ما هو سبب التخلف في العالم العربي ؟؟

ما هو سبب التخلف في العالم العربي ؟؟

بقلم : د.ندا الغاد

سؤال شغل وانشغل كثيرون في محاولة الاجابة عليه ، ودون الدخول في تفاصيل الاراء المتعددة التي احتوتها مئات الكتب في تحديد اسباب التخلف في بلادنا ولكل منهم مبرراته وحيثياته فانني اقدم رؤيتي للاجابة على هذا السؤال من خلال ملخص لدراسة شاملة حول الموضوع استغرقت مني عامين تقريبا .

حيث وجدت ان معظم ما ذكره الباحثين من اجابات على هذا السؤال كان عبارة عن فروع لسبب رئيسي واحد وهو :  طبيعة نمط الانتاج الاقتصادي لبلاد العرب عبر القرون.

فبلادنا من المحيط الى الخليج عاشت نفس الظروف الاقتصادية على مدى اكثر من 14 قرنا،  تجمد فيها نمط الانتاج الاقتصادي عند نمط الانتاج الزراعي ، والانتاج شبه الرعوي ، ووكلاء للسلع الاجنبية .

ولما كان نمط الانتاج الاقتصادي هو القاعدة والاساس الت يتكون على ضوءه المؤسسات السياسية والطبقية والثقافية والقيم والعادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية فاننا نستطيع ان نقرا بوضوح سبب تخلف بلادنا العربية.

الموضوع على الفيس بوك  

https://www.facebook.com/groups/344581335642063/344597238973806/?notif_t=group_comment

نمط الانتاج الاقطاعي يخلق النظام السياسي الاستبدادي      

رغم ان علم الاجتماع قد اكد خضوع الطبقات الاجتماعية، لقانون موحد وهو التناقض والصراع ، الا ان هذا القانون لا يتخذ شكلا واحدا، ولا يتخذ الصراع بين الطبقات أسلوبا محددا في جميع الحالات . فالطبقات الاجتماعية  في عصر الاقطاع لم تأخذ شكلها النهائي والواضح كما هي عليه الحال في المجتمعات الصناعية الكبرى حيث تتبلور الطبقات الثلاث الاثرياء (البرحوازية) والطبقة الوسطى (البرجوازية الصغيرة) والطبقة الفقيرة ولكن في المجتمعات الزراعية التي لم تدخل بعد إلى المرحلة الصناعية ،فالصراع الاجتماعي لا يأخذ شكلا مكشوفا (صراع طبقي واضح) بل يجري الصراع عبر قنوات أخرى كالدين أو اللون أو العرق أو اللغة.

فإذا كانت المجتمعات الرأسمالية تعرف بروز طبقات اجتماعية ويدرك أعضاؤها الصراع فيما بينهم كصراع اقتصادي وسياسي واضح، فإن المجتمعات الاقطاعية عرفت أشكالا أخرى من التنظيم الطبقي لا يظهر فيها الصراع بشكل اقتصادي مباشر أو سياسي واضح وإنما يعبر عن نفسه من خلال القنوات الثقافية والإيديولوجية.

وهناك تقسيمات متعددة يتسم بها المجتمع الاقطاعي (الانتاج الزراعي) منها :

اولا :  نظام المراتب les orders) : ) وهو نظام يقسم الناس فيه إلى مراتب حسب أنسابهم وأصولهم الإثنية، أو موقعهم من السلطة، أو تخصصهم في إطار تقسيم العمل الاجتماعي. ويؤدي الانتماء إلى مرتبة ما إلى الحصول على امتيازات اقتصادية، ومكانة اجتماعية تترجم على شكل رتب وألقاب. (رجال الدين، قادة الجيوش، كبار التجار، الامراء وابناء القبيلة الحاكمة)

ثانيا :  نظام الطبقات المغلقة Le système des castes) ) وهو نظام تتحدد فيه المرتبة الطبقية والمكانة الاجتماعية والسياسية بالانتماء إلى مجموعة عرقية أو خط نسب معين. ولا يمكن في هذا النظام الانتقال من طبقة مغلقة إلى أخرى إلا بالشروط التي يحددها النسب والقرابة الدموية. 

وهذا النظام الاستبدادي يرفض بشكل تام بل ويحرم الديمقراطية والحرية وخصوصا حرية الكلمة والاعلام .. لذا تم تحريم الاجتهاد منذ مطلع العصر الاموي .. وتعمق المنع وتقنن في كتب في العصر العباسي وفي العصور التالية ..

 ومن طبيعة النظام المستبد ان نقنصر مصادر المعرفة من طرف النظام وعبر ادواته من رجال الدين ممن تم رفع شانهم الى مستوى علماء وجب اتباعهم ومن يخالفهم او من يجروء على الاجتهاد خارج المنظومة السلطوية فهو زنديق وملحد وكافر وجب عليه القصاص. (ملاحظة :معظم علماء وفلاسفة الاسلام تم زندقتهم).

 

الهجرة من الريف الى المدينة

ويترتب على النظام الاستبدادي تركيز التنمية في المدينة التي يقيم فيها الخليفة والمدن الكبرى التي يقيم فيها الامراء حكام الاقاليم ويهمل الريف على جميع الاصعدة (باستثناء الخطاب الديني ) فيسوده الفقر والجهل والمرض والاوبئة والاساطير والخرافة مما يدفع سكان الريف على تعظيم القبيلة والعشيرة والاسرة بسبب حاجتهم الى بعضهم البعض لمواجهة قسوة ظروف الحياة .. فتكون العلاقات الاساسية في الريف كما هي في البادية فائمة على تعظيم علاقة الدم (القرابة)

وبسبب حالة الفقر والبؤس يقوم اعداد من الريفيين الى المدينة .. بحثا عن فرصة عمل .. وايضا يهاجر سكان الريف الى المدينة بطلب من اهل المدن الباحثين عن ايدي عاملة رخيصة .

وكان لهجرة سكان الريف الى المدينة ان دمرت المدن العربية ذاتها .. حيث شكل من هم من اصول ريفية اغلبية سكان المدن (الاحياء واحزمة الفقر التي تحيط بالمدن الكبرى) فشكلوا ضغطا هائلا على البنية الاساسية في المدن وشكل التنافس فيما بينهم لارضاء اصحاب الاعمال نوعا من الخضوع والعبودية التي رأوها افضل الف مرة من العودة للريف البائس فخلقت طبقة ذليلة خاضعة مطواعه ..

لكن الاخطر من ذلك والذي ترتب على هجرة سكان من الريف الى المدينة ان ثقافة الريف والقرية والبادية القائمة على علاقة الدم (القرابة) كانت السبب الرئيسي في انتشار الواسطة والمحسوبية والرشوة .. حيث منحت الافضلية دائما في الوظائف او في فرص العمل للاقرباء وساد قانون (انا واخوي على ابن عمي وانا واخوي وابن عمي على الغريب).

ومن الامور العلمية ان الانسان يحتاج الى ثلاثة اجيال حتى تتغير ثقافته فالمهاجر الاول لا يتغير ابدا اما ابنائه فتتغير نصف ثقافتهم اما احفادهم فيكونوا مدنيين بالكامل ..

وهكذا سادت ثقافة الريف في المدن الكبرى ومع توالي الهجرات ظلت العواصم والمدن العربية الكبرى ليست اكثر من قرى كبرى وادى ذلك الى تخريب اجهزة الدولة وزيادة الخضوع لسلطة الحاكم او وكلائه .. خصوصا وان الهجرة لم تتوقف عبر التاريخ. وواصلت انظمة الاستبداد مهيمنة ومسيطرة حتى اللحظة في جميع بلاد العرب.

الحروب في المنطقة في العصور الوسطى

الاقتصاد كان ايضا هو السبب الرئيسي لحروب العصور الوسطى حيث المصدر الرئيسي لموارد الدول في العصور الوسطى (عصر الاقطاع) كان التوسع واحتلال البلدان الاخرى والسيطرة على مواردها والحصول على العبيد (قوة العمل الرئيسية ومصدر القوة العسكرية في تلك العصور) فقد شهدت بلادنا حروبا لم تنتهي ولم تتوقف .. ولم نعرف الاستقرار يوما في حياتها .. فبدلا من قيام الحكام بتطوير اقتصادات بلادهم لتلبية الاحتياجات المتصاعدة كان الغزو هو الوسيلة الاسهل والمتعارف عليها انذاك .. وادت هذه الحروب الى ملايين الضحايا وتدمير مقدرات بلادنا فمن اهم صفات المديح والاطراء لحكام العرب تلك الت يتشيد بحروبه وفتوحاته .. وبذلك ظل نمط الانتاج الاقتصادي متخلفا باستثناء فترات محدودة جدا .. ويعتقد الكثيرين ان الحضارة والتحضر هي بالمباني والقصور .. علما بانها من الناحية الاقتصادية هذه المظاهر تدخل في بنود الاستهلاك وليس في بنود الانتاج .. وللانفاق عليها كما سبق وقلنا كانت الحروب والغزوات وليست تطوير وسائل الانتاج والتنمية الاقتصادية . وكان الفاتحين من أي جنسية كانت يخضعوا اهل البلاد بالقوة والقهر ويستولوا على مقدرات وخيرات البلد تحت بنود تزيد عن العشرين بندا مما يعرف الان بالضرائب .. حتى ان الاستعمار العثماني كان يفرض على بلاد العرب المحتلة نحو 27 نوعا من الضريبة وتابع النظام المتبع منذ العصر الاموي ببيع قرى باكملها لاحد لمقاول يدفع مقدما قيمة الضرائب ليقوم في نهاية السنة بجمع اضعافا مضاعفة لها من الفلاحين . واستمرت هذه الحال حتى بداية عصر الاستقلال الوطني من الاستعمار الاوروبي بدءا من مصر ثم سوريا والعراق وتبعتهم باقي البلدان .

الاستعمار الاوروبي الحديث

بعد سقوط الدولة العثمانية الثيوقراطية الاستبدادية بعد الحرب العالمية الاولى تفائل العرب بالانتقال الى عصر الحرية والاستقلال لكن امانيهم تلك لم تتحقق اذ فوجئوا باتفاقية سايكس بيكو وتقسيم الدول العربية الى دويلات تقاسم الاستعمار الفرنسي والبريطاني والطلياني الهيمنة عليها .. وكان الدافع ايضا اقتصاديا وهو هذه المرة ليس الحصول على الارض والفلاحين (العبيد) وانما كان المطمع الاقتصادي هو اكتشاف النفط في المنطقة الذي اعتبر اكبر ثروة بشرية في التاريخ وفي سياق تحقيق سيطرة دائمة ومستدامة على منابع النفط تم تاسيس دولة الكيان الصهيوني لتكون بمثابة شرطي المنطقة بعد الانسحاب العسكري للقوات الاوروبية من البلاد العربية .. وفي ظل الاستعمار الاوروبي ظلت اقتصادات البلدان العربية تقف على هامش عصر البداوة وهامش عصر الزراعة وهامش التجارة التي انتعشت من خلال طبقة وكلاء السلع الاوروبية ومنتجاتها .

فيما ظل الريف مهمشا فقيرا ضعيفا مريضا موبوءا كما كانت عليه الحال في كل العصور السابقة .. وظلت الهجرة من الريف الى المدن .. وظلت ثقافة الريف القائمة على علاقة الدم هي الناظم للعلاقات الاجتماعية في المدينة والريف واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية والرشوة بتشجيع من المستعمر الجديد لصالح طبقة متحالفة اتحدت مصالحها مع مصالح المستعمر ..

مرحلة الاستقلال القومي

انطلقت ثورات الاستقلال القومي في مطلع الخمسينات من بين ابناء الطبقة الوسطى بدافع وطني وليس بدوافع اقتصادية حيث اقتنع شبابها انذاك ان كافة مظاهر وظواهر التخلف سببها الاستعمار وعملائه المحليين .. ونجحت الثورة المصرية بالتحرر من الاستعمار البريطاني ثم توالت الثورات لتعم مختلف بلاد العالم العربي بدافع وطني بالدرجة الاساسية ولم يكن لدى الثائرين أي موقف او رؤية او دوافع اقتصادية.

وقد بذلت طبقة العسكر (الوطنية) جهدا كبيرا في تحقيق درجة من التنمية الاقتصادية لادراكها على ضوء الفكر الماركسي ونجاح الثورات في روسيا والصين ان الاستقلال الاقتصادي هو الشرط الشارط للاستقلال السياسي .. وحققت بعض الانجازات في مصر على وجه الخصوص وبدت علامات على امكانية الانتقال التاريخي من عصر الاقطاع والعصر الزراعي الى عصر الانتاج الصناعي الحديث ووفر التعاون مع الاتحاد السوفياتي دافعا قويا للتقدم في هذا الطريق .. وشهدت تلك الفترة بوادر نهضة شاملة على جميع الاصعدة العلمية والثقافية والفكرية والفنية والادبية وتطوير وسائل الانتاج الزراعي ومكننة بعضها وبناء عدد من المصانع الكبرى والجامعات والمدن الجديدة الخ.

لاحظوا انني اعتبرت هذه الفترة محاولة لبداية عصر نهضة ولم اعتبر فترة محمد علي انه عصر نهضة لان فترة محمد علي لم تخرج من اطار عصرالاقطاع الزراعي . لذا فلم تكن تلك الفترة تحمل أي بوادر لتغيير جذري.

وهنا ومع بوادر ظهور نهضة حقيقية جاء دور الشرطي الذي زرعه الغرب الاستعماري ليحول دون أي امكانية لتحقيق استقلال حقيقي وناجز فتحالفت اسرائيل والغرب وحلفائهم في المنطقة على الاطاحة بالثورة المصرية وكانت النحاولة الاولى في عام 56 لكن زخم الثورة الشعبي انذاك حال دون ذلك .. الى ان تمكن الحلف الاسرائيلي الاوربي الامريكي (الجديد) والحلف الرجعي الاقليمي من الاطاحة بالثورة المصرية عام 1967 ..

ملاحظة : يتبع قراءة في عرض السمات الرئيسية للمجتمعات العربية في العصر الراهن على ضوء ما سبق من عرض لسبب التخلف الرئيسي لهذه المجتمعات.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s