الاستفتاء..القدر الديمقراطي على حكام الشعوب

الاستفتاء..القدر الديمقراطي على حكام الشعوب

حمزة خيراني

https://i2.wp.com/www.musawah.net/media/news/item_img1000178017.jpgكثيرا ما نسمع عن الاستفتاء عبر وسائل الإعلام والتي تخبرنا في كل مرة عن اقتراب موعد إجراءه في دولة من الدول، فيسأل المختصون في تلك المناسبة عن توقعاتهم لنتائج هذا الاستفتاء أو ذاك وعن ما ستخلفه تلك النتائج في الحياة السياسية للبلد المعني، فمن استفتاء فنزويلا إلى استفتاء جزر القمر إلى الاستفتاءات المختلفة لدول الإتحاد الأوربي إلى استفتاء صربيا وتركيا وأخيرا استفتاء جنوب السودان الذي أسال الكثير من الحبر هذه الأيام.

ونظرا لانتشار هذه الظاهرة القانونية السياسية القديمة والجديدة في نفس الوقت نحاول في هذه الأسطر تسليط الضوء على مفهوم الاستفتاء بصفة عامة وأسسه القانونية وأهم تطبيقاته عبر التاريخ السياسي للدول ولماذا يعتبر مصدر تشاؤم للبعض ومصدر تفاؤل للبعض الآخر ؟

I-مفهوم الاستفتاء وأنواعه:

يعتبر الاستفتاء من أهم مظاهر تجسيد السيادة الفعلية للشعب وقد عرفه السيد أوستن راني Austin Ranney في مجلة بوفوار pouvoir بما يلي: “الاستفتاء هو اقتراع من خلاله يعبر المواطنون عن دعمهم أو رفضهم لإجراء معين مقترح من طرف الحكومة أو من طرف مبادرة شعبية”(1).

فالكثير من دساتير العالم تعترف بحق الشعب في الاستفتاء عن طريق الإشارة الصريحة أو الإشارة الضمنية. كالدستور الفرنسي مثلا لسنة 1958 – وهو الدستور الساري المفعول إلى يومنا هذا – ينص في مادته الثالثة على ما يلي: “السيادة الوطنية ملك للشعب الذي يمارسها بواسطة ممثليه وعن طريق الاستفتاء” أما الدستور الإسباني فينص ضمنيا على حق الاستفتاء في مادته الأولى بعبارة: “السيادة الوطنية تكمن في الشعب الإسباني” والدستور البرتغالي أضاف إلى نفس معنى مادة الدستور الإسباني عبارة: “يمارسها بالطرق التي ينص عليها الدستور” أما في الدستور الجزائري فإن المشرع قد نص صراحة في دستور 1996 وفي المادة السابعة بأن الشعب يمارس سيادته عن طريق الاستفتاء وعن طريق ممثليه النيابيين.

وبعد هذا الأساس التشريعي للإستفتاء نعود لنتحدث عن تاريخه ، حيث أغلب الفقهاء يعيدونه إلى الحقبة اليونانية القديمة أين كانت تمارس الديمقراطية المباشرة. ولكل مواطن وقتها الحق في ممارسة السلطة السياسية (2). فيجتمع كل المواطنين يوميا في مكان عمومي أو ساحة وبدون وسطاء (ممثلين) ويتخذون القرارات التي تخص المدينة الدولة Cité (3). ومع مرور الزمن أصبحت تلك الطريقة مستحيلة بسبب تكاثر الشعوب وقلة إمكانات الاستيعاب، مما استوجب اللجوء إلى ممارسة أخرى للسيادة وهي خلق مؤسسات تمثل المواطنين كالبرلمان الذي ينتخبه الشعب، خلال كل أربع سنوات أو خمس كما يحدث في وقتنا الحديث، وهؤلاء الذين يمثلون الشعب يشرعون باسمه وينظمون شؤون الدولة والسلطة عن طريق التصويت على القوانين كما هو معمولا به في كامل دول المعمورة.

ولكن يحدث وان هذا النظام البرلماني أو النيابي لا يتمكن من الفصل في قضية ما في ظرف ووقت معينين نظرا لأهمية القضية أو موضوع النزاع الذي ينشب بين الممثلين والسلطة التنفيذية أو حركة المجتمع المدني ومختلف فعاليات المجتمع، فحينها سيلجأ رئيس الدولة إلى الاستفتاء أين يدعو الشعب إلى التصويت وإبداء الرأي في الموضوع لتتحول نتيجة التصويت إلى حل مناسب ووسط Compromis للقضية المتنازع عليها. وقد سجل التاريخ الفرنسي أول عودة إلى الشعب عن طريق تنظيم استفتاء سنة 1791 حول أول جمهورية ومنذ ذلك الوقت والدول الديمقراطية دأبت على اللجوء إلى الاستفتاء مرة أو مرتين في السنة، وفقهاء القانون يسمون هذه العودة إلى الشعب صاحب السيادة من وقت لآخر في ظـل الأنظمـة البرلمانيـة بالديمقراطيـة النصـف مبــاشرة Démocratie semi -directe .

ولكن هذه الظاهرة القانونية السياسية (الاستفتاء) عرفت سلبيات عديدة شوهت بصورتها وغيرت هدفها الأول، مثل ما يسمى بالطرق التسلطية البونابارتية نسبة إلى نابليون بونابارت ملك فرنسا الذي استغل الاستفتاء للسطو على الحكم وإعادة النظام الملكي إلى الجمهورية الفرنسية عن طريق تنظيم استفتاءات صورية سميت في الفقه الدستوري بالإستفتاء الشخصي أو السياسي plibiscite حيث بدلا من أن يسوط الشعب من أجل قضية يسوط على شخص الحاكم المنظم للإستفتاء مثل ما حدث في روسيا سنة 1993 أين كان سؤال الاستفتاء “هل تثق في الرئيس التسين”. وذلك ما حدث أيضا في الإستفتاءات الشهيرة التي أعطت الشرعية المطلقة للزعيم الألماني هتلر خلال السنة الأولى لحكمه “الرايخ الثالث” وهذا ما يفسر حساسية القانون الأساسي الألماني الحديث 1949 للإعتراف بحق الاستفتاء الشعبي.

ويقسم فقهاء القانون الاستفتاءات بصفة عامة إلى أربع ثنائيات (4)

-الاستفتاء الدستوري والاستفتاء التشريعي:

فالاستفتاء الدستوري يكون حين يدعى الشعب إلى التصويت حول تعديل جزئي أو كلي في الدستور مثل ما حدث في روسيا سنة 1993 وإسبانيا سنة 1978 والجزائر سنة 1996، ونكون أمام استفتاءا تشريعيا حين يكون السؤال المطروح في الاستفتاء يخص قانونا عاديا مثل استفتاء 1992 بفرنسا حول المصادقة على ميثاق ماستريخت بشأن الاتحاد الأوربي واستفتاء بريطانيا 1975 حول البقاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية أم لا. وتعتبر سويسرا البلد الوحيد في العالم الذي ينظم استفتاءات تشريعية في كل وقت تقريبا فغدت بذلك بلد الاستفتاءات التشريعية بدون منازع. والدستور الفرنسي فصل بين الإستفتائين، أين خصص المادة 89 للإستفتاء الدستوري و المادة 11 للاستفتاء التشريعي.

-الاستفتاء الإجباري والاستفتاء الاختياري:

يكون الاستفتاء إجباريا حين لا توجد وسيلة أخرى للوصول إلى نتيجة حول النزاع أو القضية المراد الفصل فيها خاصة في حالات الفراغ البرلماني أو بنص الدستور، ويكون اختياريا في باقي الحالات التي يمكن فيها اللجوء إما إلى التصويت البرلماني أو التصويت الشعبي .

وأحسن مثال على الاستفتاء الإجباري هو المراجعة الدستورية في سويسرا التي تخضع حتما للاستفتاء الشعبي ولا يمكن أن تمر عبر البرلمان وفقا للمادة 121 من الدستور السويسري، ومثال الاستفتاء الاختياري هو المادتين المذكورتين آنفا من الدستور الفرنسي (89، 11) حيث لا يعتبر اللجوء إلى الاستفتاء إجباريا بل اختياريا، إما البرلمان أو الشعب فيما يخص التعديل الدستوري أو التشريع العادي.

-استفتاء وطني أو محلي:

يكون الاستفتاء وطنيا حين يخص كل الوعاء الانتخابي الوطن بمعنى كل المواطنين الذين تتوفر فيهم شروط الانتخاب مثل: استفتاء المصالحة الوطنية في الجزائر سبتمبر 2005.

أما الاستفتاء المحلي فإنه يخص سكان منطقة معينة من الوطن وعادة ما ينظم هذا النوع من الاستفتاءات في الدول الفيدرالية مثل الولايات المتحدة الأمريكية أين تعتبر ولاية كاليفورنيا متميزة بكثرة الاستفتاءات، وكذلك الشأن بالنسبة لاسكتلندا وبلاد الغال في المملكة المتحدة البريطانية. واستفتاء تقرير المصير بالنسبة لجنوب السودان المصادف للتاسع جانفي 2011 يدخل في هذه الفئة أي الاستفتاءات المحلية التي تخص سكان منطقة الجنوب وقد لاحظنا عبر وسائل الإعلام كيف أن سكان شمال السودان المنتمين للجنوب هم أيضا معنيين بالاستفتاء.

-استفتاء الزامي واستفتاء استشاري:

يكمن الفرق بين هذين النوعين من الاستفتاء في كون الأول تعتبر نتيجته رسمية وتاخذ الطابع القانوني بعد أن تتبناها المجالس المنتخبة أو المجلس الدستوري وتعتمدها المحاكم المختصة، أما الاستفتاء الاستشاري فهو يهدف إلى معرفة رأي الشعب في قضية ما، مما يسمح فيما بعد ببناء قرارات سياسية لا تخالف إرادة الشعب كونه صاحب السيادة الأول. وهذا الاستفتاء الاستشاري صار يمارس في البلديات والدوائر الانتخابية في الدول الديمقراطية من أجل الشروع في إنجاز المشاريع أو اتخاذ القرارات المهمة. فمثلا تم استفتاء سكان منطقة باريس يوم 09 سبتمبر 2001 بشأن إنشاء مطار ثالث بالمنطقة فكانت النتيجة أن 91% من منتخبي 46 بلدية صوتت بالرفض. فألغي المشروع نهائيا(5) رغم أن الهيئات الرسمية لم تكن مجبرة على إلغاءه إلا أنها أخذت برأي المنتخبين أو بالأحرى السكان المعنيين بالمنطقة الباريسية.

II-المبادرة بالاستفتاء ومجال تطبيقه:

وبعد أن تطرقنا إلى مختلف أنواع الاستفتاءات يبقى أن نتساءل عن من له الحق في الإعلان عن الاستفتاء ؟ وما هو مجاله Le champ Référendaire ؟

الذي يعلن عادة عن تنظيم الاستفتاء هو الرئيس أو الملك خاصة إذا تعلق الأمر بالاستفتاء الدستوري سواء كان تعديلا جزئيا أو كليا، لكن صاحب الفكرة الحقيقي يمكن أن يكون الرئيس في حد ذاته، أو رئيس الحكومة أو مجموعة من البرلمانيين وهذا ما يسمى بالاستفتاءات من أعلى «Référendum d’en haut ». أما إذا كانت المبادرة أو الفكرة نابعة من طرف مجموعة من المواطنين والمجتمع المدني فذلك ما يسمى بالاستفتاءات ذات المبادرة الشعبية « Initiative Populaire » ويطلق عليها فقهاء القانون بالاستفـتاءات من أسفـل «Référendum d’en bas » أي نابعة من القاعدة الشعبية، وهذا النوع الأخير تعمل به بعض الدول فقط نظرا لحساسيته وخطورة انعكاس نتائجه على استقرار الدول (6) إضافة على الوعي السياسي والمدني المطلوب في المجتمعات التي تسمح لمجموعة من السكان باقتراح استفتاء شعبي في قضية معينة. فحتى فرنسا لم تغامر في هذا الاتجاه رغم المحاولات العديدة للمجتمع المدني، و السلطة التنفيذية في فترة الثمانينات إلا أن المجلس الدستوري يرفض تماما استفتاءات المبادرة الشعبية (7). أما الدول التي دأبت على تنظيم هذا النوع من الاستفتاءات فنجد بالدرجة الأولى سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا. واستفتاء سويسرا الأخير حول منع بناء المآذن في المساجد السويسرية جاء بعد مبادرة شعبية واسعة.

وعلى العموم فغن الدساتير تضع شروطا معينة تقيد بها من بإمكانه المبادرة بتنظيم الاستفتاء سواء من أعلى أو من أسفل. فالدستور السويسري يشترط في الاستفتاء الدستوري مئة ألف توقيع من طرف المواطنين (8) ويكونون موزعين على أغلب الكونتونات cantons (9).

وكذلك نجد المادة 11 من الدستور الفرنسي تقيد مجال المبادرة بالاستفتاء التشريعي حيث لا يمكن أن يستفتى الشعب في كل المجالات خاصة الحريات الأساسية، وهذا ما عبر عنه الجنرال ديغول بقوله: “لا يجب أن نجعل من الاستفتاء باغيا وننظمه حول كل شيء”.

« Il ne faut pas prostituer le referendum en le faisant jouer à tout propos » (10).

ومع مجيء الرئيس الفرنسي جاك شيراك، نظم استفتاءا سنة 1995 من خلاله تم توسيع مجال المبادرة في المادة 11 من الدستور إلى مجالات التربية والحماية الاجتماعية والعمل.

III- سؤال الاستفتاء والحملة الإعلامية:

في مقال مميز لأستاذ ستيفانيني Stefanini بمجلة فرنسية مخصصة في القانون الدستوري بعنوان الاستفتاءات وحماية الحقوق الأساسية (11) تطرق إلى نقطتين هامتين عن الاستفتاء، الأولى تتمثل في نوع الأسئلة المطروحة على المنتخبين والثانية تخص الحملة الاستفتائية أي ما تروجه وسائل الإعلام وأصحاب المبادرة لدعوة الناس إلى الاستفتاء بنعم أو لا.

ففي ما يخص سؤال الاستفتاء يقول ستيفانيني: يجب أن يكون واضحا وغير غامض ومختصر ولا يجب الجمع بين سؤالين في استفتاء واحد مثل ما حدث في استفتاء 1969 الذي على إثره استقال الجنرال ديغول من منصبه كرئيس للجمهورية الفرنسية، حيث طرح الاستفتاء المذكور سؤالين على الشعب الفرنسي، الأول يتعلق بخلق مناطق أي تقسيم الإقليم الفرنسي على مناطق « Régions »، والسؤال الثاني يتعلق بتجديد مجلس الأمة. مما دفع بالشعب أن يصوت بالرفض لمشروع الجنرال الذي تعود على ثقة الشعب المطلقة بشخصه.

وهذا ما يجعلنا نؤكد على أن شعب أي دولة مهما كان مبلغه من الثقافة والوعي فإنه لا يمكنه أن يبث ويقرر في مسائل معقدة تتعلق بوثيقة دستورية كاملة أو اتفاقية طويلة وعريضة مثل اتفاقية ماستريخت الأوربية أو مواثيق أخرى مهمة تتعلق بمصير دولة بأسرها، لأن هذه المواضيع وغيرها تتطلب مختصين ومجالس مختصة ولا يمكن أن نحمل الشعب مسؤولية التصويت عليها. من اجل ذلك يجب أن يكون سؤال الاستفتاء في متناول الشعب الذي يتكون من طبقات متفاوتة المستوى ومختلفة الاهتمامات خاصة إذا كان الاستفتاء إلزاميا ينبثق عنه قانونا يطبق على مجموع السكان.

أما النقطة الثانية التي يطرحها الأستاذ ستيفانيني فإنها تتعلق بالحملة الإعلامية للاستفتاء المراد إجراؤه «Compagne référendaire » فهذه الحملة يمكن لها أن توجه الرأي العام إلى رأي معين وفق ما يريده منظمو الاستفتاء بالأخص إذا كانت هناك تعددية حزبية فإن الحزب الحاكم صاحب الأغلبية بإمكانه أن يحول النتائج إلى صالح توجهاته وقناعاته، وأيضا يمكن لتلك الحملة أن تولد ضغائن وأحقاد وسط المجتمع الواحد. ففي الولايات المتحدة الأمريكية أجريت دراسة حول الاستفتاءات النابعة عن المبادرات الشعبية، فوجد أن الكثير من تلك المبادرات كانت تحمل في طياتها اتجاها عنصريا، نحو السود او نحو المهاجرين ذوي الصول المكسيكية و اليابانية. بل حتى في سويسرا بلد الاستفتاءات بدون منازع بادرت مجموعة من المواطنين في إحدى المقاطعات السويسرية في بداية الثمانينات بتنظيم استفتاء يمس بحق المرأة في الانتخاب.

ورغم أن أغلب تلك المبادرات وغيرها والتي تمس بالحريات العامة وتتميز بالطابع العنصري سترفض من طرف المحاكم الدستورية للدول المعنية أو يرفضها الشعب أثناء التصويت. إلا أنها تخلف مفعولا سلبيا على المجتمع حيث بمجرد جمع التوقيعات اللازمة للنصاب القانوني يتم شرح فكرة المبادرة للمواطنين وبالتالي يحدث التأثير وتنعكس نتائج تلك الحملة على الطبقة المقصودة بالاستفتاء مما يؤثر على علاقات أبناء المجتمع الواحد فيما بينهم ويهدد الوحدة الوطنية بالدرجة الأولى. وذاك ما حدث فعلا في سويسرا أثناء استفتاء منع بناء المآذن على التراب السويسري. كما يمكننا مشاهدة وعلى المباشر هذه الأيام ما فعلته وتفعله الحملة الاستفتائية حول تقرير مصير جنوب السودان في سكان البلد الواحد وما يمكن أن ينجر عن النتائج خاصة بعد أن صرحت الكثير من الشخصيات السياسية السودانية عن نية السلطة في عدم إجراء الاستفتاء بل دق البعض طبول الحرب بين الشمال والجنوب لتعود مآسي الحرب الأهلية من جديد والتي تأتي على الأخضر واليابس في المنطقة.

 

IV -الاستفتاء إما أن نذهب إليه أو يأتي إلينا:

كما يعلم الجميع فإن الاستفتاء حول مصير جنوب السودان جاء بعد ضغط المجتمع الدولي على الحكومة السودانية التي يبدو أنها لم تتصرف بحكمة وبعدل مع كامل الشعب السوداني مما جعل المجتمع المدني في مناطق دارفور وجنوب السودان ومنطقة أبي يستنجد بالمنظمات الدولية ووسائل الإعلام الثقيلة من اجل المطالبة بالانفصال عن أكبر دولة في أفريقيا.

واستفتاء جنوب السودان هذا يلوح باستفتاءات مصيرية في الكثير من الدول التي لا تكرس الحكم الراشد ولا تطبق قاعدة العدل أساس الملك. خاصة إذا كانت شعوبها تتكون من إثنيات مختلفة. وبالموازاة مع ما يجري من استفتاءات للإنفصال تجرى استفتاءات أخرى بالمقابل في الدول الديمقراطية من أجل الانضمام إلى كتلة أوربية واحدة رغم تعدد الإثنيات وتعدد اللغات التي لا تقل الآن عن عشرين لغة في الإتحاد الأوربي.

ويقودنا هذا الكلام الأخير إلى الحديث عن الدور المزدوج الذي تلعبه الاستفتاءات في الحياة السياسية للشعوب، فهي مرة توحد ومرة تفرق ومرة تجمع الشعب حول رئيسه المفضل مثلما حدث في فنزويلا ومرة تعبد الطريق نحو غد أفضل مثل ما حدث في تركيا في شهر سبتمبر 2010 حين تمت القطيعة مع نظام الوصايا العسكرية.

وأخيرا نقول أنه على الحكومات أن تكرس الإستفتاءات- رغم كلفتها المادية- على الأقل في صورتها الاستشارية Consultatif من أجل معرفة رأي شعوبها في الكثير من القضايا المصيرية ولما لا، تكريس الاستفتاءات المحلية على مستوى البلديات الصغيرة وذلك حتى تتحقق الديمقراطية المباشرة في تسيير شؤون البلاد في كل صغيرة وكبيرة وتنتهي بذلك مظاهر الارتجال في اتخاذ القرارات في ظل البرلمانات والمجالس المنتخبة غير الفعالة وغير المضطلعة بدورها الحقيقي. لأنه حتى في دول البرلمانات المحترمة صارت العودة على الشعب صاحب السيادة أكثر من ضرورة على الأقل مرتين أو ثلاث في السنة.

فما على الدول الضعيفة اقتصاديا وسياسيا إذا إلا تنظيم الاستفتاءات طوعا حتى لا تنظمها كرها مثلما حدث في السودان. لأن كلفة مشروع فاشل أكثر بأضعاف المرات من استفتاء الشعب في ذلك المشروع قبل الخوض فيه وكلفة تقسيم بلد كالسودان أكثر بملايين المرات من كلفة تطبيق العدل والمساواة وتوزيع الثروة على كامل السكان توزيعا عادلا ومحاربة الرشوة والفساد.

أليس ما خاب من استشار ؟.

 

مهتم بالثقافة القانونية رئيس جمعية ترقية و حماية البيئة لولاية خنشلة –الجزائر- وعضو شبكة مساواة.

hamzakhirani@gmail.com

 

الهوامـــش:

(1) مجلة pouvoir الفرنسية عدد 77 ص 07

FRANCIS HARMAN : le référendum étude comparative que – sais- je ? p 09 (2)

Le référendum : Michelle guillaume hofnung p 15 (3)

Didier Maus ; aborder le droit constitutionnel édition seuil (4)

Clarisse Fabre « les élections mode d’emploi édition libro p 88 (5)

(6) السعيد بوشعير: القانون الدستوري والأنظمة السياسية المقارنة

(7) مشروع القانون الدستوري 20 جويلية 1984 المتعلق بتوسيع مجال الاستفتاء بفرنسا.

(8) La procédure de révision de la constitution Francis DELEREE édition BROULANT.

(9) الكنتونات. جمع كونتونة Conton وهي الولايات السويسرية أو المناطق المتكونة منها دولة سويسرا.

(10) Revue politique septembre 1995 p 11

Marth Fatin- rouge Stefanini: le referendum et la protection(11)

des droits fondamentaux, édition PUF

Revue française de droit constitutionnel.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s