الفقيه نائب الإمام والإمام نائب النبي والنبي نائب الله!

التشيع والدولة: رجال الدين أمام اختبار الحداثة

قيادة رجل الدين للحكومة يسير بالعكس من العقيدة الشيعية التقليدية، إذ من شأن هذا التحول العقائدي شل المؤسسة الشيعية ويسلبها سلطتها الدينية المتمثلة بالمرجعية المتميزة بالتعددية والاستقلالية عن سلطة الدولة.

بقلم: جواد بشارة

الفاصل بين الدين والسياسة

هل يسير النظام الإيراني ضد تيار الحداثة، على ما يفكر البعض بشكل عام عادة؟ كيف يمكن فهم وإدراك الدمج القائم بين السلطات الدينية والسياسة، الذي تمأسس في إيران على يد المرشد الولي الفقيه؟ هذه المسألة العقائدية والمؤسسية هي موضوع الدراسة، التي تتجاوز مظاهر التناقضات بين الديني والسياسي، إلى التجديد الذي غير المسبوق في التشريع وللفكر الشيعيين.

يشكل دستور عام 1979، في هذا السياق، مرحلة مهمة وذات دلالة عميقة، ففي أي إطار يجب تطبيق عمل المشرع الديني؟ وهل يملك هذا المشرع الفقيه نفس سلطات النبي والأئمة الشيعة؟ وهل السلطة والسيادة متجذرتان عند الشعب؟ هذه أمثلة من المسائل والمفاهيم المطروحة للنقاش، التي تناولها الباحث الإيراني كونستانس آرمينجون هاشم، في أطروحته العلمية التي نشرت في كتاب صدر عن منشورات (المركز القومي للبحوث العلمية CNRS) في باريس باللغة الفرنسية تحت عنوان (Chiisme et État: Les clercs à l’épreuve de la modernité)، أو ما يمكن ترجمته بالعربية (التشيع والدولة: رجال الدين أمام اختبار الحداثة).

 وهاشم هو أستاذ في مدرسة الدراسات التطبيقية العليا، ويواصل دراساته وأبحاثه عن التيارات الفكرية والمؤسسات الدينية للإسلام المعاصر، وعلى نحو أخص، مظاهر أو جوانب الحداثة الدينية والسياسية للفكر الشيعي.

 باسم الإخلاص للإسلام، طالب آية الله العظمى، روح الله الخميني، بكامل السلطة التي مارسها باسم الإسلام النبي محمد وأول إمام للشيعة، وهو الإمام علي بن أبي طالب، بحجة أن ذلك هو العلاج الضروري، حسب ادعاء الخميني، لمواجهة دنيوية (أو علمانية) المجتمع. ومن ثم، لا بد من فرض ولاية الفقيه، التي تكرس صلاحية رجل الدين الشيعي الفقيه لممارسة السلطة السياسية، وأن تكون بيد المرجع الديني، وهو مصدر التقليد في الفكر الشيعي. والحال أن قيادة رجل الدين للحكومة يسير بالعكس من العقيدة الشيعية التقليدية وموقفها من السلطة السياسية الدنيوية، لأنها تعتقد أن الإمام المعصوم هو الوحيد الذي يحق له ممارسة سلطة الحاكم الدينية والدنيوية معاً.

 إذ من شأن هذا التحول العقائدي أن يشل طبيعة عمل المؤسسة الدينية الشيعية ويسلبها سلطتها الدينية البحتة المتمثلة بالمرجعية الدينية الشيعية المتميزة بالتعددية والاستقلالية عن سلطة الدولة الدنيوية.

 قام الإمام الخميني بثورة عقائدية ودينية حقيقية بمناقضته لهذه المسلّمة التشريعية الفقهية الشيعية التقليدية، فلقد أحدث مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتجديده هذا نوعاً من ازدواجية الوظيفة داخل المؤسسة الدينية، فولاية الفقيه تتداخل مع المرجعية دون أن تلغيها فيما لو مورست من نفس الشخص عندما يكون هو المرجع الأعلى والولي الفقيه في نفس الوقت، لكن الإشكال يبدأ عندما يكون الولي الفقيه ليس هو المرجع الأعلى أو من المراجع العظام، فالجانب الثوري لمفهوم ولاية الفقيه ومقاومة المرجعية التقليدية له خلق ما يشبه الانشقاق في القيادة الدينية الشيعية.

 فهناك مراجع يؤيدون ولاية الفقيه وهناك مراجع آخرون لا يقلون أهمية ومكانة، إلا أنهم لا يؤيدون ولاية الفقيه بل يعارضونها ويعتبرها البعض منهم بدعة وتحريف للنهج الشيعي التقليدي. لذا، لا بد من التدقيق في المبادئ الفقهية والتشريعية لنظريات السلطة ولما يترتب على كون رجل الدين الشيعي هو الذي يقود الحكومة الدنيوية سياسياً في المرحلة المعاصرة ونزوعه نحو الحكم الشمولي والديكتاتوري.

 لقد نشأت ازدواجية تنافسية داخل السلطة الدينية الشيعية، فبعض المراجع يعترض على ذلك وينكر وجود ازدواجية في الصلاحيات ويعتبرهما مكملين لبعضهما البعض، بينما يرى مراجع كبار آخرون أن ممارسة السياسة والحكم تفسد رجال الدين وتسيء للدين، لأنهم غير معصومين وسيغرقون في آثام السلطة الدنيوية ومغرياتها ويرتكبون الأخطاء باسم الدين لأنهم سيحكمون باسم الدين.

 وبالنظر إلى التطورات الدستورية والمؤسساتية التي حدثت في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تدار وفق مبدأ ولاية الفقيه، وتجذر التقاليد في مؤسسة المرجعية التقليدية التي تنأى بنفسها عن السياسة والسلطة الدنيوية، حاول البعض التمييز بينهما بأن اعتبر الأولى مؤسسة سياسية بحلة دينية والثانية مؤسسة دينية يمكن أن يكون لها صبغة سياسية ولكن ليس بصورة مباشرة أو رسمية.

 وحتى داخل المرجعية التقليدية الشيعية التعددية هناك اختلافات حسب شخصية المرجع وقوته ومكانته التي تمنحه سلطته الروحية على أتباعه ومقلديه أي أن لديه سلطة معنوية، فالمرجع في العراق قوي على سبيل المثال وأحياناً أقوى من السلطة السياسية المنتخبة، في حين نجد العكس بالنسبة للمراجع الكبار في إيران الذي تطغوا عليهم سلطة الدولة وسلطة الولي الفقيه الذي أعلن نفسه مرجعاً دون أن يمتلك بالضرورة المؤهلات اللازمة لذلك.

 لم يحدث تعمق أكاديمي في دراسة تطور الفكر السياسي الشيعي ما عدا بضعة دراسات جادة قام بها أحمد الكاتب، وبعض المحاولات الخجولة لرجل الدين كمال الحيدري الذين تناولوا موضوع النظرية السياسية الشيعية في أعقاب هيمنة وفرض تطبيق صيغة الإمام الخميني وعقيدته في الولي الفقيه بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بيد أن المشكلة كانت مطروحة للنقاش قبل نشوب الثورة الإسلامية، إذ أحدثت هذه الأخيرة انعطافه حاسمة ومؤثرة وعميقة في تأريخ التشيع والعلاقة بين العقيدة والسلطة عند الشيعة.

 الحاكمية من منظور الشيعة

كانت سياسة التحديث والحداثة للمجتمعات الإسلامية الشيعية في إيران والعراق ولبنان ومنافسة الآيديولوجيات الدنيوية المعاصرة كالقومية والشيوعية أضعفت سلطة المؤسسة الدينية التقليدية وبدأت بوادر التراجع في سلطة المرجعية الشيعية منذ وفاة المرجع الديني الشيعي الأعلى لكل شيعة العالم آية الله العظمى البروجوردي سنة 1961، حيث حدثت مراجعة شاملة وعميقة ولكن صامتة وخفية داخل كيان المرجعيات الشيعية في كل مكان وبرزت دعاوى التطوير والتحديث في هيكيليات المرجعيات التقليدية وإدخال المناهج الحديثة في صلب دراساتها وتطوير الرؤية العقائدية والتشريعية لها والتي تتوجت بإعلان أول دولة دينية ــ دنيوية شيعية في تأريخ التشيع والتي دشنت مرحلة جديدة في تطور القوانين والتشريعات الإمامية.

 كانت الطائفة الشيعية الاثنا عشرية، في مرحلة حضور وحياة الأئمة من سلالة النبي، تعتبر أنهم يمثلون السلطة الشرعية الإلهية والدنيوية في آن واحد لأنهم يواصلون ويربطون خط النبوة المعصومة بخط الإمامة المعصومة في ممارسة السلطة الدنيوية إلى جانب سلطتهم الدينية الطبيعية الممنوحة لهم من الله. ولكن، بغياب الأئمة.

 انقطعت الصلة بين الديني والدنيوي، فواصل الفقهاء ورجال الدين والمراجع الشيعة ممارسة السلطة الدينية، وتُركت السلطة الدنيوية إلى السياسيين الحداثيين، حتى جاء الإمام الخميني وأعلن قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على الرغم من تحفظ أو معارضة أغلب المراجع الكبار في مؤسسة المرجعية الشيعية في قم والنجف.

 أسس الخميني سلطة موازية للمرجعية التقليدية المحافظة هي مؤسسة ولاية الفقيه الثورية التي يفترض أن يرأسها ويقودها رجل دين مرجع أيضاً، وهي التي وضعت نظرية جديدة لسلطة الدولة، وصفتها بالسلطة الثورية الإسلامية. من هنا، يمكننا القول إن تأسيس الجمهورية الإسلامية الشيعية في إيران كان مزعزعاً لعمل ووظيفة ودور المؤسسات الشيعية الدينية ولتطورها العقيدي، مما حدا ببعض المرجعيات الى ممارسة دور الوصي والراعي أو المشرف عن بعد للمؤسسة الحكومية التي تقودها أحزاب دينية إسلامية شيعية كما في العراق، من دون الحاجة لممارسة السلطة السياسية الدنيوية بشكل مباشر.

 يقع الكتاب في 520 صفحة. وقد نشر أواسط سنة 2013، وكرس لمناقشة العلاقة بين سلطة المرجع الدينية والسلطة الدنيوية. وقد تركزت محاوره على تأكيد دور العلماء في ممارسة السلطة كسيرورة دنيوية، حيث فرضت غيبة الإمام الثاني عشر ضرورة وجود الرعاية والإشراف على شؤون الأمة وتبني مذهب التشيع كدين رسمي للدولة الإيرانية ومأسسة التشيع وتوسيع السلطة الدينية في العهد القاجاري وبروز مؤسسة المرجعية وحدوث الثورة الدستورية الأولى واكتشاف نمط آخر من السلطة.

 الفقيه نائب الإمام والإمام نائب النبي والنبي نائب الله!

كذلك تناول موضوع التحدي الدنيوي للسلطات الدينية وعلاقة الدولة المركزية بالسلطة الدنيوية وانتشار المبادئ الاجتماعية السياسية بصيغتها الدنيوية وأسس التجديد الدولتي وتهديد السلطة الدينية من نظام الدولة الدنيوي وأدلجة الإسلام وتسييس رجل الدين وتحديث المؤسسات الدينية ومناقشة مسألة هل الذي حصل كان إصلاحاً أم ثورة، ثم عالج إقامة النظام الإكليركي الديني في إيران وتبعاته الدستورية والمؤسساتية، وعلى رأسها صياغة دستور للجمهورية الإسلامية وازدواجية مؤسسة السلطة الدينية.

 وتعمق الكتابُ في عملية انطلاق نظريات الدولة والحكم وتعددية الحداثات السياسية الشيعية وحدوث ثورة داخل التشريع الشيعي وثورة في عقيدة السلطة عند الشيعة وانتشار نظريات الدولة وتطوير تعددية للتحديثات السياسية الشيعية. وكذلك ألقى الضوء على مثابرة ازدواجية مؤسسات السلطة الدينية من خلال التنافس على السلطة بين المرشد الكاريزمي ومقاومة المرجعية التقليدية به، والسعي نحو الفصل بين ولاية الفقيه والمرجعية ونشوء أزمة الشرعية الدينية لنظام السلطة الإيرانية بعد وفاة الخميني.

 كما بحث الكتاب بعمق نظامي السلطة الدينية وثنائية السلطة الدينية والتنافس بين مرشد الدولة والمرجعية، ودراسة تصنيف مراجع التقليد. وكذلك درس العلاقة بين الحداثة وتوسيع مجال السلطة، وإدامة المؤسسات، وقدم حصيلة لعملية إصلاح المرجعية وإعادة تحديد وتعريف دورها وتوسيع مجال السلطة الدينية ونقد المؤسسات والدعوة للانفتاح، ثم اختتم برؤية تحيط بكل ما تم دراسته وآفاقه المستقبلية وإمكانيات التكيف الماثلة أمام الدولة الدينية الثيولوجية في مواجهة عصر الحداثة والحياة العصرية ومتطلباتها وتحدياتها.

 إنه سفر ممتع وغني وعميق عن العلاقة بين الدين والسياسة وعن آفاق العلاقة بين الدولة الدينية والدولة العصرية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s