اسطورة عبور الاردن وسقوط اريحا – من اخترع هذا التاريخ

كتاب :  اسطورة عبور الاردن وسقوط اريحا – من اخترع هذا التاريخ 

الدكتور فاضل الربيعي 

ما يقوله هذا الكتاب، وبخلاف النظريات الدارجة، هو التالي:

1: إن العبرانيين لم يعبروا نهر الأردن- البلد العربي- وهم لم يعرفوا هذا المكان الذي إختلقه الاستشراقيون من التيار التوراتي، وقاموا بترويجه وتسويقه كواقعة تاريخية.

وفي الواقع، لا توجد- بوجه الإطلاق- في التاريخ القديم حادثة من هذا النوع، نجم عنها ظهور جماعة سوف ُتعرف بهذا الاسم، وكل ما قيل وكتب من مؤلفات معروفة في الثقافة التاريخية الغربية ، لا يتعدى في هذا النطاق من الفكرة، حدود التلفيق والإختلاق المؤسس على الوهم والهوس الممزوج بالإعجاب بإسرائيل.

وبرأينا، أن المقصود من (العبرانيين) و( بني إسرائيل) الإشارة إلى جماعتين بشريتين منفصلتين لا جماعة واحدة. وهذا التمييز هامٌ للغاية لفّك الإرتباط التعسفي الذي جمعهما، وأوحى لأجيال وأجيال من البشر في مختلف أرجاء العالم، بأن الإسرائيليين أحفاد العبرانيين، وأن هؤلاء أخذوا من أجدادهم، لغتهم العبرية ( لسانهم القديم) الذي يعرفون به.

2: وفي سياق هذا الزعم شاع في مختلف الأوساط، حتى الأكاديمية والعلمية منها، القول أن يهود اليوم في العالم كله يتحدّرون من سلالة بني إسرائيل. ولذلك، حدث دمج جديد ومزيف يماثل بين القبيلة ( بنو إسرائيل) وبين معتنقي الديانة اليهودية؟ وبحيث صار كل منهما دالاً على الآخر، فعندما تقول( يهودي) يفهم من قولك، أنك تعني بني إسرائيل الذين ورد ذكرهم في التوراة والقرآن، وأن قولك ( بنو إسرائيل) يعني أنك تقصد اليهود بعامّة.

3: كما شاع القول– وهو خاطئ جملة وتفصيلاً ولا أساس له في السجلات التاريخية – أن العرب واليهود أبناء عمومة ترتفع إلى الجد المشترك إبراهيم. وهذا غير منطقي، لأن قرابة الدم لايمكن أن تقوم بين قبائل عربية وجماعات من شعوب أخرى أوروبية مثلاً، اعتنق أجدادها اليهودية؟ وكيف يمكن تخيّل أن المصري المعاصر، مثلاً، هو ابن عم ليهودي إيرلندي؟ ومن المنظور الأنثروبولوجي سوف يبدو أن من غير المنطقي كذلك، تخيّل وجود قرابة دم على أساس الدين، بين أبناء قبيلة عربية ( طئ أو تميم مثلاً) وبين عربي آخر من أتباع اليهودية لكنه ينتمي لقبيلة حمير اليمنية، ذلك أن القرابات تقوم على أساس العرق لا على المعتقد.

4: وفي إطار هذه الإلتباسات، حدث تكرّيس منهجي للدمج التعسفي بين العبرانيين وبني إسرائيل، وراجت أسطورة أن العبرانيين هم أبناء عابر، وإليهم تنسب اللغة العبرية.

5: وأن هؤلاء أخذوا اسمهم واسم لغتهم– العبرية- من ( عبور الأردن ) النهر العربي. وهكذا، جرت سلسلة لا تكاد تنقطع من التماثلات بين أعراق وجماعات ولهجات ولغات، عاشت في عصور وفترات مختلفة، ولم تجمعها روابط أو قرابات حقيقة .

6: وفي سياق هذه التماثلات الزائفة أيضاً، تناسى الكثيرون الحقيقة البسيطة التالية: إن اليهودية دين عربي قديم من ديانات العرب، بزغ فجرها في أوساط العرب الجنوبيين ( اليمنيين) ولم تكن ديناً غريباً، أو وافداً عليهم من خارج الجزيرة العربية، وهي انتشرت في اليمن في فترات ومراحل لا يعرف التاريخ المكتوب عنها الكثير. والتوراة كما عرفها العرب القدماء، كتاب إخباري- ديني مقدس من كتبهم، يتضمن التشريعات الدينية والقصص والأخبار والأشعار التي سجلها بنو إسرائيل.

كما أن التوراة شأنها شأن الكتب المقدسة الأخرى، تتضمن قصص وأشعار وأخبار الأولين من القبائل والجماعات التي يعرفها العرب، وبعض قبائلهم تنتسب إلى هذه الجماعات مثل السلف ( الشلف) وجشم، وعبد وسلمه وجبر إلخ…

7: والأمر المؤكد بالنسبة لي، كما برهنت في مناسبات سابقة، أن التوراة لا تتضمن أي شيء يخصً فلسطين أو يلمح إلى ذكرها بأي صورة من الصور؛ بل لا صلة لها بفلسطين أو تاريخها. وكل ما ُيزعم عن وجود وصف لفلسطين كأرض ٍ للميعاد اليهودي، ليس أكثر من ترويج لأكاذيب وخدع استشراقية، تنتمي الى العصر الاستعماري وهي من نتاجه، إذ لا وجود لاسم الفلسطينيين أو فلسطين في التوراة.

8: لقد ميزّ القرآن- كما فعل العرب في الجاهلية تماماً- بين اليهودية وبني إسرائيل، تمييزاً دقيقاً ونهائياً لا يقبل أي جدل، فاليهودية دين، وبنو إسرائيل قبيلة. وذلك واضح كل الوضوح من الآيات والسور القرآنية التي نددّت باليهود، ولكنها مجّدت بني إسرائيل . ولذلك، لا صلة للجغرافيا التي وصفتها التوراة في قصصها، بأي جغرافيا أخرى سوى جغرافية اليمن القديم التي ولدت فيها اليهودية. لقد ولدت اليهودية كدين عربي في أرض العرب( اليمن) ولم تولد في استراليا أو المكسيك.

وبكل يقين، فليس النبي موسى نبياً ألماني النشأة والمولد. وطبقاً لهذه البديهية التي طالما جرى التغاضي عنها أو إهمالها أثناء النقاش حول التاريخ القديم، فإن التوراة تتضمن اشعاراً وقصصاً وأساطير عربية قديمة، راح الكهنة يقصونها على مرّ الأزمان ( لأنها من أحسن القصص) بمعناها الوعظي والإرشادي، وهي لا تروي بأي صورة من الصور أي شئ من تاريخ فلسطين القديم؟

9: وإذا ما تقبلنا هاتين الفرضيتيين ( البديهيتين) مبدئياً؛ فإن علينا التمييز بدقة بين القبيلة والدين، كما نميزّ مثلاً، بين قريش والإسلام، إذ لا تدّل قريش بإطلاق على الإسلام، ولا يمكن الافتراض أن كل قرشي هو مسلم، أو أن كل مسلم هو من قريش. ولذلك، يجب أن نميّز بين بني إسرائيل واليهودية، وأن نننشئ إطاراً مفهومياً يعيد وضعهما في إطارهما الصحيح كقبيلة ودين، إذ ليس كل من انتسب لبني إسرائيل هو يهودي، وليس كل يهودي هو من بني إسرائيل.

وبكل يقين، فقد تحدثت التوراة بالتفصيل عن إنشقاق ديني أدى إلى إنقسام مملكة بني إسرائيل إلى مملكتين متصارعتين، احداهما في الجنوب- يهوذا- التي أدينت بالارتداد عن الشرعة اليهودية، وانغماس سكانها في العبادة الوثنية، وهذا أمر أشار إليه القرآن الكريم في السور التي تناولت بني إسرائيل وموسى، وكيف أنه وجد اتباعه يعودون لعبادة العجل الذهبي، بينما ظلت الأخرى في الشمال تحمل اسم إسرائيل. ووصف التوراة هذا – يهوذا في الجنوب وبني إسرائيل في الشمال- يتعارض كلياً مع وصف إسرائيل الحالية، فيهوذا والسامرة-أي الضفة الغربيةوغزة- تقع في الجنوب، بينما تقع أراضي 48 -أي ما يسمى إسرائيل – في الشمال؟ أي بما يتعارض ويتناقض مع وصف فلسطين التاريخية. فكيف يمكن قبول هذه الأكذوبة عن تطابق الوصف؟

10: إن مصطلح العبرانيين، وبمعايير البحث التاريخي والعلمي، يدّل على جماعات بشرية كبيرة لا جماعة واحدة، بينما يدّل اسم( بني إسرائيل) على جماعة قبلية صغيرة بعينها. وكل خلط بين المفهومين سيؤدي لا محالة إلى نتائج خاطئة، مماثلة لما وصلت إليه دراسات وبحوث الاستشراق.

11: ومثل هذا التمييز الذي نقترحه، ضروري للغاية لفهم صحيح لأحداث التاريخ القديم، ذلك أن أسطورة عبور الأردن ترتبط في الأصل بالعبرانيين وليس ببني إسرائيل؟ وهؤلاء أخذوا اسمهم، كما يقال عادة من هذه الواقعة المثيولوجية ( الأسطورية).

وبالرغم من عدم وجود أي دليل تاريخي يؤيد حدوثها، وأن كل ما ورد عنها في التوراة لا يشير بأي صورة من الصور إلى علاقة مباشرة ببني إسرائيل، فقد طغى في السرد التاريخي، الزعم بأنهم عبروا الأردن نحو أرض الميعاد الفلسطيني؟ وبالطبع، فقد كان من نتائج هذا الخلط التعسفي الذي قام به علماء آثار وباحثون ودارسون من الغرب والشرق وعلى امتداد عقود طويلة، أن جرى بشكل تعسفيّ تنسيب أسطورة العبور تلقائياً إلى بني إسرائيل .

12: وحده، فك الإرتباط بين هذه التسميات والمفاهيم والتصورات والمصطلحات، هو الذي يمكّن دارس التاريخ من رؤية الحقائق التاريخية والعلمية. في مؤلفي السابق( فلسطين المتخيّلة ) كتبت ما يلي: ( لقد آن الأوان لأن تتقدم أوروبا-والغرب بأسره- باعتذار صريح للفاسطينيين والعرب والمسلمين عن النتائج المأسوية التي تسبّب بها الخيال الاستعماري المُفرط – ونزعات المستشرقين التوراتيين وعنجهيتهم وعنصريتهم السقيمة – في تدمير شعب وتشريده عن وطته.

لقد أدًت هذه النتائج إلى ( تهويد) التاريخ الفلسطيني، وإلى وقوع مأساة شعب وأمة جرى الإستيلاء على أرضها وتاريخها وثقافتها االقديمة بالقوة الغاشمة. بيد أن ذلك لن يكون ممكنا ً ولا كافيا ً من دون خطوة جريئة من علماء التوراة في العالم، بإعلان صريح ممائل لا لبس فيه ٍعن بُطلان القراء الاستعمارية للتوراة، والإقرار بالخطأ الفادح في هذه القراءة والاعتراف بحقيقة أن الانتساب الى دين بعينه،لا يبرر الحق في أي مُطالبة غير مشروعة بأراضي شعوبٍ أخرى، والإقرار بوجود حاجة إلى ترجمة جديدة للنص التوراتي المقدس، تزيل كل صلة وهمية بينه وبين فلسطين.

إن لمن الإجحاف والتعسف غير المبرر، تخيًل وجود حق ديني في أرض العرب – بالنسبة لمسلم فلبيني مثلا ً- قد يخرج على العالم، يومًا ما، ليزعم أنه ينتسب لقريش وهو من سلالتها، وله الحق بالمطالبة بإرث أجداده في مكة، لمجرد كونه دان بدين العرب فأصبح مسلماً ؟ إن كونه مسلما ً لا يعطيه الحق في ادعاء الانتساب إلى قريش. والأمر ذاته ينطبق على حالة اليهود في العالم كله؛ فهؤلاء دانوا باليهودية وهي دين عربي– مثله مثل المسيحية والإسلام- ولكنهم ليسوا، بكل تأكيد، من سلالة قبيلة بني إسرائيل اليمنية المنقرضة والبائدة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s