نعم .. نكره العلم

فؤاد قنديل

للمفكر الكبير الأستاذ السيد ياسين مقال مهم نشره الأهرام بعنوان ” هل الثقافة العربية معادية للعلم المعاصر؟ ” . حاول فيه كما عهد ناه رصد التحديات التي تقف حجر عثرة في وجه مسيرة التقدم العربي وذهب كما ذهب عدد من مفكري الغرب – وهم محقون – إلى أن التخلف حالة عقلية ، وقد سبق للأستاذ السيد ياسين في كتابه ” أزمة المجتمع العربي المعاصر أن رد التخلف العلمي إلى سببين رئيسيين ، الأول عدم إيمان القيادات السياسية بأن العلم ركيزة التقدم الأولى وثانيا تقاعس كبار العلماء عن محاولة إقناع الحكام بأهمية العلم في دفع قوى الأمة نحو مستقبل أفضل .

 

خطي الأستاذ السيد ياسين خطوة جسور عندما أتاح الفرصة لطرح أهم ما ورد بمقال الباحث البارز د. سمير أبو زيد حول الأسباب التي أدت إلى تجنب العرب لكل ما هو علمي ، والتي تتلخص في أن الدين قيد حركة التفكير العلمي وكبح التوجه نحو اكتشاف المجهول وأن فقهاء ومفكري الدين الإسلامي رسخوا الاعتقاد بأن الدين هو كل شيء في حياة المسلمين وهو الدنيا والآخرة ، وهى رؤى صحيحة إلى حد ما ولكن كاتبها يبالغ في تقدير هيمنتها ويعول عليها كثيرا ، وقد لاحظ ذلك ياسين وتحفظ عليه متسائلا عن السر في النهضة العلمية الإسلامية الكبرى في القرون الوسطى إذا كان الدين له تأثير سلبي يحول دون الإقبال على العلم .

 

والحق أن هذا الموضوع بالذات شغلني طويلا مع أنه ليس في صدر اهتماماتي ، وربما نشأت العلاقة بحكم ارتباطي المبكر بالوطن ومشكلاته كهاجس ملح إبان الحقبة الناصرية ، وقد ترسخت قناعاتي بأن التقدم لا يمكن صعود أي درجة في سلمه إلا بالعلم ، ولا غنى عن العلم حتى عند تناول الفنون والآداب . ولذلك كان طبيعيا أن أضع فصلا عن ” حاضر العلم في مصر ” ضمن أهم فصول كتابي ” صناعة التقدم في مصر ” الذي صدر قبل خمس عشرة سنة ، وأذكر أنني عند الحديث في إحدى الندوات عن تواضع إنتاج العرب في مجال ” أدب الخيال العلمي ” تساءلت : كيف نتحدث عن الخيال العلمي وهو ثمرة في شجرة جذرها استخدام العقل ونحن أصحاب تاريخ في تجنب العقل ونراه أحيانا قفزا في المجهول !!، وكيف نكتب الخيال العلمي وأغلب حياتنا تسبح في بحيرة من العشوائية !!

 

فوجئت في أحد المؤتمرات الدولية بكاتب فرنسي يسألني : هل هناك أدب خيال علمي في العالم العربي ، فاضطربت قليلا لكنى أجبته بأن هناك مثل هذا الأدب وإن لم يبلغ ما بلغه نظيره في أوروبا وأمريكا ، وعلى مائدة العشاء مالت علىّ كاتبة أمريكية بعد أن انصرف أكثر الحاضرين وقالت بعد تردد : أنا أعرف العالم العربي جيدا ولا أظن أن بالإمكان وجود أدب خيال علمي ، وإن كان فسوف يكون محاولات أولية للأطفال . وكان من الطبيعي أن أتذكر حينئذ أن ترتيب إسرائيل شبه الثابت سنويا هو الرابع عالميا بعد سويسرا والسويد والدانمارك حسب عدد الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات المتخصصة الكبرى ، وتنشر جارتنا الاستعمارية كل عام ما لا يقل عن ستة آلاف بحث ، أكثرها يرجع إليه العلماء في أقطار شتى .

 

إنه مأزق تاريخي وعلمي وحضاري يتعين مواجهته ومواجهة أنفسنا بحقيقته المريرة ، وإذا لم نفعل ذلك في أقرب وقت فإن قطار التخلف السريع سيحملنا إلى الوراء بأضعاف سرعة تقدم غيرنا لأن الإيقاع اختلف ونحن لسنا على الطريق الصحيح ، بل ونساهم جميعا على نحو من الأنحاء لا أقول في دفعنا للتخلف ، ولكن على الأقل باستمراء ما نحن فيه ، فليس تحت الشمس من جديد وليس بالإمكان أبدع مما كان ، وكل ذلك محض هراء

 

لقد تجمعت لدىّ على مدى سنوات بعض أسباب التخلف العلمي الذي هو الأصل في كل تخلف ،وأوجزها على النحو التالي :

1 – تجاهل الأغلبية استخدام العقل في الفكر والسلوك الخاص والعام مع أن معظم الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة تدعو للعلم واستخدام العقل .

2 – الميل للخرافة والاستعداد لتتبع ما يؤدى إليها من الأكاذيب والإشاعات ، مع أن الأمثال الشعبية قاومت ذلك ..” إذا كان اللي بيتكلم مجنون يبقى اللي بيستمع عاقل “

3 – قلة نادرة من الحكام آمنت بضرورة العلم وأهمية ترسيخ مؤسساته ودعمه .

4 – منظومة التعليم في كافة المراحل من مقررات وأدوات علمية ومعملية قاصرة تماما ، فلماذا يندهش البعض لأن الجامعات المصرية ليست ضمن الجامعات الكبرى في العالم ؟

5 – وسائل الإعلام وخاصة التليفزيون وهو معلم الجماهير في الدول النامية لا تشجع إطلاقا على العلم وتخلو تماما من أي برامج علمية وتكتفي كل القنوات بالتمثيليات ونجومها .

6 – تغلغل الأحكام العاطفية والنفور من الموضوعية خاصة عند اختيار القيادات .

7 – سوء الفهم الذي ساد بأن الدين ضد العلم وقد تولى رجال الدين بأنفسهم هذه المهمة المدمرة .

8 – تفشى الأمية .

9 – تراجع كبير في البعثات العلمية .

10 – ندرة الكتب العلمية خاصة المطبوعة للأطفال والشباب .

11 – انخفاض شديد في مستوى معيشة قطاعات كبيرة من الشعب يمنعها من تحمل تكاليف الدراسة العلمية .

12 – غياب آليات التشجيع المادي للبحث العلمي كالمسابقات والجوائز.

13 – الكسل العلمي اعتمادا على فكرة مؤداها أن الغرب لم يبق شيئا للبحث والابتكار .

14 – نقص المخصصات المالية الحكومية بشكل يثير الدهشة

15 – هيمنة الفكر المادي والرغبة في الكسب السريع يؤدى لاتخاذ اتجاه معاكس للعلم بكل مجالاته ومناهجه .

16 – ضبابية المستقبل الذي يلوح بعد جهد طويل وتفرغ بسبب وضعية كل ما هو علمي خاصة مع غياب التقدير ولا نتيجة مضمونة إلا التجاهل .

17 – ندرة الكتب العلمية المترجمة .

18 – عدم اهتمام دور النشر الحكومية والخاصة بنشر الكتب العلمية .

19 – استسلام كل المؤسسات الرسمية والشعبية لمقولة ” الجمهور عايز كده ” ومن ثم يقود الجهلاء التوجه العام للفكر والسلوك ويتجلى هذا الأمر بقوة في مجالات العلوم والفنون والآداب .

20 – هجرة العقول النابهة والموهوبة بسبب عدم توفر المناخ العلمي المشجع والملهم.

 

إنها محاولة متواضعة من جانبي لملامسة القضية المصيرية التي تأخرنا كثيرا في طرحها كعادتنا وهي ترسيخ مناخ العلم بحيث يسري كالهواء في كل مكان وعلى كل الأصعدة ، لإنها القضية التى ما تزال بحاجة إلى قرارات سيادية مسئولة وأن تعكف عليها كوكبة كبيرة من أصحاب الرأي والنظرات العلمية الجادة وأن تحاول تأملها على نحو نقدي عبر رؤية متسعة وشاملة .

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s