القدس بعيون البطريرك هزيم

حسين احمد شحادة

في البدء كانت القدس آرامية عربية شامية، وعروبتها تعود لتأسيس مدينة يابوس العربية منذ خمسة آلاف سنة، فكانت ملتقى الثقافات والحضارات والأديان، ولم تنغلق في جميع عهودها العربية عن درب التسامح والحوار، وكانت بهية وعبقرية بمثلما رآها يوحنا الرسول: «نازلة من السماء من عند الله «وصوت عظيم من السماء ينادي أشواقاً لعالم إليها: «هو ذا مسكنا لله مع الناس» – (رؤيا 1/ 3-5).

ولم يزهر سلامها عبر التاريخ إلا بازدهارات العدل والأمان المشدود إلى جلجلتها وقيام صخرتها، وفي نبوءات محك المدينة بالزمن: لن تستطيع حراب الاحتلال محو اسمها أو إجهاض روحها الأسيرة المسبية، لأن دم الأنبياء والشهداء يجري في جذوع نخلتها العلية (…).

وفي لاهوت سلام المدينة والمدن، لا سلام يقوم على توثين العلاقة بالأرض، ولا سلام يقوم على مذابح استلاب الهوية والكرامة والحقوق، ولا سلام يبنى على خرائط التطهير العرقي والديني، ولا سلام يزوّر التوراة لتقوم دولة الاحتلال الإسرائيلي الظالمة على أن قاضما تبقى من المسيحية والإسلام.. بتغيير وضع القدس منذ العام 67 بل منذ العام 47 على مرأى ومسمع من قرارات مجلس الأمن وقانونه الدولي الذي ما انفك يكيل بمكيالين كلما اتصلت قراراته بواقع الإدانة لاحتلالها (…).

نزعة العنف الديني الذي ذهب بعيداً بتدليس فكرة الخلاص الدينية من فكرة كانت تدور في المسيحية والإسلام حول خلاص الأمم بالتسامح، إلى فكرة تلمودية تدعو إلى تخليص الأرض الموعودة من غير اليهودي بقوة السلاح، وقد بلغت ذروة الاعتداء على الهوية الحضارية والتاريخية للقدس من خلال ـ اللجنة الحكومية للأسماء التي تعيد تسمية الأماكن والمواقع وفق اعتبارات توراتية محرفة..

لم يفهم هذا اليهودي القادم من ـ الشتات ـ شيئاً عن معنى ـ القدس ـ في حضورها الإلهي ورسالتها التوحيدية من أجل كرامة الإنسان المؤمن بكل شبر من أرضها صلى فيه نبي أو قام فيه ملك، لأن هجاءها بعقله الوثني طامعاً يبحث فيها عن هيكل الحجر ليصبح المحفور من آثام أجداده فيه قضيةً سياسية، وقضية احتلال يتمسح بمسوح الدين. لا لتخريب عروبتنا ووحدة إيماننا المسيحي ـ الإسلامي فحسب، وإنما لتكسير ظهورنا حتى لا تقوم لنا في عاصمة القيام قائمة من بتولية الحب الإلهي وعرفانها الأصدق، وحتى لا يكون لنا شرف الشهادة على التاريخ تجسيداً لوحدة الدين والإنسان والحضارة.

ولا تزال الصهيونية الحديثة تعبد الله على حرف واحد من الدين والقدس، لتقلب بأوهام أساطيرها قيامة القدس تقسيماً وتدويلاً وتهويداً.

فماذا نحن صانعون بهذه الصهيونية العالمية الوثنية المتخصصة منذ أول التاريخ باغتيال هذه المدينة وصلبها كلما مسّها المسيح أو كلما لامسها طيف من مسرى إسراء محمد.

لهذا فإن المدخل لتجديد المنطلقات المسيحية ـ الإسلامية تجاه مستقبل القدس يستدعي قراءة ثانية لتقييم الموقف ـ من ظاهرة الصهيونية والاحتلال.

ومن المفيد هنا بتصويبات صاحب الغبطة البطريرك الراحل إغناطيوس هزيم استحضار الخلفية التاريخية لموقف الكنائس من الحركة الصهيونية ليكون أساساً لمشروع مسيحي ـ إسلامي جامع، وبحسب المؤرخين فقد اتسمت علاقات الكنيسة الأرثوذكسية تاريخياً بالعداء للحركة الصهيونية. وتشكل هذه الخلفية قاعدة فعالة لعمل إسلامي ـ أرثوذكسي ـ كاثوليكي مشترك دفاعاً عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

إن الكنيسة الأرثوذكسية العربية رائدة في تمسكها ليس فقط بالأماكن المسيحية المقدسة إنما بعروبة القدس أيضاً. وقد حرصت هذه الكنيسة في مؤتمرات قمة منظمة المؤتمر الإسلامي وخاصة في قمة لاهور/1974/ وقمة الطائف /1979/ أن تؤكد انها معنية بالتعاون مع العالم الإسلامي من أجل تحرير القدس. «وتشكل الكلمة التي ألقاها البطريرك الياس الرابع رحمه الله في قمة لاهور، والكلمة التي ألقاها البطريرك هزيم في قمة الطائف أساساً لهذا الموقف الأرثوذكسي» الذي تبنى عليه خطة عمل إعلامي منسقة نسترفده من منهاج صاحب الغبطة رضوان الله عليه.

قبل ثلاثين عاماً وقف صاحب الغبطة بشموخ عنفوانه الكنسي قائلاً: «نحن لا نوافق إطلاقاً على تهويد القدس وتشويه طابعها العربي والإسلامي. كما نرفض رفضاً قاطعاً ضم القدس إلى السيادة الإسرائيلية، إذ إن مصير المدينة ليس قائماً في ذاته ومنفصلاً عن قضية الشعب الفلسطيني الذي يعيش ويصلي فيها، فنحن نرفع صوتنا عالياً ضد تهجير العرب والمسيحيين خاصة، استكمالاً لاستيطان اليهود وحدهم في القدس، فالبشر لا الحجر هم همنا في القدس التي يجب أن تبقى مدينة السلام ومثلاً للتعايش بين الأديان والشعوب».

وعلى درب الآباء القديسسين يحمل صاحب الغبطة صليبه المقدسي، وإنجيله المقدسي ليفسر الإنجيل بفصح القدس وآلامها المقدسة واثقاً أن الصدام على أرضها هو صدام بين نهجين، نهج يزعم بأنه الوحيد من بين شعوب الأرض: شعب الله، ونهج تواضع وتفان حتى اتسعت دنيا المحبة لأعدائه بتعبير بشري عن رحمة الله التي وسعت كل شيء، وهذا هو المفترق بين من يريد أن يصنع الحضارة على صورة ـ الجدار الفاصل ـ وبين من يريد أن يصنعها على صورة الأرحب الأرحب من وجه الله في الأسماء والصفات، بين نهج لا يريد أن يمنح اسماعيل وثيقة أخوة لإسحاق، ونهج آخر يريد من رباط الإنسانية كلها أن نكون أخوة في عين الله ومحبته ورضاه.

والأغيار..

وما من شك في أن أزمة قيامة القدس في الراهن المعاصر هي أزمة استقامة على معناها الذي تعلمناه من سيد القدس وهو يغسل أرجل تلاميذه في العلية.

وما يجب أن نلتمسه من قيامتها أن نتوحد باسم قلبها المنكسر مؤمنين بصراحة الغضب والاحتجاج ضد أن تكون القدس مدينة نفاق بين الأديان.

وتبقى القدس الجميلة هي التي لا فضل فيها ليهودي على مسيحي وعلى مسلم إلا باستقامة التقوى الواثقة من عروبة القدس الصافية.

ونحن واثقون: لا يمكن أن تضيع القدس أرضاً إلا إذا ضاعت لغة وهوية وتوحيد دين، وقد آن أن نعترف أن خلافنا مع الصهيونية هو خلاف على هذه الأرض بسبب احتلالها، وخلاف على الدين بسبب تزوير تعاليمه، وخلاف على الإنسان بسبب تشويه صورته.

وما يعنيني من عشرات القرارات ومئات التوصيات الأممية هو البناء على قرارين:

أحدهما: قرار مجلس الأمن /242/ بوصفه ملزماً لإسرائيل باستناده إلى الفصل السابع.

وثانيهما: فتوى محكمة العدل الدولية بشأن الجدار الذي تبنّته الجمعية العامة في العام /2004/. ما يعني أن قيامة القدس مرهونة بقيامة القوة العربية وإرادتها بجناحيها المسيحي ـ والإسلامي، وجناحيها الرسمي – والشعبي.

وهنا يناولنا صاحب الغبطة هزيم من أحزانه المقدسية ويشهر حق الشعب المشرّد من أرضه بالعودة إلى المبتدأ من اسمه ومسقط رأسه وروحه.

ومشكلتنا المسيحية ـ الإسلامية في القدس ليست مع ذاك اليهودي الذي يصلي عند حائط المبكى ويبكي، وإنما مع خوذته العسكرية التي تقتل باسم الرب.

بلى مددت إليك يد البشرى والبشارة بشارتك، ولن تخمد يا صاحب الغبطة.. سنرتدي ملامح القدس ونصلي ونرتدي ملامحها ونقاوم، ولن يبزغ فجرها الجديد من عهدها الجديد إلى أن يتنادى المسيحيون والمسلمون من أدنى الأرض إلى أقصاها على تجديد إيمانهم ـ بسيف الكلمة نستقوي بها مجاهدين ومناضلين من أجل إحقاق الحق ونبذ الباطل. ألم تقل يا ربيب الشام وسميّ القديسين» لن يضعف من عزيمتنا أن يكون للباطل جولات وصولات فإيماننا ثابت كالجبال بأن الباطل مآله في النهاية إلى الزوال». بلى فيما لو انطلقنا من سر الشعوب الذي يتقدم على منطق الدول، وفي العمق الجوهري من هذا الوجدان، أراك تقبض على جمر تكب كلتا يديك وترفع صليبك بشموخ قامتك لافتاً إلى جوهر التحدي الذي يواجه قيامة القدس…» نحن لسنا نواجه مشكلة الحفاظ على الأماكن المقدسة وحسب، ولكننا نواجه مسؤوليتنا في الحفاظ على سورية ولبنان وفلسطين وسواها من أرض العرب إلى المشرق. إن عزة هذه الأرض وساكنيها جزء من رسالتنا قبل اليوم الأخير. ولن نضحي بشبر من هذه الأرض الحبيبة إلى الله وشهوده حتى يحل السلام العادل والشامل في ربوعنا. ما يفرض استعادة لبنان لكامل ترابه ليحيا الجنوب حراً في أرض الوطن.

وحرصنا واحد على الجولان لينتعش بسورية الواحدة وتنتعش هي به في أن يكون في قلب المصير العربي».

وقارئ يرتل من نبوءات القرآن ترتيلا: (ولقد كتبنا في الزَّبُور من بعد الذِّكر أن الأرض يرثُها عِبادي الصَّالحونَ) ـ الأنبياء/105.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s