اثر التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات على النمو الاقتصادي في العالم

اثر التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات

على النمو الاقتصادي في العالم

          لم يعد النمو الاقتصادي مرتبطاً فقط بالتقدم التكنولوجي وثروة المعلومات ، بل أصبح أكثر من ظاهرة النمو الاقتصادي الناتج عن تراكم رأس المال ( البشري والمادي) وبذلك فإن التغيرات التكنولوجية وثورة المعلومات أضحت كعوامل محددة للنمو .

          فالنمو الاقتصادي المرتبط بالتقدم التكنولوجي انتقل إلى التركيز على نظرية النمو المعتمدة على الابتكار والبراعة في إدارة الأعمال وتضمين المخاطر في سلسلة من الخطوات غير المتصلة ، والبعيدة عن افتراض التوازن بين الثوابت المقارنة والتحولات في منحنيات العرض والطلب والاستجابات الرامية إلى التكيف .

          فنظرية النمو الاقتصادي النابعة عن التقدم التكنولوجي تعترف بمجموعة واسعة من المؤسسات العاملة في نطاق الدول على المستوى الدولي والهيئات الحكومية إضافة إلى شركات الأعمال والأسواق

          وعلى هذا الأساس فقد أصبحت القدرة على الوصول إلى المعلومات ومعالجتها وتحويلها باعتبارها مكوناً أساسياً في صناعة النمو الاقتصادي .

  مقدمة :

          يعيش العالم اليوم ( حرب اجتماعية كونيه ) في لحظات من التاريخ مفصليه ، وقد دخل العالم منذ عقد من السنين نتيجة الثورة المعلوماتية . فإذا ماركس قد قال : اعطوني طاحونه الهواء ، أعطكم القرون الوسطى . وتترجم هذه العبارة في الزمن المعاصر على الشكل التالي : أعطوني الكومبيوتر ، أعطكم العولمة .

          فمنذ العقد الأخير من القرن العشرين راهن الرأسماليون على نمو كل النشاطات المرتبطة بطرق المعلومات السريعة ، وبالتقنيات ذات الشبكات النظرية ، وبالانترنت . وكان الكثير من المستثمرين على يقين من أن المشاريع سوف تكون مجبره ، ومهما كان موقعها في العالم ، على التأقلم مع العصر ، وانفاق الكثير في مجال التجهيزات المعلوماتية ، والهاتف الرقمي ، والاتصالات عبر الشبكة .

          هذه المعركة الاقتصادية ، يفترض أن تكون مساحتها المشاريع الأميركية والأوربية واليابانية ، لوضع اليد على الشبكات والسيطرة على سوق الاعلام والصور والمعطيات والتسليات والصوت واللعب وغيرها ، ومن أجل ان يقرض كل طرف من هؤلاء نفسه ، مضى المستثمرون الشبيهون بفرق النحل ينقضون انقضاضاً على البورصات . وسرعان ما تفجرت مسارات القيم المالية المتصلة بمجرد الانترنت .

          لقد أنشأت العولمة المالية دولتها الخاصة دولة تتجاوز النطاق الوطني ، هذه الدولة العالمية سلطة من دون مجتمع ، وبالمقابل تبدو المجتمعات الموجودة حقيقة ، مجتمعات مجردة من السلطة ، ولايزال هذا الأمر يتفاقم باطراد .

          ظاهرة عولمة ثورة المعلومات اتاحت تحولً عميقاً في السلطة ، ولم يعد أسياد العالم الحقيقيون أولئك الذين يمسكون بالزمام الظاهر للسلطة السياسية ، وأنما أولئك الذين يتولون شأن الأسواق المالية ، والشركات الإعلامية الكبرى ، وطرق الاتصالات السريعة، وصناعة المعلوماتية والتقنيات الوراثية ( رامونيه ، 2006 م ) .

أهداف الدراسة :

–       تأثير التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات على قوة العمل .

–       تتبع الأسباب التي أدت إلى تجسير هوه التكلفة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية .

–       السبل الواجب اتباعها للاستفادة من إيجابيات العولمة .

تساؤلات الدراسة :

–       ما الأسباب التي جعلت عالم اليوم يفتقر إلى المساواة ؟

–       ما هو السبب وراء معدلات النمو المتسارع والهائل خلال فترة قصيرة من الزمن ؟

–       لماذا لم تستطيع النظرية الكلاسيكية الجديدة للنمو الاقتصادي ( نظرية مارشال ) من الاجابة على الاسئلة السابقة ؟

–       هل هناك نظرية جديدة وبديلة قادره على الاجابة على الاسئلة التي فشلت النظرية الكلاسيكية من الإجابة عليها .

–       ماهي آثار التقدم التكنولوجي على الفقر وانعدام المساواة ؟

–       هل يمكن أن تكون العولمة من أجل الجميع ؟

أولاً : الاقتصاد الجديد :

          نظرية مارشال الاقتصادية التي أنشأها الاقتصادي البريطاني الفريد مارشال مع بداية القرن العشرين والتي تتلخص في اقتصاد التوازن بين الثوابت المقارنة والتحولات في منحنيات العرض والطلب والاستجابات الرامية إلى التكيف .

          ونظرية مارشال ترتكز على فلسفة ان ” الطبيعة لا تقفز ” وثيقة النظرية في قدرة السوق على حل المشكلات التي تعترض التغيرات الاقتصادية لكن القفزة التكنولوجية التي أدت إلى رفع أجور العمال المهرة والمتمكنين مما أوجد حالة متفاقمة من التفاوتات وعدم المساواة ما اقنعت الاقتصاديين ان أدوات مارشال ضئيلة القيمة فيما يتصل بفهم النمو الاقتصادي الحديث . وان المصادر الحقيقية للنمو لا تكمن في العرض والطلب وتخصيص الموارد القليلة للاستخدامات البديلة بل انها تكمن في التغير التكنولوجي والتنظيمي وهما اللذان يجيبان على اجابات لاسئلة لا نجد لها اجابات في أدوات مارشال مثل ما السبب وراء ركود مستويات المعيشة المتوسطة في كل انحاء العالم ولهذه المدة الطويلة ؟ ولماذا خصصت معدلات النمو لتسارع هائل خلال فترة وجيزة من الزمن ؟ وما الذي جعل عالم اليوم يفتقر إلى المساواة إلى الحد الذي أصبح من الصعب معه ان نجد أي مقياس لتوزيع الثروة في العالم لا يعتريه الانحراف على الأقل من ثمانينات القرن العشرين ؟

          اين اقتصاد الابتكار والابداع والتكيف والانتشار من الاجابة على هذه الاسئلة التي تكمن في التغير التكنولوجي والتنظيمي .

          وعناصر الاقتصاد لابد ان تختلف تمام الاختلاف خلال الجيل المقبل عما هي عليه الآن .

          ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين ارتبك النمو الاقتصادي بالتقدم التكنولوجي ، وهو مايبدو واضحاً عند تحليل الطفرة الاقتصادية المواكبة للتقدم التكنولوجي في بعض الدول الآسيوية ومنها اليابان والصين والهند في العقود الأخيرة .

          فالنظرية الكلاسيكية الجديدة للنمو الاقتصادي ( نظرية مارشال ) غير مناسبة تماما لتحليل ظاهرة النمو الاقتصادي لانها تركز فقط على تراكم رأس المال ( البشري والمادي) بينما التغيرات التكنولوجية كعوامل محددة للنمو في إطار نظري تفترض وجود نوع من أنواع التوازن .

          بينما النظرية الحديثة والبديلة تركز على النمو الاقتصادي النابع من التقدم التكنولوجي وتتضمن عدم التوازن بشكل أساسي ومستمر كعنصر أصيل وأساسي فيها أي أنها تنقل التركيز في نظرية النمو على الابتكار والبراعة في إدارة الأعمال وأخذ المخاطر في سلسلة من الخطوات غير المتصلة ببعضها والبعيدة عن افتراض التوازن .

          وهذه النظرية البديلة تعترف بمجموعة واسعة من المؤسسات العاملة في نطاق الدول أو على المستوى الدولي ، مثل الجامعات والهيئات الحكومية ، إضافة إلى شركات الأعمال والأسواق وهي بخلاف نظريات النمو السابقة التي تركز على المعايير الجمعية الكلية للنمو ، مثل اجمالي الناتج القومي للفرد تتجاهل ما هو تحت المجموع الكلي ، حيث توجد نسب مختلفة للتقدم في قطاعات مختلفة .

          بينما النظرية البديلة تركز على عملية النمو الاقتصادي على انها تتضمن تطوراً متشاركة من التكنولوجيات والمؤسسات وقطاع الصناعة .

          بل ان نشأة وانهيار بعض الصناعات من المقومات الأساسية في عملية النمو .

          ويضرب على ذلك أمثلة ريتشارد نلسون مؤلف كتاب علاقة الاقتصاد والتكنولوجيا بالولايات المتحدة واليابان والنمور الآسيوية الأربعة كأمثلة على تطبيق تلك النظرية البديلة حيث يجب ان تحدث تغيرات مؤسسية لتحقيق الاستفادة القصوى من التكنولوجيات الجديدة ( Nelson, 2005) .

          لكن القوى التي تحرك التنمية في النظام الاقتصادي العالمي وينتج عنها تنمية جغرافية غير متساوية فهو راجع إلى القوى التي تصنع النجاح أو الفشل الاقتصادي ، وليس باللجوء إلى سياسات الليبرالية الجديدة التي لا تشجع النمو الاقتصادي الحقيقي الموزع بعدل . ( Harceg, 2006)  .

ثانياً : أثر التكنولوجيا على قوة العمل :

          ثورة المعلومات أدت إلى انتقال الشركات من الاعتماد على قوة العمل المكونة من موظفين تقليديين أكبر سناً واكثر خبرة إلى آخرين أصغر سناً وأكثر رغبة في التنقل بين الوظائف المختلفة يفرض هذا الانتقال العديد من التحديات المهمة خصوصاً عندما نضع في الاعتبار السياق الذي يمثل فيه الشركات التي تطبق خطط طويلة الأجل تهدف إلى تقليل عدد الموظفين وتخفيض النفقات .

          وتنوي الدول المتقدمة عام 2008م إلى إحالة الجيل المولود بين عامي 1946م و 1964م إلى سن التقاعد في معظم الدول المتقدمة وإذا استمر اقتصاد الولايات المتحدة في النمو بمعدل 1.5 في المائة سنوياً فسيواجه عجزاً يقدر بعشرة ملايين موظف بحلول 2010 م .

          بعض المجالات ستعاني من هذا العجز أكثر من الأخرى فمن المتوقع أن تفقد مصانع السيارات أكثر من 40 في المائة من مديريها ومن المقرر ان يحال 45 في المائة من العاملين في الخدمات المدنية الفيدرالية الكندية للتقاعد بحلول عام 2010 م .

          ووصل بالفعل في الولايات المتحدة تقاعد 60 في المائة من الموظفين في أحد معامل في وكالة ناسا الفضائية وكذلك واجه نظام الرعاية الصحية في استراليا 31 ألف مكان عمل شاغر عام 2006م .

          فلا يزال ينظر إلى قوى العمل البشرية على انها عناصر قابلة للاستبدال .

          فبينما يزيد احتياج العمل إلى المعرفة ، نجد أن جيلاً كبيراً من الموظفين الذين يتمتعون بالخبرة والمعرفة في مجالهم قد وصولوا إلى سن التقاعد ( Delong, 2004) .

          فالتكنولوجيا قوة لا يمكن مقاومتها ، وقد تلعب دوراً في عدم المساواة في الأجور والنمو البطيء لأجور الطبقة المتوسطة ، والاختلافات بين التكنولوجيا والعولمة مهمة ، ومن الناحية العملية لا يمكن الفصل بينهما بسبب انهما متشابكان .

          والتكنولوجيا تساعد العمال في طريق زيادة انتاجيتهم وبالتالي زيادة الأجور وان كانت هناك مدرسة أخرى لا ترى زيادة الأجور بشكل فوري .

          وأثر التكنولوجيا مثل آثار التغيرات الاقتصادية الأخرى على تحول الميزة المقارنة بصورة سريعة من نشاط إلى التالي . وهذا يعني احتكاكاً أقل في أسواق العمالة ، ونظاماً تنظيمياً يشجع الاستثمار . ويعني نظاماً تعليمياً يزود الناس بالمهارات العامة التي تجعلهم متنقلين .

          لكن الاشكالية هي في التفاوت الكبير جداً بين راتب العامل العادي الذي لم يزيد في الولايات المتحدة منذ عام 2001م بسبب ان نمو الاجور الحقيقية بسرعة تبلغ أقل من نصف سرعة نمو الانتاجية . بينما أجور كبار المدراء في اميركا منذ 20 عاماً زادت من حوالي 40 ضعف متوسط الأجور التي ظلت على هذا المستوى أربعة عقود وإلى 110 أضعاف المتوسط اليومي فالعامل حينما تنتهي خدماته فلن يحصل على مبلغ مجزي في حين تنجي نارديلي أحد المدراء بمكافأة باهظة ومهيبه بقدر مهنته التنفيذية . ومقارنة ببدل انهاء خدماته البالغ 210 ملايين دولار في شركة هوم ديبوت .

ثالثاً : تجسير هوة التكلفة :

          انيل شتكارا نائبة الرئيس لشركة بي . تي . سي الأمريكية وهي شركة رائدة عالمياً في مجال برمجيات التصميم باستخدام الكومبيوتر التي تستخدم في تطوير المنتجات للأغراض الصناعية ، يقول ان هنالك 30 في المائة من كل الأعمال الخاصة بتطوير المنتجات في الدول ذات تكلفة اقل . وتعتبر الهند دولة رائدة في جذب مثل هذه الأعمال ، وهي تتقدم على بعض الدول الأخرى مثل جمهورية التشك والصين وروسيا .

          ويقول اريد من أجل القيام بتطوير أحد المنتجات داخل البلاد في بلد التكلفة فيه مرتفعة يمكن أن يكلف ذلك من 40 إلى 60 دولاً للساعة الواحدة . ان تنفيذ العمل في الخارج سواء من خلال قسم تابع للشركة أو من خلال التعاقد مع شركة أخرى يتم اسناد العمل إليها يمكن أن يخفض التكاليف بحيث تتراوح ما بين 10 و 25 دولاراً في الساعة .

          وبدأت تذهب الشركات في الدول ذات التكلفة المرتفعة إلى بلدان مثل الهند من أجل تطوير منتجاتها .

          وذهاب تلك الشركات ليس فقط بسبب انخفاص التكاليف رغم انه عنصر جذب لكن من أجل توسيع نطاق الحصول على عماله فنيه بدرجة أكبر مما هو متوفر في بلدانهم بحسب اعتراف مسؤولين كبار في نفس الشركات الأمريكية .

          يدعم موقف الهند في مجال اسناد عمليات التطوير جودة التعليم الفني في الهند الذي يوفر أعداداً كبيرة من المهندسين المتدربين ذوي الأجور الاقل نسبياً . ولديهم خبرة أخرى قدرتهم على تعلم اللغات وخصوصاً اللغة الانجليزية تساعدهم في مجال الخدمات الخارجية بالإضافة إلى مرونة المهندسين الهنود في العمل خارج الهند ( مارش ، 2006م ) .

          ولم تكتفي الهند بأساليب التطوير الأساسية بل أيضاً اهتمامها بأعمال جانبية يمكن أن يكون من السهل نسبياً أسنادها لجهة خارجية مثل تحديث منتجات سابقة للشركة تحتاج لنوع من التحسينات أو تصميم أدوات بل أصبحت الشركات العالمية تنظر الى المهندسين الهنود ليس فقط من أجل تنفيذ أعمالهم بل اصبح من أجل الوصول إلى أشخاص لهم وزنهم في مجال يتسم بالشح في العرض .

          فأصبحت الهند تلعب دوراً بارزاً ورئيسياً في تقريب الفجوة بين البلدان ذات التكلفة المرتفعة والبلدان ذات التكلفة المنخفضة وذلك من خلال تطوير منتجات جديدة تستخدم التقنية الغربية ولكنها تركز على احتياجات الناس ذوي الدخول المنخفضة في الاقتصادات الناشئة .

          فشركة انتل الأمريكية التي تعتبر أكبر شركة لانتاج المعالجات الالكترونية الصغيرة ، كشفت أخيراً عن تصاميم لجهاز كمبيوتر رخيص يتم تصنيعه من قبل شركات هندية رائدة في مجال الالكترونيات وهي شركة وبرو وشركة اتش . سي . أل انفو سستمز ، يمكن أن تستخدم في الشاك الانترنت في المناطق الريفية ، ويعمل على بطاريات رخيصة ويتحمل درجات الحرارة القصوى .

          وينطبق الشيء نفسه على صناعة سيارات شعبية رخيصة الثمن يستطيع أفراد الطبقة الوسطى في الهند اقتناءها حيث يتم بيعها بسعر التجزئة بأقل من عشرة آلاف دولار.

رابعاً : العولمة تقلقل أنصارها :

          انتقال التصنيع إلى الخارج ، فجأة أصبح الأمريكيون الذين كانوا من أشد انصار العولمة لمدة طويلة مهتمين بالآثار الضارة للعولمة على اقتصادهم . وبطبيعة الحال فإن المرافعين عنها لا تزعجهم ضياع فرص العمل ، فهم يؤكدون ان انتقال التصنيع إلى الخارج يخفض من التكاليف تماماً مثل التحول التكنولوجي الذي يحسن من الانتاجية ، مما يؤدي إلى زيادة الأرباح وكل مايؤدي إلى زيادة الأرباك يكون مفيداً للاقتصاد الأميركي .

          ويعتبرون ان في الأسواق التنافسية يضمن قانون العرض والطلب على المدى البعيد ان يتساوى الطلب على العمالة من المعروض منها في النهاية ستختفي ظاهرة البطالة .

          لكن الواقع غير ذلك وان أداء الاقتصاد الأمريكي غير الجيد ويعاني عجزاً تجارياً وكذلك في الميزانية ومطالباً الاقتصاد الأمريكي بخلق وتوفير ما بين أربع إلى ست ملايين فرصة عمل لاستيعاب الاضافات الجديدة إلى قوة العمل لكن ما حدث على أرض الواقع كان الاطاحة بأكثر من مليوني فرصة عمل حتى نهاية عام 2004م .

          والقلق الأكبر هو انتقال الأعمال التي كانت تمثل العقيدة المحورية في النقاش حول العولمة في الولايات المتحدة والدول الصناعية المتقدمة الآخرى التي كانت تقول ان العمال لا ينبغي أن يخافوا من العولمة بعد ما ان كان انتقال الأعمال لصالح الأعمال التي تتطلب عماله رخيصه فقط بينما تخصص الولايات المتحدة في المجالات التي تكسب فيها تميزاً نسبياً والتي تتطلب عماله ماهره وتكنولوجيا متقدمة لكن هذه أصبحت حجة غير مقنعة . ففي النهاية لابد أن يقبل مهندسي أمريكا والدول الغنية إلى تخفيض أجورهم أو يضطروا إلى البطالة .

          فقد تضطر أمريكا والدول الأخرى الغنية إلى إتخاذ خطوات كفيلة بحماية عمالها وشركاتها ضد المنافسة الآتية من الخارج سواء في مجال البرمجيات أو تصنيع الفولاذ فان مبررات الدول النامية لاتخاذ الاجراءات نفسها أكثر منطقية وقوة ( ستيجلتز ،2004م) .

          وأكثر من نصف الأمريكيين يريدون حماية الشركات من المنافسه الأجنبية حتى لو أدى ذلك إلى ابطاء النمو . بالإضافة إلى ذلك فان مجلس النواب صوت لصالح الحد الأدنى للأجور الفيدراليه للمرة الأولى منذ عشر سنوات . وحتى اليابان تشعر بنفس القلق بشأن عدم المساواة وركود الأجور وذهاب الوظائف للصين في الوقت الذي يحتضر فيه جولة الدوحة لمحادثات التجارة العالمية .

خامساً : الانفاق على المعرفة من أجل امتلاك التكنولوجيا :

          تشهد جامعة MIT في مدينة كامبردج في الولايات المتحدة فعاليات مؤتمر (التقنيات القادمة ) وهو تقليد سنوي دأبت عليه الجامعة برعاية مجلة التقنية Technology Review ويشارك في هذا الملتقى زبدة من أصحاب العقول والاختراعات الجديدة من حول العالم لتكريم أفضل 100 مخترع من الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً .

          وتشكل هذه التظاهرة العلمية فرصة غير عادية لاؤلئك الشباب المخترعين لجذب انظار المستثمرين ودعوتهم للمشاركة في تمويل تطوير المخترعات ونقلها من مرحلة الأفكار إلى مرحلة الانتاج التجاري .

          والمعرفة اليوم مشتته بين كل الدول ، ولكن الدول المتقدمة سعت إلى احتكار التكنولوجيا والمعرفة وأنشأت منظمة عالمية للملكية الفكرية ” وايبو ” من أجل حماية الملكية الفكرية ، بينما العالم العربي والإسلامي أصبح في ذيل المناطق العالمية التي تمتلك المعرفة واقتصادياتها .

          وهذا لا ينفي قدرة العقل العربي والإسلامي على الابداع والابتكار في شتى مجالات العلم والمعرفة ، ولكن هناك حقيقة أخرى تؤكد أن العالم العربي أصبح طارداً للعلماء ساهموا في النهضة الغربية الحديثة ، ولم تستطع العقول العربية المهاجرة إلى إيجاد بيئة علمية مناسبة لها في العالم العربي مما ساعد الغرب على تلقفها والاستفادة منها في بناء نهضتها العلمية والمعرفية وهناك جانب آخر يقوم الغرب بتمويل البحوث العلمية باشكال متنوعة حتى يستطيعوا الابتكار والابداع العلمي .

          وتتحول آسيا على نحو سريع إلى محور عالمي جديد للانجاز في العلوم والتكنولوجيا متحدية هيمنة الولايات المتحدة وأروبا ويشير بحث اجرته مؤسسة ( يموس ) البريطانية إلى هيمنة آسيا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والأعمال والاختراعات في العقد المقبل ، مشيراً إلى أن الصين والهند وكوريا الجنوبية تبرز باعتبارها ( مراكز استقطاب في مجال الاختراعات ) وبالأرقام فإن الصين تجاوزت اليابان لتصبح المستثمر الثاني في العالم في مجال الأبحاث والتطوير بعد الولايات المتحدة .

          ووفقاً لأرقام في ( تقرير العلوم والتكنولوجيا والصناعة لعام 2006 ) انفقت الصين ما يقرب من 136 مليار يورو على الأبحاث والتطور في عام 2006 واليابان ما مجموعه 130 مليار يورو ، غير ان الولايات المتحدة ظلت تقف على رأس دول العالم في استثمارات الأبحاث والتطوير بما يقرب من 330 مليار يورو . اما دول الاتحاد الأوربي التي تضم 15 دولة بينها فرنسا والمانيا والمملكة المتحدة ، فقد انفقت 230 مليار يورو ، وفي الفترة من 1995 حتى 2001 زادت الصين وكوريا الجنوبية وتايون من إجمالي الإنفاق على الأبحاث والتطوير بما يقرب من 14 في المائة بينما زاد الولايات المتحدة استثماراتها بـ 34 في المائة .

          ولكن زادت براءات الاختراع المسجلة باسماء باحثين اسيويين من الصين والهند وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايون بنسبة 859 في المائة بين عامي 1989 وحتى عام 2001 ، بينما كان نشاط براءات الاختراع داخل الدول المتقدمة بسرعة أقل بلغت نسبة 116 في المائة .

          ويشير تقرير لصحيفة ( نيويورك تايمز ) حول نمو آسيا في مجال الابتكار العلمي والتكنولوجيا ، مستشهدة بما قالته هيكس رئيسة معهد السياسة العامة في معهد جورجيا للتكنولوجيا إلى أنه ( من المدهش ان نرى هذه الحصيلة في أرقام المطبوعات والشهادات وبراعات الاختراع تتسارع على هذا النحو . انه شيء لا يصدق ) .

          وقد أورد ( تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2006 ) حول اتجاهات التكنولوجيا في العالم بان الصين تمثل الآن المرتبة الثانية في العالم حيث يوجد 966 ألف باحث تأتي مباشرة بعد الولايات المتحدة حيث يوجد بها 1.3 مليون باحث واحتلت اليابان المركز الثالث بنحو 677 ألف باحث بينما احتلت روسيا المركز الرابع .

          وفي تقرير لليونسكو العلمي لعام 2005 ان إجمالي الانفاق على الأبحاث والتطوير في آسيا ارتفعت من 27.6 عام 1997 إلى 36.5 عام 2004 من إجمالي الانفاق على البحث العلمي العالمي مما أدى إلى اعداد هائلة من المواهب في مجال العلوم والتكنولوجيا والإدارة في آسيا ، التي لديها آفاق في تجاوز الغرب سواء في النوعية أو الكمية . وتشهد الهيمنة الأوربية الأمريكية في الابتكار في مجال العلوم والتكنولوجيا انخفاضاً .

          وخلال العقدين المقبلين ستخلق آسيا مراكز جديدة هامة للابتكار في مجال العلوم والتكنولوجيا .

          ويتوقع ان تصبح الصين القوة العلمية الأولى عام 2050 إذا سارت التوجهات في الصين على هذا المنوال ( تقرير ، الصين ، القوة العلمية العظمى المقبلة 2006) .

          واستطاعت الصين إغراء 200 الف صيني بالعودة من خلال تقديم محفزات حكومية وفرص تجارية .

وبراءات الاختراع في الصين تسجل زيادة سنوية قدرها 23 في المائة منذ عام 2000 كما ان هناك 750 شركة عالمية باتت لها مراكز بحث في الصين خلال السنوات الثماني الماضية ( غويتا ، 2007) .

سادساً : كيف تكون العولمة من أجل الجميع :

          يجب الا نتظاهر بأن الجميع يستفيدون من العولمة . فالمشكلة التي تفرضها العولمة اليوم هي بالتحديد ان قليلين قد يستفيدون ، وان الغالبية العظمى قد تسوء أحوالهم ، ما لم تضطلع  الحكومة بدور فعال في إدارة وصياغة العولمة .

          ونعوم شومسكي يقول ان العولمة تفاقم انعدام المساواة فحسب ، بل زادت الفقر العالمي .

          ولكن إيهما يؤثر أكثر ، عدم المساواة أم الفقر ؟ فالغالبية العظمى ترى ان الفقر أكثر أثراً من عدم المساواة . وحقيقة الأمر مع الزيادة الأخيرة في معدلات النمو في أكبر البلدان الفقيرة – على رأسها الصين ، وبدرجة أقل الهند –  أخذ عدم المساواة والفقر العالميان في الانخفاض . ويشير مؤشر عن التنمية حول العالم اصدره البنك الدولي في إبريل 2004 ان أعداد من يعيشون في فقر مدقع وهم الذين يعرفهم خط الفقر المعتمد لدى البنك الدولي انهم من يعيشون على دولار واحد يومياً ، حسب القوة الشرائية وكنسبة من سكان البلدان النامية بلغ التراجع 39.5 في المائة عام 1981 إلى 21.3 في المائة عام 2001 م .

          والسبب الرئيس في انخفاضات الفقر وانعدام المساواة العالميين واحد : النمو السريع في البلدان الآسيوية ، وفي مقدمتها الصين . ويظهر أرقام البنك الدولي الخاصة بالفقر بجلاء فقد تراجعت النسبة بين عامي 1981 – 1999 من يعيشون على دولار واحد يومياً في منطقة شرقي آسيا والمحيط الهادي من 56 في المائة إلى 16 في المائة ، وتراجعت النسبة في الصين من 61 في المائة إلى 17 في المائة لكن في أفريقيا جنوب الصحراء حيث تعثر النمو عن 42في المائة إلى 47 في المائة .

          فالانفتاح أمام التجارة أبعد من أن يكون شرطاً كافياً للنمو السريع ، لكنه أثبت في حال توافرت الظروف الملائمة .

          وإذا استمرت الدول المانحة في تقديم قدر ضئيل من العون لا يكفي لحل مشاكل أفقر دول العالم ، فلن يكتب لهذه الدول التفلت من قبضة الفقر أبداً . أما إذا بادرت الدول الغنية إلى تمويل قدر أكبر من الاستثمارات في الأعوام المقبلة ، فانها بهذا تمنح الدول الفقيرة الفرصة لتحقيق النمو الاقتصادي . الأمر الذي يعد بانتفاء الحاجة إلى هذه المساعدات مستقبلاً .

          وقد اقترح الوزير البريطاني براون إنشاء هيئة التمويل الدولي IFF تحقيق لهذا الهدف بالتحديد . وتتلخص فكرة هيئة التمويل الدولي في ضمان مضاعفة الدول المانحة المعونات التي تقدمها في غضون العقد المقبل ، حتى تتمكن الدول الفقيرة ذات الحكومات الرشيدة من وضع الاستثمارات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية في الألفية الجديدة . وتهدف التنمية إلى وضع أفريقيا والمناطق الفقيرة الأخرى على أول الطريق نحو النمو الاقتصادي الثابت من خلال احتساب نفقات ومصروفات المعونات مقدماً خلال الفترة حتى عام 2015 .

          لكن قوانين التجارة العالمية تكرس الثراء على حساب الفقراء وهي تحمي المزارعين الأثرياء على مستوى العالم من خلال خنق كل فرصة تسنح للفقراء ، وذلك بتكلفة تصل إلى 280 ألف مليون دولار امريكي سنوياً يتحملها دافعوا الضرائب والمستهلكون . وفي مجال الصناعة يمنع الوضع الراهن الدول الفقيرة من الترقي في سلسلة القيمة بسبب تصاعد التعريفات المفروضة على صادراتهم وفقاً لدرجة معالجة هذه الصادرات .

          والحواجز القائمة بين البلدان النامية أيضاً مرتفعة بصورة خاصة ، الأمر الذي يؤدي إلى إعاقة النمو السريع للتبادل التجاري بين تلك البلدان .

          وفي مجال اللخدمات تسد الحواجز التجارية الطريق في وجه تحسين الجودة والكفاءة ، الأمر الذي يؤدي إلى إبطاء نمو قطاع يستطيع أن يقدم اسهاماً ضخماً للعملية التنافسية وتشغيل العمالة .

          والدول الغنية تتراجع العرض المقترح بالغاء دعم الصادرات الزراعية بحلول عام 2013 ، ومنح الدول الأقل تقدما إعفاء الجمارك والقواعد الخاصة بالحصص على جميع صادراتها تقريباً .

          وهذه سوف يساعد على تقديم العون للدول النامية لتمكنيها من استغلال المزايا التي توفرها الفرص التجارية كوسيلة لدعم النمو بجانب تعزيز المعونات المالية والفنية والتحليلية فيما يتصل بالتجارة التي يقدمها كل من صندوق النقد والبنك الدوليين .

          والدول الأقل نمواً مجموعة من 50 دولة بها عدد كبير من الدول الإسلامية تعرضت لتاريخ مأساوي من الاستعمار والاستغلال وتشمل بنين واليمن وبنغلاديش وافغانستان والسودان وموريتانيا ومالديف ومالي وتشاد وجزر القمر والصومال وهذه الدول غالباً ما تقوم بتصدير المنتجات الزراعية البسيطة مثل الموز والسكر والشاي وتصيب هذه الدول من التجارة العالمية بسيطاً جداً يصل إلى 0.64 في المائة فقط عام 2004 والبالغة نحو 8.9 تريليون دولار .

          وتقول سوزان شبوب نائبة الممثل التجاري الأميركي بعد ختام أيام اجتماعات منظمة التجارة في هونج كونج في نهاية عام 2005 في حديثها للصحفيين ان ما قدمته أمريكا أكبر بكثير ما هو إلا مقدم لاستثمار اميركي ، وان الفوائد لامريكا والشركات الامريكية أكبر بكثير وما على اميركا وشركاتها إلا العودة لبدء بحث كيفية تحويل مؤتمر هونج كونج إلى أرباح ومكاسب طويلة المدى ، وذلك لأن أوربا واليابان واميركا قد حصلت على تعهدات لإلزام الدول النامية الكبيرة ذات الأسواق المربحة مثل مصر والسعودية في العالم العربي والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا باهم هدف تسعى وراءه الشركات الغربية الكبيرة وهو تحويل العالم كله إلى سوق كبير مفتوح للمنتجات الاميركية والغربية والقضاء على المنافسين المحليين . وحاولت مجموعة التسعين مكونة من 90 دولة فقيرة ونامية قد أحتجت في المؤتمر على إلزامها بفتح أسواقها للخدمات الغربية ، خصوصاً في مجالات حساسة للغاية مثل توزيع المياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية غير أن اعتراضها ذهب ادراج الرياح مع هيمنة الدول الغنية على المحادثات الكبيرة تقوم بالضغط على الدول النامية عن طريقين :

الأول : هو طريق القروض المصحوبة بشروط تنص على فتح الأسواق وتفضيل الشركات الأجنبية ، واعطائهم معاملات امتيازية ،والطريق الثاني هو طريق المعلومات الفنية التي يتم التلاعب بها لتناسب أجندة الشركات الغربية ، ثم يتم تقديمها للدول النامية المنبطحة والخالية من الفكر الاقتصادي المستقل على أنها معلومات اقتصادية ونصائح مخلصة في السياسة الاقتصادية مجردة .

          ويشهد على تلك السياسات كتاب : صورة المفكر الاقتصادي الأميركي جوزيف استجليتز رئيس مجل الاستشاريين الاقتصاديين الأميركي في فترة رئاسة بيل كلينتون وكبير الاقتصاديين في البنك الدولى ويروي كيف أدت سياسات البنك الدولي إلى الكثير من المآسي إلتى تعرض لها فقراء العالم الثالث بسبب اصرار العاملين في تلك المؤسسات على آليات عمل تبنى على أسس ايديولوجية وسياسية تتفق مع مصالح أو قناعات أصحاب السلطة في تلك المراكز الدولية .

          ويرى استجليتز في كتابه ان تلك السياسيات مازالت تؤمن ان السوق يصل تلقائياً إلى أكثر النتائج فاعلية عندما تنفض يد الدولة عن التدخل لصالح الفقراء وتقوم بتخفيض أو الغاء ما يقدم من دعم للسلع والخدمات الضرورية من صحة وتعليم ومسكن ، وهذه السياسات التي يصر على تطبيقها البنك الدولي في الدول التي تلجأ إليه طلباً المعونة حسب تعبير استجليتز تجاوزها الزمن ولم تعد صالحة في عالم اليوم لإدارة دفة العولمة ( استجليتز ، 2005 ) .

          ويرى ايسترلي باعتباره محللا سابقاً لنظم البنك الدولي بان الانتصارات الحقيقة ضد الفقر كثيراً ما تتحقق من خلال الأساليب التقليدية بخفض معدلات الفقر لا تساعد حقيقة وفعلياً ، بل انها في كثير من الأحيان تضر أكثر مما تفيد  Ensterly, 2005)) .

          بينما تقرير التنمية البشرية للعام 2006 م يؤكد ان التحديات البشرية الأكثر الحاحاً ، وان أصل المشكلة يكمن في الفقر والسلطة وعدم المساواة . وينصح باقامة شراكة عالمية من أجل التنمية ، عبر وضع خطة عمل عالمية في موضعها الصحيح لتحفيز العمل السياسي وتدعيم عمليات التخطيط على المستوى الوطني وتوفير التمويل متوسط الأجل .

          لكن جينفري ساكس مؤلف كتاب نهاية الفقر .. الممكنات الاقتصادية لمستقبل البشري يرى ان 20 سنة سبقت الالفية الجديدة من سياسات الاصلاح الهيكلي الفاشلة ، وان الاخفاق كان من الدول الغنية مثلما هو من الدول الفقيرة ولاسيما ان مسؤولية النجاح تقع على الجميع ، ويرى ان تعذر احراز تقدم في الأهداف التنمية وفي أغلب أنحاء أفريقيا وبعض مناطق أمريكا اللاتينية ، ووسط آسيا تدل على ان المشاكل تتجاوز مسألة أنظمة الحكم الرشيد ذلك ان الحكومات في هذه المناطق قد أبدت شجاعة واستقامة وذكاء ، ومع ذلك تراجعت التنمية لديها . ومن هذه المنطلق تأتي الحاجة الملحة إلى اقتصاد اكلينيكي يشير إلى مسار استراتيجية أفضل في المستقبل . يتمثل مفتاح الاقتصاد الجديد في التشخيص المغاير الذي تتبعه وصفه علاجية مناسبة . وضرورة ان يأتي علاج مغاير كلي في كل حاله على حده ، يكون ساكس قد عمل على تقويض سلطان التهمه التي كثيراً ما تذرع بها الغرب في نصائحه للدول الفقيرة بتبنى أنظمة حكم رشيد .

          وهو يؤيد أفكار الاسكوتلندي آدم سميث (1723-1790) حول طبيعة وأسباب ثروة الأمم فيصل ساكي إلى ان الجغرافيا بما فيها من موارد طبيعية والغرب من مسارات التجارة والأسواق الرئيسية لا تقل أهمية عن الحكم الرشيد بأي حال من الأحوال . (Sachs, 2005) .

          فايرلندا اليوم أغنى بلد أوربي بعد لوكسمبورغ ، بعدما كانت تعاني من المجاعة والحروب الأهلية تمتلك اليوم اجمالي ناتج محلي للفرد أعلى من المانيا وفرنسا وبريطانيا .

          وتحولت ايرلندا في أقل من جيل من بلد فقير إلى بلد غني ، ففي أواخر ستينيات القرن الماضي جعلت الحكومة التعليم الثانوي مجانياً وعندما انضمت عام 1973م إلى أوربا اصبحت قادرة على الاستفادة من قوة عمل أكثر تعليمياً . وبحلول أواسط الثمانينات كانت ايرلندا قد حصدت الثمار الأولية لعضويتها في الاتحاد الأوربي ، وهي المعونات لاقامة بنية تحتية أفضل وسوق كبيرة تبيع فيها منتجاتها . وبسبب سنوات سياسية الحماية وسوء الإدارة المالية عانت من الأفلاس ولكن شجاعة التغيير قادت ايرلندا إلى اتباع برنامج للتقشف المالي وخفض الضرائب على الشركات إلى 12.5 في المائة وهو أدنى بكثير من بقية دول أوربا . ما جعل الأجور والأسعار معتدلة ، واجتذبت الاستثمار الأجنبي وفي عام 1996 جعلت ايرلندا التعليم في الكليات مجاناً . ما أدى إلى خلق قوة عمل أكثر تعليماً .

          ففي الوقت الحالي لدى تسع من كل عشر من كبريات شركات المواد الصيدلانية في العالم كليات في ايرلندا ، وكذلك الحال بالنسبة لـ 19 من 20 شركة معدات وطنية و7 من كل 10 من شركات تصميم البرامج الالكترونية وفي عام 2004م حصلت ايرلندا على استثمارات أجنبية من أمريكا أكثر من دولة في حجم الصين . انها السياسات الداخلية السليمة وتبنى العولمة طريق للنجاح .

سابعاً : الاعتماد على قوى السوق ليس دائما هو الحل الأمثل :

          اصرار العاملين في المؤسسات الدولية على أن السوق يصل تلقائياً إلى أكثر النتائج فاعلية عندما تنفض يد الدولة عن التدخل لصالح الفقراء وتقوم بالغاء ما يقدم من دعم للسلع والخدمات الضرورية من صحة وتعليم ومسكن وهذه السياسات يصر على تطبيقها البنك الدولي في الدول التي تلجأ إليه طلباً لمعونته ولا يريد ان يقتنع كذلك صندوق النقد الدولي ، ان الاعتماد على قوى السوق ليس دائماً هو الحل الأمثل ، وفي حالات كثيرة كان تدخل الدولة إصلاح لما افسده السوق وسد ثغرات كبيرة احدثها .

          وجميع الاقتصاديين يؤيدون تطبيق الخصخصة إلا انه مما يعطي الحالات خصوصاً حينما تباع مشروعات الدول للاجانب تؤدي إلى أضرار جسيمة للاقتصاد الوطني كما ان الانتقال المفاجىء إلى اقتصاد الخصخصة يجعل الدولة تدفع ثمناً باهظاً في صورة انخفاض معدل النمو وزيادة معدل البطالة وشيوع الفساد مثلما حدث في روسيا وفي بعض دول الاتحاد السوفيتي السابق نتيجة تطبيق نصائح صندوق النقد الدولي الذي أوصى تلك الدول بسياسة علاج الصدمة والانتقال مباشرة إلى اقتصاد السوق دون المرور بمراحل تدرج حذره مثلما عملت الصين الذي جنبها الكثير من الأزمات التي عانت منها دول شرق أوربا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا .

          ويلقي اللوم المفكر الأمريكي جوززيف استجليتز رئيس مجلس الاستشاريين الاقتصاديين الآميركي في فترة رئاسة بل كلينتون وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي الذي رأى وعاد وألف كتاباً بعنوان ( ضحايا العولمة ) على سياسات صندوق النقد الدولي واصرار العاملين فيه على آليات عمل تبنى على أسس ايديولوجية وسياسات تتفق مع مصالح أو قناعات أصحاب السلطة في تلك المراكز .

          وهي مسؤولة عن حالات الفشل في أنحاء كثيرة من العالم وأثرت بشكل مرير على الفقراء بسبب سياسات الصندوق البالية بسبب اهمال الصندوق جانب التنمية الاقتصادية لذلك من الضروري مراجعة الاتفاقيات التجارية الدولية التي لعبت دوراً كبيراً في الغاء الحواجز التجارية والسياسيات التي فرضت على الدول النامية أو الأقل فقراً في إطار عملية العولمة . وعلى ذلك لابد من تناول المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها شعوب تلك الدول الأقل فقراً أو الدول الفقيرة وترك ايديولوجية منظمة التجارة العالمية جانباً وتحصر الوقائع الخاصة لكل دولة تحديداً . لأن القرارات التي تبنى على أسس أيديولوجية وسياسية تؤدي دائماً إلى مبادرات ناقصة عاجزة تماماً عن حل مشكلات الدول الفقيرة .

          فالفرضية التي ترى أن السوق يصل بصورة تلقائية إلى أكثر النتائج فاعلية ولا داعي لأي تدخل من قبل الحكومات بضبط الايقاع في الأسواق نظرية قد تجاوزها الزمن ، وأصبحت الحكومات والأسواق لابد أن تكون العلاقة بينهما أكثر تكاملية تعتمد على الشراكة ، فالحكومة يجب أن تضطلع بدور هام بالنسبة لقضايا عدم المساواة والبطالة والتلوث . ومن يحطون من قدر العولمة غالباً ما يغفلون مكاسبها ، لكن كذلك موقف أنصارها غير متوازن بدرجة كبيرة بسبب ربطه بالنموذج المنتصر الأمريكي الطراز .

          ولكن لماذا نجحت العولمة في الصين وفشلت في أماكن عديدة من العالم . فالتاريخ المحلي للصين عام 1990 كان يمثل 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في روسيا ، لكن في نهاية التسعينات شهدت روسيا اتساع رقعة الفقر بينما انخفضت نسبة الففر في الصين انخفاضاً كبيراً جداً ، بسبب ان الصين نفذت برنامج تحول اقتصادي صممته بنفسها  وطبقاً لظروفها بينما خضعت روسيا لبرنامج صممه صندوق النقد الدولي وكان سبباً فيما تعرضت له من أزمات . لكنها تنبهت روسيا في الوقت الحاضر لتلك المخاطر وتقترب الصين من احتلال المركز الرابع في العالم اقتصادياً وهي ثالث أكبر مصدر ومستورد للمنتجات التجارية في العالم بعد الولايات المتحدة والمانيا وأكبر دولة لديها فائض في حسابها الجاري في العالم ، يما يقارب 300 مليار دولار عام 2006 ولديها أكبر احتياطيات للعمله في العالم أكثر من ألف مليار دولار .

          ونجحت الصين باعتمادها أسس بصادرات تتميز باستخدام مكثف للعماله ، وطلب متزايد على المواد الخام ، واعتماد كبير على المعرفة ، والخبرة الأجنبية المستوردة .

تكمن السمة الهامة لتأثيرات عصر المعلومات أو المعرفة في الاقتصاد، فالاقتصاد هو المحرك الذي ميز مجتمع الثورة الصناعية، وكان التطور التكنولوجي الصناعي الطريق البديل لاستبدال البنى السياسية والاقتصادية القديمة وإقامة المجتمع الصناعي وبناء المجتمع المدني الذي شق طريقاً جديدة في التاريخ الإنساني، مقدماً كل يوم تطورات جديدة أذهلت معاصريه.

اليوم نسمي عصرنا بعصر المعلومات لأن تكنولوجيا المعلومات سمحت ببناء الاقتصاد القائم على المعرفة: Knowledge – Based Economy وهو اقتصاد يشق طرقاً جديدة في التاريخ الإنساني، ويقدم كل يوم تطورات مذهلة سواء على الصعيد التقني الصرف، أو على صعيد التغيرات البنيوية العميقة التي تظهر وتتبلور كل يوم.

وشهدت نهاية القرن العشرين تطورات مذهلة حققت تغيرات بنيوية عميقةفي المجتمع والإدارة والاقتصاد، وتلك التغيرات لا يمكن مقارنتها إلا بتغيرات الثورة الصناعية التي حدثت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر..ولقد اتسمت هاتان الثورتان بطابع التقدم التكنولوجي، فالأولى ثورة صناعية والثانية ثورة المعلومات,ولم يكن ممكناً ظهورهما لو لم تظهر التكنولوجيا الملائمة لكل منهما: في الأولى الآلة البخارية وفي الثانية الحاسوبكما كانت الأولى تمهيداً للثانية، فقد وضعت أسس التقدم التكنولوجي والبحث العلمي، وحققت قفزة نوعية في ميدان المعرفة.

ويقدم قطاع المعرفة فرصاً جديدة للبلدان النامية، خاصة الدول العربية ويتيح لهذه البلدان فرصة اللحاق بالسباق، والحصول على نصيبها من الاقتصاد العالمي، فإذا نجحت في تحقيق توغل جيد في قطاع المعرفة، فإنها سوف تترجم ذلك في مستوى عيش أفضل وأكثر استدامة لجميع شعوبها.

والمعرفة في جوهرها هي ذخيرة المعلومات التي تستخدم لاتخاذ قرارات أفضل، الأمر الذي يؤدي إلى أعمال رشيدة، لقد ظلت المعرفة طوال قرون عديدة الميزة التنافسية التي أعطت الحضارة العربية موقعها القيادي،

ونقص المعرفة مسئول إلى درجة كبيرة عن مشكلات التنمية بحسب البنك الدولي، والذي يستخدم المثل القائل “المعرفة هي التنمية”. وإذا سوي بين المعرفة والتنمية فإن اتساع فجوة المعرفة يقود إلى اتساع مماثل في فجوة التنمية.

والمقارنة بين البلدان من حيث درجة تطورها تبين أن ـ وإن كان جزء من الفروق بينها يعزى إلى نقص في رأس المال المادي والبشري ـ قسماً كبيراً من الفروق ناجم عن فروق في المعرفة، وتمتلك المجتمعات في العالم المعاصر وبخاصة في الجزء المتقدم منه مجموعات كبيرة من هذه المعلومات على شكل صيغ رقمية، وغالباً ما تكون هذه المعلومات منظمة على شكل عدة أنواع من قواعد البيانات.

ويؤكد باحثون أن امتلاك المعلومات هو شيء واستخدامها بصورة فعالة هو شئ آخر تماماً وخاصة من المجتمعات التي تتطلع إلى امتلاك إدارة مدنية أو حضرية سليمة، ومع الإشارة إلى النقطة الأخيرة والتي هي الاستخدام الفعال لأنظمة المعلومات فإنه ينبغي التنويه أن فروقاً كبيرة قد نشأت في هذا المجال بين الدول المتقدمة والدول التي لا تزال في دور التطور. (1)

الفصل الأول : اقتصاد المعرفة .. أبعاد وسمات

مجتمع اقتصاد المعرفة الذي نعيشه اليوم إنما هو نتيجة التحول من مجتمع ذي اقتصاد صناعي يكون رأس المال فيه هو المورد الإستراتيجي إلى مجتمع ذي اقتصاد معلوماتي أو معرفي تشكل المعلومات فيه المورد الأساسي والاستراتيجي.. حيث يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن الحضارة الحالية تحولت من اقتصاد صناعي إلي اقتصاد معلوماتي.

وفي ظل اقتصاد المعرفة تحولت المعلومات إلى أهم سلعة في المجتمع، وقد تم تحويل المعارف العلمية إلى الشكل الرقمي وأصبح تنظيم المعلومات وخدمات المعلومات من أهم العناصر الأساسية لاقتصاد المعرفة، وفي ظل هذه الظروف الجديدة لم يعد الاقتصاد معنياً فقط بالبضائع أي بالتبادل التجاري للمنتجات المادية، بل ازداد اعتماده على تقديم الخدمات، وبالتالي اكتسب الاقتصاد سمة جديدة وهي إنتاج وتسويق وبيع الخدمات والمعلومات.

ومن ناحية أخرى تدخل المعرفة ( التكنولوجيا ) كعنصر أساسي في إنتاج البضائع المادية، وتبلغ نسبة المعرفة الناتجة عن التكنولوجيا أكثر من 50 % من الإنتاج الإجمالي الأمريكي، كما أن مجموع العاملين الأمريكيين ممن لهم علاقة بالمعلومات والمعرفة يبلغ حوالي ثلاثة أرباع مجموع القوة العاملة الأمريكية، ويتعزز هذا الاتجاه بصورة مستمرة، فمن المتوقع أن 60 % من المهن الأمريكية الجديدة عام 2010 ستتطلب مهارات متطورة لـ 22 % من عمال اليوم .

إن الشركات التي تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات وفي مجال التكنولوجيا الحديثة بصورة عامة تحقق أعلى نسبة من القيمة المضافة بالمقارنة مع قطاعات الصناعة التقليدية، كما يحصل العاملون في الشركات التكنولوجية الحديثة على أضعاف الدخول التي يحصل عليها زملاؤهم في القطاعات التقليدية، وتتميز هذه الشركات الحديثة بأنها الأقدر على تكوين علاقات واسعة على المستوى الدولي، وأصبحت هذه العلاقات جزءاً أساسياً من نجاحها، فبالإضافة إلى حلقات التوريد والإنتاج تستفيد الشركات من علاقاتها لتوسيع أسواقها والحصول على نسبة أكبر من القيمة المضافة .

ويصنف الباحثون الاقتصاديون اليوم الصناعات إلى صناعات هابطة وهي التي تعتمد على المواد الأولية أكثر من اعتمادها على التكنولوجيا، وتتميز بانخفاض القيمة المضافة على منتجاتها، وإلى صناعات صاعدة وهي التي تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا والخدمات والعلاقات أكثر من اعتمادها على المواد الأولية، وتتميز بارتفاع متزايد في القيمة المضافة على منتجاتها، وثمة شركات لا تدخل فيها مواد أولية أبداً فالقيمة المضافة فيها هي بكاملها نتاج المعرفة مثل شركات التجارة الإلكترونية. (2)

ومن الضروري التمييز أو التفرقة بين ما يعرف باقتصاد المعلومات وما يعرف باقتصاد المعرفة، فالأول يتعلق بطبيعة القرارات الاقتصادية المبنية على المعلومات، التي تكون إما كاملة أو مؤكدة أو احتمالية أو غير ذلك، والثاني يرتبط بالابتكار والتجديد والتطوير، فيصبح إتخاد القرار الاقتصادي جزءا منه، والمعرفة تحديداً هي قدرة إدراك وقدرة تعلم، وهذا ما يميزها عن المعلومات، وهي تتحسن بالمعلومات التي ليست إلا معطيات مصاغة ومنظمة، وهكذا يصبح الفارق بين المعرفة والمعلومات أن المعرفة يمكن بلوغها أساساً عن طريق التعليم والتدريب والتعلم والخبرة المكتسبة، والمعلومات يمكن الحصول عليها عن طريق النسخ.

والناحية الاقتصادية في المعلومات تكمن في الكشف عنها وحمايتها، أما الناحية الاقتصادية في المعرفة فتكمن في إنتاجها وفي أنشطة التعليم والتدريب والتعلم الملحقة بها وإنتاج المعرفة هو نشاط تلقائي يتبع نشاطا آخر، ولا يكون متعمداً إلا عندما يأتي نتيجة للبحث العلمي الذي هو نشاط متعمد يقود إلى زيادة المخزون المعرفي، عكس النشاط الاقتصادي الذي لا يمكن أن يجري إلا بطريقة متعمدة. (3)

ويعد رأس المال المعرفي هو حصاد العقل البشري أي بمعنى أكبر هو الحصيلة والقدرة العلمية والتي يستفاد بها من البشر، وهي ليست رأس المال البشري، ونجد أن الدول التي تقدمت تمكنت من ذلك عن طريق أخذها بزمام الأمر في القيام بجهد كبير من أجل تنمية رأس المال المعرفي لدى مواطنيها واعتبرت الموارد البشرية المورد الرئيس للاقتصاد الوطني، و تم ذلك من خلال عدة عوامل سُميت بعوامل تشكيل رأس المال المعرفي.

ويجب أن نقر أن اقتصاد المعرفة لا يعرف عوامل العشوائية الارتجالية ولا يعتمد على قوانين الصدفة، فكل شئ فيه مخطط، وكل شئ فيه منظم، وكل شئ فيه موجه، وكل شئ فيه مراقب ومتابع، ومن خلال التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة تدار منظومة هذا الاقتصاد.

لقد أصبحت المعرفة ثروة، والثروة المعرفية ثروة لا تتضب، ثروة تزداد وتتراكم ومنابعها كثيرة، ومصادرها دائما جديدة، وجميعها تدور حول نتاج الذهن والعقل البشري، ومن ثم فإن إنتاج الثروة يتوقف على قدرة العقول على ابتكارها، وعلى تجديدها، وعلى تحسينها، وعلى اختراعها لذاتها، أو لاستخدامها في توازنات ارتباطية جديدة ومتجددة.

إن “المعرفة” اقتصاد جديد، قائم على ذاته، وقائم على علاقته مع الاقتصادات الأخرى، وهو في علاقاته وارتباطاته دائم الحركة، ودائم البحث عن أصحاب المواهب والأفكار الجريئة.(4)

ويؤكد الخبراء أن العامل الأساسي المحدد للقوة الاقتصادية لم يعد هو الأرض وامتلاكها كما كان الحال في الاقتصاد الزراعي، ولا صاحب رأس المال اللازم لإنتاج السلع كما هو الحال في الاقتصاد الصناعي، وإنما أصبح المحدد للقوة الاقتصادية في الاقتصاد المعلوماتي هو المعلومات والمعرفة المطلوبة لابتكار المستحدثات ولجعل الإنتاج أكثر فاعلية، وفي كل مجتمعات المعلومات تقريباً نجد أن قطاع المعلومات ينمو أسرع من نمو الاقتصاد الكلي، فقد قدر الاتحاد الدولي للاتصالات بعيدة المدى أن قطاع المعلومات قد نما على المستوى العالمي بمعدل أكثر من 5% بينما كان نمو الاقتصاد العالمي بصفة عامة بمعدل أقل من 3%، ولذلك فإن الملامح البارزة على المستوى الاقتصادي التحول من اقتصاد الصناعات إلى اقتصاد المعلومات، التحول من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد العالمي الشامل أو لمتكامل، والتحول من البضائع والسلع إلى إنتاج المعلومات.

وقد انخفضت عائدات الاقتصاد الصناعي كجزء من إجمالي الناتج القومي الأمريكي بشكل مطرد خلال السنوات الماضية، ففي عام 1955م سجلت الصناعة 30% من إجمالي الناتج الإجمالي، وفي عام 1985م انخفضت إلى 21 % ، ويتوقع أن تنخفض إلى أقل من 17 %، وفي المقابل وحسب كل التقارير التنبؤية، فإن قطاع الخدمات “خدمات المعلومات” هو الأكثر نموا الآن ، والأكبر في فتح وظائف جديدة، ويعتقد أن ذلك سيستمر في القرن الحادي والعشرين.

وقد أشار Tapscott إلى أن 60 % من العمالة الأمريكية ـ وقد يكون الرقم أقرب الآن إلى 70 %ـ تعمل في المجال المعرفي، وأن 80 % من الوظائف الجديدة هي في القطاع المعلوماتي بينما يصل عدد العاملين في القطاع الصناعي إلى حوالي 20% وفي قطاع الخدمات أقل من 30%.

وسيكون لتسارع التغيير في المجال الاقتصادي ـ كغيره من المجالات ـ انعكاس واضح على مجالات عمل الأفراد، إذ أصبحت تقنية المعلومات Information Technology، ورأس المال الفكري Intellectual Capital هما القوة المحركة للاقتصاد، ففي حين تميز القرن العشرين بالتقدم الهائل في مجال التصنيع والتقنية وخصوصا تقنية المعلومات أو تقنية الحاسب، فإنه يبرز بقوة مع القرن الحادي والعشرين وبحسب العديد من المؤشرات مفهوم الاقتصاد المعرفي knowledge economic.

1-1خصائص الاقتصاد المبني على المعرفة Knowledge – based

لكي نحدد أثر ثورة المعلومات على الاقتصاد والمجتمع وكيف يمكن أن يتلاءم نموذج التنمية الشاملة الوطنية مع هذه التغيرات العالمية، لا بد أولاً من تحديد سمات هذا الاقتصاد الجديد والتي نوجزها فيما يلي:

1-1-1 من المحلية إلى العولمة: الاقتصاد المبني على المعرفة هو اتجاه متنام نحو آفاق التكامل العالمي،و بالتأكيد لم يكن هذا الاقتصاد ممكناً لولا ثورة المعلومات والاتصالات،فعندما يتحدث الباحثون عن العالم كقرية صغيرة أو ربما كمدينة كونية فإن ذلك يعني بالدرجة الأولى تقصير المسافات من خلال شبكة الإنترنت، ولكن التجارة كانت أول المستفيدين من خدمات الإنترنت، لتعزيز الاتصال وإبرام الصفقات والإعلان والترويج والتسويق والحصول على المعلومات في الزمن الحقيقي عن اقتصاد العالم وعن المنافسة، بل وربما عن مخططات المنافسين للسنوات القادمة، وأخيراً لعقد شراكات مع حلفاء أقوياء في دول أخرى وتقسيم العمل بين مجموعات مختلفة وتقاسم نتائج هذه الشراكة.

والعولمة اليوم نظام اقتصادي بالدرجة الأولى قبل أن تكون نظاماً سياسياً، وهو نظام معتمد أولاً وقبل كل شيء على ثورتي المعلومات والاتصالات، وقد يقال إن للعولمة بعض المظاهر الأخرى كالعولمة الإعلامية التي تحققت عبر الفضائيات والأقمار الصناعية والتبادل الثقافي الذي أصبح تبادلاً باتجاه واحد، وهو أقرب إلى الغزو الثقافي منه إلى حوار الثقافات،ولكن ذلك كله ليس سوى أحد مظاهر العولمة ومن نتائجها وأدواتها لبناء واستكمال النظام الاقتصادي العالمي المبني على المعرفة.

2-1-1 من التمركز إلى الانتشار: اتسم التوجه العام لاقتصاد الثورة الصناعية وحتى السبعينيات بالاتجاه نحو تركيز أكثر لرأس المال بيد شركات ضخمة تحتكر كل شيء وتفرض ما تشاء على الأسواق،وكانت قوتها لا تعتمد فقط على احتكار المال والتكنولوجيا، بل وقبل ذلك على احتكار المعلومات التي كانت تجمعها بوسائلها الخاصة لتشكل أحد مظاهر ومنابع قوتها المتنامية.

أما في عصرنا فقد أتاحت تكنولوجيا المعلومات حق الاطلاع للجميع، وبدأت سلطة الشركات المركزية الصناعية الكبرى تتهاوى لصالح شركات التجزئة التي اعتمدت على قوة المعلومات التي تعالجها في قواعد المعطيات الضخمة مما جعلها تفرض شروطها في النهاية على الشركات الاحتكارية.

ونستطيع أن نقول دون مبالغة إن الاتجاه الذي كان سائداً في الثورة الصناعية نحو الاحتكار تحول إلى اتجاه جديد في عصر المعلومات نحو التبعثر والتنوع والانتشار.

3-1-1 من النمطية إلى التنوع: كانت الاحتكارات الضخمة في الستينيات من القرن العشرين تنتج أعداداً هائلة من المنتجات ذات نمط موحد،وكان توزيع هذه المنتجات الموحدة يتم عبر شركات توزيع ضخمة وقوية، أو عبر أقسام التوزيع في الشركات الاحتكارية نفسها، مما كان يفرض هذه النماذج على الأسواق القومية والعالمية.

أما الآن فقد انتشرت طرق خطوط الإنتاج الكثيفة والإنتاج الضخم مع بدايات هذا القرن، وأصبحت نموذجاً يحتذى في التقدم الاقتصادي فالاتجاه اليوم انقلب تماماً وأخذ مساراً معاكساً للإنتاج الضخم وخطوط الإنتاج الكثيفة،وأصبح هاجس الشركات اليوم الوصول إلى أكبر تنوع ممكن من المنتجات المطروحة في السوق، وبالتالي لا يمكن طرح أعداد كبيرة جداً من هذه المنتجات المتنوعة.

و يمكن أن نؤكد أن التحول الذي فرضه مجتمع المعلومات هو الانتقال من الإنتاج الضخم الموحد إلى الإنتاج المحدود المتنوع والمادي، إذ أن تقنيات الصناعة المدعومة بالحاسوب، تتيح إنتاج كميات قليلة من أشياء مادية ملموسة تتميز بأنها ذات قيمة مضافة كبيرة.

4-1-1 من الانغلاق نحو الانفتاح

كانت شركات الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين تسعى نحو الانغلاق أي نحو إنتاج كل شيء ضمن أقسام الشركة بما في ذلك توزيع المنتج وتسويقه، في حين يتميز اقتصاد العالم اليوم بقدرته على صنع السيارة أو الحاسوب أو أية آلة أخرى في أربعة بلدان مختلفة ثم يمكن أن تجمع أجزاؤها في بلد خامس، حيث أن المنتج بشكله النهائي سيكون نتاج تعاون خمس شركات أو أكثر ضمن إطار شراكة تتخطى الحدود وتتخطى العقلية المركزية الضيقة.

مثال بسيط: لنأخذ أي حاسوب كمنتج نهائي هل يمكن القول إنه إنتاج مطلق لشركة واحدة أو بلد واحد؟

مثال آخر: شركات الطعام السريع تتعاقد مع بعض الشركات الزراعية في مناطق مختلفة من العالم وتتفق معها على مواصفات المنتجات وشروط الإنتاج (بطاطا، دواجن، لحوم.) لكي يخرج المنتج “الطعام السريع”) بالنكهة المميزة المرغوبة من المستهلك، مما يجعل الشراكة ثلاثية الأطراف: (المطاعم، شركات زراعية، عملاء اومستهلكون، وبالفعل تقدمت بعض الشركات الزراعية إلى المطاعم المتعاقدة معها باقتراحات لتحسين المنتج وذلك بتحسين شروط زراعته للحصول على نكهة أفضل، كما أن العملاء يتدخلون بملاحظاتهم المكتوبة حول رغباتهم، مما يجعل منهم شريكاً ثالثاً في هذه العملية، بل وإن بعض الشركات الصناعية تتيح للمستهلك تحديد مواصفات المنتج الصناعي وتصنيعه وفقاً لذوق المستهلك تماماً، وما على الأخير سوى تحديد المواصفات وضغط مفتاح الطلبية، فيصله طلبه وفقاً للمواصفات الشخصية تماماً.

وهذه الطريقة تمنح فرصة الحصول على أعلى قيمة مضافة ممكنة فهو يقدم منتجات قليلة مشخصة، ولكنه يحصل منها على قيمة مضافة عالية، مما يتيح الحصول على ربح معقول مقابل إنتاج غير مكثف وغير نمطي، إلا أن هذه الطريقة في العمل المفتوح بين عدة شركاء تتطلب تشكيل فريق عمل قوي من المصممين والإداريين الذين يتواصلون عبر شبكات الاتصال الدولية، ويعملون كما لو أنهم في مبنى واحد إلى جانب ذلك نلاحظ أن الخدمات المصرفية قد تخطت حدودها القومية، وصارت تقدم خدماتها ليلاً ونهاراً بلا انقطاع، فكل شيء: الأسهم والسندات والمواد والبضائع والنقود، وبالجملة كل شيء يباع ويشرى دون انقطاع أو توقف.

5-1-1 دورة حياة المنتج: من الدورة الطويلة إلى التسارع التنافسي

يتميز الاقتصاد المبني على المعرفة بأنه يعتمد على الصناعة المتنوعة التي تسعى إلى تخفيض عمر المنتج أو دورة حياة المنتج، فتحت ضغط المنافسة الشديدة يسعى المصممون إلى معرفة ردود فعل المستهلك فور توزيع المنتج الجديد، من أجل دراسة الملاحظات السلبية وتوجهات العملاء ورغباتهم، والإسراع بإنجاز تصميم جديد وإجراء التجارب اللازمة عليه، ومن ثم طرحه في السوق قبل أن يتمكن المنافسون من طرح منتجهم البديل.

إن السباق المتواصل يجعل دورة حياة المنتج أقصر كل يوم، مما يؤكد عدم قدرة الشركة على طرح أعداد كبيرة من منتجات موحدة،ونلاحظ أن هذا الاتجاه معاكس تماماً للاحتكار والمركزية الشديدة وخطوط الإنتاج عالية الكثافة، حيث كانت تطرح أعداداً هائلة من المنتجات المتشابهة، وتنتظر فترة زمنية طويلة قبل إجراء تعديلات على النموذج القديم، أي أن دورة حياة المنتج كانت طويلة نسبياً.

6-1-1 الشراكة الاقتصادية

يتميز الاقتصاد المبني على المعلومات باعتماده على فريق العمل لأن المنتجات الجديدة تنتقل من المصممين إلى المنتجين ثم إلى الموزعين وأخيراً إلى العملاء، وذلك بكل سرعة ممكنة.

ويشكل هؤلاء جميعاً فريق عمل واحد، وإن كان متباعداً وموزعاً في أرجاء الأرض جميعها، وتسعى الشركات دوماً إلى زيادة سرعة العمل للوصول إلى دورة حياة منتج أقصر فأقصر بصورة متواصلة.

7-1-1 إعادة توزيع الأرباح والمسئوليات والسلطات

لزيادة سرعة العمل في الشركة وتقصير دورة حياة المنتج آثار كثيرة، ولكن أهمها هو أنها تؤثر تأثيراً مباشراً على إعادة توزيع الأرباح والمسئوليات والسلطات، فمثلاً تساهم هذه السرعة في تخفيض أرباح المصارف الناتجة عن بقاء المال في حسابات العملاء فترة طويلة قبل انتقاله الى الجهة المنتجة التي نطلبه، فبقدر ما تحصل الشركات على سرعة أكبر بسبب الإمكانات الحديثة للتكنولوجيا وتحت ضغط المنافسة الشديدة بهدف تقصير دورة حياة المنتج، فإن الأرباح التي تحققها المصارف تتضاءل، وتصبح هذه المصارف مضطرة للبحث عن موارد أخرى مما يقودها إلى مزاحمة الفروع الأخرى للقطاع المالي من خلال تطوير خدماتها وتنويعها وتوسيع نطاقها.

8-1-1 العولمة في مواجهة النظم المالية الوطنية

عندما أصبح الإنتاج والتسويق عالميين بدأت الأموال تتحرك بسهولة وسرعة عبر الحدود، وقد نشأ عن ذلك تناقضات بين العولمة والنظم المالية الوطنية القديمة، مما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى سقوط النظم المالية القديمة، ليصبح النظام المالي أكثر مرونة وأكثر قدرة على تلبية متطلبات الشركات، وعلى مواجهة الأزمات المحلية الصغيرة.

وبالمقابل كلما صغرت الحواجز بين النظم الاقتصادية الوطنية أو ألغيت تماماً، فإننا نلاحظ نتائج سلبية واضحة لهذا الاتجاه، لأنه يذكي سعير المضاربات ويزيد من خطورة الانهيار الشامل.

9-1-1 نظام جديد لخلق الثروة بسرعة شبكات الاتصال

بمقدار ما تنمو أسواق رؤوس الأموال وتتواصل مع بعضها بعضاً من هونج كونج إلى طوكيو وباريس ونيويورك ولندن، فإن المال يجري بسرعة أكبر، إذ أن شبكات الاتصال الإلكترونية تتيح جمع أو توزيع مليارات الدولارات في ثوان معدودة،وهكذا يتدفق المال بتسارع متزايد، وهو يتدفق بسرعة شبكات الاتصال نفسها، وبذلك تنتقل القوة المالية من يد إلى يد بسرعات متزايدة.

وإذا نظرنا إلى هذه التغيرات ستجد أنها تمثل أعمق إعادة بناء عرفها العالم المالي من بدء الأيام الأولى للعهد الصناعي، وهي تعكس ظهور نظام جديد لخلق الثروة.

10-1-1 المعرفة أهم مصادر الثروة والسلطة في عصر المعلومات

كان رأس المال يشتري المعرفة العلمية ويوظفها في خدمة خطوط إنتاجه الكثيفة في المراحل السابقة جميعها بدءاً من الثورة الصناعية، أما اليوم فإن المعرفة العلمية أوبعبارة أخرى )المعلومات( تحولت إلى مصدر من مصادر الثروة، ولعله سيكون أحد أهم مصادرها في القرن الحادي والعشرين،فقد ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين مجموعة من أقوى الشركات العالمية لم تستند في قوتها إلى أرصدتها المالية أو إلى موجوداتها المادية من بناء أو تجهيزات أو آلات، بل استندت إلى الكفاءة التنظيمية لدى الإدارة ومجموعة العلاقات والصلات والتطوير المستمر والإبداع والطرح المستمر لمبادرات جديدة.

وكان أوضح مثال على هذا النموذج الجديد من شركات المستقبلشركة مايكروسوفت ومؤسسها بيل جيتس الذي كان مبرمجاً متواضعاً في إمكاناته المادية، ولكنه يمتلك الإبداع والقدرة على الإدارة، وبذلك استطاع أن ينتقل إلى مرتبة أغنى رجل في العالم، وتقدر ثروته اليوم بأكثر من مئة مليار دولار، غير أن مايكروسوفت ليست الوحيدة فهناك IBM وشركة CNN في أمريكا وBULL في فرنسا، وهناك صناعة برمجيات مهمة في الهند استطاعت أن تحصل على عقود تجاوزت الخمسة مليارات دولار في مجال المساعدة في تصحيح برمجيات الشركات الغربية لتتلاءم مع العام الحالي، وهناك بداية طيبة لصناعة البرمجيات العربية في مصر تجاوزت وارداتها ثلاثمئة مليون دولار، وكل هذه الأعمال اعتمدت أساساً على رأس مال وحيد: إنه الإنسان بخبرته ومعرفته وعلمه.

11-1-1 النقد الإلكتروني يحل محل النقد الورقي

تتجاوز التغيرات البنيوية المعاصرة مجرد ظهور المعلوماتكمصدر جديد للثروة والسلطة،فالتبادل النقدي اليوم بحد ذاته لم يعد سوى أرقام ورموز مسجلة على حواسيب الشبكات الدولية.

وتبدو العملة الورقية اليوم وكأنها تسير بثبات نحو نهايتها المحتومة كعملة ثانوية إلى جانب أشكال النقد القديم: الذهب، الفضة، وإلى جانب أشكال النقد في الأزمان الغابرة كالنحاس والمرجان والتبادل العيني،فالنقد الإلكتروني ليس سوى مجرد تتابع دقيق للأصفار والآحاد تنقل من حاسوب إلى آخر عبر الشبكة الدولية.

لقد دخلت التجارة الإلكترونية إلى الاقتصاد العالمي من أوسع الأبواب، وستسيطر قريباً على الجزء الأعظم من الأسواق العالميةويصل حجم التجارة الإلكترونية سنوياً إلى أكثر من 2.5 تريليون دولار، وفي حين يتجاوز التبادل النقدي العالمي هذا الرقم بكثير، فهو يتراوح بين 70 إلى100 تريليون دولار، إلا أن أكثر من نصف هذا التبادل النقدي يخص المضاربات المالية ولا علاقة له بالتجارةوبذلك نستطيع القول إن التجارة الإلكترونية اليوم تجاوزت حجم 5% من التجارة العالمية.

ويعتمد التبادل التجاري الإلكتروني على وسائط مختلفة بدءاً من التبادل عبر الشبكة الدولية ” الانترنت” بين المستهلك والمصرف والشركة المنتجة، كما يعتمد على بطاقات VISA التي يستخدمها اليوم أكثر من200 مليون من الناس للشراء من عدد كبير من المخازن والمطاعم والفنادق والمراكز التجارية تزيد على سبعة ملايين، تقبل التسديد ببطاقاتVISA ، إلا أن البطاقات الذكية تستطيع أن تقوم بتسديد فوري، كما أنها شيك يدفع في ثانية واحدة.

وهنالك عملات إلكترونية خاصة مثل بطاقات الهواتف والسكك الحديدية وبطاقات الوجبات في مطاعم المعاهد والمدارس، وكل هذه التبادلات تستخدم النقد الإلكتروني.

إن هذا النظام الجديد سيقلل من أهمية المصارف التي تعالج العمليات المالية على دفعات منفصلة، وسيسود نظام الدفع المتصل أي أن النظام المالي سيعمل في الزمن الحقيقي Real Time دقيقة بدقيقة وثانية بثانية.

12-1-1 القوة العاملة والبطالة

من الممكن أن تنشأ مفاهيم جديدة حول الصناعة والزراعة والخدمات والبطالة، ولابد أن نتذكر أن الثورة الصناعية حملت معها أساليب ومفاهيم جديدة، فبعد أن كان العاملون في الزراعة يشكلون أكثر من نصف السكان انخفضت نسبتهم إلى الثلث ثم الخمس،وفي الولايات المتحدة لا يشكل المزارعون أكثر من 2% من السكان، وتنتج هذه النسبة القليلة أعلى نسبة من السلع الغذائية في العالم.

ويشهد العالم على مشارف القرن الحادي والعشرين تطوراً مماثلاً في مجال الصناعة، فقد انتهت في الدول المتقدمة المهن الصناعية الخطرة والصعبة والشاقة، وتم استبدالها بآلات مبرمجة وعدد قليل من العمال يراقبون عملها،ولذلك نلاحظ توجهاً ثابتاً ومستمراً نحو زيادة عدد العاملين في قطاع المعلومات وبالمقابل تقلص عدد العاملين في الزراعة والصناعة، وبالفعل فقد وصل عدد العاملين ممن يتصل عملهم بأنظمة المعلومات أكثر من ثلاثة أرباع القوة العاملة في الولايات المتحدة.

إن البطالة في مجتمع وعصر المعلومات مشكلة نوعية وليست كمية، فقد استطاع اقتصاد الثورة الصناعية أن يخلق سوقاً واسعة للأيدي العاملة ينتقي منه ما يشاء، ويستطيع أن يستوعب عمال النسيج المسرحين في مصانع الأسمنت أو الحديد، لأن العمل لم يكن يتطلب سوى مقدار محدود من المهارات والكفاءة التي يمكن أن يكتسبها العامل الجديد بسرعة مقبولة،أما سوق العمل اليوم فيتميز بالطلب على الأيدي العاملة التي تتمتع بمهارات وكفاءات وخبرات عالية وقابلة للتطور المستمر فإذا لم يكن العاطلون عن العمل، قادرين على التكيف مع هذه المتطلبات، فإن الأعمال الجديدة لن تتمكن من استيعابهم.

13-1-1 نموذج جديد للإدارة

جرت العادة في التنظيمات الإدارية للمؤسسات الصناعية القديمة أن تقوم الإدارة بتقسيم العمل إلى أجزاء من العمليات البسيطة المتتالية التي لا تحتاج أية عملية منها إلى خبرة كبيرة،ويكون المدير مسئولاً عن متابعة وتسلسل وترابط هذه العمليات البسيطة المتتالية للتأكد من أن خط الإنتاج يسير بصورة صحيحة،إن هذه الطريقة في الإدارة تعتمد نظرياً على ضرورة الرد التدريجي للمشكلات إلى أبسط عناصرها، وبالتالي الفصل بين هذه العمليات وتتبعها ثم تحليلها بشكل متكامل.وبالنتيجة كانت الإدارة تتعامل مع الإنتاج كما لو أنه سلسلة من المراحل المعزولة.

أما النموذج الجديد للإنتاج فهو يستند إلى منظور متكامل للإدارة، ينظر إلى الإنتاج كعملية أكثر تركيباً، يستند إلى التسليم بأن جمع العناصر إلى جانب بعضها بعضاً لا يستطيع أن يشكل المجموعة الإجمالية للإنتاج، فالمجموعة عندما تعمل يجب أن تكون أكبر فاعلية من مجموع أجزائها،وبالتالي لا يمكن لأي جزء ضمن نظام إنتاج حديث متكامل أن يكون مقطوع الصلة بالأجزاء الأخرى.

كما أن المفاهيم الحديثة تؤكد أن العمل لا يبدأ وينتهي داخل المصنع، فهي توسع دراسة عملية الإنتاج باتجاه الماضي وباتجاه المستقبل، لأن أي تصميم جديد يجب أن يستند إلى رغبات العملاء وملاحظاتهم حول النمط السابق الذي أنتجته الشركة،أما اتجاه المستقبل فيتلخص في تقديم خدمات ما بعد البيع،ودعم المنتج وضمان تقديم صيانة كاملة لسنة أو عدة سنوات.

14-1-1 فريق العمل

في الإدارة الصناعية القديمة كان العاملون يعملون ضمن مراحل معزولة، وكانوا لا يعرفون شيئاً عما يجري في المراحل الأخرى أي أن الإدارة كانت مركزية، وكانت تختزن كل المعلومات والملاحظات حول أجزاء ومراحل العمل كله،أما اليوم وفي ظل ثورة المعلومات فإن النموذج المعتمد هو تشكيل فريق عمل متكامل يستطيع كل فرد فيه في أية مرحلة أن يبدي ملاحظاته واقتراحاته ليس فقط بالنسبة للمرحلة التي عمل بها وإنما بالنسبة للمراحل الأخرى أيضاً،فالمسئول عن تسويق المنتج يتصل بالمصمم ويعرض عليه ملاحظات العملاء، والمصمم يتصل ويتعاون مع قسم الإنتاج لتلافي أي تنفيذ غير مناسب للتصميم المقترح وهكذا.

15-1-1 الإنتاج المتنوع على الطلب يخفض حجم المخزون

توفر نظم إدارة الإنتاج الصناعي كمية كافية من المعلومات لإعادة تنظيم العمل وتحديد الوقت المناسب والكمية المناسبة من المنتجات التي يجب إنتاجها لتغطية السوق، وبالتالي ستتمتع الإدارة بإمكانية إدارة الإنتاج دون أن تضطر إلى تخزين أية كمية من المنتجات الاحتياطية (المخزون).

إن الإنتاج المتنوع بأعداد قليلة مناسبة هو الحل المناسب لعدم استخدام مساحات واسعة للتخزين مع كل ما يترتب على ذلك من تجميد للمبالغ الناجمة عن كلفة الإنتاج فترة طويلة قبل تصريف البضائع.

16-1-1 انتهاء ظاهرة التوظيف مدى الحياة

سيشهد القرن الحادي والعشرين انتهاء عهد استمرار الفرد في عمل واحد لدى شركة أو مؤسسة واحدة طيلة حياته العملية، بل سنجد أن الكثيرين سيضطرون لتغيير وظائفهم ومهنهم وأماكن عملهم بشكل مستمر كل ثلاث أو خمس سنوات.

17-1-1 الحاجة للتعلم مدى الحياة

من المتوقع أن يزداد عدد المتعلمين الكبار أكثر من أي وقت مضى، ففي ظل عصر المعرفة ستكون الحاجة للتربية والتعلم المستمرين متطلبات جوهرية للحفاظ على قدرة الفرد على البقاء في الوظيفة، ولا يعني هذا أن التعليم في المدارس الثانوية أو الجامعات سينتهي، ولكنه سيكون متطلباً أساسياً ومستمراً أثناء حياة الإنسان العملية كلها.

18-1-1 المؤسسة في واحد Corporation of One

هناك ارتفاع يفوق التصور في مجال التشغيل لفترات مؤقتة Temporary work، وتبين التقارير أن مجال التوظيف المؤقت نما إلى 100 بليون دولار في السنة، وسيظل ينمو بنسبة 15 % سنويا، وعلى افتراض أن العديد من الأعمال تأخذ في الحسبان ما يترتب على إيجاد المنظمات الافتراضية Virtual Organizations، فقد تتكون المنظمات المستقبلية من عدد قليل من الموظفين والإدارات الأساسية، وسيترك كل ما عدا ذلك لمزودين خارجيين، وفي بيئة مثل هذه فإن العديد من الأفراد سيكونون وبمعنى الكلمة “مؤسسة في واحد” أي أنهم سيعملون بشكل مستقل ويتعاونون مع العاملين الآخرين في تخصصات متنوعة، وقد أشار المحللون الى أن من مظاهر التغير في سوق أنماط العمل وجود ما يسمى مشاركة العمل Work Sharing الشائع في مجتمع المعلومات، والاعتماد على العمل عن بعد teleworking حيث تجرب بعض الشركات فكرة العاملين من منازلهم، من خلال الاتصال إلكترونيا.

 

1- 2 خصائص القوة العاملة في ظل اقتصاد المعرفة

ما يمكن أن يتوقعه سوق العمل من القوة العاملة في عصر اقتصاد المعرفة هو بالطبع شيء يختلف بحسب كل شركة أو مجال عمل، ولكن يمكن استنتاج أن سوق العمل او العمالة في ظل اقتصاد المعرفة سيتصف بالخصائص الأساسية التالية: القدرة على التقاط المعلومات وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام، القدرة على التكيف والتعلم بسرعة، وامتلاك المهارات اللازمة لذلك، إتقان التعامل مع تقنية المعلومات والتقنية المعتمدة على الحاسب وتطبيقاتها في مجال العمل، القدرة على التعاون والعمل ضمن فريق ، إتقان مهارات الاتصال اللفظية والكتابية والافتراضية، امتلاك مهارات إضافية مميزة تختلف عن المهارات تقليدية في الأعمال الروتينية التي أصبحت الأنظمة الآلية تقوم بها، إتقان أكثر من لغة حتى يمكن العمل في بيئة عمل عالمية، إتقان العمل خارج حدود الزمان والمكان والقدرة على إدارة العمل سواء كان ذلك في بيئات عمل تقليدية أو بيئات افتراضية، القدرة على تحديد الحاجات والرغبات الفريدة الخاصة بالمستهلكين الأفراد أو المؤسسات والهيئات فلم تعد المنتجات ذات المواصفات المعيارية الموحدة تناسب الجميع، القدرة على التحرك بسرعة والتغير بسرعة، والإحساس بضرورة سرعة متابعة التغيرات وتلبية حاجات المستهلكين. (5)،

وثمة عدد كبير من الكتاب يصورون العصر القادم بالألوان الوردية ليستخرجوا منه قسراً صورة جميلة تبرز تفاؤلهم متناسين أن التطورات التاريخية الكبرى لا يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية بحد ذاتها، وإنما إيجابية عندما تتعامل معها الجماعات البشرية بصورة ملائمة تجعلها تستفيد من هذه التطورات، وهي سلبية عندما تتجاهلها جماعات أخرى وتتعامل مع الوقائع على أنها ثابتة دون أخذ التطورات الجديدة بعين الاهتمام. (6)

وتتمثل فوائد وايجابيات الاقتصاد المعرفي في عائدات أعلى، عمالة منخفضة، نفقات منخفضة، انتشار اسرع للمعلومات، تكلفة اتصالات منخفضة وتكاليف تشغيل منخفضة.

أما سلبيات الاقتصاد المعرفي فتتمثل في تكاليف تقنية أعلى، تكاليف تحسين الأنظمة المستمر، تكاليف نثرية أكبر، مرتبات عالية جدا لفريق العمل الأكثر كفاءة، فالانترنت تمنح الجميع فرصة التواجد على الشبكة ولعب دور فعال اجتماعي أم سياسي أم اقتصادي أو فني أو غيره، وتمنح إمكانية التواصل مع العالم بأي وقت ومن أي مكان.

ويعاني الشباب من أزمة بطالة، ومن اهم سمات ظاهرة البطالة تركزها بالدرجة الاولى بين الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين 15-24 سنة والذين يدخلون سوق العمل للمرة الاولى، ونسبة كبيرة من بين هؤلاء المتعطلين إن لم تكن غالبة من الشباب الأكثر والأفضل تعليما (7)

3-1 قياس الاقتصاد القائم على المعرفة

توجد عدد من المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس الاقتصاد المبني على المعرفة ومن هذه المؤشرات:

1-3-1 مؤشر الاستثمار في الاقتصاد القائم على المعرفة: يعالج المؤشر المركب الخاص بالاستثمار في الاقتصاد القائم على المعرفة توليد ونشر المعرفة الجديدة، وهما بعدان حاسمان في الاستثمار، ويحسب المؤشر استناداً إلى مجموعة من المؤشرات الفرعية المتصلة بجهود البحث والتطوير، مثل الاستثمار في الرأس مال البشري وجودة التعليم وشراء تكنولوجيات جديدة وتحديث الخدمات العامة.

2-3-1 الأداء في الاقتصاد القائم على المعرفة: الاستثمار هو جانب واحد من مكونات القضية، وينبغي أن يعطي مخرجات ناجحة ورابحة تماماً، وبينما يجمع المؤشر المركب الخاص بالاستثمار مؤشراته الفرعية تحت توليد المعرفة ونشرها، ويحدد المؤشر الثاني أهم أربعة عناصر مكونة للأداء توخياً للانتقال إلى الاقتصاد القائم على المعرفة وهذه العناصر هى الإنتاجية؛ الأداء العلمي والتكنلوجي؛ استخدام البنية الأساسية للمعلومات وفعالية النظام التعليمي.

وكان الاتحاد الأوروبي متأخرا عن الولايات المتحدة الأمريكية من حيث الأداء في عام 1999م، غير أن ارتفاع معدل نمو الأداء الذي شهده يدل على ازدياد الجهود المبذولة للانتقال إلى الاقتصاد القائم على المعرفة، وعلى الرغم من معدل النمو العالي في الاتحاد الأوروبي يلزم عدم الاكتفاء بزيادة مبالغ الاستثمار، بل العمل على تحسين سبل رصد الأموال والتنفيذ. (9)

3-3-1 يضبط الاتحاد الدولي للاتصالات وسائر المنظمات التابعة للأمم المتحدة والمعتنية بشئون التنمية جملة من المعايير التي يحدد على أساسها مدى انخراط هذا البلد أو ذاك في مجتمع المعلومات، وتضبط هذه الهيئات عددا من المؤشرات القابلة للملاحظة والقياس تتمثل في عدد خطوط الهاتف الثابت بالنسبة إلى عدد السكان، عدد خطوط الهاتف الجوال بالنسبة إلى السكان، عدد أجهزة الحاسوب بالنسبة إلى عدد السكان، عدد مستعملي شبكة الانترنت بالنسبة إلى عدد السكان، مجموع عدد مواقع الواب المسجلة بالنسبة إلى عدد السكان ويمكن بالإضافة إلى هذه العناصر تحديد مؤشرين إضافيين هما نسبة الربط بالشبكة الكهربائية ونسبة الأمية.   (10)

كما يمكن تصنيف مؤشرات اقتصاد المعرفة وفقاً لأربع فئات مختلفة وهي التالية:

أ‌-       مؤشرات العلم والتكنولوجيامثل البيانات المتعلّقة بالأبحاث والتنمية، وإحصائيات براءات الاختراع، والمنشورات العلمية، وميزان المدفوعات التكنولوجية ومؤشرات نشر المعلومات والاتصالات.

   ب- المؤشرات المأخوذة من البحوث حول تنظيم نشاطات الابتكارلطالما أجريت البحوث حول الابتكار من قبل هيئات وطنية للاستجابة إلى حاجاتها الخاصة، وبالتالي كان من الصعب مقارنة النتائج.

   ج- المؤشرات المتعلّقة بالموارد البشريةأهمية المتغيّرات المتعلّقة بالمصادر البشرية لاقتصاديات المعرفة أمر ُيقرّ به الجميع، ورغم ذلك ما زال هناك القليل من المؤشرات المعروفة جداً لدراسة هذا البعد من اقتصاد المعرفة وذلك يعود من جهة إلى نقص الأعمال في هذا المجال ومن جهة أخرى إلى صعوبة قياس كفاءات الأفراد مباشرة ولمؤشرات الموارد البشرية مصدران رئيسيان: البيانات المتعلّقة بالتعليم والتدريب، والبيانات المتعلّقة بالكفاءات أو بمهن العمّال.

   د- مؤشرات نشر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات:إنّ بيانات نشر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات متعدّدة ومتنوّعة جداً ولكنّها تضمّ عيوباً كبيرة، إنه لمن الصعب مقارنتها بين بلد وآخر ومصدر وآخر وغالباً ما تكون غير موثوقة جداً.

إنّ البنية التحتية للأجهزة والبرمجيات لـ”الاقتصاد الرقمي” ليست ُمقاسة بعد بشكل صحيح. في الواقع لا تزوّد حسابات الشركات معلومات خاصة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. و هذه النقائص لا تعوّض إلاّ جزئياً بواسطة البحوث المختصة. (11)

الفصل الثاني: اقتصاد المعرفة في عصر العولمة

يطل القرن الحادي والعشرون ومعه تغيرات جذرية هامة تطرح العديد من التحديات ومن الفرص، وليست الدول العربية بمنأى عن هذه التغيرات، تأتي العولمة المالية والصناعية والتجارية وعولمة الخدمات (من اتصالات ونقل وغيرها) لتطرح بعداً جديداً مهماً في التنافس الدولي على مختلف الأصعدة.

وتحولت تكنولوجياالمعلوماتيةإلى أحد أهم جوانب تطور الاقتصاد العالمي، حيثبلغ حجم السوق العالمية للخدماتالمعلوماتيةعام 2000حوالي تريليون دولار. (12)

ويعد الإنترنت أحد الأسس الهامة لهذا الحامل الأساسي لهذه التحولات الجذرية، وقد بلغ حجم التجارة الإلكترونية عام 1998م 2.3 تريليون دولار، وقد بلغ هذا الرقم في عام 1999م 3.5 تريليون دولار.

و قبل الإسراع نحو تعريف التجارة الإلكترونية يجب أن نعرف أن مفهوم التجارة الإلكترونية يتكون من مقطعين:

الأول: ” التجارة Commerce” وهذا المقطع يعبر عن نشاط تجارى واقتصادى معروف، ويتم من خلاله تداول السلع والخدمات وفقاً لقواعد ونظم متبعة ومتفق عليها.

الثانى: ” الإلكترونية Electronic ” والمقصود به هو القيام بأداء النشاط الاقتصادى “التجاري” باستخدام   تكنولوجيا الاتصالات الحديثة مثل شبكة الإنترنت والشبكات والأساليب الإلكترونية.

ومما سبق يمكن أن نعرف التجارة الإلكترونية Electronic Commerce بأنها عمليات الإعلان والتعريف للبضائع والخدمات، ثم تنفيذ عمليات عقد الصفقات وإبرام العقود ثم الشراء والبيع لتلك البضائع والخدمات، ثم سداد القيمة الشرائية عبر شبكات الاتصال المختلفة سواء الانترنت أو غيرها من الشبكات التي تربط بين المشتري والبائع “.

وتوضح الإحصاءات الصادرة عن شركة Active Media Research Group الصادرة في عام1999م التطور الكبير في حجم التجارة الإلكترونية المحقق فعلياً من عام 1996م، والذي بلغ أقل من 3 بليون دولار، وعام 1998م والذي بلغ حوالي 84 بليون دولار بزيادة 28 ضعف، وتصل في تقديراتها إلي أن حجم التجارة الإلكترونية سيصل إلي 1234 بليون دولار لتكون الزيادة في 6 سنوات أكثر من 400 ضعف. )13(

وقد باعت شركة الأمازون مئات آلاف الكتب عبر الإنترنت عام 1996م، وبلغ حجم مبيعاتها 16 مليون دولاراً، أما في عام 1997م فقد بلغت 148 مليون دولار، وفي عام 1998م 250 مليون دولار وبلغ عدد عملائها 4.5 مليون وعدد زوار موقعها على الإنترنت عشرات الملايين.

ويقدم التطور العلمي والتكنولوجي فرصاً كبيرة لتطوير القدرة التنافسية للمؤسسات وللدول ولزيادة الإمكانيات الوطنية للتنمية المستدامة، ويتم هذا من خلال تطوير منظومة العلم والتكنولوجيا الوطنية وتحويلها تدريجياً إلى نظام وطني للابتكار أو الإبداع National Innovation System (NIS).

إن تفعيل منظومة العلم والتكنولوجيا عبر تبني سياسة لها واستراتيجية لتنفيذ هذه السياسة، وعبر تقوية الروابط والجسور بين حلقات هذه المنظومة، يؤدي إلى إيجاد نظام وطني للإبداع يزيد من القدرة التنافسية ويحقق التنمية المستدامة اللازمة للوطن العربي للقرن الحادي والعشرين. (14)

إنّظاهرةالعولمةهينتاجطبيعيتراكميللتجربةالإنسانيةتوسّعتدائرتهاتدريجياً،ومنذأزمانبعيدةثمّتسارعت وتيرتهامعمطلعالسبعينياتوخاصةمنذبدايةتسعينياتالقرنالعشرينبفعلالثورةالهائلةلتكنولوجيات المعلوماتوالإّتصال، وإجمالاًفإناقتصادالمعرفة -بالرغممنالمكاسبالمسجلة- مازالبحاجةماسةإلىالبنيةالمؤسسية

العلميةوالتكنولوجيةوالأطرالتشريعيةوالمواردالبشريةلمجابهةتحدياتالتنمية،ومنهاتحدياتالتشغيل والبطالةمنناحية،ولتحسينمواقعالاقتصادياتالعربيةفيجغرافياالمعرفةعلىالمستوىالدوليمن ناحيةثانية. (15)

 ويشير في هذا الصدد تقرير منظمة اليونسكو حول الاتصال في العالم أن قطاع المعلومات وخدماته سجل تطوراً ملحوظاً في معظم البلدان رغم الاختلافات في اليد العاملة “المعلوماتية” إلى إجمالي سكان كل بلد، كما تؤكد موليتور Molitor أن نسبة اليد العاملة في قطاع المعلومات بالولايات المتحدة الأمريكية ستشكل نسبة 66% من إجمالي قوة العمل عام 2000م، بعد أن كانت لا تتعدى 19% عام 1920م و50% في منتصف السبعينيات، عكس القطاعات الأخرى التي تسجل تقلصاً ملحوظاً في نسبة الأيدي العاملة.

إن أمماً كثيرة قد أدركت مسئوليتها تجاه التحديات التي يفرضها مجتمع المعلومات عليها سواء على الصعيد الرسمي أو التجاري، فقد استحدثت المملكة المتحدة عام 1981م وزارة دولة لشئون الصناعة وتكنولوجيا المعلومات مهمتها جمع جوانب ثورة المعلومات كافة، وتتولى هذه الوزارة عدة مسئوليات مترابطة في مقدمتها: الإشراف على صناعة الحاسبات الإلكترونية والروبوت والإليكترونيات الدقيقة والهندسة الميكانيكية والبحث والتطوير وسياسة الاتصالات السلكية واللاسلكية ودائرة البريد وصناعة الورق والمواد الكيماوية والنشر وصناعة الأفلام وصناعة الفضاء.

وقد أشار وزير الدولة البريطاني لشئون الصناعة وتكنولوجيا المعلومات لينيث بيكر في حديث له آنذاك خلال زيارته إلى أستراليا بضرورة الأخذ بأخر التطورات في ميدان الحاسبات، مؤكداً أن الصناعي الذي لا يوظف تقنيات الحاسب الإلكتروني الدقيقة سوف لا يجد له مكاناً في ميدان الصناعة خلال الأعوام الخمسة القادمة.

وفي إطار ترجمة هذه الأفكار إلى واقع فعلي أعلنت الحكومة البريطانية عام 1982م كعام لصناعة المعلومات وأسست برنامجاً شاملاً أطلقت عليه برنامج تكنولوجيا المعلومات المتقدمة، حيث وظف هذا البرنامج 350 مليون باوند إسترليني في مجال البحث والتطوير للجيل الخامس من الحاسب الآلي، وتم تشكيل لجنة خبراء في الوزارة المذكورة لتقديم المشورة إلى رئاسة مجلس الوزراء حول أفضل السبل التي تمكن المملكة المتحدة من أن تتبوأ الموقع القيادي في مجال صناعة المعلومات.

أما اليابان فقد استجابت لتحدي مجتمع المعلومات عن طريق التخطيط السليم والتحليل المتأني، حيث قامت بتشكيل عدة مجالس ولجان برعاية مؤسسات وهيئات حكومية في عدة وزارات منها وزارة التجارة والصناعة الدولية ووزارة البريد والاتصالات والمركز الياباني للتطوير العملياتي، وأصدرت هذه المجالس مجموعة (أوراق عمل) تناولت موضوعات عديدة منها سياسة الحكومة في مجال المعلومات وتطبيقاتها الصناعية في مجتمع المعلومات، واستخدامات الحاسب الإلكتروني والبحث الآلي وشبكات المعلومات والاتصال والمكتبات وخدمات المعلومات. ولم تقتصر حدود أوراق العمل هذه على تشخيص الواقع المعلوماتي في اليابان وإنما شملت كذلك سبل تطويره ووسائل مواجهة المستقبل.

وأثناء زيارة رئيس اليابان السابق ناكا سوني للولايات المتحدة عام 1984م أكد أنه يجب على الدول المتقدمة تكنولوجياً كاليابان أن تنظر إلى مجتمع المعلومات كسبيل يضمن مواصلة نموها وتطورها الاقتصادي، وتنبأ ناكاسوني بأنه خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة ستكون الصناعات الرئيسة في اليابان هى تلك التي تتعامل مع المعلومات.

وأكد أن أثر الاقتصاد المعلوماتي – أي المبني على صناعة المعلومات- على المجتمع الياباني سوف يكون مشابهاً لاستخدام الكهرباء أو السيارة لأول مرة.

وإذا ما انتقلنا إلى دول العالم الأخرى والتي تتطلع إلى القيام بدور في عالمنا المعاصر نجد أن كثيراً منها لم تكن بعيدة تماماً عن هذه التوقعات المستقبلية، فننجد أن ماليزيا تعد صاحبة التجربة الأولى في هذا المجال بالنسبة للدول النامية على مستوى العالم، حيث شرعت في الإعداد لما يطلق عليه Corridor)Multimedia Super ) وهي لم تقتصر على خلق بنية تحتية للمعلومات وإنما تعدتها لتشريع قوانين وعمل سياسات وممارسات، مما يمكنها من استثمار واستكشاف المجالات الخاصة بعصر المعلومات. (16)

في أحد مؤتمرات الاقتصاد المعرفي الذي انعقد بروما وضعت ماليزيا وسنغافورة وتايلاند وكوريا الجنوبية خطط نجاحها أمام جميع الدول التي تعاني من توطين الوظائف وتسعى إلى تحقيق المكاسب الاقتصادية، مثل تسارع معدلات الإنتاج وتحسين نوعيته، وإسهامه في تعزيز الكفاءة الاقتصادية وانعكاساته على ارتفاع مستوى معيشة المواطن ورفاهية الشعوب.

وأكد مؤتمر روما أن التجارة الإلكترونية هي من أهم مقومات الاقتصاد المعرفي لكون تعاملاتها عبر الحدود تتيح الفرصة المثلى لكافة شرائح المجتمع في الاطلاع على الإنجازات في المجتمعات الأخرى وبالتالي تعظيم الفرص التي تتيحها العولمة وخصوصاً في المجال الاقتصادي. ومع ذلك ما زالت الدول النامية عامة والدول العربية خاصة تحاول إعادة اختراع العجلة لتوطين الوظائف وتنويع مصادر الدخل.

وأشارت الإحصاءات التي أطلقها مؤتمر روما إلى أن الدول الإسكندينافية تقف في طليعة الدول في مجال الاقتصاد المعرفي، حيث تحتل أيسلندا المركز الأول في قائمة أكثر دول العالم استخداماً للإنترنت بنحو 60% من عدد سكانها، وتأتي النرويج في المركز الثاني بنسبة 49%، وتليها السويد في المركز الثالث بنسبة 46%. كما أن الدول الصناعية الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، تستحوذ على نسبة 75% من إجمالي مستخدمي الإنترنت في العالم، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 1% في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

أما على صعيد الدول النامية استطاعت الهند ـ على الرغم من تحدياتها الاقتصادية المتمثلة بشح الموارد وحالات الفقر المدقعة التي تراود مواطنيها منذ عقود ـ في غضون الأعوام القليلة الماضية تحقيق نتائج مميزة في مجال الاقتصاد المعرفي، ونجحت في إيجاد العديد من فرص العمل لمواطنيها، وكسب المزيد من تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وأضحت الاتصالات وتقنية المعلومات مكوناً رئيساً في هيكل صادراتها، ومن المتوقع أن تستمر الهند في هذا المجال لتغدو إحدى أهم دول العالم في الاقتصاد المعرفي في المستقبل المنظور.

أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي العربية، فإنه على الرغم من الإنجازات التي تحققت في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات إضافة إلى التعليم والتدريب على التقنيات الحديثة في مختلف قطاعات المجتمع، والعمل الدؤوب لترسيخ مفهوم التعاملات الحكومية الإلكترونية، فإن هذه الدول ما زالت في المراحل المبكرة للانتقال إلى الاقتصاد الرقمي. (17)

وتعد شركة سيسكو العالمية أحد أهم نتاجات الاقتصاد المعرفي، حيث تعد من أنجح الشركات التي أنشئت في وادي السيلكون، في أثناء طفرة شركات تقنية المعلومات والاتصالات في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، هذه الشركة أخذت على عاتقها نقل تجربتها الناجحة في الدول التي تعمل فيها، فأهم التزامات الشركة هي التزامها بالإسهام في بناء الاقتصاد المعرفي في السعودية، وذلك من خلال برنامج استثماري قيمته بنحو مليار ريال سعودي، وهذا البرنامج يتناول أبرز معوقات الانتقال إلى الاقتصاد المعرفي، وهذه المعوقات الثلاثة هي نقص الكوادر المؤهلة، الحاجة إلى نقل التقنية، والحاجة إلى تحفيز واحتضان الابتكار.

وقد ركز برنامج تأهيل الكوادر في السعودية على تأهيل الكوادر في عدة مستويات من الجنسين، فبدأ منذ عام 2000م ببرنامج أكاديميات شبكات “سيسكو” الذي يهدف إلى تأهيل خريجي الدبلوم والثانويات وتم تدريب ما يقارب عشرة آلاف طالب وطالبة إلى الآن في السعودية، التي تعد من أكثر دول العالم نموا في عدد الطلاب، وفي أكثر نسبة من الطالبات على مستوى العالم.

وهناك برنامج آخر أطلقناه العام الماضي وهو برنامج جامعة سيسكو الشبكية، ويهدف إلى تخريج القادة، قادة الأعمال في السعودية، ويسهم في ابتكار وإنتاج أعمال جديدة، وهذه المعاهد والمبادرات التعليمية أيضا تطبق في المدن الاقتصادية الكبرى التي أطلقتها الهيئة العامة للاستثمار ومنها مدينة المعرفة الاقتصادية قي المدينة المنورة، وهناك اتفاق مع هذه المدينة لإنشاء أكاديمية لشركة سيسكو لتسهم في بناء هذه المدينة. (18)

الفصل الثالث : تحديات اقتصاد مدن المعرفة

يعتمد اقتصاد المعرفة على أهمية أن يكون المجتمع مجتمعاً معرفياً، ويعتمد مجتمع المعرفة بصفة أساسية على توافر عدد من الأمور أولها أنشطة وبرامج البحث العلمي، وتوجيهها نحو دراسة وتطوير كافة قطاعات الاقتصاد الوطني، وثانيها قدرة المجتمع على تحويل نتائج البحوث العلمية إلى تقنيات وتطبيقات عملية مفيدة في كافة جوانب الحياة وفي كل مؤسسات الدولة، وثالثهما التعليم الجيد القائم على الإبداع والابتكار. (19)

وعلى الرغم من الآمال والطموحات والأحلام التي يحملها العاملون في قطاع المعلومات العربي لتحسين الوضع الراهن فإن هناك بعض الحقائق مخيبة للآمال، بل وفي بعض الأحيان خطيرة، وهذه عينة منها:

1-3 أولى سمات مجتمع المعلومات هي الاتصالية العالية، وقد نما عدد المرتبطين بشبكة الإنترنت العالمية بوتيرة مذهلة فاقت كل التوقعات حتى بلغ عددهم مؤخرا 729.2 مليوناً، في حين بلغ عدد العرب المرتبطين بالإنترنت 10.5 مليوناً أي ما نسبته 1.3% من مجموع المستخدمين، وهذه النسبة أقل بأربع مرات تقريبا من نسبة العرب إلى سكان العالم، أما بالنسبة لعدد المضيفات الأساسية للإنترنت في العالم فقد بلغ إجمالياً 54143 مضيفاً، وكان نصيب العرب منها 145 أي ما نسبته 0.26%، وهذه النسبة أقل بـ 19.2 مرة من نسبة العرب إلى سكان العالم.

 2-3 ثاني سمات مجتمع المعلومات هي المشاركة الفعالة في إثراء المحتوى الرقمي، وأحد مؤشرات المحتوى الرقمي المهمة هو دون شك عدد المواقع العربية على الإنترنت، ووفقاً للإحصاءات المعتمدة فقد بلغ عدد المواقع العربية المحلية حتى نهاية عام 2001م ما يقرب من 9216 موقعاً، بما يمثل 0.026% من إجمالي عدد المواقع المحلية العالمية البالغ 36 مليون موقع، وهذه النسبة أقل بـ 192 مرة من نسبة العرب إلى سكان العالم.

وتظهر الإحصاءات التي نُشرت حديثاً وجود أكثر من 320 مليار صفحة معلومات منشورة على الإنترنت، أما صناعة المحتوى فقد بلغ حجمها في الولايات المتحدة 255 مليار دولار، وفي أوربا 186 مليار دولار، ونصيب العرب من هذا الحجم ضئيل جدا.

3-3 ثالث سمات مجتمع المعلومات هي نشر المعرفة، ومن الصعب جداً أن نتخيل أن هذه السمة متوافرة في البلدان العربية ، خاصة وأن نسبة الأميين بين البالغين ما تزال نحو 45%، ذلك أن البلدان العربية دخلت القرن الحادي والعشرين مثقلة بسبعين مليون أمي غالبيتهم من النساء، وإذا نسبنا عدد الأميين إلى مجمل السكان سنجد أن النسبة تصل إلى 25%، وهو معدل أعلى من المتوسط العالمي وحتى من متوسط البلدان النامية.

4-3 رابع سمات مجتمع المعلومات هي دعم التطوير والبحث العلمي ويوازي إنفاق البلدان العربية على البحث والتطوير ما نسبته 0.1-0.2%من الناتج الإجمالي، وهو أقل بسبع مرات عن المتوسط العالمي 1.4% وأقل بعشر مرات على الأقل عن المعدل الإسرائيلي 2%.

5-3 خامس سمات مجتمع المعلومات هي إتاحة التعليم المتطور والنفاذ إلى الثقافة والمعرفة والتقنيات الحديثة لجميع أفراد المجتمع، وقد حقق التعليم في البلدان العربية خطوات ايجابية ملموسة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فزاد عدد المتعلمين  بنسب متسارعة حتى التسعينيات وقد زاد عدد الملتحقين بمراحل التعليم الثلاث من 31 مليون عام 1980م إلى ما يقارب 56 مليونا عام 1995م.

 6-3 السمة السادسة لمجتمع المعلومات هي النمو الاقتصادي المعتمد على التكنولوجيا المتطورة، وهو ما يدعى باقتصاد المعرفة، وإذا عدنا إلى لغة الأرقام والإحصاءات سنجد أن قيمة الناتج القومي الإجمالي لكل الدول العربية هو 324.2 مليار دولار عام 1997م بما في ذلك البترول، أما إذا استثنينا البترول فان هذا الناتج ينخفض إلى نحو 230 مليار دولار، وبذلك يكون الناتج الإجمالي لمجموع البلدان العربية بما فيها البلدان النفطية أقل من ناتج دولة صغيرة كهولندا وعدد سكانها 15.6مليون نسمة أي أقل بعشرين مرة من عدد سكان البلدان العربية، وأقل من ثلث ناتج ايطاليا وخمس ناتج فرنسا، والحقيقة أن العرب بشكل عام فقراء حتى لو حسبنا معهم الدول النفطية، والسبب هو أن الاقتصاد العالمي اليوم يمنح أعلى قيمة مضافة لناتج التكنولوجيا المتقدمة، ويبخس ثمن المواد الأولية والصناعات التحويلية البسيطة.

7-3 منأهمالصعوباتالتيتعترضتركيزوتطويراقتصادالمعرفةفيالعالمالعربيمحدوديةالبحث العلميوالتطويرالتكنولوجي، فالإنفاقعلىالبحثلايتجاوزفيالمعدلالعام 0،2 % منالناتجالمحليالإجماليفيالوطنالعربي مقابلمعدلعالمييقدربـ 1،7 %. ، وماتوفرمنهذاالانفاقيوجهبنسبةعاليةإلىالاستثمارالمادي علىحسابالاستثماراللاماديبمعنىالبحثوالتطوير.

8-3 إخفاق التنمية البشرية في عصر المعرفة، ويرجع ذلك بسببوجود مؤسسات لا تتبع الإدارة الحديثة، انعدام المسئولية الاجتماعية والوجدان القومي، هجرة العقول وعدم القدرة على استقطابها ثانية، عدم الوضوح في تحديد حاجة المجتمع إلى التخصصات،عدم توفر التخصصات المطلوبة، عدم ربط مخرجات التعليم بحاجة سوق العمل الأمية العادية والمعلوماتية، انعدام التوجيه والتخطيط أو تخلفه، طاقة بشرية كبيرة كامنة، نقص “الكوادر” والمهارات Staff/Skill Shortage مما يثير الاهتمام في ضوء النمو الاقتصادي الحالي أن العديد من الوظائف لا تجد من يملؤها (على الأقل في الولايات المتحدة)، ولعل قطاع تقنية المعلومات هو القطاع الأكبر الذي يصارع لإيجاد المواهب والطاقات، وبالنظر إلى الطاقات التي يخرجها نظام التعليم في مجالات تقنية المعلومات يعتقد أن قطاع الأعمال التي لا تستطيع العثور على الأنواع المناسبة من الطاقات محلياً ستبحث عنها في البلاد الأخرى، وهذه من سمات سوق المستقبل، فإذا نقصت المهارات في بلد ما فيمكن إيجاد الطاقات المناسبة في أي مكان في العالم. (21)

  

الفصل الرابع : محددات وأسس التحول لاقتصاد المعرفة

هناك عدد من المحددات والأسس اللازمة من أجل التحول الكلى إلى اقتصاد المعرفة وتفعيله، ويمكن القول إن أبرز المستلزمات لاقتصاد المعرفة هي:

1-4 إعادة هيكلة الإنفاق العام وترشيده وإجراء زيادة حاسمة فيالإنفاق المخصص لتعزيز المعرفة، ابتداء من المدرسة الابتدائية وصولاً إلى التعليمالجامعي مع توجيه اهتمام مركز للبحث العلمي.

2-4 العمل على خلق وتطوير رأس المال البشريبنوعية عالية، وعلى الدولة خلق المناخ المناسب للمعرفة، فالمعرفة اليوم ليست ترفًافكريًا، بل أصبحت أهم عنصر من عناصر الإنتاج.

3-4 إدراك المستثمرين والشركات أهمية اقتصاد المعرفة، والملاحظ أنالشركات العالمية الكبري (العابرة للقوميات خصوصًا) تساهم في تمويل جزء من تعليمالعاملين لديها ورفع مستوى تدريبهم وكفاءتهم، وتخصص جزءاً مهماً من استثماراتها للبحثالعلمي والابتكار.

4-4 حدد البنك الدولي أربع ركائز أساسيه لاقتصاد المعرفة هي:

‏أ- الإطار الاقتصادي والمؤسسي الذي يضمن بيئة اقتصادية كلية مستقرة ومنافسه، وسوق عمل مرنه وحماية اجتماعيه كافية‏،‏ ويقصد به دور الحكومات في توفير الإطار الاقتصادي والحوافر لمجتمع الأعمال وغيرها من الشروط التي تعمل علي رفع اقتصاد المعرفة بالإضافة إلي الأداء الفعلي للاقتصاد.

‏ب- نظم التعليم التي توكد أن المواطنين معدين للاستحواذ أو الحصول علي واستخدام والمشاركة في المعرفة،‏ فبقيادة التكنولوجيا والاحتياجات الجديدة يتجه التعليم لإحداث تغييرات كبري علي كل المستويات.

ج- نظم الإبداع التي تجمع ما بين الباحثين وأصحاب الأعمال في تطبيقات تجاريه للعلوم والتكنولوجيا.

‏د – البنية الأساسية لمجتمع المعلومات‏:‏ ويقصد بها البنية الأساسية في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وإلي أي حد هي متقدمة ومنتشرة ومتاحة ورخيصة‏.‏

5-4 ضرورة العمل على توفير بنية مؤسسية حديثة تفرض ذهنية وسلوك مؤسسي حديث، وأن يتم التأسيس لثقافة النوعية والجودة وثقافة الإنتاجية العالية والإدخار وحسن الاستثمار.

6-4 ضرورة إنجاز مهام البناء القانوني والإجرائي لمؤسسات اقتصادية ومالية مسئولة وفاعلة في إطار اقتصاد السوق الاجتماعي جديرة بأن تضمن البيئة التمكينية لاقتصاد ديناميكي ومشجع للاستثمار المحلي والأجنبي.

7-4 ضرورة التأسيس لإحداث شراكة وتنسيق في تحمل أعباء التنمية والتطور المجتمعي بين الأجهزة الحكومية المركزية والمحلية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والمجتمع الأهلي والمواطنين..

8-4 ضرورة تنفيذ تنمية متوازنة إقليمياً وعادلة اجتماعياً تأخذ بالاعتبار حاجات وطموحات المناطق الأقل نمواً وتنهض بالفئات الاجتماعية الضعيفة.

9-4 ضرورة إحداث تطوير جذري وحقيقي في مؤسسات التعليم والتعلم والبحث ورصد استثمارات كافية في هذا المضمار.

10-4 ضرورة التخطيط والبرمجة للانتقال التدريجي للاقتصاد القائم على المعرفة، وذلك طموح بعيد المدى يتطلب تسليح المواطن بذهنية جديدة قائمة على الاستقلالية وحرية التعبير والقدرة على التعامل مع المعلومة وتنظيم وحل المشكلات والتمتع بمهارات ذات قدرة تنافسية عالية.

11-4 ضرورة تكريس ثقافة العمل والعمل الحر كجزء من التنشئة الاجتماعية والتربوية، من أجل الخروج بمنظومة قيم جديدة للمحدثين الاقتصاديين ولقيم الادخار والاستثمار والثقة.

12-4 ضرورة الارتقاء بمستوى الموارد البشرية في المنشآت الإنتاجية والخدمية (العامة والخاصة)، وأن يجري تصميم نظم لتحديث عملياتها والتزامها بالتدريب وبمقاييس الجودة العالمية في إنتاج السلع المحلية القادرة على المنافسة والصالحة للتصدير.

13-4 يتطلب النجاح في هذا الاقتصاد حيازة المعرفة، ولهذه الغاية على الحكومات أن تستثمر في تأهيل عمال المعرفة، أي أن تخصص ميزانية وبيئة مناسبة لتطوير التعليم وتنمية المهارات.

14-4 من الخطوات اللازمة التي ينبغي أن تتخذها الحكومات للوصول إلى اقتصاد المعرفة: ربط التعليم والتدريب بالحاجات الاقتصادية والاجتماعية بمرونة تتيح التحضير المستمر للمستقبل، تطوير برنامج لتأهيل عمال المعرفة يكون لمؤسسات التعليم دور رئيسي في كل مرحلها، الترويج لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتقديم التدريب المناسب لذلك، وإتاحة الاتصال لجميع المواطنين بمراكز المعلومات وخاصة الانترنت، الاستثمار في البنية الأساسية التكنولوجية، وضع برنامج لتشجيع التجديد والابتكار، تفعيل التشريعات الخاصة بمسائل حماية الملكية الفكرية وبناء الثقة الضرورية لاقتصاد المعرفة والعمل على إجراء تغيير في ثقافة العمل في المؤسسات للتأقلم مع الاقتصاد الجديد.

ومن البديهي القول إن الاهتمام بالتعليم والتدريب لا يكفي وحده لتحقيق نقله نوعية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مجتمع معين، بل ينبغي أن يتزامن مع سياسات لمواجهة القضايا والتحديات الاقتصادية وخلق الحوافز والمناخ السليم للاستثمار، وعقد الشراكات الاستراتيجية.

15-4 النظر لكل الطلاب الأساتذة والفنيين بالجامعات ومراكز التدريب والمعاهد العليا ومراكز الأبحاث بأنهم شركاء في الإبداع، وخلق روح العمل الجماعي فيما بينهم، فذكاء الفرد وحده لايكفي ومطلوب ذكاء المجتمع.

16-4 التكامل والتداخل بين التخصصات والعلوم أصبح عنصر رئيس ومهم في اكتساب وتطوير المعرفة، وأدى إلى ظهور مجالات جديدة مثل التقنيات الحيوية، أنظمة التخيل والمحاكاة، الهندسة الوراثية، إدارة المعرفة، إدارة التقنية، الإدارة الإلكترونية، الهندسة الطبية، التخطيط العقلى وتنمية القدرات الذاتية، وبالتالي لم تعد العلوم الأساسية والتطبيقية مفصولة عن بعضها البعض.

17-4 زيادة التنافسية الاقتصادية العالمية المبنية على المعرفة والمبادرة والسبق الزمني، واتباع أساليب المقارنة المرجعية محلياً ودولياً كعنصر أساسي في ذلك.

18-4 التوسع في نشر التعليم والتدريب الخاص واستخدام المعلوماتية في ذلك، من خلال التعليم والتدريب عن بعد و الجامعات المفتوحة، حيث وصل عدد الجامعات ومراكز التدريب الى أكثر من 56000 مؤسسة.

19-4 زيادة دور المؤسسات الإقتصادية الكبيرة في إنشاء مؤسسات المعرفة من خلال برامج تنمية متكاملة، مثل (نوكيا ، هوندا ، ميكروسوفت،…) و التي خلفت مدن وقرى وحدائق تقنية كبرى (4000 مؤسسة).

20-4 زيادة الاعتماد على الموارد البشرية باعتبارها أهم عناصر تنمية الاقتصاد الوطني واستدامته، باعتبار أن العقل البشري مدته أطول وله القدرة بشكل أكبر على زيادة الإنتاج كلما زادت إبداعاته وتوفرت له السبل والإمكانيات.

21-4 ظهور أنظمة ومنظمات وهيئات رعاية المبدعين والمبادرين وأصحاب الابتكار، وربطها بأنظمة ومنظمات وهيئات الرعاية واحتضان تكوين المشروعات ومؤسسات الأعمال الصغرى والمتوسطة وهي ما يسمى حاضنات الأعمال، الحاضنات التقنية وحاضنات الأعمال والابتكار التقني. (22)

22-4 توفير معطيات موضوعية لتتبع التطور العمراني في العالم العربي، وتسريع تنافسية المدن في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية من خلال مؤشرات المعرفة، وهى تطوير التنافسية من خلال المقارنات و تسريع القطاعات المعرفية و قطاعات الخدمات و المجالات الاقتصادية. (23)

23-4 رفع الحصة المخصصة لتقنيات المعلومات و الاتصال في ميزانية الدولة مثل صندوق الحسن الثاني، صناديق خاصة(صندوق الخدمة الشاملة …)، تعاون دولي ثنائي و متعدد الأطراف، شراكات بين القطاع العام و الخاص ، و دور الدول متعدد مثل القيام بتأمين وضمان منافسة شريفة، توعية المواطنين والمقاولات بأهمية استعمال تقنيات الإعلام والاتصال،تنظيم ربط مختلف قطاعات الإدارة بالشبكة،تطوير وتشجيع شبكات المعلومات الخاصة،سرعة إعداد بيئة ملائمة لتطوير صناعة وطنية فعالة لتقنيات الإعلام والاتصال،الحفاظ على تعبئة شراكة عمومية وخاصة متفق بشأنها وتدشين مشاريع طموحة وذات نطاق واسع. (24)

 24-4 للانتقال إلى اقتصاد المعرفة بكل ما يحمل هذا المفهوم من تحديات وإرهاصات لابد من البدء بالمدارس و الجامعات، بحيث تصبح المعرفة والوسائل التي تدعم تحصيلها و الحفاظ عليها و في النهاية تخليقها هي أساس النظام التعليمي.

25-4 إن استفادة العالم العربي من الفرص التي سيتيحها اقتصاد المعرفة وأخذ حصته فيه، وتجنب مخاطر عدم مواءمته مع التحديات التي سيأتي به هذا الاقتصاد يتطلب من العالم العربي التحرك لتفعيل دور مؤسسات العلم والتكنولوجيا لديه لتأدية وظيفتها في المجالات الأربعة للتعامل مع المعرفة أي:

أ‌-       توليد المعرفة: وذلك في مؤسسات البحث والتطوير وفي الجامعات، وهذا يتطلب قيام الدول العربية برفع معدلات تمويلها ودعمها لهذه المؤسسات.

ب‌-   نقل المعرفة: وذلك من قبل الشركات المتقدمة، وكذلك مؤسسات التوثيق العلمي وشبكات نقل المعلومات ومؤسسات الترجمة، وكذلك عن طريق البعثات للاختصاصات المختلفة بقصد نقل المعرفة وتوطينها، يضاف إلى ذلك جهود التعاون الإقليمي والدولي بهذا القصد.

ت‌-   أما نشر المعرفة: فيكون بدعم دور التوثيق والإعلام العلمي إضافة إلى برامج التوعية العلمية المختلفة، وكذلك توفير مراكز تقديم المعلومات العلمية والتكنولوجية والتجارية وغيرها، وتوسيع استثمار شبكات الحاسوب ومنها الإنترنت وتشجيع انتقال العاملين من الجامعات ومراكز البحوث إلى الصناعة وبالعكس.

ث‌-   استثمار المعرفة: وهي من أهم الوظائف التي يجب الاعتناء بها، وذلك بتوفير المؤسسات الوسيطة بين جهات توليد المعرفة وفعاليات الإنتاج والخدمات مثل المؤسسات التكنولوجية و المخابر الهندسية والهندسة العكسية و دعم براءات الاختراع وحماية الملكية الفكرية وغيرها من الإجراءات. (25)

 وبهدف استفادة العالم العربي من اقتصاد الأعمال الإلكترونية e-Business بما في ذلك التجارة الإلكترونية e-Commercial، وبهدف زيادة التجارة البينية العربية، وكذلك زيادة الصادرات على الواردات في مجال الأعمال الإلكترونية، يوصى بالعمل في المجالات التالية: تحسين البنية التحتية للإنترنت العربي، تشجيع انتشار الإنترنت بين المواطنين، دعم الدراسات والبحث والتطوير في مجالات المعلوماتية والأعمال الإلكترونية، تحسين البيئة التشريعية والتنظيمية لانتشار الأعمال الإلكترونية، تحسين البيئة المصرفية للسماح بانتشار الأعمال الإلكترونية وتوفير رأس المال لشركات الأعمال الإلكترونية. (26)

Advertisements