تجربة البحث العلمي في الكيان الصهيوني

بقلم : انجي وحيد فخري

إن عملية التطور الشامل في إسرائيل ارتبطت ارتباطاً وثيقاًً بالتطور العلمي الذي أدي إلي تطور مجالات الحياة الأخرى، لأن العلم ولأسباب تاريخية وسياسية كان متقدماً عما عداه، بحيث أنه لعب دوراً فاعلاً في نجاح النموذج العصري للاقتصاد الإسرائيلي، ولولا هذا الدور لما استطاعت إسرائيل في هذه السنين القليلة في عمر الشعوب أن تصل إلي ما وصلت إليه، فقد استطاعت إسرائيل رغم ضعف مواردها وقلة عدد سكانها وضيق مساحتها والتهديدات الموجهة إلي أمنها القومي بحكم أنها كيان استيطاني أقيم علي أرض لا يملكها أن تخلق اقتصاداً عصرياً، وأن تتبني استراتيجية واضحة المعالم راسخة الأركان للبحث العلمي مستغلة كل الظروف المتاحة محلياً وإقليميا ودولياً في أن تقفز باقتصادها من اقتصاد يعتمد علي الاستيطان الزراعي إلي ما يسمي باقتصاد المعرفة.

بمقارنة اسرائيل التي لم يتعدى عمرها سوى نصف قرن ويزيد بقليل بمصر بتاريخها الطويل نجد أن مصر ما زالت تجربتها الاقتصادية تتعثر منذ عام 1952 إلي الآن، ولم يتحقق ما تتفق مع ثقلها السكاني والحضاري. ومن ثم فدراسة التجربة الإسرائيلية تفسح المجال لتقبل الدروس المستفادة منها.

وفيما يلي عرض لاهم ملامح استراتيجية الدولة تجاه البحث العلمي:

يرجع تاريخ الاهتمام بالبحث العلمي في اسرائيل الي ” حاييم وايزمان ” الذي تبني النموذج الألماني مؤكداً علي الطابع النخبوي للجامعة العبرية في فلسطين وعلي ضرورة التركيز علي البحث العلمي الأكاديمي وعلي الدراسات العليا، وكان لانتصار آراء وايزمان العامل الحاسم في صياغة توجهات النظام الأكاديمي الاسرائيلي، وتم خلال الانتداب البريطاني إنشاء البنية العلمية التي نما منها العلم الإسرائيلي الحديث(1).

وانشئ معهد اسرائيل للتكنولوجيا في فبرايرعام 1925 ، أي قبل 23 سنة من اعلان الدولة التي كان أول رئيس لها عالم بارزفي الكيمياء هوحاييم وايزمان(2).

وتتصف المؤسسات التي نشأت في ظل الانتداب البريطاني لفلسطين عامة بأنها ذات طابع روحي يحمل معه فكرة إحياء الثقافة اليهودية، وبعد فترة وجيزة من قيام دولة إسرائيل أنشأت حكومتها في عام 1949م (المجلس العلمي) الذي ترأسه دافيد جوريون حين كان رئيسًا للدولة آنذاك بهدف تنظيم برامج العلوم الفيزيائية والكيميائية والطبيعية والتكنولوجية والتنسيق بينها، وتشجيع البحوث العلمية في الصناعة والزراعة، وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية للدولة، وتحسين الوضع الاجتماعي والصحي للسكان. وتعد (اللجنة الوزارية للعلوم والتكنولوجيا) أولى القطاعات الحكومية العلمية تأسيسًا (1974م)، وقد تبنت تحديد سياسة طويلة المدى لتقديم وتنمية البحوث العملية، والتنسيق بين النشاطات العلمية والتكنولوجية داخل الوزارات، وتعيين علماء رئيسيين في الوزارات المعنية بالتكنولوجيا، وإنشاء صناديق للعلوم والتكنولوجيا للبحث العملي. وفي عام 1982م تحولت (اللجنة الوزارية للعلوم والتكنولوجيا) إلى (وزارة العلوم والتكنولوجيا)، تمشيًا مع خطط الدولة الواسعة وشملت المهام المنوطة بها (علاوة على ما سبق) وضع السياسات العلمية للدولة، وتدريب الشباب العلماء، وتأسيس مراكز متطورة داخل الجامعات الإسرائيلية، واستحداث أقسام علمية جديدة في الجامعات الإسرائيلية(3).

ومنذ البدايات الاولى للدولة تم إقامة المعهد الجيولوجي سنة1949م، ومختبر الفيزياء الإسرائيلي سنة 1950م، وتعيين لجنة الطاقة النووية سنة 1952م، وإقامة جامعة “بار آيلان”، وبناء أول حاسوب الكتروني ( كمبيوتر ) في إسرائيل في معهد وايزمان 1955م، وإقامة جامعة “تل أبيب” عام 1956 م ، وبتعيين مجلس التعليم العالي وإقامة معهد أبحاث النقب سنة 1958م، وإقامة جامعة “بن جوريون” في النقب سنة 1961م وإنشاء جامعة “حيفا”، وإنشاء مركز الأبحاث الصناعية وشركة أبحاث البحار سنة 1966م، ويمكن القول أن مرحلة بناء البنية المؤسسية للعلوم تركزت في الخمسينيات واستمرت حتى منتصف الستينات(4).

فالفرضية الأساسية هي وجود إستراتيجية واضحة المعالم للبحث العلمي نجحت إسرائيل من خلالها في إيجاد هذا النموذج المتقدم للاقتصاد العصري، وتتمثل استراتيجية اسرائيل فيما يلي:

 

أولا: في مجال التعليم العالي:

من منطلق اعتبار البحث العلمي أولوية قومية كان لابد من تخطيط الدولة للسياسة التعليمية وتحديداً التعليم العالي والبحث العلمي بما يمكنها من تخصيص كل قطاع أو فرع بحاجته من الموارد البشرية والمالية، وحتى نفهم مدي مخرجات التعليم العالي في إسرائيل، نقول أن الخريجين في اختصاصات العلوم الأساسية والتطبيقية يعدون المصدر الأول لكوادر العلماء في إسرائيل، ففي عام 1973 م كان لدى إسرائيل 2400 عالم وبعد عشر سنوات ارتفع العدد إلي 4600 عالم، وفي عام 1990 كان لدي إسرائيل 25 ألف عالم وفي أواخر التسعينات نشر في إسرائيل، إن عدد العلماء والمهندسين لدي إسرائيل بلغ 135لكل 10 آلاف إسرائيلي مقابل (85 في حالة الولايات المتحدة) كان عدد المهندسين الإسرائيليين العاملين في البحث والتطوير عام 2000 = 3.8 بالألف من السكان، أي عشرة أمثال الرقم في حالة العالم العربي35 في الألف، ويتصدر معهد التحنيون مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلي فقد تخرج منه حتى أخر عام 1997 نحو 40 ألف مهندس وعالم ومهندس عمارة وأطباء وخبراء في شتي العلوم والتكنولوجيا، ويتوزع العلماء والباحثون علي مختلف مراكز الأبحاث في القطاعات العلمية والصناعية والزراعية وسواها وفي قطاع الالكترونيات وحده هناك 40 ألف شخص (أواخر التسعينات) ثلثهم تقريباً من خريجي الجامعات ونحو 60% منهم مهندسون وتقنيون هذه المخرجات العالية لمؤسسات التعليم العالي ساهمت إلي جانب الهجرة في انتقال إسرائيل إلي مجتمع صناعي جديد نسبة العاملين في العلوم والتكنولوجيا (أواسط الثمانينات) 33% من مجموع القوة البشرية العاملة .

 

ثانيا: في المجال العسكري:

قامت اسرائيل بتوجيه أكثر من 76% حسب الإحصائيات الرسمية المتاحة عام 1980 من إجمالي الإنفاق الحكومي المخصص للبحث العلمي إلي الأبحاث العسكرية وقد أدت كل هذه الجهود مع الدعم العلمي والمالي الخارجي الكبير وخاصة الأمريكي إلي أن أصبحت مبيعات السلاح المصنع في إسرائيل يتم تسويقها في 62 بلد وتطور القطاع العسكري الصناعي إلي الحد الذي أصبح هو القطاع القائد في الاقتصاد في الثمانينات وتقدمت إسرائيل حتى احتلت المرتبة الخامسة بعد عمالقة الدول المصدرة للسلاح في العالم ويتجاوز حجم المبيعات السنوية للصناعات العسكرية ( حسب المعلن ) 2-2.5 مليار دولار وهذا الرقم اقل بكثير من الرقم الحقيقي(5).

ثالثا: التعاون العلمي مع الخارج:

يتمحور التعاون العلمي الإسرائيلي مع الخارج حول ثلاث محاور علاقات مهنية بين علماء ومؤسسات بحثية من دول مختلفة وتمويل البحوث في إسرائيل من خلال صناديق أبحاث في الخارج وعلاقات علمية وتكنولوجية ضمن إطار اتفاقيات رسمية .

إسرائيل تشترك في أغلب المؤتمرات العلمية ذات المستوي الرفيع التي تعقد في الخارج، وقد جاءت في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في ترتيب الدول التي شاركت في المؤتمرات العلمية، ومعلوم أن المستوي الرفيع للبحوث الإسرائيلية في الخارج هو الذي أثار اهتمام صناديق البحوث في العالم ودفعهم إلي المساهمة في البحث العلمي في إسرائيل

كذلك طرأ تطور نوعي علي علاقات إسرائيل العلمية مع الخارج بعد توقيع الاتفاقية العلمية مع السوق الأوربية المشتركة، حيث أصبح بمقتضاها تحت تصرف إسرائيل مجمل المنجزات العلمية الجماعية لدول المجموعة الأوروبية، أما التطور الأكبر فهو الذي نتج من تطور العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ومثال علي ذلك الصندوق القومي الأمريكي الإسرائيلي للبحوث 1974 م، وفي مستهل 1978م بدأ عمل صندوق قومي أخر للبحوث الصناعية، أما مشاركة إسرائيل في مشروع حرب البحوث خلال عهد ريجان فهو الانجاز الأكبر مع الأخذ في الاعتبار أن أمريكا ما كانت تنوي اشتراك جانب أخر في هذا المشروع العلمي الخطير، والذي ترتب عليه منح خزانة التكنولوجيا الأمريكية أمام إسرائيل لولا المستوى المتميز للباحثين الإسرائيليين ويكفي أن نعلم أن إسرائيل قدمت حوالي 150 بحثاً لبرنامج حرب النجوم مما يدل علي أنها كانت قد قطعت شوطاً بعيداً في ميدان البحوث العلمية قبل أن تنضم رسمياً إلي هذا المشروع.

 

رابعا: تمويل البحث العلمي:

تشكل المبالغ المخصصة لتمويل عمليات البحث والتطوير في اسرائيل نسبة كبرى من الناتج المحلي مقارنة مع عدد كبير من دول العالم . وتؤكد دراسات متخصصة أن المؤسسة الاسرائيلية تخصص نحو 40% من المبالغ لتنمية المعرفة عن طريق صناديق اسرائيلية خاصة بالأبحاث والتطوير، أو من خلال التعاون مع دول أخرى أو بواسطة صناديق ممولة من قبل الحكومة الاسرائيلية بشكل مباشر، فضلاً عن الصناديق الجامعية العامة التي تشكل لجنة التخطيط والميزانية التابعة لمجلس التعليم العالي مصدر دعمها المالي والفني، أما بقية المبالغ فهي تكرس للأبحاث في مجالي الصحة والرفاه الاجتماعي، خاصة وأن تحسين المؤشرات في المجالين المذكورين يعتبر من أهم العوامل التي تشجع على هجرة اليهود إلى إسرائيل(6).

وقد تطورت نسبة الانفاق من الناتج المحلي لميزانية الأبحاث من1.5% عام 1965 إلي 2.2% عام 1977 إلي 3% سنة 1984 إلي 3.7% عام 2000 لتصل إلي 4.8% عام 2002 وإذا علمنا أن الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل بلغ 110 مليار دولار فان ماخص البحث العلمي منه بلغ حوالي 5.3 مليار دولار، وفي عام 2004م ، وصلت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل إلى 4.7٪-;- من ناتجها القومي الإجمالي . في عام 2008، بلغ حوالي 9 مليار دولار.

علمًا بأن معدل ما تصرفه حكومة إسرائيل على البحث والتطويرالمدني في مؤسسات التعليم العالي ما يوازي 30.6٪-;- من الموازنة الحكومية المخصصة للتعليم العالي بكامله ، بينما يصرف الباقي على التمويل الخاص بالرواتب ، والمنشآت والصيانة والتجهيزات ، بينما يصرف القطاع الخاص ما نسبته 52٪-;- من الإنفاق العام على الأبحاث والتطوير، وإذا قورن وضع إسرائيل بالدول المتقدمة الأخرى ، نجد أنها تنافس وتسبق كثيرًا من الدول الغنية والبلدان المتقدمة في هذا الميدان ، حيث تحتل إسرائيل المركز الثالث في العالم في صناعة التكنولوجيا المتقدمة بعد «وادي السيليكون» في كاليفورنيا وبوسطن ، والمركزالخامس عشربين الدول الأولى في العالم المنتجة للأبحاث والاختراعات. أما بالنسبة إلى عدد سكانها قياسًا إلى مساحتها فهي الأولى في العالم على صعيد إنتاج البحوث العلمية.(7)

 

خامسا: الدور الفاعل للدولة في دعم سياسات البحث والتطوير:

1-لعبت الحكومة الإسرائيلية الدور الرئيسي في قصة نجاح البحث والتطوير والبدايات كانت في عام 1968 حيث تم إنشاء المكتب العلمي الرئيسي the office of the chief scientist OCS في وزارات الصناعة والزراعة والدفاع والطاقة والصحة والتجارة ليكون المشرف الرئيسي علي عملية التطوير العلمي داخل هذه الوزارات حيث يكون مستشار الرئيس في كل وزارة عضواً في المكتب العلمي ويقدم استشارات خاصة بالتنمية والتطوير والبحث العلمي، كما يحدد التمويل اللازم لمشروعات التطوير وهو التمويل الذي يقدمه المكتب العلمي للرئيس، كما يشرف علي ما يسمي مناطق التكنولوجيا.

2-صدور قانون تشجيع عمليات البحث والتطوير الصناعي لعام 1984 والذي ينظم انسياب الدعم لمشروعات البحث والتطوير، والتشريع استهدف هدفين رئيسين هما تطوير القاعدة العلمية وتطوير الصناعات ذات التوجه التصديري والقانون هو الذي ينظم حركة المكتب العلمي الرئيس .

3-برامج الدعم الحكومي للمكتب العلمي الرئيس يتوطن في إسرائيل الآن أكثر من 1800 مؤسسة في مجالات البحث والتطوير وتسهم بما يعادل 50% من الصادرات الإسرائيلية خاصة في مجال الصناعات التكنولوجية .

(أ‌) برنامج الدعم القياسي

هو برنامج الأساسي لنشاط المكتب العلمي الرئيس وهو ينظيم طريقة الحصول علي الدعم المالي لنشاطات البحث والتطوير للمؤسسات صغيرة أو كبيرة بشرط استيفاء الشروط ( بنسبة تصل الي50% ) ومن أهمها :

1-أن تتم أنشطة البحث والتطوير بواسطة المنشاة نفسها .

2-أن يتم تصنيع ناتج عمليات البحث والتطوير داخل إسرائيل .

3-ألا تنتقل المعرفة التكنولوجية إلي طرف ثابت

(ب) مشروع الحاضنات التكنولوجية :IN CUBATORS PROGRAM

الحاضنة التكنولوجية هي مؤسسة تهدف إلي تقديم الفرصة للمبتكرين من اجل تطوير وتحويل ابتكاراتهم إلي مشروعات جديدة وتسويق منتجاتها وقد دخل هذا النظام عام 1990لاستثمار أفكار المهاجرين الروس وقد بدأ المشروع عام 1991 بعدد 350 مشروع مبتدئ حيث تمتلك الحاضنة 20% من رأس مال المشروع ويهدف المشروع إلي دعم القدرات ألابتكاريه في

مراحلها المبكرة ومساعدة المبتكرين في تطبيق أفكارهم، وتتولي كل حاضنة ما بين 10-15 مشروع في نفس الوقت وتقوم بتقديم الدعم والمساعدة في المجالات الاتية :

1-تحديد أمكانية تطبيق وتسويق الفكرة المطروحة .

2-تصميم خطة البحث والتطوير وتنظيم فريق البحث .

3-توفير رأس المال اللازم للتسويق .

4-الخدمات الإدارية والصناعية والمحاسبية وأحياناً الاستشارات القانونية .

(ج) مشروع الماجنيت MAGNET”مشروع تطوير البنية الأساسية للصناعات الإسرائيلية

علي الرغم من التطوير الحادث في الصناعات الإسرائيلية من السبعينات حتى بداية التسعينات إلا أن الصناعات التكنولوجية حتى أوائل التسعينات كانت مجزأة وصغيرة وغير قادرة في كثير من الأحيان علي عبء إنتاج تكنولوجيا جديدة كما أن الجامعات كانت بمعزل عن احتياجات التقدم الصناعي ولهذا أقدمت الحكومة علي ربط الجامعات والمعاهد الأكاديمية بالمشروعات الصناعية من خلال تكوين ما يسمي بتجمعات علمية وصناعية حيث يتم تشكيل كل تجمع من رجال الصناعة في مجال معين بالتواري مع المؤسسات الأكاديمية التي تقوم ببحث علمي يخدم نشاط هذا التجمع وذلك بتخصيص دعم يقارب 66% من ميزانية البحث والتطوير خلال 3-5 سنوات.

وتجدر الاشارة الي أن هناك عاملين يمكن اضافتهما حتى تكتمل صورة البحث العلمي في اسرائيل:

أولا:الهجرة:

مثلت الدول الغربية والشرقية المتقدمة وفي طليعتها الولايات المتحدة معيناً لا ينضب استمدت منه الدولة العبرية كل أشكال الدعم العلمي والتكنولوجي، وفي ظل قانون الجنسية المزدوج أصبح كل عالم أو تقني يهودي موظفاً لخدمة المشروع الصهيوني يمده بأخر المنجزات التي دفعت الدول الأخرى ثمناً غالياً مقابل الحصول عليها، ثم إذا ما توافرت شروط هجرته الكاملة حمل خلاصة جهود زملائه العلماء وجهوده إلي الدولة الصهيونية هدية مجانية .

ونموذج يهود الاتحاد السوفيتي نموذج مثالي في هذا الصدد، وفي دراسة أكاديمية نشرت أن نسبة العلماء اليهود المهاجرين قد بلغت عام 1968 حوالي 33% من مجموع المهاجرين في هذه الفترة وأشارت دراسات أخرى أن نسبة 86% من العاملين في القطاع الطبي من المهاجرين الوافدين، وأن نسبة الكفاءات ( الأوروبية ) = 65% من أساتذة الجامعة العبرية وفي عام 1963 كان هناك 547 أستاذ في الجامعة العبرية منهم 34% فقط ولدوا في فلسطين، كذلك فإن موجة الهجرة من الاتحاد السوفيتي من نهاية الثمانينات حتى منتصف عام 2000 حوالي مليون مهاجر كانت هجرة نوعية تمثل قطاعات رفيعة التعليم متميزة الدراسة والكثير منها كان يعمل في قطاعات علمية وتكنولوجية شديدة التقدم والحساسية قبل انهيار منظومة الاتحاد تعبير المعجزة الجديدة أستخدم لوصف تدفق العلماء والمهنيون اليهود من الاتحاد السوفيتي إلي إسرائيل من قبل إحدى المجلات العلميه المتخصصه لما كان له من تأثير هائل على مسيرة البحث العلمى فى إسرائيل(8).

ثانيا: دور القطاع الخاص:

ينبغي هنا أن نؤكد على دور القطاع الخاص في دعم البحث العلمي وانه سيكون أول المستفيدين من نتائجه على المدى الطويل. وأمثلة ذلك كثيرة في العالم فأن في أغلب جامعات العالم نجد أن المراكز البحثية فيها يقوم على تمويلها ودعمها الشركات الكبرى ، أوالقطاع الخاص عامة.

والإسهام الضعيف من قبل القطاع الخاص للمؤسسات البحثية في مصر يرجع إلى عدم تقدير القطاع الخاص لقيمة البحث العلمي وجدواه. إضافة إلى عدم كفاية الميزانيات التي ترصدها المراكز والجامعات ومؤسسات المجتمع للبحث العلمي ، وإلى الفساد المالي والإداري الملحوظ في الجامعات ومراكز البحوث العربية(9).

اما في اسرائيل فمن الجدير بالذكر إن القطاع الخاص عام 2002 ساهم في 74% من الموارد المخصصة للبحث العلمي أي بزيادة تبلغ 42% علي نسبة إسهامه عام 1990 التي كانت 52% وهذا الإسهام المتزايد للقطاع الخاص في ميزانية البحث العلمي، يؤشر علي دور ووظيفة إنتاجية للعلم وعلي أن له عائداً تراكمياً مجزياً، ومن هذا العائد كان يجري اقتطاع هذه النسبة لأن العلم ساهم في تحسين الإنتاج وتعظيمه، وهذا الإنفاق دلالة علي الدور الاجتماعي للعلم وعلي أن البحث العلمي كان مربوطاً بالإنتاج وأن الأبحاث التي كانت تمول كان لها عائد اقتصادي مجزى(10).

وأخيرا عرض لأهم نماذج الانجازات العلمية ( الإسرائيلية ) في بعض مجالات العلوم والتقنيات العالمية :

ان إسرائيل احدي الدول المؤسسة لكل من “منظمة البيولوجيا الجزئية الأوروبية/ومختبر البيولوجيا الأوروبية” اللتان تضمان نحو 20 دولة وهي الدولة الوحيدة غير الأوروبية التي تتمتع بميزة الحقوق المتساوية في هذا الجهاز وشغل المندوب الإسرائيلي في أواخر التسعينات منصب نائب رئيس المختبر السابق الإشارة إليه، كما أن إسرائيل عضو في المركز الدولي للموارد الجينية النباتية منذ عام 1994 ويؤمن المركز برامج عمل علي نطاق عالمي يهدف إلي الحفاظ علي جينات المحاصيل ذات الأهمية بالنسبة إلي الزاد الغذائي في جميع أنحاء العالم ومن المجالات التي فتفوقت فيها اسرائيل فيما يلي:

– الكمبيوتر وصناعة المعلومات.

– صناعة البرمجيات في إسرائيل.

– علوم الذرة وتقنياتها.

– علوم الفضاء الكوني وتطبيقاته.

– التكنولوجيا الطبية والبيولوجية(11).

خاتمة:

البحث العلمى هو التحدى الحقيقى القادم لمصر فى المرحلة المقبلة لبناء الدولة الجديدة، فلا تنمية أو نهضة اقتصادية واجتماعية دون الاقتناع بأهمية وحيوية الاعتماد على البحث العلمى ومشاركة القطاعات الحكومية والخاصة فى دعمه وزيادة حجم الإنفاق عليه وحل جميع المعوقات التى تواجهه.

الدول التى تسعى للتقدم تضع البحث العلمى والإنفاق عليه فى أولوية أجندتها السياسية والاقتصادية، ولا تبخل بتخصيص نسبة كبيرة من ناتجها القومى للإنفاق على الأبحاث العلمية فى جميع التخصصات.. دول المنطقة بدأت تبدى اهتمامها الخاص بتمويل أنشطة البحث العلمى، فى حين أن مصر تتراجع فى حجم الاهتمام والإنفاق، فوفقا لمركز معلومات مجلس الوزراء فإن نسبة الإنفاق الحكومى على البحث العلمى تبلغ 0.2% من إجمالى الناتج المحلى فى ظل غياب شبه تام للقطاع الخاص عن المشاركة فى الإنفاق على عكس ما يجرى فى الدول الأخرى، فى المقابل نجد دولة الكيان الصهيونى تخصص نحو 2.5% من ناتجها المحلى للبحث العلمى وتحتل قائمة دول العالم فى مؤشر جودة مراكز البحث العلمى، فى حين أن مصر تحتل المرتبة 112 من بين 142 دولة على مستوى العالم(12).

وقد أكد أكاديميون وعلماء مصريون أن مصر لا يوجد بها بحث علمي جاد؛ حيث يفتقد البحث العلمي المصري أي خطط عمل، كما تشغل الأعمال الإدارية العلماء بشكل واضح، وأضافوا أن مصربها أكثرمن 130 ألف حاصل على الدكتوراه ، بنسبة أكبر من الموجودة في أمريكا، مؤكدين على أن حرب عام 1967 ، كان أحد أسبابها قرب وصول الباحثين المصريين، إلى نتائج لعمل مناظير للدبابات نتمكن بواسطتها من الرؤية ليلاً، وكذلك بدء عمل نظائر للأنظمة لزجاجية المعقدة(13).

ومن ثم فالتجربة الاسرائيلية هي تجربة دولة وضعت نصب عينيها منذ البداية اهمية البحث العلمي والمعرفة واستطاعت بتلك الرؤية الواضحة تحقيق اكبر دولة معرفية في المنطقة العربية.

 

التوصيات وترتيبها وفقا للأولويات:

1- أن تضع مصر إستراتيجية واضحة المعالم والأهداف تتبلور حول أهمية البحث العلمي بالنسبة لمستقبل البلد بكل قطاعاتها.

2- تخصيص جزء مدروس وفقا لإستراتيجية الدولة من الإنفاق الحكومي لتمويل مؤسسات البحث العلمي.

3- إقامة مؤسسات للبحث العلمي يترأسها فرق علمية كل في تخصصه ولا تخضع للقوانين الروتينية الحكومية ويكون إنتاجها في خدمة أهداف الإستراتيجية العليا للبحث العلمي في مصر.

4- إجبار مؤسسات القطاع الخاص على تخصيص جزء من دخلها للبحث العلمي حتى وان كان ذلك بخصم جزء من الضريبة المقررة عليها.

5- تشجيع البحث العلمي في المدارس والمعاهد وتشجيع صغار الباحثين ليس فقط بالمكافئات ولكن أيضا بالرعاية العلمية.

6- أن تقيم علاقات خارجية مع الدول المتقدمة تكنولوجياً على ألا يكون استفادتنا منها استفادة نقل ولكن تعلم.

الهوامش:

7- عبد المعطي زكي، إستراتيجية البحث العلمى فى إسرائيل1- 3، 19 نوفمير 2011 ، http://www.alwafd.org/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%

 

8- نهال قاسم، إشكاليات البحث العلمي في الوطن العربي، http://www.anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=5693

 

9- صفا محمود عبدالعال، التعليم العلمي والتكنولوجي في إسرائيل.، الدار المصرية اللبنانية.، 2002 ، http://www.almarefh.org/news.php?action=show&id=2556

10- عبد المعطي زكي، إستراتيجية البحث العلمى فى إسرائيل1- 3، 19 نوفمير 2011 ، http://www.alwafd.org/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%

11- عبد المعطي زكي، إستراتيجية البحث العلمى فى إسرائيل2- 3، 19 نوفمير 2011 ، http://www.alwafd.org/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%

12- نبيل السهلي، البحث العلمي في اسرائيل.. الدور والأهداف، 3-10-2011 ،

http://thawra.alwehda.gov.sy/_print_veiw.asp?FileName=31443985220111002222333

13- نهال قاسم، إشكاليات البحث العلمي في الوطن العربي، http://www.anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=5693

 

14- عبد المعطي زكي، إستراتيجية البحث العلمى فى إسرائيل2- 3، 19 نوفمير 2011 ، http://www.alwafd.org/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%

15- نهال قاسم، إشكاليات البحث العلمي في الوطن العربي، http://www.anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=5693

16- عبد المعطي زكي، إستراتيجية البحث العلمى فى إسرائيل3- 3، 19 نوفمير 2011 ، http://www.alwafd.org/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%

17- عبد المعطي زكي إبراهيم – 2011-09-25 ، إستراتيجية البحث العلمي في إسرائيل… الواقع والتحديات،

http://www.alamatonline.net/l3.php?id=12337

18- عادل السنهورى، أزمة البحث العلمى فى مصر، 15 مارس 2012،

http://www3.youm7.com/EditorOpinions.asp?EditorID=429

19- نهال قاسم، إشكاليات البحث العلمي في الوطن العربي، http://www.anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=5693

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s