قواعد العمل الجماهيري السياسي

  العمل الجماهيري

 بدابة لا بد من التاكيد على ان العمل الجماهيري هو عمل اعلامي يسعى المناضلون من خلاله الى توصيل افكارهم للجمهور والقيام بدور التعبئة والتحريض وفق الرؤية السياسية والفكرية التي يتبناها الفرد او التنظيم او الحزب

 ولا يختلف اثنان من المهتمين بالعمل العام، على أن النشاط والحركة الهادفة بين الجماهير الشعبية هو نشاط سياسي، محكوم بالاهداف والمعتقدات السياسية، التي يرى من خلالها الانسان، حقائق الواقع المعطى، ومجريات الاحداث والظروف التي يعيشها الشعب، والاهداف التي يجب انجازها على خلفية هذا النشاط في اطار الجهد الانساني المبذول لاستنهاض الوعي (بالضرورة في التاريخ)، وتحديد المواقف والتصرفات اتجاه الظواهر الفاسدة، التي تعيق حركة التقدم والتطور الاجتماعي واستملاك القدرة على التغيير في العلاقات القائمة على التحجر والجمود.

 وقد ذهب بعض الثوريين في هذا السياق الى اعتبار العمل الجماهيري، هو القدرة على بعث الحيوية والحياة السياسية في الروتين الممل، واستملاك الوسائل التى تمكن من اظهار حيوية المجتمع وتحرير ارادته من السلبية والجمود.

 وقد أخذ البعض الاخر، بمذهب الثوريين الانقلابين في التاريخ، الذي اعتبر المناضل الذي يقوم بالعمل الجماهيري هو الانسان الذي يخوض معركة انتحارية مع الحياة، على قاعدة التمسك بمنهج القوة في احداث التغيير المطلوب في التاريخ.

 لقد حكمت هاتان القاعدتان المفهوم النظري للعمل الجماهيري، والقواعد التى تستقيم عليها مكونات الشخصية العامة، التي تأخذ على مسؤوليتها احداث التغيير في المفاهيم الفاسدة عبر العمل الجماهيري والنشاط والحركة في مرافق العمل العام، وسواء أخذ ابطال العمل الجماهيري، بهاتين القاعدتين، ام اضافوا عليهما قواعد أخرى، فإن الاصل في مكونات الشخصية الانسانية التي تتقدم الى العمل العام، هو العقيدة السياسية التي يؤمن بها ابطال العمل العام، واستعدادهم الدائم للحركة والنشاط على قاعدة الايمان المطلق باهداف الجماهير وضرورة التحرك لانجازها.

 إن العمل الجماهيري، المجرد من الاهداف والغايات السياسية، وان اسهم في تغيير بعض المفاهيم والظواهر الفاسدة، لا يمكن أن يكون عملا جماهيريا اصيلا، قادرا على إحداث التغيير الجذري، في حياة الشعب؛ وبالتالي لا بد من اثارة الاسئلة المهمة حول هذا العمل، قبل التوسع في الحديث عن قواعده ومنطلقاته، والخلفية السياسية والفكرية التي تقود هذا العمل وتؤثر في احداثه ومجرياته اليومية، لان الاهم من العمل الجماهيري نفسه؛ هو الاهداف السياسية التي تكمن وراء هذا العمل، واي نوع من البدائل والتغيير المطلوب في المجتمع والانماط والمفاهيم السلوكية السائدة؟ وما هي الادوات المستخدمة في انجازه وهل هي ادوات مدنية برلمانية ؟ أم هي اداوات سياسية عسكرية نضالية ؟؟

 يجب ان تحدد الجماعة السياسية التي تخوض غمار العمل الجماهيري، الاهداف الدقيقة من وراء هذا العمل، والادوات المستخدمة في انجازه، لان العمل الجماهيري في سياقه الطبيعي، يقوم على صراع المفاهيم والمنطلقات الاساسية في الوجود والحياة، وليس رغبة القائمين على ادارة امور الحياة والمجتمع، وفقا لقوانين وانظمة واعراف ثابتة، لأن القائمين على مثل هذه القوانين، يسعون دوما الى تطبيقها وحمايتها بمفاهيم واجهزة السلطة السياسية، وليس تغييرها والانقلاب عليها، وبالتالي فهي الثابت الذي لا يتحرك، بعيدا عن قوة الدفع الى الامام، والضغط الاجتماعي نحو التقدم والتطور الانساني، وهو الأمر الذي يجعل العمل الجماهيري، عملا كليا في حياة الشعب والقوانين والانظمة السائدة، وليس عملا جزئيا محدودا في زاوية خاصة من النشاط المتاح.

 إن العمل الجماهيري، هو العمل السياسي الشمولي، القائم على وحدة البرنامج الكلي للجماهير الشعبية، والذي يشكل بمضمونه العملي: الرؤية الثورية للظروف والوقائع، التي يعيشها الشعب ويسعى عبر ادواته السياسية لتغييرها، باتجاه انتزاع الاهداف الكبرى، لصالح الجماهيروالقطاعات الشعبية المتضررة من هذه الظروف، وهو عمل حساس ودقيق، يدعو الى الحركة والبناء، والدفاع عن كل ما هو ثابت ونبيل في حياة الشعب، والقوى السياسية التي تمارس العمل الجماهيري نفسه، كوسيلة نضالية لاحقاق الحق، وحماية العدل والانصاف، وكذلك حماية السلم الاجتماعي، وكل المظاهر الوطنية لشخصية الشعب المناضل من أجل التغيير.

 ادوات العمل الجماهيري

 أولاً: الادوات البشرية

 1- الشخصيات المحورية الجامعة في حياة الشعب.

 لقد اوضحنا في السياق المتقدم، ان العمل الجماهيري، هو عمل سياسي على درجة عالية من الدقة والحساسية بين الجماهير، لانه عمل يجري من خلاله استفتاء الشعب على نوعية المفاهيم الفاسدة، التي يجب تغييرها، وكذلك نوعية المناضلين الذين يحملون المفاهيم الجديدة، والاخلاق والقيم الاجتماعية والسياسية، التي يدافعون عنها، واساليب الطرح والنقاش التي يستخدمونها في الحوار مع الجماهير، وهل هم مأهولون وجديرون بحمل هذه المفاهيم والدفاع عنها؟؟ ام مجرد اناس يتعيشون على حساب الشعب وسمعة الجهة السياسية التي تدعو الى هذه المفاهيم !

 هذا فضلا على ان الاهم من كل هذه الاسئلة؛ هو معدن هؤلاء ألاشخاص، ومن اي شريحة أخلاقية هم؟؟ حيث افترض بعض الثوريين في الحركات السياسية والاجتماعية ، ان يكون هؤلاء الافراد والشخصيات، مثل النساك والصديقين في سلوكهم اليومي وحياتهم الانسانية بين الجماهير.

 وذهبت الذاكرة الشعبية الى تصنيف الجودة والرداءة في البشر، على قاعدتين مهمتين، الاولى الانسان الكريم الجواد الزاهد في حياته الشخصية، وذلك يعني في هذه الذاكرة ان مثل هذا الانسان هو صادق وأمين على الدوام، وشجاع ومضحي من أجل غيره، ولا يمكن أن يقوم باعمال تخجل تاريخه وتؤدي به الى مستنقع الرذيلة والانحدار، والثانية هي البخيل الذمام، ويعني في الذاكرة الشعبية ان مثل هذا الانسان، هو خوار وجبان، وكذاب ومحتال وخائن ومراوغ على الدوام، وذهبت بعض القبائل العربية الى اعتباره ديوث (ديوس) اي يدوس عرضه وكرامته من أجل نفسه ومصلحته الانانية.

 وكانت هذه القبائل تخلع مثل هؤلاء الاشخاص من صفوفها، وتعاملهم مثل ما تعامل خائن القافلة، وكل الضعفاء والمهابط الاخلاقية والنفسية والاجتماعية، إن معدن الانسان، او كما يقول اصحاب علم النفس العسكري، الطبع في الشخصية اهم من التدريب والتعليم، ولهذا تحرص المنظمات السياسية في العمل الجماهيري، على ان يكون العاملين في دائرة الشخصيات المحورية الجامعة في الشعب، شخصيات واسعة العلم والثقافة الاجتماعية، وعلى خبرة عميقة في احوال الناس وشؤونهم، وحكمة ورشاد في ادارة أحوالهم، لان مثل هذه الشخصيات، هي البضاعة السياسية الرائجة بين الجماهير، والحلقات المكشوفة القادرة على الاحتكاك اليومي، والتأثير في مجريات حياتها، ومثل هذه الشخصيات في نشاطها ووجودها بين الجماهير كمثل القطع العسكرية المكشوفة في الجيش والقوات المسلحة، اثناء المعارك مع الاعداء والطامعين، فاذا لم يجيد قادة هذه القطع حمايتها، تصبح الاكثر ضعفا في القوات المسلحة، وذلك لانفتاحها على كل الاحتمالات، وتعرضها الى كل الطوارئ والاخطار، هذا فضلا على ان الحرب ضد الاعداء والطامعين، تقوم بين وسائل قتالية معروفة، وفي ميادين ومواقع محددة على الارض. اما الحرب على الفساد والمفاهيم الفاسدة في المجتمع، فان ميدانها الانسان، والابعاد والاطماع المجهولة في النفس البشرية، وهي من اصعب وأعقد أنواع الحروب والنضال الانساني، ولهذا يجب أن يكون العاملين في هذه الدائرة، من العمل الجماهيري، هم أكثر الشخصيات الشعبية خبرة وقوة روحية واخلاقية وعقائدية، ليس لانهم فقط بضاعة التنظيم السياسي الرائجة بين الجماهير، بل لانهم في البداية والاصل ابناء هذه الجماهير، التي تطالب بالتغيير و التصحيح والتصويب في مفاهيمها ومسارات حياتها، كي تصبح جماهير جديرة بالحياة الحرة الكريمة، واحترام التاريخ لاسلوبها في الحياة الانسانية إنها المعادن الثمينة في الشعب، كالذهب والماس تماما، الذي تحدد قيمته في السوق، على قاعدة الجهد الانساني المبذول في انتاجه، وليس الندرة أو العرض والطلب.

 يجب أن تبذل التنظيمات السياسية كل خبرتها في تدريب وتأهيل هذه الشخصيات، داخل الاطر التنظمية الخاصة، المحكومة بصلابة البنيان الداخلي، والانضباطية الدقيقة قبل اخراجها الى فضاء العمل العام، والنشاط الهادف بين الجماهير، المحكوم ايضا بادق الروادع الذاتية والقيم والتصرفات الانسانية، والابتعاد عن اغراق الشارع، بالهواة والمتطفلين، والعناصر الفاسدة والمريضة، وكذلك العناصر المازومة والموتورة، مبعثرة الشخصية والسلوك، التي لا يجمع حتى أبناءها على وحدة وتكامل دورها في اطار اسرتها الصغيرة وحياتها الخاصة. هذا فضلا على أن العمل الجماهيري، يجب أن يحتكم الى قاعدة التخصص القطاعي في نشاط القيادات والرموز الشعبية؛ وفقا لحاجات المجتمع الشمولية في التغير. فإذا ما اراد ابطال العمل الجماهيري احداث تغيير جذري في المفاهيم والقوانيين والاعراف السائدة تجاه المرأة على سبيل المثال، يجب ان يقدم هؤلآء الابطال البرامج والقيادات النسائية، القادرة على تجنيد القوى الاجتماعية لدعم المرأة على قاعدة احترام الشكل والمضمون، الذي تدعو اليه هذه القيادات النسوية، واثارة المفاهيم الايجابية عن المرأة ومحاربة الصورة النمطية السائدة، التي تجعل منها متاعا للرجال في المجتمع، او مدخلا لمفاسد الاخلاق والقيم النبيلة بين الناس، وكذلك الامر في العمل المهني والنشاط الشبابي والاجتماعي والاقتصادي، والحرفي والأدبي والثقافي والفني.

 يجب ان يحرص ابطال العمل الجماهيري، على تقديم القيادات والشخصيات العلمية المبدعة للقطاعات العلمية، وكذلك القيادات الشبابية والنقابية والقطاعية الأخرى، وجعل هذه القطاعات ترى فيها قيادات حقيقية لقطاعاتها المهنية والاجتماعية، وليس قيادات او رموز سياسية، لتيارات فكرية سياسية، لا تهتم بهذه القطاعات ولا تعطيها وزنها من التقدير والاحترام، حيث يحضرني في سياق هذا الامر، مثال حي ومباشر في التاريخ، ألا وهو العالم البريطاني المعروف داروين، صاحب نظرية النشوء والارتقاء او الانتخاب الطبيعي، الذي فرض نفسه على العلماء العلمانيين، عندما اجتمعوا لاختيار رئيسا لبعثتهم العلمية في مجال البحوث والتجارب على النباتات والأحياء البحرية، في المحيطات والخلجان، علما ان داروين كان في ذلك الوقت، على خلاف عقائدي مع الذين قاموا باختياره رئيسا؛ حيث كان متديناً الى درجة الرهبنة، والعلماء الذين قاموا باختياره رئيسا لهم كانوا علمانيين، ورغم ذلك فرض داروين نفسه على هذه المؤسسة الواعية، لصدقه العلمي ودفاعه عن الحقيقة العلمية في التاريخ، بصرف النظر عن موقف عقيدته الدينية من هذه الحقيقة؛ وبالتالي كانت نظرية داروين في علم الطبيعة والأحياء في التاريخ الانساني.

 إن هذا المثال يؤكد أهمية الانتباه الى ضرورة تقديم القادة المبدعين للعمل المهني والجماهيري، والابتعاد عن الرموز والقيادات الضعيفة، وسياسية التحشيد السياسي والاجتماعي في دعمها وإسنادها، حيث يجب أن تشعر القطاعات الشعبية نفسها ان قيادات العمل الجماهيري بين أوساطها، هي قياداتها الحقيقية المؤتمنة على مصالحها المهنية وأهدافها السياسية والاجتماعية ومعتقداتها في الحياة، وهو الأمر الذي لا يمكن حدوثه بعيداً عن التأهيل التنظيمي, والعلم والدراية في العمل الجماهيري, وأهمية دور الفرد في التغيير.

 ان الشخصيات المحورية الجامعة في حياة الشعب, هي التي تمكن التنظيمات السياسية من اختصار المسافات في إحداث التغيير الإنساني في القيم والمفاهيم والقوانين والأنظمة الفاسدة لصالح جماهير الشعب الواسعة, والقوى الجذرية صاحبة المصلحة الأساسية في التغيير.

 2- المحرض السياسي

 إن المحرض السياسي هو الحلقة البشرية الثانية المهمة في العمل الجماهيري؛ و لذلك يستند المحرض السياسي في نشاطه بين الجماهير على قاعدة كشف المظاهر الملموسة للفساد والاضطهاد الواقع على الشعب، وتعرية المفاهيم والظواهر التي تبرر وجود هذا الاضطهاد، واستمراره عبر وسيلة الخطابة واعتلاء المنابر السياسية في المسيرات والمهرجانات والتجمعات الشعبية، وبالتالي تكمن أهمية وحساسية هذه الأداة في العمل الجماهيري في كونها تواجه الناس مباشرة في مواعيد خاصة من غضب الشعب والغليان الشعبي ضد الظلم والاستبداد الواقع على الجماهير؛ ولهذا يجب أن يكون المحرض السياسي معروفاً لدى القطاعات الجماهيرية الواسعة وصادقا في طرح الحقائق والبراهين والدفاع عنها بين الجماهير بعيدا عن الغوغائية الكاذبة؛ عالما بشؤون الناس ومجريات الاحداث والوقائع ومتابعا لكل الأحوال والتطورات الجارية، خبيرا في إبراز الحقيقة والدفاع عنها في التاريخ، موضوعيا في طرح المواقف والمطالب الشعبية بعيدا عن العفوية والمغامرة والارتجال في تحديد التصرفات الجماهيرية، حكيما وراشدا في تناول القضايا المطروحة وبارعا في استخدام فنون وعلوم التحريض السياسي، لا يهزه جاهل ولا يثنيه كاذب مدسوس. هذا فضلا عن أهمية استملاك المحرض السياسي لقوة الشخصية وسرعة البديهة وغزارة المعلومات والفنون اللغوية والمفردات الواضحة والدقيقة القريبة من ذهنية وفهم الجماهير، وسعة الثقافة والمعرفة السياسية وغيرها من العلوم والفنون التي تجعل المحرض السياسي قادرا على كشف جميع مظاهر الاضطهاد الملموس وتعرية المفاهيم والظواهر الفاسدة في المجتمع.

 إن المحرض السياسي هو الشخص الذي يحمل الموقف التنظيمي الى الجماهير، ويقوم بعرض هذا الموقف بصورة حية ومباشرة وليس من خلال الوسائل والادوات المساعدة، ولذلك فهو الشخص الذي يبرز الصورة الكاملة للتنظيم السياسي أمام الناس في مناسبات وإحداث خاصة، وهو الامر الذي يجعل من دوره أكثر دقة وحساسية من دور الشخصيات المحورية الجامعة في الشعب, انه الانسان الذي يزرع، وهذه الشخصيات هي التي تحصد وفي الوقت الذي تفرض عليه الدائرة التي يعمل بها عرض كل التنظيم السياسي الذي يمثله أمام الجماهير فإن المؤسسة الأخرى تقوم فقط على نقل أخلاقيات ومفاهيم التنظيم السياسي والتصرف إنسانيا بموجبها بين الجماهير.

 إن القوى الظلامية والرجعية تعمل بكل ما لديها من خبرة تضليلية وتجهيلية لطمس وتزوير جميع مظاهر الاضطهاد الملموس الواقع على الشعب، ومقابل ذلك يجب على المحرض السياسي أن يقوم بتبديد وإلغاء تأثير هذه الأضاليل بوسيلة اللقاء المباشر وعرض الحقيقة والدفاع عنها أمام الجماهير. وبالتالي على المحرض السياسي ان يمتلك إضافة الى كل المهارات المطلوبة في هذا الشأن قوة الحقيقة ذاتها في السيطرة على الجماهير والقواعد والأسس العلمية في اختيار اللغة السياسية التي سيتحدث بها أمام الجماهير.

 إن الجماهير الشعبية هي المصدر الوحيد لإنتاج القيم والوعي الاجتماعي في الحياة والإطار الموضوعي لإفراز العقائد السياسية العميقة، وفي الوقت الذي تسعى فيه جماهير الفلاحين على سبيل المثال الى معرفة طبيعة التناقض القائمة بين العمال الزراعيين و أصحاب الارض، فإن القطاعات الفكرية والثقافية في المجتمع تميل الى فهم الأبعاد العقائدية للتحريض السياسي والموقف التنظيمي من المعتقدات الفكرية المجردة وحجم الأذى والاضطهاد الواقع على هذه المعتقدات وطريقة النضال من أجل الحرية والديمقراطية والتحول الاجتماعي، باتجاه التقدم والتاريخ وليس المقارنات المباشرة بين الغناء الفاحش والفقر المدقع في المجتمع، لذلك فإن الأداة البشرية المستخدمة في دائرة التحريض السياسي يجب أن تكون هي الأداة الاكثر وعيا وعلما بحقائق التاريخ وشؤون المجتمع، ومصالح وأهداف العالم المحيط بقضية الجماهير والأكثر قوة وصلابة في الدفاع عن المعتقدات التي تمكن من اللحاق بركب الحضارة والتاريخ.

 3- الدعاة السياسيون.

 وهنا يجب التمييز في البداية بين الداعية السياسي والداعية الديني والمحرض السياسي في العمل الجماهيري.

 الداعية السياسي:- هو الانسان الذي يقوم بكشف المظاهر غير الملموسة للفساد والاضطهاد الواقع على الشعب ليس عن طريق الخطابة وفنون العمل الجماهيري الأخرى، بل عن طريق الكتابة والتأليف وتقديم الايدولوجيا التي تفسر حياة الجماهير ومستقبل نضالها وكذلك تقديم المشاريع وأوراق العمل والبرامج للنخب السياسية والفكرية والعلمية وإنشاء المنابر الخاصة بهذا الشأن.

 أما الداعية الديني:- فإنه يقوم أحيانا بالتأليف ولكنه يكثر من الدعوة بوسيلة الخطابة والتحريض المباشر بين الجماهير وبالتالي يلتقي في دوره والادوات التي يستخدمها مع المحرض السياسي ولا يلتقي قط مع الداعية السياسي.

 إن الداعية السياسي هو المفكر السياسي القادر على أنتاج الثقافة السياسية وإعادة صياغة الوعي الاجتماعي الذي على أساسه يقوم الشعب بإجراء عملية التغيير والتخلص من المفاهيم والظواهر الفاسدة في المجتمع، وبالتالي يقوم الداعية السياسي بدراسة جميع ظواهر الفساد والاضطهاد الواقع على الجماهير وكشف المظاهر غير الملموسة لهذه الظواهر والاضطهاد؛ اي كشف الأبعاد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والحضارية لهذا الاضطهاد وتنوير الشعب بالحقائق التي لا يستطيع معرفتها بغير هذه الدراسة المتخصصة وهذا العلم الواسع في الحياة، فالداعية السياسي هو الانسان الذي تستلهم من كتابته الجماهير الشعبية وعيها العميق وإحساسها بالضرورة في النضال وطريقة استرشادها الى الأساليب الكفاحية المناسبة من أجل احداث التغيير.

 4- رواة البطولات الشعبية.

 إن المزاج الشعبي هو مزاج يخضع الى مجموعة كبيرة من المؤثرات والتقلبات السريعة والمتوالية؛ نتيجة الحالة المتغيرة التي يعيشها الشعب وتقلب الأحوال والظروف ولذلك يحرص أبطال العمل الجماهيري على إبقاء ذاكرة الشعب حية من خلال نماذج شعبية تحفظ تاريخ الشعب وبطولات أبناءه؛ وتقوم بروايتها بإحساس الشعب ولهجاته البسيطة الدارجة التي تشكل في النهاية الذاكرة الشعبية للقوى السياسية الفاعلة وثقافة الجماعة التي على أساسها تقوم وحدة التكوين النفسي لهذه الجماعة؛ ووحدة المؤثرات العاطفية في وجودها ونشاطها بين الجماهير ولذلك تحرص القوى السياسية على أن يكون العاملين في هذه الدائرة من العمل الجماهيري هم ممن عاش هذه البطولات وجرح أو اقعد نتيجتها؛ أو من كانوا مقربين من أبطالها أثناء صناعتها وحدوث وقائعها؛ أو من تأثر بهذه البطولات وعلم وحفظ جميع تفاصيلها وأخذ يرويها بروح العالم بها والشاهد عليها.

 إن دور هذه الأداة الشعبية هو دور أساسي ومهم في العمل الجماهيري ويمثل في شكله ومضمونه الأداة المركزية لربط الحاضر البطولي مع المستقبل النضالي للجماهير الشعبية وإخراج ذاكرتها من مؤثرات الابطال الخرافيين الى ابطال حقيقيين يقهرون المستحيل بأعمالهم العظيمة.

 5- الاجتماعات والمهرجانات والمظاهرات وأصحاب فن الشعار والهتاف بين الجماهير.

 إن الحشد الكمي للجماهير في الشارع أو اي مكان خاص من التواجد الشعبي يفرض على القائمين على هذا الحشد إغراقه وإشباعه بالحشد الكيفي السياسي الواعي القادر على حماية الجماهير المحتشدة وحماية الدولة والمجتمع من الأخطار الافتراضية التي تحملها القوى الغوغائية غير الواعية وغير المنظمة أصلا في الاطر السياسية؛ وهو الامر الذي يفرض التواجد الكامل للقوة السياسية المنظمة وتحديد المسؤوليات عن ادارة هذه الحشود على قاعدة التخصص في المهام والوظائف السياسية لإظهار انضباطية وهيبة التنظيم السياسي في الشارع، وقدرته على تحسين أداء هذا الشارع في العمل الجماهيري ومنع العابثين من الاعتداء على مقدرات وحقوق المجتمع وأملاك وأرزاق و معيشة الجماهير ولهذا يجب أن يجري الإعلان المسبق بين الجماهير، عن الأسباب والاهداف الداعية لهذه الحشود وحصر هذه الأسباب والاهداف في نقاط وشعارات واضحة ودقيقة وكتابتها على اليافطات المعدة سلفا لهذه الغاية وتوزيعها على المختصين في حملها والتذكير بها بين الجماهير حتى انتهاء الاجتماع الشعبي أو المسيرة الجماهيرية وفي الجانب الاخر يجب أن يحرص أبطال العمل الجماهيري على حماية الحشود الشعبية بعناصر ردع وقوة حماية داخلية بين هذه الحشود، تعمل بموجب تعليمات واضحة ودقيقة على منع الخلل والاضطراب بين الجماهير.

 هذا فضلا على أهمية أن تكون الدعوة لمثل هذه التجمعات والحشود نابعة من هيئة شعبية معروفة أصلا وموثوقة برمزية أشخاصها والتيار السياسي الذي تمثله بالقدرة الفائقة على تنظيم الجماهير والسيطرة على المسيرات والحشود الشعبية، وبالتالي اختيار الاشخاص الذين سيقومون برفع الشعارات وإذكاء الحماسة والقوة في الجماهير من المختصين في هذا الشأن وتوزيعهم بعناية فائقة أثناء المسيرة أو الاجتماع الشعبي، وكذلك توزيع القوة الاخلاقية والشخصيات المحورية الجامعة والرموز الفكرية والأدبية الواعية بين الجماهير وتحديد القادة لهذه الحشود القادرين على التعامل مع الحالات الطارئة والاستثنائية التي قد تحدث أثناء المسيرات والتجمعات الشعبية.

 إن هذه الدائرة من العمل الجماهيري هي دائرة واسعة وكبيرة ويشترك في إقامتها وإنجازها كل أبطال العمل الجماهيري في موقعها وخبرات وقيادات العمل السياسي والتنظيمي، وبالتالي فهي دائرة تفرض أن يتواجد فيها خيرة المختصين من أصحاب فن الشعار في العمل الجماهيري، وفن الهتاف والترديد لهذا الشعار والتوزيع الدقيق للشخصيات القوية المهيمنة على الشارع السياسي وعناصر الأمن والحماية الداخلية للجماهير الشعبية وعناصر الملاحظة والانتباه لحالات العبث والاختراق لهذه التجمعات والحشود وجميع مكونات العمل الجماهيري القادرة على تحقيق الاهداف المطلوبة من هذه التجمعات والحشود.

 ثانياً:الأدوات المعنوية غير المباشرة:-

 1- المنشور: وهو أداة تحريض جماهيري مهمة في العمل الشعبي، والمنشور في هذا الإطار هو تبليغ عن حدث ويجب أن يقوم على قاعدة [خير الكلام ما قل ودل] والابتعاد عن الإطناب والتضخيم كي لا يختفي الحدث الذي يجب أن تعرف به الجماهير بين الأسطر والديباجات الواسعة، ويجب أن يكون مباشرا وقليل الكلمات ولا يحمل معاني وتفسيرات أخرى غير العلم بالحدث نفسه.

 2- الكراسة: وهي شرح لحدث أو موقف من قضية ، ويجب أن لا تأخذ قراءتها وقتا يزيد عن النصف ساعة من الزمن لكي يسهل تداولها ونقلها بين الجماهير وكذلك حفظها في الذاكرة والتصرف بموجب تفسيرها للحدث الذي تتحدث عنه الكراسة [اي مثل هذه الكراسة التي هي بين أيديكم الآن].

 الكتاب: وهو المصدر الثابت للمعرفة ووسيلة للثقافة والعلوم الانسانية وبالتالي يجب الارتقاء باهتمامات الجماهير وتشجيعها على القراءة والمطالعة وخاصة الكتب الصادرة عن الدعاة السياسيين وقد حرصت التنظيمات السياسية على إدراج الكتب الصادرة عن مفكريها ضمن القائمة السنوية لأعضائها وإجراء النقاشات حول موضوعاتها أمام الهيئات المسئولة عن الثقافة الجماهيرية.

 3- الجريدة: وتأتي في مفاهيم وعلوم العمل الجماهيري في مقام موقع الندوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية المنعقدة على مدار الزمان ولذلك تحرص القوى السياسية على أن تكون لها جريدة يومية تحمل أخبار الشعب ومواقف التنظيم السياسي من الاحداث، والمواقف المحيطة بحركة الجماهير الشعبية وتسهم بشكل عميق في تثقيف المجتمع وتوجيه مساراته نحو البناء والتغيير.

 4- المواقع الالكترونية: حيث أخذ هذا الإطار الإعلامي موقعه حديثا في دائرة المعرفة الانسانية ولذلك يجب أن تكون المواقع الخاصة بالعمل الجماهيري تحت مسؤولية وسيطرة الدائرة الإعلامية المركزية للتنظيم السياسي، وبين أيدي خبراء ومختصين في العمل الفكري والإعلامي وإخضاع هذه المواقع الى أدق حالات الرقابة والتوجيه القيادي.

 إن العمل الجماهيري وفي الوقت الذي يمثل فيه القدرة على بعث الحياة في الروتين الممل كما تحدثنا في بداية هذه الكراسة فإنه يمثل الحالة الإبداعية لأبطال الشعب الذين يكتسبون الخبرة السياسية في العمل العام من الجماهير مباشرة ويقومون بعملية التقييم والتصحيح لنشاطهم أمام الجماهير وبصورة علنية مكشوفة بعيدا عن إرهاب .الشامتين وخوف الطامعين..

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s