في ثقافة الذل والخنوع ..!!

 

تتحدد ثقافة الخوف، بمثابتها نتاجا مكثفا مزدوجا للطغيان: طغيان السلطة الاستبدادية وطغيان الموروث الثقافي، عندها يدخل المجتمع نفق الرعب، القوة، البطش. وكلما ازداد البطش استفحالا ازدادت النفوس خواء وفقرا، وعندئذ كيف يمكن أن تكون الرقابة الذاتية ؟

وتتكون ثقافة الخوف من عدة عناصر، أهمها:

(1) – التفكير المزدوج، أي أن تعرف وأن لا تعرف، وأن يكون لديك في اللحظة نفسها وجهتا نظر متباينتان وأنت تعتقد، وتؤمن، بهما كليهما. مما يتيح لك الهروب من تفكيرك، وينقذك من ضغط الإكراه والخوف من الحرية.

(2) – خصوبة اللامتوقع، حيث يتبادل المجتمع وسلطة الدولة الحذر من مجهول آت غير محدد، ما دام المجتمع لا يحتكم إلى منظومة حقوقية قانونية تنظم علاقته بالسلطة. وبذلك فإنّ الخوف لا يقتل الأنا الأخلاقية في الفرد فحسب بل يقتل الأنا القانونية في داخله، ففي دولة غياب القوانين ليس كل شيء ممكنا فحسب بل أيضا يغدو كل شيء مستحيلا، وعلاقة الممكن بالمستحيل تحددها درجة القرب أو البعد من مصدر الخوف، فإذا كنت قادرا على التخويف فكل شيء ممكن، وإن كنت في دائرة مفعولية التخويف فكل شيء مستحيل، هكذا تتسع فضاءات خصوبة اللامتوقع.

ومن أمثلة ذلك أنّ منظمة العفو الدولية، في تقريرها لسنة 2007، ربطت بين الحرية والخوف، إذ أعلنت أنّ الحكومات القوية والجماعات المسلحة تعمد إلى إثارة الخوف من أجل إهدار حقوق الإنسان وخلق عالم يتسم بالاستقطاب والخطر على نحو متزايد. فقد قالت الأمينة العامة للمنظمة إيرين خان: ” إنّ سياسات الخوف تؤجج دوامة لا تنتهي من انتهاكات حقوق الإنسان، لا قداسة فيها لأي حق ولا أمان لأي إنسان “.

تجليات ثقافة الخوف

تؤثر ثقافة الخوف على الرقابة الذاتية للإنسان الفرد أو للجماعات من خلال عدة تجليات، من أهمها:

(1) – ثقافة الوصاية، التي تنزع إلى تعميم وعي زائف يخلق لدى الإنسان شعورا ملازما بالقصور والدونية، وبأنه عاجز أمام نخب مسؤولة عنه وشخصيات تكون موضع رعب وتهيّب كبيرين، مما يقوده إلى إهمال حقوقه المدنية والسياسية وازدراء دوره في الحياة العامة.

وإذ تحصر هذه الثقافة علاقتها بالسلطة الوصائية، بصفتها مرجعا أحاديا، فهي تتنكر لمفاهيم الاختلاف والتباين والنقد، إذ لا مكان فيها لطرح الأسئلة أو إبداء الشك، ما يقود في النهاية إلى تسطيح العقل وإشاعة اللاعقلانية في التفكير، وإلى قتل روح التجديد والمبادرة عند الناس، ومباركة الخنوع والتسليم والرضا.

لقد أتقنت السلطات العربية الوصاية على شعوبها، وتفننت في إبداع صورها، فأخذت من القضايا الوطنية ذريعة الحفاظ على السيادة والاستقلال ودرء الأخطار الخارجية، لتنصّب من نفسها مسؤولا وحيدا عن إدارة شؤون الوطن واحتكار الحق في التصرف باسمه، معتبرة أية مبادرة مجتمعية مستقلة خروج عن الطاعة أو طعن بالمقدس الوطني تستحق أشد العقاب.

(2) – ثقافة الحشد، باعتبارها تخديرا للقدرة على تحليل الوقائع، وفق معايير منطقية عقلانية، واندفاعا في اتجاه لغة الانفعالات والغرائز. فلا مجال فـي ” ثقافة الحشد ” للحوار الجاد والمجدي، لأنّ ما يسود هو لغة واحدة، بفعل تلقٍ وحيد الجانب لكلام يصدر عن ” قيادة ” هي فوق الشبهات. إنّ ما يصدر عن هذه القيادة ليست آراءا أو أفكارا بل هي أوامر ” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة “، لا بد من تنفيذها لأنها ” تختزن الحكمة والقدرة والقوة والفعل والحسم وكل مفردات الإمساك بوعي الآخرين وطاقاتهم الجسدية والفكرية “.

(3) – الخطاب الشعبوي، الذي يفتقر إلى العقلانية، ويقلل من أهمية الفكر الحر ويحط من شأنه. وتكمن وظيفة هذا الخطاب في التسويغ والتبرير، وطمس واقع الفروقات والاختلافات، واللجوء إلى التلفيق.

أسباب ثقافة الخوف

لثقافة الخوف أسباب عديدة، يمكن تناول أهمها كما يلي:

(1) – الموروث الثقافي والنظام التربوي والأبوي، إذ يتم تأصيل جذور الخوف في الموروث الثقافي، في مكونات الثقافة العربية، وثقافة السلطة، وهيمنة منهج النقل على منهج العقل، وتسويغ الواقع، والدفاع عن فقهاء الرأي الواحد، واستبعاد الآراء البديلة.

لقد اعتاد المربون والآباء على اختراع رعب ما، أو فزع ما، يخيفون به الصغار أو التلاميذ بالفزاعات المعروفة، وهي كثيرة: الشرطي، الجني، المراقب العام، الوالد، الحرمان من شيء مرغوب. ظنا منهم أنّ ذلك سوف يضبط سلوك الصغار.

وهكذا، فإنّ ثقافتنا قد انطوت على ” ثقافة الخوف ” من سلطات مخيفة، واحتلال إيديولوجيات غيبية للضمير والعقل، وشح مصادر المعلومات المستقلة، والرقابة على الإعلام، وقمع حرية التعبير، ونظم حكم تسلطية قائمة على الولاء.

(2) – الرقابة، ويمكن أن نصنفها في نوعين: أولهما، يتمثل في الرقابة الرسمية،‏ وهي الأشكال التي تجسدها ممارسات الأجهزة الرقابية للدولة في مجالاتها المتعددة‏.‏ وثانيهما، رقابة غير رسمية، تقوم بها المجموعات الموازية للدولة المدنية‏،‏ والمناهضة لها في الوقت نفسه‏.‏ وأغلبها رقابة دينية تمارسها مجموعات متنوعة تدّعي حرصها على القيم الدينية. وكلها لا تخلو من التعصب والتطرف، الذي يجعل من أي اختلاف بدعة ضلالة،‏ ومن كل اجتهاد نوعا من الكفر‏،‏ ومن كل إبداع إلحادا يستحق صاحبه العقاب الرادع‏.‏

وفي هذا السياق، يخطئ بعض الإعلام العربي عندما يمارس درجة عالية من الرقابة الذاتية باتت من مخلّفات الماضي. لأنه بممارسة ذلك النوع من الرقابة الذاتية، المفتعلة والقسرية، يظلم الخبر والمعلومة والتحليل، من خلال ممارسات الحظر والإلغاء والتحوير على المضمون الإعلامي، بشكل يشوّه المعلومة أو التحليل ولايمكّنهما من أداء دورهما المطلوب في المجتمع.

ومما لاشك فيه، أنّ أهم العراقيل التي تقف حاجزا أمام حرية الصحافة، في معظم الدول العربية، هي القوانين الجائرة التي تحد من إبداع الصحافي ومن عطائه، أضف إلى ذلك أنّ معظم قوانين النشر والمطبوعات وتشريعات الصحافة تفرض على الإعلامي ممارسة الرقابة الذاتية.

أما مشكلة المثقف العربي اليوم فهي الموقف الصعب ما بين قول كلمة الحق، وهذه هي مهمته الأساسية، وبين الخوف من انتقام السلطات، ولاسيما في الأنظمة الشمولية. فمما لا شك فيه، أنّ المثقف في ظل الأنظمة الاستبدادية، عاش ويعيش في خطر داهم، لأنّ ما تريده الأنظمة الاستبدادية والقمعية في أغلبها، هو أن يصبح من دعاة ذلك النظام أو ذاك، يُستخدم في دعاياتها السياسية والدفاع عن تصرفاتها القمعية، وأداة وظيفية في خدمة مشروعها.

وهكذا، فإنّ مشكلة المثقف العربي المعاصر تشبه مشكلة جده الثراثي، وهي تخليه عن أولويات الثقافة القائمة على الحريات والعدل والمحبة والتسامح، لصالح أولويات السلطة التي لا تنهض دون ربط وضبط وحزم يتحول – غالبا – إلى بطش وقمع.

(3) – الدولة الأمنية، وهو مصطلح شاع استعماله منذ سنوات في الأدب السياسي العربي للدلالة على بنية شاملة مستترة خلف بنية الدولة الرسمية المعلنة، وهو مصطلح يخرج من الحقل القانوني لتعريفات الدولة ويحيل إلى حقل دلالي خاص بعمل الأجهزة الأمنية وتسلطها الشامل على البلاد والعباد، وفرض سيادتها التي تنزع كل سيادة أخرى.

والأصل، في مفهوم النظام الأمني، شمولية الولاية على كافة مناحي الحياة والإمساك بإرادة مختلف الشرائح الاجتماعية، بداعي الرعاية والخلاص من أمراض الفرقة والتناحر، أي التعددية والاختلاف، لذلك قلما يطمح إلى كسب العقول والقلوب، وهي مهمة تفترض وتستدعي قوة المثال وصحة الإقناع، ويحصر مراده في اقتلاع جذوة المساءلة وسحق مظهرية الرأي المغاير، توسلا لالتزام لفظي يقتضي إعلانه من الفرد والجماعة وفق أجندة طقوسية تواكب مسيرة النظام الاستبدادي وتحتفل بمنجزاته.

ويرتاح النظام الأمني لحال السكون الطافية على سطح المجتمع، فهو لا يبغي تأييد المواطنين الضمني العميق، ولا يأبه بشعورهم الدفين، بل يتوخَّى مظاهر الولاء العلني. فالمهم، في المحصلة، بروز هيبة السلطة وانقياد الناس لها، إذ أنّ الخوف والخضوع الناجم عنه، والانضمام العفوي، أجدى وأفعل من القناعة والمبادئ، التي قد تتحول منبت طموحات وخطر مساءلة. وعليه، يستسيغ نهج الاستبداد سكوت الجماعة وانطوائية الفرد المسحوق في شخصيته، وإلا تكفلت الغرف المظلمة التابعة لأدواته الأمنية بتقويم الاعوجاج وإعادة الشاكي إلى دائرة الصمت و” التأهيل “.

إنّ الدولة الأمنية لا تكتشف لذاتها خصوصية، سوى خصوصية الاستبداد وإنتاج ثقافة الخوف. ففي كتاب ” سنوات مع الخوف العراقي ” (دار الساقي، بيروت، 2004) تختلط ذكريات هاديا سعيد، إذ تتذكر هذه السيدة اللبنانية سنوات بقائها في العراق مع زوجها في سبعينيات القرن الماضي، حيث تقول: ” لقد كنت أحد الذين عاشوا نوعا ” مخففا ” من الخوف داخل الجمهورية وخارجها مع أني لست عراقية .. ليس هناك بلد عاش كل من فيه خراب النفس والذرية كما عاشته بيوت بغداد، وليس هناك بلد أبيحت فيه كميات من الدماء وعدد من الرقاب والأوصال المقطوعة كما حدث في العراق، وليس هناك بلد عرف قهر الخوف وذل الصمت مثل العراق .. إنه خوف تحوّل بدوره في النفس من غريزي فطري إزاء الخطر إلى خوف إزاء كل لحظة وكل سؤال وكل كلمة وكل عبارة ! حتى غدا أصنافا عدة: الخوف من أن تُفهم خطأ، والخوف من أن لا تُفسَّر كلمة أو عبارة بغير المعنى الذي أردت استخدامه والتوصّل إليه ! والخوف من أن يودي مزاج متعكر لأحدهم ضد ما تفكر فيه ! والخوف من عيون مراوغة مخادعة تراقب، والخوف من شوارب سوداء كثّة تتحرك ويعلوها الغبار! والخوف من سؤال تسأله، والخوف المزدوج عن جواب تقوله على ذاك السؤال ! والخوف من جواب على سؤال يقتحمك شئت أم أبيت ! والخوف من رجفة أو تردد أو اعتذار ! خوف صنع عالما من الرعب في الدواخل الهشة إزاء جبروت أزلام السلطة ورجال الأمن والمخابرات “.

وهكذا، في ظل سيطرة الدولة الأمنية والإيدلوجية الشمولية يصبح التكوين الإنساني شاحبا، هشّا، ويتشكل مجتمع محكوم بمعايير الذل والتبعية والعبودية، وتخيم فلسفة التكاذب والخداع، ويرتهن المجتمع أسيرا لفكرة يملك سرها شخص واحد فقط، فيما يتحرك الجميع كدمى بين يديه، أو كظلال باهتة لحقيقته الغامضة، وتُشغَّل النخبة بتأويل أفكاره، ومدّها خارج الزمان والمكان من جهة، والسيطرة الكلية على المجتمع، وإخضاعه بالقوة لتلك التأويلات من جهة ثانية.

إن الإيدلوجية الشمولية تحتاج إلى تذكير أنصارها ومناوئيها بأنّ العقاب يلحق بكل من ينطوي على إثم الاختلاف، تضع الجميع موضع الشك والريبة، ويُفتك بكبار أنصارها بتهم كاذبة لكي يبقى الذعر متقدا في وسط الجميع، فلا يأتمن أحدٌ أحداً، ولا يعرف ماذا سيقع له بعد لحظة، فالترقب والقلق والخوف يحكم المجال العام، ويسود وعي زائف بالظواهر والمواقف، ويتوارى الوعي الأصيل بها. وسط هذا المحيط المشبع بالهلع تنشأ الأجيال الجديدة، وتُلقَّن على الطاعة، فتتوهم أنها بالامتثال لذلك إنما تنهض بمهمة تغيير تاريخي عظيم، لأنها بلا ذاكرة، ولا تعرف غير بعد واحد من أبعاد الحقيقة، بل إنها لا تعرف غير البعد الأكثر سوءا في تصرف الإنسان: الخضوع للنزوات والأحقاد.

إنّ الإيدلوجية الشمولية تكرّس مجتمعا ينقسم فيه الأفراد إلى قائد يأمر وبقية تطيع، وينتهي الأمر بوجود ” قطيع من البشر ” لا يفكرون إنما يشعرون وينفعلون فحسب، ويتحولون إلى أداة بيد القائد لتحقيق أهدافه وأفكاره، وينزلق الجميع، بفعل الخوف، إلى الخداع العظيم: الإغراء في لعب دور خيالي، وتدمير كل المزايا الواقعية والطبيعية للنفس البشرية، والإيمان المطلق بسرد مخصوص للتاريخ الوطني والقومي والديني، لا يقبل سواه، وتظهر نزعة تدمير كاسحة في الأفكار والسلوك.

وهناك ثلاثة أركان تقوم عليها الدولة الأمنية التسلطية، وتمكنها من إنتاج مجتمعها الجماهيري، هي: الإرهاب والإيديولوجيه والإعلام الموجه. وعدة مبادئ تضمن هذه الأركان وتعززها، هي: مبدأ الاحتكار الفعال للسلطة والثروة والقوة، واحتكار الحقيقة، واحتكار الوطنية، ومبدأ الغلبة والقهر، ومبدأ شخصنة السلطة، وعبادة القوة، أي تماهي الشخص والمنصب الذي يشغله، وانتقال قوة المنصب المادية والمعنوية إلى الشخص الذي يغدو مثال القوة والعظمة. وفي هذه الحال تحل الأوامر محل القوانين، والامتيازات محل الحقوق، والولاء والمحسوبية محل الكفاءة والجدارة والاستحقاق.

لقد حولت أجهزة الدولة الأمنية المجتمع إلى مجتمع الخوف المتبادل والريبة المتبادلة، وأخضعت النسيج الاجتماعي لمقاييس عملائها ومعاييرهم الأخلاقية التي هي معاييرها وقيمها. ولعل وظيفتها الأساسية كانت ولا تزال محاولة السيطرة على تعددية المجتمع والفروق والاختلافات اللامتناهية بين الكائنات البشرية، وهذا غير ممكن إلا بتقليص جميع المواطنين إلى هوية واحدة ثابتة وخاوية قوامها ردود الفعل الغريزية، وتقليص حريتهم إلى مجرد الحفاظ على النوع.

ولا تقوم الدولة الأمنية دون ثقافة أمنية حاضنة لها وراعية لمبادئها وضامنة لإعادة إنتاج مفرداتها وآليات اشتغالها بصورة تلقائية لا تحتاج سوى إلى قليل من التدخل والصيانة، ليبقى كل شيء على حاله يُنتِج اللاشيء المزيّن بأضواء مبهرة. فالدولة الأمنية لا تنبني فقط على المؤسسة المخابراتية بفروعها المختلفة، ولا يكفيها أو يضمن استقرارها وجود حزب كثير العدد داعم للمؤسسة الأمنية، إنما هي بحاجة إلى ثقافة أمنية بالمعنى الواسع للكلمة، ثقافة تقوم المؤسسات الرسمية والأهلية بإنتاجها، ولا يقتصر ذلك على المؤسسة التعليمية وإن كانت تشكل القاعدة في بناء الثقافة الأمنية، إنما يتعداها إلى جميع البنى لتغدو الثقافة الأمنية ممكنا وحيدا في ظل الاستبداد.

فما هي أهم سمات الثقافة الأمنية ومظاهرها ؟

(1) – هي ثقافة منفصلة عن الواقع وقضاياه، ثقافة تشتغل على قضايا تافهة وتصرف النظر عن القضايا الجوهرية.

(2) – هي ثقافة تجد فيها الكثير من المثقفين يبحثون عن براءة ذمة، بحثا ناجما عن وعي التواطؤ والصمت لتبرئة الذات أمام التاريخ، على اعتبار أنّ يوما قد يأتي تُسأل فيه الثقافة عن دورها في الخراب ويُسأل فيه المثقفون عن دورهم في التعسف أو السكوت عنه.

(3) – هي ثقافة راكدة وتعيد إنتاج الركود. ذلك أنّ الوظيفة الأمنية تقتضي، قبل كل شيء، استقرارا شكليا وتحويل كل شيء إلى مومياءات توحي بالحياة، لكنها قلما تُعنى بالحياة.

(4) – هي ثقافة نابذة، تقوم على التضاد مع الحقيقي والجاد والجميل والحر والإبداعي، وبالتالي فهي تنبذ ليس فقط المضامين بل والأشكال التي يمكن أن تفضي إلى حرية ليس للمنظومة الأمنية أن تقبل بها.

(5) – هي ثقافة تدفع إلى السطح بأشباه المثقفين وبقليلي الموهبة والمفتقرين إلى القدرة على الإبداع.

(6) – هي ثقافة اشتغال على الكم دون الاعتناء بالنوعية، ذلك أنّ المعيار الذي تُقايس النوعية به معيار أمني، والمنهج ” الغربال ” منهج أمني قلما يعنى بالضوابط الفنية أو المقولات الجمالية.

(7) – هي ثقافة تخوين، فكل ما هو غير مفهوم هو بالضرورة مثير للريبة والخشية ودافع إلى العداء. وبالتالي فهو يوضع تلقائيا في موقع التضاد والعداء، وكل من يقول به أو يدافع عنه غريب وعدو وخائن. فالثقافة الأمنية تتفحص جيدا البعد السياسي لكل كلمة أو خط أو لون أو حركة أو أي تعبير ثقافي، وتستجيب له استجابة أمنية تصل حد إلغاء الفعل الثقافي وجعل حياة صاحبه مستحيلة.

(8) – هي ثقافة عدوانية تضع نفسها، بحكم الشعور بالذنب، في موضع الدفاع عن النفس مع كل ما يعنيه ذلك من تحفّز وعدوانية، وهي ثقافة تعاني عقد الاضطهاد والتضييق والملاحقة، على الرغم من أنّ الاضطهاد وما يليه وظائف تتحقق بها من حيث هي أداة.

(9) – هي ثقافة انفعالية، محركها يقع خارجها، ويمكن أن يكون عسكريا أو حزبيا، ولكن ليس ثقافيا، وذلك لا يعني أن تعنى الثقافة بمشاكلها فقط وتشتغل على قضاياها، إنما يعني أن تعالج كل شيء من منظور ثقافي وليس من منظور عقائدي أو عسكري أو أمني، أو منظور الولاء لأي من القوى الخارجية، خارج معايير الحقيقة والجمال والحرية.

(10) – هي، بالضرورة، ثقافة تمجّد القبح وتتغنى به، وترسّخ القيم التي يعمل النظام الأمني على نشرها، كاحتقار العقل والاستخفاف بقيم الحرية والحقيقة والجمال.

نتائج ثقافة الخوف

ناهيك عن العمل المنهجي، الذي قامت به أجهزة المخابرات، لتكريس ثقافة الخوف في المجتمع، عن طريق إلحاق الأذى استنادا إلى وشايات المخبرين والعملاء، وتسليط عقاب جماعي على الأسر التي يخرج منها معارض، والتي – ثقافة الخوف – أفرزت خرابا نفسيا وأخلاقيا وانهيارا روحيا تجلى في استقالة المواطنين عن لعب دور في الشأن العام، وسيادة عقلية الخلاص الفردي، حتى لو جاء على حساب الأهل والأقارب والأبناء، بتداعياتها: فساد أخلاقي ( ممارسة المداهنة والتزلف والوشاية والرشوة ) وإعلان الولاء الكاذب وتناقض ظاهر الفرد وباطنه والذي ولّد حالة انفصام شخصية.

الثقافة التنويرية ودورها في الحد من ثقافة الخوف
تعتبر الثقافة التنويرية أحد أهم أشكال المقاومة الحضارية لتجاوز الواقع الذي أفرزته ثقافة الخوف، وبالتالي تخطي العوائق للمضي قدما نحو المستقبل، تحقيقا للذات في إطار الإنسانية. ويجب أن ندرك جميعا أنّ التغيير في العالم العربي يبدأ في سيادة دولة الحق والقانون، وأنّ أحدا – مهما كبر – ليس فوق القانون، ودون ذلك سنظل نسير من سيء إلى أسوأ.

إنّ ثقافة الخوف، بكل تجلياتها، تعاني اليوم حالة انكشاف واضطراب، ربما من جراء احتدام تنافس الأوصياء على السيادة والسيطرة، أو لعل السبب يعود إلى ارتقاء وعي البشر، وقد صاروا يتحسسون جيدا وزنهم، ويستشعرون الدوافع الحقيقية وحسابات المصالح الضيقة التي تقف وراء دعوات احتكار القيم والوصاية عليها، الأمر الذي يحث الغيارى على أوطانهم ومستقبل مجتمعاتهم لإعلان حملة مقاومة جدية لآليات الخضوع، أيا كانت أشكالها، نحو تعميم ثقافة تحررية يكون الإنسان مركزها وغايتها. وخير ما يخلخل بنيان ثقافة الخوف وينصر ثقافة الحريات واحترام التنوع والتعددية والرأي الآخر، تقدم ظواهر دالة على الرشد الاجتماعي مثل العقلانية والاعتدال وتحاشي الغلو والتعصب والتطرف.

ومن المؤكد أنّ لا سبيل إلى التخلص من الخوف إلا بإحياء مؤسسات المجتمع المدني وما تفترضه ( التعددية الفكرية والسياسية، وحقوق الإنسان، ودولة الحق والقانون، والديموقراطية)، وإلا فإنّ الخوف سيعشعش ليس في خلايا المجتمع فحسب، بل وفي خلايا الإنسان الذي تضمحل إنسانيته إلى المستوى الرعاعي.

لذلك من الصحيح القول: إنّ استقلال الفرد، وحريته الفكرية، وشعوره بالكرامة، وقدرته على الابتكار، يمكن أن تؤهله ليمارس رقابة ذاتية مسؤولة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s