إبراهيم عليه السلام في أسفار اليهود (عرض ونقد)

رسالة ماجستير حول ابراهيم

إبراهيم عليه السلام في أسفار اليهود (عرض ونقد)

فاطمة بنت خالد ردمان 

 

نوع الدراسة: Masters

البلد: المملكة العربية السعودية

الجامعة: أم القرى

الكلية: الدعوة وأصول الدين

التخصص: قسم العقيدة

المشرف: الأستاذ الدكتور/ أحمد بن عبدالرحيم السايح

العام: 1421هـ – 2001م

 
 

تاريخ الإضافة: 24/3/2012 ميلادي – 1/5/1433 هجري
زيارة: 1877 

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Library/0/39574/#ixzz2DQZYwrSh

 

ملخص الرسالة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسَلين، سيِّدنا محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم.

أمَّا بعدُ:

فهذه الرسالة بعنوان:

(إبراهيم – عليه السلام – في أسفار اليهود: عرض ونقد)

 

وتتكوَّن من مقدمة، وتمهيد، وستة فصول، وخاتمة، وفهارس عامَّة.

 

1- أمَّا المقدمة: فتشتمل على مكانة إبراهيم – عليه السلام – بين الأنبياء – عليهم السلام – وأسباب اختياري موضوعَ البحث، وبيان بأهميَّة موضوع البحث، والدراسات السابقة حول الموضوع، ومنهجي في البحث، وبيان بخُطَّة البحث.

 

2- أمَّا التمهيد: فيحتوي على ثلاثة مباحث، وهي: التعريف بشخصيَّة إبراهيم – عليه السلام – والتعريف بالأسفار اليهوديَّة، والتعريف باليهود.

 

3- أمَّا الفصول فهي كالتالي:

الفصل الأول: عصر إبراهيم – عليه السلام.

 

الفصل الثاني: التعريف بإبراهيم – عليه السلام.

 

الفصل الثالث: هجرات إبراهيم – عليه السلام – في أسفار اليهود.

 

الفصل الرابع: دعوة إبراهيم – عليه السلام.

 

الفصل الخامس: أبناء إبراهيم – عليه السلام.

 

الفصل السادس: وعود الله إبراهيم – عليه السلام – في الأسفار اليهوديَّة.

 

4- أمَّا الخاتمة: فتشتمل على أهمِّ النتائج، وهي كالتالي:

أ- لا يَعتقد اليهود بعِصمة الأنبياء جميعًا – عليهم الصلاة والسلام – من الكبائر والصغائر، وفي مقدِّمتهم أبو الأنبياء إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – حيث يَنسب اليهود في أسفارهم إلى إبراهيم – عليه السلام – العديد من التُّهَم الكاذبة والصفات الذَّميمة، وهو أمرٌ يتنافى مع نبوَّته وعِصمته – عليه السلام – بل يُخالِف ما وصَفَه الله – عزَّ وجلَّ – في كتابه العزيز من أخلاق كريمة، وفضائلَ عظيمة، ورِفْعة وقوَّة في الدِّين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120].

 

ب- تُصوِّر أسفار اليهود إبراهيمَ – عليه السلام – في صورة ماديَّة؛ حيث تجعل الصِّلة التي تربط بين إبراهيم – عليه السلام – وربِّه تقوم على المنافع الدنيويَّة، كما تَذهب أسفار اليهود إلى أنَّ الهدفَ من هجرات إبراهيم – عليه السلام – كانتْ لأسبابٍ ماديَّة ومعيشيَّة بَحْتة، ولَم تكنْ في سبيل نشْر عقيدة التوحيد الصحيحة، كما تجعل جُلَّ اهتمام إبراهيم – عليه السلام – كان منصبًّا على تحصيل أكبر قدْرٍ من الملذَّات الدنيويَّة؛ من الأموال، وامتلاك الثروة، والأراضي والمواشي، وغير ذلك من الملذَّات الدنيوية، والتي هي نزعةٌ من النزعات اليهوديَّة، ويُلصقها اليهود بإبراهيم – عليه السلام – زُورًا وبُهتانًا.

 

ج- بُطلان ما يدَّعِيه اليهودُ في وراثتهم لدِين الخليل – عليه السلام – ودِين أبنائه؛ وذلك لمخالفتهم لِما جاء به إبراهيم – عليه السلام – من أصول العقيدة الإسلامية، مثل: التوحيد، والبعث واليوم الآخر، والحج إلى بيت الله الحرام؛ ولذلك أبطَل الله – عزَّ وجلَّ – مزاعمَ اليهود والنصارى في وراثة دين الخليل – عليه السلام – كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67].

 

كما بيَّن الله – عزَّ وجلَّ – أن أوْلَى الناس بوراثة دين إبراهيم – عليه السلام – المؤمنون من أُمة محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68].

 

•   •   •   •   •

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67].

•   •   •   •   •

 

المقدمة:

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحْده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

 

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 – 71].

 

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما بارَكْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنَّك حميد مَجيد.

 

أمَّا بعدُ:

فإنَّ من مظاهر رحمة الله تعالى ولُطفه بعباده أنه لَم يَتركهم إلى عقولهم وفِطَرهم، بل أرْسَل إليهم رسلاً من جنسهم وبلُغتهم، يُبلِّغونهم رسالات ربِّهم.

 

قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4].

 

فالأنبياء والرُّسل – عليهم الصلاة والسلام – هم صَفوة البشر نَسَبًا وأدبًا، وخُلقًا وعِلمًا، يُربِّيهم الله – عزَّ وجلَّ – على علمٍ منه – سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [الحج: 75].

 

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 33].

 

يَصطفي الله – عزَّ وجلَّ – الرُّسل؛ لتصحيح ما انحرَف من عقيدة البشر، وذلك بدعوتهم إلى التوحيد الخالص، والإقرار لله – عزَّ وجلَّ – بالعبادة وحْده لا شريكَ له؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36].

 

كما يَصطَفِيهم الله – عزَّ وجلَّ – لتبليغ أوامره ونواهيه؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾ [الأحزاب: 39]؛ ولذلك أمَرنا الله – عزَّ وجلَّ – بالسَّير على نَهْجهم، والاقتداء بهَدْيهم؛ كما قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90].

 

وذلك لأنَّ الأنبياء والرُّسل – عليهم السلام – يُمثِّلون القُدرة الصالحة للبشر في سلوكهم وأخلاقهم وتصرُّفاتهم، وذلك بما يَمتازون به من الصِّدق والأمانة في التبليغ عن الله – عزَّ وجلَّ – والفَطانة والعِصمة عن الوقوع في المعاصي.

 

هذا وقد اختصَّ الله – عزَّ وجلَّ – إبراهيمَ – عليه السلام – بخصائصَ وفضائلَ جليلة من بين سائر الأنبياء والرُّسل – عليهم الصلاة والسلام – حيث جعَله الله – عزَّ وجلَّ – أبا الأنبياء جميعًا – عليهم الصلاة والسلام – لأنَّ جميع مَن جاء بعده من الأنبياء – عليهم السلام – هم من نَسْله حتى خُتِمت النبوَّة بمحمدٍ – صلَّى الله عليه وسلَّم – كما أنَّ جميع ما أُنْزِل من الكُتب بعده على الأنبياء، فهو في نَسْله؛ قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 84 – 86].

 

كما اختصَّ الله – عزَّ وجلَّ – إبراهيم – عليه السلام – بأنه الجَدُّ الأعلى لرسولنا محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – لأنه – عليه الصلاة السلام – من نسْلِ ولد إسماعيل بن إبراهيم – عليهما الصلاة والسلام – واختصَّه الله – عزَّ وجلَّ – بالإمامة؛ حيث جعَله إمامًا لأهْل طاعته، يأْتَمُّون به في التوحيد، وقُدوة يقتدون به؛ لأنه وصَل إلى غاية ما يتقرَّب به العباد له[1]؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة: 124].

 

واختصَّه الله – عزَّ وجلَّ – “بالخُلَّة”[2]، وهو أرْفعُ مَقامات المحبَّة، وما ذاك إلاَّ لكثْرة طاعته لربِّه؛ قال تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125].

 

كما امتدَح الله – عزَّ وجلَّ – إبراهيم – عليه السلام – بصفات جليلة؛ حيث وصفَه الله بالتأوُّه والحِلم والإنابة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 114]، وقال تعالى في موضعٍ آخَرَ: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ [هود: 75].

 

والأوَّاه هو: الخاشع المتضرِّع في الدعاء[3].

 

والحليم: هو الذي يصفَح عن الإساءة، ويَصبِر على الأذى، ولَم يُعاقب أحدًا إلاَّ في الله، ولَم يَنتصر لأحدٍ إلاَّ لله[4].

 

أمَّا المُنيب: فهو الراجع إلى الله تعالى، وإبراهيم كان راجعًا إلى الله تعالى في أموره كلِّها[5].

 

ووصَف الله – عزَّ وجلَّ – إبراهيم – عليه السلام – بصاحب القلب السليم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 83 – 84].

 

والقلب السليم هو الذي سَلِمَ من أنْ يكون لغير الله فيها شركةٌ بوجْهٍ ما، بل قد خَلَصتْ عبوديَّته لله تعالى إرادةً ومحبَّة، وتوكُّلاً وإخباتًا، وخشية ورجاءً، وخلَص عمله وأمْرُه كله، فإنْ أحبَّ، أحبَّ في الله، وإن أبغَض، أبغَض في الله، وإن أعطى، أعْطى لله، وإن منَع، منَع لله[6].

 

ووصَف الله – عزَّ وجلَّ – خليلَه بأنَّه أُمَّة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120].

 

والأُمَّة: هو الرجل الجامع لخِصال الخير[7]؛ حيث كان عنده – عليه السلام – من الخير ما كان عند أُمَّةٍ، وهي الجماعة الكثيرة من الناس؛ وذلك لحِيازته – عليه السلام – من الفضائل البشريَّة ما لا تكاد توجَد إلاَّ متفرِّقة في أمَّة جمَّة، فهو – عليه السلام – أُمَّة في دعوته إلى الله، أُمَّة في الصبر والاحتمال وفي لِين الجانب، وسَعة الصدْر، أُمَّة في الثبات على الحقِّ ومُحاربة الباطل، أُمَّة في إقامة الحُجَّة، وحضور البديهة، وجمال الأسلوب، وسرعة الخاطر، أُمَّة في التواضُع والكرَم والتوكُّل على الله…، إلى غير ذلك[8].

 

أمَّا القانت: فهو الخاشع المُطيع لله ورسوله[9].

 

ووصَف الله – عزَّ وجلَّ – إبراهيم – عليه السلام – بأنه كان “حنيفًا”، والحنيف: هو المائل عن الشِّرْك قصدًا، تاركًا له عن بصيرةٍ، ومُقبل على الحقِّ بكُليَّته، لا يصدُّه عنه صادٌّ، ولا يردُّه عنه رادٌّ[10]، وذلك في سياق رَدِّه على اليهود والنصارى في مُحاجَّتهم في إبراهيم الخليل – عليه السلام – ودعوى كلِّ طائفة منهم أنَّه كان منهم؛ حيث ادَّعى اليهود أنَّه كان يهوديًّا، وادَّعى النصارى أنه كان نصرانيًّا، فردَّ الله – عزَّ وجلَّ – عليهم بقوله: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67][11].

 

ووصَفَ الله خليلَه بأنَّه كان من الموحِّدين لله – عزَّ وجلَّ – ولَم يكن من المشركين في أمْرٍ من أمور دينهم، وذلك ردًّا على المشركين الذين ينتحلون مِلَّته، وذلك بقولهم: نحنُ على مِلَّة أبينا إبراهيم، فردَّ عليهم بقوله: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120].

 

ووصَفه الله بأنه كان من الشاكرين لنِعَم الله تعالى عليه قولاً وعملاً؛ كما قال تعالى: ﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ﴾ [النحل: 121].

 

فكان – عليه السلام – كما امْتدَحه الله – عزَّ وجلَّ – بقوله تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النجم: 37].

 

قال كثيرٌ من علماء السلف: أي قام بجميع ما أُمِر به، وفي كلِّ مقام من مقامات العبادة، فكان لا يَشغله أمرٌ جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير[12].

 

– كما تفضَّلَ الله – عزَّ وجلَّ – على إبراهيم – عليه السلام – بالنبوَّة والرسالة، وهدايته إلى الصراط المستقيم، وهو عبادة الله وحْده للشريك له؛ كما قال تعالى: ﴿ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل: 121].

 

كما امتنَّ الله – عزَّ وجلَّ – على خليله إبراهيم – عليه السلام – بالثناء الحَسَن عليه في الدنيا، وذلك بأنْ حبَّبه إلى جميع الأُمم؛ كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ [النحل: 122]؛ ولذا نجد أصحاب الدِّيانات السماوية يُثنون عليه، ويدَّعون أنهم من أتْباعه؛ وذلك استجابة لدُعائه – عليه السلام -: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84]، وكذلك الصلاة والسلام عليه مقرونةٌ بالصلاة والسلام على محمدٍ – عليه السلام – في التشهُّد الأخير؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ *سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الصافات: 108- 109].

 

ثم زادَ الله – عزَّ وجلَّ – خليله – عليه السلام – فوق هذا التكريم الدنيوي بالتكريم الأُخروي، وهو أنه – عليه السلام – يكون في الآخرة مع تَعداد الصالحين من عباد الله في أعلى درجات الجنة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النحل: 122]، وذلك استجابةً لدعاء الخليل – عليه السلام – كما قال تعالى على لسان خليله – عليه السلام -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [الشعراء: 83].

 

وبعدَ هذا الثناء العاطِر من الله – عزَّ وجلَّ – والفضائل التي شرَّف الله بها إبراهيم – عليه السلام – زادَ في تشريفه وتكريمه له؛ حيث أمَر الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – باتِّباع مِلَّة إبراهيم؛ أي: اتِّباع دِينه، وهو التوحيد وأصول الدين، مثل: المبدأ والمعاد، والحَشْر والجزاء، وغير ذلك من أصول الدِّين؛ قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 123].

 

كما أمَر الله – عزَّ وجلَّ – المسلمين باتِّباع دين إبراهيم – عليه السلام – قال تعالى: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 95].

 

كما أثْنَى الله – عزَّ وجلَّ – على من اتَّبع مِلَّة الخليل – عليه السلام – ورغَّب الناس في اتِّباعها والسَّيْر على هَدْيها؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125].

 

هذا كما ورَد في السُّنة النبويَّة المطهَّرة، ما يُشير إلى ما اختصَّ الله – عزَّ وجلَّ – به إبراهيم – عليه السلام – بخصائصَ لَم ينَلْها غيره من الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – مثل كونه – عليه السلام – خيرَ البريَّة؛ كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: يا خير البريَّة، فقال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – : ((ذاك إبراهيم – عليه السلام))[13].

 

كذلك اقترَان اسم الخليل – عليه السلام – باسم الرسول محمدٍ – صلَّى الله عليه وسلَّم – في التشهُّد الأخير من جميع الصلوات؛ فقد أخرَج البخاري في صحيحه عن أبي حميد الساعدي – رضي الله عنه – أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلِّي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذُريَّته، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارِك على محمدٍ وأزواجه وذُريَّته، كما بارَكْت على آل إبراهيم؛ إنَّك حميد مَجيدٌ))[14].

 

كذلك من مظاهر تكريم الله – عزَّ وجلَّ – لإبراهيم – عليه السلام – أنه أوَّل مَن يُكْسَى يوم القيامة؛ كما أخرَج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((إنكم محشورون حُفاة عُراة غُرلاً، ثم قرأ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104]، وأوَّل مَن يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم…))[15].

 

تلك هي شخصيَّة إبراهيم – عليه السلام – في القُرآن الكريم والسنَّة المطهَّرة، إلاَّ أنَّ تلك الصورة الوضيئة المضيئة النقيَّة الطاهرة التي رسَمها لنا القرآن الكريم والسنة النبويَّة، وردَت في توراة اليهود المكتوبة بأيديهم مخالفةً كل المخالفة عمَّا جاء في القرآن الكريم والسنة المطهَّرة؛ حيث سلَك كاتبو اليهود في ذلك مسلكين:

المسلك الأول: مسلك الكِتمان، وهو إغفال بعض الجوانب المهمَّة في سيرة إبراهيم – عليه السلام – مثل: اصطفاء الله – عزَّ وجلَّ – له بالنبوَّة والرسالة، ودعْوته – عليه السلام – إلى توحيد الله – عزَّ وجلَّ – وهِجراته – عليه السلام – في سبيل نشْر العقيدة الصحيحة، وقصة بناء إبراهيم – عليه السلام – للبيت الحرام، وغير ذلك من الأمور المهمَّة في سيرته – عليه السلام – وقصْر الحديث على ذِكر حياة إبراهيم – عليه السلام – الخاصَّة، مثل: الحديث عن اسمه، ونسبه، ورَحلاته، وأزواجه…، ثم وفاته.

 

المسلك الثاني: مسلك التحريف؛ حيث صورَّت إبراهيم – عليه السلام – في صورة مشوَّهة ومحرَّفة؛ حيث نسَبت إلى مقام الخليل – عليه السلام – الكذب والدِّياثة، والجُبن والمتاجرة بعِرض زوجته، والحصول على المال بطريقٍ غير شرعي، وغير ذلك من الاتِّهامات الكاذبة التي سيأتي ذكرُها بالتفصيل خلال هذه الرسالة؛ لذا كان اختياري هذا الموضوعَ “إبراهيم – عليه السلام – في أسفار اليهود: عرض ونقْد” لدوافعَ وأسباب نُجملها فيما يلي:

1- بيان الجوانب المضيئة في حياة إبراهيم – عليه السلام – والتي أغفَلَها اليهود في أسفارهم، مثل: اصطفاء الله – عزَّ وجلَّ – لإبراهيم – عليه السلام – ودعوته – عليه السلام – لأبيه وقوْمه للتوحيد، وهِجراته – عليه السلام – في سبيل تبليغ دعوة الله – عزَّ وجلَّ – وغير ذلك.

 

2- دحْض المطاعن والأكاذيب التي نسَبَها اليهود زورًا وبُهتانًا إلى مقام الخليل – عليه السلام – في أسفارهم – وهو منها بَراءٌ – وذلك ببيان زَيْف وبُطلان تلك المطاعن والأكاذيب المنسوبة إلى مقام إبراهيم – عليه السلام.

 

وذلك لأهميَّة هذا الموضوع:

1- لِما يتمتَّع به الخليل – عليه السلام – من مكانة عظيمة عند الله – عزَّ وجلَّ – حيث اختصَّه الله – عزَّ وجلَّ – بخصائصَ ومزايا فريدة من بين سائر الأنبياء والرُّسل – عليهم الصلاة والسلام.

 

2- لِما يتمتَّع به الخليل – عليه السلام – من منزلة رفيعة عند المسلمين؛ حيث يتشرَّف المسلمون بالانتساب إلى إبراهيم – عليه السلام – باعتبارهم ورثةَ الخليل – عليه السلام – في العقيدة الصحيحة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68].

 

كما أنَّ الخليل – عليه السلام – هو باني الكعبة المشرَّفة[16] قِبلة للمسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها، وهو – عليه السلام – أوَّل مَن أعطى المسلمين اسمَهم؛ كما قال تعالى: ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الحج: 78]، كما أنَّ إبراهيم – عليه السلام – هو القُدوة الحسنة للمؤمنين جميعًا؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾ [الممتحنة: 4]، وهو – عليه السلام – أبو العرب؛ قال تعالى: ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الحج: 78].

 

3- تسابُق جميع أهْل الأديان السماوية[17] والفِرَق[18] في شَرَف الانتساب إليه.

 

هذا، وقد اقتَضى موضوع هذا البحث أنْ يكون منهجي الذي سِرت عليه في هذه الدراسة على النحو التالي:

1- تتبَّعتُ نصوص أسفار اليهود التي تحدَّثت عن شخصيَّة إبراهيم – عليه السلام – وخُصوصًا في سفر التكوين الذي تناوَل جوانب عديدة من شخصيَّة الخليل – عليه السلام – فقُمت بعرْضها وتحليلها، وكذلك تتبَّعت النصوص التي تحدَّثت عن إسماعيل وإسحاق – عليهما السلام – ثم عرْضها وتحليلها.

 

2- التعقيب والنقْد على تلك النصوص التوراتيَّة، وعرْضها على آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وأقوال علماء السَّلَف ما كان ذلك ممكنًا.

 

3- إذا لَم أجدْ في نصوص أسفار اليهود ما يخدم بعض الجوانب في البحث – وذلك لإغفال كاتبي أسفار اليهود لتلك الجوانب – أستعين ببعض المصادر التاريخيَّة أو قَصص الأنبياء في هذا الصَّدد؛ كما هو الحال في الفصل الأوَّل عند الحديث عن عصر إبراهيم – عليه السلام – وكذلك الحال في الفصل الثاني عند الحديث عن حياة إبراهيم – عليه السلام – قبل البعثة.

 

4- عزوت الآيات الواردة في البحث إلى مواضعها في القُرآن الكريم بذِكر اسم السورة ورقْم الآية.

 

5- خرَّجت الأحاديث النبوية الواردة في البحث من مصادرها الأصليَّة.

 

6- خرَّجت الآثار الواردة في البحث عن الصحابة – رضوان الله عليهم – أو التابعين.

 

7- عزوتُ نصوص أسفار التوراة اليهودية الواردة في البحث إلى مواضعها في الأسفار بذِكر اسم السفر، ورقْم الإصحاح ورقْم الفقرة، وكانت النُّسخة التي اعتمدتُ عليها هي طبعة – جمعيات الكتاب المقدَّس المتحدة، عام 1966م.

 

أما عن أسفار التلمود، فلم أستطع الحصولَ على نسخة من نسخة؛ وذلك لسريَّة هذا الكتاب عند اليهود، كما أنني حاوَلْت الحصول على معلومات بخصوص إبراهيم – عليه السلام – عن طريق شبكة المعلومات (الإنترنت)، فلم أجد شيئًا في هذا الصدد؛ لذا اعتمدتُ على بعض المراجع النادرة الناقلة عن بعض المراجع الإنجليزيَّة نقلاً عن التلمود.

 

8- وثَّقت المعلومات بذِكر المراجع ومُؤلِّفيها.

 

9- ترجمتُ للأعلام الذين اقتضَت الضرورة ترجمةَ أسمائهم.

 

10- عرَّفت بالكلمات الغريبة الواردة في صُلبِ البحث.

 

11- عرَّفت بالبلدان والأماكن، والفِرَق والقبائل التي ذكرتُها في البحث.

 

دراسات سابقة في الموضوع:

ولقد وقَفت على بعض الدراسات العلميَّة التي تحدَّثت عن شخصيَّة إبراهيم الخليل – عليه السلام – وحصَل بها أصحابها على درجة الماجستير أو درجة الدكتوراه، منها ما تمكَّنت من الاطلاع عليه، ومنها ما لَم أتمكَّن من الاطِّلاع عليه.

 

فمما تمكَّنت من الاطلاع عليه ما يلي:

1- الخليل إبراهيم – عليه السلام – في الكتاب والسنة، ودعوته وهجراته ورَدُّ شُبَه المستشرقين، إعداد الباحث عبدالله علي محمد أبي سيف، نال بها درجة الماجستير من جامعة الملك عبدالعزيز – فرع مكة المكرمة – قسم الدراسات العليا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، عام 1397 هـ – 1977م.

 

2- تأمُّلات في ضوء سورة سيدنا إبراهيم – عليه السلام – إعداد الباحث: محمد عبدالعظيم أبي العينين سعد، نال بها درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر كلية أصول الدين، قسم التفسير وعلوم القرآن، عام 1398 هـ – 1979م.

 

3- قصة إبراهيم – عليه السلام – ووجهة تعدُّدها في القُرآن الكريم؛ إعداد الباحث: عبدالمنعم ممدوح رماح، نال بها درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر، كلية أصول الدين، قسم التفسير وعلوم القرآن[19].

 

4- إبراهيم – عليه السلام – ودعوته في القرآن الكريم؛ إعداد الباحث: أحمد البراء الأميري، نال بها درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، كلية الدعوة والإعلام، قسم الدعوة والاحتساب عام 1403هـ[20].

 

وما لَم أتمكَّن من الاطِّلاع عليه:

منهج إبراهيم – عليه السلام – في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء القرآن الكريم؛ إعداد الباحث: محمد بن حسن الدريعي، نال بها درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، كلية أصول الدين، قسم القرآن وعلومه عام 1404هـ.

 

وأغلب هذه الأبحاث تحدَّثت عن شخصيَّة إبراهيم الخليل – عليه السلام – من خلال ما ورَد عنه في الكتاب والسنة، ولَم تتحدَّث عن شخصيَّة الخليل – عليه السلام – من خلال ما ورَد عنه في أسفار اليهود، باستثناء ما ألْمَحتْ إليه رسالة واحدة عن بعض الجوانب التي تتعلَّق بشخصيَّة إبراهيم – عليه السلام – من خلال ما ورَد في السفر الأوَّل من أسفار العهد القديم وهو سفر التكوين، مثل: رسالة الباحث عبدالمنعم ممدوح رماح، والتي كانتْ عن قصة إبراهيم – عليه السلام – ووجهة تعدُّدها في القرآن الكريم.

 

هذا كما وقَفت على بعض الرسائل الجامعيَّة، والتي تتعلَّق بموضوع الرسالة، وهو كالتالي:

1- التراث الإسرائيلي في العهد القديم وموقف القرآن منه[21]؛ إعداد الباحث: صابر عبدالرحمن طعيمة، نال بها درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر، كلية الدعوة وأصول الدين، قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، عام 1398هـ.

 

2- بنو إسرائيل وموقفهم من الذات الإلهيَّة والأنبياء؛ إعداد الباحث: عبدالشكور محمد العروسي، نال بها درجة الدكتوراه من جامعة أم القُرى، الدراسات العليا الشرعيَّة، فرع العقيدة، عام 1402هـ – 1982م.

 

3- الأسفار الخمسة في العهد القديم، دراسة موضوعيَّة ونقدية؛ إعداد الباحث محمد كمال الشاذلي، نال بها درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر، كلية أصول الدين القاهرة، قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، عام 1414هـ – 1993م.

 

4- إسماعيل وإسحاق – عليهما السلام – بين القرآن الكريم والعهد القديم؛ إعداد الباحثة أمل محمد العرفج، نالت بها درجة دكتوراه الفلسفة في الدراسات الإسلامية، تخصُّص تفسير وعلوم قرآن، عام 1416هـ – 1417هـ.

 

5- جهود الإمامين ابن تيميَّة وابن قَيِّم الجوزيِّة في دحْض مُفتريات اليهود[22]؛ إعداد الباحثة سميرة عبدالله بناني، نالتْ بها درجة الماجستير من جامعة أم القرى، فرع العقيدة، عام 1418هـ – 1997م.

 

خُطة البحث:

اقتضتْ طبيعة البحث تقسيمه إلى مقدمة وتمهيد، وستة فصول وخاتمة، وفهارس عامَّة.

 

أما المقدِّمة، فتشتمل على:

1- مكانة إبراهيم – عليه السلام – بين الأنبياء – عليهم السلام.

2- أسباب اختياري موضوعَ البحث.

3- بيان بأهميَّة موضوع البحث.

4- الدراسات السابقة حول الموضوع.

5- منهجي في البحث.

6- بيان بخُطة البحث.

 

أما التمهيد فيحتوي على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: التعريف بشخصيَّة الخليل إبراهيم – عليه السلام.

المبحث الثاني: التعريف بالأسفار اليهوديَّة.

المبحث الثالث: التعريف باليهود.

 

أما الفصل الأول، فيتناول عصر إبراهيم – عليه السلام – وتحته مبحثان:

المبحث الأول: الجانب الديني.

المبحث الثاني: الجانب الاجتماعي.

 

أمَّا الفصل الثاني، فيتناول التعريف بإبراهيم – عليه لسلام – وتحته مبحثان:

المبحث الأول: أصوله.

المبحث الثاني: حياته قبل البعثة.

 

أما الفصل الثالث، فيتناول هِجرات إبراهيم – عليه السلام – في أسفار اليهود، وتحته أربعة مباحث:

المبحث الأول: هجرته إلى كنعان.

المبحث الثاني: هجرته إلى مصر.

المبحث الثالث: هجرته إلى جرار.

المبحث الرابع: هجرته إلى أرض الحجاز.

 

أمَّا الفصل الرابع، فيتناول دعوة إبراهيم – عليه السلام – وتحته مبحثان:

المبحث الأول: حديث الأسفار عن دعوته.

المبحث الثاني: تعقيب: دعوته في الكتاب والسُّنة.

 

أما الفصل الخامس، فيتناول أبناء إبراهيم – عليه السلام – وتحته ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: إسماعيل – عليه السلام.

المبحث الثاني: إسحاق – عليه السلام.

المبحث الثالث: الذبيح والفداء.

 

أمَّا الفصل السادس، فيتناول وعود الله لإبراهيم – عليه السلام – في الأسفار اليهودية، وتحته ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: الوعد بالأرض.

المبحث الثاني: الوعد بتكثير النَّسل.

المبحث الثالث: الوعد بتبارُك الأُمَّة.

 

أمَّا الخاتمة فتشتمل على أهمِّ النتائج التي توصَّلت إليها من خلال هذا البحث، ثم ذيَّلتُ البحث بفهارس عامَّة؛ لعلَّها تُيسِّر على القارئ الاهتداءَ إلى مطالب البحث، وهو على النحو التالي:

1- فهرس الآيات القرآنيَّة.

2- فهرس الأحاديث.

3- فهرس الآثار.

4- فهرس الأعلام المترجَم لهم.

5- فهرس البُلدان والأماكن.

6- فهرس الكلمات الغريبة.

7- فهرس الفِرَق والقبائل.

8- فهرس المصادر والمراجع.

9- فهرس الموضوعات.

 

الخاتمة:

الحمد لله فاتحة كلِّ خير، وخاتمة كلِّ نعمة، أحمَدُه وأشكُره – عزَّ وجلَّ – على ما مَنَّ به عليَّ من العون والتوفيق في إتمام هذا البحث، والذي هو بعنوان “إبراهيم – عليه السلام – في أسفار اليهود”، وقد توصَّلت إلى أهمِّ النتائج، والتي استخلصتُها من خلال هذا البحث، وهي كما يلي:

1- يَنسب اليهود في أسفارهم إلى إبراهيم – عليه السلام – صفات قبيحة وأعمالاً دنيئة، مثل: الكذب – الجُبن – الدياثة – والمتاجرة بعِرْض زوجته – والزواج بأُخته… إلخ، وهذا يتنافى مع عصمة الخليل – عليه السلام – بل ومُخالف كل المخالفة مع ما وصَفه الله – عزَّ وجلَّ – به في القرآن الكريم من صفات حميدة، وأخلاق كريمة، وفضائل عظيمة، ورِفعة وقوَّة في الدِّين؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120].

 

2- أغفَلت أسفار اليهود الجوانب الإيمانيَّة في قصة إبراهيم – عليه السلام – حيث لَم تتحدَّث عن اصطفاء الله – عزَّ وجلَّ – لإبراهيم – عليه السلام – بالنبوَّة، ولا أنَّه صاحب رسالة سماويَّة، ولا عن دعوة إبراهيم – عليه السلام – لأبيه وقوْمه إلى عقيدة التوحيد الصحيحة، ولا عن دعوة إبراهيم – عليه السلام – للناس إلى الحجِّ، كما لَم تتحدَّث أسفار اليهود عن هِجرات إبراهيم – عليه السلام – الإيمانيَّة في سبيل نشْر عقيدة التوحيد الصحيحة، ومن أهمها هجرته المباركة لبناء البيت الحرام، وهذه أمور تحدَّث عنها القرآن الكريم والسُّنة النبويَّة المطهَّرة.

 

3- أغفلَتْ أسفار اليهود الحديث عن عقيدة إبراهيم – عليه السلام – التي من أصولها التوحيد، والبعث، واليوم الآخر؛ ممَّا يدلُّ دَلالة قاطعة على بُطلان ما يدَّعيه اليهود في وراثتهم لدين الخليل – عليه السلام – ودين أبنائه؛ إذ لو كانوا كذلك، لَمَا أغفلوا وخالفوا ما جاء به إبراهيم – عليه السلام – من عقيدة التوحيد، وإثبات البعث، واليوم الآخر، والحج إلى بيت الله الحرام البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل – عليهما الصلاة والسلام – وقد أبطَلَ الله – عزَّ وجلَّ – مزاعمَ اليهود في وراثة في دين إبراهيم – عليه السلام – في مواضع متعدِّدة من كتابه العزيز؛ قال تعالى: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 140].

 

وقال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [آل عمران: 65]، وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67].

 

كما أبطَل الله – عزَّ وجلَّ – مزاعمَ اليهود والنصارى في ادِّعائهم أنَّ إبراهيم – عليه السلام – وأبنائه كانوا على اليهوديَّة فيما انتهَتْ إليه يهوديَّة اليهود، وعلى النصرانيَّة فيما انتهَتْ إليه نصرانيَّة النصارى؛ قال تعالى: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 133].

 

ثم بيَّن الله – عزَّ وجلَّ – أنَّ أَوْلَى الناس بوراثة دين إبراهيم – عليه السلام – هم المؤمنون من أمَّة محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68].

 

4- تُصوِّر أسفار اليهود إبراهيم – عليه السلام – بأنَّه كان رجلاً ماديًّا، وأنَّ جُلَّ اهتمامه كان مُنصبًّا على تحصيل أكبر قدْر من الملذَّات الدنيويَّة، مثل: الحِرص على الطعام والشراب؛ كما جاء في التلمود: “إنَّ إبراهيم الخليل كان غذاؤه مقدار غذاء 74 شخصًا، وشُربه بقدر شُربهم؛ ولذلك كانت قوَّته هو 74 شخصًا”[23]، ومثل الاهتمام بكثرة النَّسل، وتحصيل الأموال والثروة من امتلاك الأراضي والمواشي إلى غير ذلك من الملذات الدنيويَّة، والتي هي نزعةٌ من النزعات اليهوديَّة، ويُلصقها اليهود بأبي الأنبياء إبراهيم – عليه السلام – زورًا وبُهتانًا.

 

5- تُشير أسفار اليهود إلى أنَّ الصِّلة التي تربط بين إبراهيم – عليه السلام – وربِّه قائمة على العلاقة الدنيوية من الوعود الإلهيَّة بتوريث إبراهيم ونَسْله الأرضَ، وتكثير نَسْله، مثل: نجوم السماء وتُراب الأرض، مقابل أنْ يكون إبراهيم كاملاً في الأخلاق الإنسانيَّة، وأنْ يقوم بختان ذُريَّته وأهْل بيته الذي هو علامة على العهد الذي بين الله وبين إبراهيم؛ كما تزعم أسفار اليهود[24].

 

وهذا مُخالفٌ لِمَا جاء في القرآن الكريم في بَيان أنَّ العلاقة التي تربط بين الله – عزَّ وجلَّ – وبين إبراهيم – عليه السلام – هي علاقة الخالق بالمخلوق من الطاعة والانقياد؛ حيث أمَر الله خليله – عليه السلام – بالإخلاص له والاستسلام والانقياد؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 131]، فأجاب – عليه السلام – إلى ذلك[25]؛ ممَّا يترتَّب على ذلك السعادة في الدنيا والنعيم في الآخِرة الذي هو أعلى من كلِّ نعيم دنيوي.

 

6- تناقُض وتضارُب أسفار اليهود تُجاه شخصيَّة الخليل – عليه السلام – فتارة تنسب إلى إبراهيم – عليه السلام – أقذَع الصفات وأخسَّ الأعمال، وتارة أخرى تصفُ الخليل – عليه السلام – بصفات حسنة، مثل: الكرَم[26]، وضيافة الغُرباء[27]، والإخلاص، والوفاء، والأمانة، والحُنو، والرِّقة، والعاطفة[28]، والشجاعة[29]، وأنَّه خليلُ الله[30]؛ مما يُشير ذلك التناقض والتضارُب إلى بشريَّة أسفار اليهود.

 

7- ثُبوت التناقض والتضارُب في بعض النصوص التوراتيَّة التي تحدَّثت عن قصة إبراهيم – عليه السلام – مع بعض الآيات القرآنيَّة والأحاديث الشريفة، ويتَّضح ذلك في المواضع التالية:

أ- ورَد في توراة اليهود أنَّ اسم والد إبراهيم – عليه السلام – تارح، وهذا مُخالف لِمَا جاء في القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهَّرة في أنَّ اسم والد إبراهيم – عليه السلام – هو آزر.

 

ب- ورَد في توراة اليهود أنَّ رحلة إبراهيم – عليه السلام – كانت من أرْضه إلى أرض “حاران” تحت قيادة “تارح” والد إبراهيم – عليه السلام – وهذا مُخالف لِمَا جاء في القرآن الكريم من أنَّ هجرة إبراهيم – عليه السلام – من أرْضه إلى الأرض المباركة أرض الشام – كانت بقيادة إبراهيم – عليه السلام – وذلك تنفيذًا لأمْر الله – عزَّ وجلَّ – بالهجرة.

 

ج- ما ورَد في توراة اليهود بخصوص ما حدَث لإبراهيم – عليه السلام – وزوجته سارة على أرض مصر، يتعارَض مع ما جاء في السُّنة النبويَّة المطهَّرة بخصوص تلك الحادثة.

 

د- ما ورَد في توراة اليهود بخصوص قصة الثلاثة نفرٍ من الملائكة الذين نزَلوا ضيوفًا على إبراهيم – عليه السلام – واستضافة إبراهيم – عليه السلام – لهم، تتعارَض مع ما جاء في للقرآن الكريم بخصوص تلك القصة.

 

هـ – ما ورَد في توراة اليهود بخصوص قصة البشارة لإبراهيم – عليه السلام – بابنه إسحاق – عليه السلام – تتعارَض مع ما جاء في القرآن الكريم من قصة البشارة بإسحاق – عليه السلام.

 

و- ورَد في توراة اليهود أنَّ سببَ خروج إبراهيم – عليه السلام – بزوجته “هاجر” وابنه إسماعيل – عليه السلام – إلى مكة المكرمة، كان تنفيذًا لأمْر سارة لإبراهيم بالطرْد لهاجر وابنها إسماعيل – عليه السلام – وهذا مُخالفٌ لِمَا جاء في القرآن الكريم والسُّنة النبويَّة المطهَّرة في أنَّ سبب هجرة إبراهيم – عليه السلام – بزوجته هاجر وابنه إسماعيل – عليه السلام – كان تنفيذًا لأمر الله – عزَّ وجلَّ – بالهجرة، وذلك لحِكَم جليلة يعلمها الله – عزَّ وجلَّ.

 

ز- ورَد في توراة اليهود أنَّ الله – عزَّ وجلَّ – أمَر إبراهيم – عليه السلام – بذبح عجلة وعنزة عُمرها ثلاث سنوات، وكبشًا عُمره ثلاث سنوات، ويمامة وحمامة، وذلك علامة على العهد الذي بين الله – عزَّ وجلَّ – وبين إبراهيم – عليه السلام – على امتلاك أرض كنعان، وهذا مخالفٌ لِما جاء في القرآن الكريم في أمر الله – عزَّ وجلَّ – لإبراهيم – عليه السلام – بذبح وتقطيع أربعة من الطيور، وخلْط أجزائهنَّ ببعض، وجعْل على كلِّ جبل منهنَّ جزءًا، ثم أمْر الله – عزَّ وجلَّ – لإبراهيم – عليه السلام – أن يدعو تلك الطيور، فدعاهنَّ، فالْتَأَمَت أجزاءُ كلِّ طيرٍ من تلك الطيور الثلاثة بقُدرة الله – عزَّ وجلَّ – وذلك بهدف زيادة إيمان إبراهيم – عليه السلام – في البعث؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾[البقرة: 260].

 

ح- ورَد في توراة اليهود أنَّ إسماعيل – عليه السلام – تزوَّج من امرأة مصريَّة، وهذا مُخالف لِمَا جاء في السنة النبويَّة المطهَّرة من أنَّ إسماعيل – عليه السلام – تزوَّج بامرأتين، وكلتاهما من قبيلة جُرْهم العربيَّة.

 

ط- ما ورَد في توراة اليهود بخصوص قصة الذبيح من ولَدي إبراهيم – عليه السلام – مُخالف كل المخالفة للقصة الواردة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين َ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين َ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الصافات: 102 – 110].

 

8- أغفَلَت أسفارُ اليهود الحديثَ عن اصطفاء الله – عزَّ وجلَّ – لإسماعيل وإسحاق – عليهما السلام – بالنبوَّة والرسالة، واقتصَرت على ذِكْر الجوانب الشخصيَّة من حياتهما، بل وألْصَقَت بهما العديد من الصفات الكاذبة والتُّهَم الباطلة، وهذا أمرٌ يتنافى تنافيًا تامًّا مع عصمتهما – عليهما السلام – ومع ما جاء في القرآن الكريم في حقِّهما من صفات حميدة وأخلاق عظيمة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴾ [مريم: 54]، وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾ [ص: 45 – 47].

 

9- لَم يقتصر تحريف اليهود لسِيرة الخليل – عليه السلام – على ما جاء في أسفارهم، بل قد سرى هذا التحريف إلى بعض القَصص الواردة في بعض كُتب المؤرِّخين والمفسِّرين، وذلك في المواضع التالية:

أ- ما ذكَره بعض المؤرِّخين[31] في نسب الخليل – عليه السلام – نقلاً عمَّا جاء في توراة اليهود، وهو أمرٌ لا نستطيع الجزمَ به، بل نتوقَّف على ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهَّرة في نسبه – عليه السلام – وهو إبراهيم بن آزر.

 

ب- ما ذكَرَه بعض المؤرِّخين والمفسِّرين[32] من رواياتٍ خارقة تتحدَّث عن ولادة وطفولة ونشأة الخليل – عليه السلام – وهذه روايات إسرائيليَّة، دُسِّت في بعض كُتب المؤرِّخين والمفسِّرين.

 

ج- ما ورد في بعض كُتب المفسِّرين[33] من أنَّ المراد بالرُّشد الذي أعطاه الله – عزَّ وجلَّ – لإبراهيم – عليه السلام – في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 51]، هو النبوَّة قبل البلوغ، والصحيح أنَّ المراد بالرُّشد هو الحقُّ والحُجَّة على قومه، (مِن قبل)؛ أي: من صِغره[34].

 

د- ما ذهب إليه بعضُ المفسِّرين من أنَّ الخليل – عليه السلام – حينما نظَر في الكواكب، وقال: هذا ربي، كان ذلك من باب الاعتقاد بربوبيَّة الكواكب[35]، وهذا من الإسرائيليَّات التي دُسَّتْ في كُتب التفسير، والصحيح أنَّ إبراهيم – عليه السلام – حينما نظَر في الكواكب وقال: هذا ربي، كان ذلك من قبيل الاستدراج لقوْمه؛ حتى يُقيم الحُجَّة عليهم بفساد ربوبيَّة الكواكب[36].

 

هـ – ما ذهَب إليه بعض المفسرين[37] من أنَّ الذبيح من ولَدي إبراهيم – عليه السلام – هو إسحاق – عليه السلام – متأثرين بما دُسَّ من إسرائيليَّات في كُتب التفسير عن مُسلِمة أهل الكتاب، مثل: كعب الأحبار وغيره، والصحيح أنَّ الذبيح هو إسماعيل – عليه السلام – وهو الموافق لِما جاء في القرآن الكريم.

 

ز- ما ذكَره بعض المفسرين في تفاسيرهم في سبب اتِّخاذ الله – عزَّ وجلَّ – إبراهيم – عليه السلام – خليلاً؛ حيث ذكروا روايات متعددة، من ذلك ما ذكَره ابن كثير عن عبيد بن عمير قال: كان إبراهيم – عليه السلام – يُضيِّف الناس، فخرَج يومًا يلتمس أحدًا يضيِّفه، فلم يَجد أحدًا يُضيِّفه، فرجَع إلى داره، فوجَد فيها رجلاً قائمًا، فقال: يا عبدالله، ما أدخلك في داري بغير إذني؟ قال: دخلتُها بإذن ربِّها، قال ومَن أنت؟ قال أنا مَلَكُ الموت، أرْسَلني ربي إلى عبد من عباده أُبَشِّره بأنَّ الله قد اتَّخذه خليلاً، قال: مَن هو؟ فوالله إن أخبرتني به، ثم كان بأقصى البلاد لآتينَّه، ثم لا أبرح له جارًا؛ حتى يُفرِّق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت، قال: أنا! قال: نعم، قال: فيِمَ اتَّخذني ربي خليلاً؟ قال: إنَّك تُعطي الناس ولا تسألهم[38]، وهذه الرواية وغير ها من الروايات[39] هي من الإسرائيليَّات، والصحيح أنَّ الله سمَّى إبراهيم خليلَ الله؛ لشدَّة محبَّته لربِّه – عزَّ وجلَّ – لِمَا قام به من الطاعة التي يحبُّها ويرضاها[40]؛ وذلك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النجم: 37].

 

أما التوصيات والمقترحات:

من خلال البحث والاطِّلاع على سيرة الخليل إبراهيم – عليه السلام – وسيرة ولَدَيه النبيَّيْن الكريمين إسماعيل وإسحاق – عليهما السلام – وذلك من خلال أسفار اليهود، وقفتُ على بعض النصوص التي تحدَّثت عن شخصيَّة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق – عليهم الصلاة والسلام – وذلك من خِلال ما يُسمَّى عند النصارى بـ(العهد الجديد)، وفي تلك النصوص قدْحٌ لنبوَّتهم ولمقامهم الشريف.

 

لذا أقترَح التسجيل في موضوعٍ يتناول دراسة شخصيَّة إبراهيم وإسماعيل إسحاق – عليهم السلام – من خِلال نصوص أسفار العهد الجديد، وعرْضها على نصوص الكتاب والسنَّة؛ وذلك لدحْض أباطيل ومُفتريات النصارى في هذا الصَّدد.

 

وفي الختام: أسال الله الكريم ربَّ العرش العظيم، أن يحفظَ للأنبياء والمرسلين، وللعلماء المسلمين، وللأئمَّة المتَّقين سِيرتهم العَطِرة من أنْ يَنالها عبثُ العابئين، وحِقد الحاقدين من أعداء الإسلام، وأنْ يحفظ أمَّتنا الإسلامية من كيْد أعدائها من اليهود والنصارى، ومَن على شاكِلتهم، وأنْ يردَّ كيدَهم إلى نحورهم، وأن يجعلَ تدبيرَهم تدميرًا عليهم؛ إنه سميع قريب مُجيب.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارَك على محمدٍ وعلى آله وصحْبه أجمعين، ومَن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

 


[1] ابن كثير، أبو الفداء الحافظ الدمشقي؛ تفسير القرآن العظيم، ط.د، خرَّج أحاديثه: حسين بن إبراهيم زهران، مراجعة وتدقيق: سعيد محمد اللحام، (بيروت: دار الفكر، عام 1414هـ – 1994م)، مج 1، ص 691.

[2] الخُلَّة: بالضم، قيل: هي الصداقة والمحبَّة التي تَخَلَّلت القلبَ، فصارت خِلاله، وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حبِّ الله تعالى، وأمَّا إطلاقه في حقِّ الله تعالى، فعلى سبيل المقابلة، وقيل: الخُلَّة أصلها الاستصفاء، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يُوالي ويُعادي في الله تعالى، وخُلَّة الله له نَصْرُه وجعْلُه إمامًا، وقيل: هو مشتق من الخَلَّة بفتح المعجمة وهي الحاجة، سمِّي بذلك؛ لانقطاعه إلى ربِّه وقصْره حاجتَه عليه؛ انظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري بشرْح صحيح البخاري، الطبعة الثانية، قام بشرْحه وتصحيحه وتحقيقه: مُحب الدين الخطيب، رقَّم كُتبَه وأبوابه وأحاديثَه محمد فؤاد عبدالباقي، راجعَه قُصي محب الدين الخطيب، (القاهرة: دار الرَّيان للتراث، عام 1409هـ – 1988)، ج6، ص 448.

[3] كما رُوِي من طريق عبدالله بن شدَّاد أحد كبار التابعين، قال: قال رجل: يا رسول الله، الأوَّاه؟ قال: ((الخاشع المتضرِّع في الدعاء))؛ انظر: فتح الباري بشرْح صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125]، ج6، ص448.

[4] انظر: القرطبي، أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري؛ الجامع لأحكام القرآن، ط.د (بيروت: دار الكتب العلمية)، مج 4، ج 8، ص 175.

[5] المصدر السابق، مج5، ج9، ص49.

[6] ابن القَيِّم، شمس الدين أبو عبدالله محمد؛ التفسير القيم، ط.د جمعة محمد أويس الندوي؛ تحقيق: محمد حامد الفقي، (بيروت: دار العلوم الحديثة)، ص 394.

[7] القرطبي؛ الجامع لأحكام القرآن، مج 5، ج 10، ص 130.

[8] هشام فهمي العارف؛ سيرة إبراهيم الخليل في القرآن المجيد والأحاديث الصحيحة، الطبعة الأولى، (بيروت: دار البشائر الإسلامية، عام 1417 هـ – 1996م)، ص 31؛ نقلاً عن كتاب: دعوة الرسول إلى الله؛ محمد أحمد العدوي، ص 48.

[9] انظر: ابن كثير؛ تفسير القرآن العظيم، مج 2، ص 719.

[10] المصدر السابق، مج 1، ص 691.

[11] راجع ابن كثير؛ تفسير القرآن العظيم، مج 1، ص 457.

[12] ابن كثير؛ تفسير القرآن العظيم، مج 1، ص 691.

[13] مسلم: أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري؛ صحيح مسلم، ط. د؛ تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، ج 4، ص 1839، رقم الحديث 2369.

[14] البخاري، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل؛ صحيح البخاري، الطبعة الأولى؛ مراجعة وضبْط وفهرسة: الشيخ محمد علي القطب، والشيخ هشام البخاري، (بيروت: المكتبة العصرية، عام 1417هـ – 1997م)، كتاب الدعوات، باب هل يُصَلى على غير النبي – صلى الله عليه وسلم، ج 4، ص 1999، رقم الحديث 6360.

[15] صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125]، ج 2، ص 1032- 1033، رقم الحديث 3349.

[16] انظر: سورة البقرة  آية 127.

[17] يقول المسلمون: إنَّ إبراهيم – عليه السلام – هو الجدُّ الأعلى لرسولهم محمد – صلى الله عليه وسلم – كما يدَّعي اليهود أنَّ إبراهيم – عليه السلام – جدُّهم الأوَّل؛ لأنه جَدُّ يعقوب – عليه السلام – كما يدَّعي المسيحيون أنَّ إبراهيم – عليه السلام – جدُّهم؛ لأنه جَدُّ المسيح.

[18] مثل فِرقة الصابئة؛ انظر: علي محمد عبدالوهاب؛ الصابئة، الطبعة الأولى، (الغورية: دار ركابي للنشر، عام 1416هـ – 1996م)، ص 47.

[19] ليس في بيانات النشرة سنة للحصول على الدرجة العلمية.

[20] طبعت الرسالة تحت هذا العنوان، الطبعة الأولى، (جدة: دار المنارة عام 1409هـ – 1986م)، الكتاب هو الذي اطَّلعت عليه، أمَّا أصل الرسالة، فلم أطَّلع عليها.

[21] طُبعت الرسالة تحت هذا العنوان، الطبعة الأولى، (عام 1399هـ – 1979م).

[22] طُبعت هذه الرسالة تحت هذا العنوان، الطبعة الأولى، عام 1418هـ – 1997م.

[23] الكَنز المرصود في قواعد التلمود، ص65.

[24] انظر: سفر التكوين، الإصحاح 17، من فقرة 1 – 14.

[25] انظر: تفسير ابن كثير، مج1، ص 231.

[26] انظر: سفر التكوين، الإصحاح 13، فقرة 9، سفر التكوين، الإصحاح 14، فقرة 23.

[27] سفر التكوين، الإصحاح 18، فقرة 2-8.

[28] انظر: سفر التكوين، الإصحاح 14، فقرة 14، 24، سفر التكوين، الإصحاح 18، فقرة 23 – 32، سفر التكوين، الإصحاح 23، فقرة 2.

[29] انظر: سفر التكوين، الإصحاح 14، من فقرة 14- 16.

[30] انظر: سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح 20، فقرة 7، وانظر: سفر إشعياء، الإصحاح 41، فقرة 8.

[31] انظر: تاريخ الطبري، ج1، ص 233، تاريخ ابن الأثير، ج1، ص53، تاريخ ابن كثير مج1، ص132، تاريخ ابن خلدون، مج1، ج1، ص33، قَصص الثعلبي، ص43.

[32] انظر: تاريخ الطبري، ج1، ص234 -237، تاريخ ابن الأثير، ج1، ص54 – 55، قَصص الثعلبي، ص43 -44، تفسير الطبري، ج7، ص248 – 249.

[33] انظر: تفسير الرازي، مج22، ص179.

[34] انظر: تفسير ابن كثير، مج3، ص222.

[35] انظر: تفسير الطبري، ج7، ص248.

[36] انظر: تفسير الرازي، مج7، ج13، ص39 – 41، وانظر: تفسير ابن كثير، مج2، ص 185 – 186.

[37] انظر: تفسير الطبري، ج23، ص48.

[38] انظر: تفسير ابن كثير، مج1، ص 692.

[39] انظر: تفسير الطبري، ج 6، ص 298.

[40] انظر: تفسير ابن كثير، مج 1، ص 691.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Library/0/39574/#ixzz2DQZqHMQp

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s