من هم الجن والشياطين .. تفسير مخالف للشائع

هل الجن صفه لعدد متنوع من المخلوقات أم جنس واحد من المخلوقات شفاف عاقل يتشكل كما يشاء و يسكن حيثما يريد؟

 

الجن عالم غامض نسجت حوله الكثير من القصص و الأخبار المرعبه و العجيبة. و في بعض الأحيان قصص الحب و الغرام بين الجن و الإنس، و لكي نفهم هذا العالم الغريب فإن علينا تعريف الجن لغة ثم تصنيف الجن حسب الآيات و الأحاديث النبوية و اللغة العربية.و في هذه المقالة سنجيب على السؤال هل الجن صفة لمخلوقات متعددة معروفه في الطبيعة أم جنس من المخلوقات عاقل شفاف يتشكل حسبما شاء و يسكن حيثما أراد و يظهر على شكل إنسان أو حيوان أو طير و أحيانا أشكال خيالية و مرعبة حسب الثقافة الشائعة.

و لن يتم مناقشة هذا الجزء من السؤال بشكل مستقل لعدم توفر أدله من القرآن و السنة و العلم تقر بوجود مخلوق شفاف عاقل يتشكل حسبما يشاء و يسكن حيثما يريد. ما عدا روايات شعبية لا تصمد أمام أي تحقيق علمي أو عقلي و كل ما قرأنا أو سمعنا إنما هي روايات من القصص الشعبي، و لم يقل احد انه شاهد أو رأى أي من هذه المخلوقات الشفافة إنما معظمها روايات من مجهولين. و ما يحدث في جلسات تحضير الجن و إخراجهم من بعض المرضى لا تتعدى أن تكون من معالجين يدعون إخراج الجن من المرضى النفسيين و العقليين. و في هذا المقال سنجيب على الجزء الأول من السؤال و هو هل الجن صفة لعدد متنوع من المخلوقات المعروفة في الطبيعة لها صفات مشتركة و هل هناك دليل من القرآن و السنه و اللغة يؤيد ما ذهبت إليه. و هو أن الجن صفة لعدد متنوع من المخلوقات تشمل البشر و الدواب و الزواحف و غيرها من المخلوقات الحية و في هذا المقال نتعرف على مفهوم الجن و الإنس و الشياطين و هل يمكن إعادة هذا المفهوم إلى ثقافتنا العربية كما كان يفهمه العرب في الجاهلية و صدر الإسلام قبل أن يدخل مفهوم أن الجن جسم شفاف و عاقل يتشكل، و الذي ربما دخل من الثقافة اليونانية

 

الجن في اللغة العربية:-

الجن جمع جني و تعني الخفي أو المستتر أو المجهول أو الغريب و المتوحش حسب معاجم اللغة العربية. و في معجم لسان العرب “كل شيء ستر عنك أي جن عنك ” و في الحديث جن عليه الليل أي ستره و به سمي الجن لاستتارهم و اختفائهم عن الأبصار والجنين هي تصغير جني لأنه مستتر و مجهول و المجنون من اختفى و ستر عقله . و الجان الحية أو الثعبان و كل ما كان من صفته التخفي و التستر أو اتخذها صفه له بسبب الخوف أو الرزق فهو جني. وعكس جني إنسي و أصلها أنس و إنسه خلاف الوحشة و أنس أي رأى و أبصر مثل قولنا “أني آنست نارا و آنست شيئاً” فأنسي تعني المحسوس الظاهر و المرئي كما يقال عن جماعة من البشر إنس “و قيل للإنس انس لأنهم يؤنسون إي يبصرون كما قيل للجن جن لأنهم لا يؤنسون أي لا يُبصرون.و يقال ذلك على كل دابة فنقول عن الحمر الاهليه حمرا انسيه و يقال عن الكلب غير المعقور كلب مؤنس و الجمع إنس. يمكن القول، أن كل ظاهر و مرئي و مسموع و مؤنس فهو من الأنس و كل خفي و مستتر ومجهول و وحشي فهو من الجن. و سوف يتم مناقشة أصناف الجن و الإنس و سوف نذكر أدلة من القران و السنة و التراث العربي القديم

 

أصناف الجن:-

يمكن أن تصنف الجن إلى عدد من الأصناف يجمع بينها صفه التخفي و التستر و سوف نورد الدليل على هذه الأصناف. و لعل حديث الرسول صلي الله عليه وسلم عن أصناف الجن ينقض القول بأن الجن جنس مستقل شفاف.وهذا الحديث أخرجه ابن حبان و الحاكم و أورده السيوطي في الجامع الصغير رقم365( قال رسول الله صلي الله عليه وسلم الجن ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحه يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون و يضعنون )

يشير الحديث بوضوح إلى أن هذه الأصناف التي تمتاز بالتخفي و التستر و التوحش و لذا سميت جن و أنها ليست مخلوقات شفافة بل مخلوقات موجودة في الطبيعة ويطلق عليها مسمى جن لأنها تتخفي وتتستر وكل مخلوق كان من طبعه التخفي والتستر أو اتخذها صفه له فيصنف من الجن

و بناءا على هذا يمكن أن نتعرف على أنواع من الجن في القران الكريم و الحديث الشريف منها:-

الدواب من الجن -1

وهي تلك الدواب التي تعيش متوحشة في البراري ومن صفاتها التخفي والتستر ومنها :-

: أ-الهوام

و هي جميع أنواع الزواحف و الحشرات الضارة و النافعة تصنف من الجن لأنها تحرص على التخفي و التستر و منها الحيات و الثعابين والعقارب و الضار منها و المؤذي يسمى شيطان. و في الحديث عن أبي داود عن أبي سعيد الخدري يقول قال الرسول صلي الله عليه وسلم: “إن الهوام من الجن فمن رأى في بيته شيئا فليحرج عليه ثلاث مرات فإن عاد فليقتله فإنه شيطان” .ولم يذكر في الحديث أن الجن يتلبس الهوام أو يحل فيهم بل صنف الهوام من الجن.

والجان صفة للحيات و الثعابين و في القرآن وصف الله عصى موسى بالجان قال تعالى” و ألقِ عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا و لم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون” جان أي ثعبان يقول سيبويه : و الجان ضرب من الحيات أكحل العينين يضرب إلى الصفرة لا يؤذي و هو كثير في بيوت الناس.و قد فسرت آية أخرى هذا المعنى “فإذا هي ثعبان مبين” كذلك “فألقاها فإذا هي حية تسعى” من هذه الأمثلة يتبين لنا أن صنف الزواحف و الحشرات من الجن و أن المؤذي منها يسمى شيطان. و في الحديث السابق يصنف جميع الهوام من الجن لأنها تتخفى و تتستر

ب:- الكلاب

الكلاب من الجن و الكلاب أنواع تشمل النمور و الأسود و القطط المتوحشة بما في ذلك الكلب النباح و الضباع و من هذه الكلاب ما تم استئناسه و يطلق عليها مؤنس وجمعها إنس “كما في لسان العرب” و يقال للدواب التي تعيش بين الأنس و تم استئناسها دواب إنسيه، و في الحديث عن علي بن أبي طالب أن الرسول عليه الصلاة و السلام نهى عن متعة النساء يوم خيبر و عن أكل الحمر الأنسيه.

جـ- الطيور و الأسماك:-

و في الحديث عن أصناف الجن المذكور سابقا الطيور

كافة الطيور تصنف من الجن لأنها متوحشة و تتخفى و تتستر خاصة تلك الطيور التي تظهر ليلا مثل الخفافيش و غيرها و منها ما هو مستأنس كالحمام و الدجاج و غيرها، و من الطيور ما يصنف من الطيور المهاجرة فهو يحل في مكان لفترة معينة و يهاجر

و الشائع أن البحار مساكن للجن، و المقصود هي الأسماك و المخلوقات البحرية

 

الفطريات و الميكروبات:-2

و الفطريات والميكروبات أنواع من المخلوقات الدقيقة لا تري إلا بالمجهر ولذا فهي تصنف من الجن لأنها خفيه ومستترة ومنها النافع والضار .والضار منها يصنف من الشياطين لأنه مؤذي.وتعيش الشياطين من المكروبات في الأماكن القذرة وقد نهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظام و الروث لأنها طعام الجن ( الفطريات والمكروبات) وفي الحديث في سنن الترمذي بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لا تستنجوا بالروث، و لا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن ) وقد أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم بتقليم الأظافر ونتف شعر الإبط والعانة لأنها موطن للشياطين .

وقد ورد عن الإمام بن القيم رحمه الله – في كتابه تحفة المودود بأحكام المولود

وأي زينة أحسن من أخذ ما طال وجاوز الحد من جلدة القلفة وشعر العانة وشعر الإبط وشعر الشارب وما طال من الظفر ، فإن الشيطان يختبئ تحت هذا كله ويألفه ويقطن فيه”

هذا من بعض كلام الشيخ رحمه الله و بلا شك إن المفهوم هنا شياطين الجن من الفطريات والمكروبات . وهذا التصنيف للجن والشياطين يفيدنا في فهم الحديث الشريف ( إن الشيطان يجري من ادم مجري الدم.(

 

البشر والجن-:3

لعله من الغريب أن نقول إن من البشر جن ولكن من فهم علي أن كلمه جن هي صفه لعدد متنوع من المخلوقات التي من فطرتها التخفي والتستر أو تلك التي اكتسبت تلك الصفة لأسباب الخوف أو الرزق سيجد من الآيات والأحاديث و لغة العرب ما يؤكد هذه المعاني

و سنعرض هنا بعض الامثله التي تؤكد هذا المعنى. جن تعني معظم الناس أو سوادهم و الدهماء منهم كما تعني الغريب الوحشي، و تعني الرهبان و النساك و الحرفيين

وفي معجم لسان العرب (وجِنُّ الناس وجَنانُهم: مُعْظمُهم لأَن الداخلَ فيهم يَسْتَتِر بهم؛ قال ابن أَحمر: جَنانُ المُسْلِمين أَوَدُّ مَسّاً ولو جاوَرْت أَسْلَمَ أَو غِفارا). و جنان المسلمين جمع للجمع جن أي إن المسلمين الذين يعيشون في القرى و البوادي في إطراف المدينة ارق و ارحم حتى و ان جاورا أسلم و غفار المعرفين بخشونتهم وشدتهم .

ويطلق على الطفل في بطن أمه جنين تصغير جني و جني ما يطلق على الميت المقبور لأنه ستر ويطلق على القبر أو الكفن جنن. ومن هذا التعريف لجن الناس نعرض بعض الآيات والأحاديث التي تؤكد هذه المعاني

أ- جن قد تعني الحرفيين والمهرة وهم من المغمورين من سواد الناس ودهائهم

ففي الآيات عن سليمان عليه السلام .أن الله سخر له الجن قال تعالي(وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ) و الجن المقصودين في هذه الآيات الحرفيين و هم من سواد الناس و دهائهم و الحرفيين الذين يعملون في الصناعات اليدوية غالبا ما تكون فئة مغلقه و مغمورة خاصة في المجتمعات القبلية

ب-جن قد تعني الناس من أطراف القبائل و بواديها و في الآيات (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) في هذه الآيات الكريمة تشرح توزيع الجند في جيش سليمان فمنهم من الجن أي عامه الناس ودهائهم و منهم من الإنس أي الظاهرين والمعروفين في المجتمع وفي تعريف الإنس في لسان العرب (الإنس هم الحي المقيمون) و قد تعني طبقه الأمراء و السادة و القادة. و الطير هنا من طار(إطار) أي المحيطين و البطانة لسليمان و هم طبقه الوزراء و المستشارين والخدم

جـ- وجن قد تعني الغريب والمستتر وفي تفسير سوره الجن أن نفر من نصارى نصيبين أتوا خفيه إلى الرسول صلي الله عليه وسلم بعد أن سمعوا القرآن و قالوا انه يهدي إلى الرشد و من يقرأ سورة الجن يلاحظ التالي إن الجن كانوا نصارى وإنهم كانوا يمارسون التنجيم وكان لهم أماكن خاصة للتنجيم وكانوا نفر أي بضعه عشر وإنهم جاءوا خفيه ليتعلموا الدين من رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد أن سمعوا القرآن و أعجبوا به وطلبوا الاجتماع مع النبي صلي الله عليه وسلم والسماع منه

وقد دعي داعيهم رسول الله صلي الله عليه وسلم ليعلمهم القرآن و الدين لكي يدعوا أهلهم. و في حديث ابن مسعود أن رسول الله التقي بهم خفيه في الليل و اخذ معه ابن مسعود وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (أتاني داعي الجن) فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، و عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم)على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا فقال: (لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: ولا بشيء من نعمتك ربنا نكذب، فلك الحمد) سنن الترمذي ، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب من سورة الرحمن، و حسنه الألباني في صحيح الترمذي2624) .و من هذا نفهم أن نفر من الغرباء (الجن) أتوه خفيه و بتستر إما خوفا من قبائلهم أو من قريش إلى النبي صلي الله عليه وسلم بعد أن سمعوا القرآن وطلبوا إن يقابلوا النبي ليتعلموا منه الدين.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان : ” رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ، فرددته خاسئا ” متفق عليه

– عفريت تطلق علي الإنس والجن وهو المتمرس في عمله أو رئيس في مجموعته وبتطبيق قواعد الأقلاب والاستبدال تعني عِريّف أو عرافه.

– جني قد تعني غريب و مجهول أو من جنان المدينة أو لأنه كان متخفي ومستتر(وإذا ما أخذنا بتعريف أن الجن أجسام شفافة أثيريه فكيف يمكن ربطه ورؤية الناس له).

الشياطين :-

جمع شيطان من شط أي تجاوز الحد في بيع أو طلب أو حكم أو غير ذلك من كل شيء(لسان العرب) وكل مخلوق مؤذي أو ظالم أو عاصي أو متجاوز لحدود الله فهو شيطان.

و بتعريف مختصر كل متجاوز للحد في كل شي يوصف بأنه شيطان وهي صفه حال فنقول مثلا العجلة من الشيطان أي أن تجاوز حد السرعة من الشيطان والتبذير من الشيطان أي تجاوز الحد في الإنفاق من الشيطان وكل من غلبت عليه صفه أو فعل متجاوزا لحد فيه أذي أو تعدي يوصف بأنه شيطان

ولكل منا شيطانه وهو القرين أي أن النفس الاماره بالسوء في كل منا أذا تجاوزت حدها ولم يستطع الإنسان السيطرة عليها فهي شيطان وقد يكون ذلك حدثا عارضا كالغضب أو ألغيره أو الشهوة أو غيرها من الغرائز أو صفه دائمة في الشخص فيوصف بأنه شيطان .ومن الناس من يستطيع السيطرة عليها فتسلم أي تصبح مسالمة أو تتجاوز الحد فتصبح شيطانا.ولا يتم ذلك أي تحويلها مسالمة إلا من خلال ترويضها بالإعمال الصالحه كالدعاء و الصلاة و التأمل و التقوى وغيرها من أعمال الخير.وفي الحديث الشريف في صحيح مسلم ــ حدّثني هَـارُونُ بْنُ سَعِيدٍ ألأيلي. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ. حَدَّثَهُ أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ ،، زَوْجَ النَّبِيِّ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلاً. قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ. فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ. فَقَالَ: «مَا لَكِ؟ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟» فَقُلْتُ: وَمَا لِي لاَ يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ : «أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَوَ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: وَمَعَكَ؟ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ «نَعَمْ ولأكن رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ». صحيح مسلم-

ومن هذا الحديث يتبين أن لكل منا شيطانه (قرينه)وهي النفس الاماره بالسوء عند تجاوزها حدها في غيره أو غضب أو حسد تسمي شيطان و يمكن أن تروض فتسلم أي تصبح مسالمة.ويمكن أن تؤذي صاحبها و من حوله في غضب أو حسد(عين)يخرج منها بقول أو فعل .وهنا أنوع أخري من الشياطين فإبليس شيطان لأنه تجاوز الحد في المعصية واستكبر .

و الدواب المؤذية منها الشياطين لأنها تؤذي وتتعدي الحد .علي أن المعروف الشائع أن كل من تجاوز الحد وتعدي وآذي فهو شيطان

و للشياطين معنى أخر من شطًّ 0 وشط هو الحد الفاصل بين البر والبحر و النسبة لشط شطي وجمعها شطيين أو شياطين أي سكان الشاطيء. وكل من تجاوز البر وعمل في البحر سواء في الصيد أو الغوص يسمون شياطين نسبه إلي شط وعلي هذا نفهم معني الآيات عن النبي سليمان عليه السلام “وسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد” أي أن المقصودين في هذه الآيات هم سكان الشاطي (الشياطين ) و في هذه الآيات تم تقسيمهم إلي ثلاثة أقسام

شياطين يبنون السفن و شياطين غواصين لاستخراج اللؤلؤ و المرجان وآخرين مقيمين في الأصفاد (أي مرابط السفن)حيث تربط السفن وتنزل حمولاتها. وفي ألأيه -82-من سوره الأنبياء تأكيد لهذا المعني قال تعالي (ومن الشياطين من يغو صون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين ) وبلا شك إن المقصود بالشياطين سكان الشاطي . و أن الله حافظ لهم.

وإكمال لهذا التفسير و معرفه قوه الإعجاز اللغوي في هذه الآيات فان علينا معرفه معني الريح في ألأيه .في معجم لسان العرب وغيره

إن كلمه سفينة أصلها سَفَنَ والسَفَنَ هي الريح السطحية الشديدة التي تدفع التراب علي شكل موجات . و شبهت السفينة علي سطح الماء بريح السفن لأنها تسير علي سطح الماء وتدفع الماء على شكل موجات ولذا سميت سفينة .ولان الله سخر لسليمان عليه السلام الريح فان المعني هنا المراكب الشراعية التي تسيرها الرياح قال تعالي ( وَ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَ رَوَاحُهَا شَهْرٌ ) ( سبأ/12 ).أي أن هذه المراكب تًذهب للغوص أو ألتجاره مسيره شهر ثم تعود وهذا دليل علي سعه ملكه وثرائه وهذا من عطاء الله .

وتستكمل قصه سليمان عليه السلام مع ملكه سبا بان طلب ممن حوله أن يصنع عرشا لملكه سبا قبل أن تصل إليه يشبه عرشها . قال تعالي “قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يأتيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) . قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42).

 

-أيكم يأتيني بعرشها أي يصفه لي كما هو . مثل قولنا أتى فلان بفلان أي و صفه أو صوره كما هو

أتيك به أي العرش اصنع أو ارسم مثله . –

-عفريت تعني عرافه أو عريف من الجن أي رئيس أو نقيب صاحب خبره و معرفه تعادلها عريف أو عرافه بالأقلاب و الاستبدال مثل قولنا أهبل و أبله وتعني نفس المعنى

– ذو علم بالكتاب أي صاحب معرفة بالكتابة و الرسم قام برسم العرش و قام الجني بتنفيذه . وبعد أن تم تنفيذه واستقر عنده قال نكروا لها عرشها أي غطوا عليه ليكشفه لها عند وصولها . ولو كان عرشها الذي في بلدها لقال لها” أهذا” عرشك ولقالت “أنه هو” ولكنه قال “أهكذا “عرشك أي هل هذا يشبه عرشك فكان الجواب علي قدر السؤال “كأنه هو” أي انه يشبهه. وأوتينا العلم من قبلها أي أن سليمان يعلم بأنه يشبه عرشها ومن يعيد قراه الآيات بناء علي هذه المعاني يدرك مدي الأعجاز البلاغي في القران الكريم.

إبليس من شياطين الجن :-

أن قصه إبليس والتي أوردها الله في كتبه وفي القران الكريم الكثير من العلم و ألحكمه والعظة منها ما يذكر بني ادم بأصله وانه من تراب وان الله أراد إن يستخلفه في الأرض فنفخ فيه من روحه وانه مخير بين طاعة الله ومعصيته ، فمن أطاع و اتبع دخل الجنة و من عصى الله و استكبر دخل النار وان الله علمه كلمات (لعل منها تعليمات العيش في الجنة) وان الله فضله علي كثير من خلقه مما أثار غيره إبليس و رفض أن يسجد لأدم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤)) سورة البقرة ضانا انه خير منه لان الله خلقه من نار وادم خلق من تراب قال تعالي( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴿٦١﴾ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٦٢﴾سورة الإسراء ولان إبليس عصي واستكبر(شط) و تجاوز الحد في المعصية فأصبح شيطان وكل متجاوز للحد يصنف من الشياطين .وأخرجه الله تعالي بقوله (قال فاخرج منها فإنك رجيم ( 34 ) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ( 35) والخروج هنا هو الخروج من رحمه الله ومن صف الملائكة و الجنة

وطلب إبليس المهلة من الله قال تعالي( قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ( 36 ) قال فإنك من المنظرين ( 37 ) إلى يوم الوقت المعلوم ( 38 ) )

إلا أن إبليس تمادي في معصيته وتوعد بان يغوي ادم و ذريته قال تعالي

((قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ( 82 ) إلا عبادك منهم المخلصين ( 83 ) قال فالحق والحق أقول ( 84 ) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( 85 ))

إلا إن الله تعالي أجابه بان ليس لك سلطان علي عبادي إلا من اتبعه وعمل عمله بالمعصية والاستكبار فانه منه( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) ..

 

مما سبق نعرف أن إبليس من صف الملائكة وانه كان من الجن(لأنه خفي مستتر) وان الله اصطفي ادم ليجعله في الأرض خليفة وأمر الله الملائكة بالسجود لأدم فعصي إبليس واستكبر فأخرجه الله و أصبح بعصيانه من الشياطين ثم طلب من الله أن يمهله إلا انه تمادي في المعصية وتوعد بإغواء بني ادم فأجابه الله إن ليس لك عليهم سلطان وانه منظر ليوم معلوم .وإبليس خلق منفردا ليس له زوجه أو ولد ولم يذكر عنه ذلك في القران أو ألسنه والقول أن له ذريه لاتعني أبناء أو سلاله ولكنها تعني إتباع وكل من عصي واستكبر فانه من ذريه إبليس .و بلا شك أن الإنسان يملك أراده مستقلة في الإيمان أو الكفر ولذا فانه مكلف ومحاسب وليس لأي مخلوق سلطان عليه.

وفي التفسير الكبير لابو فخر الرازي يقول:-

اعلم أن إبليس لما قال : ( لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين يكونون من المخلصين ، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ، بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار متبعا له ، ولكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول : أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا ، فبين تعالى كذبه فيه ، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى

حكاية عن إبليس أنه قال : ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) [إبراهيم : 22] وقال تعالى في آية أخرى : ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) [النحل : 100] وأن إبليس لما قال : ( إلا عبادك منهم المخلصين ) فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) فلهذا قال الكلبي : العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس

واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله : ( إلا من اتبعك ) استثناء ; لأن المعنى : أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ، فإن لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي . وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء ، بل تكون لفظة ( إلا ) بمعنى لكن ، وقوله : ( وإن جهنم لموعدهم أجمعين ) قال ابن عباس : يريد إبليس وأشياعه ، ومن اتبعه من الغاوين.انتهي كلام أبو الفخر الرازي.

و قد يقول البعض إن إبليس وإتباعه يبصرون ويتابعون الناس في كل مكان لقوله تعالي :” يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقبيلة مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)/الأعراف*9

يراكم :-يرى فيكم عدوا (ولا تعني الإبصار أي الرؤية حقيقة)

قبيلة:أتباعه من الشياطين

من حيث لا ترونهم:-أي غافلين عنهم لا ترون فيهم إنهم أعداء يتربصون بكم

وجعل الله من الشياطين أولياء للكافرين

أما المؤمنين فليس لإبليس و أتباعه عليهم سلطان إلا من عصي واستكبر فانه من الشياطين و في هذا يحذر الله من إبليس وإتباعه من الشياطين ولو كان المقصود يراكم أي يبصركم، فهذا يعني أن لإبليس سلطه النظر ومراقبه الناس مؤمنهم وكافرهم وبلا شك أن ليس لإبليس سلطه من هذا النوع علي بني ادم .

و الخلاصة :-

إن الجن صفه لعدد متنوع من المخلوقات التي من صفتها التخفي والتستر سواء كان ذلك من فطرتها كما في الحديث الحيات والكلاب أو كل وحشي في الاوديه والجبال والبحار من دواب وطيور واسماك. كما إن جن تعني نوع من الناس كعامتهم وسوادهم ودهماهم أو من أطراف البلدات والقبائل كما في معاجم اللغة العربية (انظر قاموس الباحث العربي علي ألنت) ويمكن الاستدلال علي ذلك بآيات وأحاديث وتعريفات من معاجم اللغة وأشعار العرب.

وأما القول بان الجن جنس واحد من المخلوقات و أن الجن أجسام أثيريه وشفافة و عاقله تتشكل كما تريد وتسكن حيثما تريد وهو التعريف الشائع فهذا يحتاج إلي دليل من القران والسنة واللغة العربية يفيد بذلك.وإذا ما قرأنا القران الكريم في ضوء المفاهيم

الموضحة لمعاني الجن والإنس و الشياطين في هذا المقال فإننا نقترب من فهم ألصحابه قبل إن تضعف اللغة العربية في عصر التدوين ويصبح للكلمات والعبارات معني واحد محدد يفرض تفسيرا محدد بعيد عن لغة العرب واسعة المعاني والدلالات .

 

والله اعلم

مهندس/ محمد ع السويَّد

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s