكل زي المرأة العربية المسلمة في بداية الإسلام إلى العهد العباسي.

 * في بداية الإسلام:

رغم أن الإسلام قاوم ظاهرة الخلاعة في اللباس وأمر بالستر فإن النساء تحايلت بطرق مختلفة في حياكة ملابس جديدة تحترم تعاليم الدين من جهة، وتظهر محاسنهم من جهة أخرى مثل زي “القباطي” وهو ثوب ضيق يلتصق بالجسم ويبدي نحافة الجسد من ثخانته ويبرز محاسنه، وثبت أن عمر بن الخطاب نهى عن لبس القباطي ذكر مالك “بلغني أن عمر بن الخطاب نهى النساء عن لبس القباطي لأنها وإن كانت لا تشف فإنها تصف”مما يشهد بأن النساء لبسن هذا النوع من الزي.

 ومما اخترعته المرأة- “رغم أن الشريعة أمرت بإسبال الإزار وارساله قدر ذراعا ليستر قدمي المرأة عند المشي-“اللباس القصير الضيق لتظهر محاسن جسدها وقد احتج علماء ذلك العصر على هذا النوع من اللباس بهذه المقولة “ليحذر العالم من هذه البدعة [لبس القصير والضيق]، التي أحدثتها النساء”.

 ومما اخترعته النساء في صدر الإسلام “الناهزة”وهي طريقة تعظم بها رؤوسهن تتمثل في لبس الخمر والمقانع على شكل عمامة توضع على الرأس تشبه أسنمة الإبل لتوهم بغزارة شعرها وكثافته تحت الخمار والمقانع، ولتكتمل شروط الزينة لبست النساء الخواتم المتناسقة مع ثيابهن الجميلة وتؤكد هذه القصة ما ذكرناه:حكى الأصفهاني قصة ذهاب عمر بن أبي ربيعة إلى صديقته “الثريا مع صاحب له كان بتوصل بذكره في الشعر فلما كشفت الثريا الستر وأرادت الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت. فقال لها:

 -إنه ليس ممن تستحين منه، ولا أخفي عنه شيئا واستلقى فضحك. وكان النساء في ذاك الزمان يختتمن في أصابعهن العشر، فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها فأصابت الخواتيم ثنيتيه العليين فكادتا تسقطان فقدم البصرة فعولجتا له”.

 *لباس المرأة أيام الأمويين:

عرف عن المرأة الأموية ولعها بالأردية المختلفة الألوان والأشكال، ونفورها من اللون الأسود، إلى أن أقبل تاجر عراقي على المدينة ومعه خمر ألوانها مختلفة بيعت كلها، وبقيت الخمر السود. فذهب إلى الدرامي الشاعر الماجن بعد أن تنسك وسكن المسجد فاشتكى له كساد هذه الخمر،فقال له الدرامي:

-ماذا تجعل لي على أن أحتال بحيلة حتى تبيعها كلها. فقال التاجر.

-ما شئت

 فخلع الدرامي ثياب نسكه ونظم شعرا وطلب من أحد أصدقائه المغنين أن ينشده فغنى به ومن أبياته:

قل للمليحة في الخمار الأسود***ماذا فعلت بناسك متعبد

قد كــان شمر للصلاة ثيابـه***حتى خطرت له بباب المسجد

 ولما سمعت النساء هذا الشعر في المدينة المنورة أسرعن إلى شراء الخمر السود قيل “فلم تبق سيدة جميلة في المدينة إلا واشترت خمارا أسود” مما يدل على أن المرأة في ذلك الزمن تطلب المودة، وتتبع الإشهار والدليل على ذلك انتشار لبس الخمور السود بين النساء الأمويات بعد أن كنّ يرفضن ارتداء اللون الأسود.

 وكانت لهن طرق في الزينة وابراز المحاسن منها ما فعلته سكينة بنت الحسن سيدة زمانها فقد ابتكرت تصفيفة جديدة للشعر، فقلدتها نساء عصرها في تلك التصفيفة التي عرفت”بالطرة السكينية” ويصفها ابن خلكان قائلا “كانت سيدة عصرها حسبا ومن أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقا…. والطرة السكينية منسوبة إليها”.

 واشتهرت الطرة السكينية في المدينة حتى قلد الرجال النساء في تصفيف الشعر.

  *لباس المرأة أيام العباسيين:

انتقلت العاصمة الإسلامية من دمشق إلى بغداد في العهد العباسي، فاقتدت العربيات المسلمات بالبغداديات في لباسهن، ثم ابتكرن أزياء روعة في الجمال.وكثرت أشكال الأردية، مما يدل على تنوع الألبسة واختلافها كثرة أسمائها ومنها “الغلائل الدخانية والأردية والرشيدية والطبرية، والقصب الملون، والحرير المعين، والمقانع النيسابورية، وأزر الملحم الخرسانية،والغلائل الممسكة،والقمص المعنبرة والأزر المعصفرة،ومنها ما صنع من الحرير والقز والديباج والوشي”.

 وتبعا للترف الذي عرفته المرأة في العهد العباسي كثر ولعلها بابتداع الأزياء الراقية ومن خصائصها الأكمام المفتوحة والسراويل البيض المذيلة، والمعاجر السود والمسبلة. وابتكرت المرأة العباسية أيضا”عقد الزنار”يلبسن على الطريقة الآتية: تعقد المرأة في طرف أزارها زنارا وخيطا من الحرير ثم تجعله على رأسها، فيثبت الإزار ولا يتحرك.وأول من اخترعته متيم الهشامية من فنانات البصرة ثم قلدتها نساء العباسيين في عقد الزنار.

 -وبلغ بهن الترف حد تطريز الخمر بالذهب الخالص قال أبو علي التنوخي يصف ذلك:

 نور الخمار ونور وجهك تحته***عجبا لوجهك كيف لم يلتهب

وجمعت بين المذهبين فلم يكن***للحسن عن ذهبيها من مذهب

 ومما يدل على الذوق الرفيع لنساء العصر العباسي والمكانة الثقافية أنهن كتبن الأشعار على ملابسهن، حتى أنك لا تجد ثوبا لم ينقش عليه بيتا من مستظرف الشعر يصف محاسنهن، ولم تكن هذه النقوش مقصورة على الجواري والغواني وإنما تجاوزتهن لربات القصور. ومما اختصت به علية بنت المهدي العصائب المكللة بالجوهر حسب نص الأصفهاني التالي “إن السبب في اختراع عليه لهذه المودة أنه كان في جبينها سمة تشين وجهها، فاتخذت العصائب المكللة بالجوهر لتستر بها جبينها فأحدثت والله ما رأيت فيما ابتدعته النساء واحدثته أحسن منه”.

 وانتشرت مودة علية بين نساء العباسيين، وطورتها فكتبن على العصائب بصفائح الذهب شعرا لطيفا يصف محاسنهن، وذهبن في الترف شوطا بعيدا فكتبن الشعر بصفائح الذهب على أحذيتهن، واخترن من الأحذية الأخفاف التي تصرّ عند المشي ليجلبن الانتباه.

 هذه نماذج من أزياء النساء في الجاهلية وفي العهد الأول للإسلام إلى حدود العهد العباسي أردتها شواهد على أناقة المرأة العربية والعربية المسلمة، أناقة لا تتعارض مع القيم ولا مانع للدين، فليرعوي من يريد أن يستهجن المرأة ويحتقرها.ويتدخل في لباسها ويقلل من أناقتها.

 *جـامعة الزيتونـة- تونس

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s