مصطلحات خاطئة شائعة

حوار مع صديق:

مفاهيم خاطئة لمصطلحات شائعة في خطاب المثقف العربي

علق الصديق على ما نشرته امس تحت عنوان : “من المصطلحات المستخدمة الخاطئة ” مصطلح “المجتمع المعرفي”

وها انا احاور صديقي ..

اولا : ما هو تفسير كلمة مجتمع ؟؟

يقول الصديق .. صحيح انه لايوجد مجتمع معرفة مكتمل (100%) في اي دوله الى حد الآن…ولكن يوجد مجتمع معرفة مثلا” بامريكا او اليابان مجتمع معرفي بنسب معينه ومتفاوته…

وفي هذه الفقرة توجد كلمة معرفة مرتبطة بالمجتمع .. وحتى نتوصل الى قراءة واضحة لما جاء في الفقرة اعلاه يجب تعريف كلمة مجتمع .

تعريف المجتمع هو انه مجموعة من الناس تعيش في مكان واحد تربط ما بين افراده مجموعة نظم وقواعد واعراف وقوانين وقد يكون المجتمع بدائيا او متطورا او عالي التطور او فائق التطور ..

ودرجات التطور مرتبطة من حيث الجوهر بنمط انتاجه الاقتصادي كون هذا النمط هو الذي يفرز القوانين والتقاليد والاعراف والقيم والسلوكيات والثقافة للمجتمع باكمله .

ولما كان الصديق استخدم اسماء دول (امريكا او اليابان مجتمع معرفي) فانه يقصد بكلمة المجتمع هنا الشعب .. وهذا على الاغلب ما يعنيه الجميع عند استخدام كلمة مجتمع ..

والشعب يضم فئات متعددة من الناس الافراد .. غني وفقير .. صحيح الجسم ومريض عالم وأمي مهندس وعامل بناء طبيب وممرض رائدة فضاء وعاملة في كوفي شوب فلاح ومهندس زراعي عامل ومهندس صناعي .. الى اخر تصنيفات مهن ودرجات التعليم ومستويات الصحة وتفاوت المعارف ..

فهل يمكن الغاء كل هذه التفاوتات بين ابناء المجتمع .. ويصبح مجتمعا موحد المعارف .. لنطلق عليه صفات مثل مجتمع زراعي مجتمع صناعي مجتمع معرفي.. ؟؟

اليس الدقة تتطلب ان يقال مجتمع اقتصاده زراعي (أي انه مجتمع يقوم اقتصاده على معرفة قواعد الصناعة) .. او مجتمع اقتصاده صناعي (أي انه مجتمع يقوم اقتصاده على معرفة قواعد الصناعة) أو مجتمع اقتصاده يقوم على معرفة كذا؟؟

ما هي سمات العصر الجديد

لان معنى كلمة (معرفة) هي تعبير شامل عن جميع فروع المعارف (أي المعلومات والبيانات ) وهذه المعارف ومفردها معرفة تتفاوت بين البشر بشكل هائل فمنها البدائي المكتسب تلقائيا، ومنها الارادي المكتسب عبر الجهد ،.. وما بين اضعف مستوى من المعرفة واعلاها مسافة هائلة الاتساع .

كما ان انواع عديدة جدا للمعرفة (المعلومات والبيانات) منها ما يتعلق بتربية الدجاج او الماشية او صيد الاسماك او الفضاء او الطب او التاريخ او الفيزياء او الكيمياء او الفن او الرياضة او تربية الاطفال او الصحة العامة او معارف المطبخ

وفرع المعرفة الذي يقفز قفزات هائلة في هذه المرحلة التاريخية هو فرع “المعرفة الرقمية” أي استخدام الارقام في انتاج الخيرات فجميع تقنية الاتصال والتواصل التي هي عماد الاقتصاد الجديد تقوم على اساس (رياضي اساسه الرقم) ..

اذا نحن امام فرع (جزئي) من المعارف هو “المعرفة الرقمية” .. وكما كان العصر الصناعي التقليدي الذي تشهد بعض الدول اخر مراحله (امريكا واليابان وبدرجة اقل بعض الدول الاوروبية) كان عصر “المعرفة الصناعية” .. وكذا الامر مع دول (مجتمعات) ما زالت في عصر “المعرفة الزراعية”

وكما دخلت معارف الالكترون والذرة والاشعة في مكونات الاقتصاد الصناعي .. فان ذات المكونات اصبحت القدرة اكبرلاستخدامها بكفاءة اكبر مع المعرفة الرقمية لتصبح (الشريحة) وهي قطعة تصغر (حتى لا ترى بالعين المجردة) او تكبر عبارة عن تجمع رقمي هي المكون الرئيسي في الانتاج الجديد في عصر المعرفة الرقمي.

واذا كان تم ازالة كلمة المعرفة من العصر الزراعي او العصر الصناعي فانه ممكن ايضا ازالة كلمة المعرفة من عصر المعرفة الرقمية ليصبح اسمه الصحيح العصر الرقمي او عصر الشريحة (الشفرة الثنائية التي تقوم على الصفر ، الواحد) وهي عبارة عن شريحة الكترونية يتم تخصيصها حسب الحاجة للقيام بعمليات معالجة البيانات التي يتم ادخالها في الجهاز لتقوم بعمليات حسابية (منطقية علمية) للحصول على المعلومات او اداء المهمة المطلوبة وهذه الشريحة الالكترونية لو قلنا في كمبيوتر لاب توب بملايين الترانزستورات (مفاتيح التبديل) في داخل الجهاز عبر الاشارات الكهربائية الالكترونية .. والترانزستورات هي عبارة عن بوابات الكترونية تفتح وتغلق بالاعتماد على الجهد الكهربائي الذي يمر عبرها نتيجة سريان التيار الكهربائي (الالكترونيات) ومن الجدير ذكره ان أي جهاز كمبيوتر يحتوي على معالج (المعالج الصغرى ويتكون 1 – وحدة التحكم (CU) 2 – وحدة الحساب والمنطق (ALU ) 3 – وحدة الادخال والاخراج (L/O) ..

اذن الابداع في العصر الجديد يقوم على الابداع البرمجي للشرائح الالكترونية (الشفرة الثنائية صفر ، واحد)

واذا كان تم التعارف او الاتفاق على تسمية العصور السابقة بعصر الزراعة او عصر الصناعة فذاك جائز لان الصناعة جزء من المعرفة ولان الزراعة جزء من المعرفة .. لكن ان يطلق على عصر بانه عصر المعرفة دون ربط المعرفة بنوع الانتاج ففي ذلك خطأ كبير لان المعرفة شاملة ما يعرفه الانسان وما لا يعرفه بل ان معارف الانسان هي جزء ضئيل جدا من معارف الكون .

سبب اخر لعدم الدقة

وهناك سبب اخر لعدم دقة التسمية “مجتمع المعرفة” وهو ان التطور لن يتوقف عند الحدود الراهنة حيث سيكون ومن المؤكد عصرا اخرا جديدا بعد عصر المعرفة الرقمية لان كل تطور لا بد وان يمهد لتطور جديد .. فاذا اطلقنا على العصر الجديد الذي يتم بناء قواعده وتثبيتها حاليا مجتمع المعرفة او عصر المعرفة (بدون تحديد صفة المعرفة).. فماذا سنطلق على العصر الذي يليه .. وهو من المحتوم ان يقوم ايضا على المعرفة ولكن بفروع اخرى ..

اذن الاعتراض على التسمية نابع من كون كلمة المعرفة هي تعبير شامل يشتمل على مئات التفرعات .. فيما أي تطور في أي فرع من فروع التعليم ومن ثم الانتاج هو تطور في فرع من فروع المعرفة

يبقى سؤال واحد وهو .. وهل عندما يتطور فرع من فروع المعرفة ألا ينعكس على باقي الفروع .. ؟؟ والجواب نعم ينعكس ويطبعه بطابعه ولذا يسمى العصر بفرع المعرفة التي تصدرت فروع المعارف الاخرى وطبعت باقي الفروع او معظمها بطابعه.

لذا فان المجتمع الامريكي او الياباني يا صديقي اصبح على ابواب عصر جديد هو عصر المعرفة الرقمية (عصر شريحة الشفرة الثنائي صفر – واحد ) ومن الخطأ استخدام تعبير “عصر المعرفة” فقط ومن الخطأ ان نقول “مجتمع المعرفة”

الشفرة الثنائية

ويقول الصديق .. ولكن من الممكن الوصول الى هذا المجتمع المنشود..والذي يعني ان يكون الاقتصاد معرفي الذي يعتمد على راس المال الانساني وليس على الثروات الطبيعيه التي تنتج دون تدخل حقيقي تحويلي لها من قبل العقل الانساني…

اي يعتمد على عمال المعرفه الذين يعتمدون على القدرات الذهنيه والمهاريه..اي على الجهد العقلي بدلا” من الجهد العضلي..وستصيب البطاله كل من لم يتحول الى عامل معرفي…

في الجملة السابقة يتضح الخلط في استخدام عبارة “الاقتصاد المعرفي” فكما اوضحنا سابقا انه اقتصاد يقوم على واحد من فروع المعرفة وهي المعرفة الرقمية باستخدام الالكترون (المعروف مسبقا) في انتاج البرامج الالكترونية .

كما ان الاقتصاد الصناعي لا يقوم على الثروات الطبيعية بل يقوم ايضا على احد فروع المعرفة وهو معرفة صناعة الالة وتوظيفها في الانتاج .. اما عبارة “راس المال الانساني) فهي ايضا تعبير غير سليم فلا يوجد شيء اسمه راس المال الانساني فراس المال هو المال ذاته او ما يعادل المال .. وسيظل الانسان في العصر الجديد الذي تسمونه خطأ عصر المعرفة ينقسم الى بشر يعرفون بمستويات عليا علوم فرع المعرفة الرقمية فيبدعون الفكرة ويضعون قواعد انتاجها وعمال ينفذون او يطبقون التنفيذ بشكل جزئي وفق ما يتطلبه تقسيم العمل .. سيظل العامل البسيط والعامل الفني بدرجة متواضعة والعامل الفني بدرجة اكبر والمهندس والمشرف والمدير .. ولكل عمله الذي يتقنه (والاتقان مرتبط بالمعرفة أي بحجم المعلومات والبيانات التي يحصل عليها الانسان)

ولن يكون كل البشر يعملون بقدرات ذهنية .. فمن يعمل بقدراته الذهنية هم المتفوقون من العلماء والمخترعون والمبدعون .. فيما سيعمل الاغلبية اعملا يدوية في تركيب الترانزسترز والشرائح والتوصيلات وستظل هناك مصانع تعمل في صناعة الشرائح والالواح والاجهزة .. ومصانع للسيارات والمكيفات والبرادات والهواتف والمكانس الكهربائية .. سيظل المجتمع متعدد الصناعات لكن الجديد هو ادخال الشرائح ثنائية الرقم صفر – واحد في هذه الصناعات .. وسيظل الجهد العضلي موجودا مع تغير معدلاته ومستوياته واختلاف مهماته ..

لكن الجديد الذي سيظهر في العصر الجديد هو تراجع الاعتماد على البشر في الانتاج وزيادة الاعتماد على الالة .. مما سيلقي بملايين البشر في قوائم العاطلين عن العمل ..

وبالتالي فهو ليس عصر الجنة الموعودة لكل المجتمع وناتجه الرئيسي سيذهب الى القلة من الناس فيزدادون ثراء ويزداد الفقراء فقرا .. حتى ان بعض التوقعات تقول ان نحو 80 بالمائة من سكان الارض سيعيشون على المساعدات الاجتماعية في النصف الثاني من القرن الحالي .

معنى العولمة

يقول الصديق .. الى جانب ان مجتمع المعرفه جاء ليصلح كل ما افسدته العولمه او ما افسده مجتمع المعلومات او المجتمع الشبكي …

يبدو ان كلمة عولمة هنا كانها تعبير عن شيء ضار او مخالف للطبيعة البشرية علما بانها تعني “حرية التجارة” وتخفيف القيود الجمركية وافساح باب المنافسة في سوق موحد يشمل الاسواق العالمية بأسرها .. وهذه العولمة “حرية التجارة” مسالة ليست جديدة على البشرية .. فهي موجودة منذ الازل .. ومارسها المصريون القدماء واليونانيين والرومان والمسلمين والبزنطيين والاسبان والبرتغاليين والاوروبيين واليابانيين وفي هذا العصر يقف في راس الهرم الامريكان .

ففي كل مرحلة من مراحل التاريخ سعت الدول القوية الى فتح اسواق لمنتجاتها ولم يكن العدل في أي منها هو الشرط او القاعدة الت يتحكمها بل ان القوة الاقتصادية المدعومة بالقوة العسكرية هي التي تدعم التجارة الحرة (وحريتها تفرضها السلع الاقوى جدودة والارخص سعرا كما تدعمها القوة العسكرية.

اذا فان اعتبار العولمة وكانها عصر جديد او اكتشاف جديد او الية جديدة في التجارة هو استخدام غير دقيقي .. وهذا لا يعني انه كما في كل العصور ضرورة الكفاح ضد طغيان السلع الافضل والارخص كونها تدمر فرص الانتاج المحلي وتضعف بل تلغي أي قدرة له على المنافسة ..

وبالتالي فان التطور الذي تشهده بعض الدول المتقدمة ويهيئها لعصر جديد من الانتاج المتطور سوف يزيد من يزيد من عولمة الاسواق ولن يقضي عليها وسوف يزيد من “الافساد” واختلال ميزان القوة ولن يقلص منه وسوف تزيد حاجة الدول المتخلفة الى منتجات الدول المتقدمة ولن تتراجع .. وسوف تتقلص منتجات الدول المتخلفة ولن تتطور .. وكما تستورد الدول المتخلفة معظم احتياجاتها بما فيها الطعام من الدول المتقدمة فسوف تستمر في ذلك ..

اما استخدام تعبير مجتمع المعلومات او المجتمع الشبكي فهو استخدام في غير محله ايضا فلا يوجد مجتمع اسمه هكذا .. فالمعلومات هي المعارف والمعارف كلية وشاملة ولا يمكن كما سبق وذكرنا ان تقتصر على فرع دون اخر ..

اما تعبير مجتمع الشبكات .. فلا اجد له تفسيرا واقعيا اللهم الا اذا كان المقصود به نشاط شبكة الانترنت وهذا النشاط سوف يزداد ازديادا هائلا مع تطور علوم المعرفة الرقمية لتصل الشبكة الى جميع سكان الارض كما اعلنت احدى الشركات الكورية الجنوبية قبل ايام قليلة .. وكما اعلنت جوجل قبل ايام من انها ستطلق مناطيد في السماء فوق المناطق النائية في الدول الفقيرة لتوصيل شبكة الانترنت اليها .

اننا بامس الحاجة الى العلم وفي مقدمة العلوم التي نحتاج اليها هو علم المصطلحات حتى لا يكون خطابنا خليطا عجيبا من مصطلحات لا تتطابق مع الواقع العلمي للواقع ..

مواصفات المجتمع

يقول الصديق .. فهناك مجتمعات معرفية وليس مجتمع واحد حتى في اطار الدوله الواحدة .

لقد تم شرح معنى معرفة وتبيان عدم صحة القول “مجتمع معرفي” وبالتالي الصحيح ان يقال هناك معارف متنوعة داخل المجتمع الواحد في اطار الدولة الواحدة .

يقول الصديق .. لان مجتمع المعرفة يشجع التنوع في الثقافات وما تتضمن من قيم وتراث وغيرها من الخصوصيات فهو يعمل على اعداد انسان قادر على الحفاظ على هويته وجذوره ويتماشى ويساهم ببناء الحضاره المحليه والعالميه…وهذا يعني الحفاظ على كيان الانسان وعدم التأثر السلبي بتقنيات الاتصال والتفاعل الاجتماعي الافتراضي…

ايضا يستخدم الصديق تعبير “مجتمع المعرفة” الذي تعرضنا له مرارا واكدنا عدم دقته .. لكن كما يبدو ان قصد الصديق هو (المجتمع الذي يستخدم معارف متقدمة) يشجع التنوع … الى اخر الجملة..

وفي ذلك خطا شديد .. حيث ان التطور في الانتاج لا يشجع على التنوع في الثقافات بل انه يشجع على هيمنة ثقافة الدول المتقدمة لتحل محل ثقافة الدول المتخلفة بما فيها من خصوصيات وتراث .. بل ان التطور في نمط الانتاج يقضي على الثقافة القديمة في البلد التي تطور انتاجها وتحل ثقافة جديدة تتناسب والتطور في نمط الانتاج .. وتطور الانتاج وما يصحبه من فتح للحدود يخلق انسنا عالميا بهوية جديدة ويحيل جذوره الى متاحف التاريخ اتصبح صناعة تدر دخلا .

اما بخصوص المساهمة ببناء الحضارة المحلية والعالمية فهذا صحيح نظرا لتوحد الهوية نسبيا ولتوحد الثقافة ايضا نسبيا

لكن الحديث ان ذلك سيؤدي الى عدم التاثر بتقنيات الاتصال والتفاعل الاجتماعي الافتراضي… ففي ذلك خطأ كبير .. بل العكس هو الذي سيحدث فيزداد التواصل ويزداد التاثر .. ويزداد دور وتاثير شبكات التواصل الاجتماعي .

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s