تاريخ فلسطين تحت الحكم العثماني

تاريخ فلسطين تحت الحكم العثماني 

مقتبس من دراسة للدكتور ماهر الشريف 

فلسطين في العهد العثماني ، ظلّت فلسطين تابعة للدولة العثمانية طيلة أربعة قرون ، ولم تتغير الصورة الإدارية والعسكرية لفلسطين عما كانت

عليه أيام المماليك.

هزم العثمانيون المماليك في حدود 1517 وكانت الدولة العثمانية سيطرت على فلسطين عام 1516 ، وعينت القسطنطينية حاكما محليا عليها ، كانت البلاد قد قسمت إلى خمسة مناطق تسمى سناجق هي سنجق القدس وغزة وصفد ونابلس واللجون، وكان الحكم إلى حد بعيد في أيدي السكان المحليين . وتم اعادة اعمار المرافق العامة في القدس على يد سليمان القانوني عام 1537.

وقعت أجزاء فلسطين المختلفة وعموم بلاد الشام تحت سيطرة عائلات وكيانات متعددة في فترة الدولة العثمانية تراوحت بين الولاء والعداء للدولة المركزية، أمثال أبو غوش، ظاهر العمر، المعنيون.

 وفي 23 كانون الثاني 1517، التقى الجيش العثماني جيش المماليك في معركة “الريدانية”، ولاحق فلولهم حتى أُلقي القبض على طومان باي آخر سلاطينهم وتم شنقه على باب زويلة في القاهرة، فكان ذلك رمزاً لنهاية دولة المماليك وبداية الحكم العثماني في بلاد الشام ومصر (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، 1-2؛ رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 697).

 ويمكن تقسيم تاريخ فلسطين في العهد العثماني إلى أربع مراحل، تميّز بعضها من بعض، وخصوصاً فيما يتعلق بنوعية الحكم وطبيعة العلاقات بين الحكومة المركزية والقوى السياسية والاجتماعية المحلية:

1-تاريخ فلسطين في العصر الذهبي للدولة العثمانية، ولا سيما أيام السلطان سليمان القانوني. وشهدت فلسطين في تلك المرحلة بروز مراكز قوى مبعثرة تمثّلت بزعامات محلية ذات مرتكزات بدوية وإقطاعية.

 2- تاريخ فلسطين في المرحلة الانتقالية، التي بدأت بعد وفاة السلطان سليمان الثاني واستمرت حتى أواخر القرن السابع عشر. وفي تلك المرحلة، انتقل زمام المبادرة السياسية من القوى المحلية إلى قوى خارجها، حيث نجح أمير جبل لبنان فخر الدين المعني الثاني، في النصف الأول من ذلك القرن، في فرض نفوذه، ثم حكمه، على أقسام هامة من فلسطين. وحين قضت الدولة العثمانية عليه في عام 1635 م، حدث فراغ سياسي حاولت الدولة العثمانية أن تملأه بتقوية نفوذها في المنطقة عن طريق والي دمشق ووالي صيدا العثمانيين، بعد أن أنشأت في هذه الأخيرة ولاية في عام 1660.

3- تاريخ فلسطين في ظل تعزز مكانة القوى والزعامات المحلية خلال القرن الثامن عشر، حيث ظهرت في فلسطين إمارة عربية شبه مستقلة هي إمارة الزيادنة، التي اشتهرت تحت حكم أبرز أمرائها ظاهر العمر.

4- تاريخ فلسطين في ظل محاولات الإصلاح العثماني والتوسع الأوروبي، في القرن التاسع عشر، وذلك في إطار اندماج المنطقة اقتصادياً في النظام الرأسمالي العالمي (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 4-5؛ رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 698).

تاريخ فلسطين في المرحلة الأولى من الحكم العثماني

بعد أن ضمّ العثمانيون سنة 1516 بلاد الشام إلى دولتهم، قاموا بتقسيم هذه المنطقة إلى ثلاث ولايات هي: حلب والشام وطرابلس. وأصبحت فلسطين بموجب هذه التنظيمات الإدارية جزءاً من ولاية الشام، وقسّمت إلى خمسة ألوية (ولاحقاً سناجق)، هي: نابلس، والقدس الشريف، وغزة، وصفد واللجون.

وبحسب الباحث السوري عبد الكريم رافق، أبقى العثمانيون عدداً من الأمراء المحليين في فلسطين وغيرها حكاماً على مناطقهم، وذلك بعد اعترافهم بالسلطة العثمانية وتعهدهم بإقامة الأمن وجباية الضرائب. بينما شنوا حملات تأديبية، بين فترة وأخرى، ضد الأمراء المحليين الذين كانوا يتمردون على الدولة. وكثيراً ما كان الزعماء المحليون الموالون يعيّنون ملتزمين للضرائب الميرية في مناطقهم، ويمنحون أحياناً إقطاعات من نوع “الخاص” ( وهو إقطاع كان يأتي، في سلم الإقطاع، قبل “الزعامت”، ويأتي في الأدنى “التيمار”، أو الإقطاع العسكري)، كما كانوا يعيّنون أمراء لقافلة الحج الشامي، والتي كانت تضطلع بمهمات تجارية في الوقت نفسه. أما تعيينهم، فكان يُعزى، في المقام الأول، ” إلى مقدرتهم على تأمين سلامة القافلة بسبب معرفتهم الوثيقة بالمنطقة وعلاقتهم الحسنة بالقبائل التي قد تشكّل الخطر الرئيسي على القافلة” (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 699-703).

فلسطين في ظل حكم عائلات الأمراء المحليين

لم يحظ القرن السابع عشر –كما يلاحظ مناع- بقسط كاف من اهتمام المؤرخين. ففي تلك الفترة توقفت الفتوحات العثمانية والإنجازات العسكرية المهمة، ولم يصل النفوذ الأوروبي في أراضي الدولة العثمانية إلى مرحلة التغلغل والنفوذ البارزين، و” لم يكن حظ فلسطين عند المؤرخين العرب والأجانب مختلفاً عن حظ بقية الأقاليم العثمانية “، وهو ما يبقي المعلومات عن فلسطين في هذه المرحلة ” محدودة ” (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 8).

ومع ذلك، شهدت فلسطين، في تلك المرحلة، بعض التحوّلات التدريجية، كان من أبرزها ازدياد دور القوى المحلية اقتصادياً وسياسياً، حيث كان لظهور فخر الدين المعني الثاني في جبل لبنان ومحاولات توسعه في فلسطين ” أثر خاص في نشوء بعض عائلات الأمراء من الحكام المحليين الذين أدّوا دوراً مهماً في تحجيم طموحات أمير جبل لبنان ثم القضاء عليه ” (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 8-9).

فبعد رجوع الأمير فخر الدين المعني الثاني من هجرته القسرية إلى إيطاليا سنة 1618، عاد حاكماً على جبل لبنان بموافقة الدولة العثمانية، وواصل سياسته الاستقلالية ومحاولات توسعه في المناطق المجاورة، ولا سيما في سنجقي صفد واللجون، ونجح في السيطرة على صفد وعكا والناصرة وحيفا، وأقام فيها الخانات والحصون والأبراج. كما اهتم بتشجيع التجارة مع أوروبا، وبخاصة مع فرنسا التي كانت تستورد كميات كبيرة من القمح والأرز من عكا وحيفا، فبنى في عكا حصناً وخاناً لإقامة التجار الأجانب، الذين كانوا قد اتّخذوا المدينة مركزاً لتجارة القطن. بيد أن السلطان العثماني مراد الرابع لم يمهل حاكم جبل لبنان طويلاً، فقام، في سنة 1633، بإرسال حملة عسكرية للقضاء عليه، نجحت، بالتعاون مع الأمراء المحليين في فلسطين، في أسره ونقله إلى الآستانة، حيث أُعدم سنة 1635 (غنايم، لواء عكا في عهد التننظيمات العثمانية، ص 20-21).

برزت في فلسطين، في أوائل القرن السابع عشر، ثلاث عائلات من الحكام المحليين، هي: آل رضوان وآل طراباي وآل فروخ. وقد شكّلت هذه العائلات ” حلفاً سياسياً عسكرياً قوياً ” نجح، بالتعاون مع السلطة العثمانية، في صدّ فخر الدين المعني الثاني، ومن ثم في القضاء عليه.

أولاً: آل رضوان: استمرت هذه العائلة الغزية في أداء دور مهم في تاريخ فلسطين حتى سبعينات القرن السابع عشر، وهي ترجع في أصولها ” إلى رضوان بن مصطفى باشا (قرا شاهين) “. وقد حكم آل رضوان لواء غزة ومناطق أخرى من فلسطين أكثر من قرن من الزمان، وساهموا بذلك في انتعاش المنطقة واستتباب الأمن فيها، كما تولّوا عدة مرات وظيفة إمارة قافلة الحج. لكن دور العائلة ” تدهور وانتهى بسرعة بعد مقتل حسين باشا آل رضوان سنة 1662-1663، ويبدو أن قتله ومصادرة أمواله كانا جزءاً من سياسة الدولة العثمانية أيام وزراء آل كوبريلي للتخلص من الزعامات المحلية ” (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 9-11).

ثانياً: آل طراباي: تُنسب هذه العائلة، التي صارت تُعرف فيما بعد باسم ” الأسرة الحارثية”، إلى طراباي بن قراجه، أحد زعماء منطقة نابلس، الذي أقطعه العثمانيون إقطاعاً وعيّنوه حاكماً على سنجق اللجون. وفي عهد أحمد بن طراباي، الذي ورث والده بعد وفاته سنة 1601، امتد نفوذ هذه العائلة إلى شمال فلسطين في الجليل واللجون وساحل حيفا، واتّخذ أفرادها لأنفسهم لقب “أمراء الدربين” الذي يشير ” إلى وظائفهم الأساسية في حماية طريق الساحل إلى غزة ومصر وطريق الجبل من مرج ابن عامر إلى نابلس والقدس “. كما كان لأفراد هذه العائلة وظيفة أخرى هي حماية طريق الحج (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 11-12؛ البخيت، حيفا في العهد العثماني الأول، ص 304).

وقد تميّز عهد الأمير أحمد بن طراباي بالخلاف مع حاكم جبل لبنان، حيث تصدّى الأمير أحمد بن طراباي للأمير فخر الدين المعني الثاني ولقي تأييداً من حسن باشا حاكم غزة، ومحمد بن فروخ حاكم نابلس، ومن العثمانيين أنفسهم. واستمرت عائلة طراباي في حكم سنجق اللجون حتى سنة 1677، حين أعادت الدولة العثمانية فرض إدارتها المباشرة على السنجق وعيّنت أحمد باشا الترزبي حاكماً عليه. وكانت الدولة العثمانية قد شكّلت سنة 1660، في إطار إصلاحات الوزراء العظام من آل كوبريلي (بين عامَي 1656-1676)، ولاية جديدة هي ولاية صيدا، من مناطق فُصلت عن ولايتي الشام وطرابلس، وأصبح لواء عكا، إضافة إلى سنجقي صيدا وبيروت، ضمن ولاية صيدا الجديدة. وكان الهدف من هذه التغييرات إضعاف سلطة والي الشام، بتقليص حجم المناطق التابعة له، وتشديد الرقابة على الدروز والأمراء الذين خلفوا فخر الدين المعني الثاني في حكم جبل لبنان (غنايم، لواء عكا في عهد التننظيمات العثمانية، ص 19- 20).

ثالثاً: آل فروخ: حكم أفراد هذه العائلة، في بعض الفترات، القدس ونابلس، وكانوا ” حلقة الوصل بين آل رضوان في الجنوب وآل طراباي في شمال فلسطين “، كما شغلوا، كغيرهم من الأمراء المحليين، وظيفة إمارة قافلة الحج الشامي أعواماً كثيرة. لكن دور العائلة في تاريخ فلسطين انتهى بوفاة عساف باشا سنة 1671 (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 13-14).

نشوء فئة المشايخ والأعيان

بعد القضاء على دور عائلات الأمراء الثلاث، تقدمت عائلات الأعيان المحليين لملء الفراغ الناشئ، فعززت مكانتها الاقتصادية والسياسية، واندلعت ، منذ أواخر القرن السابع عشر، صراعات ” بشأن السلطة والنفوذ بين العائلات القوية ” عُرفت، فيما بعد، ” بتحزبات القيس واليمن “. وفي إطار هذه الصراعات، راحت تنتشر في ريف فلسطين ظاهرة التسلح والتحزب ونشوء فئة مشايخ القرى والنواحي. ولم يكتف بعض هذه العائلات بدور ” الشريك للمتسلمين “، بل ” تطلع إلى الوصول إلى رأس الهرم الإداري داخل السنجق “. ، وأبرز هذه العائلات آل النمر وجرار وطوقان في نابلس واللجون، وآل ماضي والزيادنة في الجليل، ومكي ثم أبو مرق في غزة. أما عائلات العلماء في القدس وخارجها، ” فاكتفت بدور الشريك ولم تطمح إلى تقلد السلطة السياسية مباشرة ” (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 15-20).

وبحسب بشارة دوماني، يعود أصل بعض عائلات الأعيان في منطقة جبل نابلس إلى ضباط العسكر الخيالة المحليين (السباهية) الذين كانوا يقفون على رأس فرق الميليشيا العربية (اليرلية)، ويقودون الحملات التأديبية التي كانت السلطات العثمانية تقوم بتجريدها، بين الحين والآخر، ضد الزعماء المحليين بهدف فرض سيطرتها المركزية. ففي سنة 1657، جردّت السلطة العثماية حملة تأديبية كهذه لتهدئة جبل نابلس، وأُقطعت ضباط عسكر هذه الحملة، بدلاً من دفع رواتبهم، إيرادات بعض الأراضي الزراعية من قرى معينة في جبل نابلس، بحسب نظام “التيمار” أو “الزعامت”. وبعد تطويع جبل نابلس، نجح هؤلاء الضباط ” في إقامة قواعد سلطة محلية قوية، وذابوا، مع مرور الزمن، في جملة السكان المحليين، وصاروا أشد اهتماماً بإدارة شؤون أعمالهم الخاصة منهم بخدمة الدولة العثمانية “. وكان آل النمر، وهم أصلاً ” من شيوخ النواحي في ريف حمص وحماة “، الأهم في هذه المجموعة لأنهم ” حصلوا على حصة الأسد من الإقطاعات “، ثم سرعان ” ما وضعوا أيديهم على منصبي المتسلم والميرالاي (أي قائد الألاي، او آمر كتيبة الفرسان، السباهية) “، كما نسجوا علاقات مصاهرة مع ” عائلات التجار الأغنياء وعلماء الدين البارزين ” (دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين…، ص 47-49).

وإلى جانب آل النمر، برزت، بعد حملة سنة 1657، عائلتا آل طوقان وآل جرّار. وكانت حمولة جرّار ” قد انتقلت من منطقة البلقاء، على الضفة الشرقية لنهر الأردن، إلى مرج ابن عامر في لواء اللجون في سنة 1670 تقريباً “. اما آل طوقان، ” القادمون أصلاً من سورية الشمالية “، فقد برزوا بوصفهم ” منافسين أقوياء لآل النمر في بداية القرن الثامن عشر تقريباً “. وكان أبرزهم في القرن الثامن عشر الحاج صالح باشا طوقان (ت 1742)، الذي ” بدأ حياته السياسية بالخدمة في الفرقة العسكرية المكلفة حماية قافلة الحج، ثم عُيّن، في سنة 1709، متسلماً للقدس، ثم شغل المنصب نفسه في لواء طرابزون على البحر الأسود “. وقد عاد إلى جبل نابلس في سنة 1723 ” يوم عُيّن حاكماً لألوية غزة ونابلس واللجون ” (دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين…، ص 49-50).

آل الحسيني وثورة نقيب الأشراف في القدس

على الرغم من أن عائلات العلماء في القدس كانت تتعاون مع السلطة المركزية في إستنبول ولا تطمح إلى تسلّم السلطة بل تكتفي بدور الشريك للمتسلمين، إلا أن القدس شهدت، ما بين عامَي 1703 و 1705، ثورة شعبية ضد السلطة الحاكمة، وقف على رأسها نقيب الأشراف من آل الحسيني، وشارك فيها سكان البلد من البدو والفلاحين وأهالي المدن.

ووفقاً لعادل مناع، اندلعت هذه الثورة على خلفية محاولات ولاة الشام جباية أكبر قدر من الضرائب من سكان القدس، واحتجاجاً على سياسة القمع والإرهاب التي كان يمارسها المحافظ على ألوية القدس وغزة كرد بيرام محمد باشا. وقد اعتصم العلماء في ساحة الحرم الشريف بعد صلاة الجمعة ودعوا أهالي المدينة إلى مواجهة الظلم ومقاومته، وهكذا بدأت الثورة في أوائل أيار 1703 واستمرت سنتين ونصف السنة (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 21-32).

ويتابع مناع استعراضه لأحداث الثورة، فيذكر بأن الثوار سيطروا على بيت المقدس وعيّنوا نقيب الأشراف محمد بن مصطفى الوفائي الحسيني شيخاً على المدينة ورئيساً لها. وساهم مشايخ الحارات في إدارة أحيائهم، بينما أخذ رجال الانكشارية وغيرهم من عساكر السباهية، الذين انضموا للثوار، على عاتقهم مهمة حراسة المدينة والدفاع عنها. لكن وحدة الصف التي تحققت في بداية الثورة أخذت تتضعضع مع الوقت، وراح كثيرون ممن تضررت مصالحهم يغيّرون مواقفهم ويؤيدون عروض المصالحة والعفو والحلول الوسط التي تقدم بها ولاة الشام وغيرهم من رجال الدولة، وكان من أبرزهم القاضي محمد أمين أفندي.

وانفجر الصراع أخيراً بين الفريقين فانقلبت المدينة إلى ساحة من المعارك بين مؤيد لاستمرار الثورة بقيادة النقيب ومعارض لها.

وعندما يئس الثوار من إمكان التغلب على معارضيهم قرروا الانسحاب، حيث فتح النقيب ورجاله، في إحدى الليالي الأخيرة من تشرين الأول 1705، بابي العمود والمغاربة ولاذوا بالفرار. وبعد التجائه إلى قلعة طرطوس في ولاية طرابلس، نجحت السلطات العثمانية في القبض عليه وأعدمته سنة 1707. وفقدت أسرة الوفائي الحسيني، التي كانت أبرز عائلات بيت المقدس، زعامتها، وعيّنت السلطات العثمانية السيد محب الدين بن عبد الصمد نقيباً للأشراف، وقد عُرفت أسرة محب الدين بكنيتها ” آل غضية “، الذين ” اتّخذوا، بالتدريج، كنية الحسيني وأسقطوا كنيتهم الأصلية إلى درجة اختلطت فيها الأمور بالنسبة إلى الباحثين والمؤرخين لتاريخ فلسطين الحديث”. والواقع، أن ” الحسينيين الجدد” (غضية سابقاً) برزوا منذ القرن الثامن عشر ، وبحسب مناع ، بوصفهم أشرافاً ” تولّوا نقابة الأشراف أجيالاً متعاقبة، ثم شغلوا منصب الإفتاء بالوراثة مدة طويلة “. أما علاقتهم بآل الوفائي الحسيني ” فهي كما يبدو علاقة نسب ومصاهرة فقط ” (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 35-38 و ص 46).

الأوضاع الإدارية والمالية في فلسطين

كما مرّ معنا سابقاً، قام العثمانيون بعد احتلالهم بلاد الشام بتقسيم هذه المنطقة إلى ثلاث ولايات، هي: ولاية حلب، ولاية طرابلس وولاية الشام. وقُسّمت الولاية الأخيرة إلى عدد من الألوية، أو السناجق، هي: دمشق، وتدمر، وعجلون، والكرك، وغزة، والقدس، ونابلس، وصفد واللجون (البخيت، حيفا في العهد العثماني الأول، ص 301).

وكان كل لواء يضم عدداً من النواحي، وتشتمل كل ناحية على عدد من القرى. أما الهدف من هذا التقسيم فكان إحصائياً مالياً، حيث ” كانت الوحدة المالية تتألف من مدينة أو قرية أو مزرعة أو قبيلة في منطقة معينة، يأتي كل منها بعائدات للدولة بحسب حجم سكانها وأرضها وبالتالي مدخولها “. وكانت العائدات المالية تُقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يذهب للسلطان (باديشاه)، وآخر لأمير اللواء (أو السنجق بك)، وفي الحالين يشكّل ذلك القسم إقطاعاً من النوع “الخاص”، وقسم ثالث يذهب لأصحاب “التيمار” و”الزعامت”، وهم الجنود السباهّية (الفرسان) وضباطهم الذين يعطون الإقطاع عوضاً عن المرتب (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 810).

وكانت الدولة تجبي ضريبة على الأشجار تُعرف باسم “خراج”، بينما تُعرف الضريبة المحصلّة عن الماعز باسم “رسم”. كما كان العثمانيون يجبون رسوماً على المناحل، حيث كانت تربية النحل منتشرة في بلاد الشام في تلك المرحلة. وكانت الدولة تتقاضى رسوماً على المواد المصدّرة أو المستورة، تُعرف باسم “محصول اسكلة” (ميناء). كما كانت المحاكم تتقاضى رسوماً محددة عند النظر في الدعاوى والقضايا، أو عند عقد نكاح أو تسجيل حجة. فكانت الرسوم التي تجمع عند عقد نكاح تُسمّى “رسم عروس”، وكان جزء من هذه الرسوم يخصص للقاضي ولمن يعمل معه في المحكمة، بينما يُعطى الجزء الأكبر لأصحاب “الزعامت” أو “التيمار”. وعند وقوع جريمة قتل أو سرقة، كانت الدولة تأخذ من المسؤولين عن تلك الجريمة رسوماً تُعرف باسم “رسم جرم وجنايت”. أما إذا كان المتسببون بذلك مجهولين، فإن أهالي الحارة كانوا يُجبرون على دفع تلك الرسوم (البخيت، حيفا في العهد العثماني الأول، ص 302-303).

وبحسب البخيت، عانت الدولة العثمانية في أواخر القرن السادس عشر من أزمة تضخم مالي كبيرة، إذ إن عملتها الفضية لم تعد قادرة على مواجهة ضغط العملات الأوروبية، خاصة الفلورى الإيطالي الذهبي، فقامت الدولة العثمانية بإنقاص كمية الفضة في تلك العملة، فارتفعت بذلك أسعار السلع وضعفت القوة الشرائية للعملة (البخيت، حيفا في العهد العثماني الأول، ص 302).

مظاهر من الحياة الاقتصادية في فلسطين

كان معظم سكان فلسطين يعملون في الزراعة في ظروف قاسية، كانت تدفعهم، في بعض الأحيان، إلى التمرد والثورة على تعسف ملتزمي الضرائب وإرهاقهم الفلاحين بمتطلباتهم. أما أهم المنتجات الزراعية في تلك المرحلة، فكانت الحنطة والشعير والقطن، فضلاً عن الأرز والذرة والعدس والزيتون والكرمة والتين والخروب والسمسم. وقد تأثرت الزراعة ومنتجاتها، كما تأثرت مراكز تسويقها والطرق التي تنقل عليها، بالوضع الأمني ” سواء من ناحية سيطرة البدو على بعض المناطق وتخريبها أو من ناحية تقاتل زعماء القرى فيما بينهم وانتظامهم في حزبي القيسية واليمنية المتصارعين ” (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 811-812).

وبحسب رافق، لا تتوفر معلومات كثيرة عن الصناعة في فلسطين في هذه المرحلة المبكرة من تاريخها ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر. وقد أشار الرحالة إلى صناعات مرتبطة بإنتاج المنطقة، مثل غزل القطن وصناعة الصابون واستخراج زيت الزيتون وزيت السمسم وصنع الأدوات التذكارية الدينية والزجاج. ويُستدل من فرمان أن البارود، الذي اهتمت الدولة العثمانية بصناعته، قد أنتج فعلاً في أريحا (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 813).

وظلت تجارة فلسطين الخارجية طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر تابعة لصيدا. وكان للفرنسيين تجارة كبيرة في عكا، اشتملت على الصوف وغزل القطن، الذي يأتيهم من الجليل، والقِلي الذي يبيعونه بكميات كبيرة في مرسيليا والبندقية لصناعة الصابون والزجاج فيهما. وكانت فرنسا تستورد في سنوات القحط كميات كبيرة من القمح والرز من عكا. وكانت يافا، وهي ميناء الرملة، أكثر موانئ فلسطين بؤساً آنذاك، ومعظمها خرائب، وبقيت مهددة من البدو والقراصنة (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 817-818).

مظاهر من الحياة الاجتماعية والثقافية في فلسطين

من أولى المشكلات التي يواجهها الباحث في تاريخ فلسطين الاجتماعي، في هذه المرحلة المبكرة من العهد العثماني، معرفة أعداد السكان ككل أو حسب طوائفهم في فترة أو أخرى قبل إجراء الإحصاءات الرسمية. ويفيد رافق بأن بعض الدراسات المبنية على دفاتر الأراضي العثمانية في القرن السادس عشر تلقي أضواء على عدد السكان ” وإن يكن بشكل تقريبي وغير نهائي “. كما يمكن للباحث الاستناد إلى تقديرات الرحالة، التي تشير إلى أن فلسطين شهدت ازدياداً ضئيلاً في أعداد السكان في القرن السادس عشر، ثم طرأ ازدياد كبير في القرن الثامن عشر. وقد انقسم سكان الريف، الذين كانوا يشكَلون معظم سكان فلسطين آنذاك، على أساس سياسي-قبلي إلى ” قيسية ” و ” يمنية “، وهذا ” من بقايا العصبيات القبلية التي حملها العرب معهم من الجزيرة العربية إلى مختلف مناطق بلاد الشام “. وقد بقيت هذه الانقسامات وما ترتب عليها من منازعات بين الزعماء المحليين والقرى التي تتبعهم قائمة ” ما دام الحكم العثماني ضعيفاً والسلاح متوفراً بأيدي السكان “. وكان البدو يشكّلون ” عنصر عدم استقرار في الريف وعلى الطرق الرئيسية ” (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص780- 787).

وقد طغى الطابع الديني على الحياة الثقافية في فلسطين، التي كانت متداخلة مع الحياة الثقافية في دمشق والقاهرة، حيث لم تكن هناك حدود تقف في وجه العلماء ولا عقبات جغرافية تعترض تنقلهم. وكان القرن السادس عشر قد شهد ذروة بناء الأبنية الدينية من جوامع وتكايا ومدارس، والتي كانت تمثّل آنذاك مراكز النشاط الثقافي في فلسطين (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 830-831). ويعتبر رافق أنه في غياب دراسات معمّقة وشاملة للحياة الثقافية في فلسطين، لن يكون في وسع الباحث دراسة ” مقاييس شهرة العلماء إسلامياً ومحلياً “، وتحديد ” الدور الذي يقومون به كأعيان بين علماء المدن أو كقادة شعبيين “، بحيث لا يبقى له سوى الاعتماد على أسماء العلماء الواردة في كتب التراجم ” لتتبع أصحاب الشهرة العلمية في فلسطين ” (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 787-789).

 من عهد ظاهر العمر إلى الاحتلال المصري

 عانت الدولة العثمانية، في القرن الثامن عشر، من تراجع قوتها في الخارج ومن ضعف سلطتها في الداخل، الأمر الذي أدّى إلى ظهور أسر محلية حاكمة في عدد من الولايات العربية في بلاد الشام، مثل آل العظم في الشام، وآل شهاب في لبنان، والزيادنة في فلسطين.

 ينتسب الزيادنة إلى زيدان، ويُعتقد أنهم بدو وأشراف من الحجاز، استقروا، بعد تجوال، في منطقة طبرية، وبرزوا في الإدارة العثمانية كملتزمين للأموال الميرية منذ أواخر القرن السابع عشر. ويُعتبر عمر بن صالح المؤسس الفعلي لسلطتهم ، وذلك بعد أن عيّنه الأمير بشير الأول الشهابي، أمير جبل لبنان، ملتزماً في منطقة صفد، وكان ذلك في حدود سنة 1703.

 وبحسب عادل مناع، ترتبط بداية حكم آل زيدان في الجليل ” بتراجع مكانة المعنيين ونفوذهم في المنطقة، وانقطاع السلالة المعنية وانتهاء حكمها بعد وفاة الأمير أحمد المعني، أمير الشوف، سنة 1697، من دون أن يخلف أولاداً ذكوراً “، كما ترتبط بصعود نجم الأمير بشير بن حسين الشهابي، أمير راشيا وابن أخت الأمير أحمد المعني (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 47-49).

وبعد وفاة عمر بن صالح، أخذ ابنه ظاهر العمر في توطيد سلطته في منطقة صفد-طبرية منذ أوائل الثلاثينيات من القرن الثامن عشر.

 وانقسم عهده، بحسب عبد الكريم رافق، إلى ثلاث فترات: الأولى شهدت توطيد سلطته ومقاومة حملات والي دمشق ضده حتى عام 1743؛ والثانية حين بلغت سلطته الأوج بين عامَي 1743 و 1760؛ والثالثة بدأت بعد عام 1760، وشهدت اشتداد ثورات أبنائه عليه، ومحاولات والي الشام عثمان باشا الكرجي إخضاعه، ثم تحالفه مع علي بك الكبير (المصري) واحتلالهما دمشق في عام 1771، وانتهت هذه الفترة بمقتله في عام 1775، وبانهيار إمارة الزيادنة العربية في فلسطين بعد أن دامت قرابة ثلاثة أرباع القرن كان لها خلالها دور هام في جعل منطقة الجليل مركز الثقل السياسي والاقتصادي لا في فلسطين فحسب، بل في بلاد الشام الجنوبية ككل (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 709 وص 717).

 الفترة الأولى في عهد ظاهر العمر

عندما توفي الشيخ عمر بن صالح منح والي صيدا ابنه ظاهر العمر التزام الضرائب في قريتي الدامون وعرّابة، فعمل، منذ ثلاثينيات القرن الثامن عشر، على تقوية سلطته وتوسيع المناطق الخاضعة له ومدّ نفوذه إلى انحاء لواء صفد كافة، وصار يطمح إلى توحيد الجليل تحت سلطة أسرته، مستغلاً ضعف ولاة ولايتي دمشق وصيدا وانهماك الدولة العثمانية في حروبها المستمرة مع روسيا في تلك الفترة. كذلك تحالف ظاهر العمر مع القبائل العربية في المنطقة مثل بني صخر وبني صقر والسردية وتزوج منهم كي يرسخ تحالفه معهم (غنايم، لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية، ص 21-22).

 وعندما سعى ظاهر العمر إلى التوسع في المناطق المجاورة والخاضعة لمشايخ جبل نابلس، مثل الناصرة ومرج ابن عامر واللجون، وقع الصدام بينه وبين مشايخ جبل نابلس، الذين كانوا على علاقة وطيدة بالباب العالي، حيث اصطدم مع آل جرار، فهزمهم وقتل زعيمهم الشيخ إبراهيم في سنة 1735. وباستيلاء ظاهر العمر على الناصرة، حرم شيوخ وتجار جبل نابلس ” من سوق هام كانت تتوارد إليه البضائع من الشام وعكا “، كما حرمهم أيضاً ” من العوائد التي كانوا يتقاضونها ” (السامري، ظاهر العمر وحكام جبل نابلس، ص 15- 23؛ دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين…، ص 54).

 وقد اشتكى مشايخ جبل نابلس ظاهراً إلى والي دمشق سليمان باشا العظم، الذي قام، بالتعاون مع والي صيدا، بشن ثلاث حملات على مناطق نفوذ ظاهر العمر، وبخاصة منطقة طبرية، ما بين عامَي 1737 و 1743، كان نصيبها كلها الفشل. وكان هذا الفشل انتصاراً لظاهر العمر الذي استمر في توسيع المناطق الخاضعة له، وذلك إلى أن منحه والي صيدا التزام مدينة عكا، فمدّ التزامه ليشمل مدينة يافا التابعة لوالي الشام الجديد، أسعد باشا العظم، الذي منحه كذلك التزام مدينة حيفا، كما ضم ظاهر العمر إليه مناطق أخرى في نابلس وبلاد حارثة وجبل عجلون (غنايم، لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية، ص 22-23؛ السامري، ظاهر العمر وحكام جبل نابلس، ص 15-19).

 الفترة الثانية في عهد ظاهر العمر

تحسن الوضع الاقتصادي في فلسطين، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بعد نجاح ظاهر العمر بمد سلطته على معظم النصف الشمالي من فلسطين ومنه الساحل، وتنشيطه الاقتصاد المحلي والدولي مستفيداً من الاهتمام المتزايد للتجار الفرنسيين بفلسطين (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 778-779).

 فقد اهتم ظاهر العمر بتأمين العدل والأمن والازدهار الاقتصادي، كما قام بتجنيد المحاربين من الفلاحين وأخذ يؤسس جيشاً نظامياً خاصاً، كانت نواته ” فرقة عسكرية من المغاربة بقيادة أحمد آغا الدنكزلي “. وأخذت عكا تتطور بسرعة منذ أواخر الأربعينات تحت حكمه، حيث شجع الهجرة إليها، و” قام بنقل بعض سكان قبرص من الروم الأرثوذكس إلى المدينة وضواحيها ومنحهم الأراضي من أجل تطويرها وزراعتها “، كما قَدِم إلى عكا عدد كبير من المهاجرين من قرى الجليل ومن صيدا وجبل لبنان، وكان معظمهم من المسيحيين، ” الذين استفادوا من سياسة التسامح الديني التي اتّبعها ظاهر العمر مع غير المسلمين من أهل الذمة “.

 وقد نشط التجار الفرنسيون وغيرهم وازدادت جاليتهم في عكا حتى أصبحت هذه المدينة مركزاً تجارياً لقوافل التجارة من دمشق ولبنان من جهة، وللتجارة الدولية مع أوروبا من جهة أخرى. وهكذا ساهم ظاهر العمر في عملية ربط اقتصاد الجليل، في تلك الفترة المبكرة، بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، وخصوصاً بفرنسا. وكان القطن أهم المحاصيل المصدرة من عكا، كما كانت تجارتها تشمل، أحياناً، القمح والأرز. وقد وفرت الأموال الطائلة التي جمعها ظاهر العمر، جراء احتكار التجارة والاستيلاء على أموال الالتزام، ما يكفي للقيام بالمشاريع العمرانية الكثيرة في اللواء، فأعاد بناء سور طبرية وقلعتها، وهدم حيفا القديمة وأعاد بناءها من جديد إلى الجنوب الشرقي من المدينة القديمة، وأحاطها بسور جعل له بوابتين، كما أعاد بناء سور عكا وحصنّه بالأبراج. وكان من الطبيعي أن تنعكس عمليات الإعمار وتطوير المدينة تجارياً على عدد السكان ” الذين قدرتهم المصادر الفرنسية في أوائل السبعينات بثلاثة أضعاف عدد سكان صيدا، أي أكثر من عشرين ألفاً “. وعلى الرغم من أن صيدا ظلت رسمياً عاصمة الولاية، فإن عكا أصبحت أهم مركز اقتصادي وإداري وأقوى معقل عسكري (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 51-55؛ رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 818؛ غنايم، لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية، ص 23-24).

 الفترة الثالثة في عهد ظاهر العمر

سعت الدولة العثمانية إلى كبح جماح توسع ظاهر العمر، مستغلة تمرد بعض أبنائه عليه ومحاولة والي الشام عثمان باشا الكرجي استعادة بعض المناطق التي سيطر عليها. وقد لجأ ظاهر العمر إلى التحالف مع علي بك الكبير، الذي ” وصل إلى منصب حاكم مصر سنة 1760″، وكان ” يطمح إلى استعادة حكم المماليك على المنطقة التي حكموها منذ قدوم العثمانيين سنة 1516-1517 “.

 وشنّ ظاهر العمر وعلي بك الكبير حرباً ضد عدوهما المشترك عثمان باشا والي دمشق، حيث خرجت العساكر المصرية ” يقودها إسماعيل بك في أواخر رجب 1148/تشرين الثاني 1770 “، واجتازت شبه جزيرة سيناء وتغلبت على عربان الوحيدات، ثم أخضعت مدينتي غزة والرملة، و” احتلت، بالتعاون مع قوات ظاهر العمر، مدينة يافا في أوائل سنة 1771، وذلك إلى أن توقف زحفها على أبواب دمشق “. ووصلت تعزيزات جديدة من مصر ” يقودها محمد بك أبو الذهب الذي عيّن لقيادة الحملة بدلاً من إسماعيل بك “، وهزمت هذه التعزيزات القوات المدافعة عن دمشق ” بالقرب من سعسع على مشارف دمشق في 19 صفر 1185/ 3 حزيران 1771 “، ونجحت في احتلال دمشق بعد ذلك بأيام.

 لكن أبو الذهب انسحب فجأة من دمشق إلى البلاد المصرية، بعد أن وعده العثمانيون بتعيينه حاكماً على مصر، حيث نجح بالفعل في عزل سيده، علي بك الكبير، ونصّب نفسه حاكماً على البلد. فلجأ علي بك إلى حليفه ظاهر العمر، حيث طلب الاثنان مساعدة الأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط ، و” تقدمت السفن الروسية إلى شواطئ لبنان وقامت بقصف مدينة بيروت في 18 حزيران 1772 وأنزلت القوات فيها ” ، لكن الأسطول الروسي لم يشكّل ” عامل ردع كافياً” ضد الدولة العثمانية، التي قررت، بالتعاون مع أبو الذهب، تصفية حكم ظاهر العمر.

 وقد زحفت القوات المصرية بالفعل نحو فلسطين، حيث أخضعت غزة، في مطلع نيسان 1775، ثم الرملة، ونجحت في احتلال يافا بعد حصار دام 48 يوماً، وبعد أن ارتكبت مجازر بشعة ضد سكانها، ثم احتلت مدينة حيفا. وأمام الانتصارات المتلاحقة للقوات المصرية، قرر ظاهر العمر إخلاء عاصمته عكا والالتجاء إلى الجبال في منطقة صفد، لكن القوات المصرية لم تواصل تقدمها، حيث اضطرت إلى التراجع والانسحاب من فلسطين بعد ” وفاة أبو الذهب بالحمى في العاشر من حزيران 1775 “، الأمر الذي دفع الحكومة العثمانية، في مطلع آب 1775، إلى إرسال أسطول بحري ليستكمل مهمة القضاء على ظاهر العمر.

 ووفقاً لعدد من الروايات التاريخية، انفضّ رجال ظاهر العمر من حوله، عندما راحت سفن الأسطول العثماني تدك أسوار المدينة، مما دفعه إلى الفرار، وبخاصة بعد أن رفض الجنود المغاربة القتال معه. وبمقتل ظاهر العمر في أواخر آب 1775، على يد أحد هؤلاء الجنود المغاربة، انتهى حكم الزيادنة في فلسطين (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 59-62 و 70- 71؛ رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 709-717؛ بازيلي، سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني، ص 51-59 و ص 63-68).

 وفي هذه الفترة الثالثة من عهد ظاهر العمر، تدهورالوضع الاقتصادي نتيجة الاضطرابات السياسية التي عمّت فلسطين، والغزوات الخارجية التي دهمتها، بالإضافة إلى النكبات الطبيعية التي أصابتها، كانتشار الجراد والقحط والطاعون (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 821).

 عهد أحمد باشا الجزار (1775-1804)

بعد رحيل ظاهر العمر ونهاية دولة الزيادنة، راح يبرز نجم مغامر عسكري من أصل مملوكي هو أحمد آغا الجزار، الذي كان مملوكاً بشناقي الأصل (من البوسنة)، بدأ سيرته في استانبول، ثم انتقل، في سنة 1755-1756، إلى مصر حيث عمل في خدمة علي بك الكبير، ونال رتبة البكوية فيها، ثم لجأ مع مماليكه إلى بلاد الشام ودخل في خدمة العثمانيين. وأصبح حاكم عكا بعد أن سقطت في أيدي الأسطول العثماني سنة 1775، ثم أعطي ولاية صيدا في 11 آذار 1776، ولكنه أبقى مركزه في عكا المحصنة تحصيناً قوياً. وقد تميّز حكم الجزار، الذي ولّي على ولايتي صيدا ودمشق بشكل متقطع بين 1775 وحتى وفاته في عام 1804، بسيطرته على القوى المحلية في فلسطين وجبل لبنان، وتحديه للعثمانيين، والإثراء على حساب الشعب والدولة، ثم بمقاومته حملة نابليون بدعم من الانكليز (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 718-719؛ مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 77-78).

 وكان الجزار قد نجح سنة 1776 في التخلص من القوات المحلية التي وطدت سيطرتها على الجليل بزعامة الزيادنة. وبعد أن أحكم سلطته على ولاية صيدا، تطلع إلى حكم ولاية الشام وعيّن، بالفعل، والياً على الشام أول مرة في سنة 1785، ثم تكرر هذا التعيين أربع مرات متفرقة خلال أكثر من سبع سنوات. لكن حكمه في دمشق تميّز بالظلم وملاحقة الأهالي، وبابتزاز الأموال وفرض الغرامات وما إلى ذلك من الأساليب التي اتّبعها في حكمه عكا وبقية أنحاء ولاية صيدا. وكان الجزّار قد استطاع، منذ سنة 1784، أن يفرض احتكاراً أشد صرامة على بيع القطن والحبوب وشرائهما، كما أفلح، في سنة 1790، في فك قبضة التجار الفرنسيين عن تجارة القطن، وطردهم إلى صيدا (دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين…، ص 123-124).

 وقد أضاف خلال فترة ولايته الطويلة الكثير من الإنشاءات في عكا، وعلى رأسها الجامع المسمى باسمه، وعمل، بهدف تحصين المدينة، على إنشاء الأبراج والبوابات الضخمة فيها، كما التفت إلى بناء جيش قوي، ضم الكثيرين من المماليك والمرتزقة من البشناق والأرناؤوط والتركمان والمغاربة. وسعى أكثر من مرة إلى إخضاع جبال فلسطين الوسطى لنفوذه السياسي وقمع ثورات الأسر المحلية فيها، كما فعل في جبل لبنان، لكنه لم ينجح في هذه المهمة الصعبة، وظلت الزعامات المحلية في جبال نابلس والقدس قوية، مثل عائلة جرار وعائلة طوقان. أما سنجق غزة ويافا والرملة فقد بقي يعاني، أيام الجزّار، جراء عدم الاستقرار وتعديات الحكام والعربان (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 79-87).

 الجزّار يصد الحملة الفرنسية

في 8 كانون الثاني 1799، زحف الجيش الفرنسي من مصر، وهدفه احتلال بلاد الشام. وبعد احتلاله العريش، استولى على غزة ثم على اسدود والرملة. وفي 27 شباط 1799، وصل إلى يافا وفرض حصاراً عليها، وراح يقصف أسوارها إلى أن نجح في اقتحامها في 7 آذار، وقام بارتكاب مذبحة كبيرة فيها ذهب ضحيتها ما بين 1500 و 2000 نسمة. ثم ارتكب مذبحة أخرى في المدينة، ذهب ضحيتها مئات الأسرى، الذين كان معظمهم من المغاربة والألبان والأرناؤوط . وبعد هاتين المجزرتين والتأخر في دفن القتلى، راح وباء الطاعون القاتل ينتشر في أوساط الجنود الفرنسيين، فمات منهم المئات في الأيام الأولى لانتشاره، كما مات عدد كبير من سكان المدينة (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 5-19).

 وبعد سيطرته على حيفا، توجّه الجيش الفرنسي نحو عكا، التي كانت محاطة بأسوار وأبراج وخندق عميق، ويستند المحاصرون فيها إلى دعم سفينتين انكليزيتين. وقد باءت بالفشل كل محاولات الفرنسيين الاستيلاء على عكا، وتكبدوا خسائر فادحة خلال حصارهم لها، واضطروا إلى الانسحاب منها والعودة أدراجهم إلى مصر، ليلة 20 أيار 1799، بعد حصار دام أربعة وستين يوماً. وهكذا، استمر الجيش الفرنسي في فلسطين نحو أربعة أشهر (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 719-727؛ سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 19-20).

 وقد أدّى الجزار دوراً مهماً بوقوفه أمام زحف نابليون على عكا وإفشال حملته سنة 1799. وكانت الحكومة العثمانية قد عيّنته، ابتداءً من 9 كانون الثاني 1799، حاكماً على طرابلس ومقاطعة يافا وغزة، وحاكماً على ولاية دمشق، فأصبح، بذلك، والياً رسمياً على ثلاث من أربع ولايات بلاد الشام وأقوى شخصية في هذه المنطقة (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 94).

 التنافس بين الجزّار وأبو المرق

وبعد نجاحه في صد الحملة الفرنسية، واجّه الجزار منافسة شديدة من محمد باشا أبو المرق، الذي عيّنته الحكومة العثماننية متصرفاً لألوية القدس وغزة ويافا مدى الحياة (مالكانة) ومنحته لقب باشا، فقرر أن يقضي على نفوذه، وأرسل بالفعل جيشاً لمحاصرته في يافا، حيث استمر حصار المدينة نحو عام، من 29 أيار 1802 إلى 7 آذار 1803، فرّ، في نهايته، أبو المرق من يافا ودخلت قوات الجزار المدينة. وبعد وفاة هذا الأخير في محرم 1219/أيار 1804، أعادت الحكومة العثمانية تعيين أبو المرق كمتسلم على سنجق غزة-يافا، و” أعطته منحة مالية وتسهيلات ضريبية لتمويل جيش لمحاربة الوهابيين في الحجاز “.

 لكنه استغل هذا الأمر ” من أجل تطوير التجارةعبر ميناء يافا وضمان استقرار الوضع الاقتصادي فيها، ومن أجل تقوية أسوار يافا وحصونها، تحضيراً لإعلان التمرد والاستقلال عن ولاية صيدا “. وللرد على تقاعس أبو المرق عن تنظيم الحملة على الحجاز، أمرت الحكومة العثمانية سليمان باشا، والي صيدا، بالقضاء عليه، ونجح الجيش الذي أرسله سليمان باشا، سنة 1807، بالفعل في احتلال يافا، واضطر أبو المرق إلى الفرار والذهاب إلى المنفى (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 99-103؛ سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 26-28 و ص 34-35).

  خلفاء الجزار: عهد سليمان باشا (1804-1819)

خلف الجزار في حكم عكا وولاية صيدا مملوكه سليمان باشا، الذي شهدت فترة ولايته قيام ثورات محلية ضد السلطة العثمانية، الممثلة بوالي صيدا ووالي دمشق المسؤولين عن حكم صناجق فلسطين، كما شهدت حدوث كوارث طبيعية كانت لها آثارها الاقتصادية المدمرة على البلاد (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 2، ص 851-874).

 وبعكس سابقه الجزار، لم يخالف سليمان باشا أوامر الدولة، وأقام حكمه على العدل والإنصاف فعُرف بسليمان باشا العادل. وفي الفترة 1810-1812، عيّن سليمان باشا والياً على دمشق، إضافة إلى ولاية صيدا التي أعطي حكمها مدى الحياة (ملكانة). وقد اتّخذ سليمان باشا مجموعة تدابير سياسية وضريبية في إطار اللامركزية، وعمد، من أجل تخفيض نفقاته والحد من مخاطر التمرد، إلى تقليص آلة الجزار العسكرية الهائلة، وإلى تخفيف سيطرته السياسية على توابع عكا. وترافقت اللامركزية السياسية مع تخفيف التحكم في جمع وبيع القطن والحبوب وسواهما من السلع التجارية، ولم يعد التجار يتعرضون لمصادرة أموالهم بصورة منتظمة مثلما كان شأنهم أيام أحمد باشا الجزار (دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين…، ص 125).

 وفي عهده انتزع لواء غزة ويافا نهائياً من ولاة دمشق، وأصبح تابعاً لوالي صيدا، وهو ” ما جعل العلاقات الاقتصادية والسياسية بين جميع أنحاء فلسطين شيئاً طبيعياً لمصلحة الأطراف كافة “، وأدّى إلى ” توطيد العلاقات بين أفراد النخبة الحاكمة في ألوية جبال فلسطين الوسطى والمدن الساحلية من عكا شمالاً حتى غزة جنوباً ” كما أصبح لواء نابلس والقدس، في تلك الفترة، تابعين لحكمه رسمياً، فعيّن موسى بك طوقان متسلماً على لواء نابلس، وكنج أحمد آغا متسلماً في القدس. وفي سنة 1812، عزل سليمان باشا كنج أحمد آغا وعيّن مكانه عبد الكريم آغا متسلماً على لواء القدس، وظل هذا الأخير في الحكم مدة طويلة نسبياً (1812-1818)، الأمر الذي جعل القدس تحظى باستقرار نسبي على مستوى الحكم والإدارة بلا قلاقل ولا اضطرابات (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 106-108؛ مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 29-31).

 أما يافا، فقد حكمها، في عهد سليمان باشا، محمد آغا أبو نبوت (1807-1819)، الذي كان أحد مماليك الجزار، ويبدو أنه كان شركسياً أو جورجياً، وعيّنه سليمان باشا في سنة 1807متسلماً على لواء غزة ويافا.

 وقد علقت به كنية أبو نبوت (أبو العصا) بسبب قسوته الشديدة. وساهم أبو نبوت كثيراً في تطوير المدينة عمرانياً وسكانياً، وفي ازدهارها اقتصادياً، حيث بنى في سنة 1810 جامعاً كبيراً عُرف باسمه، وأنشأ السبيل المحمودي وبئراً جديدة قرب الجامع الكبير، كما أقام مدرسة في جوار الجامع فيها مكتبة وعيّن لها علماء وطلبة ورتّب لهم ما يكفي لمعيشتهم ، كما أوقف عليها الطواحين السبع الكائنة في “أرض المر” على نهر العوجا شمالي يافا. كذلك اهتم بتحصين المدينة ورمّم أبراجها وأسوارها (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 25 و ص 55-57؛ مناع، ، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 119- 123).

 وسعى أبو نبوت، بعد أن وطّد سلطته، إلى فصل سنجق غزة-يافا عن ولاية صيدا، إلا أن سليمان باشا تنبّه للأمر، وعيّن ابن أخيه، مصطفى بك، متسلماً على يافا، وأصدر أمراً إلى أبو نبوت يقضي بفصل يافا عن نطاق سلطته، و” دخل مصطفى بك يافا بالفعل في 10 آذار 1819″. أما أبو نبوت، الذي أدرك ان سلطته لن تعمر طويلاً في غزة، نتيجة فصل يافا عن سنجق غزة-يافا، فقد بعث إلى والي مصر محمد علي باشا طالباً السماح له ولعائلته بالمجيء إلى مصر، فاستجاب محمد علي لطلبه واستقبله بحفاوة (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 73-75 و ص 83-84).

 فلسطين في عهد عبد الله باشا (1819-1831)

توفي سليمان باشا، والي صيدا، في 4 أيلول 1819، وعيّن عبد الله باشا، ابن علي باشا الخازندار كتخدا الوالي، خلفاً له، وكان لا يزال شاباً غراً قليل التجربة يبلغ من العمر 22 سنة. وبينما اشتُهر سلفه سليمان باشا بالعدل والمعاملة الحسنة للأهالي، كانت تصرفات عبد الله باشا “أقرب إلى تصرفات الجزار “، كما تسببت سياساته في دخوله في نزاعات وحروب مع السلطة المركزية ومع الولاة في سورية، وفي النهاية مع والي مصر، محمد علي باشا، الذي قضى على حكمه (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 89-91).

 وكان عبد الله باشا قد نجح، وبناءّ على طلب السلطان العثماني، في إنهاء الثورة التي شهدتها منطقة القدس ما بين 1825-1826 ضد والي دمشق مصطفى باشا، الذي فرض على الأهالي ضرائب باهظة. فكافأته الدولة على خدمته هذه بإضافة ولاية طرابلس، سنة 1827، إلى حكمه فضلاً عن ولاية صيدا، كما ضمت له بعد ثلاث سنوات ألوية جنين ونابلس والقدس، وعيّنته مسؤولاً عن قافلة الحج الشامي (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني…، ص 123-131).

 وكان الهدف من هذه التعيينات تعزيز مركز عبد الله باشا في ألوية فلسطين الجنوبية، كي يكون قادراً على صد هجوم مرتقب يشنه محمد علي، حاكم مصر، على جنوب فلسطين وسورية (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 113-114). ففي 2 تشرين الثاني 1831، صدرت أوامر إلى حملتين عسكريتين مصريتين بالتوجه إلى سورية، واحدة براً والأخرى بحراً، ووصلت القوات المصرية إلى يافا في 9 تشرين الثاني 1831، ثم دخلت حيفا في 17 تشرين الثاني، لكنها لم تتمكن من احتلال عكا، بعد حصار طويل، سوى في 27 أيار 1832، منهيةً بذلك حكم عبد الله باشا.

 لواء القدس ولواء نابلس في عهد خلفاء الجزار

كان الصدر الأعظم في إستنبول هو الذي يعيّن حكام الولايات عادة، الذين كانوا بدورهم يعيّنون متسلمي الألوية التابعة لولاياتهم. وكان متسلم لواء القدس يتمتع بحرية واسعة في إدارة شؤون اللواء إذا نجح في تحقيق أمرين أساسيين هما: ” جباية الضرائب والأموال المطلوبة لخزينة والي الشام، وتأمين تعاون أبناء النخبة المحلية “، من العلماء والأشراف (أفنديات) (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص55- 56). وكان لواء القدس يشتمل على ثلاث عشر ناحية، كانت مدينة الخليل عاصمة أكبرها. وكان يقف على رأس هذه النواحي مشايخ محليون يُعيّنون من ولاة الشام ويتمتعون بمكانة اقتصادية وسياسية مهمة (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 77-78).

 وبحسب بعض المصادر، كان يوجد في أوائل القرن التاسع عشر ديوان أو مجلس للشورى يعمل إلى جانب متسلم لواء القدس، ويناقش المسائل المهمة المتعلقة بشؤون الإدارة. وكان هذا المجلس يضم عادة القاضي الشرعي الحنفي، ومفتي الحنفية، ونقيب الأشراف، كما كان يضم أحياناً عدداً من العلماء والأعيان وضباط الفرق العسكرية وعلى رأسهم الآلاي بك وآغا الانكشارية. كما كان المتسلم يعتمد على العاملين في الجهاز الإداري، ومن أبرزهم الكاتب، الذي كان يقوم بتحرير الأوامر والمراسلات، والصرّاف، الذي كان يهتم بالمداخيل والمصاريف، والمحتسب، الذي كان يساهم في حفظ الأمن والأسعار والاستقرار في القدس وأسواقها، والترجمان (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 69 و ص 72-76).

 وكانت تضمن الأمن في لواء القدس، في أوائل القرن التاسع عشر، عدة فرق عسكرية، رابطت في المدينة وقلعتها، من أبرزها الانكشارية، وهي فرقة مشاة رابط أفرادها في المدينة وتمّ تجنيدهم في الأصل من أبناء الشعوب البلقانية، ثم صار ينضم إليها، منذ القرن السابع عشر، مسلمون من سكان الولايات، الذين عُرفوا باليرليان (أو اليرلية).

 وكان آغا الانكشارية في إستنبول هو المسؤول عن تعيين ضباط الفرقة في القدس. وقد عُيّن أحد أفراد عائلة العفيفي المقدسية، وهو محمد آغا العفيفي، قائداً لفرقة الإنكشارية في القدس سنة 1809، وذلك بهدف استمالة أهالي المدينة. كما خدم جنود وضباط محليون في الفرقة نفسها من عائلات محلية، مثل عائلات الجاعوني والحموري والنمري ومراد والقطب وغيرها (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 100-103). أما في قلعة القدس، فقد رابطت فرق خاصة كان على رأسها قائد يدعى “الدزدار”، الذي كان مسؤولاً كذلك عن العتاد والسلاح المخزونين فيها وعن السجن ونزلائه.

 وقد تولى منصب قائد القلعة بعض أبناء العائلات المقدسية، مثل عائلة العسلي (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 105-106). وتشير المصادر إلى وجود فرق عسكرية أخرى، مثل فرقة التفكجية التي تم تجنيد بعض عناصرها ليكون حرساً خاصاً لحكام القدس وللسرايا، وكان معظم جنود هذه الفرقة من المغاربة، ويقف على رأسهم قائد يدعى “سر تفكجيان”.

 ويبدو أن مكانة هذه الفرقة قد تعززت في القدس بعد صدور الأمر السلطاني بإلغاء الإنكشارية سنة 1826 (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 118). كما كان فرسان السباهية، أصحاب الإقطاعات من نوعي “الزعامت” و “التيمار”، جزءاً مهماً من الجهاز العسكري، ويقف على رأسهم “الميرالاي” أو “آلاي بك” (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 119-123).

 وكان القاضي الحنفي في المحكمة الشرعية هو المسؤول عن تطبيق الشريعة والقانون وإقامة العدل بين الناس، وكانت سلطته مستقلة عن الحكام والعساكر. وكان قضاة القدس في أغلبيتهم الساحقة من غير المحليين. وقد شمل جهاز المحكمة الشرعية، إلى جانب القاضي الحنفي، عدداً كبيراً من المساعدين، كان أبرزهم المفتي الحنفي، ونواب القاضي، أو نواب الشرع، في المدن، ونقيب الأشراف ومفتي الشافعية.

 وقد نجحت عائلات مقدسية بعينها، مثل عائلة الحسيني، في احتلال وظيفة الإفتاء ونقلها بين أبناء العائلة بالوراثة، حيث كان آل الحسيني يحتكرون، في أوائل القرن التاسع عشر، ثلاث وظائف مهمة هي وظيفة الإفتاء، ونقابة الإشراف ومشيخة الحرم القدسي (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 133-136 و ص 165-167).

 وقد وقف آل الحسيني على رأس عائلات النخبة المقدسية من علماء وأعيان، منذ نهاية القرن الثامن عشر على الأقل. وبالإضافة إلى وظائف الإفتاء ونقابة الأشراف ومشيخة الحرم، تقلد أبناء هذه العائلة وظائف مهمة أخرى في التدريس وتولي أوقاف عامة، مثل وقف النبي موسى، وتنظيم الموسم والزيارة لهذا المقام سنوياً (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 191-200). كما احتل آل الخالدي، الملقبون بالديري سابقاً، مكانة مهمة بين علماء القدس وأعيانها خلال أجيال متتالية. وكان مصدر نفوذ أبناء هذه العائلة عملهم في المحكمة الشرعية، كتاباً ورؤساء لكتاب المحكمة (باشكاتب) ونواباً للشرع (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 200-206). وبالإضافة إلى هاتين العائلتين، برز في القدس دور مهم لعائلات أخرى عريقة الوجود في المدينة، ولأخرى حديثة الصعود تقلدت وظائف علمية وإدارية، مثل عائلات آل جار الله (أبو اللطف)، والجماعي (الخطيب)، والعلمي، والدجاني، وأبو السعود، والإمام، والبديري، والشهابي، وجودة، ونسيبة، وقطينة، والدقاق، والنشاشيبي، وغيرها (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 206-208).

 وكان لواء القدس يضم نحو 60000 نسمة، منهم سكان المدينة نفسها وهم 10000 نسمة تقريباً، بينما سكن الباقي الخليل وقرى النواحي المتعددة، والتي كان عددها نحو 150 قرية. وكان سكان قرى لواء القدس في أغلبيتهم العظمى من المسلمين، وقليلهم من المسيحيين، الذين تجمعوا في قريتين كبيرتين هما رام الله وبيت لحم، بينما سكن اليهود في المدينة نفسها، ولم يكن لهم أي وجود في ريف اللواء قط حتى أوائل القرن التاسع عشر (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 240-242).

 ويبدو من المصادر المتوافرة أن ثلاث عائلات رئيسية أدت دوراً مهماً في نواحي لواء القدس في مطلع القرن التاسع عشر، وتوارثت زعامتها في مناطقها عدة أجيال، ونجحت في بسط نفوذها حتى إلى خارج حدود نواحيها. أما هذه العائلات الثلاث فهي: آل أبو غوش، مشايخ ناحية بني مالك وزعماء صف اليمن في جبل القدس، وكانت قرية العنب على طريق يافا-القدس معقلهم؛ وآل السمحان، مشايخ ناحية بني حارث وزعماء صف القيس في جبل القدس، وكانت قرية رأس كركر معقلهم؛ وآل العمرو، مشايخ ناحية جبل الخليل وزعماء صف القيس في تلك المنطقة، وكانت قرية دورا معقلهم . وبالإضافة إلى هذه العائلات الرئيسية، كان هناك عائلات مشايخ مهمة في النواحي الأخرى التابعة للواء القدس، مثل عائلة اللحام في ناحية العرقوب، وعائلة عريقات من أبو ديس في ناحية الوادية، وعائلة البرغوثي ومعقلهم في دير غسانة في ناحية بني زيد، وعائلة العزة وعائلة العملة في جبل الخليل، وغيرها من العائلات (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 244-245).

 وقد ملأ مشايخ النواحي والقرى البعيدة عن أسوار مدينة القدس الفراغ الأمني الناشئ من خلال ميليشيات فلاحية نظّموها، وسرعان ما تحوّلت إلى ما يشبه الجيوش. ولم يكتفِ هؤلاء المشايخ بدور الوسيط بين الدولة والأهالي، بل قاموا بأنفسهم بالسيطرة على العديد من صلاحيات الحكم والإدارة. وصار لهم دور مهم في حفظ أمن الطرقات وتأمين عابري السبيل وحمايتهم، كما صاروا يجبون ضرائب من عابري السبيل، أهمها ضريبة الغفر، في مقابل حمايتهم على تلك الطرقات. وشيئاً فشيئاً، صار مشايخ النواحي والقرى جزءاً من بنية الإدارة المحلية، يتولون مهمة جباية الضرائب من الأهالي أو التزامها، في مقابل حصولهم رسمياً على نسبة 3 في المئة من مجموع الضرائب التي يجبونها من ناحيتهم.

 وعندما كانت مصالح أهالي الريف الحيوية تصطدم بسياسة الدولة، كان المشايخ يقفون، غالباً، على رأس ميليشياتهم من الفلاحين لصد عساكر الولاة والمتسلمين (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 257-263). وقد توطن بعض عائلات مشايخ النواحي في المدن، وصاروا جزءاً عضوياً من نخبتها الاجتماعية السياسية. ففي نابلس، توطن آل جرار، وقاسم الأحمد، وعبد الهادي، والجيوسي والبرقاوي، وتسلموا أحياناً وظائف عالية بما فيها وظيفة المتسلم، وبات هناك تداخل بينهم وبين عائلات النخبة النابلسية، مثل طوقان والنمر، التي كانت صاحبة إقطاعات ومصالح اقتصادية متشعبة في المناطق الريفية. وفي القدس، تعاون آل الحسيني مع مشايخ آل أبو غوش، المسيطرين على طريق القدس-يافا، كما أقاموا علاقات تعاون مع مشايخ النواحي الأخرى في جبال القدس والخليل (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 280-285).

 أما في لواء نابلس، فقد برز عدد من عائلات الأمراء أو الآغوات والبكوات الذين تنافسوا فيما بينهم على تولي حكم اللواء، وتوزعوا على فريقين، ترأس أحدهما آل جرار والنمر، بينما تزعم الفريق الثاني آل طوقان. وإذا كان آل طوقان قد نافسوا آل جرار في شأن متسلمية نابلس، بل احتكروها عدة أعوام أيام حكم موسى بك طوقان، فإن آل جرار حافظوا على تقلد منصب متسلمية لواء جنين (اللجون سابقاً)، التابع أيضاً لولاية الشام، واحتكروه بلا منازع تقريباً، بعد أن ورثوا، خلال القرن الثامن عشر، مكانة آل طراباي في تلك المنطقة (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 58-59).

 وتمتع سكان جبل نابلس، منذ القرن الثامن عشر، بقدر كبير من الحكم الذاتي، تحت مظلة الحكم العثماني. فبينما اكتفى أبناء النخبة المحلية في القدس بتقلد المناصب العلمية والدينية، وتركوا لولاة الشام تعيين المتسلمين من رجالهم ومعاونيهم، شغل أبناء العائلات المحلية في نابلس، بالإضافة إلى منصب متسلم اللواء، معظم الوظائف العسكرية والإدارية، إضافة إلى العلماء في المحكمة الشرعية (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 58-59).

 

Advertisements

One thought on “تاريخ فلسطين تحت الحكم العثماني

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s