ما هي التبعية ؟؟ ولماذ الدول العربية تابعة للغرب ؟؟ – الجزء الاول

ما هي التبعية ؟؟ ولماذ الدول العربية تابعة للغرب ؟؟ 

من خلال متابعتي لما يكتب في الاعلام العربي سواء من قبل المختصين والمحترفين في الشؤون السياسية والصحفية والبحثية او من قبل الهواة من اوساط المعارضة للانظمة الرسمية على وجه الخصوص، وجدت ان استخدامهم لكلمة التبعية مرتبطة بكلمة (الخيانة) وكأن خيار التبعية هو قرار شخصي او قرار سلطوي بالاحرى، وانه إما ارادي من قبل السلطة، او الزاما اجباريا تفرضه عليها سلطات الغرب الراسمالي الذي عادة ما يقرنها اليساريون بكلمة الامبريالي فتصبح العبارة الاكثر استخداما في الخطاب اليساري عموما هي “تبعية الانظمة الرجعية للراسمالية الامبريالية” .

وفي هذه العبارة الكثير من التعميم المخل والمضلل والذي لا يساعد ابدا على توعية الجمهور بماهية التبعية ولا اسبابها ولا دوافعها ، وبالتالي يصبح من الصعب جدا التوصل الى كيفية الخروج من التبعية .. 
حيث ان المخرج الوحيد الذي يدفع اليه الخطاب اليساري هو اسقاط الانظمة القائمة والمجيء بانظمة يسارية على اعتبار ان هذا الاسقاط والحلول سيؤدي الى انهاء التبعية .. وهذا خطأ جسيم .

حيث ان تبعية الدول العربية للغرب او بالاحرى للسوق الرأسمالي ليست قرارا سياسيا ولا هي ناتجة عن قرار الحاكم او السلطة العربية الحاكمة، ولا هي ايضا ناتج عن قرار للولايات المتحدة مثلا او الغرب عموما يصدره الرئيس الامريكي او رئيس هذه الدولة الغربية او تلك بان تكون هذه الدولة تابعة وتلك مستقلة .
لان التبعية السياسية للغرب ما هي الا نتيجة للتبعية الاقتصادية .. الناتجة عن تخلف البلدان العربية عن انتاج حاجاتها حتى الضرورية منها والاعتماد الكامل على انتاج الدول المتقدمة بداء من ابسط المنتجات الى اكثرها تعقيدا بالطبع ..

وبناء على هذا الاعتقاد الذي سأبرهن عليه بالتفصيل لاحقا ويشمل جميع اوجه الحياة، فان التبعية الاقتصادية هي الاساس التي يترتب عليها التبعية السياسية وليس ذلك فحسب بل وجميع انواع التبعيات الاخرى الاعلامية والفكرية والثقافية والفنية والادبية والاجتماعية والمسلكية وحتى الاخلاقية

الثقافة الشائعة 
ان الشائع والسائد سواء في الثقافة العامة عند شعوب العرب وعند الغالبية من الخاصة من المثقفين اليساريين على وجه الخصوص او الوطنيين بصيغة اكثر تعميما، ان التبعية تعني ارتهان الموقف السياسي العربي وخضوعه للموقف السياسي الامريكي على وجه الخصوص باعتبارها زعيمة العالم المعاصر . وهذا تفسير سليم ولا شك فيه .
لكن .. 
ولدى سؤال أي شخص كان سواء من العامة او من الخواص حول تفسيره لهذا المعنى سيقول باختصار شديد انه لا يوجد استقلالية في اتخاذ القرارات السياسية السياسية السيادية لدى الانظمة العربية وانها لا تمتلك حرية اتخاذ القرار .. بل ويذهب في تصوير الامر وكأن في كل قصر من قصور الحكام يوجد موظفون (امبرياليون امريكان) يجب ان تمر قرارات الحاكم عليهم وهم يمتلكوا حرية الموافقة او الرفض.
ولا يخطر على بال احد الا من انعم الله عليه بنعمة الثقافة الشاملة ان يربط الخضوع والتبعية السياسية باسبابها الاقتصادية .. 
هذا الخيال الشعبي المتخم بفكر المؤامرة يتخيل ان ما من شيء يحدث في العالم الا ويكون هناك من خطط له ورتبه في الدوائر الامبريالية ثم وزعه على التابعين لتنفيذه ..

مظاهر التبعية

الى جانب المظهر البارز للتبعية السياسية والتي سناتي على عرض دافعها الاقتصادي فان بلادنا العربية تعاني من العناوين البارزة للتبعية نجد الفقر العلمي والانغلاق الثقافي وسيطرة الأفكار الخرافية وغياب روح المبادرة والإبداع، والتخلف التكنولوجي، ناهيك عن العجز عن إنتاج احتياجاتها الاساسية، والاعتياش على ما تبدعه الأمم الأخرى من منتجات تكنولوجية من كل المستويات .. واستخدامها واستهلاكها لكل منتجات العصر فالكمبيوتر منتشر في كل مكان تقريبا وهناك من يسافر بطائرة البوينغ او الايرباص ويستخدم احدث الهواتف النقالة والسيارة والثلاثجة والادوات الطبية المتطورة ، والالات المتقدمة في بعض الصناعات التحويلية ، وحتى في توفير الماء والكهرباء التي تقوم على معامل التكرير ذات التقنيات والتكنولوجيا الغربية ، وفي الفنون والاعلام والتعليم والرياضة  والازياء، ومختلف الادوات المنزلية، وكافة المنتجات في مختلف مجالات الحياة .

فيما يقتصر دور الانسان العربي على مجرد انه مستهلك لمنتجات الغرب ويقف عاجزا عن إبداعها أو صنعها أو الإضافة إليها او حتى تقليدها كما فعلت الصين.. او تقديم أي مساهمة فعلية في حركة الانجازات العصرية الهائلة من حيث الحجم والتنوع .

 انواع التبعية

اولا : التبعية السياسية

ان التبعية السياسية للدول العربية تقوم كما ذكرنا اعلاه على قاعدة تخلف نمط الانتاج الاقتصادي وعجزه عن تلبية حاجات المواطنين الاساسية، في وتخلفها التكنولوجي الذي يجبرها على توفير جميع احتياجاتها من الاسواق الراسمالية .

وهذا الوضع المتخلف ادى الى نشوء طبقة ثرية مهنتها التجارة بشكل رئيسي تقوم تجارتها على تسويق وترويج منتجات الغرب وبعض الشرق وصنعت هذه الطبقة رساميلها من خلال الفارق بين سعر التكلفة وبين سعر البيع ،

ولأن السلطة السياسية في أي مكان في العالم هي ممثلة للطبقة المالكة للثروة فقد سخرت قوانين الدولة وبرامجها وجامعاتها ومؤسساتها التعليمية لتخريج (موظفين لخدمة هذه الطبقة والعمل في مشاريعها )، والى جانب هذه الطبقة الثرية نشات  طبقة من الموظفين شكلت حليفا او بالاحرى خادما لها من رجال القضاء والامن والمحامين والمحاسبين وموظفي الدولة في جميع الادارات والمجالات وكلهم يؤدون الخدمة لهذه الطبقة القائدة والمتسيدة والتي ارتبطت مصالحها بالسوق الرأسمالي والمنتج الرأسمالي.

 ونظرا لارتباط المصالح ونظرا لان الاضعف يخضع للاقوى فقد خضعت هذه الطبقة من سماسرة وتجار ومروجي ومسوقي السلع الاجنبية واصبحت تابعة لقوانين وشروط السوق الرأسمالي مما فرض على السلطة السياسية التي وجدت أصلا لخدمة مصالح هذه الطبقة ان تخضع سياسيا للسلطات السياسية في دول الانتاج الرأسمالية، نظرا لترابط العميق بين مصالح المنتج الراسمالي والمسوق المحلي ، ونظرا لان السلطتين في دولة المنتج وفي دولة الاستهلاك وظيفتهما الاساسية هي خدمة المنتج وصاحب المنتج ومسوق المنتج أي خدمة الطبقة الثرية في بلادها .

وفي حال تناقضت او ضعفت او ترددت السلطة السياسية المحلية في تنفيذ احتياجات ومتطلبات الطبقة البرجوازية فان (الرأسمالية المنتجة) والبرجوازية المحلية تتعاونان معا على الخلاص منها واستبدالها بممثل اكثر خضوعا واستجابة لمصالح التحالف الطبقي الذي تقوده البرجوازية.

دول لم تغادر البداوة

ونظرا لان الدول العربية لم تغادر عصر البداوة نهائيا وتعيش في نمطين من انماط الانتاج (بعض البدوي والزراعي) وهذان النمطان تشكل القبيلة والعشيرة جزءا رئيسيا من مكوناته ويحظى شيوخها وسادتها بطاعة ابناء القبيلة والعشيرة فان السلطة السياسية ضمتهما الى التحالف لدورهما في ترويض المواطنين من اتباعهما واخضاعهم للسلطة السياسية نظرا لما تتعرض له الفئات العريضة منهم من تعسف واضطهاد وفقر وحرمان بسبب تركز الثروة والجاه والمنافع بين ايدي التجار (البرجوازية) وحليفتها السلطة السياسية ، وتم ضم رجال الدين الى هذا التحالف فاصبح تحالفا رباعيا (سلطة سياسية + تجار + قبيلة وعشيرة + رجال الدين) وقسمت العوائد والارباح الناتجة عن التجارة وتسويق المنتج الاجنبي بين اطرافه

وبات جميع اطراف التحالف عمليا يخضعون للتبعية السياسية لدولة المنتج ولديهم الاستعداد للتصدي وان بالقوة لكل من يحاول تقويض علاقة الحلف المحلي مع السلطة السياسية في بلد الانتاج الراسمالي بل وكل من يحاول تغيير قوانين المنافسة والبحث عن منتجات اخرى من بلاد اخرى فيتم افقار الدخلاء وافلاسهم من خلال منافسة غير شريفة سواء من خلال سطوة السلطة مباشرة من خلال الضرائب الجمركية او فرض شروط وقيود على الجودة او القوانين الخاصة بشروط تاسيس الشركات وفرض رؤوس اموال كبيرة لتاسيسها لا يقوى على توفيرها الا اصحاب الثروات.

 ثانيا : التبعية الاقتصادية

ان ايرادي لموضوع التبعية الاقتصادية في الترتيب رقم 2 ليس لان ترتيبها الثاني بل هو الاول بلا منازع ولكني رأيت ان ابدأ بالتبعية السياسية لانها غالبية الناس يركزوا عليها وليس لديهم فكرة عن مكونات التبعية الاقتصادية .

فالتبعية الاقتصادية هي الاساس وهي التي تقوم عليها كل التبعيات الاخرى فتعالوا لنرى هذه التبعية بالارقام:

اولا : التبعية الغذائية

يعاني الوطن العربي بمجملة من ازمة غذاء حادة ناتجة عن عدم قدرته على انتاج ما يكفي لاطعام الشعب العربي .

وقد بلغ حجم واردات الغذاء العربية المستوردة في سنة 2011 اكثر من مليون طن ، وكانت اسعار القمح خلالها ارتفعت بنسب ما بين 60 و 80 بالمائة وتضاعفت اسعار السكر بنسبة 100 بالمائة . علما بان حجم الواردات من السكر في تلك السنة بلغ 6 ملايين طن .

وارتفعت فاتورة الغذاء العربي من 20مليار دولار عام 2007 إلى ما يقرب من 40 مليار دولار بحسب تقرير المنظمة العربية للتنمية الزراعية.

 ان حدة الأزمة الغذائية  ادت إلى اعتماد معظم الدول العربية للوفاء باحتياجاتها الغذائية، ولاسيما السلع استراتيجية مثل القمح والأرز والذرة وبنسبة تتراوح ما بين 30 و40 بالمائة من احتياجاتها من هذه السلع على الخارج.  كما يستورد الوطن العربي ثلثي احتياجاته من السكر وأكثر من نصف احتياجاته من الزيوت والشحوم وحوالي ثلث متطلباته من اللبن والبقوليات الذاتي.

ارقام تكشف الحقائق

اعرض هنا مجموعة من الارقام التي توضح حجم وتوغل التبعية الاقتصادية العربية للغرب المنتج للخيرات

  • قالت دراسة للاتحاد العربي للأسمدة ان الدول العربية تستورد ما يزيد على نصف احتياجاتها من السلع الغذائية حيث تستورد مواد غذائية بحوالى 100 مليار دولار سنويا.

  • تبلغ القيمة الاجمالية للواردات المصرية حوالي 60 مليار دولار سنويا وتتصدر قائمة الواردات السلع الوسيطة تليها السلع الاستهلاكية ثم السلع المعمرة ثم السلع غير المعمرة ثم السلع الاستثمارية .

  • مصر تستورد هواتف محمولة سنويا بـ 3.7 مليار دولار، كما تستورد سيارات فارهة بـ 2 مليار دولار، وهى نفس قيمة ما تستورده من القمح. بلغت قيمة واردات مصر من تركيا 3.2 مليار دولار خلال العام الماضي وذلك وفقا لمعهد الإحصاء التركي

  • تقدّر قيمة واردات دول التعاون من السيارات بحوالي 12 مليارات دولار سنوياً، بالإضافة إلى ملياري دولار قيمة واردات قطع الغيار، حيث تنمو سوق قطع الغيار في دول التعاون بمعدل 9% سنوياً.

  • تستورد الإمارات ما يقارب 4.6 مليارات درهم إماراتي من الورق سنوياً بمعدل نمو 10%. ووفقاً لإحصاءات تجارية صادرة عن الأمم المتحدة

  • إجمالي واردات السعودية يقدر قيمتها بنحو 583 ملياراً ريال أي نحو 100 مليار دولار سنويا . منها 21.3 مليار دولار” سنويا.

  • قالت السعودية، إن عام 2015 سيكون آخر موسم زراعة  القمح  محليًا، حيث سيبدأ الاعتماد بالكامل على استيراد القمح من الخارج في عام 2016، وتستهلك السعودية نحو 3 ملايين طن من القمح سنويا. تستورد منها حاليا 2.5 مليون طن.

  • كشفت إحصائيات سعودية عن استيراد المملكة نحو 560 الف طناً من منتجات التبغ والمعسل والجراك، بقيمة إجمالية بلغت نحو 3.5 مليار ريال أي نحو 600 مليون دولار.

  • استوردت المغرب 59 مليون قنطار من الحبوب خلال 6 اشهر الاولى من السنة ، واستوردت 11 الف طن من الجبن “الفرماج” بلغت قيمتها حوالي 458 مليون درهم  . كما بلغت قيمة وارداتها من المواد الاستهلاكية حوالي 61 مليار درهم سنة 2011. كما سجلت وارداتها من اللحم الطري والمجمد ارتفاعا  بنسبة 78 في المائة، بقيمة 496 مليون درهم.

  • يبلغ اجمالي واردات الجزائر من السلع الاجنبية حوالي 50 مليار دولار سنويا وبلغ حجم وارداتها من الصين 4,95 مليار دولار ومن فرنسا 4,7 مليار، وجاءت ايطاليا في المركز الثالث ب 3,95 مليار ثم اسبانيا (3,93) مليار وألمانيا (2,13 مليار دولار)، وبلغت وارداتها من الاتحاد الأوروبي نحو 21,50 مليار دولار

  •  ثمن فنجان قهوتكم 214 مليون دولار سنويا

ربما تشكل معرفة الحقيقة عند البعض صدمة او على الاقل دافعا للدهشة والمفاجأة  خصوصا لمن يعتقدوا ان تبعية الدول العربية للغرب هي تبعية سياسية ناتجة عن عمالة الحكام او كونهم يعملون موظفين عند حكومات الغرب ، او ان التبعية هي فرض اجباري من الغرب على دول العرب ولهؤلاء نقول ان الارقام تقول غير ذلك .. تقول ان العجز الاقتصادي العربي هو سبب التبعية ويكفي ان نقرأ ما يلي :

ذكرت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ان قيمة واردات الدول العربية من السلع والخدمات بلغ 1 تريليون و 22 مليار دولار امريكي في سنة 2012 .

يكفيكم ايها السادة ان تعرفوا ان استمتاعكم بشرب القهوة البرازيلية فقط يكلف بلادكم 214 مليون دولار سنويا .

فقد قالت “الغرفة التجارية العربية البرازيلية” بأنّ العالم العربي يمثل سوقا مهما لمنتجات البرازيل من البن، حيث وصلت صادرات البرازيل من البن إلى المنطقة العربية إلى 214 مليون دولار . وترتفع سنويا بنسبة 20 بالمائة .

  ولمزيد من البراهين على التبعية الاقتصادية نشير الى ان واردات لبنان في السنة الماضية بلغت 21.3 مليار دولار والعراق 40 مليار دولار

 

 

وبلغ حجم الواردات المصرية من الغزول والملابس نحو 19مليار جنيه في 2012 أي ما يعادل حوالي 3 مليارات دولار وفقاً لبيانات منظمة التجارة العالمية .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s