دراسة تعريفية موجزة لنظام الاقطاع

الاقطاعية كنظام اجتماعي للإنتاج ..
الاقطاعية .. هي نظام اجتماعي للإنتاج قائم على ملكية طبقة الاقطاعيين للأرض , وعلى استغلال الفلاحين المرتبطين بهذه الأرض ..
مع تطور المجتمع الانساني ظهرت قانونية وتقدمية مجتمع الإقطاع على المجتمع الذي سبقهُ , وقد انتشر انتشاراً سريعاً في دول العالم المختلفة بشكل سريع , ولو حاولنا البحث عن ظهورها في المجتمعات العالمية القديمة سنرى أنها ولدت ..
 
ــ في اوربا الغربية منذ القرن الخامس حتى الثورات البرجوازية في القرنين السابع عشر والثامن عشر ..
 
ــ في روسيا .. منذ القرن التاسع حتى ثورة اكتوبر 1917 ..
ــ في دول القوقاز من القرن الرابع حتى ثورة اكتوبر 1917 ..
ــ في دول آسيا .. من القرن السابع حتى مطلع القرن العشرين ..
ــ في الصين .. عام 206 قبل الميلاد على يد اسرة هان , وحتى الثورة الصينية ..
 
أن وعي العمال بطبيعة الاقطاعية يتمتع بأهمية كبرى في الظروف الحالية , لأنهُ ما تزال في كثير من البلدان الرأسمالية بقايا هامة من النظام الاقطاعي حتى يومنا هذا رغم محاولات اخفاءها , هذه البقايا تتمتع بأهمية خاصة في البلدان المستعمِرة والتابعة , وكذلك في البلدان التي حصلت على استقلالها السياسي حديثاً ..
 
ان الاستعمار الذي ينفذ برامج استعباد وإخضاع البلدان المتخلفة اقتصادياً , يعتمد على القوى والأحزاب الرجعية الدينية والعشائرية فيها , وخاصة على الطبقات والكتل التي تعتمد اقتصادياً على مخلفات الاقطاعية , ويميل الاستعمار دائماً الى الإبقاء على بقايا النظام الإقطاعي في المجتمعات وتدعيمها , حيث يساهم ذلك في الإبقاء على الاستغلال ونهب المستعمرات التابعة بأوجه حديثة للغاية ..
 
فهو يعيق القضاء على العلاقات الاقتصادية التي فات زمانها , وأصبحت عائقاً لتطور القوى المنتجة , لهذا يجب أن ينصهر تيار مقاومة هذه السيطرة وخاصة العمال في تيار ثوري عارم يفضح خفايا هذهِ البقايا التي تحاول ابقاء الشعوب التابعة تحت سيطرة العبودية بأشكال متحضرة ..
 
لهذا .. فإن دراسة الاقطاعية وقانونها لن تقتصر فقط على دراسة مرحلة تاريخية معينة مرّت بها الشعوب المتقدمة , بل أن هذه الدراسة يجب أن تكون قضية الساعة طالما سعت القوى المتقدمة على إبقاءها في دول عديدة من العالم من أجل مصالحها , فالإقطاعية .. هي اسلوب انتاج بدأ فيه التناقض منذ لحظة ولادتهِ وعلينا تحديد أوجه هذه التناقضات ..
 
كيف نشأت الاقطاعية ؟
ينحصر جوهر عملية نشوء الاقطاعية في أن ملكية الأرض في مجتمع المشاعية البدائية , وما تفرّع عنها من ملكية فلاحية فردية , وكذلك مختلف أنواع الملكية القديمة للأرض وخاصة في عصر الرق , انتقلت الى أيدي أقلية أرستقراطية , والتي سارت الى النهاية لتكوّن طبقة الاقطاع , والتي تطورت في شكلها الجيد لتكون الملكية الاقطاعية الضخمة للأرض ..
 
كذلك .. الفلاحين الأحرار أعضاء المشاعة , ومعهم الرقيق , والمعمرين , الذين يعودون بأصلهم الى مجتمع الرق , تحولوا جميعاً الى تابعين من الدرجة الاولى للإقطاعية , ونشأت أشكال متباينة من ارتباطهم بالإقطاع ..
 
وعلى هذا الأساس فإن المشاعة الزراعية لم تنعدم كلياً , بل تحولت الى مشاعة أقنان خاضعين للإقطاعية وللدولة الإقطاعية ..
 
وباختصار يمكن القول ان الإقطاعية نشأت من سيطرة الإقطاع على الارض والفلاحين ..
لقد جرى الانتقال الى الاقطاعية في مختلف البلدان بطرق متباينة , ففي الكثير من هذه البلدان نشأت عناصر الاقطاعية في قلب اسلوب الانتاج الرقي , ويعتبر نظام المعمرين , الذي انتشر انتشاراً خاصاً في مرحلة تفسّخ نظام الرق أوضح نموذج للإقطاعية في ظروف مجتمع الرقيق ..
 
وتشهد على ولادة العلاقات الانتاجية الاقطاعية الجديدة في ظروف عهد الرق عملية انتقال الفلاحين الأحرار الى عبيد لمالكي الأرض , وكان هذا الانتقال ناتجاً عن الضغط الضرائبي المتزايد الذي فرضتهُ دولة الرقيق والذي أدى كما شاهدنا الى افلاسهم , وكان لا بد لهذا الانتقال من أحرار الى عبيد يؤدي الى نزع ملكيتهم للأراضي التي كانت بحوزتهم وبالتالي تحولهم الى اناس يشبهون المعمرين في أوضاعهم الاقتصادية ..
 
ولو عدنا للمرحلة الأخيرة من عهد الدولة الرومانية على سبيل المثال , ومع توقف تدفق الرقيق اليها , استشعرت الدولة بنقص شديد في الايدي العاملة وخاصة في الورش الحرفية , ولهذا اتخذت الحكومة عدداً من المراسيم التي تمنع الحرفيين من ترك ورشهم أو تبديل مهنهم , وتحت تأثير الإكراه والخوف من العقوبة , كان الحرفيون يلتصقون بمؤسساتهم , وهذا الالتصاق كان يصيب الرقيق كما يصيب الأحرار وهنا تحول الجميع الى مستعبدين للدولة بقوانين اكراهية من الأعلى ..
 
هذه العمليات والظواهر دلت بوضوح على الأزمة الناضجة داخل اسلوب انتاج عهد الرق , وعملية التطور المتلاحق للمجتمع أدت الى تهيئة الشروط الموضوعية لولادة اسلوب جديد في الانتاج هو الاسلوب الاقطاعي ..
 
وظهرت بذور النظام الاقطاعي في العديد من المجتمعات تحت أشكال أرستقراطية عائلية منفصلة عن الجماهير الرئيسية , وبقي سائداً استغلال جماهير واسعة في الارض لحسابها , كان لا بد من نشوء تنظيمات اقتصادية جديدة , ومن نشوء علاقات انتاجية جديدة بين الناس , تحددت كلياً بمستوى قوى ذلك الزمن الانتاجية , وطابعها ..
 
لم يُقدّر لجميع الشعوب أن تصل الى الاقطاعية عبر مجتمع الرق , وهذه ملاحظة مهمة لكل من يتابع التسلسل التاريخي لتطور المجتمعات , فكثير منها انتقل الى الاقطاعية مباشرة من المجتمع البدائي , قافزاً مرحلة نظام الرق …
 
وقد تبدت خصائص طريق نشوء الاقطاعية هذا بوضوح كبير في البلدان السلافية الشرقية والغربية على السواء , وفي كتب الاقتصاد الاوربي يطلقون عليه الطريق السلافي لنشوء الاقطاع ..
 
ففي روسيا القديمة وغيرها من البلدان السلافية القديمة لم يبلغ الرق غير الأشكال البدائية الأبوية , ولم يتح له أن يصبح الشكل السائد في الانتاج ولم يكن التربة الخصبة لنشوء الاقطاعية , ان عملية نشوء الملكية الفردية , وتكوين الطبقات جربا في البلدان السلافية في ذلك الوقت , بعد أن كان الرق قد لفظ أنفاسهِ الأخيرة في بلدان اوربا الغربية , حيث توطدت الاقطاعية هناك .
 
ان تفكك نظام المشاعة البدائية الذي حدث بتأثير التغيير التالي الطارئ على القوى المنتجة أدى لنشوء الاقطاعية مباشرة , لكن ما يجب أن نلاحظه هنا أن هذه الاقطاعية كانت تسير ببطيء شديد , لكن بقايا المشاعة هنا بقيت بسبب صلابة الروابط العشائرية ..
وتحملت الأقل من تأثيرات مجتمع الرق , ولم تتعرف البلدان السلافية على نظام المعمرين , والملكية الواسعة للأرض التي كانت سائدة في العهد الرماني , وحتى نتقرب من فهم خصائص نشوء الاقطاعية في روسيا يجب ان نلاحظ ..
 
ــ التقسيم الدوري للحقول لم يُعرف اطلاقاً في البلدان السلافية , بالمقابل بقي هذا التقسيم محافظاً على نفسهِ في اوربا الغربية ..
 
ــ بسبب غياب ظهور التقسيم الدوري للحقول في روسيا والبلدان السلافية تأخر تفسّخ نظام المشاعة البدائية ..
 
ــ وجود مساحات واسعة من الاراضي الحرة , وإخضاع الفلاحين الاعضاء في المشاعة الى سيطرة المستعمرات أضعف امكانية ظهور الارستقراطية العشائرية كما حدث في الغرب , بالإضافة الى أن طبيعة الفلاح السلافي كانت تبدي مقاومة عنيفة لكل الوان الاستبداد ..
 
لكن ..
لك تكن الاقطاعية حدثاً اوربياً محضاً , بل وجدت ايضاً في بلدان الشرق , حيث سيطرت هناك لفترة طويلة من التاريخ , ان بحث الاقطاعية في بلدان الشرق تجعلنا ندرك الطريقين اللتين أدتا الى ظهور هذا النظام في عالم الشرق ..
 
الطريق الأول .. يخص بلدان الشرق التي تطور فيها الرق تطوراً طبيعياً , كبابل والهند والصين , لقد نشأت الاقطاعية في هذه البلدان نتيجة تطور نظام الرق تطوراً طبيعياً فيها , وانهياره فيما بعد , هذا الطريق كان مشابهاً تماماً لتطور الرق وانهياره في الدولة الرومانية وأوربا الغربية ..
 
الطريق الثاني .. نشوء الاقطاعية الشرقية عند الشعوب التي كانت تمتهن البداوة والرعي , ولم تعرف مرحلة السيادة الكاملة لعصر الرق , وقد بقي الرق لديها تحت شكل تشكيلة اقتصادية , واتسم بالطابع الأبوي من حيث الأساس ..
 
ان الاقطاعية عند هذه الشعوب نشأت في أعقاب تفسّخ المشاعة البدائية الرحّالة , وانهيار صلاتها العشائرية الناشئة عن تطور القوى المنتجة ..
 
لقد اشتدت عملية انتشار الاقطاعية عند هذه الشعوب نتيجة توسعها الحربي , الذي كان لا بد من أن يصبح أولوية في جدول الأعمال اليومية عند أغلب الشعوب , ولأن الارستقراطية الناشئة كانت بحاجة للمزيد من الأراضي , وللمزيد من السكان الذين ينبغي عليهم أن يتحملوا ضغط الضرائب , في حين كانت القبائل البدوية الرحالة تقاوم هذا التطور وتميل للدفاع عن ماشيتها وعدم المساومة عليها حتى بدفع ضرائب , فكان التوسع الحربي والحالة هذه , محاولةً حل التناقضات الداخلية للإقطاعية البدوية المغلوبة على أمرها بسبب تنقلها المستمر المقاوم , تضطر للاحتكاك بالأنظمة الإقطاعية الأكثر تطوراً نتيجة هذا التنقل ..
 
ان الاحتكاك مع مثل هذه الشعوب ساهم كثيراً في انتشار الاقطاعية كنظام اجتماعي عند القبائل البدوية , وقد حدث كثيراً في تاريخ البشرية أن سيطرت قبائل رحّالة على شعوب وبلدان كانت تعيش الرمق الأخير من نظام الرق وأخضعتها لها كاملاً , في هذه الحالات كانت تتوحد طريقتي الوصول الى الاقطاعية عند شعوب الشرق وتتوحد معها استقرار نظامه ..
 
مهما تنوعت الطرق التي توصلت بها هذهِ الشعوب أو تلك للإقطاعية , ومهما كانت خصائص سياق استقرار هذا النظام المتعلقة بالشروط التاريخية الملموسة , فان المحتوى الاساسي لها بقي واحداً .. هو نشوء طبقة الاقطاعيين , مالكي الأرض , وطبقة اخرى من الفلاحين تابعين لا أرض لهم , ويعملون على أراضي طبقة الاقطاع ..
 
 
ولو سلطنا الضوء على السمات الأساسية للعلاقات الانتاجية الاقطاعية لوجدنا انها تقوم في الأساس على ملكية الاقطاعية للأرض , ويتميّز شكل الملكية الاقطاعي عن سابقهِ الرق , في أن وسائل الانتاج في الاقطاعية ليست كلها معزولة عن الفلاحين , باستثناء وسيلة الانتاج الأساسية ( الأرض ) , التي هي ملك طبقة الاقطاع ..
 
لذا فملكية الاقطاعيين للأرض ليست مجرد حق المالك على الأرض من ناحية حقوقية , بل هي علاقة اقتصادية بين الاقطاعيين الذين احتكروا الارض وبين الفلاحين المحرومين من وسيلة الانتاج هذه , والضرورية لهم ..
 
أي انها علاقة تناقض طبقية بين طرفين ..
كانت ملكية الفلاحين للأرض في عهد الاقطاعية ظاهرة نادرة , كانت القاعدة آنذاك ( لا أرض بلا سيد ) أي لا أرض بلا اقطاعي , وتعتبر ملكية الاقطاعيين للأرض أساس مجتمع القرون الوسطى الاقطاعي , ووضعت الناس في سياق الانتاج الاجتماعي , وبنية المجتمع الاقطاعي الطبقية , وأشكال توزيع ما ينتج ..
 
وكانت ملكية الارض من الناحية الحقوقية تنوء في ظروف الاقطاعية الاوربية بتسلسل مفرط , وجرت العادة ان ينال كل اقطاعي الارض من اقطاعي آخر أعلى منه , وبذلك يكون الثاني مرتبطاً بالأول وبالعكس , وعلى أساس ملكية الأرض نشأ سلم من التبعية بين الاقطاعيين أنفسهم , لكن .. تحت شروط معيّنة ..
 
مثلاً … كل اقطاعي ينال الأرض من آخر أكبر منه مُلزماً أن يكون وفياً مخلصاً , وأن يقدم خدمات عسكرية ( ارتكاب جرائم مثل تصفية الفلاحين المتذمرين والمعادين للسيد الاقطاعي ) وان يساعد بالنصائح للتعامل مع بعض الحالات , وان يدفع اتاوة , وغيرها من الشروط التي تجعلهُ مذلولاً لفترة طويلة قبل أن يحصل على ثمن ذلهِ للسيد , أي ان الارض يحصل عليها الثاني نتيجة خدمات طويلة قدمها للأول , وقد جاءت تسمية اسلوب الانتاج الاقطاعي ذاتها عن طابع شكل ملكية الارض الذي يصف هذا الاسلوب ..
 
بالإضافة الى هذه العلاقة التي تربط الاقطاعي الاعلى بالأصغر , كانت ملكية الأرض تنتقل بالوراثة الى الأبناء لتكملة مسيرة الاقطاع , أي كان هناك شكلان لملكية الأرض عند ظهور العصر الاقطاعي الأول كان تسليم الأرض لشخص تابع نظير خدمات ( ليس كل الأرض ) , والثاني بالوراثة ..
 
كان الشكل الأساسي للملكية الاقطاعية الارضية في روسيا القديمة في مرحلة التفتت الإقطاعي الواقع بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر , هو الملكية الموروثة للأرض , وهي عبارة عن استثمارات اقطاعية ضخمة يملكها أصحابها من امراء ونبلاء وكنائس , وفيما بعد ظهر في روسيا شكل آخر من الاقطاعية الأرضية وكان مشروطاً يعود للنبلاء وانتقل فيما بعد نهائياً الى القياصرة ..
 
لقد بقي الشكل الأخير للملكية الذي كان يعود للقياصرة لزمنٍ طويل خارج نطاق الوراثة أو البيع , وما لبث هذا الشكل أن تطور بشكل سريع خاصةً في مرحلة تمركز الدولة الروسية واستقرارها النسبي الى حدٍ ما , لقد اعتمد القياصرة الروس على هذا المنهج في محاربتهم لمالكي الأرض من اقطاعيين كبار ونبلاء وأمراء وغيرهم , وخاصة في عهد ايفان الرابع ,
 
الذي كافح ضد الارستقراطية الاقطاعية ليس من أجل الفقراء بل من أجل حيازة الأرض , وإعطاءها فيما بعد للمخلصين لهم من نبلاء وأمراء لإدارتها , ولتوطيد أساسهم الاجتماعي , وفي تلك الفترة والفترة اللاحقة التي تلتها صودر الكثير من الأراضي الموروثة وفي نهاية القرن السادس عشر أصبح هذا الشكل من الملكية ( ملكية القياصرة للأرض بإدارة نبلاء وأمراء مخلصين لها ) هو السائد في روسيا القيصرية ..
 
ولم يلبث هذان الشكلان لملكية الأرض الاقطاعية بطبيعتهما أن اقتربا من بعضهما البعض أكثر فأكثر , وفي بداية القرن الثامن عشر وفي عهد بطرس الأول تقرّر دمج النظامين وإنشاء نظام واحد للتصرف بهذين الشكلين للملكية , وبالرغم من هذا التطور إلاّ أن النظام كان يُلزم الاقطاعيين على الخضوع للقيصر وخدمتهِ ..
 
لكن تطوراً آخراً فرضتهُ ظروف هجرة الاقطاعيين الكبار والنبلاء نحو اوربا الغربية دفع السلطات لإلغاء فقرة أن يلتزم الأرستقراطيين والإقطاعيين بخدمة القيصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ..
 
أما في بلدان الشرق الإقطاعية فقد كان هناك فارق أساسي بين الملكية الأرضية الاقطاعية السائدة في اوربا وبين الملكية الاقطاعية في هذا الشرق , هذا الفارق ينحصر بصورة رئيسية في ملكية الدولة للأرض وهو الشكل الذي كان سائداً في الشرق , وهو لأكثر انتشاراً وأوسع أهمية بالنسبة لهم , ففي عهد الخلفاء المسلمين في بغداد في القرنين الثامن والتاسع كان القسم الأعظم من الأرض ملكية عائدة للدولة الاقطاعية الاسلامية والمتمثلة في شخص الاقطاعي الأكبر الخليفة ..
 
وفي عهد الامبراطورية المغولية في الهند , كانت أهم سمة للنظام الاقتصادي هي سيطرة الملكية الحكومية الاقطاعية على الأرض , وفيما بعد أصبح قسم هام من الأراضي يُعطى لكبار الاقطاعيين كهدية على الخدمات الحربية والإخلاص الذي يقدموه للدولة المغولية , هذه الأراضي بالذات أصبحت فيما بعد الشكل السائد لملكية الأرض الاقطاعية في الهند والتي لا تزال تحكم مقاطعات واسعة من هذا البلد حتى يومنا هذا ..
 
لكن .. الملكيات الارضية الاقطاعية التي كانت تحت سيطرة المسلمين في الهند لم تكن تنتقل بالوراثة بين الأجيال , حتى أنها لم تكن تُعطى لهم مدى الحياة , الأمر الذي يُميّزها عن الشكل الاقطاعي الآخر السائد في الهند , كانت الأرض تبقى في حيازة الاقطاعي مادام هو في خدمة البادنشاه ( القيصر ) ,
 
وقد استثنيت أراضي نبلاء الهنود المحليين من شرط عدم انتقالها بالوراثة , مع هذا كان لا بد من مراعاة هذا الاستثناء من الحصول على موافقة البادنشاه , كان ما يميّز الملكية الاقطاعية للأرض في الهند هو محدودية سيطرة المجموعات الدينية على الأرض ..
 
أما في الصين .. فقد كانت احدى البلاد التي انتشرت فيها الملكية الاقطاعية الحكومية للأرض منذ بداية الاقطاعية وحتى اليوم , وكانت الأراضي الداخلة في ملكية الدولة تضم بالدرجة الاولى الأراضي الامبراطورية , ثم أراضي المدينة والمراعي في كل مقاطعة والتي كانت تعود لسلالات ارستقراطية ..
 
النوع الاول الذي كان يتمثل في الملكية الحكومية للأرض , كان يحتل المكانة الاولى في الاقتصاد , وخاصة في القرنين السادس عشر والسابع عشر , أما النوع الثاني الذي كان يعود لسلالات أرستقراطية كانت الاراضي تنتقل بالوراثة للأبناء والأحفاد ومن المهم الاشارة الى أن البعض منهم كان يعمل لدى الامبراطور وضمن حاشيتهِ ..
 
أما الشكل الفريد لملكية الأرض في الصين فكانت المستعمرات الحربية التي ينشئها الامبراطور والتي كانت تشكل 10% من مساحة الاراضي التابعة له , وهكذا فحيازة الأرض في بلدان الشرق الاقطاعية تطورت لا عن طريق تجزئة الملكية الارضية بين الاقطاعيين وحدها , وهكذا فحيازة الأرض في بلدان الشرق في فجر الاقطاعية ,
 
تطورت لا عن طريق تجزئة الملكية الأرضية بين الاقطاعيين , بل عن طريق توطيد الملكية الاقطاعية الحكومية للأرض والمياه ( قنوات الري , ومشاريع الري الاخرى ) , ان نشوء هذا الوضع من الناحية الاقتصادية يأتي بالدرجة الاولى على التركيز في الاستفادة من الري في مجال الزراعة , وهو أمر يصبح مستحيلاً عند بعثرة الملكية الأرضية , والسبب هو الخلافات التي تنشأ حول توزيع المياه بين الفلاحين ..
 
لا شك أن الملكية الحكومية كانت تحت شكل الملكية الحكومية , وهي عبارة عن احتكار الاقطاعيين القلة للأرض في المجتمع , يؤيد هذا ما كانت تقوم به الدول الاقطاعية من تقديم قروض عينية مأخوذة على شكل أتاوات من الفلاحين للإقطاعيين ..
 
كما أن احتكار الأرض استخدم أساساً لما يسمى بإقطاعية الرحّل , حيث تشكل تربية الماشية المتنقلة لا الزراعة الشكل الأساسي للاقتصاد ( في بعض الحالات ) , لهذا كانت الأرض تستخدم قبل كل شيء على شكل مراعي , وكانت الماشية تلعب في الغالب الدور الذي تلعبه الأرض , أي كمادة للإنتاج متطورة طبيعياً ..
 
في هذهِ الظروف يُفهم احتكار الأرض بمعنى أوسع , أي كاحتكار لشروط الإنتاج الطبيعية , ويشمل الماشية , والموارد المائية , والاحراج والحقول , وغيرها ..
 
وينحصر عملياً الشكل الاقطاعي للملكية في أن الفلاحين لا يملكون الأرض التي هي الأداة الرئيسية للإنتاج الزراعي , هؤلاء الفلاحون ينالون الأرض من الاقطاعيين المالكين لا على سبيل التملك , بل على سبيل التصرّف ..
 
فالمحتوى الاقتصادي الأساسي للملكية الأرضية الاقطاعية ينحصر في .. أن الفلاح ملزم لقاء تصرفهِ بالأرض , أن يقوم بأعباء اقطاعية , كأن يعمل في أراضي الاقطاعي , أو أن يقدم نتاج عمله ..
 
ويبرز هنا سؤالاً حاسماً ..
كيف كان الفلاحون يتصرفون بالأرض ؟
 
الجواب .. لكي يحدث الانتاج لا بد أن يجمع بهذا الشكل أو ذاك بين الأرض وبين المنتجين المباشرين , كانت أكثر الامور نموذجية في مرحلة الاقطاعية هو تقسيم الارض المملوكة من قبل الاقطاعي , الى أرض السيد , وأرض الفلاح ( الأرض التي توضع تحت تصرّف الفلاح ) ,
 
الارض التابعة للسيد الاقطاعي كان الفلاحون ايضاً يقومون بزراعتها , وهي ظاهرة نموذجية حتى قبل فترة تفسخ الاقطاعية , وفي مراحل متأخرة من تطور الاقطاعية نشأت في عدد من البلدان ظواهر جديدة , عندما كانت أرض الاقطاعي توضع كلها تحت تصرف الفلاحين ولا يقوم الاقطاعي بإدارتها إلاّ نادراً ..
 
وتصرف الفلاح بأرض الاقطاعي كان يقوم على أساس الحصص , فكان الفلاح يتسلم من الاقطاعي قطعة من الأرض تتناسب مساحتها مع مقدار أعباء الفلاح الاقطاعية , كانت طريقة الحصص تتناسب وطابع الاستثمار الاقطاعي للفلاح , ويبدو أحد أهم مبادئ علاقات الاقطاعية الزراعية هنا ..
 
لقد ورثت الاقطاعية هذه الطريقة عن المشاعة الحرة في المجتمع البدائي , ففي مرحلة تفسّخ نظام المجتمع البدائي قسمت الأرض الى حصص تتصرف بها العوائل على انفراد , مع التزام اعادة قسمة الأرض المشاعة دورياً ..
 
وقد تم الاحتفاظ بالمشاعة الزراعية في مرحلة الاقطاعية أيضاً , وكان هذا الشكل عبارة عن اتحاد بين الفلاحين المرتبطين بالإقطاعيين والعاملين على حصص الأرض المملوكة من قبل الآخرين , أي أن المشاعة كانت ملتزمة أمام الاقطاعي بالقيام بواجب الأسر الفلاحية , عبر كفالتها ..
 
أما فيما يتعلق بمساحة حصص الفلاح فقد كانت تتباين لا على نطاق هذا الوطن أو ذاك , بل في حدود الملكية الاقطاعية الواحدة ..
 
كانت مساحة حصص الفلاحين تتعلق بالأمور التالية ..
1 ــ بدرجة تبعية الفلاح للإقطاعي .
2 ــ بمساحة ملكية الاقطاعي الأرضية .
3 ــ بدرجة تنظيم الجماهير الفلاحية وتمرداتها ومقاومتها .
4 ــ بقوة التقاليد المتعلقة بمعدل الأرض المُتصرَف بها .
5 ــ بطابع التربة والتقنية الزراعية .
6 ــ بمدى درجة التعسّف الذي يمارسهُ الإقطاعي .
 
ولما كانت الأرض ملكاً للإقطاعيين , لذا كان بالإمكان مصادرة حصة الفلاح , شكلياً في أي وقت يشاء الاقطاعي , وكذلك طرده من الأرض , إلاّ أن مثل هذهِ الحالة لم تكن تحدث إلاّ نادراً , لأن القاعدة عند الاقطاعي الذكي كانت تقتضي الصاق الفلاح بالأرض قدر الإمكان ..
 
كانت حصص الفلاحين شكلاً يؤمن للإقطاعيين القوة العاملة مجانياً , وكان تصرف الفلاحين بالأرض على شكل الحصص ينتقل بالوراثة , فبعد موت الفلاح تنتقل حصته الى جميع ابناءه ما عدا البنات , أو الى ابنه الأكبر , أو الأصغر , حسب اختيار الاقطاعي , وهكذا فالصاق الفلاح بالأرض وتزويد الإقطاعي بقوة العمل انتقل من جيل الى جيل ..
 
وكان هناك شكلاً آخراً منتشراً لطريقة تصرف الفلاح بالأرض , وهو عبارة عن حيازة حصة مدى الحياة دون التمتع بحق بيعها أو انتقالها بالوراثة الى الأبناء , وبعد وفاة الفلاح كان على الذي يريد أن يخلفهُ في التصرّف بالأرض دفع اكرامية معيّنة نقدية أو عينية , أو القيام بأعمال اضافية شاقة , وكان هذا الشكل من التصرف بالأرض يوفر للإقطاعي مداخيل إضافية من الفلاحين , تفوق في بعض الأحيان ما رسمتهُ التقاليد الإقطاعية ..
 
وقد ولد هذا الشكل في مراحل تطور الإقطاعية العليا ..
كان للطابع الخاص في تصرف الفلاحين بالأرض في زمن الاقطاعية أهمية كبرى , فقد اتجه الفلاحون الى توسيع وتوطيد حقوق تملكهم للأرض , مع أن نوال الملكية التامة للأرض كان هدفهم النهائي , وأساساً لنضالهم المتواصل ..