عصر الرّومانسية الإعلامية

د. عبدالله الزين الحيدري

مجلة “المستقبل العربي”، العدد 410، نيسان/ أبريل 2013

 فعل الاحتجاج والتبرّم من الواقع، حالة من الحالات الصّراعيّة ، المتدفقة اليوم بقوّة عبر مسالك الإعلام الجديد، تلوح معربة عن نزعة رومانسيّة في التعبير

عن واقع “حرّفه” الإعلام المؤسّسي بأدواته المغلّفة بالموضوعيّة، وبسجلاّت ألعابه البلاغيّة، ليهدمه الأفراد في ألعاب تفكيكيّة رافضة لهيمنة المركز “Center”، الذي بحضوره يختفي الواقع ويندثر.

 1- ) مقدّمة

 قد لا يتجلّى، بدقّة ووضوح، مفهوم الإعلام الجديد فيمجرّد استعراض خصائصه التقنيّة الرّاجعة إلى التقدّم العلمي، وازدهار العقلنة والمعرفة التجريبيّة، وإن كانت هذه الخصائص منطبيعة ذات صلة مباشرة بتبيّن حال ” الجديد ” في مجال الإعلام الجديد.فالظّاهرة هيّ أكثر من كونها مجرّد تطوّر تقني وتغيّر في الوسائط أدّيا إلى بروزنوع من التدبير الجديد في التواصل. إنّها انتشار معقّد لوعي بمقتضيات العصرومضمونه، تبلورت ملامحه سوسيولوجيّا وفنيّا. و اللاّفت في أطوار الانتشار، أنّحدوثه لم تؤمّنه قنوات إعلاميّة واتصاليّةمؤسّسيّة، إنّما يتحقّق، تلقائيّا، ضمن حلقات التواصل الاجتماعي كشكل من أشكالإنتاج المعنى وتبادله، ولعلّ هذا ما يجعل الإعلام الجديد جزءا من التفاعلاتالاجتماعيّة الجارية على أكثر من صعيد، بمعنى أنّه، خلافا للنمط الجماهيريالتقليدي، قدرة عامّة، يقدر عليها كلّ منتسنى له اكتساب حدّ أدنى من الثقافة الرّقميّة السّارية في هندسة التشكيلاتالاجتماعيّة.

 وأوّل ما قد يبدو لنا محدّدا لهويّة الإعلام الجديد،ناطقا بخصائصه ومستبطنا لقيمه، قبل البدء في عمليّة التفكيك هذه، ملمح شديدالإثارة، غنيّ بالمفارقات، يتمثّل في التدفّق الهائل لمضامين الإعلام والاتصالوالصّناعات الثقافيّة عبر شبكة الإنترنت، المتحرّر من ضوابط الكتابة الإعلاميّة،والقواعد التعبيريّة والبلاغيّة المألوفة، والمصحوب، في الوقت ذاته، بأدواتوأساليب جديدة لفهم رموز الواقع المعاصر ومعالجته، تدفّق اختلط فيه المجال العامّبالمجال الخاصّ، والحقّ بالباطل والواقع بالافتراض، والحقيقة بالخيال ، والمجتمعالمدني بالمجتمع متعدّد الثقافات، والدولة بالفرد.

 ويرافق هذا التضاد انزلاق عميق نحو أنماط من التواصلالمرن، المتحرّر من كلّ أشكال الضبط، الأخلاقي والإيديولوجي، يدور في حدودها صراعللفوز بالاعتراف وتحقيق الذات، واسترجاع الاعتبار للفرد المهمّش، وذلك من خلال فعلالتدوين بالخصوص، وما يجري أيضا في المواقع الاجتماعيّة من إنتاج للمعنى وتبادلحرّ للأفكار والآراء.

 وقد يكون هذاالانزلاق هوّ الأصل في التضاد المشار إليه، الذي يقود خطابا مبشّرا بنهايةالاستبعاد الثقافي والإعلامي كمرحلة عمّرت طويلا مع ظهور الإعلام الجماهيري،وهيمنة الدولة على القطاع، ومعلنا في الوقت ذاته حلول حقّ التمايز والاختلاف وسلطةالخيال الفردي الممتدّة إلى ميادين جديدة من واقع اجتماعي لم يطأه الإعلام التقليدي،بحكم طبيعته الضّابطة للمجتمع، المتجسدة أساسا في المراقبة، وترتيب الأولويات،والقدرة على التأثير التراكمي، وإحداث دوائر الصّمت (Spiral of Silence). بل إنّهذا الواقع “المقموع”، الذي بدأيطفو على السّطح، منذ ظهور المدوّنات والمواقع الاجتماعيّة، تكشّف على أنّه الواقعالمشروع سوسيولوجيّا، المتعيّن بالعمق الفردي أكثر منه بالمقاربة الإعلاميّةالمؤسّسيّة.

 إنّ بروز هذا الشكل الجديد في مقاربة الظواهرالاجتماعيّة، فنيّا وأدبيّا وإعلاميّا، القائم على سهولة في التعبير والتفكير،وحريّة فائقة في عرض القضايا المتصلة بالشأن العام والخاص، ومناقشتها، هوّ الذياخترق دوّامة الصّمت في نظام الإعلام الممأسس، وشرع في تدمير آلياتالاستبعاد، وكان بمثابة الموجة الحديثةللإنتاج الإعلامي والثقافي، والتفاعلات الاجتماعيّة التي ظلّت تنبع منها إشكالياتالمجتمع واهتمامات الأفراد.

 ومن الممكنالقول إنّ هذا الإنتاج، بتنوّعه وتشظّيه، هوّ، من الناحية السوسيولوجيّة، تعبير عنفشل الإعلام الجماهيري في استقطاب فئات المجتمع المختلفة من خلال ما يبثّه منمضامين مغالية لدور الرّموز الفاعلة في المجتمع والضابطة لسلوكياته، ثقافيّا،وسياسيّا، واقتصاديّا، وهو، من الناحية الفلسفيّة، تعبير عن وعي الذات، وإيمانهابالاختلاف والتواصل المتكافئ، لذلك فإنّأيّ سعي لفهم هذه الموجة، يفترض مسبقا فهم جدلية الاستبعاد والاستقطاب في الإعلامالتقليدي. ونجده، من الناحية الفنيّة والسيكولوجيّة، وهذا أبرز ما يميّز موجة الإعلام الجديد، تعبير بليغ عننزعة رومانسيّة تجتاح المشهد الإعلامي العالمي، فاتحة بذلك مرحلة جديدة في الإعلاموالتواصل. وإنّها لنزعة شبيهة بالتي عصفت بالأدب وسائر الفنون الأخرى في أوروبانهاية القرن الثامن عشر.

 فإذا نظرنا إلى العوامل المحيطة بظهور هذه النزعة فيمجال الإعلام والاتصال، لوجدنا أنّها لا تختلف، من حيث الدلالة، عن التي أولدتالرّومانسيّة في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا، وجعلت منهامذهبا فنيّا وفكريّا يخترق مجالات الفنّ،والفلسفة، والسّياسة، والاجتماع، ويشملها بتشكيل يتضمّن الرّفض للأساليب الفكريّةوالتعبيريّة السّائدة آنذاك. وإذا تمعّنا في خصائصها العامّة المكوّنة لذاتها،لألفينا أنّها من طبيعة مشتركة مع التي هيّ الأصل لذات المذهب الرّومانسي، وكأنّبضرورة “رومنسة” العالم التيدعا إليها نوفاليس(1)(Novalis) أواخرالقرن الثامن عشر، تعود لتتحقّق، وتحطّ بثقلها، مرّة أخرى، في حقل متناظم Interdisciplinary تسكنه تخصّصات معرفية عديدة هيّ محور بنائهالنظري والإبستيمولوجي، وتملي فيه التقنية سيطرتها على مجالاته التطبيقيّة، ممّايعني إمكانيّة الكشف عن الوجه الاجتماعي للإعلام الجديد، وتفكيك خصائصه انطلاقا منالرّوح الرّومانسيّة السّارية في كيانه، بوصفها الحامل الرّمزي لخطابه، والخطّالفاصل بين القديم والجديد.

 2-) المدّ الرّومانسيفي الإعلام الجديد

 عندما نتحدّث عن الرّومانسيّة في الإعلام الجديد، نحن لانخصّ بالحديث لونا معيّنا من الإنتاج الإعلامي، ولا أسلوبا خصوصيّا تميّزت بهالصّناعات الإعلاميّة، كما لا نخصّ بالحديث أعمالا فكريّة بعينها، تناقلتهاالميديا الحديثة، وبثّتها على نطاق جماهيري واسع، إنّما الحديث عن الرّومانسيّةالإعلاميّة يعني، في المقام الأوّل، الطبيعة الحسّية الداخليّة التي يعيشهاالباثّ، بالمعنى الميديولوجي والسّوسيولوجي للمصطلح، بوصفه منتجا للمعنى. فهي،مثلما كتب بودلير (Baudelaire) عن رومانسيّة عصره (2) ليست في الخارج، بل هيّمكنونة في الداخل، ومن العبث البحث عنها في غير هذا الموطن. ولكونها حسّا داخليّايسكن الإنسان، تبقى الرّومانسيّة الإعلاميّة، بهذه الكيفيّة، مناخا عامّا يسودمجتمع “ما بعد الحداثة” الموصوف بالمجتمع متعدّد الثقافات والذي برزتفيه الفردانية “كقوّة مجهولة خارجة عن كلّ تحكّم” (3)، تجلّت صورها سياسيّا وفنيّاواقتصاديا وإعلاميّا.

 إنّنا نرى فيحركة ما بعد الحداثة السّياق الموضوعي الذي يتيح فهم المناخ العام الذي نتحدّثعنه. ولعلّ أبرز ما يتسم به هذا السياق، من الناحية السوسيولوجية، هوّ حالةالتشظّي التي بلغها الفرد، والتي لا تعدو أن تكون نتيجة طبيعيّة لتجزّؤ المجتمعذاته، وانقسامه إلى تجمّعات وطوائف وعشائر فكرية وإيديولوجيّة وثقافيّةواقتصاديّة، وهي حالة مترتبة عن انهيار قيم الحداثة بأشكالها المتعدّدة وأزماتهاالمتتالية (4) على امتداد قرنين.فالحداثة بقدر ما كانت مشروعا عقلانيّا تحرّريا، قاد إلى تحقيق إنجازات تحديثيّة،تقنيّة تنظيمية واقتصادية، فإنّ عقلانيتها التقنيّة، “البيروقراطيّة”عجزت عن تقديم الحلول للمسألة السّياسيّة والأخلاقيّة، بل إنّها أولدت نزاعاتوصراعات وحروب (5)، كانت بمثابةالنماذج الدالّة على مواطن الاعتلال في المشروع الحداثي المحكوم بالعقلالأداتي، ممّا أفرز ظهور تيارات فكريةوفلسفيّة، ما بعد حداثية، تدعو إلى إعادةالنظر في أنماط الفكر الحداثي وتناقضاته(6)،إمّا لكونه مشروعا فاشلا كما يراه البعض مثل ميشالفوكو (MichelFoucault) في توصيفه لخصائص المجتمع الحديث الذي لم يولّد، في تقديره، سوىمؤسّسات المراقبة وآليات الضبط المعزّزةبالتطوّر التكنولوجي (7)، أو لاعتباره مشروعا غير مكتمل، ينبغي العمل على عقلنته وبنائه من جديد، وتخليصه من السّلطة والعنف والتشيّؤ، كما يذهب إلى ذلكآلان توران (Alain Touraine) في نقده للحداثة (8)، أو يورغن هابرماس (Habermas) في طرحه لنظريّة العقل التواصلي أو في مقاربته لموضوع العلم والتقنية ك”إيديولوجيا” (9).

 إنّ ما بعد الحداثة، أو لنقل، حتى نتجاوز التواءات هذااللّغز المفاهيمي، مرحلة التشكيك في الحداثة والتقدّم، هيّ حالة تفسّخ قيم الاحتكام إلى العقل، وإعادة النظر فيدور السّرديات الكبرى، الفلسفيّة والأيديولوجيّة منها بالخصوص، التي تحكم الواقعالفكري والثقافي والسياسي في العالم، ووضعها محلّ تساؤل. وهي أيضا الحالة التيتدفق خلالها خطاب النهايات، المبشّربنهاية التاريخ، (فرانسيسفوكوياما 1992) ونهاية الأيديولوجيا، (دانيال بيل 1961) ونهاية الجغرافيا (بيار ليفي 1994) ونهايةالأواصر العقديّة (ميشال مافيزولي 1991)، ونهاية الإنسان (ميشال فوكو) ونهايةالمؤلّف، (جاك دريدا) ونهاية الفلسفة (هيدغر 1964)، ونهاية الميتافيزيقيا (يورغن هابرماس)ونهاية العلم (جون هورغان)…، هذابالإضافة إلى الكلامالمتكاثر على البعديات(10).

 كان جون فرانسواليوتار (Jean-FrancoisLyotard)، من أعلن نهاية السّرديات الكبرى lesGrands Récit أواخر سبعينات القرن العشرين،مثل الماركسيّة والفرويديّة والوضعيّة والفينومينولوجيا والبنيويّة (11)…لحساب تعدّد”إيديولوجيات صغيرة” وصفها ميشال مافيزولي (Michel Maffesoli)، كما سنرى لاحقا، بالعشائريّة أو القبليّة(12)، ذلك أنّ العالم،في نظره، أصبحت تحكمه قيم جديدة قائمة على “نقض مفهوم التقدّم التاريخي”، وعلى تشظّي مُثل العقلانيّة واللّيبراليّة، المنبثّة فيالعلم والسّياسة والفن. ويمكن اعتبار نهاية “المركز” التي أعلنها دريدا (Derrida)، في بنائه الفلسفي لفلسفة التفكيك، من أهمماورد في خطاب النهايات، ومن أبرز الأعمال المعرفيّة التي تلخّص ملامح الاتجاهاتالفكرية لما بعد الحداثة، والتي تخدم في المقام الأوّل أغراض دراسة الحال، ثمّإنّها تقابل نهاية السّرديات الكبرى التي أعلنها فوكو، لأنّ التفكيكيّة حسب قول دريدا(13)، تنشغل بما يسمّيهالنصوص الكبرى les Grands Textes فنهاية المركز عند دريدا، بقدر ما هيّ، فيالأصل، تقويض للتمركز وأشكال الترسّب المستبد، لأن المركز عند دريدا، هوّ غيرالتمركز، فهو العنصر الإيجابي والنواة الحقيقيّة التي تتشكّل من وجودها ديناميّةاختلاف المعنى، فإنّها في نهاية المطاف خلخلة للبنى والأنساق والمفاهيم التي تعملبمبدإ الوضوح والتوافق والحقيقة الدائمة. فالحديث عن المركز هوّ حينئذ حديث عنالهيمنة، ممّا حدا بدريدا إلى “هدم” كلّ المراكز لوئد النظم والأنساقالمنتجة للهيمنة، إقرارا بأنّ التفكيك هوّ الآليّة المنتجة للاختلاف.

 انطلاقا من هذا التوجّه الفكري والفلسفي، “أصبح كلّشيء قابلا للتأويل والنقد والتفكيك، وأصبحت المعرفة العلميّة نفسها عبارة عن خطابيتعيّن استنطاق مكوّناته وطبيعة علاقاته مع السّلطة، وتفكيك الأطر المرجعيّة التيتمنح للسلطة مشروعيّتها وتوفّر لها شروط خلق التوازن وضبط النظام” (14).

 و برزت ضمن هذاالسّياق، ظاهرة تمركز الفرد على ذاته كعلامة مميّزة لمجتمع ما بعد الحداثة، محدثةحالة من الانفصال والتفكّك في المرجعيات عززتها تطوّرات متسارعة متلاحقة لوسائطالإعلام والاتصال خصوصا في العشريّة الأخيرة من القرن العشرين. وإنّ ما يتحقّق من”تماسك” واتصال بين الأفراد وسط حالة التمركز والانفصال هذه، الموغلة فيالتمدّد، هوّ ما يجري من تفاعلات عبر شبكات الاتصال الرّقميّة احتلّ في حدودهاالافتراضي مرتبة تفوق في أهميّتها مرتبة الواقع، بل إنّ إدراك وجود هذا الواقع ظلّمشروطا بوجود الافتراضي.

 إنّ هذه هيّ البيئة الفكريّة والثقافيّة التي نمت فيهاالرّومانسيّة الإعلاميّة، بيئة اتسمت “بسقوط كثير من الإيديولوجياتالجماهيريّة، وبانتصار الخاصّ على العامّ، وبالنقد الجذري للنزعة الإنسانيّة”(15)، بيئة يتحرّك فيهاكلّ شيء كمفرد، ترفض الأنساق المهيمنة ومقاومة الاستبعاد، بكلّ أصنافه، الذييُمارَس عبر المؤسّسة الإعلاميّة. فإذا كانت الرّومانسيّة الأولى، رومانسية القرنالثامن عشر، ثورة ضدّ العقلانيّة الفلسفيّة والانتظام والضبط الكلاسيكيين، فإنرومانسيّة القرن الحادي والعشرين ثورة ضدّ العقلانيّة الإعلاميّة التي أولدتأنماطا مختلفة من الهيمنة السّياسية والاقتصاديّة والثقافيّة، وجذّرت واقعالاستبعاد في الواقع الاجتماعي للافراد الذي حجبته المؤسّسة الإعلاميّة مقابلصناعة مبنيّة “لخدمة” التطوّر.

 3- ) الذات والتذاوت

 يحتلّ موضوع الذات في الفكر الرّومانسي قيمة تمنح الحسّأفضليّة عن العقل. فإذا كان العقل عند الكلاسيكيين هوّ واجب وجود الإنسان وشرطهلبلوغ الكمال وللسيطرة على الطبيعة كما زعم ديكارت (Descartes) في اعتبار الإنسان ذاتا عاقلة، وجوهرامفكّرا قادرا على إدراك العالم بوضوح فكري، Je pense, donc je suis وإن كانتهذه النّظرة للإنسان وللذات لا تخلو من رومانسيّة فلسفيّة، فإنّ الحسّ لدىالرّومانسيين هوّ من يحدّد وجود الإنسان وصلاته بالعالم، لذلك اقترن تعريفالرّومانسيّة، عند الكثير من الكتاب والشعراء باكتشاف الذات، ونجد عند الشاعرالألماني جون بول (Jean-Paul Richter)، في تعريفه للرّوح الرّومانسيّة، وصفا عجيبا للحظة اكتشاف الذات، إذ يقول : “ذات صباح أتتني هذه الفكرة من السماء مثل الوميض : >أنا ذات

 إنّ عودة اكتشاف الذات في الإعلام الجديد المتجليّةأساسا في ظاهرة التدوين المتنامية منذ عقد من الزمن، لم تكن منطلقاتها فلسفيّة كماهوّ الحال لرومانسيّة القرن الثامن عشر، ولم تكن، في ذاتها، حدثا محليّا أوإقليميّا مخصوصا بمجتمع محدّد، إنّما الحالة تمثّل سلوكا عامّا يختزل قيم “مابعد الحداثة” المتناثرة، بل السارية في أنحاء العالم. فالتمركز حول الذات،كسلوك ميّز خصائص الإعلام الجديد وأفرز صنفا جديدا من السّير الذاتيّة، والمذكرات،والرّوايات، وسرد التجارب الشخصيّة، واليوميات الخاصّة عبر صفحات الواب، مرجعه إلىفكرة المركز المهيمنة أوّلا Centre، المركز السّياسي والإيديولوجي، والمركز الثقافي، ثمّ إلى العنفالاقتصادي والإعلامي والثقافي، المنتج للإقصاء والاستبعاد.

 لقد خلخل تدفقالمواقع الإخباريّة الجامعة والمتخصّصة، والمدوّنات ومنتديات الحوار مركزيّةالصناعات الميدياتيكيّة، وواقعيّة الوجود المادي والفكري لخطاب السّلطة الإعلاميالمنتج للاستبعاد، ليظلّ كلّ فرد مركزا بذاته منتجا للتعدّد والاختلاف، وتجذّرتبذلك نزعة استكشاف الأنا التي نادى بها شاتوبريان (Chateaubriand) أواخرالقرن الثامن عشر، وغرسها في جيله من الرّوائيين والشعراء، كشكل من أشكالالانطلاق، وكنوع من التبرّم من الحاضر المشحون بالانكسارات، وفي أحيان كثيرةبالخوف من الأنساق والأنظمة المهيمنة،الرّافضة للتنوع الفكري والإيديولوجي.

 هكذا، من خلال التمركز حول الذات واستكشاف الأنا الذيتدفع به للظهور شبكات الاتصال الرّقميّة، دخلت الرّومانسيّة حقل الإعلام والاتصالبوصفها تعبيرا عن الذات، وتبرّما من القوانين الاجتماعيّة، الجائرة منها بالخصوص.ولو أنّنا أمعنّا النظر في عيّنات من التدوين المتراكم، المتزايد من خلال قوالبفنيّة جاهزة مرنة الاستخدام تزخر بها شبكة الإنترنت، لوجدنا أنّ موضوعات التدوينبألوانها المختلفة تدور كلّها حول كيفيّة منح الذات الفرديّة حضورا فكريّاوسوسيولوجيّا، حجبته لوقت طويل أساليب الإعلام الجماهيري الخطيّة، بصرف النظر عنطبيعة هذه الذات التي تشظّت معانيها وتعقّدت أطوارها في الفكر ما بعد الحداثي. لكنالجدير بالنّظر في الظاهرة، هوّ أنّ كل الذي يحدث من تفاعل وتذاوت عبر الشبكة،إنّما يجري بواسطة اللّغة. ولكن أيّة لغة، هل اللّغة بوصفها “منظومة القواعدوالاصطلاحات المستقلّة عن الأفراد الذين يستعملونها وتوجد قبلهم ” (17)، أم اللّغة المتطهّرة منالضوابط التي يولّدها واقع الأفراد الاجتماعيين في جدليتهم التواصليّة مع الواقعالذي يعيشونه، لأنّه يجوز، عند أنصار ما بعد الحداثة أن تكون اللّغة عائقا أمامإدراك الحقائق والتعبير عن طبيعتها الحقيقيّة. وهل يمكن اعتبار “اللّغةالشعبيّة”، وهي لغة عامّة الناس، الوسيط الأنسب لبناء الواقع وتحقيق التذاوت.أليست هيّ الأخرى مجموعة اصطلاحات واتفاقات بشريّة.

 إنّ لغةالمدوّنات عبر شبكة الإنترنت قد تدفّقت على شاكلة تضمّنت خصائص الأساليبوالسّجلاّت اللّغويّة الرّومانسيّة وبرزت بفيض من الطلاقة التعبيريّة، والتضاداتاللفظيّة، قابلت فيها الفصحى العاميّة،والمفردات اللّغوية العربيّة، الألفاظ والعبارات الأجنبيّة، والتعبير الفظ،المستقيم والرّفيع من الكلام. ولنا في ذلك نماذج مختلفة من أعمال المدونين.

 أ- مدوّنة”بودورو” (18)، مدوّنة تونسيّة، تهتمّ بالشأن الإعلامي في تونس، وتعنى، كما هوّ منصوصفي ميثاقها، بنشر” المقالات الرّديئة للقرّاء بهدف انتخاب أسوئها آخر كلّشهر، وهي فرصة للمدوّنين لاختيار : أسوأ صحيفة، أسوأ مقال، أسوأ صحفي”. وواضحأنّ طابعها يرفع شعار فضح الانحرافات الإعلاميّة في البلاد التونسيّة، ويجري ذلكمن خلال مساحات الرّأي والنقد المتجليّة في سجلاّت لغوية تراوح بين الفصحىوالعاميّة، سجلاّت لا تخلو من الألفاظ والعبارات الفرنسيّة والإنجليزية أحيانا.

 وعبارة “بودورو”، وهو اسم المدوّنة، تعني في العاميّة التونسيّة الرّخيص من الأشياء،وفي بعض السّياقات، الوضيع والحقير منها.ويقال في الدارجة التونسيّة : ” سلعة بودورو”، أي السّلعة الفاقدةللجودة، أو المزوّرة. والأصل في المعنى نجده في كلمة: ” دورو “، وهيتسمية شعبيّة لعملة محليّة متداولة، مضروبة من غير الذهب والفضة، وتعادل خمسمليمات تونسيّة. لقد فقد “الدورو” قيمته كعملة، فلا شيء يمكن اشتراؤه بـ: “دورو” منذ عقود لارتفاعالأسعار وغلاء المعيشة، وأصبح “الدورو” بمقتضى ذلك في مفهوم عامّةالناس، رمزا للقيمة الهابطة في أيّ مجال كان، لأنّ الدلالة نزحت من السجلّالاقتصادي المادّي لتستقرّ في السجلّ الثقافي والفكري، ويظلّ من الشائع الحديث عنأفكار بودورو وثقافة بودورو…

 لو نظرنا، منناحية أخرى، في بعض الأسماء المستعارة لأعضاء هيئة تحرير هذه المدونة (19)، لوجدنا أنّها محمولة فياستعارات منسجمة مع طبيعة فعل التدوين كظاهرة تواصليّة متحرّرة من الضوابطالماديّة والرّمزيّة، والأهمّ من ذلك أنّها مندمجة تماما مع الرّوح الرّومانسيّةالمنبثّة في صلب الإعلام الجديد، بل إنّها ناطقة بإحدى أبرز صفات الحسّ الرومانسيبشكل عام، ألا وهي الحريّة الفرديّة. فمن الأعضاء من يحمل اسم : ” فري رايس” (Free-Race)، ومفادها بالإنجليزية، السباق الحرّ،وقاعدته أن لا وجود لقواعد تحكم اللّعبة. ويصدع الاسم في دلالته الأولى بالتحرّرمن الضوابط كإحدى الخصائص الكبرى المميّزةلرومانسيّة القرن الثامن عشر. وللعبارةمدلول آخر عندما تكون الفرنسيّة السياقاللّساني المعتمد. فهي مؤلّفة من كلمة إنجليزية (فري) أي حرّ، وأخرى فرنسيّة (راس) (Race) وتعني في بنيتها المعجميّة العِرق والأصلوالسّلالة، ولكن الدّال، في بنيتها الصوتيّة يفيد “الرّأس” (TÊTE) حين تكوناللغة الدارجة التونسيّة هي السّياق اللّساني المعتمد. والخلاصة هوّ أن تركيبالعبارة المشار إليه يفيد ، على اختلاف سياقاته اللّسانيّة، السّلوك الحرّالمتطهّر من القيود. لقد نهض الفكر الرّومانسي على نزعة الحريّة والانفلات من كلّتحديد، ومن المفيد في هذا المضمار العودة إلى إحدى أهمّ تعريفات الرّومانسيّة وهيبمعناها الواسع ثورة على القيم الكلاسيكيّة.

 الاسم الثاني المستعار لعضو هيئة تحرير مدوّنة الحال،هوّ (كلانداستينو) (Clandestino). وهي كلمة من أصل لاتيني (Clandestinus) مركّبة من”كلام” (Clam) وتعني سرّا وخفية، و “داستينو” (Destino) أي عيّن وأشار وحدّد. وأصبحت الكلمة من هذاالاشتقاق تفيد في العديد من اللّغات الشيء الذي يتحقّق في الخفاء، أو الشيءالمخالف للقوانين السّائدة في المجتمع، كما تفيد معنى الإفلات من الرّقابة وهوالمعنى الأكثر حضورا وتداولا. فالمنطقة الدلاليّة لمستوى العبارة لا تتغيّر بتغيّراللّغات التي هيّ من أصل لاتيني كالفرنسيّة (Clandestin) والإيطالية(Clandestino)والإسبانيّة (Clandestino) والإنجليزيّة (Clandestine). والدلالة الواضحة في الاستعارة، كما يفصح عنها المدوّن فيالجذاذة التعريفيّة الخاصّة به، هوّ أنّ صاحبنا “يعيش (كلانداستن) فيبلده” (Clandestin dans mon pays) (20) أي في سريّة، بمعنى أنّه لا يستطيع، ثقافيّا وسياسيّا ممارسة حريّةالتعبير والرّأي لاعتبار الثقافة السّائدة، كما توحي بها الاستعارة، هيّ ثقافةالمركز(Centre) التي لاتجيز التعدّد والاختلاف، ويظل المدوّن بمقتضى الحال، محقّقا لحريّته الفرديّة بضربمن الانفلات من الضوابط والقوانين المحدّدة للعمل الإعلامي والاتصالي في انتحالهلهويّة ثانية سريّة.

 إنّ في اللّغة أفق واسع للتعبير الحرّ، فالفاعليّةالتواصليّة والتفاهم يتحقّقان في صلب اللّغة مثلما بيّنا عبر الإشارة إلى أهميةاللّغة في مشروع هابرماس الفلسفي للتواصل الاجتماعي. فاللّغة ” ليست مجرّدوسيلة أو مطيّة تركبها الرّسالة الدلاليّة الجامعة بين شخصين على أقلّ التقديراتالعدديّة ” (21)، إنّها أكثر من وسيلة، إنّها كما يراها سابير لا تقتصر وظيفتها علىالتوصيل، بل تتعدّى ذلك إلى ترميز العالم الذي تمثّله، فهي حينئذ سلطة تصوّريّةتمارس تأثيرها على متكلّمي تلك اللّغة”، (22) إنّها أيضا الفضاء الذيتتحدّد فيه التوجّهات الثقافيّة والفكريّة والإيديولوجيّة، وهي في الديمقراطياتاللّيبراليّة، الموجّه الحقيقي للحياة السّياسيّة، لذلك نجد التعبير الحرّ، فيالأنظمة الشّموليّة، بوصفه ممارسة لغويّة في المقام الأوّل، يكتسي طابعا”سرّيّا” (كلانداستان) على حدّ استعارة المدوّن المذكور، لأنّه يدفعبالأنا الباطني إلى الظهور والتجسّد في الأنا الاجتماعي وفق عبارة هنري بارقسون (Bergson) (23). ويوضّح لنا النموذج الثانيمن المدونات هذا البعد المتمدّد في التواصل بين الأنا الباطني والأناالاجتماعي.

 ب- مدوّنة “بحكي وبس” (24)، مدونة سودانيّة ويعرّفهاصاحبها على أنّها المدوّنة التي “تروي الحقيقة، تهدف إلى التغيّر الإيجابيوتتمرّد على الواقع المتفسّخ تدعم السّلم والتضامن مع الشّعوب”. فالمدوّنة منخلال الأفعال الواصفة لوظائفها : (تدعم السّلم)- (تهدف إلى التغيّر)- (تتمرّد علىالواقع)، لا تختلف في أغراضها التواصليّةعن المدوّنة السابقة من حيث العمل على تغيير الواقع عبر التعبير الحرّ. ولكن الاسمالذي تحمله مثير في معانيه خصوصا في مستوى المنطوق من الألفاظ :(بحكي وبس)، حيثالتركيب الدلالي المزدوج للعبارة، المتصل بين المباشر والضّمني. فأمّا الدلالة المباشرة فتشيرإلى أنّ الأمر لايتعدّى مجرّد الكلام، أو مجرّد (الحكي)، والقصّة برمّتها قصّة تعبير لا أكثر ولاأقلّ. وأمّا الدلالة الضمنيّة فتتضح في كون المتكلّم عارفا بأهميّة قوله متوجّساخطورته، متنصّلا، في الوقت ذاته، من تبعات القول المحمول، في الظاهر، على أنّهمجرّد قول. والدّلالتان إنّما تتقابلان في التحرّف Warping القاضي بتحوّل الأنا الباطني إلى الأناالاجتماعي، تحرّف لا يمكن أن يحدث خارج سلطة اللّغة. فالأنا الأوّل مكتوب، وهوالأهمّ من الناحية السوسيولوجيّة لاعتباره يشكّل المادة الفكريّة للمدوّنة، ويجسّددرجة الوعي الكامنة في الذات. وأمّا الأنا الثاني فمنطوق، وهو ما يحدّد هويّةالمادة الفكريّة في المدوّنة : (بحكي وبس). والمسافة بين المكتوب والمنطوق مسافةتسكنها الرموز الدالة على حالات النفس في المنطوق من الكلام، والدّالة على الكلماتالمنطوقة في المكتوب منه، كما يقول أرسطو. ويتضح من جديد، في هذا المضمار، التمركزحول الذات لاكتشافها مصدرا للمعلومات، باثّا ومستقبلا في الوقت نفسه.

 يزداد هذا التمركز وضوحا في توصيف الأغراض التواصليّةللمدوّنة، عند القول : “تروي الحقيقة”. فالحقيقة كما يتمثّلها المدوّن،تنحدر من طبيعة رؤيته الذاتيّة للأشياء، والمدوّن هوّ الذي يأتي بهذه الحقيقة ويبثّها في مجرّد “الحكي”كما يقول، لتظلّ ناطقة بحريّته كفرد مستقلّ، يتمتّع بحق إعادة بناء الواقع وترتيبعناصره، وهو من هذا المنظور منتج للاعتراف بذاته، ذاتا مستقلّة أخلاقيّة، تعكسفاعليّة الأنا.

 إنّ الأنا في هذه الحالة مرادف للأنا الذي يعرّفهنوفاليس (Novalis) في معادلةجدليّة، تقتضي وجوده في وجود النقيض. والنقيض الذي هوّ غير الأنا، لا يمثّل كياناخارجيّا مستقلا عن الأنا بقدر ما هو جزء من تكوين الأنا وتركيبته. هكذا تتجلّىنزعة التمركز حول الذات الفرديّة في علاقتها الجدليّة بالموضوع، ليكون التمركز هوّالأصل في صناعة آليّة اختراع المفردات التيتحدّد بها الذات رموز الموضوع.

 نلاحظ من خلال نماذج التدوين، في دراسة الحال، أنّ لغة التدوينتراوح بين العامّيّة والفصحى، وفي أحيان عديدة تكون العاميّة، أي اللّغة الدارجة،هيّ السّجل اللّساني الأساسي المعتمد، وقد يعود ذلك لارتباطها الوثيق بواقعالنّاس، فهي رمز للواقعيّة، لا من حيث قدرتها البلاغيّة على تصوير المألوف في حياةعامّة الناس، فالفصحى تخبرنا في مواضع كثيرة أنّها الأصل في تحقيق حسنالبيان، ولا من حيث قوّة التزامها كذلكبالقضايا والمضامين الشّعبيّة، لأنّ قضيّة الالتزام تعود إلى تقدير يحدث في مستوىالقرار الحرّ للفرد يترتّب عنه سلوك معيّن يحكم مواقف الفرد وآرائه. ولكن اللّغةالشعبيّة، بتغلغلها المثير في مفاصل المجتمع، تجسّد الحالة المتميّزة التي يتطابقفيها فكّ التشفير مع التشفير داخل حلقات التواصل الاجتماعي. فمسألة التطابق بينالتشفير وفكّ التشفير مهمّة للغاية في الاتصال اللّساني وغير اللّساني لاعتبارهاالشرط الأوّل والأساس لتحقيق القصد الاتصالي. لقد دأبت الإذاعة الوطنيّة التونسيّةمنذ الخمسينات من القرن الماضي على إدراج نشرات إخباريّة باللّهجة العاميّةالتونسيّة وهي في ظاهرها موجّهة إلى الأمّيين من فئات الشعب التونسي الذين قد لايفهمون الفصحى جيّدا، ولكنّها في واقع الأمر صناعة إعلاميّة موجّهة إلى الاستهلاكالشعبي الجماهيري، صناعة تحقّق إلى حدّ كبير تطابق فكّ التشفير مع التشفير.

 لقد ظلّت اللّهجة الدارجة، بمقتضى ارتباطها الوثيق بواقعالناس اليومي ونعني بذلك الاستخدام الواسعلعناصرها ومفرداتها، ظلّت لغة التفاعل الأولى بامتياز، اللّغة المتحرّرة من ضوابطالشكل والمضمون ومن الأغراض الأخلاقيّة كذلك. ونصل هنا إلى طرح إشكاليّة من أهمّالإشكاليات التي أفرزتها النزعة الرّومانسيّة الحديثة والمتمثّلة في مدى مقاومةهذا التيار لأشكال التقنين والضبط في الأعمال الفنيّة والأدبيّة والتواصليّة بشكلعامّ.

 4-) هدم القواعد

 تأتي الرّومانسيّة كمذهب فنّي متحرّر لتعصفبالقيم الكلاسيكيّة في أكثر من مجال، وتؤسّس بلاغة جديدة تستوعب إنجازات الحسّوالخيال بدل العقل، عبّر عنها جون جاك روسّو(Rousseau)،رائد هذا التيّار في أكثر من موضع من مؤلّفاته (25)، ولعلّأبرزها يتضمّنها قوله “إنّ الخيال هوّ الذي يبسط لنا نطاق الممكنات ويغذّيالرّغبات بأمل تلبيتها” (26). ويتضح من هذا المعنى، وممّا أوردنا منتعريفات لهذه النزعة في الفقرات السّابقة، أنّ الرّومانسيّة لا تعدو أن تكونإغراقا في الذاتيّة والتأزم، ولكنّها، في المقام الأّوّل، ثورة على القديم.

 تخيّم الرّومانسيّة اليوم بثقلها في منظومةالإعلام الجديد، مصيبة بجنونها وثوريّتها بنية القواعد الإعلاميّة والاتصاليّةالمميّزة للإعلام الجماهيري الممأسس، وهي الأسس المعرفيّة التي قامت عليهابالخصوص، أجناس الكتابة الإخباريّة في الإعلام السّمعي المرئي والمكتوب، المترسّبةمنذ عقود داخل برامج التكوين والتعليم الإعلامي، مجدّدة بذلك عودتها وزعزعتهالضوابط صناعات المضمون، على غرار ما أحدثته رومانسيّة القرن الثامن عشر من خلخلةلقواعد المسرح الكلاسيكي منذ ما يزيد عن ثلاثة قرون (27). لقدأفلتت أشكال الكتابة الإعلاميّة، في الإعلام الجديد، من الضبط اللّساني والتقنيومن القواعد المنظّمة لبناء المعنى بمختلف الوسائط الإعلاميّة، ليظلّ الفعلالإعلامي فعلا عاميّا، شعبيّا “دارجا”، يقدر عليه، كما ذكرنا سابقا، كلّمن يكتسب الحدّ الأدنى من الثقافة الرّقميّة. ونرى في مدوّنة “الوعيالمصري” على سبيل المثال، كيف ينقل المدوّن بالصّوت والصّورة وقائع مظاهرةالحدّ الأدنى للأجور، من دون التقيّد في النقل، كفعل إعلامي له ضوابطه، بمبادئالنقل التلفزيوني وهي التي حددّناها في غير هذا السّياق (28) ضمنمصفوفة من التركيبات الفنيّة والنظريّة المكوّنة لبنية النقل Reportage الأساسيّة، مثل تحديد الزاوية والمحاور وتعيين الشهادات والأسانيدالضروريّة للبناء النظري للنقل، وضبط سلّم اللّقطات وحركة الكاميرا وزوايا التقاطالصّور، وضبط الإضاءة والهندسة الصوتيّة والتركيب والمزج…

 لقد اختفى مشهد ضوابط الكتابة الصّحفيّةجزئيّا من دورة الإعلام الجماهيري ليظلّ السّمة البارزة للإعلام الفردي الجماهيريالذي أدّى دورا مركزيّا في التغطية الإعلاميّة للثورات العربيّة لاعتبارات عديدة،وبات المشهد المثير، تلفزيونيّا، ذلك الذي تنقله للجماهير ” صور بالعاميّة” نسمّيها ” صورا باللهجة الدارجة “، لأنّ العاميّة أو الدارجةليست حدثا لغويّا يتجلّى في المنطوق من الكلام فقط، يوجد أيضا تعبير مرئيبالعاميّة عندما يصبح التصوير التلفزيوني بوصفه عملا إعلاميّا محترفا، قدرة عامّة،يقدر عليه كلّ من يملك آلة تصوير فيديو من عامّة الناس.

 وعلى حين كانت رومانسيّة القرن التاسع عشر هروبا منالحاضر عبر الحلم والخيال، فإنّ رومانسيّة القرن الحادي والعشرين، بدت، أو هيّهكذا، منغمسة بقوّة في الحاضر رغم مظاهر التبرّم، ومحاولة الإفلات من الواقعالمزيّف الذي تصنعه مؤسّسات الاتصال الجماهيري، وكان يمكن، بتوفّر الأنظمةالافتراضيّة المتطوّرة التي دفعت بتجسيد خيال الإنسان إلى أقصى حدوده، أن تكونأكثر إيغالا في الحلم والخيال من سابقتها. فالتقنية الجديدة لم تدفعبالنزعة الرّومانسيّة، التي حطّت بثقلها في الإعلام الجديد، إلى التخلّص منالواقع، وهي القادرة على ذلك بترسانتها الرّقميّة التي تداخلت فيها الأبعادالزمنيّة حيث دمج الحاضر بالمستقبل والماضي بالحاضر، إنّما ساعدت على تفكيك عناصرالواقع ومنحت إمكانيّة ترتيبهاوبنائها من جديد.

 د. عبدالله الزين الحيدري

أستاذ علوم الإعلام والاتصال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s