منع العقل من التفكير والاجتهاد

من قوانين نهضة الأمم وبناء الحضارات.. إطلاق قدرات الإنسان

د. أحمد سيد

في المقال السابق تناولنا أحد أهم قوانين النهضة والبناء الحضاري, وهو الحرية, واليوم نلقي الضوء على الخطأ الذي أدى إلى خفوت دور الحضارة الإسلامية الرائد, وهو محاصرة العقل ومنعه من التفكير والإبداع والتطوير والانطلاق في فضاءات رحبة تعود على البشرية بالخير العميم. وذلك لأنَّ الإنسان هو أحد المرتكزات المهمة في تكوين الحضارات والنهضة وبناء الحضارات, وفقًا لمعادلة مالك بن نبي الشهيرة:

الحضارة = إنسان + تراب + وقت

وأعظم ما في الإنسان عقله الذي وهبه الله إياه ومنحه ليفكر وليبدع وليعمر الأرض كما طلب الله منه “واستعمركم فيها”.

ولعله يجدر بنا إن أردنا أن نفهم أهمية العقل لدى الإنسان أن نعرج على إحدى إبداعات مالك بن نبي وهى نظرية العوالم الثلاث؛ فأي إنسان – وفقًا لتلك النظرية – يعيش في ثلاثة عوالم؛ عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء, فلكل حضارة عالم أفكارها، وعالم أشخاصها، وعالم أشيائها.

  • ويقصد بعالم الأفكار: هو ما يشغل عقل الإنسان من المعتقدات والمسلمات والتصورات والمبادئ والقيم وتشمل أيضا المشاعر والأحاسيس.

  • أما عالم الأشخاص: فيُقصد به مجموعة الأفراد والعلاقات والقوانين التي تنظم حياة الأشخاص.

  • أما عالم الأشياء: فهو كل ما ينتجه هذا الإنسان من الإنجازات والنجاحات والخدمات المحسوسة والملموسة.

هذه العوالم الثلاثة موجودة عند كل إنسان, ولكي تنهض الأمم لابد أن يتغير عالم أفكار أفرادها, ولكي يتضح الكلام أكثر نقف مع مثال ساقه مالك بن بنى, إذ قال: “حاول أن تتخيل معنا قومًا من الأمازون أو من الأدغال الأفريقية، بعالمهم الفكري المتواضع وبدائيتهم وقد تم نقلهم إلى ألمانيا، بينما نقل الشعب الألماني إلى أفريقيا أو إلى الأمازون، ماذا كان سيحدث حينها؟ الأمر سيبدو واضحًا جليًا، وهو أن الألمان في هذه الحالة سيعمِّرون المناطق الأمازونية أو الأفريقية ويصلحونها، بينما ستُدَمَّرُ ألمانيا ببنائها وحضارتها وشوارعها على يد القبائل البدائية”.. والشاهد من القصة أن عالم الأفكار عندما يكون ناميًا ومتطورًا، يستطيع أن يخلق عالم الأشياء حوله. والعكس ليس بصحيح, فعالم الأشياء المتطور إذا لم يقابله عالم أفكار متطور يمكن أن يدمر تحت مطارق التخلف الفكري. والأمر بَيِّنٌ وواضحٌ وجليّ. فعالم الأفكار يمثل المنطقة التي تتم فيها التحولات الكبرى ”.

وكذلك بالنسبة لعالم الأشخاص فإذا افترضنا أنَّ هناك جزارًا, فعالم الأشخاص لديه هو عملاؤه وزملاؤه في المهنة والعاملون في المسلخ, فإذا بدأ هذا الرجل في القراءة في كتب الأدب والشعر وبدأ في حضور الندوات الأدبية بالتأكيد سيتغير عالم أشخاصه وسيدخل فيه كتاب وأدباء وشعراء… وسبب دخول هؤلاء بالذات لأن عالم أفكاره تطور في هذا الاتجاه, وبالتالي فإن عالم الأفكار هو الذي يتحكم في فاعلية الفرد فإذا كان صاحب عالم أفكار متطور فإن منجزاته وعلاقات ستكون متطورة.

وبناء على ذلك ندرك لماذا كانت الكلمة الأولى في كتاب الله هي “اقرأ” لأن القراءة هي إحدى أهم الأدوات التي تطور عالم الأفكار.

وللأسف ساد في عصور التخلف مصطلحات تدعو إلى ذم التفكير والتنظير وكأنها جرم وعبث فتسمع أحدهم “دعك من السفسطة” أو “اهتم بميدان العمل ودع ميدان الكلام والسفسطة” أو “الفاضي يعمل قاضى”, وينسى أو يتغافل أن الأصول الأساسية في كل فروع ديننا الذي نتعبد به هو فعل بشرى قائم على استعمال العقل والتفكير والتنظير ولولا ذلك لعاش الناس في تخبط.. وهذه الرؤية يضعها الإنسان بعد إعمال عقله, وهذا ما يُسمى التفكير الفلسفي أو التأملي.

لكن ما هي الفلسفة؟ ولماذا حدث هذا الفصام النكد؟

الفلسفة بالأساس تعني في أصلها اليوناني “حب الحكمة”، وتعني على المستوى العملي التفكير التأملي المتسائل. فهي محاولة العقل في كشف الحقيقة وطلب الحق والحكمة, وقد بدأت كمصطلح حوالي سنة 600 ق.م.

والفلسفة من حيث هي “الفكر التأملي المتسائل”, بهذا المعنى مطلب ديني، وردت إشاراته في نصوص لا حصر لها “أفلا يتفكرون؟” “أولو الألباب” “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا”.

وبناء على هذا فإن الفلسفة هي: عدم الأخذ بظاهر الأمور بل الغوص في محتوياتها ومدلولاته للوصول إلى طريقة وكيفية ومنهج عملها والآلية التي تتبعها, والهدف منه الوصول إلى الحقيقة, والاستفادة منها في وضع قانون أو نظرية صالحة للبناء.

لكن للأسف هذا التعريف لا ينطبق كليًّا على مسار الفلسلفة, لأنَّ الفيلسوف يؤمن بالتفكير لمجرد التفكير وليس من أجل الوصول إلى الحقيقة, كالمخترع الذي ينطلق متأثرًا بشهوة الاختراع الذي طرأ على عقله حتى لو لم يكن له بعد ذلك فائدة وكل ما سيقوم به أن يضعه قريبًا منه ليتأمله بين الحين والآخر.

ولعل هذا هو سر عدم الاتساق البادي في تسلسل تاريخ الفلسفة وعدم البناء المتكامل الذي يستفيد من خلاله الفيلسوف من نظريات وأفكار من سبقه ويضيف إليها ففي أغلب الأحيان كانت الأخيِلَة تنطلق من نقاط صفرية لتنفي فرضيَّة قالها فيلسوف أقدم.

ولعل الرغبة الجامحة لدى الفيلسوف التي تدفعه للتفكير حتى في أشياء محسومة يحلل النقطة الجوهرية في الخصام النكد بين الفلسفة وبين علماء المسلمين والتي أدت بدورها إلى تجريم الفلسفة واعتبار أن من يتخذها مسارًا لحياته هو زنديق أو خارج عن الملة, إذ أن غاية الفلسفة كما عرَّفتها كانت تقتضى بالفلاسفة الذين ظهروا في عصر الإسلام أن يكتفوا في فلسفة الإلهيات بما جاء به القرآن والسنة وأن يتجاوزوها إلى علوم مفيدة.

وتعتبر نظرة تركيا الحالية في سياستها الخارجية نتاج فكرة فلسفية صاغها أحمد داوود أوغلو, وهي نظرية “العداء الصفري بين تركيا والدول المحيطة”, والتي ضمَّنها في كتابه “في العمق الاستراتيجي”, واستطاعت بها تركيا طي صفحات العداء مع أرمينيا وسوريا وأكراد الداخل, وانطلقت بثقةٍ عالية نحو العالم الإسلامي, وأصبحت لاعبًا مؤثرًا في الشرق والغرب, وأحدثت نقلة نوعية في علاقاتها مع جيرانها في المنطقة العربية, وفي منطقة القوقاز وأصبحت لاعبًا رئيسيًّا في الأزمات والملفات العالقة في العالم العربي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والوضع في العراق والأزمة الأخيرة بين بغداد ودمشق وصولاً إلى اتفاق التعاون الإستراتيجي مع دول منطقة الخليج.

الأفكار الجديدة.. قاطرة التقدم

وتعد الأفكار الجديدة والطرق الحديثة هي القاطرة التي تجر عربة التقدم في الشعوب والأمم, والناظر إلى الخطوات التي خطتها الأمم المتقدمة أو المتأخرة سيجد أنها عبارة عن أفكار, فالأمم المتقدمة والشركات الرائدة سعت إلى الاستفادة من الأفكار الجديدة وتطويرها وتنميتها, أما الأمم والشركات المتخلفة فقد تم الحجر عليها وتنفيذ أفكار أقل منها جودة أو الإبقاء على الواقع الجامد دون تغيير.

والأفكار الجديدة دائمًا ما تقع ضمن فئة الأقلية بمعنى أن الفكرة ليس لها شعبية ولا يعلم بها الكثيرون ولا يتبناها ولا يقتنع بها إلا نفر قليل أو ربما صاحب الفكرة فقط, ودائمًا تلك العقبة تواجه أصحاب الأفكار في سعيهم لإقناع الأغلبية أو أصحاب القرار بفكرتهم, الذين يسعون غالبًا لوضع العراقيل والصعوبات والاتهام بالتخوين أو السطحية أو العجلة أو قله الخبرة لأصحاب الأفكار الجديدة دون إعطائهم فرصة لعرض وجهات نظرهم ودون أخذ هذه الأفكار لدراستها واختبارها ثم الرد عليها.

وعلى الرغم من أن البشرية مرت بتجارب صعبة كان لابد لها أن تأخذ منها العبرة وأن تثوب إلى رشدها, لكنه مازالت هناك أغلبية تخاف من الجديد ولا ترغب في التغيير وتتحسس أماكن أقدامها أكثر ألف مرة قبل أن تخطو, متعللة بالخوف على الناس من الفوضى أو انهيار الشركة أو التنظيم أو الحركة أو الحزب.

فكم من حوادث تناقلها الناس فيما بينهم, حُكم فيها بالحجر على أفكار وثابة ثم ما لبث أن اكتشف صدقها ودقتها, كأفكار جاليليو مثلاً.

وليس هذا التعسف في نطاق واحد بل في كل جوانب الحياة في أصغر تكوين وهو الأسرة مرورًا بكل التكوينات الموجودة في العالم بأسره, ولا شك أن هناك عوامل تدمر الكفاءات وتقضى على المواهب وربما أوصلت أصحاب الأفكار إلى حد البلادة واللامبالاة بل والتعاسة حتى أن جاليلو عند محاكمته وتحت قسوة الأحكام تبرأ من آرائه لعله يسلم من هذا التعسف والظلم فقال: ”أنا المدعو جاليليو جاليلي، ابن المدعو فنشنزو جاليلي من سكان فلورنسة، في السبعين من عمري.. أقسم أنني قد آمنت دومًا، وأنني بعون الله سأؤمن في المستقبل كذلك، بكل ما تعتقده الكنيسة الكاثوليكية الرسولية في روما، وبكل ما تعلمه وتبشر به.. وبكل قلب مخلص وإيمان لا يتزعزع أتبرأ من الأفكار والهرطقات المذكورة وألعنها وأمقتها، كما أعلن أنني آخذ الموقف نفسه تجاه أية أخطاء قد تقع أو طائفة أخرى تخالف تعاليمها تعاليم الكنيسة المقدسة المذكورة، وأقسم بأنني لن أصور في المستقبل شفويًا أو كتابة عما قد يثير شبهة مماثلة في كما أنني أشهد أمام هذه الهيئة المقدسة على كل هرطوقي أو مشبوه إذا ما عرفت بمثل ذلك”.

ومن العوامل التي تجعل الأغلبية تصل إلى هذه النتيجة من تدمير للكفاءات وتعطيل للطاقات:

البارادايم (paradigma) نظارة العقل!

ينظر الناس أو الأغلبية للأفكار الجديدة ويحاكمونها بناء على معطيات الوقت الذي هم فيه وليس على استشراف المستقبل باعتبار أنها فكرة مستقبلية ومن ثم يأتي الحكم على الفكرة بالسطحية أو المثالية والسبب في هذه النظرة للأفكار الجديدة تأتي من البارادايم, ولكي نفهم معنى البارادايم علينا أن نلقى الضوء على بعض التعريفات المهمة:

  • المرجعية أو ما يسمى (الميتا أيدلوجى أو ما وراء الأيدلوجيا):

هي المصادر التي يستمد الإنسان منها رؤيته في الحياة, وتكون شخصيته وطريقة تعامله مع المواقف ومع الآخرين والمصادر تتعدد وتتنوع وتختلف من فرد إلى آخر حسب الثقافة والديانة والبيئة, فالمرجعية الإسلامية يدخل فيها القرآن الكريم والسنة وأفعال الصحابة والتابعين ثم تأتى العوامل المشتركة مع الأفراد الآخرين كالوالدين والمجتمع المحيط والخبرات المكتسبة التي تلقاها الإنسان والمعلومات التي اختزنها نتيجة لإطلاعه أو لاحتكاكه بتجارب مختلفة ومتنوعة.

  • أما المجموعة القيمية أو العقيدة أو المذهب أو ما يسمى (الأيدلوجيا):

هي مجموعة القيم التي يكونها الإنسان من خلال المصادر التي سبق شرحها وتلعب الصفات الموروثة وطريقة التربية دورًا مهمًا في التفاعل مع الروافد المرجعية المختلفة وتصبح المجموعة القيمية المتكونة أو الأيدلوجيا هي التي تحكم سلوك الفرد وتصرفاته وحكمه على الأشياء, من خلال ما يسمى بالبارادايم.

وعلى هذا يتحدد مجال الرؤية وسعه الإدراك فكلما تعددت مصادر ورافد المرجعية وتنوعت استطاع الإنسان أن يصدر حكمًا صالحًا على الأشياء, واستطاع أن يكون أكثر دقة وقدرة على التفريق بين المناطق الرمادية الواقعة بين الأبيض والأسود.

وبناء عليه فليس بكثرة الإطلاع والقراءة أو العمق في التخصص يصبح الإنسان قادرًا على الحكم الصحيح على الأشياء, فكم من علماء أكاديميين توغلوا في العلم والمعرفة ثم تراهم حين يحكمون على رأي تشعر أنَّ الذي يحكم هو طفل صغير في ثياب رجل كبير.

ويبقى عامل التجربة والاحتكاك ووضوح الرؤية بالنسبة للثوابت التي تحكم المرجعية عاملاً مؤثرًا في ثقل الشخصية ونضجها, وأكثر المشكلات تأتي عندما نحكم على شيء من خلال رؤيتنا الحالية, أو الحكم عليه بتخصص غير تخصصه ظنًا منَّا أنَّ ما نملكه من علوم أو معارف كفيل بإصدار الأحكام, وأكثر المناطق التي يفتى فيها بدون تخصص هو علم الإدارة, فكثير من يظن أن القرارات متاحة للجميع وأي مدير يستطيع أن يتخذ قرارًا.

إنَّ الصورة النمطية التي نرسمها للأشخاص تكون على قدر معارفنا وعلومنا, وعندما نتعلم علومًا جديدة نكتشف أنَّنا لم نكن ذوو رأي صائب عند الحكم السابق, فما أشد بشاعه المثل القائل ”الانطباع الأول يدوم”!

إنَّ المصيبة التي يتم من خلالها تدمير الكفاءات ونسف الأفكار الجديدة وإرسالها إلى التوابيت هي محاكمة الفكرة الجديدة بما نملكه من معارف, دون تصور لنقص أفكارنا ومعارفنا وحاجتها إلى التجدد, والأمر الأشد صعوبة أن يتم نقد الفكرة ممن لا يملكون فيها تخصصًا, أو قبل دراستها ومعرفة مكنوناتها.

فكم ضَيَّعَت الرؤية الضيِّقَة أفكار عظيمة كان يمكن أن تؤدى إلى خير كثير, وفى المقابل كم ساعدت الرؤية الممتدة والإدراك المتفتح أفكارًا صغيرة حولتها إلى صروح من الفائدة.

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s