التركيز والاستمتاع وعلاقتهما بالعقل الواعي واللاواعي

في بداية حديثنا عن هذا الموضوع سوف نقوم ببحث مفاهيمي نتعرف من خلاله عن تعاريف كل من: التركيز، الاستمتاع، العقل الواعي (الحاضر)، العقل اللاواعي

(الباطن). حتى يكون شرحنا وتفسيرنا واضحا لكل قارئ؛ ثم نتطرق إلى العلاقات التي يمكن أن نؤسسها بين مختلف هاته المتغيرات..

الإطار المفاهيمي:

تعريف التركيز: هو توفير وحصر القوى العقلية والفكرية والجسدية والحواسية للاهتمام بفكرة واحدة معينة أو موضوع واحد ما، والإلمام بكافة جوانبه ورؤيته من مختلف زواياه..

تعريف الاستمتاع: هو الشعور بلذة الشيئ أو الفعل وكذا الشعور باللحظة التي يتم فيها ذلك الشيئ أو الفعل، وهو من مكونات السعادة وأسبابها. ومن معانيه الانتفاع بالشيئ أو الفعل؛ لأن فعلك لأمر ما دونما استمتاع يخل بمعنى الانتفاع الكلي به.

تعريف العقل الواعي: العقل الواعي هو الجزء المسئول عن الحساب و المنطق ، عقلك الواعي أيضا مسؤول عن كل الحركات التي تنتج منك عن قصد, فمثلا إن طلبت منك أن تحرك يدك و فعلت, فاعلم أنك استخدمت عقلك الواعي لفعل هذا. إذن العقل الواعي مسؤول عن المنطق و عن كل شيء تفعله و أنت واع . يمثل 10% فقط من القيمة الفعلية للعقل البشري استخداما وفعالية.

العقل اللاواعي: عقلك اللاواعي أو الباطن هو المسئول عن كل الحركات و الأنشطة اللاإرادية التي تحدث لك مثل تغير مشاعرك, مثل دقات قلبك و عملية تنفّسك، عقلك الباطن هو المسئول أيضا عن تخزين الذكريات و المعتقدات التي تعتقدها. يمثل 90 % من القيمة الفعلية للعقل البشري استخداما وفعالية.

التحليـــــــــــل:

ملاحظة مهمة أود أن أبينها في بداية كلامي في هذا الموضوع، وهي أننا لن نقوم بنقد أو تفنيد أي من المسلمات المعروفة أو المعلومات المتعارف عليها بخصوص علم التنمية البشرية أو البرمجة اللغوية العصبية، وفي نفس الوقت لن نتطرق لكافة تفاصيلها إلا ما ارتبط منها بموضوعنا وبمتغيراته بالخصوص؛ لذلك أنبه أننا لن ندخل في جدال في أي من التقنيات والمعلومات التي تؤكدها هاته العلوم .

وسيكون كلامنا مركزا فقط فيما سيأتي :

1- أين يحدث التركيز ؟

2- علاقة التركيز بالاستمتاع

3- هل يمكن الاستمتاع دائما؟

4- مثال : الاستمتاع بالسياقة..

5- هل تود أن تصبح آلة؟

1- أين يحدث التركيز؟: من المؤكد أنه عندما نتطرق لمفهوم التركيز سوف يتبادر لأذهاننا ذلك الجهد العقلي المتواصل لمدة معينة والذي نبذله مع فكرة أو مشهد أو موضوع أو صورة….وهذا صحيح ..والتركيز كفعل عقلي يحتاج إلى قصد منا ليتم؛ ومن هنا يحتاج التركيز إلى وعي به .. ولا يمكن أن نركّز إلا ونحن واعون بأننا سنركّز؛ وعلى ماذا سنركّز؟، ولماذا سنركّز؟ وكل هذه الأفعال العقلية تحتاج منا إلى قصد ونية وهذا القصد و هاته النية لا تتوفران إلا في العقل الواعي الحاضر؛ أو ما يسمى بالشعور لأننا نشعر حقيقة بما نفعله عكس العقل الباطن والذي يعمل عمله دون وعي منا ودون أدنى قصد أو نية لتحريكه أو تفعيله..

2- علاقة التركيز بالاستمتاع: إذا كان انطباعك الأولي أنه لا علاقة بين التركيز والاستمتاع فأنت مخطئ!!. لأنك إن حاولت أن تستمتع بوجبتك التي تحب ودخل عليك صديقك وشرع يحدثك في موضوع ما ويطلب رأيك؛ وأنت تأكل وتحاول أن تجيبه في نفس الوقت؛ بعد لحظات ستنتهي من الأكل دون أن تحقق استمتاعك به..ماذا حدث هنا؟ لقد تشتت تركيزك فلم تعش لحظات الاستمتاع بالأكل؛ وتمت العملية بطريقة لا واعية، أي أن عقلك الواعي الذي يمثل مركزا للتركيز وبالتالي للاستمتاع سلّم المهمة إلى اللاشعور أو العقل اللاواعي والذي يدير العمليات اللاإرادية ومن بينها المضغ والبلع؛ والهضم بعدئذ..

3- هل يمكن الاستمتاع دائما؟: الإجابة الأكيدة هي نعم.. ولكن الغالبية العظمى من البشر لا تستمتع “دائما”؛ بل قد تكون “أحيانا”؛ وقد تصل إلى ” لا، أبدا” ، لأن الاستمتاع “قرار شخصي” وواعي؛ لا يتحقق إلا عندما نشعر به ونعبر عنه بوعي.. وأكبر عدو للاستمتاع هو التعود فعندما نتعود أو نألف عملا أو شخصا أو مكانا تنتقل جميع عملياتنا العقلية بخصوصه إلى العقل اللاواعي وتتحول إلى الفعل والإحساس اللاشعوري والآلي تقريبا.. فيغيب الشعور بمتعة الصلاة مثلا والخشوع فيها إذا تعودنا فقط على أداء الجانب الطقسي الحركاتي، وهو ما يسمى “بغياب الحضور” وهذا المعنى يشير بوضوح إلى حلول العقل اللاواعي في هاته الأفعال لأن من بين تسميات العقل الواعي هي “العقل الحاضر” وبالتالي غياب الحضور هو غياب للعقل الواعي؛ ويأتي السهو في الصلاة من هذا الباب خاصة إذا فتحنا على أنفسنا صناديق تفكير مختلفة أثناء أدائها.. وبمجرد عودة العقل الواعي للعمل يحدث الارتباك في عدد الركعات أو التشهد زيادة أو نقصانا.. وإذا أردنا معرفة كيفية الاستمتاع “دائما”؛ علينا أن ندرب أنفسنا على عيش اللحظة وحضورها بكافة تفاصيلها مهما تباطأ الزمن ففي هذا البطء يكمن الاستمتاع..وبمجرد دخولك نفق التعود والألفة حاول الرجوع مجددا لمعاني الانجذاب والاكتشاف لذلك الشيئ أو الشخص أو المكان واستحضار العقل الواعي في كل هاته العمليات والتركيز المعمق فيها.

4- مثال: الاستمتاع بالسياقة: إذا كنتَ أو كنتِ ممن يملكون رخصة سياقة فقد مررت بهرم التعلم والذي يحتوي على هاته المحطات: (لاوعي-لا مهارة).. (لا مهارة-وعي)..(مهارة-وعي)..(مهارة في اللاوعي). وهذا الهرم بالمناسبة ينطبق على كل عمليات التعلم التي يمر بها الإنسان في حياته..سواء في الأمور التي يكون فيها الاستمتاع ضروريا أو في الأمور التي تتطلب أصلا عدم تركيز؛ لأنها تدخل ضمن التكوين والنمو الطبيعي للخبرات عند الإنسان. وبعودتنا إلى مثال السيارة ففي المراحل الأولى لركوبك إياها لا تملك مهارة لسياقتها ولا تعي بأن هاته السياقة تحتاج كل تلك المهارة، ثم تبدأ باستيعاب المهارة اللازمة للسياقة رغم عدم امتلاكك لها، ثم تأتي المرحلة الأهم وهي عندما تتحصل على المهارة ولا يزال الوعي مصاحب لك، لتدخل بعدها مرحلة التعلم الأخيرة وهي المهارة اللاواعية.

أما الاستمتاع الذي نتكلم عنه فهو يحدث في المرحلة الثالثة وهي مرحلة المهارة والوعي معا..فإذا تجاوزناها دخلنا مرحلة التعود والألفة للسيارة وللسياقة وأصبحت السياقة تحدث بشكل آلي، وصرت تهتم فقط بوصولك لهدفك دون أدنى اعتبار للعمليات اللاواعية التي أصبحت تفعلها بطريقة سلسة جدا ودون أدنى تركيز فيها وهنا يغيب الاستمتاع..ويعود الاستمتاع فقط حين نقرر ذلك ونركز في أننا نريد الاستمتاع ..وقد يحدث في حالات أخرى مثلا عندما تشتري سيارة جديدة غير التي كانت عندك، وعندها ستعيش مرحلة انجذاب واكتشاف جديدة لها تستمتع حينها بسياقتها قبل الدخول مجددا في نفق التعود..

5- هل تود أن تصبح آلة: نحن هنا لا نصادم أيا من قوانين العقل الواعي أو اللاواعي ولا أيا من تقنيات البرمجة اللغوية العصبية أو علم التنمية البشرية.. وإنما نثير بعض التساؤلات ونحرض بعض الأفكار على الخروج والتمظهر..

إجابة كل واحد منكم ستكون بالتأكيد لا؛ فلا يمكن أن يتخلى أي منا عن إنسانيته وبشريته مهما كانت هذه الآلة ذكية وسريعة ومنظمة، لأنه في المقابل هذه الآلة لا تشعر ولا تستمتع ولا تحب ولا ترغب في شيء أو تطلبه، وهذا ما يميز الإنسان عن الجماد، وأفعال الإنسان حين نحاول تصنيفها بناء على الاستمتاع نجد أن هناك أفعالا وسلوكات نحتاج فيها مهارة لاواعية وفعلا آليا لأننا ببساطة بذلك نزيد من جودة أدائنا فيها وخبرتنا بها؛ وفي نفس الوقت لا نحتاج إلى الاستمتاع بفعلها، مثل: فتح الأبواب – تشغيل التلفزيون- رفع سماعة الهاتف- ارتداء ثيابنا وغيرها من الأفعال الكثيرة..لكن بالمقابل هناك أفعال وسلوكات لا يمكن أن نحيلها للاوعي إذا أردنا حقيقة أن نعيشها ونستمتع بها ونخلق سعادة وبهجة بفعلها ونحتاج أن نبقيها في المستوى الثالث من مستويات التعلم (مهارة واعية) بإرجاعها دائما إلى هذا المستوى، لأن عملية التعلم وحتى تكتمل يجب أن نصل بها للمستوى الرابع والأخير وهو المهارة اللاواعية، ولكن لأننا بشر ونختلف عن الآلة لا يجب أن نحوّل كافة أعمالنا وأفعالنا إلى أفعال لاواعية يغيب فيها مفهوم الحضور والاستمتاع؛ بل يجب دائما -حتى نسعد بما نفعل- أن نعيد أفعالنا وسلوكاتنا إلى مستوى المهارة الواعية.

وفي الختام نود التذكير أن الاستمتاع قرار شخصي يحتاج إلى إرادة ووعي وحضور .. فإذا أردت أن تستمتع بكل ما تفعله في حياتك فيمكنك ذلك وبدون أدنى شكّ فقط عليك أن تعيش كل لحظة من ذلك الفعل أو العمل بكل جوارحك وبعقلك الواعي وتستمتع بالزمن البطيء الذي لا يعرف متعته إلا الذين وصلوا وعاشوا حقيقة الحضور والخشوع ومتعة اللحظة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s