حتمية إنحسار الإسلام السياسى الإجتماعى الثقافى

سامى لبيب

لإنزال الكتاب-البحث نرجو النقر على الرابط أدناه:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=334816

هل توجد شعوب متدينة وشعوب غير متدينة كتباين فى الطبائع البشرية الجينية .. هل يوجد هذا الهراء الذى يروجونه عن الإيمان بالفطرة ..هل شعوبنا الإسلامية شعوب معتنية بالتراث الدينى عاشقة لهذا النهج الحياتى بينما شعوب أوربا عازفة عن التعاطى الدينى .. هل الدين الإسلامى له سمات خاصة تجعل تابعيه فى حالة إلتفاف وإنجذاب نحوه بلا فكاك بينما الأديان الأخرى تفتقد لهذا .. هل المسلمون متدينون لأن الإسلام دين ذو مشروع سياسى إجتماعى -بغض النظر عن تقييمنا لهذا المشروع- بينما تفتقد المسيحية مثلاً لذلك .

ما يثبته الواقع وعلم المجتمعات أنه لا توجد شعوب مجبولة على ممارسة التدين والإرتماء فى أحضان التراث إلى الأبد فأوربا كانت قبل عصر التنوير ذات نهج مسيحى متشدد وقوى وهذا يعنى عدم تفرد المسلمون بظاهرة التشبث الدينى , كما يعنى بعدم وجود تراث دينى ذو علاقة سحرية مع تابعيه , كما لا جدوى لوجود شريعة قوية تمنح التابعين رباط وعرى وثيقة فهناك عقائد سادت وتفردت بدون شريعة والإسلام ذاته عاش قرون بدون شريعة .. كما لا يمكن إعتبار الشعوب الإسلامية ذات تدين عن شعوب أخرى لعلاقة وثيقة بماهية الإسلام , فالأقليات الدينية فى عالمنا العربى أكثر تشبثا بتراثها وهذا يعنى أننا أمام حالة مجتمعية لجماعات بشرية تعيش نفس الظروف الموضوعية التى تجعلها تتشرنق فى ثقافتها الدينية .

 

المسيحية إنسحبت من أوربا لتأخذ مكانها كتاريخ وفلكلور وثقافة قديمة بعد أن أصبح وجودها عبأ على المجتمع فى مسيرة تطوره الحضارى والإجتماعى .. فالحضور الطاغى للكنيسة والدين وقف حجر عثرة أمام الطبقة البرجوازية الوليدة ومشروعها النهضوى لتدرك الجماهير أن الكنيسة هى الحليف والحامى للطبقة الإقطاعية والنبلاء .

لم يكن عزوف الأوربيين عن المسيحية نتيجة بحثهم فى جدوى ومنطقية قضاياها الإيمانية لتأخذ شكل حوارات وصالونات أدبية فكرية تخوض فى المنظومة الدينيةاللاهوتية بالنقد والتحليل , بل جاء النقد للفكر اللاهوتى فى خضم ثورة ضد حكم الكنيسة والإقطاع ليكون نفى الكنيسة بما تمثله من عضد قوى للقوى الرجعية ضرورة حتمية للتغيير وعزل المنظومة الدينية عن التأثير فى الواقع فى سياق أن وجودها يتصادم مع حركة وتطور المجتمع ليبدأ فى هذا الخضم الخوض الفكرى فى النقد اللاهوتى .

 

الأفكار لا تموت وتحيا بالمناظرات بل بوجود أرضية تهيئ المجال للصراع .. أى أن تطور البشر الفكرى لا يتم من خلال صراع فكرى كما يحدث فى أروقة الفلاسفة بل بإنتصار الأفكار وإنحسارها على أرض الواقع أى وجود ظروف موضوعية تساهم فى دعم أو تقويض حضور الأفكار أو غيابها , أى هو إختبار الأفكار على أرض الواقع ومدى حاجة الواقع الإجتماعى لها .

 

هذا الأمر حاضر فى مجتمعاتنا الإسلامية ولكن بحياء وبلا وعى ولا خطة مُدركة تُخطط وتعى طريقها .. فالنقد للإسلام وجد حضوره مع ظهور مشروع طبقي يأمل فى النهوض ليجد التراث عائق حقيقى له .. لذا فظهور النقد والتحليل للإسلام فى الجيل الحالى والذى تمتلأ به الكثير من المواقع الإليكترونية لا يعنى التمايز الفكرى العقلى لهذا الجيل أو لوجود فضاءات عالية للتعبير بل لحضور الإسلام السياسى الإجتماعى بثقله ونزوله أرض الواقع بكل حمولته مما أدى للتصادم مع قيم العصر فلم نشهد هذا النقد العالى للإسلام فى أجيال سابقة كون الإسلام كان فى مداراته الروحية فلم يتصادم مع صعود المجتمع التطورى .

 

يحدث هذا التصادم والنقد للإسلام بشكل عفوى حسى وذو طبيعة فئوية أكثر من كونه أيدلوجية فكرية ذات توجه .. فالمرأة الواعية وأنصارها مثلاً أدركوا أن الثقافة الإسلامية تنال من المرأة لتقوض فعلها الوجودى والإنتاجى ليصبح الخوض فى التراث من واقع مصالح ورؤى تضررت .. خلاصة القول أن نقد الأديان واللاهوت لا يكون محصوراً فى فكر المثقفين والصالونات بقدر ما يأتى فى خضم حالة حراك طبقى تمارس فعلها من زاوية ثقافية ناقدة للأوضاع المعرقلة لمسيرتها .

 

لا توجد مجتمعات ذات علاقة حتمية مع تراثها الدينى , وإنما توجد مجتمعات لم تتطور فيها علاقات وقوى الإنتاج لتظل الثقافة الدينية المعبرة عن علاقات وقوى الإنتاج القديمة حاضرة , فالمملكة السعودية مثلا لم تتطور علاقات الإنتاج بها من 1400 سنه حتى الآن , فلا تندهش من هذا الطرح فجوهر علاقات الإنتاج لم يعتريه التغيير لذا بقيت كل المقومات الثقافية التراثية القديمة قادرة على الحضور والفعل .. فالعلاقات الإنتاجية القديمة بمنطقة الحجاز إعتمدت على الرعى والحج والتجارة لنجد هذه المقومات الإقتصادية وما يترتب عليها من مناهج فكرية وسلوكية قائمة , فالرعى كان فى القدم للأغنام والإبل وإنتظار ريعها من ألبان ولحوم وجلود لتتغير الصورة فقط فيحل رعى آبار النفط وإنتظار ريعها كبديل عن الإبل لتترسخ منهجية سلوكية فى التعاطى مع الحياة يكون التراث الذى مثلها قادر على الإستمرار , وبالمثل نجد الحج كمصدر للرزق لم يتغير إلا فى إرتقاء الخدمة المقدمة .. ومن هنا ما الذى يجعل مجتمع يعتمد على تسويق الطقوس والرعى ينصرف عن تراثه الثقافى الدينى القديم فكل شئ هادئ ومستمر تحت الشمس . لو مررنا على باقى الشعوب العربية فسنجد صور علاقات القديمة فيها مازلت حاضرة وإن إعتراها بعض التغييرالطفيف ولكن يظل جوهر العلاقات الإنتاجية الريعية القديمة حاضر بنهجه ومنهجه .

أوربا أنصرفت عن تراثها الدينى ليس كون الأوربيين غير محافظين على التراث كطبيعة بشرية مغايرة عن طبيعة المسلمين فكما قلنا هم ظلوا لقرون عديدة فى حالة تشبث وهوس بمسيحيتهم ولكن الحراك الطبقى وظهور علاقات إنتاج جديدة جعلتهم يقلبون الطاولة على الكنيسة التى تقف حجر عثرة امام تطور موضوعى يفرض نفسه بقوة .

 

نخلص من هذا أن تطور المجتمعات الإنتاجى يتواكب معه ظهور ثقافة جديدة مصاحبة له ذات نهج ومفردات جديدة تصيغ علاقاتها وسلوكياتها وترسم نهج حياتها المتوافق والمنسجم مع حالتها المستجدة ويكون محاولة إستحضار ثقافة قديمة كمن يضع العصا داخل العجلة , ومن هنا ندرك ميل شعوبنا العربية إلى ثقافتها الدينية القديمة كونها لا تمتلك غيرها وليس لديها علاقات إنتاجية حديثة أصيلة تدفع لظهور ثقافة بديلة لتكتفى رياح التجديد بظهور طبقات وليدة ترمى إلى التطور تقودها نخب مثقفة تأمل وتستشرف المستقبل بدون وجود قاعدة شعبية عريضة تتكأ عليها لنحظى فى النهاية على إرهاصات تنويرية ورموز وفلتات فكرية وليس تيار ثقافى شعبى جارف لذا قد تنطفئ وهجها وتأثيرها فى لحظات الإنحسار والإنكسار فتتعثر وتتردى و ما نراه الآن من ردة حضارية ثقافية دليل على ذلك .

هناك أمل فى حضور وتوغل ثقافة العصر مع تقدم وسائل الإتصالات الحديثة التى تجعل العالم قرية واحدة مما يؤسس لمعايير ثقافية جديدة رغم تخلف الظرف الموضوعى المساهم فى دفع الحراك المجتمعى ..أأمل أن أتناول فى بحث مستقل دور وسائل الإتصال الحديثة فى تطور وتحرر مجتمعات لا تنطلق كل محدداتها من واقعها الموضوعى .

 

لن يحدث ظهور ثقافة جديدة وإنحسار للثقافة القديمة إلا بعد حالة صراع , فميلاد ثقافة جديدة لا يتحقق من خلال النخب بل من ديناميكية مجتمع يطلبها ويبحث عنها ليتم الصراع مع الثقافة والتراث القديم المُمثل للأدوات العتيقة ليقيم على أنقاضها فكره ومنهجه الجديد , فميلاد وحضور ثقافة لن يكون إلا بعد تفتيت الثقافة القديمة وتحليل مقوماتها والتعامل معها ككتب تاريخ لتأتى هذه الأمور من خلال تفاعل وحراك يتسم بالجدلية فلن تتطور ثقافة بدون تطور مجتمعى ولن يحدث تطور مجتمعى تاركاً الثقافة القديمة كما هى … من الأهمية بمكان أن ندرك أن الأمور لا تكون حادة قاصمة بمعنى أنه فى ظل ثقافة تراثية مهيمنة تتواجد ثقافة حداثية ناشئة والعكس صحيح , فالتغيير والصراع لا يتم بشكل إحلال وتبديل دفعة واحدة .

 

أرى أن المنطقة العربية فى حالة مخاض عسير وستواجه صعوبات جمة فى عملية الوضع ومن الوارد جدا أن يحدث إجهاض ولكن الحالة المستقبلية تنبئ بسيادة ثقافة جديدة تبنى وتؤصل وجودها على الحرية كحجر زاوية بعد أن حلت مكان تراث ثقافى عتيق فلا تبقى له قواعد .

بدايات الحرك الثقافى سيكون من خلال أرض المعركة فلا حراك يتم من صالونات .. ولا نقد للأديان والتراث سيعطى نتائج إلا من خلال حراك مجتمعى فعندما تكون الحالة المجتمعية ساكنة ميتة فلا معنى لحراك فكرى , فالنقد لا يتولد إلا من وجود كيان يعرض نفسه ليواجه صعوبات نتيجة نشوء كيان آخر يصارعه .. لذا يمكن القول أن حضور الإسلام السياسى هو تفعيل للحراك والصراع لتستنفر قوى المجتمع المدنى وتنطلق فى مدارات الحريات وحقوق المرأة والآخر كميادين للتصادم الحتمى بين مفردات حداثية وتراثية لتخلق حالة حراك مجتمعى مُدركة أن التراث الدينى أصبح حائل وحجر عثرة نحو التقدم والتحضر والمدنية ولا سبيل للخروج من هذا النفق المظلم إلا بتقويض التراث وفعله .

 

* إنحسار الإسلام السياسى الإجتماعى .

إذا كنا نعنى بإنحسار الإسلام فيكون معناه هو إنحسار دوره السياسى والثقافى والإجتماعى المهيمن كمنهج وحيد للتعاطى ولا يعنى على الإطلاق أننا نتوقع إنتهاء وإندثار الدين الإسلامى لذلك جاء تعبيرنا ب”إنحسار الإسلام السياسى الإجتماعى ” فالأديان لا يمكن محوها بسهولة بل يستغرق هذا الأمر مئات السنين , كما لا يمكن إلغاءها بقرارات فوقية أو ثورية بل على العكس يزيدها هذا قوة وحضوراً , وإنما تضمر الأديان وتنقرض بفعل المجتمع ذاته عندما يصبح وجودها غير صالح للتعامل والتعاطى و حجرعثرة فى مسيرة المجتمع النهضوية مع تكون علاقات روحية بديلة .

 

قد يستغرب البعض من إطلاق فكرة إنحسار الإسلام فى الوقت الذى يشهد صعود التيارات الإسلامية وتنامى حضورها فالواقع المادى الجدلى يؤكد فكرة أن الصعود يحمل فى أحشاءه عوامل نقيضه وإنهياره .. فالصعود هنا بمثابة إستنزاف وإستنفار كافة القوى الداخلية للبقاء والتشبث حتى النزع الأخير .. فأى منظومة تحمل فى داخلها ضدها ونقيضها فى ذات الوقت ليأتى تصاعد الضد عندما تتوفر الظروف الموضوعية ليفرض حضوره .. لذا لا ننزعج من إحراز الإسلام السياسى مكاسب ومواقع متقدمة للسيطرة على مفاصل المجتمع فهذا شئ طبيعى ولكن ستكون نهايتة لأن الصراع سيصبح على المحك لتبرز أقطابه وتنتصر القوى الأكثر قدرة على التعايش مع الواقع الموضوعى .

 

بدايات إنحسار الإسلام السياسى كان مع سقوط وإفلاس الدولة العثمانية أمام قوى الحداثة .. إنه إنهيار مشروع ثقافى لم يقدر على الصمود أكثر من مفهوم إنهيار مؤسسة عسكرية , فالقوة تستمد كينونتها من قوة الثقافة المهيمنة ومدى تعبئة المجتمع بها وإنصياعه لها وإنسجامه مع متطلبات ظروفه المادية .

هزيمة الثقافة وإنحسارها لا يعنى زوالها بل تبقى تتنفس ببطء فى ظل ظهور مشاريع ثقافية جديدة بديلة ولو جنينية لتتشبع بها الشعوب وتظهر إرهاصات تحررية كما فى تاريخ الحركات القومية بالمنطقة العربية بالرغم من تحفظنا عليها فلا هى ودعت نهجها القديم لتنشأ ثقافتها الجديدة ولا هى قدمت ثقافة قوية بديلة لذا ظلت الثقافة القديمة ساكنة رابضة تتحين فرصة الرجوع وتنتظر الإخفاق والإنكساء لتقدم أوهامها .

 

الإنحسار النهائى للإسلام السياسى الإجتماعى سيكون على يد مريديه ورافعى راياته فبقدر إخلاصهم وحماسهم وتوقهم لحضور الثقافة الإسلامية إلا أن هذا سيكون معول الهدم لتقويض المشروع الإسلامى وتأثيره الطاغى فى المجتمع .

إن حضور الإسلام السياسى وهيمنته وسطوته لتحقيق مشروعه فى الحكم والإدارة سيحمل معه عوامل تفككه وإنهياره لأنه سيصطدم حتما مع قوى طبقية ومفردات مدنية حداثية تكونت عبر عصور عديدة لنجد الصراع حتمى وقائم بكل شراسة بين شريعة ونهج إسلامى له جذور مجتمعية قديمة وواقع تغير كل ملامحه وأفراده وشخوصه وظروفه الموضوعية فيتخذ الصراع بين المؤمنين بالديمقراطية والحريات وبين المؤمنين بالشورى والحكم .. بين المؤمنين بحقوق المرأة وبين المستمدين لكل أشكال قمع المرأة من التراث.. بين الأقليات وبين أصحاب الولاية .. بين أصحاب مشروع دينى ثيوقراطى وأصحاب مشروع مدنى ديمقراطى … لتتم كل أشكال هذه الصراعات تحت مظلة صراع طبقى .

 

أشكال الصراع المختلفة السابقة يمكن أن تنكسر أو يشتد عودها وفقا لأصالة القوى المدنية ولكن الصراع الحقيقى بين القوى المدنية والإسلام السياسى سيتأسس على وعى المفهوم الطبقى فهو الصخرة التى ستتحطم عليه بالفعل مشروع إستحضار التراث .

المُدقق والباحث فى اصول الحركات الإسلامية لن تخدعه المظاهر بأننا أمام شباب متدين مخلص متحمس يرى الخلاص فى الرجوع للشرنقة الدينية والإحتماء بالأصول والتراث فهذا يبدو بالفعل من خلال صور المنتمين والخطاب الإعلامى المروج , ولكن الحقيقة أننا أمام مشروع يتعاطى مع وضع طبقى محدد أى ان المشروع الإسلامى تسويق وتكريس وهيمنة مصالح طبقية محددة لا تخرج عن البرجوازية فى أحط صورها قبحاً .. فالأيدلوجية والنهج الإسلامى يُرسخ ويَبنى ذاته على حق الملكية ليجد حضوره فى المجتمع العبودى والإقطاعى كحامى لحق الملاك , وليعيش أيضا فى مجتمعات برجوازية رأسمالية فهو يُؤمن أصحاب الأملاك ولكن بحكم أفقه الأيدلوجى يأخذ من البرجوازية أنشطتها الريعية لنجد التجارة وملحقاتها من مضاربات وتشهيلات وسمسرة هو النموذج المَعنى فى الفكر الإسلامى الطبقى فهذا أقصى ما يقدمه التراث لذا نجد إعتناء الإسلاميين بهذه الأنشطة , بل نجد الدول العربية تحمى وتعضد هذه طبقة الرأسمالية الطفيلية الريعية لتيسر لها كل سبل الإنتعاش والديمومة ..فالطبقة الرأسمالية الطفيلية لن تترك نفسها بدون حماية ودعم من خلال هيكلة الدولة والسيطرة على مفاصلها لتخرج السياسات لخدمة مصالحها وإذا كانت الأنظمة القومية مارست هذا الدور فلا بأس من الإستعانة بمن هم أفضل وأقوى منها المتمثل فى التيار الإسلامى الذى يسير على نفس النهج والأيدلوجية وإستثمار الشباب البائس الغائب عن الوعى كوقود ومليشيا مجانية تحافظ على الوضع الطبقى .

الطبقة المستفيدة من الإسلام السياسى من فئة الملاك والرأسمالية الطفيلية تحشد طبقات إجتماعية مُغيبة ليست منها بل مصالحها تتعارض معها بالضرورة فيكون الإنجذاب والحماس لها نتيجة جهل وغياب البوصلة ووهم يبحث عن أى طوق نجاة , لذا لن يستمر وجود الإسلام السياسى طويلا فهو يعتمد على شرائح ليست منه , فما أن تسترد الوعى حتى تقلب الطاولة عليه

 

التغيير وإنحسار الإسلام السياسى سيتم بشكل جدلى مرتبط ببعضه .. فمع وعى الجماهير بالدور الإستغلالى البشع الذى تقوم به الرأسمالية الطفيلية ودور التيارات الإسلامية السياسية فى حماية هذه الطبقة وتعزيز مكانتها.. أى عندما تُدرك الجماهير أن الإسلاميون هم من يقومون بدور المُحلل لخدمة شريحة طبقية محددة صارفين النظر عن الطبقات الشعبية فمن هنا سيكون الحراك والمفرزة والثورة الحقيقية التى لن تكتفى بمحاصرة الطبقات المستغلة بل نزع المحللين والمشرعين لها لتتبلور ثقافة واعية تدرك أن الدين يُستخدم لطبقة معينة كما حدث فى أوربا عندما إستخدمت المؤسسة الكنسية فى هيمنة الإقطاع والنبلاء .

 

ستراجع الشعوب التراث فى ظل حالة مفرزة وصراع طبقى , فلن يكون مراجعة للفكر التراثى وتغييره من خلال حلقات فكرية صالونية أو مواقع إليكترونية بل كما ذكرنا هى متواكبة مع حالة صراع تتم فى الشارع ليأتى بوادر الصراع والتغيير من كون التراث فاعلاً ولاعباً بفجاجة فى الملعب السياسى الإجتماعى لتدرك الجماهير دور الدين كحامى للقوى الرجعية المُستغلة ومقوض لحرياتها ونازع لحقوقها علاوة على الدور التخديرى الذى تمارسه لحماية طبقات ونخب بعينها لإبقاء الحال كما هو عليه ..ستتعلم الجماهير أن تتشبث بثقافة جديدة تحقق حريتها وتحفظ مصالحها – وقد بدأت الآن إرهاصات لهذه الشرارت فى الحضور وفى التصاعد .

 

الصعوبة التى تعترى التغيير أن التيارات الإسلامية لن تتيح للرأسمالية المُنتجة وقوى العمال والشغيلة المجال للصعود وتكوين وعى مناهض , فالراسمالية والعمال والشغيلة فى حالة من الضعف والتشتت والتبعثر ليكون الصراع متخذا شكل الحقوق الفئوية ولكن مع كل هذه الضبابية فهناك وعى بدأ يتكون أن الإسلاميين ماهم إلا الوجه الآخر للأنظمة السابقة وعلى نفس النهج فى الإنحياز للرأسمالية الطفيلية بل يمكن القول أنهم الطابورالخامس والأخير لها .

 

لابد أن ندرك بأن الإسلام السياسى ليس فى الساحة وحيداً يصارع بل يجد الدعم والمدد من القوى الرأسمالية والإمبريالية العالمية والتى يَطلق عليها المتأسلمون القوى الصليبية . فالرأسماية والإمبريالية العالمية لن تجد أفضل من النظم الإسلامية فى التعاطى معها فهى تخدم مصالحها بشكل عال كرأسمالية طفيلية تابعة تقتات من التشهيلات والسمسرة والمضاربة والتجارة علاوة على عداءها التقليدى للقوى التقدمية اليسارية فيمكن إستخدامها كمخلب قط لإجهاض أى مشاريع تحررية مناهضة للهيمنة الغربية .. لذا نجد الدعم الأمريكى الحامى للسعودية ودول الخليج بل تغميض العين عن كل الإنتهاكات الإنسانية لحرية الفكر والرأى والمرأة بينما عيونها مستيقظة لمن يتصادم مع مصالحها .!

لا يكون إغفال الإمبريالية للإنتهاكات الإنسانية التى تتم فى النظم الإسلامية من باب غض النظر عن أصدقاء أو بالأحرى عملاء يخدمون ويكرسون مصالحها فحسب بل تعضيد هذه النظم يأتى فى سياق فكرة “دعهم يخربون البيت بأيديهم فلا تقوم لهم قائمة ويظلوا دوما ًعلى هامش الوجود ولنأمن بهم شر صعود أى قوى مناهضة فى المستقبل” -فالنهج المنغلق الذى ستتبناه هذه التيارات الإسلامية كفيل بأن يجمد أوصال المجتمع ويَحول دون تطوره ليلقى به بعيدا عن ركب التطور والتقدم ليتمرغ فى أوحال مستنقعه ويظل دوما فى دور التابع العميل .

 

فى خضم حالة الصراع الذى بدأ بالفعل منذ بدايات هذا القرن بصورة خجولة غير واعية وغير متصادم بشراسة ظهرت إرهاصات من حفنه مثقفين مُدركين أن التراث أصبح عائق نحو التطور ليتم إستجلاب ايدلوجيات غربية من رأسمالية وإشتراكية ومحاولة عربنتها وتطبيقها وتفعيلها رغم غياب البنية التحتية لها , ويكون صمودها أمام التراث لا يرجع إلى قوة مشاريعها القومية بقدر حال الضعف والوهن فى التراث ذاته فلم يفلح صموده وهو يحمل على عاتقه نهج مجتمع قديم بمنظومته الفكرية والأيدلوجية المائلة لعلاقات إنتاجية إقطاعية لذا حظت المدنية والحداثة على بعض النجاحات وتأصلت قيم ثقافية بسيطة .

 

نحن مُقدمون على حالة صراع حضارى جديد أو ثورة تنوير تهب على المنطقة العربية لتخلق ثقافة جديدة فى خضم حضور بوصلة الصراع ليتخذ شكلا دموياً فلا يوجد شئ يُمنح مجانا بل كلما كانت الآمال عريضة كلما طلبت تضحيات وقرابين كبيرة , فالتغيير لن يتم إلا بمخاض قوى عسير , ومن هنا ستتواكب المراجعات العفوية بين ثقافة منشودة يطلبها الواقع التطورى وثقافة معرقلة تنال وتقوض كل المصالح والآمال .

 

لن يدوم حضور التراث الدينى السياسى كثيرا فى منطقتنا العربية ولعل صعود الإسلاميين للسلطة ومراكز القرار يبدو مفيداً عكس ما يتوقع الكثيرون , فالأمور ستكون على المحك لتفرز الخطوط وتحدد الإنجاهات بقوة بعد أن توارى حضورهم عن المشهد ليتخلق وهم فى أذهان الجماهير البسيطة أنهم حاملى الخير والنماء والصلاح .. إذا كان هناك من يرى حضور الإسلاميين وتصدرهم المشهد السياسى سيئاً بحكم ان الأمور لا تحتاج تردياً أكثر من هذا فأنا أراه ضرورياً لأنه سيضع كل الأمور على المحك القوى فلن ننال الحرية والتطور بدون ان ندفع فواتير باهظة .

 

أرى المجتمعات تمارس عملية إنتخاب طبيعى شبيه بما تمارسه الطبيعة فكل الأفكار مطروحة فى المجتمع فلا يوجد محاباة لفكرة ومعاداة لأخرى كما لا توجد أفضلية لدى المجتمع لفكرة عن أخرى والدليل أن الأفكار الميتافزيقية الخرافية إحتلت مساحة هائلة فى تاريخ المجتمعات البشرية , فالأفكار تتواجد فى المجتمع الإنسانى متى كانت متوافقة مع الظروف الموضوعية التى تحيا فيها معبرة عنها ,أى وجود التربة التى تحتضنها وفقا لحاجة المجتمع لها فتموت الأفكار متى لفظتها الحياة الإنسانية بمتطلباتها وإحتياجاتها .

الموت الحقيقى للأفكار عندما تتصارع على أرض الواقع أى من وجود أفكار بديلة قوية تنسجم مع واقع المجتمع الموضوعى لتصرع الافكار القديمة التى تُظهر فشلها وعدم ملائمتها وموائمتها للحظة التاريخية فتسقط وتتوارى.. الموت والسقوط هنا لا يأخذ شكل حاد فنحن نتعامل مع أفكار لها تاريخ شعورى وذكريات فتكتفى بالإنسحاب من الواقع وفى أفضل الظروف تعلن أنها أفكار لذات عهد وزمن . ومثال ذلك ماكان سائداً عن فكرة الرعد بأنه ملاك يسوق السحاب بسوطه أو فكرة السبى وعصور الإسترقاق فلم تعد تلك الأفكار التى كان هناك من يقتنع بها ويمجدها فى زمانها أى وقع فى عصرنا المغاير , فقد مارس المجتمع عملية إنتخاب طبيعى للأفكار ليبتر الفكرة الغير ملائمة للواقع الموضوعى وتظهر الفكرة القادرة على الحياة والإنتشار .

 

من هنا ستنحسر الأديان حتماً فمنظومتها الفكرية الميتافزيقية والسلوكية والتشريعية لم تعد تتحمل البقاء فى واقع له رؤيته الطبقية والعلمية والفكرية والسلوكية التى جناها من مسيرة تطور هائلة , لذا إنحسارها وإنتهائها الحتمى لن يتأتى إلا بنزولها لحلبة الصراع وما يقدمه التراث من فكر وسلوك وتشريع , وما يقدمه الضد الآخر من منظومة فكرية مغايرة .. فإذا لم يتواجد الضد المتمثل فى منظومة فكرية مغايرة أو بالأحرى تواجده بشكل باهت فهذا يعنى بقاء القديم .

هناك أديان ومعتقدات أدركت حتمية الخسارة والهزيمة ولكى تُنقذ مايمكن إنقاذه فى معركة الإنسحاب والإنحسار إرتضت أن تبقى على هامش المربع ولكن هناك من يغيب عنه هذا الدرس ويصر أن يقتحم بأفكاره العنيدة الهشة الواقع فإما أن يحطمه الواقع بقسوة أو يرضخ له فى حال مجتمع أكثر هشاشة وإفلاس لا يحمل فى داخله أمصال قوى الصد والممانعة .

لن تنحسر الأديان إلا من فهمنا الموضوعى لآلية صراع الأضداد فلابد ان يكون الضدين حاضرين بفاعلية ليكون الإنتصار للقوى الأكثر توافقا وإنسجاماً مع واقعها الموضوعى أما خفوت الضد فلا يعنى هذا نجاحه بدعوى حتميته .

 

قضية المرأة والآخر والحريات ستحمل عوامل إنحسار الإسلام فهى ستكون بمثابة مرمى إطلاق النار فى ميدان الصراع الطبقى فإذا كنا نعتبر أن الإسلام السياسى تعبير طبقى فهو يحمل أيدلوحية وإلا ما كان إسلاما سياسيا فعليه ان يحمل كل ايدلوجيته لتتصارع الرؤية الفكرية القديمة بما تمثله من طبقة رجعية أمام رؤية معاصرة تعبر عن مصالح طبقية عريضة .. ومن هنا سينشأ التصادم فى قضايا الحريات وحقوق المرأة وعلينا أن ندرك بأن حقوق المرأة مثلا لا يكون لها أى معنى فى مجتمع علاقات إنتاجه ونهجه لا يسمح للمرأة بأى دور أساسى فى حراكه , فالمرأة الأوربية لم تحصل على حقوقها كون الرجل الأوربى أكثر مرونة وإنفتاحاً من الرجل الشرقى بل لأن طبيعة علاقات وقوى الإنتاج طلبت منها الخروج ومنحتها الحرية رغماً عن أنف الرجل .. والواضح أن حقوق المرأة فى عالمنا العربى لم تعد تقبل الرجوع للمربع الأول.

 

أرى حركة الجماهير فى الشوارع العربية كإنتفاضات وهبات عفوية فاقدة للبوصلة لذا قفز عليها من قفز ولكنها تخفى فى اعماقها اللا واعى حركة رفض للثقافة القديمة فهى تتحرك فى خضم عوامل ومفردات يختلط فيها لقمة الخبز مع الحريات مع لفظ ثقافتها القديمة بخجل , ولكن يوما ما لن يكون اللفظ خجولا ً

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s