موقع جبل الطور وقصة موسى

موقع جبل الطور

الحديث الذي رواه أبو هريرة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي، مررت بموسى، وهو قائم يصلي في قبره، عند الكثيب الأحمر.

جبل الطور

نظرية مدين

قـادت فرضية وجود جبل الطـور في الجزء الشمالي الغربي من المملكة الكثير من الباحثين ومنهم النمساوي ألويس موسل Alois Musil والأميركي رونالد وايت Ronald Eldon Wyatt وغيرهما من المهتمين بالآثار لزيارة المنطقة في محاولة لإثبات نظرية وجوده في الجزء الشمالي الغربي من المملكة وتحديداً في أرض مدين، حيث قام النمساوي ألويس موسل بزيارة شمال الحجاز ومنطقة مدين عام 1910 كما قام الأميركي رونالد وايت بزيارة نفس المنطقة عام 1984.

يقول وايت إنه يعتقد بأن جبل “أبو العجل” بوادي اللوز هو جبل الطور، معتمداً في نظريته على نصوص وردت في العهد القديم والجديد، وكذلك الأبحاث التي قام بها في منطقة نويبع على خليج العقبة، وكذلك الآثار والنقوش التي وجدها بالقرب من جبل اللوز.

كما ذكر أستاذ الدراسات الشرقية بجامعة براغ إلويس موسل Alois Musil في كتابه “شمال الحجاز 1″ ما نصه ” لما فرّ بنو إسرائيل من مصر حاولوا أن ينجوا سريعاً من المنطقة التي يمتد إليها نفوذها السياسي، وكانت وجهتهم إلى منطقة تتوفر لهم فيها أسباب الأمن الذي ينشدونه كما يتوفر لهم فيها ما يحتاجون إليه من المطالب الضرورية من الطعام والمرعى (…) وقد كان موسى على علم بمنطقة تتوفر فيها جميع هذه الشروط، تلك هي أرض مدين التي كان قد لجأ إليها من قبل، والتي يقيم فيها حموه كاهن مدين؛ فيستطيع أن يلتمس في شخصه حامياً له ولقومه من بني إسرائيل، لذلك قاد موسى بني إسرائيل إلى أرض مدين مباشرة إلى جبل الرب”.

أما الباحث في مجال الآثار سرحان صبيح البلوي، فيرى أن تسلسل قصة سيدنا موسى عليه السلام يجعل من فرضية اختياره لمدين ملجأ لبني إسرائيل فرضية منطقية، كونه يعرف هذه المنطقة ويضمن الأمن فيها، لأنه عاش فيها من قبل أثناء خروجه الأول من مصر، كما أن أحداث قصة سيدنا موسى تؤكد أن موقع جبل الطور يقع بالقرب من منطقة “التيه” وهي ذاتها المنطقة التي مات فيها موسى عليه السلام، ويؤكد ذلك ما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي، مررت بموسى، وهو قائم يصلي في قبره، عند الكثيب الأحمر.

وكما هو معلوم، والحديث للبلوي، فإن طريق الإسراء المفترض من الحجاز إلى بيت المقدس لا يمر بمنطقة سيناء وهذا ما ينفي فرضية كون جبل الطور في منطقة سيناء، وأيضاً ما ورد في صحيح البخاري من رواية “ابن حيان” حول أن قبر موسى يقع في مدين بين المدينة والقدس.

وأضاف البلوي أن الأطروحات الغربية سواء لموسل أو وايت أو ريتشارد أو غيرهم تفتح لنا باب التساؤل والبحث ولسنا مجبرين على تبنيها، مع الاستفادة مما تأتي به من دلائل أو إشارات، داعياً الجامعات السعودية إلى تبني وتمويل رحلات بحث لمنطقة مدين والشمال الغربي من المملكة، وعدم الاكتفاء بما نشر من أبحاث أو تقارير قديمة.

نظرية فلسطين

من جهته، يقول أستاذ علم اللغة بجامعة النجاح الوطنية بنابلس في فلسطين الدكتور يحيى جبر: الطور في اللغات السامية تعني “الجبل”، وقد تُخص بالجبل الضخم الذي يكون فيه شجر، وطور نابلس مثال على ذلك، إذ تسكنه الطائفة السامرية إلى اليوم وتقدسه، ولهم فيه معابد ومواسم يمارسون فيها طقوسا خاصة، وهم يعتبرون أنفسهم أنهم هم اليهود حقا وليس اليهود الذين يحتلون فلسطين. وبالتالي؛ فإن شيوع اللفظ لدلالة عامة تقع على معنى الجبل الضخم، يسوّغ إطلاقه على غير جبل في شمال الجزيرة العربية (مدين، سيناء ، فلسطين) وغيرها.

ويضيف جبر: ما نرجحه هنا أن جبل الطور في فلسطين، والأرجح أنه جبل “جرزيم” الذي يقع إلى الجنوب من نابلس، يشهد بذلك ارتباط الطائفة السامرية به وتقديسه إلى اليوم. كما أن طور نابلس وطور القدس (طور سينين) يكثر فيهما الشجر قياسا بطور سيناء وطور مدين استنادا إلى الموقع الجغرافي.

ويضيف الدكتور جبر، أن جبل اللوز الذي يقع إلى الغرب من تبوك لا يمثل الدلالة اللغوية للمفردة “طور” وكذلك جبال حسمى وطور سيناء، كون هذه الجبال ليست مرتفعة ولا ضخمة قياسا بطور نابلس أو القدس، وإن نبت فيها الشجر.

كما أن في الحديث الشريف إشارة إلى أن الطور كان معروفاً لدى العرب إلى الشمال من المدينة المنورة، وأنه جبل “تذرع” لا جبل “اللوز” ولا “العلندى” فقد لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وقد جاء من الطور فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور؛ صليت فيه، قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلتَ؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.

وجدير بالذكر، والحديث للدكتور يحيى جبر، أن استدلال بعض الباحثين بهذين الحديثين لا يقطع بأن المقصود هو جبل “تذرع”. ويظل احتمال أن يكون المقصود طور فلسطين أعلى وأرجح. أما الطور المذكور في قصة سيدنا موسى أرجح أنه هو طور سيناء نفسه، ولاسيما أن بني إسرائيل كانوا أعرابا وبُداة، فكيف وصلوا إلى القدس في وسط فلسطين تقريبا!، ولكن في تقدم بني إسرائيل لاحقا إلى أريحا والسامرة يرشح أن يكون المقصود هو جرزيم أي طور نابلس، كونه واقعا ضمن المنطقة التي زلزلت بحسب ما ورد في النص القرآني، وبحسب ما تفصح عنه مكونات السطح وجيولوجيا المنطقة.

ويختم الدكتور جبر بقوله: في العصر الإسلامي أنشأ الأمير أبو المنصور أنوشتكين مسجدا داخل الدير ومسجدا على قمة جبل الشريعة عام 500 هـ/ 1106م في عهد الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، وقد حرص المسلمون على زيارته وزيارة الجبل أثناء رحلتهم للحج إلى مكة المكرمة، مما يعني أن المسلمين كرسوا ما درج عليه النصارى، وأسهموا في تثبيت الدلالة لطور سيناء

 

ذكر أستاذ آثار الجزيرة العربية وتاريخها الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري : أثبتت كافة الدراسات الأثرية أن منطقة البدع كانت مأهولة سكنيا منذ العصر الحجري القديم وحتى اليوم (كتاباً بعنوان “البدع.. تاريخها وآثارها” )

مضيفا (وقال إن تلك النقوش التي يستدل بها البعض مثل نقش الأبقار، هي نقوش منتشرة في معظم أرجاء المملكة، ولا تعتبر دليلاً علمياً يستدل به لإثبات نظرية جبل الطور.)

 

قبيلة الملحمية وجبل الطور

المحلمية بطن هام من بطون بنو شيبان تلك القبيلة العربية الكبيرة التي اقترن تاريخها بتاريخ القبيلة الأم بكر منذ أن أصبحت رئاسة بكر بن وائل بقيادتها 1

 

ولقد كانت مساكن بكر في بداية الأمرفي ديار قبيلتهم ربيعة في تهامة وأنَّ كثرة هذه القبيلة وحصول النزاعات بين قبائلها أدى الى افتراق بني ربيعة حيث نزلت بعض قبائلها البحرين والجوف والعيون2 ,وهذا ما أشار إليه الكثير من المؤرخين ومنهم عمر كحالة صاحب معجم قبائل العرب بقوله : “ربيعة بن نزار: شعب عظيم، فيه قبائل عظام، وبطون،وأفخاذ، ينتسب إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ويعرف بربيعة الفرس وكانت ديار هذا الشعب فيما يليه من بلاد نجد وتهامة،ثم وقعت الحرب بين بني ربيعة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فكان الفناء والهلاك، فتفرقت ربيعة في تلك الحرب، وتمايزت فارتحلت بطونها إلى بقاع مختلفة، فاختار بعضهم البحرين، وهجر، وظواهر بلاد نجد، والحجاز، والكور الواقعة بين الجزيرة، والعراق.3

 

 

 

هذه الكور التي كانت من نصيب شيبان وتغلب ايضاً وكان بنو شيبان من بكر هم وبنو جشم من تغلب في منزل واحد 4يحلون معا ويرحلون معا ويقاتلون عدوهم معا ولم تنفصل هاتان القبيلتان عن بعضهما إلا مع بداية حرب البسوس التي نشبت بينهما في حوالي عام 490 ميلادي أي في نهاية القرن الخامس الميلادي كما جاء في المعارف الإسلامية 5 والتي انطلقت شرارتها من هذه الكور وكان أولها عنيزة حتى انتقلت إلى الجبايات وحنو قراقر والعجرم ويوم الغذوان، وهو ماء، وقال أبو عبيدة: وكلهم حول ذي قار 6ما بين البصرة والكوفة .

 

 

 

ومنحتهم هذه الحروب الإستمرارية في التواصل وذلك من خلال التنقل والمطاردة لبعضهما البعض ومن أرض إلى أرض ومن مكان إلى مكان وأغلبها كان في الجزيرة الفراتية أو على أطرافها حيث اتخذوها ديارا لهم وفيها حصلت ايضا بين الفريقين وقعة( لبني )أو لبنى بالقرب من دير لبنى على الفرات كما جاء في معجم القبائل العربية 8 . ومن هنا سكن التغالبة السهل الممتد من ماردين الى نصيبين ودارا 9والتي اصبحت من ديارهم من حينها ،في حين سكن بنو شيبان وهي إحدى بطون بكر القبيلة الجزيرة والموصل 10.

 

 

 

وعلى ما يبدو وبعد انتهاء هذه الحرب كانت هناك محولات للتقريب بين أصحابها شيبان وتغلب تمهيدا للصلح وأهمها تلك التي قام بها الملك عمرو بن هند، كما ذكر لنا صاحب معجم قبائل العرب بقوله “وقد أصلح بين بكر وتغلب ابني وائل، الملك عمرو بن هند، فقد أخذ من الحيين رهناً من كل حي مائة غلام، ليكف بعضهم عن بعض، فكانت اولئك الرَهن يكونوا معه في مسيره،ويغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم، فهلكَ غلمةُ التغلبيين، وسَلِم البكريون، فقالت تغلب لبكر اعطونا دِيات أبناءِنا،فإن ذلك لكم لازم، فأبت بكر بن وائل،ما حدث على رهائن تغلب، فتفرقوا على هذه الحال ” .11

 

وبعدها صعد بنو شيبان صعدوا الى الجبال القريبة من ماردين وميافارقين والتي نسبت إليهم من حينها كما ذكر لنا ابن سعيد عندما قال : إن بكرَ وتغلب وقعت بينهما حربُ وائل (حرب البسوس)، فانحازت بكر إلى الجبال وهي جهات ماردين وميافارقين فعرفت بديار بكر إلى اليوم “.12ومن هذه الجبال كان جبل الطور الذي ذكره الهمداني بقوله (وجبل الطور البري هو أول حدود ديار بكر ، وهو لبني شيبان وذويها ) 13

وبالطبع كان هذا الجبل كان اول ما تبدأ بها حدود ما كان يعرف بديار بكر وانتشر فوقه ابناء شيبان وأهمهم كان بنو محلم (المحلمية) الذي أقاموا في الجهة الجنوبية من الجبل و التي سماها السريان ببيت محلم نسبة اليهم 14والذي برز منهم قادة كثر في تلك المنطقة أمثال أبو الصقر إبراهيم المحلمي وإبراهيم بن حجر المحلمي وقعنب المحلمي وسكين المحلمي ومسكين بن الحسن المحلمي والضحاك بن قيس المحلمي 15، وكان هؤلاء جميعاً قادة وزعماء بارزين في تلك المنطقة زمن الخروج على الخلافتين الأموية والعباسية ، في حين سكن بنو عمومتهم بنو مرة في ماردين وميافارقين وكان لهم دولة متوارثة هناك تمثلت ببنو الشيخ ابن مرة كما ذكر المسعودي .وانتشر بنو شيبان في صدر الاسلام بشكل اوسع في تلك الديار كما ذكر ابن الاثير في تاريخه وخاصة في شرق دجلة وفي جهات الموصل ” 16.

 

ويوجد هناك إشارات إضافية أخرى تضاف الى ذُكر من ان الكثير من وقائع حرب البسوس قد دارت فوق ارض الجزيرة الفراتية ما أشار اليه المؤرخ أحمد وصفي زكريا في كتابه عشائر الشام وابن سعيد الأاندلسي في نشوة الطرب بالإضافة الى وجود قبر همام بن مرة بقرب دير يقع في جهات الموصل والذي قال عنه ياقوت على لسان الخالدي :

بقربكَ يا ديرَ الخنافـس حـفـرةٌ *** بها ماجدٌ ، رحبُ الذراعِ كـريمُ

طوتْ منه همّامَ بن مرَّةَ في الربى*** هلالٌ ينيرُ الليلَ، وهـو بـهـيمُ 17

 

عبدالقادر عثمان

————————————————

 

المراجع

 

1- (التاريخ لليعقوبي ص 256-257

2- معجم ما استعجم – البكري ص 80 – 81

3- معجم قبائل العرب – عمر كحالة ج2 ص 424

4 – شرح ديوان أمرئ القيس القاهرة ط3 ص 246

5- (البكري – معجم ما استعجم ص 82)

6- (معجم ما استعجم – البكري )والجبايات هو موضع عند ذي قار كان به يوم الجبابات (معجم البلدان ياقوت)

7- – (البكري – معجم ما استعجم ص 80 )

8- معجم قبائل العرب – كحالة في الجز الأول الصفحة 121

9- الدولة الحمدانية – فيصل السامر ج1 ص 48

10- تاريخ الموصل – سعيد الديوه جي ص 19

11 – معجم قبائل العرب – عمر كحالة ج1 ص 95

12- (علي ابن سعيد الأندلسي -نشوة الطرب ج2 ص 601 )

13- صفة جزيرة العرب – للهمداني ج2 ص 276

14- تاريخ طور عبدين – برصوم ص 197

15- – خليفة بن خياط – تاريخه -ج2 ص 568 – الطبري – تاريخ الرسل والملوك ج6 ص 216

16- – المسعودي – مروج الذهب ج1 ص 304

17- ياقوت الحموي – الخزل والدال بين الدور والدارات ج2 ص 26-28

 

قال أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني:

ديار ربيعة:

الذنائب وواردات وذو حسم وعويريض وشريب وأبان وذات الطّلوح وكاترة والسّلاّن وخزاز وقرار عمق واللصاف، واللصاف أيضاً لبني مرّة ووادي الحاذ من مرس والعقيق وذات ريام والقارتان، ومن ديار بكر خاصّة نباض وقوّ والرّجا والنواعص والشّيطان، ماء الحنو من قضة والقضيبة والحنينة وثماد و نجد الخال والعسجدية والأبواء وخنزير ورجلة وروض القطا ودرنا وكثيب الغيلة وعباعب وكانت به وقعة ومنفوحة وبطن الغميس وبادولى والسخال و ذوقار و ذات الرئال والبدي ودحيضة وثهمد وجبل الامرار ورمّ وجنباء وإطار وتلع فلج لعجل خاصة وهو فلج المدار والثني وحث لعجل أيضاً لعلع موضع ماء في ديار بكر والنتايل وتبل والرّخيل بئر ونقاع الصّفر و مطار بفتح الميم

قال أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني ایضاً:

ديار ربيعة وما خلفها:

أولها وآخر ديار مضر رأس العين، ثم كفرتوثا لجشم عن أياسرها مارة من موضع الحيّات المضروب بها المثل وهي تطل على دارين، ثم نصيبين موضع العقارب وهي دار آل حمدان ابن حمدون موالى تغلب، فمن نصيبين إلىأذرمة و السّميعية مسيرة يوم، وعن أيمن ذاك جبل سنجار جبل شراة بني تغلب والشّراة منها بنو زهير وبنو عمرو ثم من أيمن ذلك دهنا إلى رحبة مالك ابن طوق و قرقيسياء، ثم ترجع إلى أذرمة إلى برقعيد وهي ديار بني عبد من تغلب وفيهم يقول القائل:

لا تخدعنك برقعيد وشيدها واحتل لنفسك عيشةً بنهار

ثم منها إلى بلد وفيها شراة وغير ذلك، إلى حد الموصل، وإن أردت بعد أرض الموصل مررت بتكريت وكان الثرثار عن يمينك وأكثرها أهل الموصل مذحج وهي ربيعة فإن تياسرت منها وقعت إلى الجبل المسمى بالجودي يسكنه ربيعة وخلفه الأكراد وخلف الأكراد الأرمن، وإن تيامنت من الموصل تريد بغداد لقيتك الحديثة وجبل بارمّا يسمى اليوم حمرين ويقال إنه جبل لا يخلو يوماً من قتيل، ثم السّنّ والبوازيج بلاد الشّراة من ربيعة ثم يقع في جبل الطور البّريّ وهو أول حدود ديار بكر لبني شيبان وذويها ولا يخالطهم إلى ناحية خراسان إلا الأكراد، وأما ما بين بغداد والبصرة مما يلي الشمال و خراسان فديار بني راسب الجرمية ثم البصرة واتصلت منازل العرب هنالك بأسياف البحر وكاظمة وقد يخرج من شاطىء البحر الكثير عن الجزيرة مثل من بالجيزة من أرض مصر و أسوان و المغرب و الصعيد وما شرع على غربي بحر القلزم من أسوان إلى ناحية باضع وسواكن والمعادن.

 

اليمن في التاريخ

توصل فريق من الباحثين عبر مسوحاتهم الأثرية التي قام بها مكتب الآثار بمحافظة حجة، إلى اكتشاف تلول أثرية في كل من منطقة “المنقم، والربوع، والرغد” وهي مواقع أثرية تم تشييدها بجوار وادي مور الشهير بمديرية الطور.. كما تم اكتشاف بقايا أساسات لمباني دائرية الشكل كانت في الأصل- كما يقول الباحثون- مستوطنات بشرية من العصر الحجري.. واكتشف الباحثون أداوت حجرية، كان الإنسان يستخدمها في تفاعله اليومي مع الطبيعة.

 

ويرى الباحثون أن “اللقى” والأدوات الحجرية والمباني الدائرية تحكي بوضوح قصة الإنسان في مرحلتي الصيد وجمع الثمار ويقولون وقد ظهر الاستقرار أكثر بياناً في منطقة “جرف البهائمي” الواقع في مديرية المفتاح من بلاد الشرفين، ويقولون أن الإنسان استوطنه قديماً وترك بصماته في سقفه على هيئة خطوط ودوائر وأشكال ورسومات بدائية لحيوانات مختلفة في لوحة تعبيرية لها دلالات رمزية تتعلق بحياة الإنسان ومعتقداته.

 

وفي مرحلة متأخرة- كما يقول الباحثون- ظهر الإنسان بوادي “اللصبة” الكائن في جبل الجبر بمديرية المفتاح حيث ترك الإنسان بصماته على سقف (جرف الجربوني) وجرف جبل الذخر على شكل لوحات تعبيرية تضمنت رسومات بدائية وكتابات أولية منضدة على الصخر باللون الأحمر القاني، وتشير تلك اللوحات- كما يرى الباحثون- إلى طبيعة الحياة وقسوتها والصراع القائم بين الإنسان والطبيعة من حوله وإلى الأساليب المبتكرة لقهر الطبيعة والتغلب عليها من قبل الإنسان الذي استوطن المكان في عصور ما قبل التاريخ حيث مارس نشاطه وترك آثاره وبصماته على جدران الكهوف والمواقع التي عاش بها، وتذكر بعض المعاجم أن هناك مناطق في محافظة حجة تنسب إلى تبابعة حِميَر منها منطقة “شمر” وهي منطقة في بلاد الشرفين، يقول المقحفي صاحب معجم البلدان: “وجميع ما يحمل هذا الاسم- أي شمر- ينسب إلى شمر يرعش بن افريقس بن أبرهة ذي المنار وهو من عظماء التبابعة وجاء اسمه في النقوش باسم: شمر يهرعش ملك سبأ وذي ريدان”.

 

وتذكر المصادر التاريخية عدداً من الأسواق التي لم تكن بأقل شأناً من الأسواق العربية الأخرى كسوق “قطابة” بمديرية كُحلان عفّار حيث يرتاد هذا السوق الإنسان من كل حدب وصوب، وسوق “الجريب” الذي قال عنه الهمداني في صفة جريدة العرب “الجريب سوق لأهل تهامة ومكة وعثر وجميع بلاد همدان” كان يرتاده ما يزيد عن عشرة آلاف إنسان حسب الهمداني، وسوق “الصلبة” الواقع في مديرية الشغادرة وهو من الأسواق التي كان يرتادها الإنسان من بلدان متعددة وتلك الأسواق تدل على النمو والانتعاش الاقتصادي وتدل على الاستقرار الذي وصل إليه الإنسان في اليمن في مراحل متعاقبة من حقب التاريخ، ولا نظن أن تعدد الأسواق يكون في مراحل أو في أماكن غير مستقرة، وقد ترك مثل ذلك نظماً عرفية تفصل في خصومات الناس وظل حاكم السوق مفردة قائمة حتى اللحظة، وثمة قواعد عرفية كانت تنظم علائق الناس وتعاملاتهم في الأسواق نظن بل نجزم أنها توارت دون أن تمتد إليها يد الصون والتوثيق، شأنها شأن الكثير من التراث المادي وغير المادي الذي ما تزال يد العناية والصون والتوثيق بعيدة عنه.

 

وتذكر المصادر التاريخية حصن عفار كواحد من المعالم التاريخية والحضارية لليمن حيث لا تزال آثاره قائمة تؤكد أهميته من الناحية الوظيفية، فضلاً عن النقوش والكتابات التي ورد ذكرها في عدد من المصادر التاريخية عن أماكن متفرقة من وادي حرض.

 

وفي المسار التاريخي للدولة الإسلامية ومنذ ظهور الإمارات المستقلة في نهاية القرن الهجري الثالث وبداية القرن الرابع الهجري حدثت موجة صراعات دامية شهدها المكان بدءً من دولة “علي ابن الفضل” وصاحبه “المنصور ابن حوشب” الذي اتخذ من مَسْوَر حجة نقطة انطلاقة لإشاعة دعوته في عموم اليمن وانتهاءً بالأئمة الذين كانوا يرون في خط حجة، مسور، كوكبان خط التمكين إلى صنعاء كما حدث في 1984م مثلاً.

 

وقد سبق دولة الملك علي ابن الفضل ثورة القيل الهيصم بن عبد الرحمن الحميري يقول الشماحي في كتابه اليمن الإنسان والحضارة “إن حكم الدخيل جعل اليمن في ثورة مستمرة، ففي عام 174هـ- أيام هارون الرشيد ثار القيل الهيصم بن عبد الرحمن الحميري في جبل مسور حجة والتفت حوله القبائل وحارب جنود بني العباس في غير موضع وأنزل بهم شر الهزائم وبسط نفوذه على معظم الجبال الغربية والشمالية كما حكاه الهمداني وغيره وقد امتدت سلطته إلى تهامة وأطاح بهيبة ولاة بني العباس في اليمن حتى ضعفوا عن حفظ الأمن وجباية الضرائب وانحصرت سلطة الولاة العباسيين الواهنة في صنعاء مما جعل الذعر يتناول هارون الرشيد ببغداد فأرسل الولاة تباعاً وبعث الجحافل إثر الجحافل ولا يكون نصيبها إلا الفشل مما دعا هارون إلى إرسال “حماد البربري” أحد قواده الكبار في جيش جرار وقال له كلمته الحاقدة “اسمعني أصوات أهل اليمن” وقد تمكن حماد، بعد معارك دامية من اخماد الثورة في كثير من البلاد وأخضع تهامة ووصل إلى صنعاء، ولكنه لم يتمكن من التغلب على الهيصم فاستمد من هارون الرشيد المزيد من المدد فاستمر الصراع إلى 188هـ حيث تغلب حماد على جبل مسور، وحاول الهيصم أن ينقل المعركة إلى الشمال فانتقل إلى بيشه أحد مراكز تهامة الشمالية، فأوقعه القدر أو مؤامرة مع يد خانته في مجتمع الجيوش العباسية فجأة، وصارع حتى وقع في الأسر، وأرسل مع رفاقه إلى بغداد حيث خرج هارون لمشاهدتهم فضربت أعناقهم بين يديه، ولم ينجُ إلا واحد من أصحاب الهيصم كان يجيد الألحان فتخلص بحفظه باباً غريباً من الأغاني، كما في الأغاني، وبرغم التغلب على الهيصم فقد كانت ثورته فاتحة لقيام الدول اليمنية… الخ”.

 

(أَبْرام/ إبْرام/ إبراهيم، أَبْراهام/ بَراهام، إلخ ).

والنبي إبراهيم شخصية إشكالية بقدر ما هو شخصية شهيرة، فهو- بحسب روايات الأديان السماوية الثلاثة- شخصية واقعية، له تاريخ حقيقي، بل إنه يُعَدّ الجد الأعلى لأشهر شعبين من الشعوب السامية، وهما العرب والعبرانيون. أما من وجهة النظر العلمية فإن إبراهيم من أكثر الشخصيات غموضاً؛ إذ لم يأت له ذكر- إلى الآن- في أية وثيقة تاريخية مكتوبة لها صلة بتاريخ شعوب غربي آسيا ومصر؛ سواء في المصادر التاريخية الموثقة أم في علم الآثار.

وإن غياب ذكر إبراهيم وأخباره عن جميع المصادر التاريخية الغرب آسيوية، وصمت جميع المؤرخين والمدوّنات الرافدية (بلاد الرافدين) والسورية والمصرية عن رحلته وسيرته، هو من أكثر الأمور غرابة وإثارة للدهشة

د. أحمد الخليل

شخصية إشكالية

النبي إبراهيم أكثر الشخصيات شهرة، وأعظمها مكانة، في تراث الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، وترتبط باسمه أحداث كبرى، كان لها تأثير مهم في تاريخ غربي آسيا خاصة، وفي تاريخ العالم عامة، وهو معروف بأنه (أبو الأنبياء)؛ إذ ينتمي إليه أشهر الأنبياء والرسل الذين ظهروا في غربي آسيا، ولا سيما أنبياء الأديان السماوية الثلاثة (النبي موسى، والنبي عيسى، والنبي محمد)، ويحمل اسمه كثير من أتباع هذه الديانات مع اختلاف في الصيغ (أَبْرام/ إبْرام/ إبراهيم، أَبْراهام/ بَراهام، إلخ ).

والنبي إبراهيم شخصية إشكالية بقدر ما هو شخصية شهيرة، فهو- بحسب روايات الأديان السماوية الثلاثة- شخصية واقعية، له تاريخ حقيقي، بل إنه يُعَدّ الجد الأعلى لأشهر شعبين من الشعوب السامية، وهما العرب والعبرانيون. أما من وجهة النظر العلمية فإن إبراهيم من أكثر الشخصيات غموضاً؛ إذ لم يأت له ذكر- إلى الآن- في أية وثيقة تاريخية مكتوبة لها صلة بتاريخ شعوب غربي آسيا ومصر؛ سواء في المصادر التاريخية الموثقة أم في علم الآثار.

وإن غياب ذكر إبراهيم وأخباره عن جميع المصادر التاريخية الغرب آسيوية، وصمت جميع المؤرخين والمدوّنات الرافدية (بلاد الرافدين) والسورية والمصرية عن رحلته وسيرته، هو من أكثر الأمور غرابة وإثارة للدهشة.

وما يهمّنا الآن هو الإجابة عن السؤال الآتي:

هل توجد علاقة ما بين الكرد والنبي إبراهيم؟

وإذا كانت ثمة علاقةٌ ما فما هي حقيقتها؟

وللإجابة عن هذين السؤالين بصورة علمية وموضوعية نحتاج إلى معرفة سيرة النبي إبراهيم وشخصيته، ليس على نحو متقطّع ومشَرْذَم، وإنما على نحو متكامل، يجمع بين الدقة والشمولية قدر المستطاع، وفي حدود ما نحصل عليه من معلومات وقرائن ومؤشرات. ودعونا نتناول في البداية خلاصة سيرة النبي إبراهيم حسبما وردت في العهد القديم (التوراة)، باعتباره المصدر الأقدم الذي وردت فيه أخبار مفصلة حول هذا النبي.

من أُور إلى حاران

ـ اسمه: أَبْرام، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ. (العهد القديم، سفر أََََخْبَارِِِ الأَيَّامِ الأَوَّلُ، الآية 24 – 27).

_ كان للأب تارَح بن ناحور ثلاثة أبناء، هم أَبْرام وناحُور وهاران.

ـ كانت الأسرة تسكن مدينة (أُور الكَلْدانيين) في بلاد الرافيدن (ما بين النهرين)، وفي أُور تزوّج أَبْرام ساراي، وكانت ساراي عاقراً.

ـ توفّي هاران أخو أَبْرام في أُور الكَلدانيين، وبقي ابنه لُوط يتيماً في رعاية جده تارَح.

ـ رحل تارَح، ومعه ابنه أبرام وكنّته ساراي وحفيده لوط، من أُور الكَلدانيين، وتوجّه إلى حاران (حَرّان الحالية في شمال غربي بلاد الكرد/جنوب غربي تركيا)، ومات تارح في حاران.

ـ لا شيء عن ناحور أخي أبرام في هذه الرحلة، لكن يُفهم من سياق الأحداث التالية أنه كن مع أهله في الهجرة إلى حاران.

ـ حينما صار عمر أَبْرام (75) سنة، أصدر الربّ الأمر إليه بالهجرة من حاران إلى أرض كنعان جنوباً (فلسطين بعدئذ): “وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 1 – 3).

من حاران إلى أرض كنعان

ـ نفّذ أَبْرام أمر الربّ، ورحل ومعه زوجته ساراي وابن أخيه لُوط، وأخذوا معهم عبيدهم ومقتنياتهم، وتوجّهوا جميعاً نحو الجنوب إلى أرض كنعان، وسكنوا مكاناً اسمه (شَكِيم) في شمالي فلسطين الحالية، ” وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 6 – 7).

ـ ظل أَبْرام يرتحل مع أسرته جنوباً على مراحل، حتى وصل إلى (بَيْت إيل) في شمالي أُورْشَلِيم (القُدس بعدئذ)، وحيثما كان يحلّ كان يبني مذبحاً للرب (مكاناً للعبادة وتقديم الأضاحي للرب).

ـ حدثت مجاعة في أرض كنعان، فتوجّه أَبْرام بأسرته جنوباً نحو مصر، ومعه ابن أخيه لُوط.

ـ قُبيل دخول مصر طلب أَبْرام من زوجته ساراي أن تزعم أمام الموظفين المصريين على الحدود أنها أخت أبرام، والسبب أن أبرام خاف أن يطمع المصريون فيها لجمالها الفتّان، ويقتلوه كي ينفردوا بها.

ـ نفّذت ساراي طلب أبرام، ولما شاهدها كبار الموظفين المصريين دهشوا لجمالها، وأخبروا فرعون مصر بذلك، فأمر بنقلها إلى قصره، ويُفهم من السياق أنه اتخذها زوجة له، وأنعم على أَبرام بكثير من المال ” وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 15).

ـ لكن الربّ سرعان ما أنزل النكبات بفرعون وبيته، واكتشف فرعون حقيقة ساراي، فدعا أبرام، وعاتبه على إخفاء الحقيقة عنه، وتوريطه في اتخاذ ساراي زوجة، وردّ فرعون ساراي إلى أبرام، وطلب منه الرحيل عن مصر بكل ما له من أموال، وأمر رجاله بتأمين الحماية للأسرة في رحلة الخروج من مصر.

عودة إلى أرض كنعان

ـ عاد أبرام بأسرته ومعه ابن أخيه لوط إلى جنوبي أرض كَنْعان (فلسطين)، وكان قد صار من كبار الأغنياء بالمواشي والعبيد والفضة والذهب، وظل يصعد شمالاً، حتى وصل إلى بيت إيل، حيث كان قد نصب خيمته وأقام المذبح، في بداية دخوله أرض كنعان من الشمال، قادماً من حاران.

ـ كثرت مواشي أَبْرام ولُوط، وتقاتل رعاتهما على المراعي وموراد المياه، فرأى أبرام من المصلحة أن يفترقا، ورحل لوط بقطعانه، واستقر في أرض (سَدُوم)، شرقي نهر الأُرْدُنّ، وكانت في الأزمنة السابقة خصبة وعامرة كمصر، لكنها كانت قد صارت خراباً بعدئذ، وكان أهلها أشراراً.

ـ بعد أن تخلّص أبرام من لوط ورعاته، وبقي في أرض كنعان الخصبة، ظهر له الربّ، وقال له: ” ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 13، الآية 14 – 16).

ـ نقل أبرام خيامه، وأقام عند (بَلُّوطات مَمْرا) القريبة من مدينة (حَبْرون)، وتقع حبرون جنوبي أورشليم (القدس بعدئذ)، وغربي (بحر الملح) الذي سُمّي بعدئذ (البحر الميّت)، وبنى هناك مذبحاً للرب، وهناك عقد حلفاً مع ثلاثة زعماء، هم مَمْرا الأَمُوري وأخواه أَشْكُول وعانِر.

حرب إقليمية

ـ حدث أن نشبت حرب إقليمية في غربي آسيا بين حلفين: تألّف الحلف الأول من أربعة ملوك، هم ملك شِنْعار (أرض الكلدانيين/ما بين النهرين)، وملك عِيلام (إيلام)، وملك أَلاَّسار (لم نعرف الموقع)، وملك جُويِيم (في أرض كنعان شرقي مدينة يافا الحالية)، وكان ملك عِيلام هو الأقوى. وتألّف الحلف الثاني من خمسة ملوك، هم ملك سَدُوم، وملك عَمُورَة، وملك أَدْمَة، وملك صَبُويِيم، وملك صُوغَر.

ـ يبدو أن الصراعات بين المكوّنات السياسية في أرض كنعان (فلسطين) كانت سبب المعركة، ونجد أن ملك جوييم الكنعاني، متحالفاً مع الملوك الثلاثة القادمين من بلاد الرافدين وعيلام. ولا ننسى رغبة ملوك بلاد الرافدين وآريانا (من كردستان ضمناً إلى غربي أفغانستان ضمناً) في الوصول إلى الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، حيث تلتقي عند موانئها فروع الطريقين التجاريين العالميين: طريق البخور والتوابل القادم من بلاد اليمن جنوباً، وطريق الحرير القادم من آريانا وبلاد الرافدين شرقاً.

ـ جرت المعركة قرب عَمْق السِّدِيم (بحر الملح= البحر الميّت)، وخسر الحلف الغربي الحرب، وسيطر الحلف الشرقي على المنطقة الممتدة من جنوبي سوريا حالياً إلى جبل سَعِير (موطن الحُوريين) وبرية فاران (أرض العمالقة في شمالي صحراء سَيناء). وهذا يعني ضمناً أن الحلف الشرقي عبر ممالك الآراميين في سوريا، إما بالقوة وإما بالتحالف.

ـ بما أن لوطًا كان في أرض سَدُوم فقد وقع هو وجميع أفراد أسرته في أسر ملوك الحلف الشرقي، وسلبوه كل أمواله وممتلكاته.

ـ سمع أبرام بما حدث لابن أخيه لوط، فقام مع حلفائه (مَمْرا وأَشْكُول وعانِر) بهجوم مضاد، وطارد المنتصرين حتى شمالي دِمَشْق، وحرّر لوطاً والنساء، واسترجع الممتلكات، وكانت تحت قيادته (318) مقاتلاً من (غِلمانه المتمرِّنين)، وهذا يعني أن أبرام تحوّل من مهاجر في أرض غريبة إلى زعيم كبير يعقد التحالفات، ويقود المعارك ضد ملوك أقوياء، والأرجح أن الأموال الكثيرة التي رجع بها من مصر ساعدته على تشكيل قوة مقاتلة من المرتزقة الأرقّاء، وعقد التحالفات؛ وبتعبير آخر: إن قوته الاقتصادية تحوّلت إلى قوة سياسية وقوة عسكرية.

ـ بعد تحقيق النصر على الحلف الشرقي ارتفعت مكانة أبرام في أرض كنعان، ولما عاد من معركته الظافرة خرج ملك سَدُوم لاستقباله، واحتفى به مَلْكِي صادِق مَلِك شالِيم، ونسب نصر أبرام إلى تأييد الله مالك السماوات والأرض، ودفع أبرام العُشر مما غنمه إلى ملْكي صادق، وباركه مَلْكي صادق قائلا:” مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمُبَارَكٌ اللهُ الْعَلِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ “.(العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 14، الآية 19 – 20).

وثيقة تمليك إلهية

ـ بعد النصر ظهر الربّ لأبرام، وقدّم له التشجيع، ووعده بأن يكون له ولنسله جميع الأرض الواقعة بين نهر النِّيل غرباً ونهر الفُرات شرقاً: ” فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ. الْقِينِيِّينَ وَالْقَنِزِّيِّينَ وَالْقَدْمُونِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفَرِزِّيِّينَ وَالرَّفَائِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 15، الآية 18 – 21).

ـ وكلما كانت قوة أبرام الاقتصادية والسياسية والعسكرية تنمو كان الرَّبّ يمنحه أرضاً أوسع. لكن ظلّت مشكلة أخرى تقلق بال أبرام؛ إنها افتقاره إلى ذُرّية له ترث أملاكه. وسرعان ما بدّد الربّ قلقه، ووعده بأنه سيرزقه ابناً يرثه.

ـ وجاء الفرج على يدي ساراي، فبعد عشر سنوات من عودة أبرام بأسرته من مصر، أهدت ساراي إليه جاريتها المصرية هاجَر، وسمح له بالزواج منها، ولمّا حَبِلت هاجر صارت تفتخر وتستعلي على سيّدتها ساراي، فغضبت ساراي، وعاتبت أبرام، فردّ أبرام لها جاريتها هاجر لتفعل بها ما تشاء، فأذلّتها ساراي، ولم تر هاجَر بدّاً من الهرب جنوباً نحو شمالي صحراء سِيناء.

ـ لكن الربّ لم يترك هاجَر وحيدة، فأرسل أحد ملائكته للبحث عنها، وعلى عين ماء، في طريق شُور (غربي ووسط سيناء)، وجدها مَلاك الرب هاجر، وطلب منها أن تعود إلى سيّدتها ساراي، وتقبل بالخضوع لها، وتنبّأ لها بأنها ستلد ذكراً يكون اسمه (إسماعيل)، باعتبار أن الله سمع مَذَلَّتها، وسيكون إسمعيل بدوياً، ” وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ “، ويكون كثير النسل. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 16، الآية 12).

ـ عادت هاجر، وولدت إسماعيل، وكان عمر أبرام حينذاك (86) سنة.

أسماء .. وخِتان

ـ وحينما بلغ أبرام من العمر (99) سنة ظهر له الربّ أيضاً، وقال له: “أَمَّا أَنَا فَهُوَ ذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 17، الآية 4 – 8).

ـ إذاً بأمر من الربّ تغيّر اسم (أَبْرام)، وصار اسمه (إبْراهِيم)، باعتبار أنه سيكون أباً لكثير من الأمم، وإذا أخذنا في الحسبان أن اللاحقة (هِيم) في العبرية تحوّل الاسم من المفرد إلى الجمع، يتضح أن صيغة (إبراهيم) أكثر فخامة من صيغة (أَبرام)، ولعل اسم أبرام كان مرتبطاً بذكريات الفقر والتشرد في الأرض، وكان من الضروري التخلّي عنه وعما يتعلق به من ذكريات مريرة، والتحول إلى اسم (إبراهيم) المرتبط بعهد الثروة والقوة.

ـ وكي يتأكد الله من إخلاص إبراهيم ونسله له، أمره بممارسة طقس خِتان الذكور، فكل من لا يَخْتَتِن من نسل إبراهيم يكون قد نكث بعهد الله، وخُتِن إبراهيم وكان عمره (99) سنة وخُتِن ابنه سماعيل وجميع غلمانه.

ـ ولم يكن كافياً أن يطرأ التحول على اسم (أبرام)، بل أمر الله إبراهيم أن يسمّي زوجته ساراي باسم جديد هو (سارَة)، ووعد بأن يكون لها ولد اسمه إسحاق، ويكون منه ملوك وأمم، رغم أن سارة كانت قد بلغت من العمر (90) سنة، وكانت عادتها قد انقطعت، وكان إبراهيم قد بلغ من العمر (100) سنة.

تجارة رابحة

ـ واتجه إبراهيم بأسرته نحو الغرب، واستقر في المنطقة التابعة لمملكة (جَرار) قرب البحر الأبيض المتوسط (كانت مدينة جَرار تقع جنوبي مدينة غزّة الحالية)، وبسبب جمال سارة (رغم بلوغها التسعين!)، وخوفاً على نفسه، زعم إبراهيم مرة أخرى أن سارة هي أخته، فأخذ (أَبِيمالِك) مَلِك جَرار سارَة، وفي الليل، وقبل أن يتزوّج أبيمالك منها، جاءه الله في الحُلم، وأخبره بأن سارة هي زوجة إبراهيم، وأمره بأن يردّها إلى زوجها، وإلا فإن مصيره الموت.

ـ ومع الصباح استقدم أَبِيمالك إبراهيم، واعتذر له، وعاتبه على إخفاء حقيقة سارة عنه، وهنا اعترف بالحقيقة، ” فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ امْرَأَتِي. وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا هِيَ أُخْتِي ابْنَةُ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي، فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً. وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي: هُوَ أَخِي “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 20، الآية 11 – 13).

ـ إذاً علمنا الآن أن ساراي (سارة) كانت أخت أبرام (إبراهيم) من أبيه لا من أمه، وهذا يعني أن الشريعة التي كان تارَح عليها، وشبّ عليها إبراهيم، كانت تبيح زواج الأخ من أخته غير الشقيقة؛ ويعني أيضاً أن إبراهيم بقي متمسكاً بتلك الشريعة، ولم يطلّق زوجته (أخته) ساراي، وهذه واحدة من المؤشرات المهمة التي قد تفتح لنا بعض الأبواب المغلقة، وتسمح لنا باستكشاف مساحات جديدة في تاريخ عقائد غربي آسيا.

ـ ويبدو أن جمال سارة كان بضاعة رائجة، وكان إبراهيم يجيد استغلال ذلك للحصول على مزيد من الثروة والجاه، فبفضل جمال سارة عاد من عند فرعون مصر بقطعان من الماشية وبكثير من العبيد والفضة والذهب، وها هو ذا أبيمالِك يرضيه أيضاً، ويمنحه كثيراً من الأموال، والفرق أن فرعون منحه الأموال وطلب منه الخروج من مصر، أما أبيمالك فمنحه الأموال، وسمح له بالإقامة في أية منطقة يختارها من مملكة جَرار: “فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ امْرَأَتَهُ. وَقَالَ أَبِيمَالِكُ: هُوَ ذَا أَرْضِي قُدَّامَكَ. اسْكُنْ فِي مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْكَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 20، الآية 14 – 15). وكافأ الربّ أبيمالك، بأن شفاه، وشفى امرأته وجواريه من العُقم، فولدن.

طرد هاجر

ـ واهتم الربّ بأمر سارة، وحقق لها الوعد، فحَبِلت، وولدت لإبراهيم ابناً اسمه إسحاق، وكان إبراهيم ابن مئة سنة حينذاك.

ـ وكبر الأخوان إسماعيل وإسحاق، وكانت سارة قد اتخذت قراراً بأن يكون ابنها هو الوريث الوحيد لإبراهيم، ويبدو أن إبراهيم كان كثير الحيوية والنشاط، وذات يوم شاهدته سارة يمزح، فطلبت من إبراهيم طرد الجارية هاجر وابنها، كي لا يرث مع إسحاق، وصعب الأمر على إبراهيم، لكن سرعان ما تدخّل (الله) في القضية، وكان إلى جانب سارة؛ إذ أمر إبراهيمَ بتنفيذ طلب سارة، ” لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 21، الآية 12 – 13).

ونلاحظ هنا حرص الراوي التوراتي على أن يكون إسحاق (ابن الحرّة) هو الوريث للنبي إبراهيم، أما إسماعيل (ابن الجارية) فلا نصيب له في إرث إبراهيم، وكان ذلك بقرار إلهي، وسنجد أن هذا القرار قد تمّ توظيفه خلال القرون اللاحقة على جميع المستويات الدينية والدنيوية، وبما يخدم نسل إسحاق طبعاً، وضد نسل إسماعيل.

ـ وفي الصباح بكّر إبراهيم، وزوّد هاجر بخبز وقِربة ماء، وأمرها بالانصراف مع الولد، ولم يعطها دابة للركوب. فسارت هاجر مع ابنها إسماعيل وتاهت في برية (بئر سَبْع) الواقعة جنوبي فلسطين الحالية، على التخوم الشمالية من صحراء سِيناء، وفرغت القربة من الماء، فوضعت إسماعيل تحت شجرة، وجلست على مسافة منه، كي لا تشاهده وهو يعاني آلام الموت عطشاً، وهناك بكت رافعة صوتها.

ـ وسمع الله صوت الغلام، فأرسل أحد ملائكته لإنقاذ هاجر والغلام، وطلب الملاك منها أن تتشجّع ولا تخاف، وأن تحمل الغلام وتمضي في البرية، وطمأنها بأن ابنها لن يموت، بل سيكون جداً لأمة عظيمة. ونفّذت هاجر نصيحة الملاك، وأبصرت بئر ماء، فملأت القِربة، وسقت الغلام، ومع الأيام كبر إسماعيل، وبرع في الرماية بالقوس، وسكن في بريّة فاران (شمالي صحراء سيناء)، وزوّجته أمه فتاةً من أرض مصر.

الاختبار الإلهي

ـ وأراد الله امتحان إبراهيم، فأمره بأن يذبح ابنه إسحاق، ويقدّمه ضحية على مُحْرَقة في قمة جبل عيّنه له، فأخذ إبراهيم ابنه، واصطحب معه اثنين من خدمه، وحماراً لحمل الحطب، ولما اقتربوا من الجبل، أمر الخادمين بالبقاء مع الحمار، وأمر ابنَه بحمل الحطب، وصعدا الجبل، وفي الطريق سأل إسحاق والده، ” فَقَالَ: هُوَ ذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 22، الآية 8).

ـ ووصل إبراهيم مع إسحاق إلى قمّة الجبل، وذهب إلى المكان الذي حدّده له الله، وبنى مَذْبَحاً، ورتّب عليه الحطب، وربط إسحاق، ووضعه على المذبح فوق الحطب، وأخرج السكّين ليذبح إسحاق، وفجأة ناداه (مَلاك الربّ)، وطلب منه ألاّ يذبح إسحاق، وقدّم له كبشاً، فذبح إبراهيم الكبش بدلاً من ابنه. وهنا بارك الربّ إبراهيم، لأنه برهن على إخلاصه، ووعده بأن يكون نسله كثير العدد، وأن يكون منتصراً على جميع أعدائه.

ـ عاد إبراهيم بابنه إسحاق، وسكن عند (بئر سَبْع)، وقد سُمّيت هكذا لأن إبراهيم كان قد اشترى البئر من أَبِيمالك بسبع نِعاج.

المستوطنة الأولى

ـ لم يكن إبراهيم دائم الإقامة في مقرّه الصحراوي (بئر سبع)، حيث ترتع قطعانه، وإنما كان يتردّد بين حين وآخر على موطنه القديم في بلّوطات مَمْرا، قرب حَبْرُون في أرض كنعان شمالاً، وهناك توفّيت زوجته سارة، وكانت قد بلغت من العمر (127) سنة.

ـ وبكى إبراهيم على الفقيدة سارة ونَدَبها، ثم قام ” وَكَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلاً: أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 3- 4). وهكذا نجد فجأة أن قوماً من الحِثّيين كانوا يقيمون في حَبْرون، في وسط أرض كنعان (فلسطين الحالية). وهذا مؤشّر ثانٍ مهمّ، يلقي الضوء على توزّع شعوب غربي آسيا القدماء، وينبغي أن نأخذه في الحسبان مستقبلاً.

ـ والمفاجأة هنا أن إبراهيم ما كان يملك قطعة أرض في منطقة حَبْرُون، والأرجح أنه كان يُعامَل معاملة المهاجِر فقط، وهنا ظهرت شهامة بني حِثٍّ ومروءتهم، فقد أباحوا لإبراهيم أن يدفن جثمان زوجته في أيّ قبر شاء من قبورهم.

ـ لكن إبراهيم رفض ذلك، ” فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ، لِبَنِي حِثَّ، وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: إِنْ كَانَ فِي نُفُوسِكُمْ أَنْ أَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي، فَاسْمَعُونِي وَالْتَمِسُوا لِي مِنْ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ أَنْ يُعْطِيَنِي مَغَارَةَ الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي لَهُ، الَّتِي فِي طَرَفِ حَقْلِهِ. بِثَمَنٍ كَامِل يُعْطِينِي إِيَّاهَا فِي وَسَطِكُمْ مُلْكَ قَبْرٍ”. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 7- 9).

ـ وكان عِفْرُون جالساً في المجلس، ولم يكن أقلّ شهامة بني قومه، وقال لإبراهيم على مَشهد من الجميع: ” لاَ يَا سَيِّدِي، اسْمَعْنِي. اَلْحَقْلُ وَهَبْتُكَ إِيَّاهُ، وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لَكَ وَهَبْتُهَا. لَدَى عُيُونِ بَنِي شَعْبِي وَهَبْتُكَ إِيَّاهَا. ادْفِنْ مَيْتَكَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 7- 9).

ـ لكن إبراهيم أراد أن يمتلك الأرض، فألحّ على عِفْرون أن يبيعه الحقل والمغارة، فلم يرّ عِفْرُون بُدّاً من تلبية طلبه، فباعه الحقل والمغارة بأربعمئة شاقِل فضة، ودفن إبراهيم سارة في المغارة، ” فَوَجَبَ الْحَقْلُ وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لإِبْرَاهِيمَ مُلْكَ قَبْرٍ مِنْ عِنْدِ بَنِي حِثَّ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 23، الآية 20).

ـ وقبل وفاة سارة كان إبراهيم قد علِم أن أخاه ناحُور الذي بقي في أُور الكَلدانيين، قد رُزق بعدد من الأبناء والبنات من زوجته مِلْكَةَ ومن جاريته رَؤُومَةَ، ولمّا شاخ إبراهيم قال لكبير عبيده، والذي كان يتولّى جميع شؤون بيته: ” ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي، فَأَسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ وَإِلهِ الأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، بَلْ إِلَى أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي إِسْحَاقَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 24، الآية 2 – 4).

ـ وبعد أن نفّذ العبد أمر مولاه، ” فَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى أَرَامِ النَّهْرَيْنِ إِلَى مَدِينَةِ نَاحُورَ “، وقد يُظن للوهلة الأولى أن مدينة ناحور هذه هي أُور الكَلدانيين، ولكن يتضح من السياق بعدئذ أنها حاران (حرّان)، وأتى من هناك بفتاة اسمها رِفْقَة بنت بَتُوئيل بن ناحور، لتكون زوجة لإسحاق بن إبراهيم.

ـ وبعد وفاة سارة تزوّج إبراهيم من امرأة اسمها قَطُورَة (قطورا)، إنها كانت جارية، فولدت له عدداً من الأبناء، وأعطى ابنَه إسحاق كلَّ ما يملِك، أما أبناؤه من السَّراري (الجواري) فأعطاهم بعض المال، وصرفهم عن إسحاق، وأرسلهم باتجاه الشرق.

” وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرَانَ وَيَقْشَانَ وَمَدَانَ وَمِدْيَانَ وَيِشْبَاقَ وَشُوحًا. وَوَلَدَ يَقْشَانُ: شَبَا وَدَدَانَ. وَكَانَ بَنُو دَدَانَ: أَشُّورِيمَ وَلَطُوشِيمَ وَلأُمِّيمَ. وَبَنُو مِدْيَانَ: عَيْفَةُ وَعِفْرُ وَحَنُوكُ وَأَبِيدَاعُ وَأَلْدَعَةُ. جَمِيعُ هؤُلاَءِ بَنُو قَطُورَةَ. وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ. وَأَمَّا بَنُو السَّرَارِيِّ اللَّوَاتِي كَانَتْ لإِبْرَاهِيمَ فَأَعْطَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَطَايَا، وَصَرَفَهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِهِ شَرْقًا إِلَى أَرْضِ الْمَشْرِقِ، وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحَاحُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ، الآية 1- 6).

ـ ولما بلغ إبراهيم من العمر (175) سنة توفّي، ودفنه ابنه إسحاق في مغارة (المَكْفِيلَة) حيث دُفنت زوجته سارة في السابق.

تلك هي خلاصة أهم ما جاء حول سيرة النبي إبراهيم في التوراة.

ملاحظات وتساؤلات

ملاحظة 1: المعروف أن (أُور) مدينة سومرية قديمة جداً، كانت تقع في القسم الجنوبي من بلاد الرافدين (جنوبي العراق حالياً)، وقد سيطر عليها الأكاديون، ثم الدولة البابلية القديمة، ثم الدولة الآشورية، وها نحن نجد أنها سُمّيت في التوراة باسم (أُور الكَلْدانيين)، ومعروف أن الكلدانيين هو الاسم الذي يطلق على البابليين الذين تحرروا من السلطة الآشورية، وأسسوا الدولة البابلية الحديثة بين سنتي (625 – 538 ق.م)، بعد أن تعاونوا مع الدولة الميدية في إسقاط الدولة الآشورية، وتقاسم الشريكان غربي آسيا، فكان القسم الجنوبي الغربي من بين النهرين من نصيب الكلدان. (انظر سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة ص 71).

وقدّر المؤرخون زمن رحلة أسرة النبي إبراهيم في القرن (19 ق.م) أو القرن (18) ق.م) (سيد القمني: النبي إبراهيم، ص 38)، وهذا يعني أن أور السومرية لم يكن اسمها حينئذ (أور الكلدانيين)، لكن الراوي التوراتي، وربما المترجم التوراتي، هو الذي أطلق عليها هذا الاسم.

والسؤال هنا: لماذا ميّز الراوي التوراتي (أور) بإضافة (الكلدانيين) إليها؟ ألا يعني ذلك أنه كان في غربي آسيا قديماً أكثر من مدينة اسمها (أُور)، ومنها (أورشليم= القدس) مثلاً؟ وهل كانت رحلة أسرة إبراهيم هي من (أور) السومرية هذه، أم أنها رحلت من مدينة أخرى كانت تسمّى باسم (أور)، لكن بما أن أور الكلدانيين كانت هي المشهورة في زمن تدوين نصوص التوراة، فوقع اختيار الراوي التوراتي عليها؟

ملاحظة 2: ذكر الراوي التوراتي أن أسرة تارح (والد إبراهيم) فقط هي التي هاجرت من أور الكلدانيين إلى حاران (حَرّان)، وليس عشيرته، ثم نجد الرواي يقول بصدد أمر الرب لإبراهيم بالهجرة من حاران إلى أرض كنعان: ” وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 12، الآية 1 – 2). ويقول إبراهيم لكبير عبيده: ” لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، بَلْ إِلَى أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي إِسْحَاقَ “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 24، الآية 2 – 4).

أليس هذا تناقضاً؟ وهل ورد هذا التناقض نتيجة وجود أكثر من راو للنصوص التوراتية، وأكثر من مدوِّن لها؟ أم أن أسرة إبراهيم كانت في الأصل من حاران (حرّان)، وهاجر أحد أجداد لظروف معيّنة إلى أور في جنوبي بلاد الرافدين، ولظروف معيّنة أخرى عادت الأسرة إلى مسقط رأسها الأصلي حاران؟ بل إن الطبري ينقل الخبر الآتي بصدد ولادة إبراهيم: “وقال بعضهم: كان مولده بحرّان، ولكن أباه تارخ نقله إلى أرض بابل “. (تاريخ الطبري، ج1، ص 233)؛ أفلا تعزّز هذه المعلومة احتمال أن أسرة إبراهيم كانت حرّانية الأصل؟

ملاحظة 3: ورد اسم (الحوريين) مراراً عديدة في النصوص التوراتية، وحدّت تلك النصوص موطنهم في (جبل سَعِير)، وإليكم بعض تلك النصوص:

ـ ” وَفِي سِعِيرَ سَكَنَ قَبْلاً الْحُورِيُّونَ، فَطَرَدَهُمْ بَنُو عِيسُو وَأَبَادُوهُمْ مِنْ قُدَّامِهِمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِسْرَائِيلُ بِأَرْضِ مِيرَاثِهِمِ الَّتِي أَعْطَاهُمُ الرَّبُّ “. (العهد القديم ، سفر التثنية، الأصحاح 2، الآية 12). وللتوضيح: عيسو هو الابن البكر للنبي إسحاق بن النبي إبراهيم، وهو أخو يعقوب بن إسحاق، ولقب يعقوب هو (إسرائيل).

ـ ” هؤُلاَءِ بَنُو سَعِيرَ الْحُورِيِّ سُكَّانُ الأَرْضِ: لُوطَانُ وَشُوبَالُ وَصِبْعُونُ وَعَنَى وَدِيشُونُ وَإِيصَرُ وَدِيشَانُ. هؤُلاَءِ أُمَرَاءُ الْحُورِيِّينَبَنُو سَعِيرَ فِي أَرْضِ أَدُومَ. وَكَانَ ابْنَا لُوطَانَ: حُورِيَ وَهَيْمَامَ. وَكَانَتْ تِمْنَاعُ أُخْتَ لُوطَانَ. وَهؤُلاَءِ بَنُو شُوبَالَ: عَلْوَانُ وَمَنَاحَةُ وَعَيْبَالُ وَشَفْوٌ وَأُونَامُ. وَهذَانِ ابْنَا صِبْعُونَ: أَيَّةُ وَعَنَى. هذَا هُوَ عَنَى الَّذِي وَجَدَ الْحَمَائِمَ فِي الْبَرِّيَّةِ إِذْ كَانَ يَرْعَى حَمِيرَ صِبْعُونَ أَبِيهِ. وَهذَا ابْنُ عَنَى: دِيشُونُ. وَأُهُولِيبَامَةُ هِيَ بِنْتُ عَنَى. وَهؤُلاَءِ بَنُو دِيشَانَ: حَمْدَانُ وَأَشْبَانُ وَيِثْرَانُ وَكَرَانُ. هؤُلاَءِ بَنُو إِيصَرَ: بِلْهَانُ وَزَعْوَانُ وَعَقَانُ. هذَانِ ابْنَا دِيشَانَ: عُوصٌ وَأَرَانُ “. (العهد القديم ، سفر التكوين، الأصحاح 36، الآية 20 – 28).

ـ ” شَعْبٌ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ وَطَوِيلٌ كَالْعَنَاقِيِّينَ، أَبَادَهُمُ الرَّبُّ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ. كَمَا فَعَلَ لِبَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سِعِيرَ الَّذِينَ أَتْلَفَ الْحُورِيِّينَ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ إِلَى هذَا الْيَوْمِ “. (العهد القديم ، سفر التثنية، الأصحاح 2، الآية 21 – 22).

بل إننا نجد اسم (حُور) في أسماء بعض أسباط بني إسرائيل: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: اُنْظُرْ. قَدْ دَعَوْتُ بَصَلْئِيلَ بْنَأُورِي بْنَ حُورَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا بِاسْمِه”. (العهد القديم ، سفر الخروج، الأصحاح 31، الآية 1- 2).

ويقع جبل سَعير في وادي عَرَبَة، شمالي خليج العَقَبة المتفرع من البحر الأحمر (يقع وادي عربة الآن في جنوبي المملكة الأردنية الهاشمية)، فمن هم هؤلاء الحوريون؟ هل هم الحُوريون الذين عُرفوا بعدئذ بالميتانيين، وأقاموا دولة كبرى بين القرنين (16 – 13 ق.م)، وامتد نفوذهم من جبال زغروس شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً؟ وما الذي أوصل الحوريين إلى وادي عَرَبة؟ ولماذا استقروا في المنطقة الجبلية (سَعير)؟ هل لأنهم كانوا في الأصل سكان جبال شمالي كردستان (شرقي تركيا حالياً)، فلم يجدوا راحتهم إلا بالإقامة في الجبال؟ وهل من علاقة بين الحوريين والكرد؟ وهل وجود اللاحقة (ان) An الدالة على صيغة الجمع في نهاية أسمائهم (أشرنا إليها بوضع خط تحتها) دليل على الأصل الآري (الهندو أوربي) لأولئك الحوريين؟

ملاحظة 4: ذكر الراوي التوراتي أن إبراهيم كان قد تزوّج- وهو في أور- ساراي رغم أنها كانت أخته من أبيه فقط (الأخت غير الشقيقة)، وهذا أمر غريب، نجد له مثيلاً عند الطبقات الملوكية الحاكمة القديمة، ومنهم فراعنة مصر، وملوك الميتانيين، وملوك الفرس الأخمين، وبما أن لأسرة إبراهيم صلة جغرافية بمنطقة الانتشار الحوري (الميتاني)، ولا علاقة لها ببلاد فارس، ولا بمصر الفرعونية، فهل يمكن اتخاذ زواج الأخ من الأخت غير الشقيقة دليلاً على انتماء أسرة إبراهيم إلى الثقافة الحورية، أي إلى المجتع الحوري؟

ملاحظة 5: ذكر أبراهام مالمات، وحاييم تدمور بشأن مدينة (نُوزي) أنها كانت : ” خلال القرن 15، 14 ق.م مقراً هاماً للحكم في مملكة ميتاني التي ينتمي سكانها إلى الشعب الحوري. ولكن الحوريين كانوا قد انتشروا قبل ذلك في منطقة حاران، واتجهوا نحو منطقة سوريا وفلسطين، وفرضوا طابعهم على التركيب العرقي القديم للأنساب العبرية، وعلى أسباط بني إسرائيل في فترة متأخرة أكثر “. (أبراهام مالمات، حاييم تدمور: العبرانيون وبنو إسرائيل، ص 118). أليس في هذه المعلومات ما يقوّي وجود علاقة ما بين الحوريين (الميتانيين)، وحاران (حَرّان)، وأسرة النبي إبراهيم؟

وإذا أخذنا في الحسبان أن المناطق الشمالية من بلاد الكرد، وكذلك المناطق الغربية (وفيها تقع مدينة حاران/حرّان)، كانت المناطق المركزية للانتشار الحوري (الميتاني)، أفلا يمكن أن يكون ذلك من المؤشرات القوية على وجود صلة ما بين هذا الثلاثي: (الحوريون، إبراهيم، الكرد)؟

المراجع

أبراهام مالمات، حاييم تدمور: العبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة بين الرواية التوراتية والاكتشافات الأثرية، ترجمة وتعليق دكتور رشاد عبد الله الشامي، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، الطبعة الأولى، 2001.

سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ترجمة الدكتور السيد يعقوب بكر، دار الرقي، بيروت، 1986.

الدكتور سيد محمود القمني: النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1990.

الطبري: تاريخ الطبري: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979.

الكتاب المقدس (العهد القديم)، دار الكتاب المقدس في العالم العربي.

وإلى اللقاء في الحلقة الحادية عشرة

د. أحمد الخليل في 17 – 2 – 2009

dralkhalil@hotmail.com

 

إبراهيم علية السلام

 

 

قد أثبت الله نبوته ورسالته في مواطن عديدة من الكتاب العزيز، وشهد له بأنه كان أمة قانتاً لله حنيفاً. قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ} [النحل: 120 – 122].

 

 

نسب إبراهيم:

 

ذكر المؤرخون نسبه واصلاً إلى سام بن نوح عليه السلام، ونوح – في سلسلة نسب إبراهيم- هو الأب الثاني عشر. وقد أسقط بعض النسابين من آبائه في سلسلة النسب (قينان)، بسبب أنه كان ساحراً.

 

فهو على ما يذكرون: إبراهيم “أبرام” (عليه السلام) بن تارح “وهو آزر كما ورد في القرآن الكريم” بن ناحور بن ساروغ “سروج” بن رعو بن فالغ “فالج” بن عابر بن شالح بن قينان – الذي يسقطونه من النسب لأنه كان ساحراً – بن أرفكشاذ “أرفخشذ” بن سام بن نوح (عليه السلام). والله أعلم.

 

 

 

حياة إبراهيم عليه السلام في فقرات:

 

-1 موجز حياته عند أهل التاريخ:

 

ذكر المؤرخون: أنه ولد بالأهواز، وقيل: ببابل – وهي مدينة في العراق -.

 

ويذكر أهل التوراة أنه كان من أهل “فدّان آرام” بالعراق.

 

وكان أبوه نجاراً، يصنع الأصنام ويبيعها لمن يعبدها.

 

وبعد نضاله في الدعوة إلى التوحيد ونبذ الأصنام، وما كان من أمره مع نمروذ بن لوش ملك العراق، وإلقائه في النار، ونجاته منها بالمعجزة – كما قص الله علينا في كتابه المجيد -، انتقل إلى أور الكلدانيين – وهي مدينة كانت قرب الشاطئ الغربي للفرات – ومعه في رحلته زوجته سارة وقد آمنت معه، وابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وقد آمن معه وهاجر معه، كما قال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت 29].

 

 

 

كما هاجر معه في الرحلة ثُلة من قومه الذين آمنوا معه، وأبوه آزر دون أن يؤمن به، وأقام في أور الكلدانيين حقبةً من الزمن.

 

ثم رحل إلى حاران أو “حرَّان”.

 

ثم رحل إلى أرض الكنعانيين – وهي أرض فلسطين -، وأقام في “شكيم” وهي مدينة “نابلس”.

 

ثم رحل إلى مصر، وكان ذلك في عهد ملوك الرعاة، وهم العماليق – ويسميهم الرومان: “هكسوس” -، واسم فرعون مصر حينئذٍ: “سنان بن علوان”، وقيل “طوليس”.

 

وقد وهب فرعون هذا سارة زوجة إبراهيم – بعد أن عصمها الله منه – جاريةٌ من جواريه اسمها: “هاجر”، فوهبتها لزوجها فاستولدها.

 

ولما وُلِدَ له من هاجر “إسماعيل” – وكان عمره (86) سنة – سافر بأمر من الله إلى وادي مكة، وترك عند بيت الله الحرام ولده الصغير إسماعيل مع أمه هاجر، وعاد إلى أرض الكنعانيين.

 

ثم وهبه الله ولداً من زوجته سارة سماه “إسحاق”، وذلك حين صار عمره (100) سنة.

 

وكان يتعهد ولده إسماعيل في وادي مكة من آن إلى آخر، وبنى مع ولده إسماعيل البيت الحرام بأمر من الله. قال الله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127].

 

 

 

وقد جاء في الإِصحاح الخامس والعشرين من “سفر التكوين”: أن إبراهيم تزوج بعد وفاة سارة زوجة اسمها “قطورة”، فولدت له ستة أولاد هم: زمران ويقشان ومدان ويشباق وشوحا ومديان.

 

وإلى مديان – هو مدين – بن إبراهيم هذا ينسب “أهل مدين” الذي أرسل إليهم “شعيب عليه السلام”.

 

ولما بلغ عمر إبراهيم عليه السلام (175) سنة ختم الله حياته في أرض فلسطين، ودفن في مدينة الخليل “حبرون وكان اسمها في الأصل قرية أربع”، في المغارة المقام عليها الآن مقام الخليل عليه السلام، وتعرف بمغارة الأنبياء.

 

واختتن وهو ابن ثمانين سنة، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اختتن إبراهيم النبي وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم”. رواه البخاري ومسلم.

 

 

 

-2 لمحات من قصة إبراهيم عليه السلام في القرآن:

 

وقد بسط القرآن الكريم مشاهد بارزة مهمة من حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام في عدة سور، وأبرز ما فيها النقاط التالية:

 

-1 بدأ حياته عليه السلام باحتقار الأصنام، وبيان سخف عبادتها، ثم ثورته عليها وتحطيمها، غير مكترث بما ينجم عن عمله هذا، وتنبيه عابديها على خطئهم البالغ في عبادتها وتعظيمها، ونشأته على ما بقي محفوظاً من ملّة نوح عليه السلام.

 

-2 تأمّلاته في ملكوت السماوات والأرض، وبحثه الذي دلّه على جلال الرب وكمال صفاته وتنزه ذاته عن كل صفة من صفات الحدوث وعوارض النقص.

 

-3 توجُّهه إلى الله فاطر السماوات والأرض، وتبرؤه مما يشرك المشركون.

 

-4 بلوغه منزلة النبوة والرسالة باصطفاء الله له، واضطلاعه بمهامها، وإنزال الصحف عليه المسماة “بصحف إبراهيم”.

 

-5 محاجّته لقومه بالبراهين والأدلة المنطقية المقنعة والملزمة، وثباته في محاجّةِ من آتاه الله الملك في البلاد، وارتقاؤه إلى أعلى مراتب الإِيمان بأن الله هو الذي يميت ويحيي، ويطعم ويسقي، ويمرض ويشفي، وبيده كل شيء.

 

-6 تعرضه للعذاب من قبل قومه، وذلك بإيقاد النار له في بنيان أعدوه لهذا الغاية، وإلقاؤه فيها، وصبره وثباته وثقته بالله، ثم سلامته من حرّها وضُرّها، إذ قال الله لها: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69] !!

 

-7 عزمه على الهجرة من أرض الشرك، وإيمان لوط به ومهاجرته معه.

 

-8 إثبات أن الله أنزل عليه صحفاً تسمى “صحف إبراهيم”.

 

-9 زيارته مكة، وإسكانه في واديها بعض ذريته وهو “إسماعيل”. ورفع قواعد بيت الله الحرام فيها بعد سنوات من الإسكان مع ولده إسماعيل عليهما السلام. وعهدُ اللهِ له ولولده إسماعيل أن يطهرا البيت للطائفين والعاكفين والركّع السُّجود، وأمر الله له أن يؤذِّن في الناس بالحج. ومشاهد رائعة من مواقف التجاءاته إلى الله، ومناجاته له بالعبادة والدعاء.

 

-10 طلبه من الله أن يريه كيف يحيي الموتى، وذلك ليطمئن قلبه، ويزداد يقينه بالحياة بعد الموت، إذا رأى بالمشاهدة الحسية كيفية حدوث ذلك.

 

-11 أن الله وهبه – على كبر سنه – إسماعيل وإسحاق، وخرق العادة له بإكرامه بإسحاق من امرأته العجوز العاقر “سارة”.

 

-12 مجادلته الملائكة المرسلين لإِهلاك قوم لوط، لعل الله أن يدرأ عنهم العذاب الماحق، وذلك طمعاً بأن يهتدوا ويستقيموا، إلاَّ أن جواب الرب ناداه: {إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11].

 

-13 إكرام الله له بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب من بعده، وقد كان واقع الأمر كما وعده الله، فجميع الأنبياء والرسل من بعده كانوا من ذريته. أما لوط عليه السلام فإنه كان معاصراً له، على أن إبراهيم كان عمه فيمكن دخوله في عموم الذرية.

 

قال أبو هريرة: (تلك أمكم يا بني ماء السماء).

 

مَهْيَمْ: كلمة استفهام، بمعنى: ما حالك، ما شأنك؟

قصة إبراهيم خليل الرحمن

يروى أن ابراهيم عليه السلام ولد ببابل و تزوج سارة و كانت عاقراً لا تلد ثم ارتحل هو و وزجته سارة و ابن أخيه لوط قاصدين أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران وكانوا يعبدون الكواكب السبعة.

والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين، يستقبلون القطب الشمالي، ويعبدون الكواكب ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل بكوكب منها، ويعملون لها أعياداً وقرابين.

وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام، وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل، وامرأته، وابن أخيه لوط عليهم السلام، وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذاك الضلال، فإن الله سبحانه وتعالى أتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولاً، واتخذه خليلاً في كبره قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي كان أهلاً لذلك.

 

وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، كما قال تعالى:

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً }.

فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة، و بيَّن له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها، ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً، أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر؟

ثم قال منبهاً على ما أعطاه الله من الهدى، والعلم النافع، وإن كان أصغر سناً من أبيه: {يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} أي: مستقيماً، واضحاً، سهلاً، حنيفاً، يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك، فلما عرض هذا الرشد عليه، وأهدى هذه النصيحة إليه، لم يقبلها منه ولا أخذها عنه، بل تهدده وتوعده.

{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}

{وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً} أي: واقطعني وأطل هجراني.

فعندها قال له إبراهيم: {سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي: لا يصلك مني مكروه، ولا ينالك مني أذىً، بل أنت سالم من ناحيتي، وزاده خيراً بأنى سأستغفر لك ربى الذى هداني لعبادته والإخلاص له.

ولهذا قال:{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً}

وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}.

 

ثم قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.

وهذه مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية، ولا أن تعبد مع الله عز وجل لأنها مخلوقة مربوبة، مصنوعة مدبرة، مسخرة، تطلع تارة، وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائم الباقي بلا زوال، لا إله إلا هو، ولا رب سواه فبين لهم أولاً عدم صلاحية الكواكب.، ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياءً وسناءً وبهاءً، فبين أنها مسخرة، مسيرة مقدرة مربوبة.

والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران، فإنهم كان يعبدونهاوأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها، كما قال تعالى: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}

وقال في سورة الأنبياء: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ }

 

يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام، أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان، وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها، فقال: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} أي: معتكفون عندها وخاضعون لها.

{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ}

ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد.

وقال لهم: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} سلموا له أنها لا تسمع داعياً، ولا تنفع ولا تضر شيئاً، وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم، ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال.

 

{قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}

بل إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شيء، فاطر السماوات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.

 

ابراهيم عليه السلام يلقى فى النار

وقوله:{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها، بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم.

قيل: إنه قال هذا خفية في نفسه، وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم. وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضره فقال: إني سقيم.

 

كما قال تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}

فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم، راغ إلى آلهتهم، أي: ذهب إليها مسرعاً مستخفياً، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها.

فقال لها على سبيل التهكم والازدراء: {أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} فكسرها بقدوم في يده كما قال تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} أي: حطاماً، كسرها كلها.

{إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} قيل: إنه وضع القدوم في يد الكبير، إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار. فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ}.

وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء، لكنهم قالوا من جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة ضلالهم وخبالهم: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} أي: يذكرها بالعيب والتنقص لها والإزدارء بها، فهو المقيم عليها والكاسر لها.

{قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أي: في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه.

وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عبّاد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه

فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا، {قَالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا..} قيل معناه: هو الحامل لي على تكسيرها، وإنما عرض لهم في القول: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}

وإنما أراد بقوله هذا، أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.

{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} أي: فعادوا على أنفسهم بالملامة فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، أي: في تركها لا حافظ لها، ولا حارس عندها.

وقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء، أي: فأطرقوا ثم قالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} أي: لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}

 

{قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}

عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبقَ لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته، ودينه وبرهانه كما قال تعالى:

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}.

وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثوا مدة يجمعون له، حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحريق إبراهيم، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب، وأطلقوا فيه النار، فاضطربت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط.

ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له هزن، وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك، فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً، ثم ألقوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.

ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار. وقالها محمد حين قيل له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}

عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم:

((لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك)).

وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: ألك حاجة؟

فقال: أما إليك فلا.

ويروى عن ابن عباس، أنه قال: جعل ملك المطر يقول: متى أومر فأرسل المطر؟ فكان أمر الله أسرع. {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}

قال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: {وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} لأذى إبراهيم بردها.

وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار، ولم يحرق منه سوى وثاقه.

وقال الضحاك: يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه، لم يصبه منها شيء غيره.

وقال السدي: كان معه أيضاً ملك الظل، وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار، وهو في روضة خضراء، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه، ولا هو يخرج إليهم، فعن أبي هريرة أنه قال: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعم الرب ربك يا إبراهيم.

 

وعن المنهال بن عمرو أنه قال: أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوماً، وأنه قال: ما كنت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها، ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها، صلوات الله وسلامه عليه.

 

مناظرة إبراهيم الخليل مع النمرود

 

هذه هى مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع العظيم الجليل في العظمة ورداء الكبرياء فادعى الربوبية، وهوَ أحدُ العبيد الضعفاء

 

قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله، وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحجة.

قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار، وهذا الملك هو ملك بابل، واسمه النمرود بن كنعان وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان طغى وبغى، وتجبر وعتا، وآثر الحياة الدنيا.

ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال على إنكار وجود الله تعالى، فحاجّ إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية.

فلما قال الخليل: (ربي الذي يحي ويميت قال: أنا أحي وأميت).

يعني أنه إذا آتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.

 

قَال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ} أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها. وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء. فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب فإنّ الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحد، أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.

فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت. ولهذا قال: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

 

قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبّار ملكاً يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه. ثم دعاه الثانية فأبى عليه. ثم دعاه الثالثة فأبى عليه.

وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي.

فجمع النمرود جيشه وجنوده، وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذباباً بحيث لم يروا عين الشمس وسلّطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاماً باديةً، ودخلت واحدةٌ منها في منْخَر الملكِ فمكثت في منخره أربعمائة سنة، عذبه الله تعالى بها فكان يُضْرَبُ رأسُه بالمرِازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.‏

هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام، ودخوله مصر

 

قال الله: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ}.

 

لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقراً لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط ، وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه، كرامة له من الله، حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه عز وجل، ودعوة الخلق إليه.

والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام، وهي التي قال الله عز وجل: {إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}.

 

قصّة سارة مع الملك.

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله {إِنِّي سَقِيمٌ} وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة، إذ نزل منزلاً فأتى الجبار فقيل له: إنه قد نزل هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس. فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختي، فلما رجع إليها قال إنَّ هذا سألني عنك؟ فقلت إنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وأنك أختي فلا تكذبيني عنده.

فانطلق بها، فلما ذهب يتناولها أخذ فقال: “ادعى الله لي ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها.

فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات

فدعا أدنى حشمه فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر.

فجاءت وإبراهيم قائم يصلي فلما أحس بها انصرف فقال: مَهْيَمْ،

فقالت: كفى الله كيد الظالم وأخدمني هاجر”.

 

وقال الإمام أحمد: فى رواية أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله حين دعي إلى آلهتهم فقال {إِنِّي سَقِيمٌ} وقوله{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} وقوله لسارة “إنها أختي”.

دخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس

قال: فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه معك؟

قال: أختي

قال: فأرسل بها

فأرسل بها إليه، وقال لا تكذبي قولي فإني قد أخبرته أنكِ أختي إنْ ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك.

فلما دخلت عليه قام إليها فأقبلت تتوضَّأ وتصلَّي، وتقول اللهم إن كنت تعلم إني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلاّ على زوجي فلا تسلط عليَّ الكافر،

قال: فغطَّ حتى رَكَضَ برجله.

عن أبي هريرة “إنها قالت: اللهم أن يمت يقال هي قتلته، قال: فأرسل.

قال: ثم قام إليها،

قال: فقامت تتوضأ وتصلّي وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر.

قال فغطَّ حتى ركضَ برجله،

عن أبي هريرة: إنها قالت اللهم أن يمت يقل هي قتلته، قال: فأرسل.

قال: فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إليّ إلا شيطاناً أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها هاجر.

قال: فرجعت فقالت لإبراهيم: أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخْدَمَ وليدة

 

وقوله في الحديث “هي أختي”، أي في دين الله،

وقوله لها: إنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك

وقوله لها لما رجعت إليه: مَهْيَمْ؟ معناه ما الخبر؟ فقالت: إن الله رد كيد الكافرين. وفي رواية الفاجر. وهو الملك، وأخدم جارية.

وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عز وجل ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء، وهكذا فعلت هي أيضاً، فلما أراد عدو الله، أن ينالَ منها أمراً قامت إلى وضوئها وصلاتها، ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم، ولهذا قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.

 

ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهي الأرض المقدسة التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر المصرية.

ثم إن لوطاً عليه السلام نزح بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم، وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً.

 

مولد إسماعيل عليه السلام مِنْ هاجر

 

قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وان الله بشَّره بذلك، وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد المقدس عشرون سنة، قالت سارة لإبراهيم عليه السلام، إن الرب قد حرمني الولد، فادخل على أمتي هذه، لعل الله يرزقني منها ولداً.

فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام، فحين دخل بها حملت منه، قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها، وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها سارة

قالوا: وولدت هاجر اسماعيل ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة.

 

غير أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل واشتدت غيرة سارة منها، طلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها فسارَ بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم.

 

مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى أرض مكّة

 

عن ابن عباس قال: “أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفى أثرها على سارة”.

ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء.

 

ثم قفّى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً؛ وجعل لا يلتفت إليها،

فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا. ثم رجعت.

 

فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.

وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى،أو يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً ..

فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.

قال النبي صلى الله عليه وسلم “فلذلك سعى الناس بينهما”.

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها.

 

ثم تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضُه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.

 

قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم “يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم”. أو قال: “لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً مَعِيْناً”.

فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.

 

وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء،لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جرييّن فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا.

 

قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقَّ لكم في الماء عندنا. قالوا: نعم.

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فألفى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم.

وشبَّ الغلام وتعلّم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك، زوّجوه امرأة منهم.

وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل، يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه؟

فقالت: خرج يبتغي لنا.

ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟

فقالت: نحن بشرٍّ نحن في ضيق وشدّةٍ وشكت إليه.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عتبة بابه.

فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟

فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا كذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة.

قال: فهل أوصاك بشيء؟

قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غيّر عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوَّج منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله. ثم أتاهم بعد فلم يجده،

فدخل على امرأته فسألها عنه؟

فقالت: خرج يبتغي لنا،

قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم،

فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل،

فقال: ما طعامكم؟

قالت: اللحم

قال: فما شرابكم؟

قالت: الماء.

قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ولم يكن لهم يومئذ حب. ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه” قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومُريه يثبت عتبة بابه.

فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير.

قال: فأوصاك بشيء؟

قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.

ثم ما لبث عنهم ما شاء الله. ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نَبْلاً له تحت دوحةٍ قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا، كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر،

قال: فاصنع ما أمرك به ربك،

قال: وتعينني؟

قال: وأعينك.

قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.

قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

 

 

قصة الذبيح

 

قال الله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِي، رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يا أبتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِين، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}.

 

يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشّره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام، لأنه أول من ولد له على رأس ستٍ وثمانين سنة من عمر الخليل. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل، لأنه أول ولده وبكره.

 

وقوله {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شبَّ وصار يسعى في مصالحه كأبيه. قال مجاهد: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شبَّ وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل.

فلما كان هذا رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده.و “رؤيا الأنبياء وحيٌ”.

وهذا اختبار من الله عز وجل لخليلهِ في أن يذبح هذا الابن العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس، ولا زرع ولا ضرع، فامتثل أمر الله في ذلك وتركها هناك، ثقة بالله وتوكلاً عليه، فجعل الله لهما فرجاً ومخرجاً، ورزقهما من حيث لا يحتسبان.

ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده، الذي ليس له غيره، أجاب ربَّه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته.

ثم عرض ذلكَ على ولده ليكونَ أطيب لقلبهِ وأهون عليه، من أن يأخذه قَسْراً ويذبحه قهراً {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}.

 

فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ}. وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد.

قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} قيل: أسلما، أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك و قيل: أراد أن يذبحه من قفاه، لئلا يشاهده في حال ذبحه، أو أضجعه كما تضجع الذبائح، وبقي طرف جبينه لاصقاً بالأرض.

(وأسلما) أي سمى إبراهيم وكبر، وتشّهد الولد للموت. فعندما أمَرَّ السّكين على حلْقِهِ لم تقطع شيئاً والله أعلم.

فعند ذلك نودي من الله عز وجل: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}. أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك. ولهذا قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ}. أي الاختبار الظاهر البين.

 

وقوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم}. أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يَسَّرَهُ الله تعالى له من العوض عنه.

والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن. قال الثوري عن ابن عباس قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً

قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا.

وكذا روى عن ابن عباس : أن رأس الكبش لم يزل معلقاً عند ميزاب الكعبة قد يبس.

 

ذكر مولد إسحاق عليه السلام

 

قال الله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}.

وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيم وسارة، لما مروا بهما مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط، ليدمروا عليهم، لكفرهم وفجورهم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ، قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ}.

يذكر تعالى: أن الملائكة قالوا، وكانوا ثلاثة جبريل وميكائيل واسرافيل، لما وردوا على الخليل، حسبهم أولاً أضيافاً، فعاملهم معاملة الضيوف، وشَوَى لهم عجلاً سميناً، من خيار بقره، فلما قرّبه إليهم وعرض عليهم، لم يَرَ لهم همّةً إلى الأكل بالكلية، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام (فنكرهم) إبراهيم وأوجس منهم خيفة {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}أي لندمر عليهم.

 

فاستبشرت عند ذلك سارة غضباً لله عليهم، وكانت قائمة على رؤوس الأضياف، كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم، فلما ضحكت استبشاراً بذلك قال الله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} أي بشرتها الملائكة بذلك {فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي في صرخة {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} أي كما يفعل النساء عند التعجب.

 

وقالت: {يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً} أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضاً، وهذا بعلي أي زوجي شيخاً؟ تعجبت من وجود ولد، والحالة هذه، ولهذا قالت: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ، قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ}.

وكذلك تعجَّب إبراهيم عليه السلام استبشاراً بهذه البشارة وتثبيتاً لها وفرحاً بها: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ}

أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه فبشروهما {بِغُلامٍ عَلِيمٍ}. وهو إسحاق أخو إسماعيل غلام عليم، مناسب لمقامه وصبره، وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر. وقال في الآية الأخرى {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}.

 

فقوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق، ثم من بعده بولده يعقوب.

وهذا إن شاء الله ظاهر قوي ويؤيده ما ثبت في الصحيحين. في حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركت الصلاة فصلِّ فكلها مسجد”.

 

ذكر بناية البيت العتيق

 

قال الله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}.

وقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِين، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}.

يذكرُ تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء إبراهيم عليه السلام أنه بنى البيت العتيق، الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس، يعبدون الله فيه وبوّأه الله مكانه، أي أرشده إليه ودلّه عليه.

وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره أنه أرشد إليه بوحي من الله عز وجل. وقد قدمنا في صفة خلق السماوات، أن الكعبة بحيال البيت المعمور، بحيث أنه لو سقط لسقط عليها، وكذلك معابد السماوات السبع، كما قال بعض السلف: إن في كل سماء بيتاً يعبد الله فيه أهل كل سماء، وهو فيها ككعبة لأهل الأرض.

فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام، أن يبني له بيتاً يكون لأهل الأرض، كتلك المعابد لملائكة السماوات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له، المعين لذلك منذ خلق السماوات والأرض، كما ثبت في الصحيحين: “أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة”.

ولم يجئ في خبر صحيح، عن معصوم، أن البيت كان مبنيّاً قبل الخليل عليه السلام

وقد قال الله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}. أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة. وقيل محل الكعبة {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} أي على أنه بناء الخليل والد الأنبياء ممن بعده، وإمام الحنفاء من ولده، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته، ولهذا قال: {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} أي الحِجْر الذي كان يقف عليه قائماً لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لمّا تعالى البناء، وعظم الفناء

وقد كان هذا الحَجَرُ ملصقاً بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخّره عن البيت قليلاً، لئلا يشغل المصلّين عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا، فإنّه قد وافقه ربه في أشياء، منها قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وقد كانت آثار قدميّ الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإسلام حيث أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت، على قدر قدمه حافية

قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في وادٍ غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات، مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرماً محرماً، وآمنا محتما.

فاستجاب الله وله الحمد له مسألته، ولبّى دعوته وآتاه طلبته قال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا}.

وسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم، أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة، لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الأولى والآخرة.

وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولاً، وأي رسول ختم به أنبياءه ورسله،

فمن ذلك ما قاله السدّي: لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت، ثم لم يدريا أين مكانه؟ حتى بعث الله ريحاً يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، وذلك حين يقول تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ}.

فلما بلغا القواعد وبنيا الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي الحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء، مثل النعامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسّود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن. فقال: يا أبتي من جاءك بهذا؟ قال جاء به مَنْ هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

اسئلة

كيف يمكن ان يكون النمرود ابن كنعان

ويقال انه ولد في اور الكلدانية

والدولة الكلدانية قامت بعد وفاة ابراهيم ب 200 سنة

نسب ابراهيم في كل روايات المسلمين هي ذاتها التي ذكرها التوراة

يجمع المسلمين على ان ابراهيم ولد في مدينة بابل من ارض الكلدان .. وهي ذات الرواية التوراتية

هل ينسجم الوصف الاسطوري لابراهيم مع انه كان يتخلى عن زوجته للملوك – فرعون والملك في فلسطين – مقابل غنم وذهب

في دعوته لابراهيم يتطابق مع ما جاء بالتوراة

لا يوجد أي اثر تاريخي مادي على ولادة ابراهيم في بابل غير قصص اليهود التوراتية

قصة الحرق الاسطورية .. وهل شخص مثل نمرود وما وصف به من اوصاف دموية ينتظر الى ان يجمع الناس حطبا ليحرقوه .. ام ان المنطق يقول انه سيستفز فورا ويستل سيفه ويقطع رقبته .. او انه يامر عبدا له ليقطع راسه

انها اساطير اليهود يرددها المسلمين

ثم لو سلمنا جدلا بان النار لم تحرقه فكيف يتركه الجبار نمرود . ويطلق سراحه .. او حتى الناس الذين يشاهدون الحريق ليشفوا غليلهم كيف يتركوه .. كم هذا مناف للعقل ؟؟

والغريب ان تجري محاججة نيرون لابراهيم بعد ان نجا من النار .. والمنطق يقول ان المحاججة يفترض ان تكون قبل الحرق وعقابا لابراهيم لانه رفض ما يقوله النمرود .. وعقابا له

الزمخشري وابو السعود قالا المحاجة قبل النار

الطبري وابن الكثير قالا قبل النار

اين تقع ارض حران ؟؟؟ التي هاجر اليها ابراهيم بعد الحرق حسب الروايتين اليهودية والاسلامية

هجرته من بابل ارض الكلدانيي الى ارض الكنعانيين .. لاحظوا التناقض (نمرود بن كنعان)

خرج من بابل الى حران وهي ارض كلدانية ثم الى ارض كنعان .. هراء وهرطقة كيف

الوصف الجغرافي لمدينة حران انها تقع على طريق الموصل في شمال العراق الشام .. لاحظوا التناقض الرواية تقول انه ولد في جنوب العراق فما الذي ذهب به الى شمالها ومنها الى بلاد الشام ؟؟؟

ويقول ياقوت الحموي ” عن بعض المفسرين في قوله تعالى “اني مهاجر الى ربي : انه اراد حران ، وقالوا بقوله تعالى ونجيناه ولوطا الى الارض التي باركنا فيها للعالمين هي حران “

لكن الطبري والقرطبي يقولان ان فقط مر بحران الى بلاد ارض الكنعانيين بالشام (مؤكدان رواية اليهود في التوراة)

ويذهب هؤلاء المفسرين الاسلاميين الى تاكيد ان الارض المقدسة هي ارض فلسطين مستشهدين باية “سبحان الذي اسرى بعبدهليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله ) أي في فلسطين

وفي ذلك خطاء اساسي حيث ان المسجد الاقصى المذكور في القران ليس هو الذي بالقدس

تاريخ بناء المسجد الاقصى في القدس .. هل هناك مسجد اقصى اخر ؟

يقول المفسرون ان ابراهيم خرج من حاران مع زوجته سارة وابن اخيه لوط .. يعني كان متزوجا من سارة .. متى تزوج سارة .. من هي سارة ؟؟؟

في الرواية الاسلامية ان ارض الشام اصابها القحط مما دفع ابراهيم للهجرة الى مصر ؟؟؟ هل يذكر التاريخ ما يثبت حدوث الجدب والقحط ؟؟

انظروا الى تحقير ابراهيم وهو الشخص الذي اتخذه الله خليلا ونجا من النار فا ذبه عندما دخل مصر يتخلى عن زوجته سارة للفرعون ليتزوجها بعد ان قال له انها اخته (ولا يفعل ذلك الا كذاب .. ونذل يتخلى عن زوجته لغيره ) وهذه ليست من صفات النبوة بل ليست من صفات فلاح فقير ولا حتى عبد ومع ذلك يرددها علماء المسلمين ومفسروهم ومؤرخوهم

وهل يفترض بمجنون انيصدق هذه الرواية وكان نساء مصر ذميمات قبيحات لتتفوق عليهن عبرانية بدوية مشردة هي وزوجها ؟؟

ويتذاكى بعض علماء المسلمين في تفسير كذب ابراهيم رغم ان الرسول قال ان ابراهيم كذب في ثلاث .. ويتلاعبون بالالفاظ ويصدقهم الغفلة والعوام والذين اعتقدوا بالتسليم بان الطبري والزمخشري وابن كثر لا ينطقون عن الهوى .. ولا يرون مدى وعمق الثقافة اليهودية في نفوسهم وهويحاولون استقراء التاريخ

يقول ابن كثير انظروا الجهل المطلق ” بعد حادثة الفرعون وسارة رجع ابراهيم وسارة من مصر الى ارض التيمن ومعه هاجر القبطية .. وهل كان هناك شيء اسمه الاقباط زمن الفراعنة ؟؟؟

انظروا الى الخرافة في روياة ابن كثير

ان ابراهيم بعد عودته في مصر ومعه الجارية القبطية المصرية اقام في بلاد لاشام 20 عاما ثم اشتاقت نفسه الى الولد وتطلعت الى الخلف فدعا ربه ان يهبه من الصالحين ولما رات سارة اشتياقه الى الولد وتطلعه الى الذرية وقد وجدت نفسها في وضع لا يمكنها من الحمل لعقمها وكبر سنها فارادت ان تده لالسرور على قلب زوجها فوهبت له خادمتها هاجر واشارت عليه ان يدخل بها لعل الله يرزقه منها بولد تقر به عينه وتسعد به نفسه فاستجاب ابراهيم عليه السلام فسر فدخل بسارة فجاءته باسماعيل

انظروا الى ما لا يمكن تصديقه .. تقول الرواية الدينية ان سارة غارت من هاجر فطلبت منه ان يبعد هاجر ورضيعها عن وجهها .. فا ذبه يتوجه بها الى مكة ..؟ لماذا مكة .. وهو لا يعرفها .. المنطق والعقل يقول ان يذهب بهما الى مصر موطن هاجر .. وليس الى بلد لا يعرفها وتبعد عنه 1000 كيلو متر يحتاج الى السير 3 سنوات على قدميه للوصول لايها . ام يكن الاجدر من نبي الله وخليله وله من الحنكة والحكمة ان يذهب بزوجته ورضيعها الى موطنه .. ام ان ابن كثير وغيره يرددوا ما قالته توراة اليهود ؟؟؟ لا ياتي احدا ويدعي انه حكمة من الله .. الله الحيكم يبعد الغيرة عن قلب سارة وانتهى الامر .. الله الحكيم يامر ابراهيم ان يذهب بها الى موطنها .. الله الحكيم لا يجعل سارة عاقرا .. الله الحكيم القادر المقتدر الذي يقول لشيء كن فيكون ليس هو من يترك ابراهيم يذهب الى واد غير ذي زرع ؟؟ لماذا ؟؟؟

متى كان بيت الله المحرم في واد غير ذي زرع .. كما جاء في الاية .. لماذا بيت الله في واد غير ذي زرع ؟؟؟ لماذا لم يجعله في ارض الخير والرزق ؟؟ اعلم ان مستشيخا سيقول هي حكمة الله .. وفي قوله هذا تجنيا على الله وحهلا بالله العزيز الحكيم

ثم دعا ابراهيم ربه فقال في الاية .. ولكن حتى الان مكة حيث يشار الى انها المكان الذي ترك فيه ابراهيم زوجته هاجر لم تكن ارض جبلية جرداء قحلاء ..

يقال عند المسلمين الجهلاء ان هاجر اول من استخدمت النطاق على وسطها (الكرزام او الرباط) وترفع ثوبها وتعلقه به عند الشغل وهذا عكس المنطق بالمطلق لان النساء كانت قوة عمل رئيسية في الارض والبيت واتخذت نساء مصر والسومريين والبالبليين النطاق وغيره ولم ولن تكن هاجر هي اول من استخدم النطاق ولكن هذا من اساليب التفخيم والتضخيم هند اصحاب المعتقدات لرفع مكانة البعض

وفي رواية اخرى يقال انه تركها في صحراء بئر السبع وان عطش ابنها وكل القصة حدثت في بئر السبع

ويواصل الرواة سرد قصة خيالية عن هاجر وبئر زمزم فيقولوا ان بعض افراد قبيلة برهم مروا بالمنطقة فراو طيرا فعرفوا ان هناك ماء وذهبوا باتجه طيران الطير فوجدوا هاجر وابنها فطلبوا منه السكن عندها .. أي خيال واسع لدى كتاب هذه الرواية

دون أي توضيح للفترة الزمنية غير القول انه لما بلغ اسماعيل السعي .. وهذا يعني انه غاب عنهما 18 سنة او لنقل 12 سنة .. فقام بزيارتهما .. هل من المعقول ان يغيب والد عن ابنه وزوجته 12 او 18 عاما دون ان يعلم عنهما شيئا وكل ذلك لان زوجته تغار ..؟؟ ثم الم تلد سارة اسحق ويفترض ان تنفي الغيرة .. والى أي مدى تتطابق هذه الرواية مع التوراة ؟؟؟

اذا كان صحيحا وهذا ما يؤكده الفمسرونوالمؤرخون المسلمين ان ابراهيم كان يقيم في بلاد الشام شرق بيت المقدس .. فان المسافة بين القدس ومكة

 

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s