اسرائيل لن تقبل طوعا قيام دولة فلسطينية في اي مكان في العالم

اسرائيل لن تقبل طوعا قيام دولة فلسطينية في اي مكان في العالم

ربما الذاكرة لا تساعد الكثير منا على تذكر اشياء مهمة .. وفي ضوء الجدل السياسي الصاخب حول التسوية وخطة اطار السيد كيري ارى من الضروري جدا ان تتذكروا خطة ابا ايبان للتسوية التي طرحها عام 1968 .. حيث انه لم يتغير فيها بند واحد من بنودها وما زالت اسرائيل تتبناها بالكامل واهم بند فيها الا تقوم دولة للفلسطينيين في اي مكان في العالم حتى لو كانت في حوض المسيسيبي .. وان يتم دمج اللاجئين في المجتمعات التي يعيشون فيها .

لادراك الكيان الصهيوني ان اقامة دولة للفلسطينيين ولو على مساحة 10 كيلومترات مربعة ستوفر لها قاعدة للنمو والنماء وبعد 10 او 20 او 50 سنة ستمتلك هذه الدولة القوة التي ستنهي وجود دولة اسرائيل

وهذا ما قاله ابا ايبان في حينها ولا زال هذا الهاجس هو الرئيسي الذي يسيطر على القيادات الصهيونية

وفي ما يلي تفصيل مشروع ابا ايبان بالتفصيل ..

في تشرين الأول 1968 ألقى ابا إيبان وزير خارجية إسرائيل خطابا أمام الجمعية العامة للمم المتحدة حدد فيه المبادئ والأسس التي تريد الحكومة الإسرائيلية تحقيق السلام من خلالها وهي:

 

1. يجب أن يكون السلام الذي يلي وقف إطلاق النار، عادلا ودائما، ومتفاوضا عليه، ومعبرا عنه بشكل تعاوني، وفقا للأصوال المرعية في هذه الميادين.

2. بما أن السلام هذا، يترتب عليه نتائج عملية وحقوقية وسياسية بعيدة المدى تقترح إسرائيل أن تأخذ التسوية شكل معاهدة تحدد بدقة شروط تعايش إسرائيل مع جيرانها وتحدد خريطة متفق عليها للحدود الآمنة والمعترف بها.

3. يتم الاستعاضة عن خطوط وقف إطلاق النار، بحدود دائمة، آمنة، ومعترف بها، بين إسرائيل وكل دولة عربية من جيرانها، وتوزع القوات العسكرية على الحدود، كما يتم الاتفاق عليها في نصوص السلام النهائية.

4. يجب إجراء محادثات لوضع ترتيبات أمنية، تجنب الوضع الذي سبب انهيار السلام في حزيران 1967.

5. يجب أن لا يكون هناك تحفظات حول الترتيبات المتعلقة بضمان حرية الملاحة التي ينبغي أن تكون بدورها دقيقة وملموسة وقائمة على المساواة في الحقوق والواجبات بين إسرائيل والدول البحرية الأخرى.

6. عندما يتم التوصل إلى اتفاق حول إقامة السلام مع حدود دائمة يجب المحافظة على حرية التحرك المتوفرة الآن وخاصة في القطاعات الإسرائيلية – الأردنية.

7. تنبغي الدعوة لعقد مؤتمر تحضره الدول الشرق أوسطية والدول المساهمة في إعانة اللاجئين والأجهزة المختصة في هيئة الأمم من أجل رسم خطة خمسية هدفها حل مشكلة اللاجئين ضمن إطار السلام الدائم وعن طريق دمجهم في الدورة الإنتاجية للمجتمعات الموجودة فيها.

8. لا تعمل إسرائيل على ممارسة أي تشريع بالنسبة للأماكن المقدسة التابعة للمسيحية والإسلام أن رغبة إسرائيل هي التوصل إلى وضع محدد يعطي هذه الأماكن طابعها العالمي عن طريق التوصل إلى الاتفاق المناسبة مع الأطراف المعنية تقليديا. وتتخلص سياسة إسرائيل حول هذا الموضوع بالقول أن الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية يجب أن تقع ضمن إطار مسئولية الذين يقدسون هذه الأماكن.

9.تثبيت مبدأ حق الحياة القومية وسيادتها وسلامتها وهو المبدأ المتضمن في ميثاق الأمم المتحدة والذي تم التعبير عنه في قرار مجلس الأمن رقم 242. ولا يمكن تطبيق هذا المبدأ من خلال التزامات تعاقدية (محددة) تدخل فيها حكومة إسرائيل والحكومات العربية.

10. ويستتبع هذا، أنه على الحكومات العربية، أن تسحب تحفظاتها الماضية بالنسبة لوجود إسرائيل وبالنسبة للالتزام بالمعاهدات الدولية المتعلقة بإسرائيل.

11. يجب أن تشمل محادثات السلام توجيه الاهتمامات المشتركة إلى موارد المنطقة ووسائل الاتصال فيها في محاولى لإرساء دعائم مجموعة شرق أوسطية مؤلفة من دول مستقلة وذات سيادة .

12. لا يمكن تصفية النزاع والانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم إلا على طاولة المفاوضات

Advertisements

الرؤية السياسية العربية بين الواقع والاوهام

الرؤية السياسية العربية بين الواقع والاوهام

كثير من مفكري العرب وساستهم يقزمون الاهداف الامريكية في المنطقة ويركزوا على ما ليس هو اساس وليس له اهمية استراتيجية من الناحية الاقتصادية او السياسية في المنطقة باستثناء النفط والذي تقول الابحاث انها لن تكون بحاجة الى نفط الخليج في نطلع العقد المقبل ..

ولم اقرأ نهائيا تقريبا اي دراسة او بحث عربي يتحدث عن ان الولايات المتحدة تعتبر العالم كله باركانه الاربع هو مجال امنها القومي ..

وانها تقاتل على مختلف الجبهات حتى لا تترك فراغا قد يستغله اي كان من دول العالم .. وانها تسعى بكل قوة لملء اي فراغات تتركها الدول الاخرى ..

وهذه الاستراتيجية الكونية هي الدافع الرئيسي لحربي افغانستان والعراق لملء الفراغ الناتج عن انهيار الاتحاد السوفياتي .

النفط عامل استراتيجي ليس لان الولايات المتحدة لا تستطيع الاستغناء عنه بل لانه شريان الحياة لحلفائها الذين تحرص على بقائهم على درجة من القوة لمساعدتها ومشاركتها في مواجهة القوى الكبرى التي تنازعها فكرة الهيمنة الكونية وعلى وجه الخصوص روسيا والصين ..

فالاهتمام بمنطقتنا العربية نابع من موقعها الاستراتيجي في وسط الكرة الارضية وليس لان ارضها تحتوي على موارد وكنوز اقتصادية لتقوم بنهبها او السيطرة عليها ..

وما الدعم الهائل الذي تقدمه للعدو الصهيوني الا لانه يمثل صديقا موثوقا ولا يشكل اي نوع من التهديد اطلاقا لمصالحها بل انه يخدم هذه المصالح بابقاء حالة القلق في المنطقة العربية مما لا يمكن دول المنطقة من تحقيق طموحاتها القومية التي تشكل فزاعة مرعبة لها ولكل حلفائها ..

ولهذا فهي تتحالف وتدعم جماعات الاخوان المسلمين الذين تقوم دعوتهم على فكرة نرجسية لا اساس لها في الواقع ولا يمكن ان تتحقق فكرة الدولة الاسلامية الواحدة بل ان هذه الجماعة تشكل رأس الرمح في مواجهة المشاعر القومية والتوجه القومي ..

وتعمل بنفس الوقت على دعم جميع الجهود الرامية الى ابقاء حالة التمزق الداخلي الى ملل ونحل ومذاهب وقبائل وعائلات وعشائر

اظن انه ان الاوان ليدرك نشطاء العمل السياسي من جميع التلاوين الليبرالية والعلمانية هذه الحقيقة وبالتالي يضعوا برامجهم على ضوئها ..

لان الاستمرار في الحلقة المفرغة القائمة على افكار وهمية وغير واقعية سيكون مساهمة غير مباشرة في تحقيق الولايات المتحدة وشركائها الموضوعيين او المباشرين اهدافهم الرامية على بقاء الاوضاع على ما هي عليه الى اطول فترة ممكنة ..

د.ندا الغاد

مقاربة بين حكايتي المسيح والحلاج

مقاربة مورفولوجية لحكايتي المسيح والحلاج 

نحاول في هذه المقالة دراسة حكايتين اشتهرتا عبر التاريخ. إنهما نصان ولدا في عالم لم تكن فيه الكتابة ميزة متوفرة لدى الجميع، أين كان الفكر لا يزال قيد الإيمان العميق بالأسطورة والخرافة، مسَلِّماً بشكلٍ مطلق بقدسية ما هو خارق وعجيب. كانت النفس البشرية آنذاك توّاقة إلى خلاصها من جميع الأنساق القاهرة التي أخضعتها لمجموعة من الإلزامات الثقيلة. مثَّلَ البحث عن بطل مخلص كما في الروايات الحديثة، أو عن الإنسان الخارق بالمفهوم النيتشوي أمل الإنسان في استعادة كينونته المفقودة التي من أجلها يحيَا ليشع ضياء جوهرها الخالص. في هذين النصين يتدفق صدق الإنسان وشعوره النبيل وإحساسه السّامي بعُلّوه وارتقائه(1).

إننا في هذه الدراسة أمام بنيتين متشابهتين ومتماثلتين لسيرتي المسيح والحلاج، لا نجد أنفسَنَا إلاَّ مضطرِّين لإلقاء الضَّوء عليهما والبحث في آليات الوظائف التي تشتغل ضمن طرق الحكاية. وصلت سيرة المسيح إلينا عن طريق الإنجيل «العهد الجديد»، أمَّا فيما يخصُّ سيرة الحلاج فقد وصلت إلينا أيضا بفضل كتب المؤرخين الذين تناولوا أخبار الحلاج بالاهتمام والتدوين والتنقيب. لكن هاته الحكايات التي رُويت لتُثبِتَ سيرة كل واحدٍ منهما لم ترد بصياغة واحدة، وإنما كان لكل حكاية نمطها الخاص، أسلوبها المختلف وأحداثها التي ضُبِطَت على خلاف. ولهذا السبب ولأسباب أخرى سيأتي ذكرها بالترتيب سنجد أنفسنا أمام عائق كبير أثناء التحليل، وربما سيترك في هذا البحث أثراً يجعله يفقد تركيزه وتوازنه.

فنحن أمام نصوص لا أمام نص واحد، فقصة صلب المسيح روتها الأناجيل الأربعة باختلافاتها البنيوية ( أي إنجيل متّى، مرقس، لوقا ويوحنّا)، كما أن قصة صلب الحلاج جاءتنا مختلفة باختلاف رواتها. فقد أورد نص صلبه ابن الأثير في الكامل، وابن الجوزي في المنتظم، وابن كثير في البداية والنهاية، ومسكويه في تجارب الأمم، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والقاضي التنوخي في نشوار المحاضرة وغيرها من كتب التاريخ التي قد يشكل علينا اختلافها في الرواية بعضا أو أكثر من إشكال. إضافة إلى محاولات المستشرقين في استيفاء الموضوع كما نجد ذلك لدى لوي ماسينيون في أخبار الحلاج التي جمعها وعند رينولد نيكولسون في التصوف الإسلامي وتاريخه. إذاً فنحن مبعثرون بين بنيات مختلفة ومتعددة لمحتوى واحد خلاف أن نكون كما ينبغي للدارس أن يكون، أمام بنية واحدة لمحتويات مختلفة ومتعددة.

ثانياً، إن دراستنا تنسحب على فارق زمني كبير يقاس بما يقارب 890 سنة، فصلب المسيح كان حوالي 33 ميلادي فيما ترويه الأصول المسيحيَّة، أما صلب الحلاج فكان حوالي عام 922 ميلادي، فضلا عن أنَّ قصة الصلب لدى المسيح تمتد على ما يقارب يوما كاملا، أما قصة صلب الحلاج فتمتد على فترة زمنية مقدارها حوالي 13 سنة ميلادية.

ثالثاً، إننا نسلّم تسليما قاطعا بتمايز النسق المعرفي السياسي والديني الذي أحاط بالحلاج والمسيح، فقد كانت الروم أيام صلب المسيح تستوطن الأرض وتحكم بقوانينها وتدير شؤون اليهود والعبرانيين الذين حكموا فيما بينهم بالناموس الديني التوراتي، أما ظروف صلب الحلاج فقد كانت محاطةً بالثورات التي اشتعل لهيبها، ووصل مداها إلى تهديد خلافة المقتدر بالزوال. وصِلةُ الحلاج كما تذكر المصادر كبيرة بضلوعه غير المباشر في إضرامه هذه النار لاسيما التواطؤ الذي أبداه مع القرامطة-تهمة أو حقيقة، فسياق صلبه كان فيما ترويه بعض كتب التاريخ على هذا النحو- وقد كان تبني الخلافة لمذهب المالكية الذي لا يجيز توبة الزنادقة بل يدعو إلى قتلهم قويًّا جدًّا. لقد كانت الزندقة مصطلحا لَـحِقَ بالثوريين بما فيهم الحلاج وذلك لما فيه من خلاص للسلطة من أسباب الإطاحة بنظام الخلافة آنذاك أو ما شابه ذلك.

هذه الاختلافات في النسق القائم ضمن القصتين قد نتبناها كدعم مهم وأساسي للبنية النصية التي سندرسها، فإن كان فيها من الإشكال ما سيوحي لنا بالغموض، فإن فيها على الأقل من توفير سبل الدراسة ما سيضيء طريق الوصول إلى الغاية المبتغاة على أكثر تقدير. ولذلك ما سنقوم به هو إيجاد وظائف ثابتة ضمن هاته الاختلافات المطروحة على أكثر من وجه.

2. بين المسيح والحلاج :

يرى كثير من المسلمين والمثقفين في الحلاج صورة الإنسان المعرفي الذي راح ضحية حسابات سياسية، فقد كان صلبه تمكينا للسلطة على الأقل من تمكُّنِها من قمع الحركات المناهضة. لكن يرى فيه أكثر من ذلك -وهذا رأي ماسينيون- مثالا خالصا للمعرفة الروحية والدينية العميقة التي تصل بالإنسان من طريق التصوف إلى الإيمان المطلق بالتوحيد. وهو ما تمثَّلَ في صورةٍ تماثلُ المسيح على نحو متطابق، فإذا كان القرآن قد قدّم المسيح منذ ولادته على أنه كلمة الله، وأنه بفضل هاته الكلمة-الروح ولدته مريم، وأن هاته الكلمة نفسها تعبر بشكل عنفواني عن نوع من التوحد الروحي المقدس، وأن معجزات المسيح التي تكلم عنها القرآن هي كما ذكر ابن عربي وليدة هذه الروح وميزتها، فمن الطبيعي إذاً أنَّ جموع المسلمين المعاصرة تبحث في شخص الحلاج – هذا الذي لفت أنظار الناس بتمجيد حياة التوحد الروحاني- عن ما يشبه التمثيل القرآني للمسيح(2). فهو منح الحياة لعصافير من طين وعالج الأعمى، وطهّر الأبرص، وأذهب الحمّى وحدس بما تسرّ الصدور، وأيقظ النائم وأقام الموتى وأخرج الشياطين. تشبه هاته الملازمات صفات ما قدّمه الحلاج أيضا، فقد قيل: إن الملائكة تخدمه فتحمل إليه شتاءً فواكه الصيف تماما كما كانت تحمل إلى مريم في الهيكل، وجاء في كتاب تجارب الأمم أنه يحيي الموتى وأنه يعمل ما أحبّ من معجزات الأنبياء(3) وقد جاء في آثار البلاد أنه كان يركب الأسد ويتخذ الحية سوطا، وكان يمد يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم أحدية(4)، وكان يخبر الناس بما في ضمائرهم وبما فعلوا.(5) وقد أطفأ الحلاج نار المجوس المقدسّة التي لا يطفؤها إلا المسيح(6) وأوقد يوم الجمعة أضواء كنيسة القيامة التي ليس لأحد أن يوقدها إلا الفجر الموالي ليوم عيد السبت. هذا التقاطع الحسي يتوقف على تماثل عقائدي ظاهر بوضوح. فقد حدد الحلاج القداسة على مقدار ما ذكره القرآن عن المسيح، فهي وحدة متحدّة بـ«كن»(7). تشابُهُ الحلاج بالمسيح، أو تلقيبه بالمسيح هو ما شاع بعد موته، وذلك لسبب يعود أساسا إلى صلبه والإشهار به كما صلب وأشهر بالمسيح على حسب الروايَّة الإنجيلية. فنهاية الحلاج كانت بالمعنى المجازي مسيحية إذا، فضلا عن كون بدايته على النَّحو نفسه، فقد تنبّأ أكثر من مرّة بموته كالمسيح مصلوبا. روى تلميذه أحمد ابن فاتك قائلا: كنّا بنهاوند مع الحلاج وكان يوم النيروز فسمعنا صوت البوق فقال الحلاج: أيّ شيء هذا. فقلت: يوم النيروز. فتأوّه وقال : «متى نُنَوْرَزْ» وفي رواية أخرى «متى نُنَوْرِزْ». فقلت متى تعني. قال يوم أصلب. فلمّا كان يوم صلبه بعد ثلاثة عشر سنة نظر إليّ من رأس الجذع وقال: يا أحمد نورزنا. فقلت أيها الشيخ : هل أُتْحِفْتَ،( أي تلقيت هدايا النيروز) قال بلى : أتحفتُ بالكشف واليقين، وأنا مما أتحفتُ به خجل غير أني تعجّلت الفرح(8). وقد جاء في رواية أن الحلاج تنبّأ بطريقة موته فقال:

ألا أبــلِغ أحبّــائي بأنّـي ركِبْت البحر وانكسر السـفينة

على دين الصّليب يكون موتي ولا البطـحا أريد ولا المديـنة

إن الجملة الإخبارية توحي لنا في بداية البيت الثاني أن تقديم الصليب على الموت فيه تأكيد بأن الحلاج كان على يقين بذلك، ويتأكد هذا أيضا في قول له بالإشهار والموت على الصليب.

ومن مظاهر تنبِئهِ بالصُّلب ما رواه إبراهيم ابن فاتك لمَّا قال: دخلت يوما على الحلاج في بيت له على غفلة منه فرأيته قائما على هامة رأسه(…) فلما أحس بي قعد مستويا وقال: أدخل ولا عليك، فدخلت وجلست بين يديه، فإذا عيناه كشعلتي نار. ثم قال يا بنيّ إن بعض الناس يشهدون عليّ بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية. والذين يشهدون علي بالكفر أحب إليّ وإلى الله من الذين يقرّون لي بالولاية. فقلت: يا شيخ ولم ذلك. فقال: لأن الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنهم بي والذين يشهدون عليّ بالكفر تعصّبا لدينهم. ومن تعصّب لدينه أحب إلى الله ممّن أحسن الظن بأحد. ثم قال لي: وكيف أنت يا إبراهيم حين تراني وقد صُلبت وقُتلت وأُحرقتُ، وذلك أسعد يوم من أيام عمري جميعة، ثم قال لي : لا تجلس واخرج في أمان الله(9).

تشبه هذه القصة بشكل كبير قصة المسيح حين تنبّأ بالصُّلب وبعدها طرد تلميذه بطرس. فقد جاء في الإنجيل: قال المسيح لتلامذته تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلّم ليصلب»(10) وجاء أيضا «من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثير من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم، فأخذه بطرس وابتدأ ينهره قائلا حاشاك يا ربّ، لا يكون لك هذا، فالتفت وقال لبطرس : اذهب عنّي…»

فلماذا بعد التنبّؤ مباشرة يطرد المسيح تلميذه بطرس ويطرد الحلاج تلميذه إبراهيم بن فاتك؟ هل لأن التلميذين يشكلان عنصرا مانعا لصيرورة القصة، أم هل لأنه سيغيب دورهما الفعال في منع البطلين من الموت؟ أم لأن كل من المسيح والحلاج كان يريد على طريقة التراجيديا اليونانية أن يجعل من القدر الإلهي مآلا البشرية الوحيد؟ وكيف كان بمقدورهما التكهن بالموت وطريقته؟ هل هناك راو يكون قد تدخل في بناء الحكاية واختار للبطلين هذه النهاية؟

تشبه بداية قصة صلب المسيح ونهايتها في بنيتها الحكائية إلى حد كبير بداية قصة صلب الحلاج ونهايتها. فالشكل المورفولوجي الذي يجمع القصتين ينبني كما قلنا على دعامتين مشتَرَكتين: التنبؤ وطرد التلميذ –تحقق التنبؤ. لكن هذه المسألة تجعلنا نفترض وجود وقائع أخرى ودعائم تتقاسمها الحكايتان. فإذا كانت الواقعتان متشابهتين في البداية والنهاية، أي في الرؤيا (التنبؤ) وفي التشكيل (المصير)، فلربما يكون للبنيات التي تتفاعل فيما بينهما على هذا النحو من التشابه والاتفاق؟

إن المقاربة التي سنقوم بها والتي سنطبقها على القصتين هي مقاربة مورفولوجيَّة لا تعتمد على دراسة الزمن وديناميكيته فحسب وإنَّما أيضاً على دراسة الشخصيَّات وخصوصا على دراسة البنيات السَّرديَّة. لكن ينبغي أن نشير أيضاً أنَّهُ ليس من شأن هذه المقاربة مقارنة الحكايتين، وإلا سنبقى رهائن الدراسة المقارنة. ما سنحاول إبرازه هو إيجاد بنية تاريخية عميقة مسؤولة عن إبداع الحكايتين في جوهرها الزَّمني. نصوغ السؤال بطريقة أخرى: هل هناك أصول مشتركة للواقع التاريخي للقصتين؟ للإجابة على ذلك، نحاول إيجاد البنيات التي تقاسمتها الحكايتان، ليكون لنا فيما بعد أن نستخلص ما بإمكانه مساعدتنا على تعميق نظرتنا للنسق الحكايتين.

3. دراسة التماثلات:

1.3. التماثلات البنيوية :

1.1.3. التماثلات البنيوية في حكاية المسيح: وهي تنقسم إلى إحدى عشر بنية.

1.1.1.3. المناصبة والكيد

اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا. وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب(11).

2.1.1.3. تواطؤ الشهود

و كان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه. فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. ولكن أخيرا تقدم شاهد زور وقال. هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه.فقام رئيس الكهنة وقال له أما تجيب بشيء. ما يشهد به هذان عليك. وأما يسوع فكان ساكتا(12).

3.1.1.3. المحاكمة

«و الذين أمسكوا يسوع مضوا به إلى قيافا رئيس الكهنة حيث اجتمع الكتبة والشيوخ.

4.1.1.3. تردد الحاكم في مسألة الصلب:

قال لهم بيلاطس ماذا أفعل بيسوع الذي يدعى المسيح. قال له الجميع ليصلب. فقال الوالي وأي شر عمل. فكانوا يزدادون صراخا قائلين ليصلب»(13)

5.1.1.3. تدخل المدبّر في استصدار الحكم:

«لكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرّضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويهلكوا يسوع… فكانوا يزدادون صراخا قائلين ليصلب»(14)

6.1.1.3. تدخل عنصر المرأة في طلب إعفاء:

وإذ كان جالسا (بيلاطس) على كرسي الولاية أرسلت إليه امرأته قائلة إيّاك وذلك البّارّ. لأنّي تألّمت اليوم كثيرا في حلم من أجله»(15)

7.1.1.3. قيام الليلة الأخيرة أو صلاة ما قبل الصلب (نص التوحُّد):

« وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلّى. قائلا يا أبتاه إن شئت أن تجيز عنّي هذه الكأس. ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك. وظهر له ملاك من السماء يقوّيه. وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشدِّ لجاجةٍ وصار عرقه كقطرات دمٍ نازلة على الأرض»(16).. وجاء في إنجيل يوحنَّا قوله: «تكلَّمَ يسوعُ بهذَا ورفعَ عينَيهِ نحوَ السماء وقالَ أيها الآبُ قد أتتِ الساعةُ، أنا مجَّدتُكَ على الأرضِ. العملُ الذي أعطيتَني لأعملَ قد أكملتُهُ. والآن مجِّدْني أنتَ أيها الآبُ عندَ ذاتِكَ بالمجدِ الذي كانَ لي عندَكَ قبلَ كونِ العالمِ. (…) لستُ اسألُ من أجلِ العالمِ بل من أجلِ الذينَ أعطيتَني لأنهم لكَ. وكلُّ ما هو لي فهو لكَ. وما هو لكَ فهوَ لي وأنا ممَجَّدٌ فيهم. ولستُ أنا بعدُ في العالمِ وأما هؤلاء فهم في العالمِ وأنا آتي إليكَ. أيها الآبُ القدوسُ احفظهُم في اسمكَ الذين أعطيتَني ليكونُوا واحداً كما نحنُ. حينَ كنتُ معهمْ في العالمِ كنتُ أحفَظُهُم في اسمكَ الذينَ أعطيتَني حَفِظْتُهُم ولم يهلكْ منهم أحدٌ إلا ابنُ الهلاكِ ليتمَّ الكتابُ. أما الآنَ فإني إليكَ. وأتكلَّمُ بهذا في العالمِ ليكونَ لهم فرحِي كاملاً فيهم. أنا قد أعطيتُهُم كلامَكَ والعالمُ أبغضَهُم لأنهم ليسُوا من العالمِ كمَا أني أنا لستُ منَ العالمِ. لستُ أسألُ أنْ تأخذَهُم من العالمِ بل أنْ تَحْفَظَهُم من الشريرِ. ليسوا من العالمِ كما أني أنا لستُ من العالمِ. قدِّسْهُم في حقِّكَ. كلامُكَ هو حقٌّ.(…). ليكونَ الجميعُ واحداً كما أنكَ أنتَ أيها الآبُ فيَّ وأنا فيكَ ليكونُوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمنَ العالمُ أنكَ أرسلتَني. وأنا قد أعطيتُهُم المجدَ الذي أعطيتَني ليكونُوا واحداً كما أننا نحن واحدٌ. أنا فيهم وأنتَ فيَّ ليكونُوا مكمَّلينَ إلى واحدٍ وليَعْلَمَ العالمُ أنكَ أرسلتَني وأحببتهم كما أحببتَني»

8.1.1.3. استقدامه صباحا للصلب:

«و لما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتّى يقتلوه، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي(17).

9.1.1.3. تلاوة نص الاستغفار (الدُّعاء):

«فقال يسوع يا أبتاه اغفر لهم لأنَّهم لا يعلمون ماذا يفعلون»(18)

10.1.1.3. التبرؤ من دم الضحية:

فلمّا رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئا بل بالحريّ يحدث شغب أخَذَ ماءً وغسل يديه قدّام الجمع قائلا إني بريء من دم هذا البار»(19)

11.1.1.3. انبعاثه بعد الموت

« إنه قد قام من الأموات»(20)

2.3. التماثلات البنيوية في حكاية الحلاج :

وهي تنقسم إلى إحدى عشر بنية أيضا.

1.2.1.3. المناصبة والكيد:

أثار حامد بن العباس سنة 309 هـ/ 922م عند الخليفة المقتدر قضيَّة الحلاج وأظهر للخليفة خطره العظيم إن هو بقي على قيد الحياة وأوغر صدره على علي بن عيسى ونصر القشوري لحمايتهما لهذا الصوفي الخطر(21).

2.2.1.3. تواطؤ الشهود

وأتى حامد بن العباس بالشهود يشهدون بصحَّة المحاكمة ويوافقون على الحكم. وكان الوزير قد حشد لذلك في المحكمة عدداً وافراً منهم بمعونة عبد الله بن مكرم الذي كان مشهوراً باحتراف شهادة الزُّور. وبلغ عدد الشهود أربعة وثمانين. وقد كوفئ عبدالله بن مكرم هذا بتقليده منصباً فخرياً في القضاء في الفسطاط(22).

3.2.1.3. المحاكمة

تقصَّد الوزير حامد بن العبّاس ألا يكون بين أعضاء المحكمة قاض شافعي لأن الشافعية مثل الحنبلية تقبل توبة الزنديق، أما الحنابلة فإنهم أقصوا عن المحاكمة لعدائهم السافر للدولة ولتعاطفهم مع الحلاج. فألفت المحكمة من القاضي المالكي أبي عمر الحمادي رئيسا وهو الذي كان قد وافق حامد بن العباس(23).

4.2.1.3. تردد الحاكم في مسألة الصلب:

جاء في نشوار المحاضرة أنَّ حامد بن العبَّاس كتب إلى الحاكم المقتدر مستأذناً في تنفيذ الحكم، ولكنَّه رأى منه تردُّداً»(24)

5.2.1.3. تدخل المدبّر في استصدار الحكم:

«ثم جاء حامد إليه مستأذنا في تنفيذ الحكم ولكنه رأى منه ترددا فقال: يا أمير المؤمنين، إن بقي قلَب الشريعة وارتد خلق على يده، وأدّى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء فاقتلني»، فأذن الخليفة له في قتله، وبادر حامد بتنفيذ الحكم من يومه لئلا يغير المقتدر رأيه»(25)

6.2.1.3. تدخل عنصر المرأة في طلب الإعفاء:

فوجئ نصر القشوري بالحكم، فلجأ إلى السيدة والدة المقتدر (وكانت تعرف بهذا اللقب) مستعينا بها للتوسط مع ابنها لإلغاء الحكم أو إصدار عفو عن الحلاج..أو تأجيل تنفيذ الإعدام. وتقدمت السيِّدة من المقتدر سائلةً إياه عدم تنفيذ الحكم أو تأجيله. ولكنَّ المقتدر رفض الطَّلب. غير انَّه سرعان ما يصاب بالحمَّى فيصاب بالشَّك في أمر قتل الحلاج، وينفذ إلى وزيره حامد يمنعه من تنفيذ الحكم(26). وفي نشوار المحاضرة أنَّها توسطت مانعة إبنها من قتل الحلاج إلا أن المقتدر رفض ذلك، فأُصيب بعدها بحمّى فشك في أمر قتل الحلاج.»(27)

7.2.1.3. قيام الليلة الأخيرة أو صلاة ما قبل الصلب (نص التوحُّد):

أنبأنا ابن الفتح محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الشاشي يقول: قال أبو الحديد لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحسين بن منصور قام من الليل فصلّى ما شاء الله، فلمّا كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه، ومدّ يديه نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ، وكان مما حفظت أن قال: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك. لتبدّى ما شئت من شأنك ومشيئتك، أنت الذي في السماء إله وفي الأرض إله. تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن صورة..»(28) ذكر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحدّاد المصريّ قال: لمّا كانت الليلة التي قُتل في صبيحتها الحلاّج قام واستقبل القبلة متوشحاً بردائه ورفع يديه وتكلم بكلام كثير جاوز الحفظ. فكان مما حفظته منه أن قال: نحن بشواهدك نلوذ. وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك. وأنت الذي في السماء عرشك، وأنت (الذي في السماء إله وفي الأرض إله). تتجلى كما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة والبرهان. ثم أوعزتَ إلى شاهدك الأنيّ في ذاتك الهويّ. كيف أنت إذا مثّلت بذاتي، عند عقيب كرّاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعداً في معارجي إلى عروش أزلياتي، عند القول من بريّاتي. إني أُخذت وحُبست وأُحضرت وصُلبت وقُتلت وأُحرقت واحتملت السافيات الذاريات أجزائي. وإنّ لذرّةً من ينجوج مظانَّ هاكول متجليّاتي اعظم من الراسيات(29).

8.2.1.3. استقدامه صباحا للصلب:

فلمَّا كان صباح الثلاثاء، أخرج الحلاج إلى ساحة الإعدام بباب خراسان على الضفَّة الغربية من دجلة، واجتمع عليه خلق كثير. ثمَّ تلي أمر الخليفة المقتدر(30). قال عبد الرؤوف بن محمد المناوي في كتاب الكواكب الدرية(31) في سيرة الحلاج: وقال الحلواني: قدم الحلاج للقتل وهو يضحك فقلت: يا سيدي ما هذا الحال. قال: دلال الجمال، الجالب إليه أهل الوصال.

9.2.1.3. تلاوة نص الاستغفار (الدُّعاء):

عن إبراهيم بن فاتك قال: لما أُتي بالحسين بن منصور ليصلب رأى الخشبة والمسامير فضحك كثيراً حتى دمعت عيناه. ثم التفت إلى القوم فرأى الشبليّ فيما بينهم فقال له: يا أبا بكر هل معك سجادتك. فقال: بلى يا شيخ. قال: افرشها لي. ففرشها فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين وكنت قريباً منه. فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى (لنبلونَّكم بشيءٍ من الخوف والجوع) الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب وقوله تعالى (كل نفس ذائقة الموت) الآية، فلما سلم عنها ذكر أشياء لم أحفظها وكان مما حفظته: اللهم إنك المتجلي عن كل جهة، المتخلي من كل جهة. بحق قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك. وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي. فإنّ قيامي بحقك ناسوتيّة، وقيامك بحقي لاهوتيّة. وكما أنّ ناسوتيّتي مستهلكة في لاهوتيّتك غير ممازجة إياها فلاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير مماسّة لها. وبحق قِدَمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة التي أنعمت بها عليَّ حيث غيّبت أغياري عمّا كشفت لي من مطالع وجهك وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرّك، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصُّباً لدينك وتقرُّباً إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لَما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لَما ابتُليتُ. فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد، ثم سكت وناجى سراً. (32)

10.2.1.3. التبرؤ من دم الضحية:

في الغد جاء حامد بن العباس إلى ساحة الإعدام كأنه خشي انتقام النَّاس في مستقبل الأيَّام. فحاول أن يبرِّئ ساحته وساحة الخليفة وساحة صاحب الشُّرطة من كل تبعة. فدعا الشُّهود الذِّين كانوا قد صدَّقوا على وقائع المحاكمة من قبل، وكانوا مجتمعين حول مقدِّمهم ابن مكرم، وطلب منهم بصوتٍ عالٍ أن يعلنوا موافقتهم على حكم الإعدام. فصاحوا قائلين: «نعم اقتله، ففي قتله صلاح المسلمين، ودمه في رقابنا»(33)، ثمَّ قال لهم : « أمير المؤمنين برئ من دمه»، قالوا «نعم»، قال: «أنا بريء من دمه»، قالوا «نعم»، قال: «وصاحب الشُّرطة بريءٌ من دمه،» قالوا: «نعم»(34). ثمَّ أنزل الحلاجُ عن الجذع وقدِّمَ أمام السَّيَّاق»(35)

11.2.1.3. انبعاثه بعد الموت:

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب حدثنا عبيدالله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال، قال لنا أبو عمر ابن حيويه:»..لمّا أخرج الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس ولم أزل أزاحم حتى رأيته فقال لأصحابه لا يلهونكم هذا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. قال السواسطي(36): هذا الإسناد صحيح لا يشك فيه.

وزعم بعض أصحاب الحلاج أن المضروب عدو الحلاج ألقى شبهه عليه، وادعى بعضهم أنهم رأوه في ذلك اليوم بعد الذي عاينوه من أمره، والحال الذي جرت عليه، وهو راكب حمارا في طريق النهروان ففرحوا به، وقال لعلكم مثل هؤلاء البقر الذين ظنوا أني أنا المضروب والمقتول. وممّا يفتعل عليه أنّه قال للّذين قتلوه: أتظنون أنَّكم إيّاي تقتلون؟ إنمّا تقتلون بغلة المادراني وأنّ البغلة وجدت في إسطبلها مقتولة(37). وفي الكامل ذكر ابن الأثير أنَّ الحلاج لمّا صار رماداً، أُلقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، وأُرسل إلى خُراسان لأنّه كان له بها أصحاب، فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنّه لم يُقتل، وإنّما أُلقي شبه على دابّة، وإنّه يجيء بعد أربعين يوماً؛ وبعضهم يقول: لقيتُه على حمار بطريق النَّهروان، وإنّه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذي يظنّون أنّي ضُربت وقُتلت.

نلاحظ أن الأحداث في قصتي المسيح والحلاج متشابهة إلى حدٍّ كبيرٍ جٍدًّا، فالشخصيات داخلها تؤدي الأدوار نفسها، والنُّصوص متشابهة لا سيما في طريقة تناول فكرة التوحد مثلاً التي كثيرا ما ينادي بها المتصوِّفة.

2.3. التماثل الرَّمزي:

لا بدَّ أن نشير قبل أن نخوض في مختلف التماثلات أن بين اسمي المسيح والحلاج علاقة جد غريبة. نعرف جيدا أن مصطلح المسيح مستخرج من الأصل الثلاثي مسح. سمي بذلك لأن الرجل إذا أراد أن يتبرك مسح بيديه على رداء المسيح. فالتيمن الروحاني قد يكون من طريق ما يرتديه النبي.(38) أما الحلاج فهو مستخرج من أصل يدل على نوع من أنواع النسيج. يقول الخطيب البغدادي إنما سميّ الحلاج لأنه دخل واسطا فتقدم إلى حلاج وبعثه في شغل له، فقال له الحلاج: أنا مشغول بصنعتي. فقال: اذهب أنت في شغلي حتى أعينك في شغلك، فذهب الرجل فلما رجع وجد كل قطن في حانوته محلوجا، فسمي بذلك الحلاج»(39). وجاء في المصدر نفسه أن الحلاج كان بالأوقات يلبس المسوح، وبالأوقات يمشي بخرقتين(40). إذاً نلاحظ أن لمفردتي الحلاج والمسيح تقارب دلالي رمزي عميق.

3.3. التماثل الزَّمني:

1.3.3. زمن ما قبل الصلب:

1.1.3.3. زمن ما قبل صلب المسيح:

ينقسم زمن ما قبل الصلب إلى قسمين. يمتد الزمن الأول إلى غاية نبوءة الصلب عند المسيح، وهو زمن يخص أحداث حياة المسيح قبل أن يصبح رهن الصلب، وفي هذا الزمن تتراكم الأحداث الخاصة بالمعرفة الدينية والروحانية. أما الزمن الثاني فهو زمن تبتدئ حركيته انطلاقا من ورود الصلب في نبوءة المسيح ثم من محاكمته وإحالته لذلك. ويتمثل في الجملة الواردة في إنجيل متّى في الإصحاح السادس والعشرين «ولمّا أكمل يسوع هذه الأقوال كلّها قال لتلاميذه. تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلَّم ليُصْلَبَ»(41). فزمن ما قبل الصلب يعادل يومين.الحاصل الزمني لجميع هاته الأحداث 33 سنة، طبقا لما يُذكر من أن المسيح عاش هذه المدة(42).

2.1.3.3. زمن ما قبل صلب الحلاج:

ينبغي أن نكون حذرين في التعامل مع الزمن المتعلق بصلب الحلاج. ونحن مجبورون أن نسرد أهم أزمنته التاريخية. ولد الحلاج سنة 232 للهجرة. تنبّأ سنة288هـ/ 900 ما بعد ميلاد المسيح أنه سيصلب وكان ذلك يوم النيروز. وفي سنة301 للهجرة/ 913 للميلاد صلب صلب الإشهار وذلك بأمر من وزير المقتدر علي بن عيسى القنّاني، وفي رواية أخرى أنه صلب صلب الموت43، وفي يوم الثلاثاء 24 ذو القعدة 309هـ/ 26 مارس 922 أي بعد تسع سنين يصلب صلب الموت.

إن زمن السنة الميلادية وزمن السنة الهجرية متفقان في مسافتهما لأن المدة التي نشتغل ضمنها أي فترة ما قبل الصلب وزمن تنفيذ الصلب لا تستوجب تجاوز أحد الزمنين الآخر.

يمكن أن نقسم زمن ما قبل صلب الحلاج إلى قسمين. الزمن الأول ينسحب على كامل فترة حياته إلى غاية محاكمته. والزمن الثاني تتوقف بداية حركيته انطلاقا من محاكمته وإحالته للصلب.

يبتدئ الزمن الثاني من إحساس الحلاج وتكهنه بأنه سيصلب. وقد كان ذلك قبل ثلاث عشرة سنة. «لمّا كان يوم صلبه بعد ثلاثة عشر سنة من قوله «متى نُنَوْرَزْ» أي يوم صلبه، نظر إلى أحمد بن فاتك من رأس الجذع وقال: يا أحمد نورزنا(44). هذا النص يدل دلالة قاطعة أن مسألة الصلب بالنسبة للحلاج كانت بديهية ومتوقعة. لكن ما الدافع الذي جعل الحلاج يتوقع ذلك؟ هل فكرة الصلب لم تزل تعبر في الفكر الشرقي آنذاك بما في ذلك الفكر الإسلامي عن تخليص الروح من الجسد وإلحاقها بالذات العليا فيتحقق التوحد ولاسيما أن الحلاج من دعاة التوَّحد(45)، غير أنه لم يمت في هاته الفترة وإنما صلب مرّة أخرى وكان ذلك سنة309 هـ/922 م. وبالتالي فزمن ماقبل الصلب يعادل 22 سنة.

2.3.3. زمن الصلب:

1.2.3.3. زمن صلب المسيح:

بقي المسيح على صليبه حيّا مدة ثلاث ساعات: (ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كلّ الأرض إلى السّاعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني لماذا تركتني. فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح» (إنجيل متّى 27/45-50). ينبغي أن نشير إلى مسألة مهمة وهو أن زمن صلب المسيح كان متمثلا في يوم الفصح.

2.2.3.3. زمن صلب الحلاج:

بقي الحلاج على صليبه حيّا مدّة ثلاثة أيام؛ «روي عن الشيرازي أنه قال لمّا صلب الحلاج بقي ثلاثة أيّام لم يمت فأنزلوه وفتشوه ووجدوا معه ورقة مكتوبة بخطّه وفيها (آية الكرسي) وبعدها هذا الدعاء: اللهم ألق في قلبي رضاك، واقطع رجائي عمن سواك، وأعنّي باسمك الأعظم وأغنني بالحلال عن الحرام وأعطني ما لا ينبغي لأحد غيري بحمعسق، وأمتني شهيدا بكهيعص»(46). نشير بالموازاة إلى ما سبق أن زمن صلب الحلاج كان ممثلا في يوم عيد النيروز. وهو يوم سابق في نبوءته؛ إذ قال متى ننورز أي متى نصلب.

3.3.3. زمن الانبعاث والعودة :

1.3.3.3. زمن الانبعاث والعودة : قال المسيح وهو حي : إني بعد ثلاثة أيام أقوم

2.3.3.3. زمن الانبعاث والعودة : قال الحلاج: إني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما.

تنبأ المسيح بصلبه قبل يومين من ذلك، أما الحلاج فقد تنبأ في سنة 280 للهجرة بصلبه قبل 13سنة من صلب الإشهار وقبل 22 سنة من صلب الموت(47). ويكون العدد 22 ضعفا لليومين. أي أن يومين تنبّأ فيهما المسيح يقابل 22 سنة تنبّأ فيها الحلاج.

بقي المسيح معلقا على صليبه دون أن يموت ثلاث ساعات، أما الحلاج فقد بقي حيّا أيضا ومعلّقا على صليبه ثلاثة أيام. نلاحظ ههنا ظاهرة المضاعفة نفسها تتكرر. فساعة في صليب المسيح تعادل يوما في صليب الحلاج.

أما في إشارة المسيح إلى قيامه فقد حدّد قيامه بثلاثة أيام أما الحلاج فقد حدّد قيامه بثلاثين يوما، فتكون مدة اليوم في قيامة المسيح بمقدار 10 أيام في قيامة الحلاج.

مات المسيح وعمره 33 سنة ومات الحلاج وعمره 77 سنة. فيكون الفرق بينهما في الحياة 44 سنة. ونلاحظ هنا نفس الرقم يتكرر فضلا عن الرقم المتكرر في عمري المسيح والحلاج. غير أنَّ الاختلاف يكمن في مسألة إلقاء الشَّبه التي لا نجدها في حكاية المسيح من خلال الإنجيل بينما نجده في حكاية الحلاج. والواقع أن النص القرآني يقرُّ بذلك. وبالتالي يمكن الحكم على أن مسألة إلقاء الشبه على الحلاج مستمدَّة من أصول إسلامية وليست مسيحية(48).

4.3. التماثل السردي:

في التمثيلين الآتيين نلاحظ كيف أن البنيات السياسية الدينية المعرفية والاجتماعية تتطابق فيما بينها. حيث تمثل المعرفة خطرا على السياسة فتتدخل السلطة الدينية لتفصل الأمر لحساب السياسة. بينما يذهب رمز المعرفة المتمثل في الشخصيتين ضحية هذا الحساب. أما السلطة الاجتماعية فليس لها أي تأثير على مستوى أخذ القرار، وإنما نلاحظ أن تأثيرها كان فقط متمثلا في تدخل عنصر المرأة في توجيه قرار الحاكم. إلا أن الحاكم يخضع أخيرا إلى السلطة الدينية سواء بموجب الخوف من أن تنقلب السلطة الدينية على سادة الحكم وذلك ما تمثّل في خوف بيلاطس من انقلاب الكتبة ورؤساء الكهنة عليه، وفي خوفه أيضا من تحريض الكهنة الشعب على حرب الرومان لاسيما وأنها لم تكن آنذاك سوى قوة حاكمة في المنطقة، أو بموجب الخوف من أن تنتشر إيديولوجيا المعارضة بين أوساط الجماهير فتنقلب على الحاكم كما هو الحال في خلافة المقتدر التي عرفت ثورة القرامطة. فاتهم الحلاج بأنه «لو بقي قلب الشريعة وارتد خلق على يده»(49). يصف سامي مكارم ذلك بقوله: كانت الدولة العباسية تقف من الحلاج موقف الخشية والريبة، فقرر علي بن محمد بن الفرات سنة 299 هـ/ 911-912 م – وهي السنة نفسها التي تأسست فيها الخلافة الفاطمية في المغرب(50)، أن يلقي القبض على الحلاج، وكان قد وشى به رجل من أهل البصرة، ولكن السلطة لـم تتمكن من القبض عليه إلا سنة 301 هـ/ 913-914 م، وذلك في بلدة السوس بالأهواز.(51) يبدو من خلال ما سبق أن المسيح والحلاج عاشا في ظروف جد متشابهة على المستوى السياسي خصوصاً.

1.4.3. في طبيعة الشخصيات ولعب الأدوار:

إن فعل تبين الحكايتين على نحوٍ واحدٍ وبطريقةٍ مقنَّنة يتيح لنا فرصة قراءةِ عميقةٍ ونافذة في النص، وأكثر من ذلك يمنحنا حساسية الاستجابة إلى واحدية النَّص بدلا من الاستجابة إلى تعدُّديته. ذلك لأن البناء المتكامل والمتماثل لحكايتين كلُّ واحدةٍ على حده، يتوقف على مدى تطابق الوظائف الحكائية فيما بينها. أي أن النص لا يتيح فقط إمكانية لفعل التأويل على المستوى الموضوعي وممارسة تعددياته وإنما يتيح أيضا إمكانية قصوى في تأويل البنيات الوظيفية على نحو واضح ومتشابه. «وراء كل نص نجد نظاما لغويا، وكل البنيات التي تتكرر أو يعاد إنتاجها في النص، وكل ما من شأنه أن يضاف من خارج النص يطابق هذا النظام. ولكن في الوقت ذاته، كل نص بصفته منطوقا هو نص متفرد، واحد وغير منتَج، وهنا بالضبط يكمن معناه، أي لماذا تم إبداعه؟. انطلاقا من ههنا، فإن النص يحيل إلى الحقيقة، الواقع، إلى التاريخ. إن البنيات المتكررة والمنتجة وبشكل ثانوي تمثل بالنظر لما سبق مجرد مواد ومستخدمات»(52)

يعتبر التحليل السردي أن الشخصية جوهر، وقد حوّل بروب الشخصيات إلى مجموعة من النماذج البسيطة مؤسسة على وحدة الأفعال التي تهبها القصة للشخصيات (البطل، المساعد، الشرّير…) وعلى الرغم من إدراكنا أنه ليس ثمة قصة دون شخصيات أو عوامل فإن بروب اهتم بـالوظائف أكثر من اهتمامه بالشخصيات .

تساعدنا نظرية بروب على فهم شامل للانتظام الذي تحققه الوظائف في الحكاية الشعبية، وهي وظائف ساعدت على خلق بنية سردية قارة للحكاية. إنها تشكل بمفهوم كلود بريـمون منطقا خاصا بالحكي ينبني على وحدة قاعدية أو نواة سردية تحكم النص. يمكن فهم هذه الوظائف على ضوء مسيرة بطل الحكاية. ففي نسقها نستطيع معرفة العوامل المتحركة والمحركة داخل النص. كما يمكن فهم الشخصيات على ضوء مسيرة المسيح والحلاج. فهناك العامل الذات Sujet الذي يتمثل في شخصية (قيافا رئيس الكهنة وحامد ابن العباس) أي هو العامل الأقوى في تحريك الموضوع أي البطل إلى غاية نهايته المأساوية. أمَّا العامل الموضوع Objet المتمثل في شخص كل من (المسيح والحلاج) فلكأنَّما هو الوحيد الذي ليس بإمكانه التدخل في نسج القصَّة..إنه عامل مشلول وغير قابل للتَّحرك) وهذا ما نلاحظه حين يرفض كلاهما الدفاع عن نفسه. ويمثل عنصر المرأة (زوجة بيلاطس – أم المقتدر) عاملا معاكساً لصيرورة البطل، بينما يمثل عنصر الحاكم (بيلاطس-المقتدر) عاملا مساعداً على تحرُّكه وصيرورته في ديناميكية الحكاية. يقابل كلُّ عاملٍ من العوامل المختلفة في النَّص الشخصَ بما في ذلك نوعيته، طبيعته وثقافته. يقابل أيضا الطبقةَ الاجتماعيةَ ونوعيتَها، وأخيراً السلطةَ التي يمثلها سواء رمزياً أو سياسيا.

يمكن أن نستنتج أن البنيات في كل من قصتي المسيح والحلاج متشابهة جدًا، ويمكن أن نستنتج أن هناك جهة مسؤولة عن إنتاج ما يشبه هذا النوع من القصص. ولا نعتقد ههنا بالجهة المسؤولة شخصاً ما، وإنَّما مجموعة التقاليد والمعارف التي تهيِّءُ للرَّاوي نوعاً خاصًّا من الإنباء الحكائي.

فالمدرسة الميثولوجية ترتكز على فكرة مفادها أن التشابه الخارجي بين ظاهرتين تشهد صلتهما التاريخية53. فطريقة تطوُّرِهما قد تكون على ما يشبه نموَّ الأحداث بشكل مختلف عيانا ولكن متشابه رمزاً وإيماءً وعمقاً. يمكن أن نفسِّرَ ذلك على نحوٍ آخر, فلقد وجدت منذ مدّة طويلة فكرة وجود علاقة بين الحكاية من جهة ونسق العادات والدين من جهة أخرى. وتظهر المؤسسة الدينية في عدّة وجوه ومظاهر ثقافية؛ وعلاقة الحكاية بها يمكن دراستها كمسألة ذاتية، تنحدر أساسا من العلاقة بين الحكاية والمؤسسات الاجتماعية(54)..

وبالتالي إذا استطعنا يقول فلاديمير بروب أن نظهر هذه العادات، فإن أصول هذه الغايات يمكن تفسيرها إلى حدٍّ ما. فدراسة العلاقة بين الحكاية والتقليد قد تساعدنا على فهم جيدٍ لبنيات من قبيل ما وجدناه في قصتي المسيح والحلاج. ويمكن على ضوء هذا التَّحليل أن نجزمَ أنَّ العادات التِّي ميَّزت الشرق الأوسط بمعزل عن الدِّين هي المسؤولة عن إنتاج قصص من مثل ما درسنا. إن الأسطورة والحكاية لا يختلفان في شكلهما وإنما في وظيفتهما الاجتماعية، وتعتمد الوظيفة الاجتماعية للأسطورة على الدرجة الثقافية للمجتمع(55). لكن في هذه الدِّراسة ألقينا الضوء على الزَّمنية والتقليد اللَّذين تبرز فيهما الوظيفة الاجتماعية كأداة لتحقيق مصير البطلين في الحكايتين.

4. خاتمة:

في الواقع، تعتبر هذه الدراسة بمثابة استقراء ورصد لمختلف البنيات التي تحدد الشكل المورفولوجي للحكايتين. يبقى على الأقل من خلال هذه الدراسة استنتاج الحركية السردية وكل ما يتعلق بالزَّمنية في النَّص. كما يبقى هاذان النَّصان رهن الدراسات السيميائية التي بإمكانها تقديم دراسة وافية للموضوعين. يمكن في الأخير أن نمثِّل علاقة الشخصيات في الحكايتين معا بتمثيل بياني تظهر فيه التمركزات المحدَّدة للشخصيَّات بمعانيها ودلالاتها المتشابهة إلى حدِّ التطابق.

========================================= 

مراجع

1. إنجيل العهد الجديد.

2. التَّنوخي (القاضي أبو علي الحسن بن علي) ، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، تحقيق عبُّود الشَّالجي، 1971.

3. الخطيب البغدادي (الحافظ أبو بكر أحمد بن علي)، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، مكتبة الخانجي بالقاهرة، المكتبة العربية ببغداد ومطبعة السَّعادة بمصر.

4. ابن السَّاعي البغدادي (تاج الدين أبو طالب علي ابن أنجب)، كتاب أخبار الحلاج، تحقيق موفق فوزي الجبر، دمشق، دار الطليعة الجديدة، ط2، 1997.

5. القزويني (زكرياء بن محمد بن محمود)، آثار البلاد وأخبار العباد، ط دار صادر، دار بيروت، بيروت، 1960.

6. لويس ماسينيون، المنحنى الشَّخصي لحياة الحلاج، شهيد الصُّوفية في الإسلام، منشور في كتاب شخصيَّات قلقة في الاسلام، لعبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط3، 1978.

7. مسكويه (أبو علي أحمد بن محمد)، كتاب تجارب الأمم، شركة التمدن الصناعية، مصر، 1914.

8. المعرِّي أبو العلاء، رسالة الغفران، تحقيق د. علي شلق، دار القلم، بيروت، ط3، 1981.

9. مكارم سامي، الحلاج فيما وراء المعنى والخط واللون، رياض الريس للكتب والنشر، لندن.

 

1. Mikhaïl Bakhtine, Esthétique de la création verbale, Paris, Gallimard, 1984.

2. René Guenon, Le symbolisme de la croix, Editions de la maisnie, 1984.

3. Louis Massignon,

a. Akhbar al-hallaj, recueil d’oraisons et d’exhortations du martyr mystique de l’islam (usayn Ibn Mans?r (all(j, Paris, Librairie philosophique J.Vrin, 1957.

b. La passion de H?usayn Ibn Man(?r Al-(?all?j, Martyr mystique de l’Islam exécuté à Bagdad le 26 mars 922, Etude d’histoire religieuse, Tome III, La doctrine de H?all?j, éd Gallimard, 1975.

c. Recueils des textes inédits. Concernant l’histoire de la mystique en pays de l’Islam. (Collect, de textes inédits, 1) Paris, Geunthner, 1930.

4. Vladimir Propp, Les racines historiques du conte merveilleux, trad. L. Cruel Apert, Paris, Gallimard, 1983.

 

1 النصوص اقتطفتها من الأناجيل الأربعة والتي تروي قصة صلب المسيح، أما النصوص التي تروي قصة صلب الحلاج فقد اقتطفتها من كتب التاريخ المختلفة. اقتصرنا على النص الإنجيلي دون القرآني نظراً لاختلافهما في مسألة بعض الجوانب المتعلقة بمصير المسيح. ففي القرآن الكريم لم يصلب وإنما شُبِّهَ لهم. بينما يوحي الانجيل أنَّه صلب.

2 Louis Massignon, La passion de H?usayn Ibn Mans?r Al H?all?j, Martyr mystique de l’Islam exécuté à Bagdad le 26 mars 922, Etude d’histoire religieuse, Tome III, La doctrine de H?all?j, éd Gallimard, 1975. p. 232.

3 أبو علي أحمد بن محمد مسكويه، كتاب تجارب الأمم، ج1، شركة التمدن الصناعية ، مصر ، 1914، ص76

4 أي أنه مكتوب عليها «قل هو الله أحد».

5 زكرياء بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، ط دار صادر، دار بيروت، بيروت 1960، ص165. وفي الواقع، إن المسلمين رأوا في الحلاج الصُّورة الكاملة للمسيح فالتقاربات التي كانت موجودة بينهما توحي إلى حدٍّ بعيد ثقافة التأليه والحلولية التي طالما كانت تسيطر منذ العهد التَّموزي وعبر مختلف حضارات الشَّرق الأوسط بما في ذلك الحضارة البوذية في ثقافة المجتمع الشرقي. وقد كان ابتداء حال الحلاج كما جاء في الكامل لابن الأثير أنّه كان يُظهر الزهد والتصوّف، ويُظهر الكرامات، ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمدّ يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب: (قل هو الله أحد)، ويسمّيها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلّم بما في ضمائرهم، فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، وبالجملة فإنّ الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح، عليه السلام، فَمِنْ قائل أنّه حلّ فيه جزء ألهيّ، ويدّعي فيه الربوبيّة، ومِن قائل أنّه وليّ الله تعالى، وإنّ الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ومِن قائل إنّه مشعبذ، وممَخرق، وساحر كذّاب، ومتكهّن، والجنّ تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها. راجع ابن الأثير، الكامل في التاريخ، فصل في ذكر قتل الحسين الحلاّج.

6 حكى أبو القاسم بن كجّ أن جمعا من الصوفية ذهبوا إلى الحسين بن منصور وهو بِتستر، وطلبوا منه شيئا. فذهب بهم إلى بيت المجوس فقال الديراني: إن الباب مغلق ومفتاحه عند الهربد. فجهد الحسين فلم يجبه، فنفض الحسين كمّه نحو القفل فانفتح، فدخلوا البيت، فرأوا قنديلا مشتعلا لا ينطفئ ليلا ولا نهارا، فقال: إنها من النار التي ألقي فيها الخليل عليه السلام. نحن نتبرك بها وتحمل المجوس منها إلى جميع بلادهم. فقال له: من يقدر على إطفائها؟ قال: قرأنا في كتابنا أنه لا يقدر على إطفائها إلا عيسى ابن مريم، عليه السلام. فأشار الحسين إليها بكمّه فانطفت، فقامت على الديراني القيامة وقال : الله الله. قد انطفت في هذه الساعة جميع نيران المجوس شرقا وغربا. راجع هذا النص في المرجع السابق. زكرياء بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد, ص166.

7 Louis Massignon, La passion de H?usayn Ibn Mans?r Al H?all?j, p. 232-233.

8 Louis Massignon, Akhbar al-hallaj, recueil d’oraisons et d’exhortations du martyr mystique de l’islam Husayn Ibn Mansur Hallaj, Paris, Librairie philosophique J.Vrin, 1957, p. 44-45.

9 المرجع نفسه، ص. 14. 15.

10و لمَّا كان الصَّباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتَّى يقتلوه، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي. راجع إنجيل متَّى 1/76.

11 إنجيل متَّى 26/3

12 إنجيل متَّى 26/59-63

13 إنجيل متَّى 27/22-23

14 إنجيل متَّى 27/20-23

15 إنجيل متَّى 27/19

16 إنجيل لوقا 22/41-44

17 إنجيل متَّى 76/1

18 إنجيل لوقا 23/34

19 إنجيل متى 27/24

20 إنجيل متى 28/7

21 سامي مكارم، الحلاج فيما وراء المعنى والخط واللون، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ص45.46.47.

22 راجع سامي مكارم، ص51، راجع أيضا ماسينيون «المنحنى الشَّخصي لحياة الحلاج، شهيد الصُّوفية في الإسلام»، منشور في كتاب شخصيَّات قلقة في الاسلام، لعبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط3، 1978. ص. 77.

23 انظر تعليق سامي مكارم. المرجع نفسه، الصفحات نفسها.

24 القاضي أبو علي الحسن بن علي التَّنوخي (م 384 هـ)، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، تحقيق عبُّود الشَّالجي، 1971، ج1، ص. 164.

25 المرجع نفسه.

26 راجع سامي مكارم. ص. 52.

27 القاضي التَّنوخي، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، ج1/164

28 الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (463 هـ)، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، المجلد 8، مكتبة الخانجي بالقاهرة، المكتبة العربية ببغداد ومطبعة السَّعادة بمصر، 1931، ص. 129.

29 تاج الدين أبو طالب علي ابن أنجب ابن السَّاعي البغدادي م 674هـ، كتاب أخبار الحلاج، تحقيق موفق فوزي الجبر، دمشق، دار الطليعة الجديدة، ط2، 1997، ص. 65.

30 سامي مكارم، ص. 54.

31 انظر مخطوط بيت النقيب ببغداد.

32 ابن السَّاعي، كتاب أخبار الحلاج، ص. 63.64.

33 ماسينيون، المنحنى الشَّخصي، ص. 87.

34 Louis MASSIGNON, Recueils des textes inédits. Concernant l’histoire de la mystique en pays de l’Islam, (Collect, de textes inédits, 1) Paris, Geunthner, 1930. pp. 63-64.

35 سامي مكارم، ص. 61.

36 ذكره صاحب تاريخ بغداد باسم السوانيطي.

37 أبو العلاء المعرِّي، رسالة الغفران، تحقيق د. علي شلق، دار القلم، بيروت، ط3، 1981 ، ص. 228.

38 . ونحن نعرف جيّدا قيمة البردة التي أهداها النبي لكعب بن زهير وهي مقدَّسة لدى المسلمين، وقيمة النسيج الذي ترتديه الكعبة، فقد كان يؤتى بالنسيج من الهند ومن الحبشة لجعلها أستارا لها.

39 الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ص. 114.

40 المرجع نفسه، ص. 112.

41 إنجيل متّى 26/1-2

42 في هذا الأمر اختلاف كبير، إلا أن المسيحيين يقرُّون بصلبه وعمره 33 سنة لكي يتكافأ هذا العدد مع رمزية التثليث. فالمسألة إذا رمزية على أكبر تقدير.

43 وفي رواية أخرى أنه صلب صلب الموت راجع ص.64 من كتاب Recueil de textes inédits لصاحبه L.Massignon

44 Louis Massignon, Akhbar al-h?all?j, pp. 44-45.

45 يعتقد غينون في كتابه رمز الصليب أن هذا الرمز يمثل الاحتواء الشامل للفضاء. إنه يعبر عن وحدة النقائض ويشير إلى الشمولية والكمال. حينما كانت المخطوطات القديمة تبحث لتمثيل العالم، كانت تجمع الفضاءات الأربع حول المركز في شكل صليب يوناني أو مالطي.

R. Guenon, Le symbolisme de la croix, Editions de la maisnie, 1984. p. 48

46 L. Massignon, Recueil de textes inédits, p. 64.

47 فَيَكُون رقم 13 مطابقا تماما لعدد الأغلال التي كان يحملها في قدميه، فقد وضع في رجلي الحلاج ثلاثة عشر قيدا وصلت إلى ركبتيه.

48 كما هو الأمر في باقي البنيات الحكائية الأخرى. بطريقة أخرى، يمكن أن نقول: إن تدخل البنية «إلقاء الشبه» كما نلاحظ ذلك كان استمراراً لعملية إنتاج البنى نفسها التي رأيناها فيما سبق. لقد كانت صورة المسيح حاضرةً في أذهان مؤرِّخي الحكاية حتَّى بعد نهايته، ولذلك فإن حكاية الحلاج تبدو غريبةً إلى حدٍّ ما، لأنَّها تبدو كنسخة طبق الأصل لحكاية المسيح الموجودة في الإنجيل. الاختلاف الوحيد يكمن في مسألة إلقاء الشبه التي نلاحظ أنها تأتي من مصدر معرفي ديني إسلامي بحت، وبذلك تكون شخصية الحلاج إحدى البنى الوظيفية التي تتطابق مع قصة المسيح الإنجيلية والإسلامية.

49نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، ج1/164.

50 نلاحظ أن الخلافة الفاطمية بدأت تبث الرعب في أوساط الخلافة العباسية، فقامت هذه الأخيرة بحجز الحلاج كإعلان حالة تأهب ضد كل المعارف التي لا تمثل المذهب المالكي الذي يوحد الخلافة.

51 سامي مكارم، ص. 32.

52 Mikhaïl Bakhtine, Esthétique de la création verbale, Paris, Gallimard, 1984, p. 313.

53في الواقع، يعتبر التماثل شيء والعلاقة التاريخية شيء آخر. فنمو ظاهرة البطل السريعة يكون في الواقع من ساعة إلى أخرى وليس من يوم إلى آخر كما يمثل لذلك فلاديمير بروب، تماما كظاهرة الشمس وهي صاعدة نحو السماء، فهي تبدو بالنسبة إلى العين وكأنها ذات حجمٍ ضخم فإذا توسَّطت في كبد السماء صارت بحجم أقل، لكن هذا لا يعني في الواقع أن نموها الزمني يقل وإنما بالعكس، إنه يتقدَّم.

Vladimir PROPP, Les racines historiques du conte merveilleux, trad. L. Cruel Apert, Paris, Gallimard, 1983, p. 15.

54 المرجع نفسه، ص. 21-22.

55 المرجع نفسه، ص. 27.

الهواري غـــزالي – مجلة نزوى الثقافية

 

التزوير في كتابة الاحاديث النبوية الشريفة

الدس والتدليس والتزوير في كتابة الاحاديث النبوية الشريفة

كان الوضع و التزوير من اهم اسباب الوهن في التفسير الماثور فقد كانت الدواعي متوفرة للدس و الاخـتـلاق فـي الـماثور من التفسير, الى جنب الوضع في الحديث , فهناك اسباب سياسية و اخرى مـذهـبية و كلامية , و ربما عاطفية , كانت عن قصور النظرلا عن سؤ نية و العمدة ان القرآن كان المحور الاساسي الذي يدور عليه رحى الدين و السياسة و السلوك آنذاك , فلابد لكل منتحلي مسلك مـن الـمـسـالك ان يتشبث بعرى القرآن , و يجعل من آياته الكريمة وسيلة ناجعة , لبلوغ اهدافه ان خـيـرا و ان شـرا,الامر الذي جعل من سوق الكذب و التزوير في التفسير و الحديث رابحة ذلك العهد.

و فـي ذلـك يـقـول الامـام الشيخ محمد عبده : و توالت الاحداث بعد الفتنة الكبرى , و نقض بعض المبايعين للخليفة الرابع الامام امير المؤمنين (ع ) ما عقدوا, و كانت حروب بين المسلمين انتهى فيها امر السلطان الى الامويين بـهـم الـمذاهب في الخلافة , و اخذت الاحزاب في تاييد آرائهم , كل ينصررايه على راى خصمه بالقول و العمل , و كانت نشاة الاختراع في الرواية و التاويل , و غلا كل قبيل

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية

الاف الاحاديث وضعها الزنادقة

ذكـروا لـوضـع الـحديث و الكذب على رسول اللّه (ص ) و على اصحابه الخيار والائمة الاطهار اسبابا كثيرة , ناتي على اهمها :

1ـ مـا وضـعه الزنادقة اللا بسون لباس الاسلام غشا و نفاقا, و قصدهم بذلك افساد الدين و ايقاع الخلاف و الافتراق بين المسلمين

قال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة اربعة آلاف حديث

قال ابورية : هـذا بـحسب ما وصل اليه علمه و اختباره في كشف كذبها , والا فقد اكثر الزنادقة من وضـع الاحـاديث في اعداد هائلة فهذا عبدالكريم بن ابي العوجا ـ و كان خال معن بن زائدة و ربيب حـمـاد بـن سـلمة , و كان يدس الاحاديث في كتب حماد ـ فلما اخذ و اتي به الى محمد بن سليمان بـن عـلـى , فـامر بضرب عنقه لزندقته , فلما ايقن بالقتل قال : و اللّه لقد و ضعت فيكم اربعة آلاف حـديـث احـرم فـيها الحلال و احل فيها الحرام و لقد فطرتكم في يوم صومكم و صومتكم في يوم فطركم فهذا زنديق واحد يضع آلاف حديث , فكيف بغيره و هم كثيرون

و ايضا روى حماد بن زيد عـن جـعفربن سليمان , قال : سمعت المهدي يقول : اقر عندي رجل من الزنادقة انه وضع اربعمائة حديث , فهى تحول في ايدي الناس .

كـمـا روى ابـن الـجوزي باسناده الى حماد بن زيد, يقول : وضعت الزنادقة على رسول اللّه (ص ) اربعة عشر الف حديث.

و اخـرج جلال الدين السيوطي باسناده الى ابن مبارك , انه قال بشان حديث فضائل السور المعزوة الى ابي بن كعب : اظن الزنادقة وضعته , و ذلك تشويها لسمعة القرآن الكريمة .

و ذكـر ابـن الجوزي ان جماعة من الكذابين ندموا على كذبهم و تنصلوا من ذلك فقد حدث عن ابي شيبة , قال : كنت اطوف بالبيت و رجل من قدامي يقول : اللهم اغفر لي , و مااراك تفعل قـنـوطـك اكـثـر من ذنبك ؟ خمسين حديثا, و طارت في الناس , ما اقدر ان ارد منها شيئاو قال ابن لهيعة : دخلت على شيخ و هو يـبـكـي فـقلت : ما يبكيك ؟ فقال : وضعت اربعمائة حديث ادرجتها ادراجا مع الناس ,فلاادري كيف اصنع ؟

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (2)

الحنابلة يزورون حديث فيرد عليهم الشافعية بحدث مزور

2ـ الـوضـع لـنصرة المذاهب في اصول الدين و فروعه فان المذاهب و الاراء لما تشعبت , جعل كل فـريق يستفرغ ما بوسعه لاثبات مذهبه و دعم عقيدته , لاسيما بعد ما فتح باب المجادلة و المناظرة فـي الـمـذاهـب و الاراء و لم يكن المقصود من ذلك الا افحام الجانب الاخر مهما بلغ ثمن ذلك , و لو بالحط من كرامة الدين .

فقد روى ابن الجوزي باسناده الى الدارقطني عن ابي حاتم ابن حبان , قال : سمعت عبد اللّه بن علي يـقول : سمعت محمد بن احمد بن الجنيد يقول : سمعت عبد اللّه بن يزيد المعري يقول عن رجل من اهـل الـبدع رجع عن بدعته , فجعل يقول : انظروا هذا الحديث ممن تاخذونه , فانا كنا اذا راينا رايا جعلنا له حديثا.

و بـاسناده الى ابن لهيعة قال : سمعت شيخا من الخوارج تاب و رجع , و هو يقول : ان هذه الاحاديث ديـن , فانظروا عمن تاخذون دينكم , فانا كنا اذا هوينا امرا صيرناه حديثا

و عن آخر, قال : كنا اذا اجـتمعنا استحسنا شيئا جعلناه حديثا

قال ابورية : و ليس الوضع لنصرة المذاهب محصورا فـي الـمـبـتـدعة و اهل المذاهب في الاصول , بل ان من اهل السنة المختلفين في الفروع من وضع احاديث كثيرة لنصرة مذهبه او تعظيم امامه .

مـن ذلك ما رواه الاحناف , قدحا في الشافعي و مدحا لابي حنيفة , باسناد رفعوه الى ابي هريرة عن النبي (ص ) : ((يكون في امتي رجل يقال له : محمد بن ادريس , اضر على امتي من ابليس و يكون في امتي رجل يقال له : ابوحنيفة , هو سراج امتي )).

و قـد رواه الخطيب مقتصرا على ما ذكروه في ابي حنيفة , و قال : موضوع وضعه محمد بن سعيد الـمـروزي البورقي ,و هكذا حدث به في بلاد خراسان ثم حدث به في العراق , و زاد فيه : ((و سيكون في امتي رجل يقال له : محمد بن ادريس ,فتنته اضر على امتي من فتنة ابليس )).

قـال ابـوريـة : و هـذا الافك مما لايحتاج الى بيان بطلانه , و مع هذا تجد فقها الاحناف المعتبرين يـذكـرون فـي كتبهم الفقهية شق الحديث الذي يصف ابا حنيفة بانه سراج الامة و يسكنون اليه , بل يستدلون به على تعظيم امامهم على سائر الائمة .

الامر الذي اضطر الشافعية ازا ذلك ان يضعوا في امامهم حديثا يفضلونه على كل امام , و هذا نصه : ((اكرموا قريشا فان عالمها يملا طباق الارض علما)) و انصار الامام مالك لم يلبثوا ان وضعوا في امـامـهـم هـذا الـحـديـث : ((يخرج الناس من المشرق الى المغرب , فلايجدون اعلم من عالم اهل المدينة )) و احاديث مشابهة وضعوها بهذا الشان .

هذا فضلا عن الدس و التزوير فى الاحاديث لنصرة المذهب .

هـذا ابوالعباس القرطبي ـ في شرح صحيح مسلم ـ يقول : اجاز بعض فقها اهل الراي , نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلى الى رسول اللّه (ص ) نسبة قولية فيقولون في ذلك : قال رسول اللّه (ص ) : كـذا و كـذا, و لـهـذا نرى كتبهم مشحونة باحاديث تشهد متونها بانها موضوعة , لانها تشبه فتاوي الفقها, و لاتليق بجزالة كلام سيد المرسلين , كما لايقيمون لها اسنادا.

قـال ابـوشامة في مختصر كتابه ((المؤمل )): مما يفعله شيوخ الفقه في الاحاديث النبوية و الاثار الـمـرويـة , كثرة استدلالهم بالاحاديث الضعيفة على ما يذهبون اليه , نصرة لقولهم , و ينقصون في الفاظ الحديث , و تارة يزيدون فيه قال : و ما اكثره في كتب ابي المعالي و صاحبه ابي حامد

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (3)

التزوير بهدف الترهيب والترغيب

3ـ شـدة الـتـرهـيب و زيادة الترغيب لاجل هداية الناس فقد تساهل الوعاظ و علما الاخلاق في تـصـحـيـح ما يروونه بهذاالشان , و ربما تنازل بعضهم فاجاز الاختلاق في ذلك , مادام الغرض هو هـدايـة الناس , و ليس اغواهم فقد كان الوضع للّه , و برربعضهم ذلك بانه انما كذب لرسول اللّه و لم يكذب عليه .

يـقـول ابـوريـة عـن العباد و الصوفية : انه راجت عليهم الاكاذيب و حدثوا عن غير معرفة و لا بصيرة , فيجب ان لايعتمد على الاحاديث التي حشيت بها كتب الوعظ و الرقائق و التصوف , من غير بـيـان تخريجها و درجتها و لايختص هذا الحكم بالكتب التي لايعرف لمؤلفها قدم في العلم , ككتاب ((نـزهـة الـمـجـالـس )) المملؤ بالاكاذيب في الحديث و غيره بل ان كتب ائمة العلماء ((الاحيا للغزالي )) لاتخلو من الموضوعات الكثيرة .

قـلـت : و هكذا بعض كتب الوعظ و الارشاد عندنا, ككتاب ((الانوار النعمانية )) للسيد نعمة اللّه الـجـزائري , مـمـلؤ بالاكاذيب و المخاريق , و مثله كتاب ((خزائن الجواهر)) للشيخ علي اكبر النهاوندي فيه من المخاريق الطامات

وايضا كتب المقاتل و المراثي من المتاخرين , ككتاب ((محرق الـقـلـوب )) لـلـمـولى مهدي النراقي , و كتاب ((اسرار الشهادة )) لابن عابد الدربندي المملوء بـالاكـاذيـب و الـطـامات .

و امثال هذه الكتب كثير مع الاسف , كتبتها ايدي اناس ضعاف العقول , ممن تساهلوا في امرالدين , و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا, سامحهم اللّه .

اخـرج ابـن الـجوزي باسناده الى محمود بن غيلان قال : سمعت مؤملا يقول : حدثني شيخ بفضائل سور القرآن الذي يروى عن ابي بن كعب فقلت للشيخ : من حدثك ؟ قال : حدثني رجل بالمدائن و هو حـي , فـصـرت اليه فقال : حدثني شيخ بواسط وهو حى , فصرت اليه فقال : حدثني شيخ بالبصرة , فـصـرت الـيـه فـقال : حدثني شيخ بعبادان , فصرت اليه فاخذ بيدي فادخلني بيتا فاذا فيه قوم من الـمتصوفة و معهم شيخ فقال : هذا الشيخ حدثني فقلت : يا شيخ من حدثك ؟ فقال : لم يحدثني احد,و لـكـنـا رايـنـا الـنـاس قـد رغـبـوا عن القرآن , فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم الى القرآن .

و من ثم قال يحيى بن سعيد القطان : لم نر الصالحين في شئ اكذب منهم في الحديث .

و أوله مسلم بقوله انه يجري الكذب على لسانهم و لايتعمدون الكذب.

يعني كذابون بالسليقة

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (تابع 3)

التزوير بهدف الترهيب والترغيب

قـال الـقـرطبي في ((التذكار)) لا التفات لما وضعه الواضعون و اختلقه المختلقون من الاحاديث الـكـاذبـة و الاخـبار الباطلة في فضل سور القرآن , وغير ذلك من فضائل الاعمال , و قد ارتكبها جـمـاعة كثيرة وضعوا الحديث حسبة ـ كما زعموا ـ يدعون الناس الى فضائل الاعمال , كما روي عـن ابـي عـصـمة نوح بن ابي مريم المروزي و محمد بن عكاشة الكرماني , و احمد بن عبد اللّه الـجـويـبـاري , و غـيرهم .

قيل لابي عصمة : من اين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور الـقـرآن سورة سورة ؟ فقال :اني رايت الناس قد اعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بفقه ابي حنيفة و مغازي محمد بن اسحاق , فوضعت هذا الحديث حسبة وقـال : قد ذكر الحاكم و غيره من شيوخ المحدثين : ان رجلا من الزهاد انتدب في وضع احاديث فـي فـضل القرآن و سوره فقيل له : لم فعلت هذا؟ فقال : رايت الناس زهدوا في القرآن فاحببت ان ارغـبهم فيه انا ما كذبت عليه , انما كذبت له .

و هذا ميسرة بن عبد ربه ـ كان كذابا وضاعا ـ وضع في فضل قزوين اربعين حديثا قال ابوزرعة : كان يقول : اني احتسب في ذلك و قال ابن الطباع : قلت لميسرة : من اين جئت بهذه الاحاديث : ((من قرا كذا فله كذا))؟ قال : وضعته ارغب الناس فيه و قد وصفه جماعة بالزهد.

و هكذا كان الحسن ـ الراوي عن المسيب بن واضح ـ ممن يضع الحديث حسبة .

و كان نعيم بن حماد يضع الحديث في تقوية السنة .

 و كـان الـهيثم الطائي يقوم عامة الليل بالصلاة , فاذا اصبح يجلس و يكذب , وامثاله كثير من الزهاد كانوا من الوضاعين حسبة للّه فيما زعموا .

 قـال ابن الجوزي : منهم قوم وضعوا الاحاديث في الترغيب و الترهيب , ليحثوا الناس بزعمهم على الخير و يزجروهم عن الشر و هذا تعاط على الشريعة , ومضمون فعلهم ان الشريعة ناقصة تحتاج الى تتمة , فقد اتممناها ثم اسند الى ابي عبداللّه النهاوندي , قال : قلت لغلام خليل : هذه الاحاديث التي تحدث بها من الرقائق ؟ فقال : وضعناها لنرقق بها قلوب العامة و كان غلام خليل هذا يتزهد و يهجن شهوات الدنيا و يتقوت الباقلا تصوفا و غلقت اسواق بغداد يوم موته.

 وقال تحذيرا من الاحاديث الموضوعة : و اعظمهم ضررا, قوم منسوبون الى الزهد, وضعوا الحديث حسبة

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (4)

وضع الاحاديث تزلفا للسلاطين

4ـ وضـع الحديث تزلفا لدى الامرا كان بعض ضعفا النفوس من المحدثين الضعيفي الايمان يتزلفون لدى الامراو السلاطين , بوضع احاديث تروقهم , او تشيد من شناعاتهم في السياسة و الحكم .كان الرشيد يعجبه الحمام و اللهو به , فاهدي اليه حمام , و عنده ابو البختري القاضي , فقال : روى ابـوهريرة عن النبي انه قال : لا سبق الا في خف او حافر او جناح فزاد جناح و قد وضعها تـزلفا لدي الرشيد, فاعطاه جائزة سنية ولما خرج قال الرشيد : واللّه لقد علمت انه كذاب , و امر بـالـحمام ان يذبح فقيل له : و ما ذنب الحمام ؟ قال : من اجله كذب على رسول اللّه (ص ) .

 و حكى ابن الجوزي نظير هذه القصة لغياث بن ابراهيم بمحضر المهدي العباسي .

و هكذا حدث الرشيد : ان جعفر بن محمد حدثه عن ابيه : ان جبرائيل نزل على النبي (ص ) و عليه قبا اسود و منطقة و انما قال ذلك , لان ذلك كان شعار العباسيين فدخل يحيى بن معين , فقال له : كذبت يا عدو اللّه , و قال للشرطة خذوه فقال فيه المعافى التميمي :

ويل و عول لابي البختري ـــــ اذا توافى الناس في المحشر.

من قوله الزور و اعلانه ـــــ بالكذب في الناس على جعفر.

الـى آخـر الابيات , و هي مشهورة و لما بلغ ابن المهدي موته قال : الحمد للّه الذي اراح المسلمين منه .

 و روى ابن الجوزي عن زكريا بن يحيى الساجي , قال : بلغني ان ابا البختري دخل على الرشيد ـ و هـو قـاض ـ و هـارون اذ ذاك يطير الحمام , فقال : هل تحفظ في هذا شيئا؟ فقال : حدثني هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة : ((ان النبي (ص ) كان يطيرالحمام )) فقال هارون : اخرج عني ثم قال : لولا انه رجل من قريش لعزلته .

قـال ابـن الـجـوزي : هـذا الـحـديث من عمل ابي البختري , و اسمه وهب بن وهب كان من كبار الوضاعين .

و روى حـديـث القبا الاسود, قال : لما قدم الرشيد المدينة اعظم ان يرقى منبر النبي (ص ) في قبا اسـود و مـنـطـقـة فـقال ابوالبختري : ((حدثنا جعفر بن محمد عن ابيه قال : نزل جبرئيل على النبي (ص ) و عليه قبا اسود و منطقة , محتجزا فيهابخنجر)).

 قـال يـحيى بن معين : وقفت على حلقة ابي البختري و هو يحدث بهذا الحديث , مسندا عن جعفر بن مـحمد عن ابيه عن جابر فقلت له : كذبت يا عدو اللّه , على رسول اللّه قال : فاخذني الشرط فقلت : هـذا يـزعـم ان رسـول رب العالمين نزل على النبي و عليه قبا فقالوا لي : هذا واللّه قاص كذاب و افرجوا عني

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (5)

التزلف لسلاطين الامويين (1)

5ـ الـوضع نزولا مع سياسة الطغاة كان معاويه اول من وضع سياسته على وضع الاحاديث و قلبها, تمشية مع اهدافه في التغلب على خصومه بني هاشم واتباع علي .

قال الاستاذ ابورية : لابد لنا ان نكشف عن ناحية خطيرة من نواحي الوضع في الحديث , كان لها اثر بـعـيد في الحياة الاسلامية , و لايزال هذا الاثر يعمل عمله في الافكار العفنة و العقول المتخلفة و الـنـفـوس الـمـتعصبة ذلك ان السياسة قد دخلت في هذا الامر, و اثرت فيه تاثيرا بالغا, فسخرته ليؤيدها في حكمها, و جعلته من اقوى الدعائم لاقامة بنائها.

و قـد علا موج هذا الوضع السياسي و طفا ماؤه في عهد معاوية الذي اعان عليه و ساعده بنفوذه و مـاله , فلم يقف وضاع الحديث عند بيان فضله والاشادة بذكره , بل امعنوا في مناصرته , والتعصب له , حـتـى رفعوا مقام الشام الذي يحكمه الى درجة لم تبلغها مدينة الرسول (ص ) و لا البلد الحرام الذي ولد فيه و اسرفوا في ذلك اسرافا كثيرا, و اكثروا حتى الفت في ذلك مصنفات .

 و ذكر ابن ابي الحديد عن شيخه ابي جعفر الاسكافي : ان معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين , على رواية اخبار قبيحة في علي بن ابي طالب تقتضي الطعن فيه و البراءة منه , و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله , فاختلقوا ما ارضاه منهم : ابوهريرة , و عمروبن العاص , و المغيرة بن شعبة , و من التابعين عروة بن الزبير.

 روى الـزهري ان عروة بن الزبير حدثه , قال : حدثتني عائشة , قالت : كنت عند رسول اللّه (ص ) اذ اقبل العباس و علي فقال : يا عائشة , ان هذين يموتان على غير ملتي ـ او قال ـ غير ديني .

 و فـي حـديث آخر عنه , قال : حدثتني عائشة , قالت : كنت عند النبي (ص ) اذ اقبل العباس و علي , فقال : يا عائشة , ان سرك ان تنظري الى رجلين من اهل النار, فانظري الى هذين قد طلعا.

 و امـا عـمـرو بـن الـعـاص فـقـد اخـرج عـنه البخاري و مسلم باسناد متصل اليه , قال : سمعت رسول اللّه (ص ) يقول : ((ان آل ابي طالب ليسوا لي باوليا انما وليى اللّه و صالح المؤمنين )).

 و امـا ابـوهـريـرة فـروي عـنـه الـحديث الذي معناه : ان عليا خطب ابنة ابي جهل في حياة رسـول اللّه (ص ) فـاسخطه ,فخطب , و قال : لاها اللّه , لاتجتمع ابنة ولي اللّه و ابنة عدو اللّه ابي جهل , ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها فان كان علي يريد ابنة ابي جهل فليفارق ابنتي , و ليفعل ما يريد.

 و ايـضـا روى ابـو جـعـفـر عـن الاعـمـش قـال : لـمـا قـدم ابوهريرة العراق مع معاوية عام الـجماعة , جاء الى مسجد الكوفة ,فلما راى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه , ثم ضرب صلعته مرارا, و قال : يا اهل العراق , اتزعمون اني اكذب على اللّه و على رسوله و احـرق نـفـسـي بالنار بالمدينة ما بين عير الى ثور فمن احدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس اجمعين)), و اشهد ان عليا احدث فيها فلما بلغ ‌معاوية قوله اجازه و اكرمه و ولاه امارة المدينة .

و ايـضـا روى عـن شـيخه ابي جعفر : ان معاوية بذل لسمرة بن جندب ـ الرجل الوقح ـ مائة الف درهم حتى يروي ان هذه الاية نزلت في علي بن ابي طالب : (و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد اللّه على ما في قلبه و هو الد الخصام و اذا تولى سعى في الا رض ليفسد فيها و يهلك الحرث والنسل و اللّه لايحب الفساد).

و ان الاية الاخرى نزلت في ابن ملجم , و هي قوله تـعـالـى : (و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه و اللّه رؤوف بالعباد) فلم يقبل , فـبـذل له مئتي الف درهم فلم يقبل , فبذل له ثلاثمئة الف فلم يقبل , فبذل له اربعمئة الف فقبل , و روى ذلك .

 نعم كان معاوية يرى بنفسه ما يضاهي به عليا فكان يجعل الجعائل للوضع في تفضيله و تفضيل بلاده “الشام” التي كان يحكمها, و حاضرة ملكه , كان يجهد جهده في ذلك

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (1/5)

تزوير احاديث في فضائل الشام واهلها ارضاء لمعاوية

قال ابورية : و قد وضعوا فيه و فـي تـفضيل الشام احاديث نسبوها الى رسول اللّه (ص ) نذكر منها : ما اخرجه الترمذي ان النبي قال لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا و في حديث آخر ان النبي قال : اللهم علمه الكتاب و الحساب وقه العذاب ـ و هناك زيادة ـ : و ادخله الجنة .

و عـلـى كـثرة ما جا في فضائل معاوية من احاديث لا اصل لها, فان اسحاق بن راهويه و هو الامام الكبير و شيخ البخاري قد قال : انه لم يصح في فضائل معاوية شي .

 و هكذا ذكر الاستاذ ابورية : ان اشادة كهان اليهود ـ يريد كعبا و اذنابه ـ الى ان ملك النبي سيكون بالشام انما هو لامر خبئ في انفسهم و قد تبين ان الشام ما كان لينال من الاشادة بذكره و الثناء عليه , الا لـقـيام دولة بني امية فيه , تلك الدولة التي قلبت الحكم من خلافة عادلة الى ملك عضوض , و التي تـحـت كـنـفـها و في ايامها نشات الفرق الاسلامية التي فتت في عضد الدولة الاسلامية و مزقتها تـمزيقا, و استفاض فيها وضع الحديث فكان جديرا بكهنة اليهود ان ينتهزوا هذه الفرصة و ينفخوا في نار الفتنة , و يمدوها بجيوش الاكاذيب و الكيد و كان من هذه الاكاذيب ان بالغوا في مدح الشام و اهله , وان الخير كل الخير فيه ,و الشر كل الشر في غيره .

 و مـمـا قـالـه هـؤلا الكهنة بهذا الشان : ان ملك النبي سيكون بالشام , روى البيهقي في الدلائل عن ابي هريرة ـ تلميذ كعب ـ مرفوعا : الخلافة بالمدينة والملك بالشام و عن كعب : اهل الشام سيف من سيوف اللّه ينتقم اللّه بهم ممن عصاه .

 و من حديث : ستفتح عليكم الشام , فاذا خيرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة يقال لها : ((دمشق )) ـ و هـي حـاضـرة الامـويـيـن ـ فـانـها معقل المسلمين في الملاحم , و فسطاطها منها بارض يقال لها : ((الغوطة )).

و قـد جـعـلوا دمشق هذه , هي الربوة التي ذكرت في القرآن الكريم :

(و آويناهما الى ربوة ذات قـرار و مـعين ) و ذلك في حديث مرفوع الى النبي (ص ).

و قد جعلها ابوهريرة من مدائن الـجـنـة ايـضـا في حديث رفعه الى النبي (ص) هذا نصه : ((اربع مدائن من مدائن الجنة : مكة , و المدينة , و بيت المقدس , و دمشق )) .

 و هـكـذا نـرى معاوية الذي تعلم من كعب كيف يضع الحديث , يصف نفسه بان النبي (ص ) وعده بانه سـيلي الخلافة من بعده قال في خطبته لما عاد من العراق الى الشام بعد بيعة الامام الحسن سنة (41):

((ايـهـا الـنـاس , ان رسـول اللّه (ص ) قـال : انـك ستلي الخلافة من بعدي , فاختر الارض المقدسة , فان فيها الابدال ))

قال ابورية : و ماكاد معاوية يذكر ان الشام ارض الابدال الا و ظـهـرت احـاديـث مـرفـوعـة عـن هـؤلا الابـدال و قـد اوردهـا الـسـيـوطي في ((الجامع الصغير))

 و بذلك نكشف عن جانب خطير من كيد الدهاء اليهودي للمسلمين و دينهم وملكهم

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (2/5)

التزلف لبني امية بتعظيم الشام واهله 2

ذلك انهم لم يكتفوا بما قالوه في الشام بل زادوا على ذلك بان جعلوا الطائفة الظاهرة على الحق تكون في الشام كذلك , و حتى نزول عيسى الذي قالوا عنه : سيكون بارضه .

فـقد جا في الصحيحين : ((لاتزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم و لا من خـالـفهم , حتى ياتي امراللّه و هم كذلك روى البخاري : هم بالشام

و في رواية ابي امامة الباهلي : انهم لما سالوا النبي قال : بيت المقدس واكناف بيت المقدس .

 و في مسلم عن ابي هريرة : ان النبي قال : لايزال اهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة قال احمد و غيره : هم اهل الشام .

و فـي ((كـشـف الخفا)) : ان كعب الاحبار قال : اهل الشام سيف من سيوف اللّه , ينتقم اللّه بهم من العصاة .

 قـال ابـوريـة : و لعل العصاة هنا هم الذين لاينضوون تحت لواء معاوية , ويتبعون غيره و غيره هو علي بن ابي طالب .

 اخـرج ابـن الـجـوزي مـن طـريق عبد اللّه بن احمد بن حنبل , قال : سالت ابي ما تقول في علي و مـعـاويـة ؟ فـاطرق , ثم قال :ايش اقول فيهما, ان عليا كان كثير الاعدا, ففتش اعداؤه له عيبا فـلـم يـجـدوا, فـعـمـدوا الـى رجـل ـ يـريـد مـعـاوية ـ قد حاربه و قاتله فاطروه , كيدا منهم لعلي .

 قـال ابـن حـجر : فاشار بهذا الى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا اصل له قال : و قد ورد في فضائل معاوية احاديث كثيرة , ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد و بذلك جزم اسحاق بن راهوية و النسائي و غيرهما .

 و من طريف الامر, ان البخاري في كتاب ((الفضائل )) نراه عنون الباب الذي خصه بمعاوية , بقوله : ((بـاب ذكر معاوية )),و لم يجرا ان يعنونه بلفظة ((الفضائل )) كما في سائر الابواب , و بالفعل لم يات فيه شيئا مذكورا , و هكذا ابن الجوزي و غيره و من ثم قال ابن حجر في الشرح : عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله ((ذكر)) و لم يقل : ((فضيلة )) و لا ((منقبة )), لـكـون ((الـفضيله)) لاتؤخذ من حديث الباب , اي لاتستفاد فضيلة من الحديث الذي ذكره تحت هذه الترجمة , و قد عرفت انه لم يصح فيه حديث .

 و روى الـذهـبـي قـال : سئل النسائي ـ و هو بدمشق ـ عن فضائل معاوية , فقال : الا يرضى راسا بـراس , حتى يفضل فتوفى بها .

و هكذا استمر الحال بعد معاوية مادامت السلطة الاموية قائمة فهذا هشام بن عبد الملك نراه يفرض عـلـى اتـباعه و متملقيه من علماء ذلك العصر ان يرووا ان الاية : (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) نزلت في علي فاقروه على ذلك

 اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (6)

القصاصين وتزوير الحديث

6ـ الـوضـع نـزولا مـع رغبة العامة , و رغبة فيما بايديهم من حطام الدنيا و هذه مهنة القصاصين , يقصون على الناس القصص و الاساطير البائدة و يحدثونهم الغرائب و العجائب , ليستدروا ما لديهم من نقود و اعانات و فضول طعام .

و قـد كـان وضـع الـحـديـث لارضـا الناس و ابتغاء القبول عندهم , و استمالتهم لحضور مجالسهم الوعظية , و توسيع حلقاتهم , امرا رائجا و لايزال .

 قال القرطبي في مقدمة تفسيره : منهم (من الوضاع و الكذابين ) قوم من السؤال و المكدين , يقفون في الاسواق و المساجد, فيضعون على رسول اللّه (ص ) احاديث باسانيد صحاح قد حفظوها, فيذكرون الموضوعات بتلك الاسانيد

 قال ابن الجوزي : هناك قوم شق عليهم الحفظ, فضربوا نقد الوقت , و ربما راوا ان الحفظ معروف , فاتوا بما يغرب ممايحصل مقصودهم , فهؤلا قسمان , احدهما : القصاص , و معظم البلاء منهم يجري , لانـهـم يزيدون احاديث تثقف و ترقق ,و الصحاح يقل فيها هذا ثم ان الحفظ يشق عليهم و يتفق عدم الـديـن, و مـن يحضرهم جهال , فيقولون و لقد حكى لي فقيهان ثقتان عن بعض قصاص زماننا و كان يـظهر النسك و التخشع , انه حكى لهما, قال : يوم عاشورا, قال رسول اللّه (ص ) : من فعل اليوم كذا فله كذا, و من فعل كذا فله كذا, الى آخر المجلس فقالا له : و من اين حفظت هذه الاحاديث ؟ فقال : واللّه ما حفظتها,و لااعرفها, بل في وقتي قلتها.

 قـال : و الاجـرم كان القصاص شديدي النعير, ساقطي الجاه , لايلتفت الناس اليهم , فلا لهم دنيا و لا آخرة و قد صنف بعض قصاص زماننا كتابا فذكر فيه : ((ان الحسن و الحسين دخلا على عمر بن الخطاب و هو مشغول , فلما فرغ من شغله رفع راسه فرآهما, فقام فقبلهما, و وهب لكل واحد منهما الـفا,

وقال : اجعلاني في حل , فما عرفت دخولكما, فرجعا و شكراه بين يدي ابيهما على فقال على : سمعت رسول اللّه (ص ) يقول : عمر بن الخطاب نور في الاسلام و سراج لاهل الجنة فرجعا فحدثاه فدعا بدواة و قرطاس

و كتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم , حدثني سيدا شباب اهل الجنة عن ابيهما المرتضى عن جدهما المصطفى انه قال : عمر نور الاسلام في الدنيا و سراج اهل الجنة في الجنة و اوصى ان تجعل في كفنه على صدره , فوضع فلما اصبحوا وجدوه على قبره , و فيه : صدق الـحـسـن و الـحـسين و صدق ابوهما و صدق رسول اللّه (ص ) : عمر نور الاسلام و سراج اهل الجنة )).

 قـال ابن الجوزي : و العجب بهذا الذي بلغت به الوقاحة الى ان يضيف مثل هذا و ماكفاه حتى عرضه على كبار الفقهاء,فكتبوا عليه تصويب ذلك التصنيف فلا هو عرف ان مثل هذا محال و لا هم عرفوا و هـذا جـهـل متوفر, علم به انه من اجهل الجهال الذين ما شموا ريح النقل , و لعله قد سمعه من بعض الطرقيين

اهم اسباب الوضع والتزوير في الاحاديث النبوية (7) الجزء الاخير

قال الامام احمد بن حنبل : اكذب الناس السؤال و القصاص .

و عن ابي قلابة : ما امات العلم الا القصاص .

و كان ابو عبد الرحمان يقول : اتقوا القصاص .

و كان الذي احدث القصص ـ في المساجد ـ هو معاوية بن ابي سفيان فقد اخرج الزبير بن بكار في اخـبـار المدينة عن نافع و غيره من اهل العلم , قالوا : انما القصص محدث احدثه معاوية حين كانت الفتنة .

لـكـن سيوافيك في قصة الاسرائيليات ان القصص في المساجد, حدث في اواخر عهد عمر, حين اسـتـجازه تميم الداري فاجازه ان يقص قائما في مسجد المدينة و هكذا استمر على عهد عثمان , واستمر في عهد معاوية في المساجد,

و كـان الذي اشاع القص في المساجد هو كعب الاحبار, حيث انتهز الفرصة ايام الفتنة لبث مخاريقه بين المسلمين كيدا بالاسلام , و ذلك ان وجد من امكان اشاعة اساطيره بين الناس .

كـان كـعـب قـد تـوعـده عـمر بالنفي الى ارض القردة اذا هو روى اسرائيلياته او ما كان يلصقه بالنبي (ص ) من احاديث خرافة فلم يجد كعب تلقاء هذا التهديد مناصا مـن ان يـذعن في غيظ , ثم اخذ يسعى في الخفاء لكي يحقق اغراضه التي اسلم من اجلها.

قال ابـوريـة : و ما لبث ان اتيحت له فرصة المؤامرة التي دبرتها جمعية سرية لقتل عمر, فاشترك هو فيها, و نفخ في نارها.

فـلـمـا خـلا لـه الجو بقتله , اطلق العنان لنفسه لكي يبث ما شا الكيد اليهودي ان يبث من الخرافات الاسـرائيـلـيـات الـتي تشوه بها الدين ,

 و قد درس هذا الكاهن اليهودي في ملامح معاوية تحقيق اهدافه و امكان رواج اسرائيلياته , فلم يدع تلك الفرصة ,و اغتنمها منذ عهد عثمان . ذلك انه لما اشتعلت نيران الفتنة في زمن عثمان و اشتد زفيرها, حتى التهمت عثمان فقتلته و هو ـ اي كـعـب الاحبار ـ في بيته , لم يدع هذا الكاهن الماكر هذه الفرصة تمردون ان يبتهلها, بل اسرع يـنـفـخ في نارها, و يسهم بكيده اليهودي فيها ما استطاع الى ذلك سبيلا و قد كان من كيده في هذه الفتنة ان ارهص بيهوديته بان الخلافة بعد عثمان ستكون لمعاوية .

 فقد روى وكيع عن الاعمش عن ابي صالح : ان الحادي كان يحدو بعثمان يقول:

ان الامير بعده على ـــــ و في الزبير خلق رضي .

فـقـال كـعب : بل هو صاحب البغلة الشهباء ـ يعني معاوية ـ و كان يراه يركب بغلة , فبلغ ذلك معاوية فـاتاه , فقال : يا ابا اسحاق ما تقول هذا؟ و ها هنا على و الزبير و اصحاب محمد لعله اردف ذلك بقوله : اني وجدت ذلك في التوراة ـ كما هي عادته .

و قدر معاوية هذه اليد الجليلة لكعب , و اخذ يغمره بافضاله .

و قـد عـرف مـن تـاريخ هذا الكاهن انه تحول الى الشام في عهد عثمان , وعاش تحت كنف معاوية , فاستصفاه معاوية لنفسه و جعله من خلصائه , لكي يروي من اكاذيبه و اسرائيلياته ما شا ان يروي في قصصه , لتاييده , وتثبيت قوائم دولته .

و قـد ذكـر ابـن حجر العسقلاني بان معاوية هو الذي امر كعبا بان يقص في الشام و هو الذي بث احاديث تفضيل الشام و اهلها, سوا بنفسه او على يد تلامذته.

انتهى البحث

أهمية دراسة علم التاريخ

 أهمية دراسة علم التاريخ

 يذكر ” العز الكنانى ” رأيه في أهمية علم التاريخ فيقول ” لاشك في جلالة علم التاريخ وعظم موقعه من الدين وشدة الحاجة الشرعية إليه لأن الأحكام الانتقادية والمسائل الفقهية مأخوذة من مكارم الهدى من الصلات والمبصر من العمى والجهالة ، والنقلة هم الواسطة بيننا وبينه فوجب البحث عنهم والفحص عن أحوالهم ، وهذا مجمع عليه ، والعلم المتكفل بذلك هو علم التاريخ ولهذا قيل أنه من فروض الكفاية ( 47 :55)0

 ويرى ” المقريزى ” ” أن علم التاريخ من أجل العلوم قدراً وأشرفها عند العقلاء مكانة وخطراً لما يحويه من المواعظ والإنذار بالرحيل إلى الدار الآخرة عن هذه الدار ، والاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدي بها ، واستعلام مذام الفعال ليرغب عنها أولوا النهى ” ( 87 : 89) ، ويشير ” السخاوى ” إلى أهمية علم التاريخ بقوله ” فعلم التاريخ فن من فنون الحديث النبوي ، وزين تقر به العيون ، حيث سلك فيه المنهج القويم المستوى ، بل وقعه من الدين عظيم ، ونفعه متين فى الشرع ، بل جعله من فروض الكفايات ” ( : 4 ) 0

 ولقد أوضح ” ابن الأثير ” أهمية دراسة علم التاريخ بقوله ” لقد رأيت جماعة ممن يدعى المعرفة والدراية ، ويظن بنفسه التبحر فى العلم والرواية يحتقر التواريخ ويزدريها ، ويعرض عنها ويلقيها ظناً منه أن غاية فائدتها القصص والأخبار ، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار ، وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره . ومن رزقه الله طبعاً سليماً وهداه صراطاً مستقيماً ، علم أن فوائده كثيرة ومنافعه الدنيوية والأخروية حجه غزيرة….. ( 24 : 7 ) 0

 ويذكر “ابن الأثير ” أن من الفوائد الدنيوية لدراسة علم التاريخ ” إن الإنسان لا يخفى أنه يحب البقاء ويؤثر أن يكون فى زمرة الأحياء ، فيا ليت شعري ‍‍‌‌‍‍! أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه وبين ما قرأه فى الكتب المتضمنة أخبار الماضيين وحوادثن المتقدمين ؟ فإذا طالعها فكأنه عاصرهم ، وإذا علمها فكأن حاضر هم( 24 :7)، ويضيف “إبن الأثير ” ان الملوك ومن إليهم الأمر والنهى إذا اطلعوا على تجارب الماضي وأحداثه أفادوا منها واستقبحوا الأشياء التى أساءت للبلاد والعباد واستحسنوا السيرة الحسنة للحكام والولاة العادلين فرغبوا فيها وخلصوا بها واستعانوا نفائس المدن وعظيم الممالك” ( 24 : 7 ) 0

  وأخيراً يختم ” ابن الأثير ” حديثه عن أهمية علم التاريخ وفوائده الأخروية بقوله ” وأما الفوائد الأخروية فمنها أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ورأى تقلب الدنيا بأهلها ، وتتابع نكباتها على أعيان قاطنيها وأنها سلبت نفوسهم ، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم فلم تبق على جليل ولا حقير ولم يسلم من نكدها غنى ولا فقير زهد عنها وأقبل على التزود للآخرة منها 000 ومنها التخلق بالصبر والتأنى وهما من محاسن الأخلاق ، فإن العاقل إذا رأى مصاب الدنيا لم يسلم منه بنى مكرم ، ولا ملك معظم ، بل ولا أحد من البشر ، علم أنه يصيبه ما أصابهم ، وينوبه ما نابهم ” ( 42 : 7 ) 0

  ويذكر ” خليفة بن خياط ” أهمية التاريخ بقوله ” وبالتاريخ عرف الناس أمر حجهم وصومهم وانقضاء عدد نسائهم ومحل ديونهم ” ( 41 : 49) ، ويشير ” الطبري ” إلى أهمية علم التاريخ بقوله ” قال جل جلاله وتقدست أسماؤه ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً )صدق الله العظيم ( سورة الإسراء الآية 12 )ليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار والشهور والسنين من الصلوات والزكوات والحج والصيام وغير ذلك من فروضهم وحين حل ديونهم وحقوقهم ” ( 63 : 3 ) 0

  ولا زال تعريف ” ابن خلدون ” للتاريخ في فاتحه مقدمته يعتبر من أدق ما قيل فى هذا العلم عند العرب ، وهو تعريف أعجب به وأشار إليه نفر من كبار المؤرخين في الغرب ، حيث قال ” ابن خلدون ” بعد مدخل بلاغي ” أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال ، وتشد إليه الركائب والرحال ، وتسمو إلى معرفته السوقة.. وتتنافس فيه الملوك .. ، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال ، إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدى إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمحال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان لهم الزوال 0 وفى باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق ” ( 37 : 3 ) 0

  ويذكر ” حسين مؤنس ” إن التاريخ ليس لغواً ، فهو لا يقتصر على أخبار الماضيين وأساطير الأولين ، بل هو يدرس التجربة الإنسانية أو جوانب منها ، ويسعى إلى فهم الإنسان وطبيعة الحياة على وجه الأرض ، وإذا نحن اعتبرنا الحياة طريقاَ يقطعه الإنسان ، فلا شك بأن معرفتنا بما قطعناه من الطريق يعيننا على قطع ما بقى منه ( 37 : 12 ) 0

 وخلاصة هذا الكلام أن التاريخ ينفع في العظة والعبرة فنحن ندرس تواريخ الدول والملوك لنتعلم ، وندرس سير الأنبياء لنتأسى بهم ، وندرس تجارب الأمم ونرى ما وقعت فيه من الأخطاء لننجو بأنفسنا عن المذلات ومواطن الضرر ، وهذه أعظم فوائد التاريخ في نظر دارسيه .

 ويوضح ما سبق ما قاله ” ابن خلدون ” في مقدمته ” أعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية ، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دولهم وسياستهم ، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا ، فهو محتاج إلى مأخذ متعددة ومعارف متنوعة ، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق ، وينكبان به عن المذلات والمغالط “( 37 : 14 )

 وللتاريخ أهمية عظمى في بناء الأمم ، والمحافظة على هويتها وشخصياتها بل وعلى قوتها ، وقدرتها على الشموخ ، والاستطالة والاستمرار فهو جذور الأمة التي تضرب بها في الأعماق ، فلا تعصف بها الأنواء ، ولا تزلزلها الأعاصير ، ولا يفتنها الأعداء 00 وهو ذاكرة الأمة ، والذاكرة للامة كالذاكرة للفرد تماماً ، وبها تعي الأمة ماضيها ، وتفسر حاضرها ، وتستشرف مستقبلها 0 ( 70 : 54- 55 ) 0

   والتاريخ ليس هو الحوادث ، وإنما هو تفسير هذه الحوادث واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها ، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات ، متفاعلة الجزئيات ، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان ( 55 : 37 ) 0

  وعن قيمة التاريخ يذكر المفكر ” مالك بن بنى ” إن نظرتنا إلى التاريخ لا تؤدى إلى نتائج نظرية فحسب ، بل إلى نتائج تطبيقية تتصل بسلوكنا في الحياة ، فهي تحدد موقفنا أمام الأحداث ، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها ( 94 : 26 ) 0

 والتاريخ ليس علم الماضي ، بل هو علم الحاضر ، والمستقبل في واقع الأمر وحقيقته ، فالأمة التي تستطيع البقاء ، هي الأمة التي لها ضمير تاريخي ، ومعرفة التاريخ ، وعشق له ، والتاريخ أيضا ” عرض الأمة ” كما سماه كاتب العربية الأكبر ” عباس محمود العقاد ” ، ورحم الله أمير الشعراء حين قال :

 مثل القوم أضاعوا تاريخهم كلقيطٍ عيّ في الحي انتسابا

 ويشير “محمد قطب ” إلى الغاية التي من أجلها يدرس التاريخ ليس مجرد أقاصيص تحكى ، ولا هو تسجيل للوقائع والأحداث ، إنما يدرس التاريخ للعبرة 00 ويدرس للتربية -تربية الأجيال 0بسم الله الرحمن الرحيم ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ، ما كان حديثاً يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون))صدق الله العظيم (يوسف الآية 111 )( 106 : 27- 28 ) 0

 لقد أصبح التوجه صوب التاريخ والتعامل معه كمعطى ثقافي ، أو كمورد من أهم موارد التشكيل الثقافي ، من الأهمية بمكان ، لأنه يعتبر إلى حد بعيد من ضرورات الخصوصية الثقافية ، وعلى الأخص في عصر العولمة ، ومحاولات طمس الهوية وتذويب الخصوصيات ، وفرض ثقافة وتاريخ الغالب باسم التطبيع أو نهاية التاريخ والنزوع إلى العالمية والإنسانية ( 47 : 32 ) 0

 “فالتاريخ هو ذاكرة الأمة ومخزون تراثها الثقافي ، ومناخ عمليات التفكير وتحديد الوجه ، وحامل قسمات شخصياتها الحضارية ، وهو من أهم عوامل الارتكاز الثقافي ، وهو مفتاح لكل نهوض أو إصلاح أو تغيير ، في صفحاته تقرأ الأمم والشعوب ، ويكتشف دليل التعامل معها ، ومن خلال استقرائه تعرف السنين الفاعلة في الحياة ، والقوانين التي تحكم الفعل التاريخي ، وتحقق العبرة التي تختزل لنا التجربة ، وتطوى مسافة الزمان والمكان ، وتمد أعمارنا إلى الماضي البعيد وتوجه أبصارنا إلى أفق المستقبل وعالم الغد المديد وتمنحنا الحكمة ، وتزكى عقولنا ، وتنمى معارفنا ، وتمنحنا القدرة على الموازنة والمقارنة والفهم والتحليل والتعليل” ( 47: 33 ) 0

 ولقد قال أسلافنا القدماء – من علماء التاريخ وكتابه “أن قراءة التاريخ تضيف لقارئه عمراً ثانياً ، وإنها من ثم – تضاعف العمر ، لأنها تضيف إلى عمر القارئ عمر الشعوب والقادة والأبطال الذين قرأ تاريخهم عن طريق إكسابه خبراتهم ، وجعله يعيش ما عاشوا من أحداث ووقائع وأيام” ( 105 : 33 ) 0

 ولما كان كلام أسلافنا القدماء عن قارئ التاريخ ، فأننا نستطيع أن نضيف هنا أن الوعي بالتاريخ يكسب أصحابه إلى جانب عمرهم وعمر أسلافهم أيضاً عمر الأجيال التي لم تأتى بعد ، لأن الوعي بالتاريخ تتجاوز فائدته وثمراته حدود الاستفادة بهذا الوعي في حياتنا الحاضرة وبناء واقعنا المعاش ، إلى التأثير في المستقبل القريب منه والبعيد ، ومن ثم فنحن نضيف إلى أعمارنا إذا وعينا تاريخنا أعمار الأقدمين ونسهم كذلك في زيادة أعمار الأجيال القادمة بما نضعه على ضروبها من أضواء ، وما نقدمه لتجاربها وخبراتها من إضافات ( 105 :33).

 إن الوعي بالتاريخ ليس حفظاً للذاكرة وتسجيلاً للحدث ، وإنما إعمالاً للتفكير ، واستنتاجاً للعبرة والعظة ، وامتلاك المؤهل لاستيعاب الحاضر وتفسيره ، والتبوء بتداعياته ومآلا ته وعواقبه ، وكذلك فإن الوعي التاريخي هو من أهم الموارد الثقافية والمعرفية ، لثقافة الحاضر ورؤية المستقبل ، وأن القطيعة التاريخية تجعل التعامل مع الحياة نوعاً من الخبط الأعشى ( 47 : 18 ) 0

 والتاريخ يختص بدراسة الحاضر وجذوره الضاربة في الماضي القريب والبعيد ، وهو يتتبع قصة الإنسان ونشأته وتطوره وعلاقاته ومشكلاته ، الأمر الذي يشارك في إيضاح جذور منابع ذلك الحاضر الذي يعيش فيه ويحدد اتجاهات المستقبل ومن خلال دراسة التاريخ تتاح فرصة التعرف على المشاكل العالمية المعاصرة وأسبابها ، والعلل وتعيين مداها ، ونوع أثرها ( 15 :15 ) 0

 ويشير ” استراير ” STROYER إلى أن دراسة التاريخ تعين الإنسان على مواجهة المواقف الجديدة لا لأنها تقدم له أساساً للتنبؤ بما سيكون ، ولكن لأن الفهم الكامل للسلوك الإنساني فى الماضي يتيح الفرصة للعثور على عناصر مشتركة بين مشاكل الحاضر والمستقبل مما يجعل حلها حلاً ذكياً أمراً ممكناً ( 37 : 39)0

 بينما يذكر ” ستيوارت هيوز ” إن التاريخ كان يعد نفسه دائماً علماً شاملاً وعلماً وسيطاً ، وقد كان التاريخ في الماضي يربط الشعر بالفلسفة ، وهو اليوم يربط الأدب بعلم الاجتماع ، وما دام لكل شيء تاريخه ، فإن التاريخ كعلم يشمل كل شيء ، حتى الكاتب الصغير الذي يدرس مبادئ التأمين ، يجد نفسه يدرس إلى حد ما تاريخ التأمين ، وبذا يصبح التاريخ ميدان التقاء كثير من العلوم 0( 37 :39) 0

 ويهتم التاريخ بالعلاقات والمشكلات المختلفة متتبعا نشأتها وتطورها ، والنتائج التي ترتبت على هذا التطور ، ويلقى أضواء من الماضي على ما هو كائن في الحاضر من هذه العلاقات والمشكلات والسلوك ، ويبرز في كل هذا أدوار البطولة والقيادات وجهاد الشعوب والنتائج التي ترتبت عليها ( 57 : 9)

 ويؤكد ” سالم أحمد محل ” على أهمية تعلم التاريخ بقوله ” فالتاريخ هو ذاكرة الأمة ومخزون تراثها الثقافي ، ومناخ عمليات التفكير وتحديد الوجهة ، وحامل قسمات شخصياتها الحضارية ، وهو من أهم عوامل الارتكاز الثقافي ، وهو مفتاح لكل نهوض أو إصلاح أو تغيير ، في صفحاته تقرأ الأمم والشعوب ، ويكتشف دليل التعامل معها ، ومن خلال استقرائه تعرف السنين الفاعلة في الحياة والقوانين التي تحكم الفعل التاريخي ، وتحقيق العبرة التي تختزل لنا التجربة ، وتطوى مسافة الزمان والمكان وتمد أعمارنا إلى الماضي البعيد ، وتوجه أبصارنا إلى أفق المستقبل وعالم الغد المديد ، وتمنحنا الحكمة ، وتزكى عقولنا ، وتنمى معارفنا ، وتمنحنا القدرة على الموازنة والمقارنة والفهم والتحليل والتعليل ، وتحرضنا على التفكير فى أسباب السقوط والنهوض ، لذلك اعتبر القرآن التاريخ مصدراً للمعرفة ، ودعا إلى السير فى الأرض لاستيعابه ، واستنكر الركود ، وعدم الاكتشاف الحضاري 0

 قال الله تعالى “( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) – ( سورة الروم الآية 9 ) ( 47 : 32 – 33 ) 0

 ويتفق ” هيوم اتكن ” مع ما سبق بقوله ” إن الهدف من الدراسة التاريخية أكثر من مجرد الوقوف على الحوادث وعلى النحو الذي وقعت فيه ولكن لا بد من فهم هذه الحوادث والكشف عن وحده الارتباط بين بعضها وللكشف عن الصلة بين الأحداث واستخراج العبر والعظات منها للاستفادة منها في فهم الواقع الذي نعيشه الآن ( 123 : 11 ) 0

 ويذكر المؤرخ الإنجليزى ” آرثر مارفيك ” فى كتابه المسمى ” طبيعة التاريخ ” وهو من الكتب الدراسية الجامعية المعتمدة واسعة الانتشار في جامعات أوروبا وأمريكا قال ” مارفيك ” ” وإذن فالتبرير الأساسي للدراسة التاريخية هو أنها ضرورية ، فهي تسد حاجة غريزة إنسانية أساسية وتفي بحاجة أصلية من حاجات البشر الذين يعيشون في المجتمع ( 37 : 32 )

لماذا نناقش الخرافات التوراتية اليهودية؟

 توظيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطاب

مسعد عربيد 

مقدمة
لماذا نناقش الخرافات التوراتية اليهودية؟

لا تكمن جذور الصراع العربي ـ الصهيوني في الابعاد والعوامل الدينية، بل في المصالح والتناقضات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية للاطراف المتصارعة. فلسنا، إذن، امام صراع ديني وإن كان يتخذ لبوس الدين في كثير من الاحيان ولا يخلو من تجليات دينية على مستوى الحدث وتسييس الدين والتفاعلات السياسية والاجتماعية، بل إننا أمام مشهد تتداخل فيه وتتفاعل ديناميكيتان أساسيتان:

1) التوظيف الصهيوني للديانة اليهودية والخرافات الدينية الغيبية (النبوءات التوراتية تأويلاتها اليهودية ـ الصهيونية والمسيحية البروتستانتية )، والتي وُظفت في التأسيس لادعاء “الحق الديني والتاريخي” لليهود في فلسطين؛

2) التلقي العربي لهذ المقولات والتعامل معها عبر الخطاب الديني والاعلامي والسياسي. وسيكون الرد الديني محور النقاش الرئيسي في هذه المقالة لما له من حضور دائم وعميق في مجتمعاتنا وبين جماهيرنا، ومن حيث قدرته على إختراق الوعي الشعبي والتأثير في تكوينه وتحديد مفرداته وأفكاره وأدواته.

في إطار هذا الفهم للابعاد الدينية ودورها في الصراع العربي ـ الصهيوني، فان تناولنا للخرافات الدينية والنبوءات التوراتية، قد يستدعي تلمس بعض الجوانب الدينية واللاهوتية:
□ التي لا نتناولها من منظور ديني، بل من حيث توظيفاتها السياسية، وبقدر ما تعيننا على فهم إستراتيجية العدو التي وظفتها الحركة الصهيونية في كسب الدعم الجماهيري اليهودي (في التجمعات اليهودية الموزعة في أنحاء العالم) والدعم الرسمي والشعبي في الغرب الراسمالي (المجتمعات المسيحية الغربية)؛
□ وبقدر ترابطها بالمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين والمشروع الامبريالي في فضائه الاوسع ضد الوطن العربي؛
□ وأخيراً، بقدر ما تسهم في إستشراف إستراتجية المقاومة للمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني. 
□ وعليه، فلسنا بصدد المعالجة اللاهوتية لهذه النبوءات، لبس إنتقاصاً من أهمية وضرورة هذه البحوث في فهم العدو ومكوناته الثقافية، بل لاننا سنحصر نقاشنا في التوظيف السياسي الصهيوني لهذه الخرافات، من جهة، وتعامل خطابنا الديني في رده عليها، من جهة اخرى. 

وتجدر بنا الاشارة، قبل الولوج الى موضوعنا، الى ملاحظة هامة وهي ان الصهيونية لم تُوظف النبوءات التوراتية فحسب، بل سعت، منذ المراحل الجنينية للفكرة الصهيونية السياسية، الى إستخدام كافة الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية واللاهوتية الاوروبية في خدمة وتبرير سياساتها ولم تتورع، في مسعاها هذا، عن إستغلال الفكر الثوري والاشتراكي وحركاته المتنامية في ذلك العصر. إلاّ أن هذا يجب الا يعمينا عن رؤية الجوهر الاستيطاني والعنصري والفاشي للايديولوجيا الصهيونية. 

سنبدي في الجزء الاول بعض الملاحظات النقدية حول عبثية الرد الديني على النبوءات التوراتية، ننتقل بعدها الى محاولة تفسير هذه الخرافات ـ متخذين كذبة “العودة” الى “أرض الميعاد” كنموذج ـ من خلال قراءة هذه النبوءات من منظور توظيفها لخدمة الاهداف السياسية للصهيونية وفي سياق تاريخ الجماعات اليهودية وتطورات حياتهم عبر القرون.
(1)
عبثية الرد الديني

تكمن مواطن الخلل الاساسية في الخطاب الديني حيال المقولات اليهودية ـ الصهيونية في جوانب عديدة، نذكر أهمها:

1) مخاطر هذا النهج على مستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني ومشروع مقاومته.
2) عجز الخطاب الديني عن صياغة برنامج عملي: فالخطاب الديني لا يمكن ترجمته الى فعل بشريٍ واعٍ ومنظم، وبالتالي تتعذر صياغة برنامج نضالي عملي. 
3) فشله في إحراز نتائج ملموسة على عدة مستويات:
ـ فقد فشل في توعية الجماهير العربية وتعبئتها وتحريضها وتنظيمها في النضال ضد العدو الصهيوني، بل كثيراً ما عمل على إيقاظ المشاعر الدينية العنصرية والنزعات الطائفية. 
ـ لم يساهم في التأسيس لمشروع مقاومة للاحتلال والمشروع الصهيوني والراسمالي برمته (دون التنكر لنضال الحركات الاسلامية المقاومة في لبنان وفلسطين، والتي تكافح ضد الاحتلال والمشروع الصهيوني على أسس وطنية وقومية لا على مرتكزات الخطاب الديني).
ـ لم يوفق الخطاب الديني في كسب التأييد العالمي لقضايانا سواء على المستوى الرسمي او الشعبي. 

نهج الخطاب الديني

يعجز الخطاب الديني عن تحليل الواقع القائم وتفسير تطوراته ومتغيراته لان التفسير الديني بطبيعته تفسير نصوصي يفتقر الى التحليل المادي التاريخي ويرتكن، في فهم الواقع والطبيعة والمجتمع والتاريخ، الى قوى غيبية ومشيئة ربانية وتفسيرات ميتافيزيقية مثالية. وهي أدوات لاتاريخية تعجز عن فهم الصراع في بلادنا وطبيعة تناقضاته ومكونات العدو الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني. 

1) يخفق الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في فهم وتفسير أوضاع الجماعات اليهودية وتطور الحياة اليهودية في المجتمعات التي عاشوا فيها. ولهذا السبب فانه يخفق أيضاً في فهم السياق الذي نشأت في إطاره الصهيونية وعلاقتها بهذه الجماعات بكافة فئاتها (الفقيرة والبرجوازية، المندمجة في المجتمعات التي كانت تقيم فيها أو المنعزلة عنها، المتدينة أو العلمانية…). 

قد يكون الجهل المعرفي لهذه الاوضاع احد الاسباب الهامة وراء ذلك، إلا انه حتى عندما يتوفر الكم المعرفي والمعلوماتي، فان الخطاب الديني لا يرقى الى المنهج التحليلي لفهم التاريخ والقوى المحركة له كديناميكية حيّة والى فهم التناقضات بين القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية كعامل أساسي في صنع التاريخ وحركته. 

2) كما يخفق الخطاب الديني في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في إطار تطور حياة وأوضاع الجماعات اليهودية عبر العصور وعبر المجتمعات. ومن هنا، وللسبب ذاته، فانه يفشل في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في نشوء الدعوة الصهيونية وتبلورها كحركة سياسية تدّعي تمثيل المصالح اليهودية وتعمل على حل المسألة اليهودية باقامة “وطن قومي” لليهود في فلسطين، من جهة، وتحالف الصهيونية مع الراسمالية العالمية كوليدة وأداة لها، من جهة اخرى. 

3) بالاضافة الى ان الخطاب أو التفسير الديني لا يلتقط ولا يعير الاهمية لتلاقي المصالح وتحالف الصهيونية مع الراسمالية العالمية.

لهذا الاسباب وغيرها، يعجز الرد الديني عن تفسير جذور وأسباب الصراع العربي ـ الصهيوني وحلوله تفسيراً موضوعياً بل نراه ينسج من حوله الاوهام والغيبيات.

مخاطر نهج الخطاب الديني

أ ـ تديين الصراع وتسييس الدين: للاسباب المذكورة، فان الرد الديني يقدم فهماً مشوهاً لاسباب وجذور الصراع ويتوه في مطلقات غيبية تؤدي الى الانزلاق في تديين الصراع أي التأسيس لفهم الصراع في بلادنا على أنه صراع ديني، فيتحول صراعنا مع الصهيونية وكيانها الى صراع مع اليهودية واليهود، أما صراعنا مع الامبريالية الاميركية والراسمالية العالمية فيصبح حرباً ضد النصارى والصليبيين والكفّار. ان السقوط في فخ تديين الصراع في بلادنا لهو كارثة، بل هو أكبر المخاطر التي تحيق بنضالنا ومستقبلنا، ناهيك عن ان الصهيونية والغرب الراسمالي دأبا لعقود طويلة على تغذيه وتسعير مثل هذه المفاهيم.

ما نود ان نخلص اليه هو ان مثل هذا النهج يؤدي الى طمس وتشويه طبيعة الصراع ومعسكر الاعداء؛ والى تشخيص العدو على أساس مكوناته الدينية. ويفضي هذا بدوره الى اعتبار ان صراعنا هو مع اليهودية (كديانة) واليهود (كأتباع لهذه الديانة) مما يحرف بوصلة نضالنا عن العدو الرئيسي: الصهيوني. كما ام مثل هذا الوهم يفرش الارضية للتمييز على أساس الدين وتسعير النزعات والاحقاد الطائفية. وعليه، فانه في أجله البعيد وفي رده الديني على “يهودية” الدولة الصهيونية، يفضي الى طرح الحلول الدينية والطائفية البديلة في بلادنا والدعوة الى إقامة كيانات “دينية” كنقيض للكيان الصهيوني، تقوم هي ايضاً على حوامل دينية ونزعات طائفية. ولا يخفى ان مثل هذه الدعوات تلقى الكثير من “الترحيب” والصدى من العديد من القوى والنزعات كما انها تجد في واقعنا الراهن تربة خصبة لها.

ب ـ عبثية السجال الديني: دون الانتقاص من الجوانب الدينية واللاهوتية والفكرية التي تهم المعنيين والباحثين بهذا الشأن، إلا أن الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية والدحض اللاهوتي للنبوءات التوراتية من منظور توظيفاتها السياسية، يجرنا، بحكم كونه جدلاً دينياً، الى المحاججة الدينية المعاكسة ويوقعنا في فخ السجال الديني العقيم وتصوير صراعنا مع الصهيونية والغرب الراسمالي على أنه صراع ديني.

وتتجلى عبثية مثل هذا النهج في انه يحرمنا من فرصة تقديم نقد موضوعي تاريخي يستند الى وقائع التاريخ وحقائقه، إضافة الى أنه يخلق الانطباع باننا نعادي اليهودية كعقيدة دينية مهما حاولنا تفادي هذا الانطباع الذي تحرص الدعاية الصهيونية دوماً على تعزيزه. ونكون بذلك قد قدمنا للصهيونية سلاحاً مجانياً وإضافياً لإلصاق تهم العنصرية والشوفينية والتعصب الديني بنا وبنضالنا وبقضايانا العادلة. فالعدو الصهيوني غير معني بمثل هذا الجدل الذي مرّ عليه أكثر من قرن، بل لعله معني بالمزيد من إلهائنا وحرفنا عن المعارك الرئيسية.

بالرغم من أن العديد من مفكري الحركة الصهيونية وقادتها السياسيين، بما فيهم مؤسسها ثيودور هرتسل، كانوا من العلمانيين والملحدين، فقد أتقن الصهاينة توظيف الدين ومقولاته في خدمة مشروعهم منذ بداية الفكرة الصهيونية، ولاحقاً في تغذية الهجرة والاستيطان الصهيوني لفلسطين. ولم يتوقف هذا التوظيف يوماً حتى بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، وما زلنا نشهده يومياً في نهب الارض العربية وبناء المستوطنات الصهيونية في مرتفعات الضفة الغربية المحتلة. ولم يتواني الصهاينة وحاخاماتهم يوماً عن إستحضار كل ما اوتوا به من أساطير توراتية لتبرير جرائمهم.

أما دحضنا ومحاججاتنا لمقولاتهم الدينية على مدى قرن من الزمان، فقد ذهبت أدراج الرياح، لانهم لم يأبهوا يوما بها. ولعل ما قاله الحاخام ياكوف سافيرونقلته وكالات الانباء (30 مايو 2009) يعبر عن هذا بجلاء: “ان الانتقادات الدولية للاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية” سخيفة لان الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب ان يرحلوا الى مكان آخر”، ثم أضاف: “ان هذه الأرض هي ارض يهودية – انها ديارنا”. 

أما السجال الديني مع الغرب المسيحي فهو هدر للطاقات لا جدوى منه، بالرغم من الترويج الذي نشهده منذ سنوات ل”حوار” الاديان والثقافات. فرأس المال لا دين له ولا ثقافة سوى الربح والربح الاقصى. أما السياسة، فهي مصالح إقتصادية وسياسية واستراتيجية لا تجدي فيها جلسات الحوار الصوفية. وبعد هذا فانه لا يهمنا الكلام المعسول من مفردات الحوار والتسامح … الى آخر تلك المعزوفة الممجوجة. الغرب الراسمالي في مستواه الرسمي، مستوى قواه المهيمنة وطبقاته الحاكمة، معني فقط بمصالحه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية: نهب ثروات الشعوب والهيمنة على مقدراتها. أما على المستوى الشعبي، مستوى الثقافة الشعبية المسيحية الغربية، فان الغرب يصدق ما يقوله الصهاينة وحاخاماتهم. والى أن نعود الى هذه المسألة لاحقاً، نكتفي الآن بالقول بان الغرب قد إستدخل المقولات الدينية اليهودية في معتقداته الايمانية وشعائر عبادته كما في ثقافته ومنظومة قيمه فأصبحت هذه المقولات احدى المكونات الهامة لهويته الثقافية. 

ملاحظة في مصطلح “الغرب الراسمالي”

لا ينطلق مفهومنا “للغرب الراسمالي” من مفهوم عرقي او عنصري أو إثني او شوفيني. بل اننا نستخدم مفردة “الغرب الراسمالي” كمصطلح سياسي من منطلق فهمنا للتناقض الرئيسي في بلادنا على انه تناقض بين مشروعين متناحرين: (1) المشروع التحرري ـ التنموي ـ القومي العربي، و(2) والمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني الذي يسعى منذ ما ينوف على قرنين من الزمن الى الهيمنة على بلادنا وشعوبنا بمقدراتها وثرواتها. وعليه، فان استخدامنا لمفردة الغرب الراسمالي يدلل الى مستويين:
أ ـ الغرب الرسمي: بطبقاته الحاكمة وقواه المهيمنة التي تقود مشروع الهيمنة على بلادنا وشعوب العالم الثالث والعالم باسره.
ب ـ الغرب الشعبي: ولا نقصد الانسان والفرد الغربي، بل ما يتضمنه ذلك من ثقافة شعبية ودينية ونظم قيمية وتاريخ وتراث …الخ. وهذا التحديد لا يعني معاداة الآخر الغربي المسيحي ولا يلغي وجود فئات وقوى سياسية واجتماعية مؤيدة لنضالنا وقضايانا، بل هو يبقي الباب مفتوحاً كي نلتقي مع هذه القوى ونحاورها ونناضل معها ولكن على ارضية برنامج مشترك يقوم على مبادئنا وثوابتنا الوطنية والقومية ويخدم قضايانا العادلة.

تحديات التعامل مع الغرب الراسمالي
مركزية اليهود واليهودية في الثقافة الغربية

بدءً، تجدر الاشارة الى ضرورة التمييز بين المقولات التوراتية لدى اليهود كما وردت في الديانة اليهودية، والمقولات الانجيلية (المسيحية) أي تلك التي تشمل التأويلات والتفسيرات (الحَرْفية) للمقولات التوراتية لدي المسيحيين وعلى وجه الخصوص أتباع الحركات والطوائف البروتستانتية. 

وتنبع أهمية المقولات الانجيلية هذه من أنها تُعتبر أحد المنابع الرئيسية للثقافة السائدة في الغرب. وقد تغلغلت هذه المقولات، على مدى قرون طويلة، الى الوجدان الغربي ووعيه وثقافته الشعبية السائدة وأصبحت، في نظر الاغلبية الشعبية من المواطنين، “مسلمات” لا يرقى اليها الشك والتشكيك وليست قابلة للجدل أو التساؤل. ومن أهم تجليات هذه المقولات في العقلية والوعي الغربي هو تفرد اليهود وخصوصياتهم كشعب الله المختار وحقهم في العودة الى الارض التي وعدهم الله بها.

من هنا ندرك ان “مركزية” الموقع الذي يحظى بها اليهود والادعاءات اليهودية في الخطاب والثقافة الغربيين، تعود في جزءٍ هامٍ منها، الى العقيدة المسحية في المجيء الثاني للمسيح من أجل الخلاص البشري وإشتراط مجيئه هذا بعودة اليهود الى “أرض الميعاد” وفق المشيئة الربانية لتحقيق هذه النبوءة. بهذا المعنى، فان خرافة العودة توضح أهمية هذه المقولة ودورها المركزي الذي يحظى به اليهود في الوجدان الغربي، وسيظل اليهود يحتلون هذا الموقع في الثقافة الغربية الى أمدٍ طويل، حيث ان المجيء الثاني للمسيح مرتبط بعودتهم الى فلسطين.

من هذا المنطلق فان الغرب يرى الصهيونية كحركة يهودية جاءت لإحياء الدين والتراث اليهوديين، وكآلية ووسيلة لتحقيق النبوءات التوراتية وتجسيد الحلم اليهودي في العودة. ومن هنا فان الغرب يرى ان الصهيونية فكرة وحركة قديمة قدم التاريخ.

هذا هو باختصار تفسير المسيحية وخصوصاً البروتستانتية لمقولات جاءت في التوراة ثم تكررت بمجملها في العهد القديم من الكتاب المقدس للمسيحيين. 

خطابنا وخطابهم:
أين نجحوا وأين أخقفنا؟

لقد أتقن الخطاب الصهيوني استخدام وتجيير المفاهيم الغيبية والاساطير التوراتية لتحقيق مشروعه فأدخلها الى وعي اليهودي وإستدخلها هذا الاخير كوسيلة للخلاص اليهودي (الفردي والجماعي)، وتحقيق “الحلم اليهودي” في اقامة “الوطن القومي” في فلسطين، والتخلص من الاضطهاد “الازلي” لليهود. ولم تنجو من هذا الوعي المشوه سوى القلة القليلة التي تعارض الصهيونية على خلفيات متعددة من لاهوتية الى علمانية وسياسية وايديولوجية. أما الكثرة فقد إبتلت بهذا الوعي المشوه وتجسيده المادي في الكيان الصهيوني ومقولة “حق اسرائيل في الوجود”، فعجزت دون إستثناء عن تجاوز هذا “الخط الاحمر” بغض النظر عما أتت به من تبريرات وفذلكات تقدمية ويسارية وإشتراكية وماركسية وتروتسكية وغيرها. لقد فرشت الدعوة والدعاية الصهيونية في ذهن ووعي اليهودي، والى حد ما وعي المسيحي الغربي، (1) الارضية لفهم براجماتي لمصالحهم إستدخله كل من اليهودي والغربي المسيحي، كل في سياقه، حتى بلغ مواطن الوعي والوجدان (سواء كانت هذه المصالح شخصية أو جمعية، طبقية او أجتماعية أو اقتصادية، او تلبية لرغباتهم او قناعاتهم العقائدية والدينية، أو دغدغة لمشاعر النفي والمنفى والحنين الى صهيون…الخ)، (2) كما ان الصهيونية قدمت لهم مشروعاً وبرنامجاً (سياسياً وتنظيمياً وعملياً) لتجسيد هذه المصالح. 

نخلص من هذا ان الصهيونية نجحت عبر سنوات الاستيطان وبناء الكيان الصهيوني، في المقاربة المستديمة بين الفكرة والمشروع الصهيونيين من جهة، ووعي اليهود من جهة اخرى (من حيث انها رأت فيهم مادة الاستيطان ووقود المشروع الصهيوني)، وخلقت الآليات لتضليل أتباعها وصهرهم في تنظيمات وجمعيات شحذت جهودهم في خدمة المشروع وأفكاره “ومثله” (نموذج الكيبوتس والهستدروت وغيرهما من آليات التلقين والعمل التنظيمي والدعاوي). 

ولعله من نافلة القول تكرار مقولة ان المشروع الصهيوني لم يكن ليحظى بالنجاح دون توظيف العوامل المحلية والاقليمية (في اوروبا الشرقية والغربية) والدولية، ودون التحالف والتلاقي المصلحي (الطبقي والاقتصادي والسياسي) بين القوى البرجوازية اليهودية والحركة الصهيونية من جهة، ومثيلاتها من القوى الاستعمارية والحاكمة في اوروبا الغربية والولايات المتحدة من جهة اخرى. إلا انه هذا لا ينفي، وينبغي الا يقلل من أهمية الحقيقة الملازمة للصهيونية وهي انها قدمت نفسها كممثلة “للمصالح القومية اليهودية” (الفردية والجمعية)، وهكذا إستدخلها الوعي اليهودي والمسيحي الغربي، ودأبت منذ بداية فكرتها على مقاربة هذه المصالح مع المشروع الصهيوني عبر:
1) تحقيق مصالح البرجوازية اليهودية (المندمجة والمتحالفة مع البرجوازية الاوروبية)؛ 
2) الإدعاء بالعمل على تحقيق مصالح فقراء اليهود (البروليتارية اليهودية) في إنقاذهم من الاضطهاد والتمييز وإيصالهم الى شاطىء الامان في الدولة الموعودة و”طنهم القومي”؛ 
3) وأخيراً، وهو ما يهمنا، الولوج الى وعي اليهودي عبر توظيف الدين والتراث اليهوديين، ومن ثم إستدخاله للصهيونية، فكرة ومشروعاً، كمشروع خلاص من الاضطهاد و”كحركة تحرر وطني يهودية” و”كحل” نهائي للمسألة اليهودية عن طريق بناء “الوطن القومي لليهود”، وكذلك إستدخال المشروع الصهيوني كتجسيد للنبوءات التوراتية والمشيئة الربانية وتحقيق الحلم الذي طال إنتظاره.

* * * 
الآن يمكننا الانتقال الى السؤال الثالي، وإن لم نكن في معرض المقارنة مع الصهيونية:
إذا كان الخطاب الصهيوني (من حيث توظيفه للدين) قد نجح في تضليل وكسب الجماعات اليهودية والمجتمعات الغربية لاكثر من قرن من الزمان، فهل إستطاع ردنا الديني، وهل يقوى، على مقارعة الخطاب الصهيوني؟
وهل تمكن هذا الخطاب من إدخال مشروع تحرير فلسطين الى الوعي العربي صاحب الارض والقضية، على غرار ما فعل الخطاب الصهيوني في وعي اليهودي المستوطن القادم من بولندا او روسيا، على سبيل المثال، في مطلع القرن المنصرم؟
هل توفرت لدينا آليات النضال وعوامل الانجاز (التنظيم السياسي والبرنامج السياسي والعملي والقيادة والرؤية والقدرة على إستخدام الاوضاع المحلية والاقليمية والدولي)؟ وهل بوسع الخطاب الديني ان يخلق الوعي العربي بالمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني وفهم مراميه ومخاطره فهماً مادياً وموضوعياً؟
وبالمحصلة، هل يستطيع الخطاب الديني ان يحرض الجماهير وينظم فعلها؟ 

لقد جاء خطابنا الديني في مجمله، (والعلماني في بعض الاحيان)، كرد فعل على الخطاب الصهيوني وغرق في إستنباط الآيات والاقوال القرآنية والانجيلية لدحض الخطاب اليهودي ـ الصهيوني. وبالرغم من الاهيمة البحثية لمثل هذه الشؤون الدينية، فاننا لا نبالغ إذا قلنا أن جلَّ ما قيل وكُتبَ في معرض هذا الدحض الديني وما شق طريقه الى وعي المواطن العربي (في مرحلة يكسوها إستدخال الهزيمة وهيمنة الفكر الغيبي)، لم يتجسد في فهم موضوعي للخطاب الصهيوني المعادي ولم يترجم الى آليات عملية نضالية لمكافحته والرد عليه، ولم يخرج عن آفاق الطروحات الدينية الميتافيزيقية الملقنة. لقد جاء هذا الرد في مجمله، كما أسلفنا، من قبيل السجال الديني والمحاججة واللاهوتية وإستخراج الاقتباسات والاستشهادات القرآنية والانجيلية. وكثيراً ما تم هذا السجال في فضاءِ مشحون بالتعصب الديني وخلط الاوراق والمفاهيم ومعاداة اليهودية والمسيحية أو اليهود والمسيحيين الغربيين كأتباع لهذا الديانات، بدلاً من ادارة الصراع مع القوى والمشاريع والمخططات الاقتصادية والسياسية الراسمالية الغربية والصهيونية. 

رب قائل بان للدين والمحاججة الدينية دور فعال في مجتمعاتنا وفي التأثير على المواطن والرأي العام، وهو ما يجيز إستخدامهما كأدوات تثقيف للمواطنين وتوعيتهم وتحريضهم على النضال ضد العدو المحتل. ويتابع أصحاب هذه الحجة، إذا كان الصهاينة والغرب الراسمالي قد سخروا الدين في خدمة أهدافهم على مدى عقود من الزمن، فما الذي يعيب علينا ان نستخدم الادوات ذاتها؟

لا شك في ان إستخدام الدين، كعاملٍ وفاعلٍ واحدى مكونات الهوية الثقافية، يلعب دوراً هاماً وفعالاً في المجتمعات والتقليدية منها على وجه الخصوص، وفي عملية خلق وتكوين الوعي والوجدان، إلا انه لا يؤسس لمشروع تحرير وطني إبتلى بهذا المعسكر من الاعداء وبعوامل التعقيد والتعثر ما لم تواجهه حركة تحرير وطنية في التاريخ. كما ان توظيف الدين لا يؤسس لفهم موضوعي لطبيعة ومكونات الصراع القائم بين مشروعنا العربي (التحريري ـ النهضوي ـ التنموي) من جهة، والمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني من جهة أخرى. إذ إننا نقف امام صراع يكاد يكون أزلياً، إحتدم على ارضنا لما ينوف على قرنين من الزمن، وكان من أهم عبره ودروسه أنه ليس صراعاً دينياً، وإن إتخذ لبوس الدين وإحتقن بالكثير من المظاهر والتجليات الدينية، بل هو مشروع هيمنة راسمالية ـ امبريالية يقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين في القلب منه بهدف تجزئة الوطن العربي والهيمنة عليه، ومن هنا كانت الصهيونية وكيانها وليدة راس المال العالمي وأداة وظيفية في خدمته.

ما نريد ان نخلص اليه هو انه ما لم يتوفر لدينا الفهم الموضوعي للنبوءات التوراتية ولتوظيفاتها السياسية، فان ردنا الديني الداحض، ومجمل خطابنا الدعاوي والاعلامي، لن يعدو كونه جدلاً لاهوتياًً عقيماً لا طائل تحته. وفي هذا، فهو يخدم الدعاية الصهيونية ويغريها الى المزيد من إلهائنا وهدر جهودنا، ناهيك عن مخاطر الانزلاق في الصراع والتعصب الديني والتأسيس لاصولية دينية أضحت منفلته في مجتمعاتنا. لن يكتب لنا النصر في نضالنا العادل إذا قام هذا النضال على عكازات دينية دون التأسيس لوعي نقدي جذري وثوري. 

لذا نرى أن البحث في حقيقة الصهيونية وتعرية أكاذيبها والرد على النبوءات التوراتية، التي إستغلتها أفضل إستغلال، لا يتسنى بالرد الديني، بل يجب ان يتجه نحو فضح الصهيونية في مفاهيمها السياسية والاستعمارية والاستيطانية وتحالفها مع راس المال العالمي، وتجليسها بدقة في الثالوث المعادي: الراسمالية والامبريالية والصهيونية. اما الخرافات الدينية والتوراتية فيجب فهمها من خلال توظيفها لخدمة الاغراض السياسية للصهيونية والامبريالية الغربية.

ولعل المحك التاريخي الاكثر مصداقية يكمن في السؤال التالي: فماذا حقق الرد الديني حتى يومنا هذا وما هي إنجازاته؟ 
(2)
النبوءات التوراتية:
عقيدة “العودة” نموذجاً

“العودة”: كذبة تفرخ مسلسلاً من الاكاذيب

الكذب والتزوير ضرورة وسمة أساسية ملازمة لكافة الايديولوجيات العنصرية والفاشية والاستعمارية، وخاصة الاستيطانية والصهيونية. والكذب في هذه الايديولوجيات يتعدى كونه مجرد وسيلة بل يصبح جزءً من طبيعتها وبنيتها، وهو لا يعني لوي عنق الحقيقة فحسب، بل إختلاق وفبركة الحقائق والوقائع وإبتداع المزاعم وتكرارها الى أن تتحول الى مسلمات. 

في البدء، كما يوافينا السرد الصهيوني، كان “شعب الله المختار”، ثم كان “المنفى” الذي ولّد حنين اليهود ورغبتهم الازلية في “العودة” الى فلسطين. كانت تلك اولى أكاذيب التلفيق والتزوير، التي إضحت إحدى المسلمات التي يكاد يصدقها العالم باسره، كما يصدق الاكاذيب التي تفرعت عنها. فطالما ان الله قد إختار اليهود ليكونوا “شعبه المختار”؛ فلا بد، ان يكون لهذا الشعب “بلداً”، فكان أن وعد الله هذا الشعب بالعودة الى وطنه ـ “أرض الميعاد” ـ والتي ستبقى بانتظاره. ويسهل بعد ذلك الاسترسال في مسلسل الاكاذيب لتتصب في غاية واحدة: إستدامة وتأبيد “الحلم الصهوني”. 

ولم تتوقف الخرافات عند هذا الحد من “النبواءت” التوراتية بل تعدته الى بث التلفيقات التي ادعت ان اليهود سعوا خلال الاف السنين للعودة الى فلسطين. وفي أحشاء هذه الاكاذيب ولدت كذبة اخرى مؤداها انه بفضل الحلم اليهودي القديم والازلي في العودة فان حلم إنشاء الدولة اليهودية قديم أيضاً، وان الصهيونية ـ حاملة فكرة العودة وممثلة تلك الرغبة اليهودية، هي قديمة قدم التاريخ. 

هكذا، بايجاز شديد، توالت مشاهد الاكاذيب الصهيونية واحدة تلو الاخرى.

نشأة فكرة “العودة” في العقيدة اليهودية
التزامن بين العودة والصهيونية

يدعي المؤلفون والمؤرخون الصهاينة انه من أجل فهم “العودة” (التي جاءت الصهيونية لتعبر عنها) ينبغي الرجوع الى قديم التاريخ، الى القرن الثامن ق. م. حين سقطت اسرائيل امام هجوم قوات الملك الاشوري سرجون الثاني، في حين يذهب بعضهم الى ان “العودة” رأت النور في مرحلة سبي اليهود بعد هدم الهيكل من قبل نبوخذنصر أي في القرن السادس قبل الميلاد. ومهما تنوعت الاجتهادات، فليس لهذه الاكذوبة سوى غاية واحدة: عقد التزامن والتطابق بين “فكرة العودة” من جهة، والصهيونية من جهة ثانية، من حيث ان هذه الاخيرة جسدت فكرة ومشروع عودة اليهود الى ارضهم الموعودة، فلسطين. وعلى الرغم من سخافة هذا الافتراض، إلا انه نجح في تكريس وتصديق الزعم القائل بقدم رغبة اليهود في العودة الى فلسطين وولادة الصهيونية كفكرة تجسد هذه الرغبة. بعبارة اخرى، فان ما يريد ان يؤكده لنا السرد الصهيوني هو تزامن نشوء “العودة” و”الصهيونية” عبر التاريخ، وهو ما يؤسس لإبتداع “تاريخ يهودي في النضال نحو تحقيق الحلم”. والادلة على هذا الابتداع كثيرة عبر تاريخ الصهيونية، نورد فيما يلي بعضاَ منها:

□ يقول ناحوم سوكولوف: “إنها حقيقة بسيطة…. بدأ تاريخ اسرائيل بالصهيونية. ويبين هذا التاريخ في الازمنة السحيقة طريق تحقيق الصهيونية… فالخروج من مصر كان مثلاً للجمع بين الهجرة والكولونيالية [أي أستعمار الارض ]… والعودة من بابل كانت حدثاً صهيونياً عظيماً”. 

□ أما بن غوريون، فيقول يوم إعلانه تأسيس الكيان الصيوني، 15 أيار 1948، ما يسميه الاسرائيليون “اعلان الاستقلال”: “لقد كانت ارض اسرائيل، اريتس اسرائيل، مسقط راس الشعب اليهودي. هنا صاغ اليهود هويتهم الروحية والدينية والسياسية. وهنا اقاموا دولتهم للمرة الاولى، وشكلوا القيم الثقافية ذات الاهمية الوطنية والانسانية ومنحوا العالم كتاب الكتب الازلي”. ويتابع بن غوريون قائلا: “وعليه، فنحن اعضاء مجلس الشعب وممثلو اليهود في اريتس اسرائيل والحركة الصهيونية، الملتئيمن في هذا اليوم، يوم جلاء الانتداب البريطاني عن اريتس اسرائيل، واستنادا الى حقنا الطبيعي والتاريخي، وبموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة، نعلن هنا تأسيس الدولة اليهودية في اريس اسرائيل لتعرف باسم دولة اسرائيل”.

□ أما نتنياهو فيعود ليؤكد على المقولة اليهودية- الصهيونية، قائلا: “لكن حقنا بإقامة دولتنا هنا، في أرض إسرائيل، ينبع من الحقيقة البسيطة: هذا وطن الشعب اليهودي، وهنا تَشكَلّ وعيه”. 

معنى “العودة” في العقيدة اليهودية

لم تكن “أرض الميعاد”، حسب المعتقدات الدينية اليهودية، تعني جغرافية فلسطين، بل كانت مفهوماً يعبر، من منظور تلك العقيدة، عن ارض لاهوتية إفتراضية لا جغرافية. وعليه، فان العودة في اليهودية لا تعني العودة الى فلسطين. ناهيك عن ان اليهود يؤمنون بان العودة الى “ارض الميعاد” ستتحقق عند “مجيء المسايا” (المسيح المخلص) وبمشيئة ربانية. 

صحيح أن الانبياء تحدثوا عن تجميع بقايا اليهود من شتى بقاع الارض، وادعوا بان الرب سيعيد شعبه الى أرضهم في جبل صهيون، إلا ان ذلك ارتبط عبر الاجيال بالمعنى الديني بقدوم المسيح وحلول الآخرة. إلا انه “بمرور الاجيال وإخفاق حسابات المتدينين لتحديد موعد “اليوم الآخر” ساد إقتناع الطوائف اليهودية ان معجزة قدوم المسيح المرتقب ستحل في موعدها بارادة الرب ولذلك فمن التطاول والتجديف السعي للاسراع بها، ولم يتخل المتدينون عن هذا الرأي وقاوموا الصهيونية حتى وقت متأخر جداً.” وجدير بالذكر، في هذا المقام، ان الراب منشي بن اسرائيل الذي سافر الى إنجلترا في القرن السابع عشر ليسترحم حاكمها كرومويل كي يسمح باستيطان اليهود في تلك البلاد، كان يعلن ان على اليهود ان ينتشروا في اربعة أطراف المعمورة قبل ان يعيدهم الرب الاله الى “ارض الميعاد”. 

وإعتماداً على تراث القرن التاسع عشر، لاحظ الباحثون “ان الوعد بقدوم المسيح إفترض ان لا يقوم اليهود باي عمل لاعادة سيادتهم (القومية)، فعليهم ان يواصلوا رسالتهم بين الامم على إعتبار ان الخلاص سيأتي من جرّاء تدخل إلهي”. ويرى د. إميل توما ان التدقيق التاريخي يكشف “ان ترقب المسيح بين الطوائف اليهودية، الذي كان يقترن طبيعيا بالعودة الى صهيون، كان يشيع في اقطار عينية وفي تواريخ محددة (في سورية في القرنين السابع والثامن، وفي إسبانيا في القرن الحادي عشر). في حين كانت الطائفة اليهودية في ذلك القطر أو ذاك وفي التاريخ المعين، تعيش في ظروف صعبة، تتوق الى الخلاص فتتشبث بالمسيحية [أي فكرة قدوم المسيح المخلص ـ م.ع.] وفكرة العودة الى صهيون”. ويتابع توما: “ولكن هذه الفكرة كانت دينية ولذلك لم تتجسم تنظيمياً الا في حالات قليلة جداً وفي أقاليم عينية. وهكذا تجسمت في سورية تنظيماً في القرنين السابع والثامن، وكانت إشتياقاً دينياً شائعاً في إسبانيا في القرن الحادي عشر، وهذا الشكل التنظيمي لم يتجاوز بضع حالات إندثرت عبر القرون وإنتهت في القرن السابع عشر.” 

أما المرحوم د. عبد الوهاب المسيري فيخلص الى انه رغم الاختلافات في وجهات النظر والتأويلات اليهودية والحاخامية لعقيدة العودة، “على وجه العموم، يمكن القول بان أعضاء الجماعات اليهودية قد قبلوا وجودهم في الاوطان التي كانوا يعيشون فيها، وان الحديث عن المنفى أصبح جزءً من الخطاب الديني، وأصبحت العودة تطلعاً دينياً وتعبيراً عن حب صهيون أي تعبيراً عن التعلق الديني بالارض المقدسة وهو تعلق ذو طبيعة مجازية، لا يترجم نفسه الى عودة حرفية الى فلسطين، حتى وان خلق إستعداداً كامناً لذلك”. 

يتضح من هذا، وهو ما نود الاشارة اليه، الفرق بين الشوق والحنين الديني الى صهيون، من جهة والصهيونية كايديولوجية وحركة سياسية تسعى الى إقامة مستوطنة يهودية في فلسطين، من جهة ثانية. ولا يغير في الامر شيئاً ان الصهيونية السياسية إقتبست هذا الشوق او الحنين، بل يؤكد انها إستخدمت الدين اليهودي والنبوءات التوراتية في أغراضها السياسية وسخرتها في إبتداعها لفكرة “الشعب اليهودي” وعودته.

التأويل البروتستانتي “للعودة”

ظل مفهوم العودة في العقيدة اليهودية، كما رأينا، مقتصراً على “الحنين الى اوراشليم” و”الشوق الى صهيون” “والى مجيء المسايا” بدلالاته الايمانية واللاهوتية، حتى مجىء الجماعات الانكليزية البيوريتانية والحركات البروتستانتية، التي شاعت في اوروبا وخاصة في انكلترا ثم هاجرت لاحقا الى اميركا الشمالية، والتي إبتدعت تأويلات الخرافات والاساطير التوراتية واستدعت التفسيرات الحرفية لها، فتحولت فكرة العودة من “تطلع ديني روحاني” الى عودة فعلية أي إستيطانية الى فلسطين تبلورت لاحقاً، بعد ما ينوف على ثلاثة قرون، في المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. 

ومع ان الصهيونية السياسية فكرة غير يهودية في جذورها ونشأتها، إلاّ أن هذا لا ينفي ان الديانه اليهودية قد زودتها (الصهيونية) بالعودة كعقيدة دينية إيمانية، ثم قامت الصهيونية بنسج حبال الاكاذيب والاوهام حول هذه الكذبة فإبتدعت “القومية اليهودية” على اسس دينية خرافية، بغية إيقاظ الحنين لصهيون وارض الميعاد وإجتذاب اليهود الفقراء وتهجيرهم الى فلسطين، مستغلة أوضاعهم البائسة في بناء القاعدة الاستيطانية هناك.

أما المفارقة التاريخية اللافتة فهي انه فيما غرق مسيحيو الحركات البيوريتانية والبروتستانتية في هذه الخرافات والخزعبلات، كانت الجماعات اليهودية تجهد في البحث عن الاستقرار والاندماج في المجتمعات التي تواجدت فيها، ولم يشهد تاريخهم، حتى ولادة الصهيونية الهرتسلية (1897)، أن قامت بينهم حركات سياسية تطالب بالعودة الى فلسطين. وحتى عبر فترات الاضطهاد الذي عانت منه الطوائف اليهودية، لم تنشأ ايديولوجيا صهيونية ولا حركة تدافع عن اليهود أو تدعو الى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين أو في غيرها، بل ظلت فكرة العودة الى ارض الميعاد محصورة في إطارها “الالهي” اللاهوتي وإقتصرت على مشاعر الحنين الدينية.

وعليه، فبالاضافة الى إنتفاء الدعوة الدينية اليهودية (التي كانت تنتظر قدوم المسايا حسب المشيئة الربانية) وغياب المطالبة السياسية (التنظيم السياسي والبرنامج الذي يضطلع بانجازها)، فان اليهود لم يسعوا، عبر محطات تشردهم للعودة الى فلسطين، ولم يقصدوها عبر موجات ترحلهم وهجراتهم على مدى القرون المديدة. 

المعارضة اليهودية لفكرة “العودة”

كان من الطبيعي ان تواجه الصهيونية في المراحل المبكرة عداءً سافراً من فئات وتيارات يهودية متعددة شملت المتدينين والليبراليين والثوريين والاشتراكيين وقطاعات كبيرة من الجماهير اليهودية الفقيرة، حيث لم يقتنع هؤلاء بان الخرافات التوراتية كفيلة بان تشكل اساسا للوطن القومي او ان ذلك الوطن المنشود سينهي الاضطهاد ويوفر لهم الأمن والاستقرار. 

لقد ألمحنا ان الكثيرين من اليهود الارثودوكس عارضوا (وما زالوا يعارضون) فكرة الصهيونية ومشروعها لانهم رأوا فيها تحدياً للارادة الالهية وتدخلاً بشرياً بغية التعجيل بقدوم النبوءة. إضافة الى أن الكثير من الباحثين والحاخامات أكدوا انه لا وجود لاية اشارة “لمبدأ أو عقيدة العودة الى فلسطين” في “كافة المحاولات التي تمت في العصور الوسطى لصياغة عقيدة يهودية”. 

إشتبك أصحاب الحركات الاندماجية والتنويرية اليهودية، في معارضتهم للصهيونية، ورأوا في “العودة الى صهيون” مجرد فكرة روحية دينية لا رغبة حرفية، ونادوا بان ازالة “واقع المنفى المؤلم والمؤقت” يجب أن تكون من خلال الاندماج في المجتمعات التي يعيش فيها اليهود. 

أما فقراء اليهورد فقد رأوا مهمتهم في الانخراط في النضال الثوري والاشتراكي من أجل تحقيق العدالة ومحو الاستغلال سوية مع القوى الثورية الساعية الى التغيير في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها. 
(3)
العودة:
من مشيئة ربانية الى مشروع استيطاني

ظهرت الصهيونية في اواخر القرن التاسع عشر في سياق إجتماعي وتاريخي اوروبي إتسم بالصفات الرئيسية التالية: 

1) صهينة فكرة “العودة”: ذكرنا سابقاً أن فكرة “العودة” بتفسيرها المتصهين أصبحت تعني العودة الى “ارض الميعاد” أي فلسطين، وانها لم تكن يهودية في الاصل بل مسيحية بروتستانتية، ولم تولد في ألمانيا أو بولاندا أو روسيا حيث كانت تقيم أغلبية يهود اوربا والعالم ، بل كانت قد نمت أولاً في انجلترا والتي لم يكن فيها آنذاك سكان يهود، ثم إرتحلت عبر الاطلسي مع الحركات البيوريتانية والبروتستانتية الى المستوطنة الاوروبية البيضاء حديثة العهد آنذاك: الولايات المتحدة الاميركية والتي لم يكن فيها يهود أيضاً.

إنتقل تفسير “العودة”، بفضل تسييس المعتقدات الدينية الذي بشرت بها ودعت اليها الحركات المسيحية البروتستانتية، من فكرة يرتهن تحقيقها بالمشيئة الالهية الى مشروع بشري (سياسي) مرهون بالارادة والفعل البشريين، وبهذا يكون الاصلاح البروتستانتي قد كرس التأسيس الديني ومهد السبيل للمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. 

2) أوضاع الجماعات اليهودية في اوروبا: شهدت الجماعات اليهودية المقمية في اوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر العديد من المخاضات والمتغيرات العميقة كان أهمها:
ـ تحالف البرجوازية اليهودية وإندماجها وتلاقي مصالحها مع البرجوازيات الاوروبية الحاكمة والمهيمنة؛ 
ـ صعود الحركات الاندماجية اليهودية وحركات الاصلاح الديني اليهودية الداعيتين الى رفض فكرة المنفى؛
ـ إنخراط فقراء اليهود في نشاط الحركات الثورية والاشتراكية في المجتمعات التي كانوا يقيمون فيها.

3) المعارضة اليهودية للصهيونية: رفض دعاة حركة التنوير اليهودية (الهاسكالا) التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر والحركات اليهودية الاندماجية فكرة القبول “بالمنفى” ونادوا بالكف عن الانتظار السلبي “للماشيح” ، وحثوا اليهود على ان يحصلوا على الخلاص بانفسهم. 

ومع الارهاصات الاولى للحركة الصيونية كانت مسألة “العودة” في التجمعات اليهودية الاوروبية قد حسمت بين:
ـ اليهود “الاندماجيين” الذين نادوا بانصهار اليهود في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها واعتبروا العودة فكرة لاهوتية مثالية؛
ـ “والانفصاليين” الذين دعوا الى ان يعمل اليهودي بنفسه للعودة الى ارض الميعاد دون انتظار الامر الالهي. 

4) الاوضاع الاوروبية: إتسمت الاوضاع الاجتماعية والسياسية في اوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بإحتدام المعارك الطبقية للحركة البروليتارية العاليمة وتحول الفكر القومي الاوروبي الى حركات عنصرية واستعمارية وشوفينية، وإنتقال النظام الراسمالي الى حقبة الامبريالية. ففي خضم هذه الارهاصات، ولدت الفكرة الصهيونية السياسية وإتخذت من التراث الديني اليهودي ما يتفق وغاياتها السياسية وأوَّلت المفاهيم اللاهوتية والدينية المجازية الى مفاهيم حَرْفية تستدعي التنفيذ الفعلي هادفة الى ترسيخ الادعاتءات التالية:

أ ـ ترسيخ الافضلية والاستثنائية اليهودية (“إستثنائية الشعب اليهودي”) كشعب مختار على السكان الاصليين للمستوطنة الموعودة في فلسطين.

ب ـ ترسيخ كذبة اخرى كامنة في كذبة العودة، ان اليهود أينما كانوا وبالرغم من تعدد خلفياتهم الثقافية والحضارية والعرقية، هم شعب واحد تشتت وإبتلى بامراض المنفى. وعليه فحل مشكلته، تقول الكذبة، يكون في إقامة وطن قومي يهودي، يعيد لهذا الشعب وحدته المهدورة ويشفي اليهود من أمراض وتشوهات المنفى.

في هذا السياق جاء ثيودور هرتسل، في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، ليأخذ معنى العودة بدلالاتها السياسية البراغماتية ويوظفها في خدمة الحركة الصهيونية. وبالرغم من هيمنة الاثرياء اليهود على المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية (بازل، سويسرا عام1897)، وإعتماد هرتسل على دعم البرجوازية اليهودية، فانه كان يدرك إن إقامة “الدولة اليهودية” المزعومة كان يتطلب اكثر من مجرد أموال روتشيلد وغيره من أثرياء اليهود (والتي بلغت ما يكفي لبناء عشرات الدول مثل فلسطين). فقد تطلب مشروع استيطان فلسطين، بالاضافة الى أموال البرجوازية اليهودية، إستعداد ولو قسم من اليهود للانتقال الى هذا البلد، ناهيك عن الدعم العسكري الذي سعى هرتسل لتأمينه من الدول الامبريالية. 

لقي هذا التوجه إرتياحاً لدى البرجوازية اليهودية، وتحقيقاً لمصالحها، فقد أدركت هي
الاخرى أن النجاح لن يكتب للمشروع الصهيوني إلا اذا إنتشرت الدعوة بين فقراء اليهود ولقيت دعمهم لانهم يشكلون موضوعياً مادة الهجرة اليهودية والوقود البشري للمشروع الصهيوني الاستيطاني. 

كان لابد لهرتسل ومنظمته الناشئة المتحالفة مع البرجوازية اليهودية، ان يقدموا مشروعاً لحل المسألة اليهودية وإقامة الدولة اليهودية الموعودة يجمع بشكل متكامل كلاً من المكونات الدينية/التراثية اليهودية من جهة، والاهداف السياسية من جهة أخرى. هكذا كانت ولادة الصهيونية الهرتسلية التي جمعت “المشترك” الديني/التراثي والسياسي في تنظيم ومشروع سياسي واحد: 

○ فعلى المستوى الدين/ التراثي إدعت الصهيونية بانها جاءت لتجديد العقيدة والتراث اليهوديين وإحياء الحلم اليهودي في العودة الى الارض الموعودة؛ 

○ وعلى المستوى السياسي بلورت برنامجاً سياسياً وظف الادعاءات الدينية والتراثية، مما ضمن للبرنامج الصهيوني القبول والدعم الواسعين بين الجاليات اليهودية في اوروبا وخاصة الشرقية منها.
(4)
التوظيف السياسي لعقيدة “العودة”

نستعرض في الجزء الاخير من هذه المقالة، أهم التوظيفات السياسية لعقيدة العودة من خلال المنظور الصهيوني.

1) ثنائية المنفى والعودة: ركيزة “الاستثنائية اليهودية”

كان من أهم وظائف خرافة “العودة” التأسيس لفكرة واسطورة “الاستثنائية اليهودية” أو كما يسموها “خصوصيات الشعب والتاريخ اليهودي” أو “إستثنائية الشعب اليهودي”، والتي كانت بدورها ركيزة للعديد من الاكاذيب والفبركات التي أتت بها الصهيونية وإستند عليها مشروعها الاستيطاني في فلسطين. وتأسس هذه الاسطورة لفرضية “إحساس اليهود الدائم بالنفي ورغبتهم في العودة الى ارض الميعاد”، والذي يتم تصويره على انه جزء ثابت من المكونات الاساسية لطبيعة اليهود البشرية. 

يمكننا إيجاز ثنائية “النفي/المنفى ـ العودة”، وفق السرد الصهيوني، على النحو التالي: لقد حكم الله (إله اليهود) على شعبه المختار بالنفي والتشتت في بقاع الارض، وسوف يستمر هذا التشتت الى أن يعود الماشيح المخلص. وعلى هذه الركيزة قامت الاساطير وتوالت الخرافات التوراتية اليهودية في مختلف مشاهدها المتلاحقة: مقولة “شعب الله المختار”، وأن نفيهم كان حكماً إلهياً؛ مما أسس لاحساس اليهودي بالنفي إحساساً دائماً وازلياً سيلازم اليهود الى يوم مجيء الماشيح المخلص. هكذا تم نسج مقولة “التاريخ اليهودي” حيث يتخذ السرد اليهودي ـ الصهيوني خصوصية يهودية اخرى تتميز بثنائية المنفى ورغبة اليهود الدائمة للعودة (العودة الملاصقة باستمرار للمنفى). ويتفرد اليهود بهذا الاحساس الذي يقتصر عليهم دون غيرهم. وبما ان تميز اليهود هذا، يرتكز على إدعاءات دينية توراتية تمنحه المصداقية والحصانة، فان الامر يصبح مغلقاً على العقل ويستعصي على الحجة والمنطق وحق التسائل والشك.

ولكن اذا كان اليهود “شعب الله المختار”، فلماذا أراد الله ان ينفيهم؟ ولماذا شاء ان يدوم هذا النفي حتى “عودة الماشيح المخلص”؟

تتعدد الاجابات وتتباين، إلا انها على وجه العموم، تتمحور في ان الله نفى اليهود تمهيداً لخلاص البشر من خطاياهم، مما يؤكد مجدداً الاستثنائية اليهودية. وهو ما يؤسس لمقولة ان اليهود، وفق هذا السرد، هم “الشعب المختار” لاداء هذه المهمة الجليلة، خلاص البشر. وهنا نجد انفسنا من جديد أمام تجليات لا نهاية لها من التميّز والفرادة. وبالاضافة الى ان ثنائية “النفى ـ