ملاحظات على دستور جماعة الاخوان المصريين

بقلم : عمر أبو رصاع

هذاغيضٌ من فيض العوار الكامن في طريقة اعداد الدستور وأهم مواده، ذلك الدستور الذي تدعمه جماعة الاخوان والجماعات السلفية وتعارضه بقية القوى السياسية والمجتمعية في مصر، نستعرضه من خلال ثلاثة محاور.

– المحور الأول: دستور أحاديّ الجانب

نحن هنا امام حالة فريدة من نوعها، تمثل سابقة واستثناء خاص في تاريخ تأسيس الجمهوريات الديمقراطية إبان الثورات، حالة الرئيس مرسي التي شبّهها البعض خطأً ومجافاةً للواقعة بحالة الزعيم الفرنسي شارل ديغول مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، على أساس أن كليهما حصل على تفويض برلماني بوضع الدستور، ديغول بشكل مباشر من المجلس، ومرسي بشكل غير مباشر بحل المجلس واحالة صلاحياته إليه، وجه الشبه إذن أنه من السلطة الممنوحة لكليهما استمد حق صياغة الدستور شرعيته.

لكن هذا تشبيه معيب ومختل فلا سبيل لمقارنة شرعية ديغول بشرعية مرسي، فديغول حصل على تفويض مجلس نواب حافظ على شرعيته، بينما حصل مرسي على صلاحيات التشريع بسبب حل المحكمة الدستورية لمجلس الشعب، ومارس التشريع من خلال تحصين التأسيسية من الحل، مع أن الشعب لم يفوضه حتى يمارس السلطة التشريعية إنما انتخبه ليمارس السلطة التنفيذية، فهو هنا ينتحل ويستعمل صلاحيات لم يفوضه الشعب اياها من حيث المبدأ، فضلاً عن كونه لم يستعمل تلك الصلاحية في أضيق الحدود كما وعد، وإنما استعملها في أوسع الحدود ومع أهم تشريع في الدولة على الاطلاق وهو الدستور، وقد كان الأولى به بدلاً من تحصين التأسيسية من الحل أن يعود مباشرة للشعب مصدر السلطات ينتخب تأسيسية جديدة تصوغ الدستور.

ديغول كان له أيضاً شرعية ثورية مجمع عليها، فقد كان زعيماً للمقاومة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية ضد الاحتلال النازي، ورئيساً للحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية التي شكلها هو في المنفى، وكانت شعبيته كاسحة وغير قابلة للمنافسة عندما قدم دستوره للاستفتاء وحاز على أكثر من 80% من الأصوات.

مقابل ذلك، الرئيس مرسي هو المرشح الاحتياط لجماعة الاخوان وجاء ترشيحه صدفة، نتيجة منع خيرت الشاطر مرشح الجماعة من دخول سباق الرئاسة، وهو كذلك أبعد ما يكون عن حيازة لقب قائد ثورة 25 يناير ولا برز حتى كأحد قادتها المعروفين، كذلك لم يحصد مرسي في الجولة الأولى التي عكست الوزن النسبي للجماعة وحلفائها إلا ربع الاصوات، ولم يفز في الجولة الثانية على مرشح وصف بأنه من الفلول إلا بفارق أقل من 3%، مما يعني أنه لو كان في مواجهة أي مرشح غير شفيق لكان من المستحيل عليه أن يربح تلك الانتخابات، لكن اضطرار كل القوى الثورية للاصطفاف خلفه لمنع وصول شفيق مكنه في النهاية من النجاح.

كذلك هناك فارق رئيس هو أن دستور ديغول كان يحظى قبل طرحه للاستفتاء على بون واسع من الاجماع الوطني، على النقيض من دستور مرسي الذي اعلنت جميع القوى والمكونات عدا جماعة الاخوان والسلفيين رفضها ومعارضتها له.

وبشكل عام صحيح أنه في كثير من الحالات وضع الحزب الحاكم أو الرئيس الدستور، إلا أن الثابت تاريخياً أنه في الدول الديمقراطية لم يدفع ذلك الدستور للاستفتاء العام إلا إن كان هناك حالة توافق وطني واسعة عليه، والحالة التي نحن بصددها حالة لا تحدث إلا في الانظمة الديكتاتورية المستبدة، فدستور الجماعة والسلفيين أحادي الجانب يدعمه مكون واحد فقط من مكونات المجتمع، ويقف ضده الليبراليون واليساريون والقوميون والكنائس والاعلاميون والفنانون والقضاة والمحامون بل والدبلوماسيون، ويكفي هذا الدستور أنه لا يجد مسيحياً واحداً وازناً يؤيده بين ملايين المسيحيين المصريين ليكون دستور غير صالح للاستفتاء حوله.

اما اعجب عجائب هذا الدستور فهي أنه يُقَرُّ بأغلبية من حضر الاستفتاء، ولا يعدل إلا بأغلبية الثلثين!

أي يكفي 51% من اصوات المقترعين في الاستفتاء ليمر الدستور، بينما يحتاج تعديله إلى اغلبية الثلثين في مجلسي الشعب والشورى كل على حدة، كما انه لا يوجد، وعلى نحو مريب، حد ادنى لازم كنصاب لقبول نتائج الاستفتاء، فلا نصاب ولا أهمية لعدد المقترعين، وتكفي مشاركة مليون أو اثنين أو حتى عشرة من أصل أكثر من خمسين مليون مصري يحق لهم الاقتراع ليكون الاستفتاء شرعياً وصحيحاً.

الدستور يحدد شكل الدولة وطريقة ادارتها، والحريات والحقوق الاساسية للافراد والجماعات، وهو العقد بين مكونات المجتمع الذي بموجبه يعطى الحق لمرشح الاغلبية في تولي السلطة، ولهذا لا معنى للممارسة الانتخابية إن لم يكن هناك ابتداء توافق وطني حول العقد نفسه، ومن ضروب الاستبداد ان تنفرد أي قوة مهما كان حجمها الانتخابي بصياغة الدستور.

إذن ليست الديمقراطية في الشأن الدستوري كما تزعم الجماعة صندوق اقتراع بمن حضر وبأغلبية 50% +1، فوضع دستور ليس كانتخاب مرشح رئاسة، والتقاليد الديمقراطية تقتضي بأن يكون هناك على الأقل نصاب وازن لعدد المشاركين، كأن لا يقل عدد المشاركين في الاستفتاء عن 50% ممن يحق لهم الاقتراع، ولضمان درجة من التوافق الوطني أن لا تقل نسبة الموافقة عن 75% وأن لا تكون هناك أغلبية في أي مكون رئيس سياسي، أو جهوي، أو عرقي، أو ديني، تعارض هذا الدستور وذلك هو الشرط الأهم حتى يكون الدستور شرعياً.

الدساتير تصاغ لتوحد الشعوب، ودستور الجماعة أحادي الجانب شق الشعب المصريّ إلى قسمين، وبغض النظر أيهما الأكبر، فالنتيجة هي أن الدستور بدلاً من أن يعبّر عن وحدة المجتمع وعن توافقه على شكل دولته، أصبح هو بالذات عنواناً لقسمته.

=============================

الدساتير في العادة لا تحتوي على أي نصوص أو عبارات مرسلة وشعارات (كلاشيهات)، لا سبيل إلى تحديد سياقها التطبيقي، وعلى خلاف ذلك جاءت الدساتير العربية بعيد الاستقلال خاصة في المادة التي تقرر أن “الاسلام دين الدولة”، والمشكلة في هذه العبارة هي أننا لا نعرف ولا نسطيع أن نحدد السياق القانوني لها وكيفية تطبيقها، ولن تقف على أثر لمثل هذه العبارة في التاريخ السياسي للعرب المسلمين، كذلك لن تجد مصطلح الدولة المسلمة أو “الاسلامية” إلا في الأدبيات التي لا يزيد عمرها عن قرن.

نستطيع أن نفهم أن يكون الفرد مسلماً، بما يعنيه ذلك من اعتقاد ومن سلوك تعبدي ينتج عن ذلك الاعتقاد، لكن كيف تكون الدولة مسلمة وما معنى وجود هذا النص في الدستور؟!

الدولة لا تأتي بأي فعل تعبدي ولا تمارس طقساً، فهي لا تصلي ولا تصوم ولا تدفع زكاة ولا تحج إن استطاعت للحج سبيلا، من يفعل ذلك هم الأفراد، فإذا كان ذلك النص يتجلى في التطبيق من خلال احترام الدولة للمناسبات الاسلامية كالجمع والاعياد الدينية، فهو لا يزيد هنا كما ذكرنا عن أن يكون “كلاشيه” شأنه شأن التقرير بأن شعب هذه الدولة “جزء من الأمة العربية”، لأن هذا النص أيضاً لا يستتبع أي تطبيق عملي قانوني، إذ لا يمكن أن يحتج محامي أمام أي محكمة بهذا النص في أي قضية أياً كان نوعها، أو أن يستند إليه قاض في أي حكم يصدره، أو ان يستبع سلوكاً عاماً للدولة!

الحقيقة أن مثل هذه الكلاشيهات لا يوجد لها أي مثيل أو أثر في أي دستور في العالم، خارج دائرة الأمم والشعوب ذات الاغلبية المسلمة، مع ذلك فإن هذا النص لم يكن عائقاً أمام المشرِّع يحول دون صياغة دستور دولة مدنية، ولا يعدو كونه تقرير في أحسن الحالات لكون أغلبية مواطني الدولة مسلمي الديانة، رغم أن الدستور ليس بطاقة تعريف عن الهوية الدينية وبالتالي فالنص هنا لزوم لما لا يلزم.

وأما مصطلح الشريعة الاسلامية، فلم يكن موجوداً في دستور 1923 ولا الدستور المقترح عام 1954 ولا في دستور 1956، وعملياً كان أول ظهور لمصطلح الشريعة الاسلامية في الدستور المصري في عهد أنور السادات عام 1971، إذ جاء في المادة الثانية منه: ” الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع” للأسف تاجر السادات هو الآخر بالشريعة ليمرر في نفس حزمة التعديلات الدستورية ما يمكنه من الترشح مرة أخرى لرئاسة الجمهورية، وكالعادة استُعمل الدين واستُعملت الشريعة مادة للتجارة السياسية، يوظفها الساسة ليصلوا إلى السلطة وليضفوا الشرعية على أنفسهم وعلى سياساتهم ولينتصروا على خصومهم.

ثم تم تطوير العبارة في الدستور الجديد المقترح لتصبح “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع” وعززت بنص المادة 219 من الدستور المقترح “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، فى مذاهب أهل السنة والجماعة.” والتي سنأتي للحديث عنها لكن قبل ذلك ما هي الشريعة الاسلامية؟

الحقيقة أنه لا وجود لمصطلح “الشريعة الاسلامية” لا في القرآن ولا في ما نقل إلينا عن الرسول الأعظم من أحاديث، وتعريفها بالضرورة إذن اصطلاحي ونتاج اجتهاد بشري.

عصام العريان القيادي الاخواني مثلاً في معرض رده على سؤال عن المقصود بتطبيق الشريعة الاسلامية من وجهة نظر الاخوان المسلمين، قال: “الشريعة الاسلامية ليست قواعد قانونية، الشريعة الاسلامية منهاج حياة للفرد والبيت والمجتمع والدولة” واستعرض العريان أمثلة تعكس رأيه في التطبيق من تجارب الدول المختلفة مع الحجاب مثلاً في مصر وتركيا والسعودية وايران ليخلص إلى أن الإلتزام بأي تعليم ديني مسألة تنبع من الداخل، وأن السبيل فيها هو الدعوة والاقناع لا الاكراه بالقوانين والانظمة.

فيما يرى وجدي غنيم أن الشريعة هي: “الحق العدل المساواة الحرية وحد الكفاية” ويضيف” إذا حكمتني بها احفظها بالحدود” فالشريعة حسب وجدي غنيم هي الحق والعدل والمساواة والحرية وحد الكفاية والحدود ليست الشريعة ذاتها، وإنما الحدود لحماية الشريعة، وقد شبهها بسور المنزل في حديثه أو بالاسلاك التي تحوطه، ويذهب الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح القيادي البارز سابقاً في الجماعة ومرشح الرئاسة الخاسر في الانتخابات الأخيرة، إلى أن الشريعة لا تفرض قهراً وغصباً، أكثر من ذلك يرى أن النظر بسخرية إلى شارب الخمر مثلاً لا يجوز لأن فيه قهراً معنوياً حسب تعبيره، وأن واجبه كمسلم تجاهه يتمثل بأن ينصحه، وحمل بشدة على من يريدون فرض رؤيتهم للتعاليم الاسلامية والشريعة الاسلامية على الافراد في سلوكهم معتبراً أنهم أولى باصلاح انفسهم.

فإذا كانت الشريعة هي الحق والعدل والمساواة والحرية وحد الكفاية بالأساس، فإنه لا يوجد دستور في العالم تقريباً لا يتبنى هذه القيم، بحيث تسعى سلطات الدولة إلى تمثلها وتحقيقها وصيانتها.

فهل كان الحكم الاسلامي قائماً والشريعة مطبقة في العهود الماضية؟

حسب رأي أبو القتوح فأن الحكم الاسلامي كان ولا زال قائماً في مصر منذ اربعة عشر قرناً تخللها بعض الخلل من فساد واستبداد وانحراف حسب رأيه.

أما الشيخ صلاح أبو اسماعيل والذي يعتبر من أكثر الناس تشدداً في فهمه للشريعة الاسلامية، فنجده في كتابه “الشهادة” ينقل لنا أن القاضي سأله: “هل تقطع بعدم اتفاق أي نص من نصوص التشريعات السارية مع أحكام الشريعة الاسلامية؟” فكان جوابه: “بالنسبة للحدود لا مجال لها في تشريعاتنا، وبالنسبة للتعزير فإن قانون العقوبات يصلح لأن يكون قانوناً للتعزير، وبالنسبة للمعاملات المالية إذا حذفنا الربويات وإذا عدلنا بعض أحكام التأمين فإننا نقترب من الشريعة الاسلامية” واضح أن الشيخ صلاح (وهو بالمناسبة والد حازم صلاح المرشح المستبعد من سباق الرئاسة) ينظر إلى الشريعة بوصفها احكاماً، وأن ما نحتاجه حتى نقترب من الشريعة اضافة تطبيق الحدود وحذف الربويات من المعاملات المالية وتعديل بعض احكام التأمين.

بداية لا بد من أن نفهم أن العقوبة التعزيرية يؤخذ بها حتى في الجرائم التي تستوجب حداً إذا لم تتوافر شروط اقامة الحد فيها، والحقيقة هي أن أغلب العقوبات في تاريخ القضاء عند المسلمين كانت تعزيرية، والعقوبة التعزيرية هي اجتهاد وضعي، بمعنى أنه متروك تقديرها سواء للقاضي أو للمشرع الارضي لأنه لم يرد فيها نص قاطع ولا تستوجب حداً، ولمن لا يعلم فإن الحدود المتفق عليها في الاسلام ستة فقط هي: حد الزنى وحد القذف، وحد شرب الخمر، وحد السرقة، وحد قطع الطريق، وحد البغي، وورد في الأثر عن أنس بن مالك قال: “كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً، فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله، إني أصبحت حداً، فأقم فيَّ كتاب الله، قال: ((أليس قد صليت معنا؟)). قال: نعم، قال: ((فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدك)). متفق عليه”

هذا الأثر يقطع بأن انزال الحد كعقوبة ترك هنا لتقدير ولي الأمر وللنبي الأكرم المثل الأعلى، فلو كان انزاله ملزماً بقطع الدلالة لما توانى النبي عن انزاله بالفاعل كما جاء في الاثر المتقدم وإلا لخالف – حاشاه – أمراً إلهياً، والواضح أن اقامة الحد عقوبة قصوى لا يجوز تجاوزها، أي هو الحد الأقصى للعقوبة التي يمكن انزالها بفاعل ذلك الجرم، وهو ما فهمه وعمل به الفقهاء والقضاة المسلمون من خلال تفعيلهم لما اسموه بقاعدة “درء الحدود بالشبهات”.

هذا فضلاً عن أن شروط اقامة الحد حسب ما قرر الفقهاء تقترب من درجة الاستحالة، فلا تقوم إلا بالاقرار بالذنب، أو بشهادة العدول؛ على ما في شرط العدالة من صعوبة في التأكيد خاصة كلما كبرت المجتمعات وتعقدت اشكال العلاقات الاجتماعية، ولك أن تتخيل معنى أن يكون القاضي مطالب بالتأكد من عدالة شاهد يقف امامه بحيث يعرف “أحواله وصدقه ودينه ومروءته” في دولة تعداد سكانها بالملايين.

اما فيما يتعلق بما ذكره الشيخ صلاح أبو اسماعيل حول المعاملات الربوية، ففيه خلاف جذري طويل عريض، وكما أن هناك فتاوى تحكم بأن معاملات البنوك التجارية هي معاملات يقع فيها الربا، فهناك فتاوى أخرى مشهورة تقول بعكس ذلك بعضها لأكثر من شيخ من شيوخ الأزهر، حيث استندت تلك الفتاوى إلى أن شروط الربا لا تتحقق في تلك المعاملات المصرفية.

عموماً، إذا كان الحال كذلك فإلى أي مدى هناك فعلاً مشكلة عظمى في دولنا هي مشكلة عدم “تطبيق الشريعة”؟! أما إذا كانت الشريعة فعلاً في امتثال قيم الحق والحرية والعدالة والمساواة وحد الكفاية، فكلنا معاً نقول نعم هذه كانت وستظل الغاية والهدف ويجب أن ننشدها جميعاً دون توقف.

إلا أن الخطاب السياسي الذي يتذرع بشعار “تطبيق الشريعة” يصور المشكلة وكأنها في تطبيق الحدود الستة، وبشكل خاص ثلاثة منها تتعلق بالسرقة وشرب الخمر والزنى، مع الأخذ بالرأي التحريمي لمعاملات البنوك التجارية، فهل هذه هي مشكلة تطبيق الشريعة الاسلامية؟! خصوصاً وأن التشريعات الوضعية لم تتجاهل تجريم الزنى أو السرقة ولم تتركها دون عقوبة.

ما نخشاه فعلاً هو أن تكون تلك كلمة حق يراد بها باطل، أو مجرد شعار سياسي تعبوي لا يملك اصحابه مضموناً حقيقياً من شأنه أن يحدث فرقاً جوهرياً، إلا أن يكون وسيلة لفرض نوع من الكهانة الدينية على المجتمع، هي أبعد ما تكون عن روح الدين نفسه بل وعن صريح ما جاء بكتب الله عز وجل.

أما إذا كانت الشريعة فعلاً كما قال وجدي غنيم وغيره من أنها الحق والحرية والعدالة والمساواة وتأمين حد الكفاية للإنسان، فتعالوا إلى كلمة سواء نعلن فيها جميعاً أن هذه هي القيم العليا للدين وللدولة معاً، ونعمل فيها من أجل هذه القيم ومن أجل سيادتها وتمثلها، فمن منا لا يتوق إلى الحق والحرية والعدالة والمساواة وتمكين الإنسان من حد الكفاية؟!

ثم ما هي موجبات المادة 219 إذا كانت هذه هي الشريعة التي نريدها جميعاً ونقبلها مسلمون ومسيحيون بل وبشر من كل ملة وهو الأصوب ذلك أن الشريعة توافق الفطرة.

النص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، فى مذاهب أهل السنة والجماعة.” يصبح احالة واضحة إلى فقه بعينه داخل حرم المدارس الفقهية، وإلى اجتهادات بشرية بعينها دون غيرها، أوليست القواعد الاصولية والفقهية مثلاً من وضع علماء بشر؟ ولماذا لا يحال على كتاب الله صراحة في مبادئ الشريعة، بل لمّا كانت تلك المبادئ واضحة صريحة بل وانسانية الطابع “الحق والحرية والعدالة والمساواة وحد الكفاية” فلتكن كما هي على هذا النحو واضحة صريحة في الدستور، أو لتبقى الصيغة بالنص على أن “مبادئ الشريعة الاسلامية مصدر رئيس للتشريع” وكفا، فلا داعي لنص المادة 219 الذي سيكون مدخلاً لمشاكل لا حصر لها.

ثم ما هو الداعي لاقحام نص خاص بمؤسسة الأزهر في الدستور؟!

“الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة جامعة، يختص دون غيره بالقيام على

كافة شئونه، ويتولى نشر الدعوة الإسلامية وعلوم الدين واللغة العربية فى مصر

والعالم. ويؤخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف فى الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية.

وتكفل الدولة الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه.

وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، يحدد القانون طريقة اختياره من بين

أعضاء هيئة كبار العلماء.

وكل ذلك على النحو الذى ينظمه القانون.”ّ المادة (4)

هذه أول مرة في تاريخ دساتير الدول العربية، يتم فيها ادخال نص يخص مؤسسة دينية اسلامية، وهذه بادرة خطيرة ليس فقط لأنه لا كهانة في الاسلام ولا وجود اصلاً لسلطة مؤسسات دينية فيه، بل كذلك لأن الدستور أعطاه دوراً خاصاً وحساساً يتمثل بأخذ “رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشؤون المتعلقة بالشريعة الاسلامية”، فعبارة “يؤخذ رأي” قد تعني اخذه استئناساً وقد تعني أخذه لزوماً، فإذا أصبح رأي الأزهر في الشؤون المتعلقة بالشريعة الاسلامية والتي مبادئها كما قرر الدستور نفسه “المصدر الرئيسي للتشريع” ملزماً، فنحن أمام مرجعية دينية للدولة هي هيئة علماء الأزهر وشيخها لا تكاد تختلف عن المرجعية الدينية لمرشد الثورة في ايران، وهكذا يصبح في الدولة المصرية أربع سلطات هي التشريعية والتنفيذية والقضائية والأزهر!

وأما إذا كان على الاستئناس فلا معنى لذكر ذلك كله في مادة دستورية، إذ أنه من الطبيعي أن تعطي تلك الهيئة رأيها حيث يلزم شأنها شأن غيرها.

ومع ذلك ورغم خطورة هذا المدخل برمته، فإن الدستور يميز بين الازهر والكنيسة من حيث درجة الاستقلال عن سلطات الدولة، بأن نص في نهاية المادة الرابعة منه على أن “كل ذلك على النحو الذى ينظمه القانون.” أي أن كل ما قررته المادة بشأن الأزهر يكون على النحو الذي ينظمه القانون، طبعاً القانون يأتي من السلطة التشريعية ممثلة بمجلس الشعب، بينما نجد أن نفس الدستور يعطي المسيحيين في كنيستهم ودون قيد ذلك بقانون، الحق في اختيار القيادات الروحية، فمجلس الشعب حسب هذا الدستور لا يحق له التدخل في طريقة اختيار بابا الكنيسة مثلاً، بينما هو الذي يضع القانون الذي يحدد طريقة اختيار شيخ الأزهر.

أما المادة الثالثة من الدستور ونصها:

“مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات

المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية.”

فقد حصرت ذلك بالمسيحيين واليهود (رغم أن آخر يهودي مصري مات قبل سنوات) دون اتباع الشرائع أو المذاهب الدينية الأخرى، والموجودين فعلاً مثل الشيعة والبهائيين، وكان الأولى أن تلغى المادة الرابعة الخاصة بالأزهر وتفتح المادة الثالثة ليكون نصها: “مبادئ شرائع المصريين المصدر الرئيسى للتشريعات، المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية” غير ذلك فإن المادتين الثالثة والرابعة تتعارضان صراحة مع مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.

أما المادة 43 من الدستور “حرية الاعتقاد مصونة.

وتكفل الدولة حرية ممارسة الشعائر الدينية واقامة دور العبادة للأديان السماوية؛ وذلك على النحو الذى ينظمه القانون.”

السؤال من الذي له الحق في تحديد الاديان السماوية؟ هل البهائية مثلاً دين سماوي؟ البهائيون يعتقدون أنها كذلك، بينما يقتصر وصف الاديان السماوية عند المسلمين على: اليهودية والمسيحية والإسلام فقط، وبالتالي فالدولة لا تكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية واقامة دور العبادة لخمس وعشرين ألف بهائي مصري بينما تكفل ذلك للسواح اليهود القادمين من اسرائيل مثلاً.

اما المادة 44 والتي نصها : “تُحظر الإساءة أو التعريض بالرسل والأنبياء كافة.” فواضح أنها وضعت تحت تأثير الموجة الأخيرة من الاساءات التي حدثت في بعض دول العالم للرسول الأعظم، ورغم تفهمنا الشديد للنوايا الحسنة التي تقف خلف مثل هذه المادة، فلنا أن نسأل كيف يتم تحديد الرسل والانبياء، وما هي المعايير التي على أساسها يمكن أن نحدد معنى “الاساءة والتعريض”؟ ثم أنك تجد بالضرورة داخل المعتقدات بل والنصوص الدينية ما قد يعتبر اساءة وتعريض بنبي أو رسول في دين ما، بينما لا يعتبر كذلك في دين آخر(قصة لوط وبناته في التوراة مثلاً)، كذلك قد تصبح هذه المادة قيداً على بعض أشكال البحث الفكري الرصين، فهل عدم الايمان برسول أو نبي ما واعلان ذلك الرأي يدخل تحت باب التعريض والاساءة أم تحت باب حرية العقيدة والفكر؟ لذا فالأولى أن تنصرف المادة إذا كان لا بد منها إلى حظر تناول الأديان والمعتقدات والمقدسات الدينية بسخرية واسفاف.

المادة (10) من الدستور ونصها:

“الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية.

وتحرص الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى

تماسكها واستقرارها، وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها؛ وذلك على النحو الذى ينظمه القانون.

وتكفل الدولة خدمات الأمومة والطفولة بالمجان، والتوفيق بين واجبات المرأة

نحو أسرتها وعملها العام.

وتولى الدولة عناية وحماية خاصة للمرأة المُعيلة والمطلقة والأرملة”

ككثير من مواد هذا الدستور، تحوي هذه المادة جمل انشائية أنطباعية أكثر مما تحتمل مادة دستورية، حيث استخدمت فيها مصطلحات فضفاضة الدلالة بما لا ينسجم مع طبيعة المواد الدستورية التي تتطلب الدقة والتحديد والوضوح، فما معنى “الطابع الاصيل للأسرة المصرية” مثلاً، ثم كيف تحرص عليه الدولة؟ والأخطر أن على المجتمع أيضاً أن يحرص عليها؟ كيف يمكن للمجتمع ان يرسخ القيم الأخلاقية ويحيمها؟ وهل يجوز الاحتجاج بهذه المادة لانشاء جماعة لترسيخ القيم الاخلاقية وحمايتها على غرار جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الموجود في المملكة العربية السعودية، بدعوى أن “الحرص على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى تماسكها واستقرارها، وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها ” منوط بالمجتمع أيضاً بموجب الدستور؟ هذا فضلاً عن أنها كمادة دستورية توحي بالكثير من الوصاية على الأسرة من قبل الدولة والمجتمع وتفتح باباً عريضاً أمام المشرع لاستخدام القانون في التدخل في شؤون الأسرة وتفتيت نظامها بدعوى حمايتها والحفاظ على الدين والقيم والاخلاق.

كذلك عبارة “عناية وحماية خاصة” في آخر المادة، فما معنى عناية وحماية خاصة؟ وكيف يمكن ترجمتها بالضبط؟ إذ هل تلزم هذه العبارة الدولة مثلاً بتأمين حد الكفاية لها على أقل تقدير؟!

وقس على ذلك في الكثير من العبارات الواردة في هذا الدستور

=============================

المادة (32) ونصها:

“الجنسية المصرية حق، وينظمه القانون.”

عائمة، والأصل أن يعرف الحق خاصة الحق باكتساب الجنسية عند المولد “الجنسية المصرية حق لكل مصري مولود لأب أو أم مصرية” مثلاً.

 

المادة (81) ونصها: الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلا ولا انتقاصا.

ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس

أصلها وجوهرها.

وتُمارس الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع المقومات الواردة فى باب الدولة

والمجتمع بهذا الدستور.

خطورة هذه المادة هي في الفقرة الأخيرة منها، لأنها تجعل من المقومات الواردة في باب الدولة والمجتمع قيداً على ممارسة الحقوق والحريات، والحقيقة أن ذلك كفيل بنسفها تماماً ومن جذورها وهي تعارض المادة (34) من نفس الدستور والتي نصها: “الحرية الشخصية حق طبيعى؛ وهى مصونة لا تمس.”

وكذلك المادة (45) منه والتي نصها:

“حرية الفكر والرأى مكفولة.

ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك

من وسائل النشر والتعبير.”

ولنا أن نتخيل في ظل العبارة الأخيرة من المادة (81) القيد الناجم على حرية الرأي في ظل نظام ولاية الفقيه الأزهري إن جاز لنا التعبير والتي اسست لها المادة (4) والخاصة بالأزهر في باب مقومات الدولة وعززتها المادة (219) مثلاً، بحيث يصبح مجرد الاعتراض بالرأي على رأي الأزهر في الشؤون المتعلقة الشريعة الاسلامية مخالف للدستور، لأن ما يؤخذ حسب باب مقومات الدولة والمجتمع في الشؤون المتعلقة بالشريعة هو رأي هيئة كبار العلماء في الأزهر، وبالتالي حرية مخالفته فيها تقع تحت باب مخالفة الدستور، ومن نافل القول كذلك ربطه بأي مخالفة في الرأي لما جاء في فقه السنة والجماعة حسبما حددت المادة 219 من هذا الدستور!

كذلك الاعتراض على من يمارس دوراً رقابياً باسم المجتمع على القيم والاخلاق والاسرة ذلك أن الدستور في باب الدولة والمجتمع المادة (10) يمنح ذلك الحق، فإن ظهر رأي يعترض على ممارسة كهذه أو يرفضها يكون مخالف للدستور ولا يعتد بكونه (أي الاعتراض) حق وحرية لصيقة بالشخص أو حرية تعبير!

وتعتبر المادة (10) من أخطر المواد في هذا السياق خاصة في النص فيها على “وتحرص الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى

تماسكها واستقرارها، وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها؛ وذلك على النحو الذى ينظمه

القانون.” خاصة بعيد اقحام “المجتمع” عليها، الأمر الذي سيفتح الباب على مصراعيه للجماعات التي سيتم تأسيسها على غرار جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أو انظر لهذا القيد في ظل المادتين (11) و (12)، حيث لا يكون لك أن تعترض على رعاية الدولة لخلق ما أو أدب ما أو ما تراه قيمة دينية أو وطنية، أو حتى حقيقة علمية أو ثقافة عربية أو تراثاً حضارياً…الخ فاعتراضك بالرأي على أي من ذلك مخالف للدستور ولا يدخل تحت باب حرية الرأي!

وليس لك كذلك أن تعترض على تعريب التعليم، أو ما ترى الدولة أن تحميه من قيم حضارية ولغوية وثقافية، فإن قلت أن هذه ليست قيمة ثقافية لهذا الشعب أو ان فيها تزوير لحقائق تاريخية من وجهة نظرك أو أي من ذلك على الاطلاق فأنت تخالف الدستور ولا حق لك بإبداء هكذا آراء!

لنلاحظ أنه ليس للمواطن مجرد أن يعترض بالرأي على أي من ذلك لأنه كله من المقومات الواردة في باب الدولة والمجتمع، والحقيقة أن هذه المادة لا تتعارض فقط مع المادة 34 من نفس الدستور بما ينسف مبدأ عدم التعارض اساساً فحسب، بل كذلك تتعارض صراحة مع المبادئ الدستورية التي تؤسس للحريات الفردية والتي رست عالمياً، ومع الميثاق العالمي لحقوق الانسان، وتعتبر ردة وتخلف صريح عما كان عليه الحال حتى في الدستور السابق.

المادة (35) من هذا الدستور ونصها: “فيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد ولا تفتيشه ولا حبسه ولا منعه من التنقل ولا تقييد حريته بأى قيد إلا بأمر قضائى مسبب يستلزمه التحقيق.

ويجب أن يبلغ كل من تقيد حريته بأسباب ذلك كتابة خلال اثنتى عشرة ساعة،

وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته؛ ولا يجرى التحقيق معه إلا فى حضور محاميه؛ فإن لم يكن ندب له محام.

ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء والفصل

فيه خلال أسبوع، والا وجب الإفراج حتما.

وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطى ومدته وأسبابه، وحالات استحقاق

التعويض وأدائه عن الحبس الاحتياطى، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء

الحكم المنفذة بموجبه.”

هذه المادة تعطي الحق بتقييد حرية الانسان اثنتي عشرة ساعة دون حتى أن يعرف لماذا قيّدت حريته؟! وبالتالي تعطي الحق بحجز الحرية ثم تكييف السبب خلال 12 ساعة، والأصل أن يعلم الإنسان بسبب تقييد حريته فور وقوع ذلك وأن يتمكن ذويه ايضاً من معرفة ذلك.

ثم، في دولة كمصر ينتشر فيها الفقر والجهل والأمية والمرض، لنا أن نتخيل مدى عوار المادة (41) من هذا الدستور والتي نصها:

“لجسد الإنسان حرمة، ويحظر الإتجار بأعضائه. ولا يجوز أن تجرى عليه

التجارب الطبية أو العلمية بغير رضاه الحر الموثق، ووفقا للأسس المستقرة في

العلوم الطبية، وعلى النحو الذى ينظمه القانون.”

إذ أنها تعجز عن وقف الاتجار بالاعضاء البشرية، ولن يكون ذلك ممكناً ولا عملياً، وسيظل هذا النص حبراً على ورق ما لم تحصر عملية التبرع بالاعضاء بالجهات الحكومية الرسمية حصراً وتحت رقابة الدولة المباشرة، ومثل ذلك يقال في مسألة اجراء التجارب الطبية على البشر، إذ أن لنا أن نتخيل أن اشتراط الموافقة لا معنى ولا قيمة له مع انتشار الفقر والمرض والجهل، لذا فإن نص بهذه الصيغة يفتح الباب على مصراعيه لاستغلال فقر وجهل ومرض الناس في مجالي الاتجار بالاعضاء والخضوع للتجارب الطبية، ولا بد أن تنص المادة صراحة على أن التبرع بالاعضاء والخضوع للتجارب لا يتم إلا بموافقة رسمية من الدولة وتحت رقابتها المباشرة.

المادة (47) من الدستور ونصها: “الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق، والإفصاح عنها، وتداولها، حق تكفله الدولة لكل مواطن؛ بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة، وحقوق الآخرين، ولا يتعارض مع الأمن القومى.

وينظم القانون قواعد إيداع الوثائق العامة وحفظها، وطريقة الحصول على

المعلومات، والتظلم من رفض إعطائها، وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة.”

النص فيها على عبارة “لا يتعارض مع الأمن القومي” يعيدنا إلى المربع الأول، ذلك أن هذه كانت دائماً الذريعة التي بموجبها امتنعت انظمتنا الحاكمة دائماً عن الالتزام بما وقعت عليه دولياً بشأن هذا الحق (حق الحصول على المعلومة)، وهكذا ستظل اجهزة الحكومة والنظام تخفي المعلومات بذريعة أن كشفها يعرض الأمن القومي للخطر كلما رأت أن ذلك يتعارض مع مصالحها أو شعبيتها، والاحالة هنا على القانون لينظم التظلم في رفض اعطائها قد يفقدها وهو الغالب الاعم قيمتها بحكم الوقت وصعوبة الاجراءات، والأصوب فيما نرى أن يكون الأصل الاباحة ويحصر الاستثناء ويحدد وليس العكس، بحيث تكون صلاحية حجب المعلومات بذريعة أن كشفها يتعارض مع الأمن القومي محصورة بتشريع خاص يحدد ماهية مثل هذه المعلومات الحساسة والتي تمس الأمن القومي، فيكون النص مثلاً “يستثنى من ذلك ما يصنفه القانون تحت باب معلومات تمس الأمن القومي” ولا يترك الأمر اعتباطاً لتقدير السلطات التنفيذية، أو على نحو غير محدد بقانون للسلطة التقديرية للقضاء.

اضافة إلى ذلك فإنه حتى فيما يتعلق بهذا النوع من المعلومات، كان يفترض الأخذ بالعرف الدستوري والقانوني المتبع في دول أخرى بحيث تنص المادة على أن تكشف الدولة عن هذه المعلومات بعد انقضاء مدد معينة، مثلاً هناك الكثير من المعلومات المصنفة ضمن هذا النوع حول حربي 67 و 73 لا يجوز أن تظل محجوبة أو ممنوعة من النشر، لما لها من أهمية تاريخية وبحثية، واستمرار منعها يمس بالحقيقة التاريخية وضرورة تثبيتها وحق الشعوب في معرفة ما جرى على نحو دقيق، فضلاً عن اهمية بناء الرواية التاريخية الرسمية للحدث بشكل متكامل.

المادة (48) من الدستور ونصها:

“حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام مكفولة. وتؤدى رسالتها

بحرية واستقلال لخدمة المجتمع والتعبير عن اتجاهات الرأي العام والإسهام فى

تكوينه وتوجيهه فى إطار المقومات الأساسية للدولة والمجتمع والحفاظ على الحقوق

والحريات والواجبات العامة، واحترام حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومقتضيات

الأمن القومى؛ ويحظر وقفها أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائى.

والرقابة على ما تنشره وسائل الإعلام محظورة، ويجوز استثناء أن تفرض

عليها رقابة محددة فى زمن الحرب أو التعبئة العامة.”

يضع قيداً خطراً من خلال عبارة: ” فى إطار المقومات الأساسية للدولة والمجتمع” وكذلك عبارة: “مقتضيات الأمن القومي” فهما مدخل لنسف حرية الصحافة من جذورها، كذلك يفترض اتاحة حق التأسيس بمجرد الاخطار للفضائيات وليس فقط للصحف (المادة 49) “حرية إصدار الصحف وتملكها، بجميع أنواعها، مكفولة بمجرد الإخطار لكل شخص مصرى طبيعى أو اعتبارى.

وينظم القانون إنشاء محطات البث الإذاعى والتليفزيونى ووسائط الإعلام الرقمى

وغيرها.” فعبارة “ينظم القانون إنشاء…” تتيح المجال لاستخدام القانون في تقييد حرية الاعلام المرئي.

كذلك يجب أن يضاف أن تكفل الدولة استقلال الصحف ووسائل الاعلام المملوكة لها باعتبارها ملك لكل الشعب ولا يجوز توظيفها لخدمة تيار او حزب أو حكومة أو رئيس بعينه، وأن لا تكون هناك عقوبات سالبة للحرية في جرائم الاعلام.

المادة (51) من الدستور ونصها:

“للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية والأحزاب بمجرد

الإخطار، وتمارس نشاطها بحرية، وتكون لها الشخصية الاعتبارية.

ولا يجوز للسلطات حلها أو حل هيئاتها الإدارية إلا بحكم قضائى؛ وذلك على

النحو المبين بالقانون.”

يعيب هذه المادة كما يعيب غيرها الكثير، السكوت عما لا يجوز السكوت عنه، والمقصود هنا على نحو محدد ودقيق، حظر انشاء الاحزاب على أساس عرقي ومذهبي أو جهوي ولا تفي بهذا الغرض العبارة الواردة في المادة (6) من الدستور ونصها : “ولا يجوز قيام حزب سياسى على أساس التفرقة بين المواطنين؛ بسبب الجنس أو الأصل أو الدين.” ذلك أن الحظر فيها هو للتفرقة (التمييز) ولا ينصرف إلى قيامها على أساس الجنس والأصل والدين بالضرورة، والأصل أن ينصرف الحظر لكليهما كما كان الحال في دستور 71 وبالنص: “ولا تجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أي مرجعية أو أساس ديني‏،‏ أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل‏.”، كذلك سكت الدستور عن انشاء احزاب او جماعات او منظمات سرية أو ذات طابع عنيف، علماً بأن دستور 1971 كان ينص على حظرها صراحة.

 

المادة (52) من الدستور ونصها:

“حرية إنشاء النقابات والاتحادات والتعاونيات مكفولة. وتكون لها الشخصية

الاعتبارية، وتقوم على أساس ديمقراطي، وتمارس نشاطها بحرية، وتشارك فى خدمة

المجتمع وفى رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم.

ولا يجوز للسلطات حلها أو حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائى.”

 

أولاً كلمة مكفولة غير كافية، ويجب أن يضاف لها “بمجرد الاخطار” لأن الاكتفاء ب “مكفولة” تتيح أن يستخدم القانون لاحقاً لافراغها من مضمونها العملي بوضع شروط وتعقيدات تحول دون تفعيل هذه الحرية، ثانياً لا يجوز ان تكون هناك عقوبة جماعية، فحل النقابة هو عقوبة جماعية تقع على كل اعضائها كما انها تتعارض ابتداء مع حق التنظيم الجماعي، وهذا غير جائز لذا يفترض حذف “إلا بحكم قضائي”، علماً بأن حل النقابات لم يكن ممكناً وفق دستور 1971، مما يعني أن هذه المادة أيضاً تمثل ردة دستورية أخرى.

 

المادة (53) ونصها:

” ينظم القانون النقابات المهنية، وادارتها على أساس ديمقراطي، وتحديد مواردها،

وطريقة مساءلة أعضائها عن سلوكهم فى ممارسة نشاطهم المهنى وفق مواثيق

شرف أخلاقية. ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة مهنية واحدة.

ولا يجوز للسلطات حل مجلس إدارتها إلا بحكم قضائى، ولا تفرض عليها

الحراسة.”

المشكلة فيها بالنص على أنه “لا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة مهنية واحدة” وهذا تقيد جديد، والأصل حرية التنظيم النقابي، ولا يجوز اشتراط أن تكون هناك نقابة واحدة للمهنة، فالأصل أن من حق أي مجموعة ترغب في انشاء نقابة أن تفعل، حيث الاتجاه العالمي للعمل النقابي يقوم على ثلاثة مبادئ هي : الادارة الديمقراطية والاستقلال، وحرية التشكيل، وحرية الانتساب.

 

المادة (55) ونصها:

“مشاركة المواطن فى الحياة العامة واجب وطنى؛ ولكل مواطن حق الانتخاب،

والترشح، وابداء الرأي فى الاستفتاء. وينظم القانون مباشرة هذه الحقوق.

وتلتزم الدولة بإدراج اسم كل مواطن بقاعدة بيانات الناخبين دون طلب، متى

توافرت فيه شروط الناخب.

وتكفل الدولة سلامة الاستفتاءات والانتخابات وحيدتها ونزاهتها. وتدخل

أجهزتها بالتأثير في شيء من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون.”

 

العوار في المسكوت عنه في هذه المادة، فهي لا تنص على أثنين من اهم شروط النزاهة أولهما: التزام الدولة بالوصول إلى المعلومات بما يضمن شفافية العملية الانتخابية بكل مراحلها، وثانيهما: حظر استخدام دور العبادة في الدعاية الانتخابية، الأمر الذي لا ذكر له على الاطلاق في هذا الدستور للاسف، وبالتالي فغيابه يمهد لتحويل دور العبادة لمقر للجماعات والاحزاب السياسية على خلاف الغاية التي وجدت من اجلها، وخلافاً لطبيعة كونها للناس كافة على اختلاف توجهاتهم السياسية، وسيحول ذلك دور العبادة إلى بؤر للصراع والتناحر، وهو ما شهدناه عملياً في مسجد القائد ابراهيم في الاسكندرية وغيره من المساجد والمعابد بين مؤيد ومعارض.

 

المادة (58) من الدستور وهي من أخطر مواده ونصها:

” لكل مواطن الحق في التعليم عالي الجودة، وهو مجانى بمراحله المختلفة في

كل مؤسسات الدولة التعليمية، والزامي في مرحلة التعليم الأساسي، وتتخذ الدولة كافة

التدابير لمد الإلزام إلى مراحل أخرى. و تُعنى الدولة بالتعليم الفنى، وتشجعه، وتشرف على التعليم بكل أنواعه، وتخصص له نسبة كافية من الناتج القومى.

وتلتزم جميع المؤسسات التعليمية العامة والخاصة والأهلية وغيرها بخطة الدولة

التعليمية وأهدافها؛ وذلك كله بما يحقق الربط بين التعليم وحاجات المجتمع والإنتاج.”

 

هذه مادة معيبة وخطرة، وأخطر ما فيها هو أنها تلغي عملياً التزام الدولة بتأمين التعليم المجاني، فالنص على أن التعليم في مؤسساتها مجانياً، لا يعني أنها ملتزمة بتوفيره بالمجان لكافة مواطنيها.

والأصل أن تحتوي المادة على عبارة “وتلتزم الدولة بتأمين التعليم المجاني لكافة مواطنيها”، أما هذه الصياغة فإنها لا تلزم أي حكومة بإنشاء أي مدارس جديدة ولا تثريب عليها فيما لو امتنعت عن ذلك، وهكذا لو ان طالباً لم يجد له مقعدا دراسياً بداعي عدم الاستيعاب فليس له ان يحتج بأن الدستور يكفل له الحق بالتعليم المجاني على نفقة الدولة، ببساطة لأن هذا الدستور لا يكفله له أصلاً.

كذلك فإن عبارة “وتخصص له نسبة كافية” الواردة في هذه المادة والمادة التالية لها الخاصة بالبحث العلمي، لا تغني ولا تسمن من جوع وهي كأغلب عبارات هذا الدستور عامة وغير محددة، إذ ما هي النسبة الكافية؟ وكيف نستطيع أن نحدد بدقة إن كانت كافية أم لا؟ قد يرى البعض أن النسبة الكافية لا تقل عن 50% وقد يرى البعض الآخر أن 1% تكفي!

فالأصل أن يضع الدستور على نحو دقيق حدوداً دنيا أو عليا لبعض الأمور الهامة، منها مثلاً الحد الأدنى للانفاق على التعليم وكذلك البحث العلمي والحد الألعلى للدين العام وعجز الميزانية والانفاق العسكري نسبة إلى الناتج المحلي او الايرادات العامة للدولة، كأن يحدد الدستور الحد الأعلى للدين العام المسموح به بنسبة 70% إلى الناتج المحلي الاجمالي.

اما ان تبقى الامور عائمة على النحو الحاصل، فإن ذلك يعطي المجال للحكومات أن تتحرك دون ضوابط تحكم مالية الدولة، مما قد يؤدي إلى خلل هيكلي كبير في الاقتصاد والمجتمع نتيجة الميل إلى عدم مراعاة التوازن في توزيع الانفاق العام والحدود الآمنة للمديونية وعجز الميزانية…الخ وهذه كلها من العيوب التي تندرج في هذا الدستور تحت باب العوار الناتج عن ما سكت عنه الدستور.

 

المادة (61) من الدستور ونصها:

“تلتزم الدولة بوضع خطة شاملة للقضاء على الأمية وتجفيف منابعها لكافة الأعمار، من الذكور والإناث. وتتولى تنفيذها بمشاركة المجتمع خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور.”

فالاتلزام فيها ليس بالقضاء على الأمية وإنما بوضع الخطة الشاملة!

 

المادة (62) من الدستور ونصها:

” الرعاية الصحية حق لكل مواطن، تخصص له الدولة نسبة كافية من الناتج القومى.

وتلتزم الدولة بتوفير خدمات الرعاية الصحية، والتأمين الصحى وفق نظام

عادل عالى الجودة، ويكون ذلك بالمجان لغير القادرين.

وتلتزم جميع المنشآت الصحية بتقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل مواطن فى

حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة.

وتشرف الدولة على كافة المنشآت الصحية، وتتحقق من جودة خدماتها،

وتراقب جميع المواد والمنتجات ووسائل الدعاية المتصلة بالصحة؛ وتصدر

التشريعات وتتخذ كافة التدابير التى تحقق هذه الرقابة.”

شأنها شان المادة الخاصة بالتعليم ينتج عنها تراجع في حقوق المواطن على عكس اتجاه تطور الدساتير، فالأصل أن التعديلات الدستورية والدساتير الجديدة من شأنها أن تزيد وتوسع من حقوق المواطن، بينما الحاصل في هذا الدستور هو العكس، وكما في التعليم هنا في الصحة تتنصل الدولة من التزامها بتوفير العلاج المجاني لمواطنيها كافة الأمر الذي كان يكفله دستور 71، وتحصره نصاً ب “غير القادرين”، فضلاً عن أن هذه العبارة توقعنا مرة أخرى فريسة للعبارات غير المحددة والدقيقة الدلالة، والتي لا تلائم طبيعة النصوص الدستورية، إذ ما هو المعيار في تحديد غير القادر، وكيف يثبت المواطن أنه غير قادر؟!

كذلك كيف يحدد ما هو “النظام العادل عالي الجودة” ليكون ممكناً إلزام الدولة به ابتداء؟!

المادة (64) ونصها:

“العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، تكفله الدولة على أساس مبادئ

المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.

ولا يجوز فرض أى عمل جبرا إلا بمقتضى قانون.

ويعمل الموظف العام فى خدمة الشعب، وتتيح الدولة الوظائف العامة

للمواطنين على أساس الجدارة، دون محاباة أو وساطة، ومخالفة ذلك جريمة يعاقب

عليها القانون.

وتكفل الدولة حق كل عامل فى الأجر العادل والإجازات، والتقاعد والتأمين

الاجتماعى، والرعاية الصحية، والحماية ضد مخاطر العمل، وتوافر شروط السلامة

المهنية فى أماكن العمل؛ وفقا للقانون.

ولا يجوز فصل العامل إلا فى الحالات المنصوص عليها فى القانون.

والإضراب السلمى حق، وينظمه القانون.”

أخطر ما فيها أنها وخلافاً للمادة 23-أ من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والناصة على أن “لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة.” تجيز هذه المادة فرض العمل جبراً بقانون، والأصل أنه لا يجوز فرض العمل جبراً بالمطلق، لذا فهذه المادة مخالفة لميثاق حقوق الانسان وكذلك لاتفاقية فينا الخاصة بالمعاهدات الدولية.

كذلك لا يلزم هذا الدستور الدولة بتوفير فرص العمل للعاطلين عن العمل (الحماية من البطالة).

 

المادة (65) ونصها:

” تكرم الدولة شهداء ثورة الخامس والعشرين من يناير وغيرهم من شهداء الحرب

والواجب الوطنى والمصابين فيها. وتكفل الرعاية اللازمة لأسرهم، وللمصابين،

وللمحاربين القدامى، لأوسر المفقودين فى الحرب وما فى حكمها. ويكون لهم

ولأبنائهم ولزوجاتهم الأولوية فى فرص العمل.

وكل ذلك وفقا لما ينظمه القانون.”

 

في نص دستوري تعتبر عبارة “شهداء ثورة الخامس والعشرين” كلاشيه آخر يهدف لتسويق هذا الدستور أكثر مما يؤسس لنصوص دستورية، وكان الأجدى أن يكون النص “تكرم الدولة الشهداء ….”.

 

المادة (68) ونصها:

” المسكن الملائم والماء النظيف والغذاء الصحى حقوق مكفولة.

وتتبنى الدولة خطة وطنية للإسكان؛ تقوم على العدالة الاجتماعية، وتشجيع

المبادرات الذاتية والتعاونيات الإسكانية، وتنظيم استخدام أراضي الدولة لأغراض العمران؛ بما يحقق الصالح العام، ويحافظ على حقوق الأجيال.”

 

عبارة المسكن الملائم فضفاضة وغير محددة الدلالة ولا تلزم الدولة بشيء، وليس في هذا الدستور أي مواد من شأنها أن توجه سياسات الدولة وتلزمها بمعالجة وحل أزمة العشوائيات، فكل ما جاء في هذه المادة ليس من شأنه أن يحل لا ازمة السكن ولا مشكلة العشوائيات، والأصل ان يكون هناك إلزام في توفير السكن مع تحديد مواصفاته في الحد الأدنى، من حيث الجودة والملاءمة والقرب من الخدمات الأساسية وتوفر البنية التحتية، والقضاء على العشوائيات واستبدالها بمساكن تنطبق فيها المواصفات الملائمة، وفي الدستور البرازيلي لدولة عانت مثل تلك المشاكل خير قدوة ومثال في ذلك.

 

المادة (69) ونصها:

” ممارسة الرياضة حق للجميع.

وعلى مؤسسات الدولة والمجتمع اكتشاف الموهوبين رياضيا ورعايتهم، واتخاذ

ما يلزم من تدابير لتشجيع ممارسة الرياضة.”

مرة أخرى عبارات مطاطة وكلاشيهات لا ينشأ عنها أي التزامات قابلة للقياس.

 

المادة (70) ونصها:

” لكل طفل، فور الولادة، الحق فى اسم مناسب، ورعاية أسرية، وتغذية أساسية،

ومأوى، وخدمات صحية، وتنمية دينية ووجدانية ومعرفية.

وتلتزم الدولة برعايته وحمايته عند فقدانه أسرته، وتكفل حقوق الطفل المعاق

وتأهيله واندماجه فى المجتمع.

ويحظر تشغيل الطفل، قبل تجاوزه سن الإلزام التعليمى، فى أعمال لا تناسب

عمره، أو تمنع استمراره فى التعليم.

ولا يجوز احتجاز الطفل إلا لمدة محددة، وتوفر له المساعدة القانونية، ويكون

احتجازه فى مكان مناسب؛ يراعى فيه الفصل بين الجنسين، والمراحل العمرية، ونوع الجريمة، والبعد عن أماكن احتجاز البالغين.”

نص خطير يبيح تشغيل الأطفال، ويتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل الموقع عليها من قبل الدولة المصرية والتي تحظر تشغيل وزواج الاطفال دون سن الثامنة عشر، فيما تسمح الاتفاقية فقط بعمل الاطفال في اعمال مناسبة وفي الاجازات الصيفية حصراً بين سني 13-18، بينما المادة الدستورية أعلاه تجيز تشغيل الاطفال في هذه الفئة العمرية سواء بسواء مع البالغين بمعنى أنها لا تعتبر من هو في الفترة العمرية 13-18 طفلاً من حيث الأساس!

كذلك فهي تجيز تشغيل الأطفال حتى وهم في سن التعليم الالزامي، بمعنى آخر يبيح هذا الدستور تشغيل الاطفال في كل الفئات العمرية ولا يضع على من هم في سن التعليم الالزامي سوى شرط أن يكون العمل مناسب لعمره وأن لا يمنع استمراره في التعليم وهذا أيضا تعبير مطاط، ويبيح بالضرورة جرائم تشغيل الاطفال، إذ ليس هناك أي عمل مناسب لطفل في سن التعليم الالزامي من حيث المبدأ.

كذلك المادة مليئة بالتعبيرات غير المنضبطة الدلالة والتي يمكن صرفها قانونياً على نحو محدد، مثل “الحق في اسم مناسب” فكيف يمكن تحديد أن يكون الاسم مناسباً؟!

يفترض أن تكون مثلاً: “الحق في اسم مناسب لا يشكل اساءة لحامله” كذلك لا تتضمن المادة على الاطلاق اشارة للعنف ضد الاطفال، والأصل أن تنص على التزام الدولة بحماية الطفل من كل اشكال العنف والاستغلال، وكذلك أن تنص على حظر زواج القصّر.

بهذا الشكل الخطر فإن هذه المادة وخلافاً لاتفاقية حماية الطفل

1- تبيح تشغيل الاطفال في سن التعليم الالزامي.

2- تبيح تشغيل الاطفال في الفئة العمرية 13-18 خارج فترة الاجازات الصيفية، وتعاملهم هنا معاملة البالغين لسن الرشد.

3- لا تنص على حماية الطفل من العنف والاستغلال

4- لا تحظر زواج القصّر.

=================

يتبع 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s