المرحلة الانتقالية بين الديكتاتور ومشروع الديكتاتور!

طارق مصاروة

 

لم تنضج المرحلة الانتقالية في مصر، وفي تونس بين عهد مهترئ متقادم، وعهد جديد له أشواقه الديمقراطية، ونزعاته التحررية، وآماله بحياة مستقرة آمنة.

 

وعدم نضوج المرحلة لم يكن بسبب عدم نضوج قوى الثورة، والنقص في فهمها لمتطلبات مرحلة البناء والتوافق والمسيرة الواحدة، كما كانت في ميدان التحرير أو شارع بورقيبة، وإنما لأن هناك، من داخلها، من يعتقد أنه مبعوث العناية الإلهية. وأن الآخر لا يملك أن يختطف الشارع، أو يختطف الأصوات الانتخابية، كما نجح في اختطاف الشارع بالتجييش، والاستحواذ على وسائل النقل، وادامة الوجبات الغذائية في وقتها.. وحتى عقد قران شاب وفتاة في ميدان التحرير من «الثوار»!!.

 

كان النموذج ما جرى ويجري في مصر. فقد اختطف الاخوان ثورة يناير، مع أن الآخرين تحملوا ثقل فتح طرائقها بدمائهم وجراحهم. واستطاعوا استغلال عدم خبرة أناس قادة مثل: البرادعي وعمرو موسى وغيرهم من الشباب في التجييش وحشد الجماهير. ثم ان جزءاً غير قليل من القوى المدنية فاضلوا بين مرسي وشفيق فوقفوا مع مرسي، خوفاً من العودة إلى حكم العسكر. وحين اتضحت الصورة أكثر بانتخابات مجلس الشعب والشورى، وبانتقاء اللجنة التأسيسية لوضع الدستور الجديد، اكتشف الجميع أن شركاءهم الإخوان «كاشوا» كل شيء كما يقول التعبير المصري البسيط العميق. وحين تمت محاكمة المرحلة الانتقالية برمتها وجدت المحكمة الدستورية أن انتخابات مجلس الشعب باطلة.. وأن كل شيء قابل للطعن أمام القضاء. فلم يجد الرئيس الإخواني غير «تحصين» قراراته وإعلاناته الدستورية، ورفعها عن سلطة القضاء لتصبح نمطاً من الأوامر والنواهي السماوية!!، «فتحصين» الأشخاص والأنظمة والقوانين يحدث في حالين: الأول الديكتاتورية غير المقنعة، والثاني في وضعها داخل المحرمات الدينية!!.

 

حماس مثلاً «كاشت» المجلس التشريعي الفلسطيني الذي اجري بموجب اتفاقات أوسلو والسلطة الوطنية، مع أنها في الأساس ضد أوسلو وضد مبدأ السلطة.

 

وألغت حماس حكومة الأكثرية النيابية مع أن هذه الحكومة ملتزمة بالتعامل مع الاحتلال، وملتزمة بالتنسيق الأمني، ومتفقة مع المساعدات الأميركية والأوروبية وقد كانت من الذكاء بحيث تركت كل «وسخ» التعامل مع الاحتلال لمنظمة التحرير ورئيس السلطة الوطنية وأجهزتها الأمنية وحين فتكت إسرائيل بياسر عرفات ودمرت بنية السلطة تدميرا كاملا لم تجد حماس ان ذلك يعنيها في قليل أو كثير.

 

إن حالة الاستحواذ واختطاف كل شيء يوصل إلى السلطة هو الذي وضع الرئيس مرسي وهيمنة الاخوان في هذا الوضع العاصف فالآخرون اتقنوا كما يبدو لعبتهم وصارت الحشود المعارضة اكبر من الحشود الاخوانية وكما حرق الاخوان دوائر الدولة والسجون ومراكز الامن وجد الاخوان من يهاجم مكاتبهم ويحرقها سواء بسواء.

 

يوم الجمعة وقفت احدى الفضائيات المعروفة وسط ساحة المسجد الحسيني لتصف كالعادة «مئات الآلاف» من المحتجين بسقوفهم العالية والواطئة لكنها اكتشفت ان هناك جماهير على الطرف الآخر من المسجد فاحتار المندوب ماذا يسميها حشود البلطجية او حشود المخابرات او الأمن فوجد أخيراً بضربة يد امام الكاميرا انها حشود الدولة، فبحكم العادة فان الشارع وساحة المسجد الحسيني ومجمع النقابات هي من أملاك الاخوان فإذا حدث ان هناك شيئا اخر غيرهم فان هذا الشيء ليس الشعب وإنما هو الدولة.

 

لا بأس ان يكتشف المغردون مع الربيع العربي مبكرا ان الدنيا ليست بهذه البساطة وان الاطاحة بالطاغوت لا تعني الديمقراطية وإنما قد تأتي بطاغوت آخر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s