اقتصاد المعرفة: حقبة جديدة نوعياً في مسار التطور الاقتصادي

اقتصاد المعرفة: حقبة جديدة نوعياً في مسار التطور الاقتصادي

د. محمد دياب

أستاذ في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية

ثمة اقتصاد جديد يتطوَّر ويترسَّخ هو اقتصاد المعرفة (knowledge economy)، أو الاقتصاد المبني على المعرفة. وهذا الاقتصاد يتطوَّر بوتيرة متسارعة وعلى نطاق واسع، كما تتجلَّى وتتجذَّر خصائصه ومبادئه في مواجهة الاقتصاد الصناعي التقليدي، الأمر الذي يفرض على علم الاقتصاد مهمات جديدة تتمثَّل في دراسة هذا التحوُّل العظيم وتحليله، ومقاربة التحديات والتغيُّرات الناجمة عنه بنظرة علمية تجديدية وموضوعية. وهذا البحث ليس سوى محاولة أولية للمشاركة في هذه الورشة البحثية، لدراسة هذه الحقبة الجديدة في مسار التطور الاقتصادي العالمي.

وقد ارتأينا تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث رئيسة: المبحث الأول يتناول التحولات المعرفية العظيمة التي شهدتها البشرية في تاريخها، والثاني يتناول مفهوم الاقتصاد الجديد (اقتصاد المعرفة) وخصائصه الأساسية التي تميِّزه عن الاقتصاد التقليدي، أما المبحث الثالث فيتوقَّف عند التحوُّلات الجوهرية في آلية عمل الاقتصاد الجديد.

المبحث الأول: تحولات معرفية عظيمة في تاريخ البشرية

لقد كان مسار تطوُّر المجتمع البشري دائماً مرتبطاً بتطوُّر معارف الإنسان. فالمعرفة رافقت الإنسان منذ أن تفتَّح وعيه، وارتقت معه من مستوياتها البدائية، مرافقة اتساع مداركه وتعمُّقها، إلى أن وصلت إلى ذراها الحالية. وعلى مدى تاريخ البشرية كله نجد أن كل مجتمع من المجتمعات قد تمتَّع بمستوى معين من العلم والمعرفة، بحيث يمكننا القول أن مراحل تطور هذه المجتمعات كانت تشكِّل انعكاساً لتطور المعرفة بمعناها الشمولي، والمرتبطة بجوانب الحياة الروحية والمادية والاجتماعية والبيولوجية… إلخ. ويمكن الجزم بأن تلك المعرفة اضطلعت بدور محوري ومتواصل في تطوير المجتمع البشري وفي دعم إنجازاته المادية، فضلاً عن إنجازاته المؤسساتية والثقافية.

وهكذا، فإن مفهوم “المعرفة” ليس بالأمر الجديد، بل الجديد هو حجم تأثيرها الراهن على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعلى نمط حياة الإنسان المعاصر عموماً. فقد شهد العالم ابتداءً من الربع الأخير من القرن العشرين أعظم تغيير في تاريخ البشرية، هو عبارة عن التحول الثالث، بعد ظهور الزراعة والصناعة. وتمثَّل هذا التحوُّل بثورة العلوم والتكنولوجيا الفائقة التطور، والتي تشكل ثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات ذروتها اليوم. لذا نرى أن مقاربة اقتصاد المعرفة لا بد من أن تبدأ بإلقاء نظرة سريعة على التحوُّلات الكبرى في حياة المجتمع البشري، والتي كانت انعكاساً لمدى التطوُّر الذي بلغته المعرفة في كل مرحلة من تلك المراحل.

تمثّل التحوُّل الأوَّل، العظيم والبالغ الأهمية في حياة البشر، في قيام الزراعة المستقرة التي نشأت في أحواض الأنهار الكبرى، كالنيل ودجلة والفرات. ولقد عرفت البيئات الخصبة تلك، التي شهدت في العصور القديمة وما تلاها أعنف صراعات دموية للسيطرة عليها، الأشكال الأولى للدولة والسلطة والحكم والشرائع والقوانين. وأدَّى قيام تجمعات سكانية كبيرة نسبيًا إلى بروز تنظيم إداري وسياسي ملائم لمستوى تطور المجتمع البشري في تلك المرحلة.

وعلى مدى بضعة آلاف من السنين تكرَّست الزراعة، بحكم ارتباط أشكال النشاط الاقتصادي الأخرى بها، بوصفها العالم الرئيس المحدَّد للنشاط البشري وللحضارة الإنسانية، باعتبارها مصدراً رئيساً للإنتاج والثروة في حياة المجتمعات. لقد قامت حضارات تلك الحقبة الطويلة على ما سمِّي “المعرفة الزراعية”، واتسمت بتركُّز تطوُّر المعرفة في مناطق محدَّدة، وبما سمِّي المعرفة واحتكارها. فعندما كانت جماعة ما تتوصل إلى ابتكار أو اكتشاف معين، فإنها كانت تحتكره وتحتفظ به لنفسها وتحجم عن تقاسم المعرفة الجديدة مع غيرها، الأمر الذي أدَّى إلى تباطؤ تطور المعرفة، وإلى ضياع الكثير من أسرارها وإنجازاتها مع زوال حَمَلتها (ومن أبرز الأمثلة على ذلك، ضياع الكثير من إنجازات الحضارة الفرعونية أو الحضارات القديمة في أميركا الجنوبية). لقد عُرف ذلك المجتمع بالمجتمع ما قبل الصناعي.

أما التحوُّل الثاني العظيم فتمثَّل بقيام الثورة الصناعية ابتداءً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر في إنكلترا، ومن ثم انتشارها على امتداد القرن التاسع عشر في أوروبا الشمالية والغربية وشمال القارة الأميركية واليابان، وروسيا لاحقاً. وتُعدُّ الثورة الصناعية بداية تقدُّم عظيم في البلدان التي تحقَّقت فيها، وبالتالي في العالم أجمع. وقد شمل هذا التقدم فروع النشاط الاقتصادي كافة (الصناعة والزراعة والنقل والمواصلات والتجارة والمصارف…)، وشكَّل درجة أرقى وأعظم في اتساع مدارك الإنسان ومعارفه. وكان من سمات المعرفة في تلك المرحلة أنها كانت تستند إلى التطبيق، أي أن التطبيق كان يسبق النظرية، حيث صيغت نظريات كثيرة على أساس ابتكارات وتطبيقات كان يتوصَّل إليها المبتكرون والمخترعون في الممارسة العملية أولاً.

وقد أدت تلك الثورة وما تلاها من تطوُّر إلى حدوث زيادة هائلة في الثروة، كما أحدثت تحولاً كبيراً في المجالات السياسية والعلمية والثقافية، وكذلك الاجتماعية، لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل، كما أدت إلى انقسام العالم إلى عالمين: أحدهما صناعي متطوِّر، وآخر غير صناعي يلهث بعضه للحاق بالعالم الصناعي المتطوِّر من غير جدوى في غالب الأحيان، فيما البعض الآخر يعيش في تخلُّف وفقر مدقع من دون أمل في النهوض. وبذلك تعتبر الثورة الصناعية بداية لتأريخ جديد بين عصرين: العصر ما قبل الصناعي والعصر الصناعي.

أما التحول الثالث الكبير، الذي حمل أعظم تغيير في تاريخ البشرية بأكمله، فقد بدأ في الربع الأخير من القرن العشرين، وتمثَّل بثورة العلوم والتكنولوجيا الفائقة التطوُّر وما نجم عنها من ثورة في المعلوماتية والاتصالات، حيث باتت المعلومات والمعرفة مورداً أساسياً من الموارد الاقتصادية، لا بل المورد الإستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية المكمِّل للموارد الطبيعية ونشوء ما اتفق على تسميته “اقتصاد المعرفة” أو “الاقتصاد المبنى على المعرفة”. وهكذا، بعدما كانت الأرض والعمل هما المورد الرئيس للثروة في العصر ما قبل الصناعي، ثم حلَّ مكانهما رأس المال والطاقة (العمل) باعتبارهما المولِّد الرئيس للثروة، أصبح العلم والمعرفة هما العنصر الرئيس بين عناصر (عوامل) الإنتاج في المجتمع في العصر الراهن الذي صار يعرف باسم العصر ما بعد الصناعي، حيث صار إنتاج المعرفة واستثمارها واستهلاكها (بمعنى استخدامها) وتداولها (أو كما يقال تقاسمها أو تشاركها) المصدر الرئيس للنمو. وغدت المعرفة عبارة عن نوع جديد من رأس المال يقوم على الأفكار والخبرات والممارسات الأفضل. إنها تعبّر عن رأس المال المعرفي الذي يُعتبر في الاقتصاد الجديد أكثر أهمية بما لا يقاس من رأس المال المادي. وأدَّى التطور العلمي والتكنولوجي إلى التحوُّل من العمل الجسدي إلى العمل القائم على المعرفة. فأصبحت التكنولوجيا والمعرفة هما العاملان الرئيسان للنمو والتنمية المستدامة إذ أن الثروة الحقيقية للأمم تكمن اليوم في العقول بالدرجة الأولى، ثم تأتي بعدها الثروات المادية الكامنة في باطن الأرض أو على سطحها.

إن السمة الرئيسة لهذه المرحلة هي في أن التطبيقات العملية صارت تأتي استناداً إلى النظرية. فعلى عكس المرحلة السابقة، صارت النظرية تسبق التطبيق. وتسارعت بصورة هائلة عملية وضع الاكتشافات النظرية موضع التنفيذ. فقصرت المسافة الزمنية بين الاكتشاف النظري ووضعه في موضع التطبيق. فعلى سبيل المثال، كانت الفترة الفاصلة بين اكتشاف الطاقة البخارية واستخدامها في الحياة العملية لا تقل عن ألفي سنة. أما بالنسبة إلى الكهرباء فكانت هذه الفترة مئة سنة، وإلى التصوير الفوتوغرافي مئة سنة أيضاً، والبلاستيك 55 سنة، والهاتف 50 سنة، والراديو 35سنة، والمضادات الحيويَّة 12سنة، والاتصال اللاسلكي 10 سنوات، والألياف الصناعية 9 سنوات، والترانزيستور 5 سنوات… الخ. أما اليوم فإن الاكتشافات والاختراعات في الميادين العلمية الجديدة فتتوالى باستمرار، ولا يستغرق وضعها موضع التطبيق سوى أشهر أو أسابيع قليلة. وصارت المؤسسات والشركات تنفق أموالاً طائلة على البحث العلمي وتخصِّص جزءًا كبيرًا من رساميلها لهذا الغرض. فالأبحاث العلمية أصبحت اليوم أشبه بمناجم الذهب، ولكنها غير قابلة للنضوب، وغدت ربحيتها وجدوى الاستثمار فيها مسألة لا شك فيها.

لقد كان للتطور العلمي الكبير في الميادين الإلكترونية والنووية والفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والفضائية، التأثير الأكبر في إحداث تغييرات حادة وجذرية في حياة الناس والمجتمعات، وجاءت ثورة المعلوماتية والاتصالات لتقلب هذه الحياة تفاوتاً في مستويات التطوُّر بين البلدان الصناعية نفسها، حيث نجح بعضها في ولوج مرحلة ما بعد الصناعية بينما يسعى بعضها الآخر جاهداً لتحقيق ذلك. أما الغالبية الساحقة من بلدان ما كان يسمَّى العالم الثالث فإنها ما تزال تتخبَّط في محاولات التخلُّص من قيود التخلُّف وضعف التطوُّر. وتعمَّقت أكثر الفجوة المعرفية بين البلدان والمجتمعات.

وتمارس ثورة المعلوماتية تأثيراً استثنائياً على مجمل منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية اليوم. فتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفائقة التطوُّر تتيح إقامة “مدى معلوماتي عالمي موحد”. وقد بدأ العالم منذ اليوم يجني ثمار هذا بوتيرة متسارعة. فمع نهاية القرن المنصرم وبداية القرن الجديد أخذ يتكوَّن نظام العلاقات الدولية الذي يتحقَّق عبر شبكة الإنترنت تلك. إن الأهمية العظيمة والمستقلَّة لهذا النظام الجديد سوف تتجلَّى بالكامل في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

إن ثورة المعلوماتية واتساع “المدى المعلوماتي الموحَّد” لا يؤثِّر تأثيراً جذرياً في الاقتصاد فحسب، بل وفي حياة المجتمع وطبيعة العلاقات بين البشر والمواطن والسلطة، ويؤدي إلى تعاظم نفوذ وسائل الإعلام وتأثيرها، الأمر الذي يمكِّنها من السيطرة على سلوك الفرد وخصوصاً في مجال الاستهلاك وتكوين الوعي، ومقاربة الكثير من القضايا والمشكلات التي يواجهها وفهمها.

المبحث الثاني: مفهوم اقتصاد المعرفة وخصائصه:

1 – مفهوم اقتصاد المعرفة

إذا كان الاقتصاد بمفهومه التقليدي هو علم الندرة، أي ندرة الموارد في مقابل التطوُّر اللامحدود لحاجات الناس ومتطلباتهم، فإن اقتصاد المعرفة، في أبرز خصائصه التي سنحاول الإضاءة عليها لاحقاً، وخصوصاً في ظل التكنولوجيا الرقمية، هو اقتصاد الوفرة. فمع تطوُّر المعرفة، من حيث هي لا تستهلك (بمعنى أنها لا تستنفد) بل تتوالد ذاتياً بالاستهلاك، أي عند تقاسمها وتشاركها من خلال نقلها إلى الآخر أو الآخرين، وبفضل التكنولوجيا الرقمية، فإن التكلفة الحدية لأي نسخة لاحقة على النسخة الأولية (التي تكون مكلفة جداً غالباً) تتضاءل تدريجاً إلى أن تصبح أقرب إلى الصفر. وهذا ما يخلق الوفرة في الإنتاج بحيث يصبح مبدأ الوفرة هو السمة الأبرز لاقتصاد المعرفة.

ولو أردنا تقديم تعريف مختصر لاقتصاد المعرفة لأمكننا القول بإنه الاقتصاد الذي يشكل فيه إنتاج المعرفة وتوزيعها واستخدامها، هي المحرِّك الرئيس لعملية النمو المستدام ولخلق الثروة وفرص التوظيف في كل المجالات. إنه يقوم على أساس إنتاج المعرفة (أي خلقها) واستخدام ثمارها وإنجازاتها، بحيث تشكل هذه المعرفة (سواء ما يعرف بالمعرفة الصريحة التي تشتمل على قواعد البيانات والمعلومات والبرمجيات وغيرها، أو المعرفة الضمنية التي يمثلها الإفراد بخبراتهم ومعارفهم وعلاقاتهم وتفاعلاتهم) مصدراً رئيساً لثروة المجتمع المتطوِّر ورفاهيته.

2 – خصائص اقتصاد المعرفة

استناداً إلى التعريف أعلاه يمكن القول بإن أهم الخصائص التي يتسم بها اقتصاد المعرفة يتمثَّل في التوسع المستمر والمتزايد في توظيف العلم والتكنولوجيا في جميع ميادين الاقتصاد، وفي الدور الفاعل والجوهري الذي تضطلع به المعرفة كعامل حاسم في عملية الإنتاج، وتأثيرها الكبير على الخبرات، والقدرة على التعلم والتنظيم والإبتكار في المنظومة الاقتصادية. فقد حلَّت المعرفة المستقاة من المصادر العلمية والتقنية في المكان الأول محل رأس المال وغدت المصدر الرئيس للنمو، وباتت تستثمر كعنصر أساسي لتعزيز الميزة التنافسية للشركات. وبرز توسُّع كبير في صناعة الخدمات وفي حجم دورها ضمن المنظومة الاقتصادية.

وإذا أردنا مقاربة أبرز خصائص اقتصاد المعرفة بشيء من التفصيل، فيمكننا التوقف عند الخصائص التالية (1):

أولاً: مفهوم القيمة في ظل اقتصاد المعرفة:

يعتبر مفهوم القيمة أهم ركائز المنظومة الاقتصادية. وقد قام الاقتصاد الصناعي على أساس ثنائية القيمة الإستعمالية والقيمة التبادلية للسلعة. وجاء اقتصاد المعرفة ليضيف إليها قيمتين جديدتين، هما: 1) قيمة المعلومات والمعرفة، وذلك بعدما صار بالإمكان قياس كمية المعلومات وتقدير عائدها، وبعدما صارت المعرفة مكوناً أساسياً من مكونات الإنتاج، وليس مجرد عامل إضافي لرفع كفاءته كما كانت في ظل الاقتصاد التقليدي. 2) والقيمة الرمزية، مثل قيمة العلم وقيم الحضارة والهوية القومية وما شابه.

وعلى عكس قيمة الأصول المادية (من أراض وعقارات ومنقولات وما شابه) التي تتسم بالثبات النسبي، لا بل تحتفظ بجزء أساسي من قيمتها حتى في حال عدم استخدامها (الأرض ترتفع قيمتها عادة مع مرور الزمن)، فإن الأصول المعرفية تفقد قيمتها إن لم تستخدم، كما أنها قابلة لأن تفقد قيمتها بسرعة حالماً تظهر معرفة أو تكنولوجيا أكثر جدة وتطوراً تقوم بإزاحتها.

إن تسارع إنتاج المعرفة، وتقادمها وتلاشي قيمتها، تتطلَّب قيام مؤسسات وأساليب تنظيم وعمل تتسم بالسرعة والدينامية والقدرة على إقتناص الفرص من أجل سرعة تحويل هذه المعرفة المتجدِّدة إلى منتج معرفي قبل أن يصيبها التقادم. وهذا الأمر يدفع المستثمر إلى السعي لتحقيق أقصى عائد في أقصر وقت ممكن خشية ظهور منتج منافس قائم على معرفة أكثر تقدماً تبخس من قيمة سلعته. وهذا ما يدفع منتجي السلع المعرفية إلى المبالغة في تحديد أسعارها عند ظهورها للمرة الأولى على نحو لا يتناسب مع كلفة إنتاجها (فلنتذكر، مثلاً، كيف كانت مرتفعة أسعار أجهزة الكمبيوتر الفردية عند ظهورها أو أجهزة الهاتف النقال أو الكاميرات الرقمية وغيرها من السلع ذات الكثافة المعرفية قبل أن تنخفض لاحقاً).

ثانياً: مفهوم الملكية في ظل اقتصاد المعرفة

تتسم الملكية المعرفية بميزة خاصة لا بد من الإشارة إليها. ففي ظل الاقتصاد التقليدي عندما يبيع المرء شيئاً فإنه لا يعود يمتلكه، أي تحصل عملية انفصال بين المالك السابق وما كان ملكاً له قبل بيعه. وذلك لأن الأشياء تتسم بالملكية الحصرية. أما في ظل اقتصاد المعرفة فإن المرء عندما يبيع المنتج المعرفي، فإنه يظل عمليًا يمتلك المعرفة الكامنة فيه. كما أن الذي يشتري المنتج المعرفي فإنه يمتلك عملياً المعرفة الكامنة فيه (بمعنى قدرته على استخدام نتاج هذه المعرفة والاستفادة منه حتى ولو كان غير قادر أو غير مؤهل لتجسيد هذه المعرفة في منتج جديد). لذا فإن المعرفة تتسم بالملكية التعددية غير المحدودة وغير الحصرية. وهذا ما يحول اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد الوفرة، نتيجة لتقاسم المعرفة وتشاركها.

لقد كانت الملكية المادية، من أراض وعقارات وأصول مادية مختلفة وما تزال هي السائدة في الاقتصاد التقليدي. أما اليوم فقد صارت الملكية الفردية هي محور الاقتصاد القائم على المعرفة. على عكس الملكية المادية، ثمة، في ما يخص الملكية الفكرية، صعوبات كثيرة في تحديدها وتوثيقها ومن ثم حمايتها. وتعود الصعوبة الأساسية بالنسبة إلى منتجات صناعة المعلومات، التي تعتبر من أهم فروع اقتصاد المعرفة، إلى كون تكنولوجيا المعلومات قد وفَّرت إمكانات هائلة للنسخ والإرسال والتحويل والتحوير، خصوصاً عبر شبكة الإنترنت.

وتمثل حقوق النشر وبراءات الاختراع أهم أساليب حماية الملكية الفكرية. ويجري اليوم البحث عن أساليب مستحدثة لتلائم الطبيعة الخاصة بالمنتج المعرفي. وليس من قبيل الصدف أن تكون مسألة حماية الملكية الفكرية واحدة من أهم المهمات التي تسعى منظمة التجارة العالمية إلى تحقيقها وتعميمها. ويتمتَّع بحماية الملكية الفكرية اليوم نطاق واسع من الإنتاج الإبداعي والبرمجيات وقواعد البيانات والعلامات التجارية وما شابه. وقد أقرت منظمة التجارة العالمية اتفاقية “الجوانب التجارية الخاصة بالملكية الفكرية TRIPS”، وألحقتها باتفاقية تحدِّد أساليب فض المنازعات، وقد انطلقت هذه الاتفاقية من ميثاق “بيرن” الخاص بالملكية الفكرية. ولكن هذا لم يعد كافياً نتيجة التحديَّات التي تطرحها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وبصورة خاصة شبكة الإنترنت، اليوم، علماً أن الملكية الفكرية وسعي الدول المتقدمة لتكريس احتكارها للمعرفة ونتاجاتها، يمكن أن تساهم في اتساع الهوة الرقمية والمعرفية بين العالم المتقدِّم وما يسمَّى العالم النامي.

ثالثاً: علاقة الطلب والعرض في اقتصاد المعرفة:

من المعروف أن الطلب هو الذي يحدِّد، عموماً، العرض في الاقتصاد التقليدي، حيث أن حاجات المجتمع كانت أكبر من قدراته الإنتاجية على إشباعها. أما في ظل الاقتصاد المبني على المعرفة فإن العرض صار، إلى حدٍّ كبير، هو الذي ينشئ الطلب. وهذا يعني أن قدرات المجتمع الإنتاجية صارت أكبر من حاجاته. علماً أن العرض صار أكبر من حيث الكم وأفضل من حيث الجودة وأثرى من حيث التنوُّع، وذلك بفضل التكنولوجيا الفائقة التطوُّر (خصوصاً الرقمية والشبكية)، أي تم الانتقال من مرحلة الكم إلى مرحلة الجودة. ويتسم اقتصاد المعرفة بالعرض المعرفي الفائق، سواء من حيث المفاهيم أم من حيث التطبيقات، بما يفوق قدرة الأفراد والشركات وقطاعات الأعمال على الطلب. وبذلك يمكن القول بأن الاقتصاد لم يعد يهتم بمعالجة مسألة الندرة، بل صار يرتبط بمسألة الوفرة، إذ أن المعرفة بوصفها عنصراً جديداً من عناصر الإنتاج، وخلافاً لكل عناصر الإنتاج التقليدية، لا تواجه مشكلة النضوب لأنها تتسم بالنمو المستمر. فبينما تنضب الموارد الاقتصادية مع استهلاكها، فإن الموارد المعرفية تنمو كلما زاد معدل استهلاكها.

رابعاً: مفهوم الكلفة في اقتصاد المعرفة:

في اقتصاد المعرفة تكون التكلفة الثابتة لإنتاج النسخة الأولى من المنتج المعرفي عالية، ولكن التكلفة الحدية لإعادة إنتاج النسخ الإضافية تكون عادة منخفضة جداً أو أقرب إلى الصفر. وهذه السمة الجديدة تقلِّل من أهمية، إن لم تكن تلغي، مفهوم “الحجم الأمثل” للإنتاج. إذ أنه صار بالإمكان إنتاج أي حجم لاحق على النسخة الأولى من السلعة ذات الكثافة المعرفية مهما كان كبيراً، ونظرياً إلى ما لا نهاية بسبب تضاؤل كلفة الإنتاج إلى الحدود الدنيا. هذه الظاهرة، أي التكلفة الثابتة العالية المقترنة بتكلفة حدية متدنية جداً، تحفز الميل إلى الاحتكار في الأسواق، وتدفع الشركات إلى تعزيز رأسمالها المعرفي لكي تتميَّز في السوق. وهذا ما يفسِّر تفرُّد عدد محدود من الشركات في ميدان المنتجات ذات الكثافة المعرفية، وحالات الاندماج والابتلاع المتزايدة. فضلاً عن ذلك، تدفع هذه الظاهرة الشركات إلى الإكتفاء ببيع النسخة الأولى من السلعة، ثم تعمد بعد ذلك إلى توزيع النسخ الإضافية مجاناً في حال اقترن ذلك مع خدمة يطلبها المستهلك. والمثال على ذلك لجوء عدد كبير من شركات الهاتف النقَّال في العالم إلى تقديم جهاز الهاتف مجاناً لمن يشتري خطاً.

وهكذا، فإن الأصول المعرفية لا تشبه الأصول المادية، لأنها لا تُستهلك عند استخدامها،وهي قابلة للاستنساخ بتكلفة حدية متضائلة تقترب من الصفر. فالاقتصاد ينقسم إلى قطاعات مختلفة، بعضها ينتج سلعاً مادية، كالأغذية والسيارات والملبوسات.. الخ، وهذه السلع تخضع لسلوك قانون تناقص العوائد المعروف، حيث أن العوائد تأخذ بالزيادة إلى مستوى معيَّن، يبدأ بعده تناقص العوائد. وثمة قطاعات أخرى تنتج سلعاً وخدمات ذات كثافة معلوماتية ومعرفية عالية. في هذه القطاعات تكون التكلفة الأولية (الاستثمارية والثابتة) لتطوير المعرفة الرقمية أو البرمجية عالية جداً، ولكن كلفة إنتاج النسخ الإضافية تكون منخفضة جداً. وهذا يؤدي إلى زيادة العوائد، حيث الربحية ترتفع بسرعة وبصورة مطَّردة مع زيادة الإنتاج. وبإمكاننا الحديث هنا عن قانون تزايد العوائد.

خامساً: اقتصاد المعرفة هو اقتصاد اللاملموسات:

يشهد الاقتصاد المادي انكماشاً وتقلصاً. وإذا كان العصر الصناعي قد اتسم بتجميع الملكيات ورأس المال المادي، فإن اقتصاد المعرفة هو اقتصاد اللاوزن واللاحجم، بل تتمثَّل أصوله الأساسية في الأصول المعرفية. لذا، يمكن القول أنه اقتصاد اللاملموسات القائم على رأس المال المعرفي بالدرجة الأولى. وتساهم كل من مواد البناء الخفيفة وبدائل المعادن والتوجُّه نحو التصغير والاستعاضة عن المحتوى المادي بالمعلومات والدور المتزايد للخدمات، تساهم كلها في عملية تقليص الطبيعة المادية للمخرجات الاقتصادية. وقد بدأ التغيُّر في القيمة من الأصول الملموسة (المادية) إلى الأصول غير الملموسة (المجرَّدة) يظهر جليًّا في مختلف جوانب الاقتصاد العالمي. وتشير المعطيات إلى أن حوالى 90% من القيمة السوقية لرساميل بعض الشركات ذات الكثافة المعرفية العالية مثل مايكروسوفت وأميركا أون لاين وساب تتمثَّل في الموجودات المعنوية.

وتمثِّل شركة “مايكروسوفت” مثالاً نموذجياً على المنطق الجديد السائد في اقتصاد المعرفة، والذي يسعى إلى تخفيف وزن المؤسسة المادي وتعزيز فيمتها السوقية في المقابل. فهي تصرف معظم طاقتها على خلق أصول وموجودات غير ملموسة (معرفية). والقيمة السوقية لرأس مال شركة “مايكروسوفت” وميزانيتها تتباين مع مثيلاتها من الشركات الأكثر عراقة، كشركة IBM مثلاً. فقد كانت القيمة السوقية لرأس مال IBM في أواخر تسعينيات القرن المنصرم تقدر بحوالى 79 مليار دولار، في حين بلغت في شركة مايكروسوفت 85.5 ملياراً. ولكن في المقابل كانت شركة IBM تمتلك ما قيمته 16.6 مليار دولار كأصول مادية على هيئة مصانع ومعدات وأجهزة وأملاك، في حين أن الموجودات الثابتة في شركة مايكروسوفت لم تتجاوز 930 مليون دولار! ومع ذلك كان المستثمرون مستعدين لدفع قيمة أكبر مقابل سهم مايكروسوفت. ومن الواضح أن ما يجذب المستثمرين هو الموجودات والأصول غير الملموسة على شكل أفكار وتطبيقات معرفية وبرامج ومواهب وخبرات العاملين المعرفيين فيها. فالإبداع المعرفي هو عملياً الموجودات والأصول الوحيدة في هذه الشركة. إن المستقبل في ظل اقتصاد المعرفة هو للشركات “الرشيقة”، حيث تقاس القيمة بالأفكار بدلاً من الموجودات والأصول المادية (2)

سادساً: اقتصاد المعرفة هو اقتصاد السرعة:

لقد كان الاقتصاد التقليدي في العصر الصناعي هو اقتصاد الحركة البطيئة نسبياً، حيث كان يعتمد على القطار والسيارة والطائرة والبريد التقليدي. أما الاقتصاد المبني على المعرفة فهو اقتصاد الحركة الفائقة السرعة، ويعتمد على الأقمار الصناعية والبريد الإلكتروني وشبكة الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال والمواصلات الحديثة. وتساعد هذه السرعة الفائقة على كسر حاجزي الزمان والمكان، وذلك نتيجة لتوظيف تقنيات الواقع الافتراضي والتعامل في الفضاء المعلوماتي. لقد أصبح من الممكن إنشاء شركات رشيقة وافتراضية، وكذلك أسواق افتراضية تستثمر خلالها معايير السرعة وتذلَّل العقبات التقليدية، حيث تقوم التجارة والأعمال على مدار الساعة وفي كل أنحاء العالم. وتعتبر التجارة الإلكترونية واحدة من أبرز تجليَّات ظاهرة كسر حاجزي الزمان والمكان في الاقتصاد الجديد.

كانت تلك بعضًا من الخصائص والسمات التي يتسم بها الاقتصاد الجديد، اقتصاد المعرفة، والتي لا يتسع هذا البحث لتناولها كلها بالبحث والتحليل. وتنعكس هذه السمات على شكل تحوُّلات وتغيُّرات تطال جميع جوانب الحياة الاقتصادية (وغير الاقتصادية) سواء على المستوى المحلي أم على مستوى الاقتصاد العالمي والعلاقات الاقتصادية الدولية. وسوف نحاول التطرق إلى بعضها في المبحث الآتي.

المبحث الثالث: تحولات جوهرية في آلية عمل الاقتصاد الجديد (3)

تناولنا في المبحث الثاني أبرز خصائص الاقتصاد الجديد وسماته، إقتصاد المعرفة، بصفته حقبة جديدة نوعياً في مسار التطوُّر الاقتصادي. وأشرنا في معرض دراستنا إلى أن تلك السمات والخصائص تتجلَّى على شكل تحوُّلات وتغيُّرات تطال مختلف جوانب الحياة الاقتصادية وغير الاقتصادية المعاصرة، سواء على المستوى المحلي أو على مستوى الاقتصاد العالمي والعلاقات الاقتصادية الدولية. وسوف نحاول في هذا القسم من الدراسة الإضاءة بشيء من التفصيل على بعض أبرز التحولات المرتبطة بتلك الخصائص والسمات الناجمة عنها أو التي تفسرها.

1 – تحولات الملكية والأسواق

يشهد الاقتصاد الجديد تغيُّرات جذرية في الدور الذي تضطلع به الملكية، وكذلك في وجه السوق وآلية عملها، إذ من المعروف أن مفردتي “الملكية” و”السوق” أصبحتا مترادفتين في عصر الراسمالية. فقد تأسَّس النظام الرأسمالي على فكرة مقايضة الملكيات في الأسواق. ومع تطور هذا النظام غدت السوق القوة السائدة في حياة المجتمع الذي يتأثَّر سلباً أو إيجاباً بحالتها وتقلباتها، كما أنها (أي السوق) صارت معياراً لوضع المجتمع ولإمكانات تطوره. ولذا عُرف الاقتصاد الرأسمالي بأنه “اقتصاد السوق”، الذي تحكم “يد خفية” آلية عمله، على حد قول أبي الفكر الرأسمالي الكلاسيكي آدم سميث في حينه.

ولكن مع ظهور اقتصاد المعرفة وترسخه في البلدان الأكثر تطوراً بداية، أخذت تتكوَّن مجموعة من الوقائع الاقتصادية الجديدة التي لا من بد من أخذها في الحسبان عند دراسة خصائص هذا الاقتصاد الجديد وطبيعة عمله. فقد بدأت الأسواق في العصر الجديد تتراجع لصالح “الشبكات”، وأخذ ما يسمَّى النفاذ Access (أي إمكان الوصول إلى شيء ما) يحلُّ بصورة متزايدة مكان الملكية بمفهومها التقليدي المعروف. وصار المستهلكون وكذلك الشركات يتخلَّون عن الحقيقة الجوهرية للحياة الاقتصادية التي اتسم بها عصر الرأسمالية الصناعية، أي سوق مقايضة الملكيات بين المشترين والبائعين. ونحن، إذ نشير إلى هذا التحوُّل، فإننا لا نريد بذلك القول بأن الملكية بحد ذاتها ستختفي في عصر النفاذ، أي عصر اقتصاد المعرفة، بل على العكس ستبقى هذه الملكية موجودة، ولكنها لن تكون متاحة على نطاق واسع للمقايضة في الأسواق كما كانت في السابق. وبدلاً من ذلك، يحتفظ المزوِّدون (وهذا هو المصطلح الذي يعبر عن المالكين) في الاقتصاد الجديد بالملكية، ويعمدون إلى منح الآخرين حق استخدامها أو استئجارها، أو يفرضون رسوماً على الدخول إليها أو الاشتراك فيها أو العضوية فيها مقابل استخدامها لفترة معينة، قد تقصر أو تطول، ولكنها تكون قصيرة في الغالب.

إن مقايضة الملكية بين البائعين والمشترين، وهي السمة الأساسية للعصر الصناعي، تفسح اليوم في المجال لعلاقة تبادل قصيرة الأجل في الغالب بين المزود أو الخادم (أي من يقدم السلعة أو الخدمة بصفتها مالكها) والعميل (أو المستخدم)، اللذين تربطهما علاقة “شبكية”، أي عبر الشبكات. وفي الوقت نفسه ستبقى الأسواق بمعناها التقليدي المعروف قائمة، ولكن الدور الذي تضطلع به في حياة المجتمع سيتضاءل باستمرار، فاسحاً الطريق أمام التسويق الإلكتروني والتجارة الإلكترونية التي تزول فيها الحدود تدريجًا بين التجارة الداخلية والخارجية.

ومن المرجَّح أن يتم في الاقتصاد الجديد، الذي يسميه البعض “اقتصاد الشبكات”، النفاذ (أي الوصول) إلى الملكية، المادية والفكرية على حد سواء، بواسطة الأعمال التجارية فضلاً عن المقايضة. غير أن ملكية رأس المال المادي، التي كانت محور نمط الاقتصاد الصناعي، تصبح أكثر فأكثر هامشية في النشاط الاقتصادي. وثمة ميل متزايد لدى الشركات للاستعاضة عن امتلاك رأس المال المادي باستئجاره. ومن جهة أخرى يعتبر رأس المال المعرفي (الفكري) القوة الرئيسة المحرِّكة للاقتصاد الجديد. وتعتبر الأفكار الجديدة والابتكارات – وليس السلع المادية – هي التي تعكس القيمة والقوة الحقيقية للشركة. فالثروة لم تعد تتجسَّد بما تملكه الشركة، بل وحتى الدولة، من سلع وخدمات، بقدر ما تتجسَّد بما تملكه من رأسمال معرفي. ويجدر بالإشارة هنا إلى أن رأس المال المعرفي هذا نادراً ما تتم مقايضته أو بيعه. بل أن من يملكه يتمسك به بقوة، مكتفياً بمنح الآخرين (أي العملاء أو الزبائن أو طالبي الخدمة) حق استخدامه أو الترخيص بالاستفادة منه لفترة معينة يتم الاتفاق عليها.

وتسير الأعمال التجارية اليوم بخطى حثيثة باتجاه التحول من الملكية إلى النفاذ، فتقوم الشركات بتصفية ممتلكاتها وتقليص مستودعاتها وتأجير معداتها، وتتعاقد مع الآخرين لتشغيل أعمالها، ساعية للتخلص من أنواع الملكيات المادية شتى التي ترى أنها تعيق حركتها وتجمد رؤوس أموال كبيرة. فلم تعد هناك حاجة كبيرة بالنسبة إلى الشركات اليوم لامتلاك الكثير من الملكيات المادية. فهذا يشكل عائقاً كبيراً أمام التطلع لمواكبة متطلبات اقتصاد العصر الجديد الذي يتسم بسرعة التقدم والتحولات بوتيرة لا مثيل لها.

وبدلاً من مصطلحي “البائعين” و”المشترين”، صار الحديث يجري بصورة متزايدة اليوم عن “المزودين” و”المستخدمين”. ففي اقتصاد المعرفة، بدأت صفقات السوق تتنحَّى لصالح التحالفات الاستراتيجية والمصادر المشتركة واتفاقيات تقاسم الأرباح. وثمة شركات عديدة اليوم لم تعد تبيع الأشياء بعضها لبعض، بل أنها تتجمَّع وتتقاسم مواردها الجماعية، الأمر الذي ينجم عنه شبكات مزودين ومستخدمين كبيرة الأحجام تتشارك في إدارة أعمالها (تتجسَّد هذه الظاهرة في حالات الاندماج والابتلاع التي تشهدها قطاعات عديدة). كل ذلك يؤدي إلى تركيز للقوة الاقتصادية في أيدي عدد محدود من الشركات العالمية الكبرى، التي يشمل نطاق عمل الواحدة منها مجالات النشاط الاقتصادي شتى. وفي اقتصاد المعرفة يمارس الكبار الذين يراكمون رأس المال المعرفي، السيطرة المتزايدة على الظروف والشروط التي يستطيع المستخدمون عن طريقها النفاذ (أي الوصول) إلى المعرفة المتجسِّدة في الابتكارات الحديثة والخبرات المهمة. وتشكِّل شركة “مايكروسوفت” أبرز مثال على هذا النوع من الشركات العملاقة المهيمنة على عالم البرمجيات وكل ما له علاقة بها.

ولا يعتمد النجاح التجاري في اقتصاد المعرفة على مقايضة السلع في الأسواق الفردية، بل يعتمد أكثر وبصورة متزايدة على إقامة علاقات تجارية طويلة الأمد. ومن الأمثلة على ذلك، العلاقة المتغيِّرة بين السلع والخدمات التي ترافقها. فبينما كان التركيز في معظم فترات العصر الصناعي يتم على بيع السلع وما يرافقها من ضمانات الخدمة المجانية للمنتج بوصفها حافزاً للمشتري، فإن العلاقة اليوم بين السلع والخدمات المرافقة لها أصبحت معكوسة. فثمة عدد متزايد اليوم من الشركات التي تتيح منتجاتها مجاناً على أمل الدخول في علاقات الخدمة الطويلة الأمد مع العملاء، أي أن هذه الشركات تقدم منتجاتها بالمجان بهدف جذب العملاء، ثم تفرض عليهم رسوماً مقابل إدارتها لاستخدام هذه المنتجات وتطويرها وتقديم أي خدمات أخرى. فعندما طرحت شركة “موتورولا” هاتفها النقال “مايكرو –تاك” العام 1989 في الأسواق حدَّدت سعر التجزئة للجهاز الواحد بنحو 2500 دولار. وبعد خمس سنوات انخفض سعر الجهاز نفسه إلى 100 دولار فقط. واليوم غالباً ما تقدم شركات الهواتف النقالة الجهاز مجاناً للمشتركين الجدد كإغراء لاستخدام خدمات اتصالاتها.

والملاحظ أن هذه الظاهرة، أي تقديم المنتجات بالمجان، تنتشر بصورة خاصة وتكتسب زخماً قوياً في صناعة المعلومات، أي القطاع الأكثر التصاقاً باقتصاد المعرفة، حيث تقوم شركات البرمجيات من أمثال “مايكروسوفت” و”نتسكيب” وغيرها بتقديم برامجها لاستعراض الشبكة بالمجان. وهي تستفيد من خاصية الاقتصاد الجديد التي أشرنا إليها في المبحث السابق، حيث تكون كلفة إنتاج أي برنامج إضافي وتوزيعه تقترب من الصفر. وفي الوقت نفسه إذا نجحت الشركة في إقناع ما يكفي من المستخدمين النهائيين بالانتقال إلى استخدام برامجها، فإنها تستطيع بيع تحديثاتها وتطويراتها وخدماتها للعملاء مقابل هامش من الربح.

ويعد تقديم البرامج المجانية استراتيجية فعَّالة لشركات تقنية المعلومات. وذلك لأنه كلما زاد عدد الناس الموصولين معاً عبر شبكة برنامج الشركة، كلما زادت الفوائد لكل واحد من المشتركين وأصبحت خدمات الشركة أكثر أهمية وأكبر قيمة. وتعرف هذه الظاهرة في صناعة تقنية المعلومات باسم “تأثير الشبكة”. فكلما كبرت الشبكة زادت الوصلات وأصبحت الشبكة أكثر أهمية وقيمة لأولئك الذي هم جزء منها.

2 – الملكية وتضاؤل دورة حياة المنتج:

من أبرز ميزات اقتصاد المعرفة أنه يحث على التسارع الكبير في الابتكارات التقنية. ونظراً إلى أن العمليات الإنتاجية والأجهزة والسلع والخدمات تتقادم بسرعة في البيئة ذات الوسط الإلكتروني، فإن الملكية الطويلة الأمد تصبح أقل قبولاً، فيما يصبح النفاذ القصير الأمد (أي الحصول على السلعة أو الخدمة لفترة قصيرة) خياراً أكثر تفصيلاً.

إن دورة حياة المنتَج (السلعة) تتضاءل باستمرار في كل الصناعات. فقد احتاجت شركة “كرايزلر” في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي إلى 54 شهراً و 3100 عامل لتطوير سيارة جديدة وصناعتها. وبعد سنوات قليلة، طوَّرت الشركة نموذجاً جديداً في غضون 33 شهراً وبجهود 700 عامل فقط. والعام 2000 كان بوسع قسم البحث والتطوير في الشركة أن ينتج سيارة جديدة في أقل من عامين. ويتوقَّع صانعو السيارات أنه خلال أقل من عقد من الزمن سوف يكونون قادرين على تصميم سيارة بحسب الطلب خالية من العيوب في غضون أيام قليلة.

وبالنسبة إلى المنتجات الإلكتروميكانيكية، كالطابعات والمفاتيح الكهربائية وأجهزة القيادة الفرعية الآلية، فقد جرت العادة أن تبقى في السوق طوال عقد من الزمن. أما الأجيال الحديثة منها فمتوسط فترة حياتها الآن يُراوح بين 3 و 5 سنوات قبل أن يتم طرح طرازات ونماذج جديدة منها في الأسواق. أما محطات العمل التي كانت تظل في الأسواق عقداً أو أكثر، فإن فترة حياتها الآن تقل عن سنتين.

ويبلغ متوسط دورة حياة المنتجات الاستهلاكية لشركات الإلكترونيات اليابانية اليوم نحو ثلاثة أشهر. والبقاء في صدارة المنافسة غالباً ما يعني أن تتنافس الشركة مع نفسها! فعلى سبيل المثال، تعمل شركة “إنتل” على تطوير ثلاثة أجيال من الرقاقات الحاسوبية في آن واحد. ففي الوقت الذي ما تزال فيه إحدى الرقاقات قيد الإنتاج والبيع في السوق، يتم تجهيز الجيل الثاني منها لإدخاله مرحلة الإنتاج، في حين يعكف قسم البحث والتطوير على تصميم الجيل الثالث من الرقاقة نفسها. وتحذو شركات أخرى حذو شركة “إنتل”، فتعمل على تخفيض فترات تطوير منتجاتها وإنتاج أجيال جديدة منها وبوتيرة سريعة. فصار المرء لا يكاد يشتري، مثلاً، جهاز كمبيوتر من أحدث طراز حتى يصبح قديماً بالمقارنة مع جهاز أكثر حداثة بعد بضعة أشهر. والأمر نفسه ينطبق على أجهزة الهاتف النقَّال وعلى الكثير من السلع الإلكترونية.

وهكذا، صار بالإمكان القول “إن اقتصادات السرعة تحل مكان اقتصادات الحجم” في سوق المنافسة الجديدة. فنجاح الشركة في دخول السوق قبل غيرها يمكِّنها من تحديد الأسعار العالية والحصول على هوامش الربح، بل أن البقاء في صدارة المنافسة لأشهر قليلة فقط يعني الكثير جداً بالنسبة إلى الشركة، إنه بمنزلة الفارق بين النجاح والفشل. فكلما زادت سرعة طرح السلعة في السوق، طال عمر هذه السلعة. وعن طريق خفض فترة البحث والتطوير، تطيل الشركة فترة بقاء السلعة في السوق، الأمر الذي يسمح للشركة بأن تسترد استثمارها بسرعة وأن تحقق الربح الكافي قبل أن تصبح السلعة قديمة.

ولا شك في أن تضاؤل دورة حياة المنتج يقابله تناقص الاهتمام به من جهة المستهلك. فمع وجود الآلاف من المنتجات الجديدة المتدفِّقة إلى السوق بوتيرة متسارعة، من الطبيعي أن نتوقع تضاؤل اهتمام المستهلك أيضاً. إن الفترة بين الرغبة والرضى تتضاءل بسرعة مع تزايد توقعات المستهلك بقرب طرح مجموعة أكبر من المنتجات والخدمات. واليوم، لا يكاد يجد المستهلكون الوقت الكافي لتجربة تقنيات أو منتجات أو خدمات جديدة، قبل أن تصبح الأجيال الأكثر تطوراً منها متوافرة في السوق. وفي بيئة إنتاجية وتجارية فائقة السرعة مثل هذه، تبدو فكرة الملكية الصرفة بالمفهوم التقليدي في غير محلها. فما الحكمة من امتلاك سلعة ستصبح قديمة حتى قبل أن يتم دفع ثمنها بالكامل؟!! في مثل هذه الظروف يصبح النفاذ القصير الأمد إلى السلع والخدمات – على شكل استئجار وعقود استخدام – بديلاً أكثر جاذبية من الشراء والامتلاك.

إن هذه الظاهرة، أي قصر وقت العملية الإنتاجية ودورة حياة السلعة فضلاً عن تزايد تكاليف البحث والتطوير والمتعلقة بالمنتجات التقنية الفائقة التطور والتعقيد وكذلك تكاليف التسويق الإضافية، تدفع بدورها إلى ما أشرنا إليه سابقاً، أي إلى تقارب الشركات واندماج بعضها أحياناً، بهدف المشاركة في المعلومات الإستراتيجية وتجميع الموارد والمشاركة في التكاليف بوصفها طريقة للبقاء متصدرة في السوق ولضمان مواجهة الخسائر المحتملة في الاقتصاد الجديد المتقلب والمتسارع الوتيرة. كل ذلك من أجل ضمان البقاء في حلبة المنافسة المحتدمة.

3 – من الملكية إلى الاستئجار:

من كل ما تقدم يمكن القول إنه في ظل اقتصاد المعرفة، من المرجَّح أن تصبح فكرة الملكية الخالصة خلال فترة ليست ببعيدة، بحكم خصوصيتها وطبيعتها المحافظة، فكرة قديمة بطيئة التكيُّف مع ثقافة السرعة الفائقة التي يتسم بها الاقتصاد الجديد. فسرعة الابتكار والتقدم المذهل في النشاط الاقتصادي، ودورات حياة المنتج المتزايدة القصر، يؤدي إلى تضاؤل معنى الامتلاك والحيازة والمراكمة. ولذا، ثمة ميل متزايد اليوم للانتقال من نظام الامتلاك القائم على فكرة الملكية بمفهومها التقليدي، إلى نظام النفاذ Access القائم على فكرة الاستخدام.

فثمة عدد كبير من الشركات التي تسعى اليوم لتجنب مراكمة رأس المال المادي. وذلك انطلاقاً من فكرة أن الملكية المادية الكبيرة الحجم تعيق حركة الشركة وقدرتها على التكيُّف مع متطلبات السوق العصرية وتقلباتها، وإمكان الانتقال بسلاسة من خط إنتاجي إلى آخر. وهي تتبع هذه السياسة تحت شعار:”استخدمه من دون أن تملكه”.

وهكذا، فإن العديد من هذه الشركات لم يعد يهتم بشراء معدات وتجهيزات رأسمالية. بل يعمد بدلاً من ذلك إلى اقتراض رأس المال الذي يحتاجه على شكل عقد إيجار، ويجري تسجيل بدل الإيجار على أنه نفقات قصيرة الأجل، أي تكلفة القيام بالأعمال التجارية. ويؤدي ذلك إلى تخفيض بند التكاليف الاستثمارية في المؤسسة. وعلى سبيل المثال، فإن ثلث مجمل الآلات والتجهيزات وأساطيل النقل والمواصلات، هي اليوم مؤجَّرة بدلاً من أن تكون مملوكة. وهذا يعني أنه من أصل ما قيمته 582.1 مليار دولار من الاستثمار في الأجهزة والمعدات في أواخر التسعينيات، كان ما يقارب 180 مليار دولار على شكل عقود تأجير محدودة الأجل. ومن البدهي أن تكون هذه الظاهرة قد ازدادت خلال السنوات الأخيرة.

ولا يكاد يخلو أي نوع من أنواع رأس المال التجاري من التأجير، بما في ذلك المعدات الصناعية والمكتبية، ومعدات النقل والمواصلات، والعقارات، وأدوات الآلات، والمنتجات الإلكترونية ومعدات الرقابة والسيطرة، ومعدات الإنشاء، والمصانع، والمساحات المكتبية، ومحلات البيع بالتجزئة، وسيارات الشحن والطائرات والناقلات والسيارات، وخطوط الأنابيب، وأجهزة الحاسوب والطابعات.. وحتى أبقار الحليب! وغالباً ما يكون المؤجر مسؤولاً عن الصيانة، وفي بعض الأحيان يتحمَّل مسؤولية إدارة الأجهزة والمعدات وكذلك المرافق. وعلى هذا النحو، تصبح شركة التأجير بمنزلة شركة لإدارة الأصول الثابتة، فضلاً عن كونها شركة تمويل.

4 – الاستعانة بمصادر خارجية:

يتلخَّص جوهر هذه المسألة في أن الشركات، في كل مجال وصناعة، صارت تسعى إلى تغيير موجوداتها التي لا تتعلَّق مباشرة بمهماتها ووظائفها الرئيسة، لا بل أن شركات كبرى تعمد إلى التخلي عن الإنتاج المباشر لسلعها الأساسية وتعهد بهذه المهمة لشركات أخرى تكون إما شركات عملاقة متخصِّصة بالإنتاج حسب الطلب، وإما شركات موزَّعة في بلدان أخرى كلفة الإنتاج فيها أدنى، بسبب انخفاض أجرة اليد العاملة مثلاً. وتكتفي في المقابل بتركيز جهودها على الجانب الإبداعي والتطويري للسلعة، أي على العمل ذي الكثافة المعرفية، متحوِّلة بذلك إلى ما يشبه العقل المفكِّر ومركز الخلق والإبداع في ما يتعلق بالسلعة أو مجموعة السلع التي يتمُّ إنتاجها من قبل الشركات المتعاقدة معها. ففي اقتصاد المعرفة أصبحت الاستعانة بمصادر خارجية أمراً بدَهياً وجزءًا أساسياً من استراتيجية الشركات الناجحة، كما أنها غدت حجر الأساس التنظيمي للاقتصاد الجديد.

والاستعانة بمصادر خارجية هي عبارة عن اتفاقية تعاقد مع طرف آخر لتنفيذ وظائف أو خدمات كانت تنفذ سابقاً داخل الشركة نفسها. وبمعنى آخر، إن الاستعانة بمصادر خارجية تعني الاستعاضة عن الملكية الداخلية للعمليات وراس المال المادي باللجوء إلى موارد وعمليات مطلوبة من شركات أخرى.

لقد بات عددٌ متزايدٌ من الشركات يلجأ إلى مصادر خارجية في مجال الصيانة وإصلاح أجهزة الكمبيوتر، وفي التدريب، وتطوير التطبيقات، والاستشارة، وكذلك للقيام بالعديد من العمليات، بما في ذلك فرز البريد والطباعة وإدارة التسجيلات والتزويد والأنظمة الإدارية. كما يجري تكليف شركات تسويق متخصِّصة بمهمات إدارة التسويق. وفي مجال النقل والمواصلات تترَك إدارة أسطول النقل وصيانته وعملياته لمتعاقدين خارجيين. وبذلك تتخلَّى الشركات تدريجًا عن قسم كبير من موجوداتها المادية ووظائفها، وتجعل هياكلها التنظيمية أكثر رشاقة ومرونة.

وتتجلَّى هذه الظاهرة بصورة خاصة في مجال التصنيع. فبعدما كانت قيمة الشركة تقاس بما تملكه من رأس مال مادي، بدأت قواعد اللعبة الرأسمالية تتغيَّر بصورة جذرية. فخلال فترة وجيزة بدأت الشركات الكبرى في قطاع التصنيع تتحوَّل إلى مراكز تصميم ودور توزيع، متخلية عن المصنع والممتلكات، وتاركة عملية التصنيع نفسها إلى شركات أخرى متعاقدة. والشركات المتعاقدة الجديدة، أي التي تقوم بوظائف التصنيع بدلاً من الشركات الأساسية، تكون في حالات معينة شركات تصنيع خارجية عملاقة تشغل المصانع وتدير شبكات الإمداد والتزويد في مختلف أنحاء العالم. وفي حالات أخرى تقوم بمهمات التصنيع شركات صغيرة متفرِّقة في عدد من البلدان النامية حيث كلفة الإنتاج متدنية.

ومن أبرز الأمثلة على شركات التصنيع حسب الطلب المتعاقدة العملاقة شركة INGRAM الأميركية، ومقرها كاليفورنيا. وهي إحدى شركات المصادر الخارجية التي تنتج كميات من أجهزة الكمبيوتر حسب الطلب، والتي تحمل ماركات شركات مثل “أي بي أم” و “كومباك”. وقد كان من الصعب من قبل مجرد تصور قيام مصنع واحد بتصنيع منتجات لشركات متنافسة على خط التجميع نفسه. أما اليوم فقد صار هذا الأمر شائعاً. وتعتبر شركة “إنغرام” شركات خدمات متكاملة، فهي تقوم بالتصنيع، وكذلك بالتوزيع، بموجب عقود مع شركات البيع والتجزئة، مباشرة إلى المستهلك النهائي، كما ترسل قائمة الحساب إلى الزبائن وترد على استفساراتهم باسم العملاء… الخ.

وتبين هذه الظاهرة أن ما يباع ويشترى في اقتصاد المعرفة هو الأفكار والابتكارات، فهي الأساس الذي يبنى عليه التطور والنجاح، أما التجسيد المادي لهذه الأفكار والابتكارات فيصبح أمراً ثانوياً على نحو متزايد في العملية الاقتصادية.

ربما تعد شركة NIKE من الأمثلة البارزة على التحول الجذري في طريقة عمل الشركات العصرية في الاقتصاد الجديد. وهي عبارة عن شركة افتراضية بكل أهدافها ومقاصدها. وفي حين يعتقد الناس أن الشركة تصنع الألبسة والأحذية الرياضية، فإنها في الواقع عبارة عن مركز للأبحاث والتصميم، لديه صيغة تسويق وآلية توزيع متطورتان. وعلى الرغم من أنها شركة عالمية في مجال تصنيع الأحذية الرياضية، فإنها لا تملك مصانع ولا آلات ولا أجهزة ومعدات ولا عقارات يمكن التحدث عنها. وبدلاً من إنفاق مبالغ طائلة على امتلاك رأس المال المادي، عملت هذه الشركة على إنشاء شبكة واسعة من المزودين – أطلقت عليهم اسم “شركاء في الإنتاج” – في جنوب شرق آسيا يقومون بإنتاج مئات التصميمات للأحذية والملابس الرياضية التي تعدها الشركة في مركزها الرئيس. كما أن الشركة تستعين بالعديد من المصادر الخارجية للقيام بعملياتها التسويقية الإعلانية.

وبالفعل، يُعزى نجاح الشركة في التسعينيات من القرن الماضي إلى حد بعيد إلى حملاتها الإعلانية الناجحة التي قامت بها لحسابها شركة “وايدن آند كينيدي”، وهي شركة إعلانات ساعدت على جعل “نايكي” الحذاء الأكثر طلباً في العالم.

وهكذا، فإن شركة “نايكي” تبيع الأفكار والإبداعات، وهي تتعاقد مع مصنِّعين مجهولين في جنوب شرق آسيا لإنتاج الأشكال المادية لأفكارها وابتكاراتها. وهذا النوع الجديد من أسلوب الشركة في إنجاز الأعمال التصنيعية والتجارية، مع الاعتماد على منتجين مجهولين لإنتاج المنتجات المادية يمكن أن ينجم عنه استغلال كبير للعمال الذين يعملون في ظروف عمل غير إنسانية وبأجور متدنية، مع استغلال لعمل النساء والأطفال.

إن التغيُّر الجذري من الملكية إلى تأجير رأس المال المادي والاستعانة بمصادر خارجية يؤدي إلى الميزة الجديدة للاقتصاد المبني على المعرفة التي سبق وأشرنا إليها، والتي تجعل منه بالدرجة الأولى اقتصاد اللاملموسات، وتؤدي إلى ظهور ما أسميناه “الشركات الرشيقة” وتقدمها، أي المتخفِّفة إلى حدٍّ كبير من الأصول والموجودات المادية، وذكرنا كمثال بارز عليها شركتي “مايكروسوفت” و”نايكي”. إن هذا التغيُّر في القيمة من الأصول الملموسة (المادية) إلى الأصول غير الملموسة، أي من رأس المال المادي إلى رأس المال المعرفي، يظهر اليوم في مختلف جوانب الاقتصاد العالمي. فالملكية المادية تصبح أقل أهمية وقيمة، أما الملكية الفكرية والمعرفية فتعتبر الذهب الأثيري الجديد.

الهوامش:

1. اعتمدنا في مقاربتنا لخصائص اقتصاد المعرفة بصورة أساسية على المراجع التالية:

* بيتر دراكر، “مجتمع ما بعد الرأسمالية”، ترجمة صلاح بن معاذ المعيوف، مركز البحوث في معهد الإدارة العامة في المملكة العربية السعودية، الرياض، 2001، ص ص 316 – 330

* تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، “نحو إقامة مجتمع المعرفة”، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، عمان 2003 ص ص 36 – 48.

* د. نبيل علي و د. نادية حجازي، “الفجوة الرقمية، رؤية عربية لمجتمع المعرفة”، سلسلة عالم المعرفة، العدد 318، الكويت 2005، ص ص. 400 – 412.

* د. نجم عبود نجم، “إدارة المعرفة، المفاهيم والإستراتيجيات والعمليات”، مؤسسة الوراق للنشر.والتوزيع، عمان 2005، ص ص. 163 – 224.

2) أنظر:

* جيرمي ريفكين ريفكين، “عصر الفرص…”، مصدر سابق، ص ص 72 – 73.

* مجموعة من الباحثين، “تنمية الموارد البشرية في اقتصاد مبني على المعرفة”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي 2004، ص ص 200 – 201.

3) اعتمدنا في معالجة التحولات الجوهرية في آلية علم الاقتصاد الجديد على المراجع الآتية:

* بيتر دراكر، “مجتمع ما بعد الرأسمالية…” مصدر سبق ذكره.

* جيرمي ريفكين، “عصر الفرص، الثقافة الجديدة للرأسمالية حيث الحياة تجربة جديدة”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي 2003، ص ص 25 – 103.

* كينيشي أوهمي، “الاقتصاد العالمي، المرحلة التالية؟ تحديات وفرص في عالم بلا حدود”، الدار العربية للعلوم، بيروت 2006، ص ص40 – 47 وص ص 165 – 171.

* د. نبيل علي، “الفجوة الرقمية…”، مصدر سبق ذكره

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s