وهم وجود المسجد الأقصى في فلسطين الحالية

يُعتبر من أحد المُسَلمات عند الشعوب التي تؤمن بالقرآن الكريم أن المسجد الأقصى المذكور في المصحف هو ذلك المكان الذي يطلق عليه نفس الإسم في أرض فلسطين الحالية.

وقد تناولت في مقال سابق مستعينا بالنصوص القرآنية عدم صحة هذا الأمر، وأعتقد أن الموضوع عبارة عن كذبة تاريخية تم ترويجها فترة من الزمن حتى توارثتها الأجيال وأصبحت في عصرنا هذا من المُسَلمات التي لا يريد أحد البحث في صحتها ويُقَابل بالإستغراب من يناقش صحة هذه الكذبة التاريخية.

 

 

 

[B]الأرض المباركة في القرآن [/B]

 

فمن الحقائق:

 

ـ أن ما يُطلق عليه المسجد الأقصى في فلسطين الحالية قد تم بنائة بعد وفاة النبي الكريم عليه السلام، وأنه عندما تنزل القرآن الكريم وأخبر الله تعالى فيه بأمر الإسراء بالنبي الكريم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لم يكن هناك شئ في فلسطين بعد، ولا يوجد أي دليل في النصوص القرآنية يمكن الإستدلال به أن فلسطين هى الأرض المباركة التي بها المسجد الأقصى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (18)) سورة الإسراء

 

ـ الأرض المباركة في القرآن هي في الحجاز ومن الأدلة القرآنية على ذلك: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) [B]وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ[/B] (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)) سورة الأنبياء

 

فمن الواضح من النص أن الله تعالى قد نجى إبراهيم ولوطاً عليهما السلام إلى الأرض المباركة، وعلى حسب التاريخ المزور فإنهما ذهبا إلى الأرض المباركة في فلسطين.

 

ولكن لو تدبرنا النص التالي (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) [B]وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ [/B](137)[B] وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[/B] (138)) سورة الصافات

 

وفي النص السابق يخاطب الله الرسول الكريم ومن معه من أهل قريش في هذه السورة التي نزلت بمكة ويخبرهم أنهم يمرون على ديار قوم لوط الذين دمرهم الله تعالى في صباحاً وليلاً. فهل يعقل أن أهل قريش يمرون على ديار لوط وقومه في الأرض المباركة في فلسطين التي تبعد عن مكة أكثر من مسافة 1000 كيلومتر في الصباح والمساء!

 

فالقرآن يقول صراحة أن الأرض المباركة التي نجى الله إليها أنبيائه ابراهيم ولوط هى في الحجاز حيث بيت لله الحرام الذي كلف ابراهيم واسماعيل عليهما السلام برعايته وتطهيره من الأصنام للطائفين والعاكفين، وقريب منه في محيط مكة عاش نبي الله لوط عليه السلام وسط قومه الذين حل عليهم عذاب الله فدمرهم.

 

وهناك رزق الله تعالى ابراهيم عليه السلام بولديه إسحاق ويعقوب (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)) سورة هود

 

وجعل كل منهما نبياً، ورُزق يعقوب اثني عشر ولداً منهم يوسف عليه السلام الذي رباه العزيز في مصر القرآنية الموجودة في الحجاز، والتي وُلد فيها بعده بعدة أجيال هارون وموسى عليهما السلام لنفس العائلة التي توارثت النبوة وعاشت في نفس الأرض المباركة وتوزعت بين قرى هذه الأرض التي بارك الله فيها، والدليل من سورة سبأ حيث يقول الله تعالى عن قوم سبأ في اليمن (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ [B]وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا[/B] فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18)) سورة سبأ

 

وهذه القرى المُعَرفة بالألف واللام هى القرى المباركة في الأرض المباركة وأم هذه القرى هى مكة المكرمة فيقول تعالى مخاطباً النبي الكريم (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) سورة الأنعام

 

ويقول تعالى مخاطباُ محمداُ عليه السلام وأهل مكة (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا [B]مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى[/B] وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)) سورة الأحقاف

 

ومن هذه الأدلة الصريحة السابقة لا يوجد أي شك في أن الأرض المباركة ليست هى فلسطين الحالية التي لا تمت للموضوع بصلة من قريب أو بعيد، وأن عائلة الأنبياء حسب النصوص القرآنية كانت تعيش في منطقة الحجاز.

 

[B]علو بني إسرائيل في الأرض[/B]

 

من الأدلة التي يسوقها البعض لإثبات أن فلسطين هى الأرض المباركة هى النص القرآني (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ [B]لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [/B](4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ [B]لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ[/B] مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)) سورة الإسراء

 

ودليلهم هو ما يرونه فساد لبني اسرائيل في فلسطين الحالية، وجملة ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ويربطونها بالمسجد الموجود في فلسطين الحالية.

 

[B]أولاَ: من هم بني إسرائيل؟[/B]

 

إسرائيل هو شخصية قرآنية، وقد يكون من الأنبياء أو المرسلين، ويُقال أنه نبي الله يعقوب ولكن ليس هناك دليلاً على هذا القول، ولكن الثابت في النص القرآني أنه كان له ذرية من الأبناء (أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)) سورة مريم

 

(وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16)) سورة الجاثية

 

وبني إسرائيل الذين يتحدث عنهم القرآن هم أبناء هذه الشخصية القرآنية، وهم الذين آتاهم الله تعالى الكتاب والحكم والنبوة، فهل من ترونهم الآن في فلسطين هم ابناء اسرائيل الذي تحدث عنها القصص القرآني؟

 

الجواب بالطبع  النفي، فمن احتل فلسطين هم أقوام من الذين اضطهدتهم أوروبا من أتباع العقيدة اليهودية أو باحثين عن حياة أفضل من فقراء الروس وافريقيا أو تجار من أوروبا الغربية وأمريكا، ومنهم من هو من النصارى أو لا يعتنق أي دين. وإن كان مجموعة منهم على العقيدة اليهودية فهم ليسوا من أبناء شخصية اسرائيل الذين يتحدث عنهم القرآن.

 

فإن كان كل من اتبع العقيدة اليهودية في بقاع الأرض المختلفة قد أصبح من ابناء اسرائيل. فهل هل من اتبع عقيدة المسلمين في بقاع الأرض قد اصبح من بني هاشم؟

 

إذن فمن المبدأ فهذا النص القرآني ليس له صلة بما يحدث الآن في فلسطين. والذين هناك ليسوا ابناء اسرائيل الذين تتحدث عنهم سورة الإسراء.

 

أما عن المسجد المذكور في سورة الإسراء، فكلمة المسجد في القرآن الكريم لا تعني الشكل الذي استحدثه الناس في أن المسجد لابد أن يكون قبة ومأذنة، المسجد هو مكان لعبادة الله تعالى.

 

والمسجد المذكور هنا هو المكان المقدس لبني اسرائيل الذي انزل الله تعالى فيه التوراة على موسى عليه السلام وهو المسجد الأقصى القرآني ويقع في الأرض المباركة وهى الحجاز كما بينا من قبل. وعلى مايبدو أنه شمال مكة في محيط يثرب، حيث عاش هناك بقايا بني اسرائيل، وهذا سبب تجمعهم هناك بالذات في هذه المنطقة من الحجاز في محيط المسجد الأقصى والوادي المقدس طوى حيث نزلت التوراة على موسى عليه السلام.

 

وإن عدنا لنص سورة الإسراء (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا[B] [/B](4) فَإِذَا جَاءَ [B]وَعْدُ أُولَاهُمَا[/B] بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ [B]لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ[/B] مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)) سورة الإسراء

 

فالنص يتحدث عن وعدين، الأول سيسلط فيه الله تعالى على بني اسرائيل لفسادهم عباداً له سيخربون ديارهم ويدخلوا المسجد، وهناك وعد أخير سيتكرر فيه نفس الشئ ثانيةً.

 

وقد يكون هناك صلة مع النص القرآني التالي:

 

يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ [B]لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [/B]مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4)) سورة الحشر

 

وهذا النص يتحدث هزيمة الرسول الكريم ومن معه من المؤمنين لقبائل أهل الكتاب من بقايا بني اسرائيل بسبب إعتدائهم وتخريب بيوتهم وجلائهم من محيط يثرب، ولاحظ كلمة أول الحشر وقد يكون هو هذا الوعد الأول الذي تحدث عنه نص سورة الأسراء السابق، وإن كان الأمر كذلك فمعناه أن عباد الله الأشداء ومعهم النبي محمد عليه السلام في هذا الوعد الأول قد دخلوا مسجد بني اسرائيل المقدس وهو المسجد الأقصى الموجود في محيط يثرب.

 

الخلاصة: من النصوص القرآنية توجد أدلة واضحة جلية على أن الأرض المباركة هى في الحجاز وعليه فإن المسجد الأقصى لابد أن يوجد في نفس المنطقة تبعاً لذلك، وأن هذا المنطقة هي منزل الرسالات السماوية جمعاء ومكان معيشة أسرة الأنبياء، أما فلسطين الحالية فلا يوجد أدلة من النص القرآني تدل من قريب أوبعيد على أنها هى الأرض المباركة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s