ما هو الفرق بين التفكير الحر وبين الفكر الحر ؟؟

ما هو الفرق بين التفكير الحر وبين الفكر الحر ؟؟ 
د. خلود العبد الله 
الجزء الاول : 
لان اغلب الناس سايحة رايحة هايصة تايهة .. لا تميز بين معاني ومضمون الكلمات فتختلط الاشياء ويتشوه الوعي وتغيب الرؤى الصحيحة والقدرة على تفسير الواقع ، ومن ثم العجز عن وضع حلول لمشاكل الواقع .. 
وفي محاولة للخروج من بعض جوانب هذه المتاهة اتساءل 
ما هو معنى او مفهوم حرية الفكر ، وما معنى اومفهوم الفكر الحر . 
وما الفرق بينهما 
ما هو التفكير اصلا ؟؟ 
حتى نفهم الفرق بين التفكير الحر وبين الفكر الحر علينا ان نعرف ما هو مفهوم التفكير اساسا .. 
اولا هناك عدة اقسام للتفكير متفق عليها هي : 
التفكير الابداعي ، الاستدلالي، الابتكاري، الناقد، العلمي، الايجابي، التاملي، الفلسفي، الاستقرائي. 
اما مفهوم التفكير فهو :
عبارة عن سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لما يثيره ويتم استقباله عن واحدة من طرق الحواس الخمس او اكثر ، وهو مفهوم مجرد ينطوي على نشاطات غير مرئية وغير ملموسة ، وما نلاحظه ، أو نلمسه هو في الواقع نواتج فعل التفكير سواء أكانت بصورة مكتوبة ، أو منطوقة ، أو حركية ، أو مرئية .

وهناك تعريفات متنوعة للتفكير منها : 
1- التفكير هو معالجة ذهنية للصيغ و المضامين و ذلك في محاولة إيجاد مضمون كل صيغة أو صيغة لكل مضمون .
2- التفكير هو عملية ذهنية تتميز باستخدام الرمز لتنوب عن الأشياء و الحوادث.
3- التفكير هو عمليات النشاط العقلي التي يقوم بها الفرد من أجل الحصول على حلول دائمة أو مؤقتة لمشكلة ما ، و هي عملية مستمرة في الدماغ ، لا تتوقف أو تنتهي طالما أن الإنسان في حالة يقظة .
يتبين لنا مما سبق أن التفكير يحتوي على مجموعة من العمليات الذهنية و التي تمثل التفكير و منها : التخيل ، و الصور الخيالية ، و فهم الأفكار أو استيعابها ، و التأمل فيها ، و النقاش السياسي ، و اتخاذ القرارات ، و القراءة والكتابة ، و التذكير ، و التجريد ، و التمييز ، و التعميم ، و التعليل ، و الاستنتاج .

وينقسم التفكير الى نوعين هما 
هما : التفكير التفريقي ، التفكير التجميعي .
1 ـ التفكير التفريقي ( divergent thinking ) :
يرتبط هذا النوع بنتيجة المعلومات وتطويرها وتحسنها للوصول إلى معلومات وأفكار ونواتج جديدة من خلال المعلومات المتاحة ، ويكون التأكيد هنا على نوعية الناتج وأصالته ، ويعني أن الفرد يمكن ألا يصل إلى إجابة واحدة صحيحة ، لأنه ينطلق في تفكيره وراء إجابات متعددة ، وهذا النوع يقابل عمليات التفكير الإبداعي .
2 ـ التفكير التجميعي ( convergent thinking ) :
يحدث هذا النوع من التفكير عندما يتم تنمية وإصدار معلومات جديدة من معلومات متاحة سبق الوصول إليها ، ومتفق عليها ، وينتج عن ذلك إجابة صحيحة واحدة لما يفكر فيه الفرد ، وهو والحالة هذه في تفكير تجميعي مجدد ، ويقابل هذه العملية التفكير الناقد
الاسطورة والبرهان 
والتفكير المستنير هو التفكير الذي انتقل من التقليد الشفوي إلى أدب مكتوب ،بمعنى الانتقال من نمط تفكير يعتمد السرد والخيال والأسطورة إلى نمط يستند على الاستدلال والبرهان أي على الحجة العقلية.
اي التفكير الذي له قيمة برهانيه وأساس عقلاني ،يتميز بها عن الأسطورة التي تفسر كل شيء بمنطق الآلهة وبطولاتها الدرامية

ويذهب جون بيير فرنان إلى اعتبار أن الأسطورة من حيث هي خطاب شفوي يتجه القول فيها نحو اللذة ، من اجل الثاتير في المستمع وإقناعه بطرق سحرية .
أما التفكير العقلاني فانه يخاطب العقل وينمي الحس النقدي والتساؤل.

وقد برع اليونانيين القدماء في حياكة الاساطير عن الالهة والنساء والحروب وعنهم اخذ بنو اسرائيل الجانب الاسطوري عن قصص انبيائهم وصاغوها في كتبهم المقدسة .. ونسقوها وطوروها في الكتب المسيحية 
ومنها استمد فقهاء المسلمين اساطير تفسير القران
ما هو التفكير الحر
الفكر الحر لا ينطلق من قيود بل ينطلق من مفهوم واضح تماما يقوم على أنه لا يشترط ان تتلاقى الانسانية بالدين، أو العقيدة، أو العادات، أو التقاليد، أو الجنس، أو القومية، أو ما شابه ذلك من قيود. وانما ينطلق من مبدأين اثنين – الاول : احترام الآخر والثاني التعاون مع الاخر .. وهما مبدآن يساعدان على كيفية اتخاذ قرار متحرر من القيود مما يمكن اصحاب الفكر الحر من المساهمة بفعالية في تنمية المجتمع
ما هو الفكر الحر 
الفكر الحر بما أنه حر فهو لا يلتزم باتجاه معين. ولا ينطلق من مسلمات عقائية فلسفية او دينية او موروثة .. فقد يؤيد فكرة يعتقد أنها تخدم الانسانية .. ثم يعارضها اذا ثبت لاحقا انها غير سليمة ، ويخوض في جميع المجالات التي تلامس حياة الفرد مثل (القضايا السياسية، والاجتماعية، والتاريخية، والاقتصادية، والتجارية، والرياضية، والفنية، والعاطفية،والعلمية، والفكرية، والثقافية) ومجالات كثيرة غيرها قد تظهر له في المستقبل.
وهو عندما يعرض لفكرة ويشرحها انما هدفه هو حث الانسان على استخدام عقله بافضل ميكانيزم ممكن في معالجة الأمور .
واصحاب الفكر الحر يخاطبون العقول النيّرة .. والعقول المتعصبة (المقيدة) على حد سواء ، لتسليط الضوء على نقطة ما يمكن أن يتلاقيا عندها ، ويبذلون جهودهم في محاولة لتوجيه العقول الى الكيفية المثلى (من وجهة نظرهم) لاتخاذ القرارات التي يمكن لها أن تساعد في تنمية المجتمع وتطويره. 
الفكر الحر لا يقيم وزنا للمراجع ولا لما انتجته افكار غيره .. الا بقدر توافق هذه الفكرة او تلك على هذا الحدث او ذاك .. ويتعامل معها بحرية تامة 
الفكر الحر بحترم القانون بقدر تجاوبه مع دفع المجتمع نحو التطور ، ويعارض ما يدعو للثبات والجمود . 
الفكر الحر يتسم بطابع المغامرة (قد تزيد وقد تنقص) لكن اتجاهه العام محاولة الخروج عن المالوف .. 
الفكر الحر ليس لواما اي لا يلوم احدا فردا او جماعة او مؤسسة بل يلوم الثقافة التي يحملها الفرد او الجماعة او المؤسسة 
الفكر الحر يبحث عن جذور الظواهر وليس عما ظهر منها .. لذا نجد الفكر الحر يهتم كثيرا بالعلوم الطبيعية وقوانين الصراع الرئيسية في تفسير الظواهر

Advertisements

تعالوا نلاقي حل .. د.خلود العبد الله

تعالوا نلاقي حل .. د.خلود العبد الله

الزن على الرؤوس
في امارة الخليفة عمر البشير يوجد 13 الف إمرأة تبيع الشاي والقهوة على الارصفة .. لسد حاجة اسرهن من الجوع ..
اطال الله عمر الخليفة الاخواني عمر البشير وسدد الله على طريق افقار الشعب السوداني الشقيق ومكنه من اخراج كل نساء السودان ليبعن الذرة والترمس والشاي على الارصفة.
الطبيب الغلبان
هل تتخيلوا ان الوضع المادي للطبيب في الاردن او سوريا او لبنان او مصر احسن حالا من الكندرجي او الصباغ او صاحب الدكانة الصغيرة ؟؟
اعرف الكثر جدا ممن تخرجوا من كليات الطب لا يجدوا فرصة عمل ومن وجد فبراتب متواضع بالكاد يمكنه من دفع اجرة شقة صغيرة مع توفير متواضع للطعام والشراب .. فلماذا التهافت على لقب طبيب .. ما فائدة الطبيب المفلس والذي لا يجد فرصة عمل ؟
لماذا الجامعة ؟
لا افهم لماذا هذا الاهتمام والهجمة الشعواء على التعليم الجامعي في الدول العربية علما بان البلاد لا توفر فرص عمل لخريجي الجامعات الذين ينضموا الى صفوف البطالة الطويلة ..
ما هي العقدة اذن ؟؟ هل هي عقدة ام جهل ام وهم او ماذا
يتحدثون عن التاريخ المجيد ويسرفون في اضفاء طابع القدسية عليه .. فهل يا عشاق التاريخ المجيد يوجد اي وثيقة او نص او بيت شعر يقول ان البلاد التي خضعت لنظم الخلافة والامراء والسلاطين من المحيط الى الخليج صدرت كرتونة فقط كرتونة تفاح او رمان او عنب او سبانخ او ذرة او قمح لاوروبا او الهند او الصين ؟؟ .
احتقار العمل
كيف يمكن ان تتطور بلاد معظم شعبها يحتقر العمل اليدوي ؟؟
تخيلوا في الاردن الثقافة المجتمعية تعتبر العمل في قطاع البناء عيب .. لذا معظم من يقوم بعملية البناء والتطوير العمراني هم عمال مصريون ..
فيما الاردني لا يشرفه العمل في الاعمال اليدوية ويعتبرها عيبا واهانة وعار .. ولا هم له ولا هدف الا ايجاد وظيفة بالدولة .. التي تعاني عجزا وتعيش على الهبات والقروض والمساعدات ..
فكيف ستتطور الاردن اذن ؟؟
والسؤال الاهم لماذا لم تعر الاحزاب الوطنية والثورية العرمرية هذا الامر الاهتمام الذي يستحقه ؟
ما الفائدة
ما فائدة الحديث السياسي اذا كان الناس لا يعرفوا ان اي حدث سياسي ما هو الا ردة فعل على حدث او احداث اما ظاهرة واما شبه خفية .. مما يجعل الحديث السياسي والتحليل السياسي طويلا كان او قصيرا يمكن تلخيصه بكلمتيم “مع او ضد .. “
نفس المنطق الثنائي الذي يحكم ويتحكم بعقلية ذوي الثقافة الريفية وثقافة البدوي ..
كل ما يدور من حوارات وما يسمى بتبادل الراي في اي شأن كان يكون اما تاييد واما معارضة .. اما لماذا مؤيد فلا احد يجهد نفسه باكثر من عبارات الاطناب، وايضا لماذا معارض فلا احد يجهد نفسه باكثر من عبارات اشيه بالشتائم .. والتوصيفات الشائنة .
فكيف يتم التفاعل اذن .. اين هي الاراء التي يتم تبادلها ؟
السلفية الشيعية والسلفية السنية
حقيقة يخفيها الفقهاء عن العامة .. يستثمرها الشيعة بقوة وهي قضية السلف .. فالخلاف بين السنة والشيعة هو على “من هم السلف الصالح” ؟؟

وكثير من الناس يعتقدوا ان السلفية المتحجرة هي فقط عند السنة .. لكن الحقيقة ان من يتعمق في التعرف على الفقه الديني عند الشيعة يجده سلفيا اكثر تشدادا وتخلفا بمراحل من سلفية السنة ..
وهناك تعصب شديد جدا لرموز السلف الشيعية الامام علي وابناءه واحفاده بل كل نسله .. يصل الى درجة التاليه والعبادة ..
لذا فعلى من يتصدى للافكار السلفية الغارقة بالرجعية والتفسير السياسي للدين .. عليه ان يتصدى بذات الوقت للافكار السلفية الشيعية الاشد تخلفا وتعصبا
اخر خبر .. في اليوتيوبات
هل تعلموا ان الله ممكن يكلمكم ؟؟؟؟
هذه اخر ابداعات رجل دين مغفل مضلل كذاب يقول وصفه من نشر اليوتيوب ب “الامام الجليل صالح المغامسي ”
يقول هذا الامام الخرف :
.اذا اردت ان يرد الله عليك ويكلمك ويرفع من شأنك اسمع هالدعاء.. “”
هل تتخيلوا الى اين وصلت الخرافة ؟؟
والادهى والامر ان الجاهل ناشر اليوتيوب يصفه بالامام الجليل

فكروا كما شئتم مجرد اثارة للعقل
هل الاخلاق هي بنت الواقع .. ام ان الاخلاق هي التي تخلق الواقع ؟؟
هل القوانين مكرمات ومنح حكومية ام يفرضها الواقع اجباري ؟؟
اذا كان الواقع هو الذي يفرز وياتي باعضاء الحكومات فكيف تنتظروا من جاء بهم الواقع ان يفيروا الواقع ؟؟
اذا كان الامين العام للحزب يظل ايمينا عاما الى ان يتوفاه الله الى واسع رحمته فكيف ستتطور الاحزاب ؟؟
اذا كان اغلب الناس لا تكترث بقاون المرور الا اذا كان هناك شرطي يراقبها .. فكيف يتوقع هؤلاء الناس من حكومة لا يراقبها احد الا تكسر القانون ؟؟
سنمطر عليك بالاسئلة كل يوم .. لعل وعسى يتم الانتقال من الكلام العام الى الكلام المحدد المخصص الواضح الصريح
هل مهمة اليساريين والوطنيين والديمقراطيين والثوار الابرار هي فقط تشخيص الظواهر القائمة ونقدها ولعنها ؟؟
ولو كانوا ياتون بجديدا لشكرناهم وشكرنا الله على نعمته وفضله .. لكن كل ما يقال مكرر ومعاد كما قالت الزميلة مريم في تعليقها على احد المنشورات ..
فلماذا لا يقدم هؤلاء فكرة لمشروع في اي مجال كان .. المهم طرح فكرة تساهم بالخلاص من الواقع القائم بغض النظر عن حجم مساهمتها .. حتى لو كانت دعوة لتاليف مسرحية بشكل جماعي ..
او القيام بتقديم خدمات لفلاح بسيط مجاور .. اي شيء اي شيء المهم فكرة قابلة للتحقيق .. اليس خير الف مرة من لعن الظلام
الرفق بالاقتصاد وليس بالحيوان
الدعوة الدينية – ليست رفقا بالحيوان بل اهتماما بالاقتصاد
يقول العوام من المتدينين ان الدين اوصى بالرفق بالحيوان ..
ممتاز امنا بالله العلي العظيم ..
لكن اي حيوان الذي اوصنا الدين الرفق به ؟؟
اكيد ليس الكلب لانه نجس وفق تعاليم الدين
واكيد ليس القط لان تربية القطط في المنازل وتدليلها موضة جديدة
واكيد ليس الفأر او الذئب او الواوي او اي من الحيوانات المفترسة
اذا ماذا تبقى يا سادة من الحيوانات التي اوصانا الدين الرفق بها ؟؟
لم ينبق سوى الخرفان والماعز والجمال والحير والبقر .. اليس كذلك ؟؟
طيب لماذا اوصانا الدين الرفق بهذه الحيوانات ؟؟
هل هناك اي سبب اخر سوى انها تعتبر ثروة اقتصادية ؟؟
اذن الدين اوصانا بالرفق بالثروة الاقتصادية من خلال دعوته للرفق بالحيوان
فالمسالة اذن ليست اخلاق ولا شهامة ولا كرامات ..
دققوا ايها السادة بكل شيء لا تتركوا شيئا يفوتكم

دراسة : من اصول الحوار الراقي – د. ندى الغاد

من اصول الحوار الراقي

مقدمة

هكذا انت او انا او اي منا كانك تسير في عابة ليلها ليل ونهارها ليل ، ورق واغصان الشجر المتشابكة الكثيفة تحجب ضوء الشمس وضور القمر .. وامامك 99 ذبابة من تلك التي تسبب النوم الطويل، وتحت اقدامك وحل وطين يجبرك على السير بحذر خشية السقوط .. لا ضوء في الافق وبالكاد تشق الطريق ، ذئب يقفز امامك من هنا وثعلب يسلط عليك شعاع عينيه بلون احمر مخيف، ويصم اذنيك ازيز وصفير الصراصير والحشرات من كل نوع ، وثعابين وسعادين وبعض الطيور الجارحة ، وفيلة باحجام مختلفة رابضة ، ونمور على السيقان متوثبة ، واناث الاسود مستنفرة ، ورياح ساخنة تلفح وجهك وتارة تاتي باردة، الماء غزير ووفير لكنه اسن ورائحته ظاهره تغتسل فيه الوحوش الكاسرة 
ليل ثم ليل ثم ليل .. يا ويلك ان فقدت القدرة على السير .. سيعيدك ابناء اوى الى ما كان عليه جد جدك الالف، وتنهش عظامك الغربان والضباع وما تبقة منك ستلتهمه الحشرات الارضية غير الطائرة وبعض الزواحف التي تمضي معظم عمرها في التراب غائرة .. 
عليك ان تواصل المسير في هذه الغابة السوداء القاتمة.. فمن المؤكد انك ستصل الى فتحة خلفها الدنيا مغايرة .. غزلان وارانب وحمام وعصافير وورود وزهور وماء سلسبيل وفاكهة من كل لون وبساتين .
واصل المسير .. وخلال سيرك انتبه فقد اصبحت تمتلك المقاييس والمعايير، وعرفت من يستحق الاشتباك معه في حوار مجد غزير .. ومن يدعي انه يملك القدرة على توظيف الطير الابابيل فيرميك بحجارة من سجيل، بصفته ناقل امين لهذا الامام او ذاك الفقيه ، واصبحت تعرف من لا يملك الا صنعة الاختلاف حتى في الاختلاف ، ومنهم من يدعي امتلاك اليقين وبرب العالمين عليك يستعين ولا يتوانى عن حذفك تارة نحو الشمال وتارة نحو اليمين .. 
وبت تعرف يا صديقي ان في الغابة الكثير من المساكين من لا ناقة لهم في المعارف ولا بعير ولا يميزون بين القمح االشعير .. ولا طاقة لهم على قراءة اكثر من سطرين بالكثير .. 
واصل يا صديقي المسير فرغم سواد الليل وعتمة النهار وغياب العقل والابصار الا ان هناك مثلك الكثير كل في غابته يسير وهم بجانبك كنت ستراهم لولا تشابك الاغصان واوراق الشجر .ومعهم اشتبك بكل ما استطعت في الحوار . فكلكم في ذات الطريق نحو تنصيب العقل سيدا للزمان والمكان .. وكن على ثقة بان ما يحيط بكم ليس الا بقايا زمان .. وكما تمكنت شعوب من طيه في سجلات التاريخ فانت ايضا ومن يسيرون في ذات الطريق سوف تتمكنوا من اختراق الغابة وطيها في عالم النسيان ، وتنهضوا بوطن يعلي من كرامة الانسان كانسان بغض النظر عن دينه او جنسه او من اي عرق او لون كان .

ضعف عام في اصوليات الحوار

من يتتبع الحوارات التي تجري بين المواطنين العرب بمختلف مستوياتهم يلاحظ ضعفا شديدا والتباسات وخلط عجيب بين الراي والشتيمة وعدم معرفة موضوع الحوار اصلا والخلط بين جوهر الموضوع وفروعه

ولان الحوار احد الابواب المهمة في علم الاعلام ويشكل قاعدة في علم العلاقات العامة التي اصبحت جزءا من المكون الاعلامي الى جانب فنون التسويق في النظام الاعلامي الجديد فانه يمكن ابداء بعض الملاحظات علها تساهم بالارتقاء بالحوارات والتفاعلات الجارية على صفحات وسائط الاعلام الجديد .وهو الاعلام المستقبلي الذي اصبح منافسا قويا للاعلام التقليدي بما فيه الفضائيات لما يتيحه من فرص وامكانات للتفاعل المباشر بين الناس ، وايضا لاتاحته الفرصة للجميع وبمساواة تامة للتعبير عن وجهات نظرهم .
وفي هذا الجزء اعرض ما لمسته على ارض الواقع من نقاشات وحوارات على صفحات الفي سبوك العربية :
من اول الامور التي لفتت انتباهي ان الثقافة الشائعة تقوم على الثنائيات المتناقضة : الصح والخطأ ، الجنة والنار ، الصدق والكذب، المحبة والكراهية النهار او الليل ..
اما الامر الثاني في الثقافة الشائعة هو (اذا لم توافقني الرأي فانت عدوي) وبمقتضى هذه الثقافة تستخدم الكثير جدا من مفردات الشتيمة والازدراء والتخوين والتكفير .
الامر الثالث توظيف الدين (الايات والاحاديث) في مواجهة الخصم .. الامر الذي يترتب عليه نوع من الترهيب من الكفر .. وما يترتب عليه من عقاب الله
الامر الرابع توظيف الموروث (قيم واعراف) في مواجهة الخصم .. وهو ايضا نوع من الترهيب .. (معاداة ما يعتبر قيم عليا) وهذا بالطبع يضعف الخصم
الامر الخامس استخدام غزير لجمل وعبارات مجتزأة سطحية (مجرد عناوين)
الامر السادس افسير كل ما يجري من احداث باعتباره مؤامرة خارجية
الامر السابع : تقييم الكاتب بشخصه وليس تقييم ما كتب الكاتب مما يحول الحوار الى مشاحنات شخصية
الامر الثامن ضعف عام بالمعلومات في مختلف جوانب الحياة مما يشتت الحوار وينقله من موضوع الى اخر ومن فرع الى اخر ومن نقطة الى اخرى ليتحول بالنهاية الى مجرد ثرثرة لا توصل الى اي نتيجة
الامر التاسع كثرة المقدسات الممنوع الاقتراب منها
الامر العاشر ان الكثير من التعليقات لا تحمل رايا وانما تحمل نوعا من الشتيمة (كما في الثقافة الشعبية تستخدم جملة يلعن ابوك ليش عملت كذا او قلت كذا)
الامر الحادي عشر ثقافة “جماعتي في الجنة وكافة الجماعات الاخرى في النار” يستخدمها اصحاب العقائد الدينية وغير الدينية
الامر الثاني عشر وهو الاكثر شيوعا على صفحات الفيس بوك هو المجاملات بين الاصدقاء (رائع وبوركت وسلمت يداك وابدعت الى اخر عبارات الاطراء)
هذه بايجاز ابرز سمات التفاعل والحوار على صفحات الفيس بوك العربية

هدف الحوار

طالما ان اسمه حوار اذن يفترض بالمتحاورين اول ما يفترض احترام بعضهم بعضا ، وطالما انه حوار اذن فانه لا يستهدف التوصل الى تغيير وجهة نظر الاخر او الى التوافق في الرؤى .. لان هذا يحدده الكثير من الامور .
اذا ما الهدف الرئيسي من الحوار ؟؟
الجواب هو : “عرض وجهات النظر .. لعل وعسى ان تؤثر في الطرف الاخر وتصحح موقفه .. هذا الهدف العام من الحوار في اي شان كان” .. اي استطلاع راي الاخر .. ومن ثم الرد عليه وتتواصل الردود المتبادلة فاما ان يتفقا على بعض النقاط او يقول كل للاخر شكرا سنحاول مرة اخرى اذا سمحت الظروف ..
وفيما يلي نموذج من الحوار الراقي :
يقول الاول : انني اعتقد ان الشمس تشرق من الشمال ثم تقوم بجولة نحو الشرق ثم تعاود ادراجها لنراها من الغرب ..
يقول الثاني : اسمح لي ان اختلف معك فالشمس تشرق من الجنوب وتحمل الجنوب معها الينا وتنقل الارض التي نقف عليها الى حيث كان الجنوب .
(تخيلوا كم حجم الخلاف والتباين لا يوجد اي شيء مشترك بينهما الا كلمة الشمس وتشرق ).
لنتابع الحوار ..
يقول الاول اظن انه وفق العالم الفلاني قال كذا وكذا وكذا (مما يؤيد وجهة نظره)
يرد الثاني : ولكن العالم الفلاني الفلاني قال كذا وكذا (ايضا مؤيدا لوجهة نظره )

وقد يطول الحوار .. كل منهما يقدم اسانيده بادئا بكلمة اعتقد او برأيي او انا ارى او من وجهة نظري .. ولا يستخدم عبارات مثل انت مخطيء قولك ليس علمي او رايك متطرف او انت لا تعرف شيئا او اقرا الكتاب الفلاني .. لان الحوار يكون حوار نصوص يقدمها المتحاورين
النتيجة
يقول الاول : على كل كان حوارا لطيفا او مفيدا او شيقا شكرا لك اتمنى التحاور مرة اخرى في مواضيع اخرى .
فيرد الثاني شكرا لك لقد كان فعلا حوارا عميقا استفدت من بعض المعلومات فشكرا لك ايضا وان شاء الله لنا لقاءات اخرى .
وبذلك ينتهى الحوار وقد كسب كل منهما صديقا جديد قد يلتقيا او يتفقا في مواضيع اخرى وقد يختلفا لكن وفق هذه الاصول مؤكد انهما سيبقيا اصدقاء وسوف يستفيد كل منهما من الاخر

تقديم وجات النظر من اصول الحوار  
من اصول الحوار ان يقدم المحاور وجهة نظره في القضية المطروحة للنقاش .
فلنفترض ان المنشور يتحدث عن المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية
فيقول المنشور مثلا :
ان السلطة الوطنية تقدم خدمة جليلة للاحتلال حين توفر له المزيد من الوقت عبر التفاوض الذي لن يؤدي الى نتيجة سوى مضيعة الوقت .. لان النتائج على الارض تحددها موازين القوى الفعلية وليس الامنيات وحسن النوايا ..
الى اخر المنشور ولكن هذا جوهره
يفترض بالمحاور المعارض للمفاوضات ويتفق مع المنشور ان يضيف معلومات جديدة لم يتضمنها المنشور تساعد في تثبيت وجهة النظر ..
ولكن للاسف لا نرى مثل هذا الاسلوب بل معظم ما نراه هو عبارات تخوين وشتيمة وازدراء للسلطة وعبارة “المفاوضات العبثية” اضافة الى اعادة موضوع اوسلوا ومسلسل الحكايات والذكريات واعادة كتابة التاريخ

وهذا الاسلوب لا يفيد اطلاقا اولا لانه مكرر الف الف مرة .. ثانيا لان الوضع الحالي والظروف والشروط ليست هي ذاتها كما كانت ..
وعندما تكون الردود من هذا النوع فورا يتم اكتشاف صاحب الرد بانه غير متابع للتطورات وانه توقف عند زمن معين وحسم الامر

يفترض على الاقل اذا لم يكن للشخص لديه معلومات حديثة ان يدفعه المنشور للبحث عنها وزيادة معلوماته ومعارفه وخبرته بما يجري

ولنفترض ان شخصا مؤيدا للمفاوضات واراد التعليق فيجب عليه ان يقدم وجهة نظر مدعمة ومسندة يرد من خلالها على كل بند في المنشور .. لا ان يستخدم عبارات مثل (انت لا تعرف شيئا انت تشكك بالقيادة السلطة لا يمكن ان تخدم الاحتلال .. وعبارات اخرى عنترية لا مجال لذكرها ..
فهذا لا يخدم موقفه ولا يخدم قضيته .. بل يظهره بمظهر العاجز عن تقديم الراي الحقيقي الذي يتفق مع اصول الحوار .

العصف الذهني

” ان الهدف من الحوار ليس ان نخطئ بعض او نطعن في شخوص بعض بل تبادل معلومات واراء وعصف ذهني اقوى…ولذلك سمي حوار ولم يسمى احلال ..وجزء من تقييم رقي المجتمعات هو ثقافتها واثراء الثقافة هو باختلاف وجهات النظر ولن يتم هذا اﻻثراء اﻻ بحوار راقي.” ..

انها جملة بالغة التعبير وشاملة لمعنى الحوار واهدافه واستخدمها هنا كمدخل لمتابعة الموضوع لأشير الى ان الحوار هو احد اساليب علم العلاقات العامة  .. والذي اصبح كما قلت جزءا من الاعلام الى جانب التسويق (ثري اون ون) اي الشخص الواحد الخبير او الذي يتقن فنون الاعلام والعلاقات العامة والتسويق معا وفي ان واحد.
وربما قليلون هم من يعرفوا ان ما من شركة كبرى او مؤسسة او بنك او ادارة حكومية بما فيها طاقم الرئيس الامريكي الا ويوجد له شركة علاقات عامة تروجه وتسوقه وتضع له خططا وبرامجا بهدف الوصول الى الجمهور واقناعه بوجهة نظر المؤسسة التي تخدمها شركة العلاقات العامة
وعندما يتسم الحوار بالاصول وبأدب الحوار وبأهداف الحوار الساعية الى اثارة المزيد من التفكير في أمر ما والمساعدة على تقبله من الاطراف الاخرى كلما أدى الى النتيجة المبتغاة .. ويلبي الحاجات التي وجد الحوار اصلا من اجلها .
ولو كان الحوار بلا قيمة ولا جدوى لكانت الدنيا شكل اخر تماما هناك سادة يعطون الاوامر وعبيد ينفذوها .. وحتى بين السادة يجب ان يكون هناك حوار وتحاور وتبادل للراي ..

والسؤال: لماذا الغالبية الساحقة لا تعرف هذه القواعد ؟؟
والاجابة هي لان مجتمعنا العربي ما زال يعيش في عصر الزراعة وثقافة عصر الزراعة الذي تقوم ثقافته على الثنائيات المتناقضة (المطلقات) (معي او ضدي ابيض واسود حياة او موت جنة ونار وطني وخائن كبير وضغير )
وهذه الثقافة لا تعرف الحوار
بينما في المجتمعات الصناعية المتطورة اكثر الكلمات استخداما على مستوى المجتمع هي ( جرب اعمل يمكن اتركني افكر ) .. مع حق الاعتراض وابداء الراي منذ ان يكون الانسان طفلا في سنواته الاولى وحتى يصبح كهلا يعتبر هذه حقوقه ..
وكل ذلك في اطار انت ربما على حق ولكني اخالفك او انت على حق واتفق معك .. دون اي شعور بالنقص او الدونية

الحوار هو الشكل الوحيد لايصال المعلومات
الحوار كما ذكرت اعلاه هو احد الاساليب الاعلامية (قاعدة اساسية في علم الاعلام) باعتباره احد اهم طرق ايصال المعلومة وتفاعل المعلومات بين البشر..

وقد يعتقد البعض ان هناك الكثير جدا من المعلومات تصل للبشر دون اي شكل من اشكال الحوار وهذا الاعتقاد تنقصه الدقة لان اي معلومة تصل الى الانسان تكون وصلته عن طريق شخص او مصدر اخر (اي هناك طرف يقول معلومة) وهناك انت (متلقي المعلومة) وهنا يحدث الحوار بين معلوماتك (ما لديك من معلومات) والمعلومة التي وصلتك .. فيجري الحوار اما صامتا او مجاهرة بين ما لديك وبين ما سمعت او قرات .. ولك مطلق الحق ان تشك وترتاب بما سمعت وبين ان تتقبل وتسلم بما سمعت او قرات ..
لكن احدا قد يعترض على ما ادعي (لاحظوا هنا انا ادعي واحد الاشخاص الذين سيقرأو ما ادعيه سيعترض – اي هناك حوار) .. ويقول ان الاب يامر ابنه او يوجهه او يامر زوجته او مدير يامر موظفيه (وفي كل ذلك هناك معلومة او معلومات صادرة ومتلقي او متلقون للمعلومة) لكنهم لا يحاورون من اصدر المعلومة او التعليمات (عليهم تنفيذ الاوامر بلا نقاش اي بلا حوار) .

ولكن في واقع الامر هناك حوار صامت يجري والذي اجبر على ان يكون صامتا هو السلطة التي يملكها من اصدر التعليمات .. ولا اعتقد ان الامر يحتاج الى عناء كبير لمعرفة ان الكثير ممن ينفذون الاوامر والتعليمات ينفذونها مجبرين وربما عن غير رضى (ويطبقوا المثل العربي القائل “اربط الحمار محل ما يريد صاحبه” وهو مثل يدلل على العبودية والخضوع والمذلة ولكنه لا يلغي ان هناك حوارا قد حدث وان هناك معلومات تصارعت فيما بينها بهذه الدرجة او تلك ..
اذن الهدف الرئيسي من هذا البوست هو التاكيد على ان الحوار هو الوحيد الذي من خلاله تتناقل وتتفاعل وتتواصل المعلومات بين البشر ..
وكلما كان الحوار جادا بين البشر ويستند الى حصيلة واسعة من المعارف والمعلومات كلما كانت جدواه افضل واكمل واسرع للوصول الى الحقيقة

ايا كان مصدر المعلومات يتم معها حوار
وقد يتساءل البعض معترضا او مرتابا او مشككا (وهذه المفردات ساتعرض لها لاحقا لتفسيرها والتعريف باهميتها في الحوار) فيقول .. انا احصل احيانا على معلومات من صورة او من مشاهدة حدث امامي بام عيني او بما تلمسه يدي او يتذوقه لساني او يشمه انفي ..

وكل ما تفضل به المعترض سليم وصحيح لكن كل هذا يا صديقي هو حوار ولنرى كيف ذلك ..
لنبدأ بالصورة .. عندما يشاهد شخصا صورة لقتلى سواء في حادث او في حرب او يشاهد صورة لمجموعة من الناس تحتفل وترقص او يشاهد صورة لطفل يبتسم .. فكل من هذه النماذج تحمل معلومات وبمجرد مشاهدتها دخلت المعلومات الى الحافظة في الذهن وتبدأ عملية الحوار . فاذا كان هناك ما يناقضها في ذهنك اما ان ترفض المعلومة او ترتاب بها وتشك او تقبل بها وقد يقول قائل انك تتحدثين عن التفكير ..

 واقول نعم لان التفكير هو حوار بين معلومتين او اكثر وقد يكون صامتا او يدفع لحوار علني مع اخر او اخرين حول المعلومات التي تضمنتها الصورة
وكذا الامر مع المعلومات عن طريق الحواس .. فقد يتذوق شخصا ما طعاما فيرفضه او يقبله او يرتاب او يشكك .. وكذا لو شم رائحة معينة (هناك مئات من اصناف العطور) بعضها يستسيغه شخصا ما ويرفضه اخرون .. حتى المشاهدة بام العين فهي نوع من الحوار تدفع لاتخاذ موقف بشان ما تمت مشاهدته وكل يرى المشهد من زاويته فالبعض قد يبكي واخر لا يكترث وثالث يكون سعيدا

كل ذلك هو انواع من الحوار بين الشخص ومعلوماته وبين الخارج وما يقدمه من معلومات ، ولكل انسان كامل الحق في ان يقبل ما يراه او يرفض او يرتاب او يشك او يعتبره يقينا او غير يقين ..

التركيز على المعلومة محور الحوار
لان مستويات الوعي تختلف وتتباين عند البشر فمنها من هو على حافة واطراف المعرفة البدائية ومنها ما يتدرج حتى يصل الوسط ومنها يرتقي الى مستويات عليا يسبقها تدرج حتى الوسط

لذا فليس كل معلومة (مع ملاحظة ان الراي هو معلومة ايضا) يتعامل معها جميع المتلقين بنفس الاهتمام او بفهم جوهرها ومبتغاها او بفهم مضمونها وتفاصيلها ..
وبسبب من هذا التباين الهائل في الفروقات بين مستويات وعي البشر قد تكون هناك معلومات على قدر كبير جدا من الاهمية ولا تجد ادنى اهتمام من المتلقي ولاعطي مثلا على ذلك ” هناك تقرير بثته وكالات الانباء منذ ايام مفاده ان منطقة الشرق الاوسط تواجه جفافا لم تشاهده من عقود .. وهذا يعني وفق التقرير ان الشعوب في المنطقة قد تواجه العطش وانحدار مستويات الانتاج الزراعي (مصدر الطعام) يعني مشكلة كبرى في المأكل والمشرب وهما الحاجتين الرئيسيتين الاوليتين للحياة ..
ومع ذلك لم يجد التقرير اهتماما عند المتلقي .. ولو تفحصتم الصحف العربية لما وجدتم حرفا واحدا كتب في الموضوع .. وكذلك لم يعلق أحد

والاسوأ من ذلك ما تشهده الحوارات ان يكون مضمون المعلومة يتحدث عن الشمس مثلا وفي سياقه وردت معلومة حول خط الاستواء .. فتجد المحاور ترك مضمون الحوار وجوهره وامسك بخط الاستواء ..
والامثلة على ذلك اكثر من ان تحصى .. وهذا ما دفع مؤسسات الاعلام الكبرى لانفاق ملايين الدولارات على امتلاك الوسائط الحديثة لمعرفة مستوى ونوعية المتحاورين (المتلقين) للمعلومات التي تبثها

الاعلام والناس


لما كان كل قول او كتابة او صورة او حركة او رسم هو اعلام .. وبذلك يكون الواعظ الديني داعية اعلامي يقوم بالدعاية لمعتقداته ، والمعلم كذلك رجل اعلام يقوم بالدعاية للمنهج الذي يدرسه لتلاميذه ، والرسام يقوم بعمل اعلامي يدعو لفكرة او افكار من خلال رسوماته ، والمصور يقوم بدور اعلامي ويمارس الدعاية من خلال الصورة ، والام تمارس دورا اعلاميا عندما تدعو لافكارها ومعتقداتها وقيمها وعاداتها بين ابنائها والاب كذلك ، والسياسي ايضا يقوم بدور اعلامي من خلال الدعاية لمعتقداته ، والمثقف والكاتب وكل بشر ايا كان موقعه يمارس دورا اعلاميا .

وباختصار فكل من يصدر معلومة ايا كان نوعها او مستواها هو يقوم بعمل اعلامي ..
والفرق بين البشر في هذه المسالة ان البعض يستطيع الوصول الى الملايين ليوصل معلوماته اليهم من خلال الوسائل والوسائط الاعلامية المتطورة ، والبعض لا يستطيع ان يوصل معلوماته الا لفئة محدودة من الناس لانه لا يمتلك من الوسائل والوسائط شيئا الا محدودا ..
ولذا فان من يملك وسائل ووسائط متقدمة يستطيع ان يحاور الملايين بينما بسطاء الناس لا يستطيعون الا محاورة قلة محدودة .. ولكما ارتقت القدرات واتسع الجمهور الذي تصل اليه المعلومة كان الحوار فيها اكبر وتاثيرها اكبر سواء بالاتفاق او الاختلاف .. (طبعا تدخل فنون الاقناع كطرف رئيسي في قبول المعلومة وهذا موضوع اخر سنناقشه فيما بعد)

لكن وايا كانت الامكانات او نوع المعلومات فان هناك حوارات تدور بشانها .. فلا يعتقد احد انه بمجرد ذكره لمعلومات ما انه سيكون هناك اجماع عليها واتفاق ايا كانت هذه المعلومة حتى كلام الله في الديانات لا يوجد عليه اجماع .. بل يدور حوله حوارات صاخبة كثيرا ما تجاوزت الحوار السلمي شفويا او مكتوبا الى الحوار بالحروب والغزو ..
وهذا ينقلنا الى موضوع المطلق والنسبي وموضوع الشك في الحوارات بين البشر .

الشك والحوار


ان المعنى اللغوي لكلمة الشك هو الارتياب او عدم اليقين وهو حالة تنطلق من معايير

موجودة اصلا عند المتلقي .. وبناء على هذه المعايير يتعامل الشخص مع المعلومات الجديدة التي تصله، وبقدر التباين او الاختلاف او التناقض مع ما لديه من معلومات بقدر ما يكون “الشك” اي الارتياب وعدم اليقين.
اذا وفق هذا المعنى فان الشك مضمونه (صراع بين المعارف او الرؤى او المعلومات) وهو بالتالي حق مشروع لكل انسان .. حتى وصل الامر الى اعتبار الشك اثباتا وبرهانا على وجود الانسان ذاته (المذهب الشكي (انا اشك اذا انا موجود) ” او (الشك أساس الحكمة.)
ووفق هذا التعريف فمن المنطقي ان يكون الشك موجودا وله حضور ايا كان نوع او مستوى او مضمون الحوار .. (المادة الاعلامية او المعلوماتية)
فلا قيمة اطلاقا لاي فلسفة او فكر او فكرة اذا لم يتم الاعلام عنها ودخولها في دائرة الحوار بين البشر (سواء كان العدد محدودا او ضخما)

ومن ابرز فلاسفة الشك رينيه ديكارت فى فرنسا و فرانسيس بيكون في انجلترا ، والامام الغزالي في القرن الحادي عشر الميلادي، وسقراط في الحضارة اليونانية القديمة وغيرهم الاقل شهرة.
وينسب لديكارت فضل تطوير شكية عالمية كطريقة في التفكير، في محاولته لإيجاد حتمية مطلقة يبني عليها فلسفته. غير أن ديكارت لم يكن شكيا، بل طور نظريته في اليقين المطلق بهدف دحض نظريات شكيين آخرين حاججوا بأنه ليس ثمة يقين.
كما يعد الفيلسوف البريطاني، ديفيد هيوم، أيضا شكيا عالمي.
ولم يكن ديكارت هو أول من ابتدع المنهج المسمى ” الشك المنهجى ” بهدف الوصول إلى الحقيقة , فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة مثل سقراط فى منهجه ” التهكم و التوليد ” و كذلك أتى الإمام أبو حامد الغزالى ( في نهايات القرن الحادي عشر) وهو من أوجد مذهب الشكية، في الثقافة الاسلامية كجزء من المدرسة الأشعرية فى كتابه “المنقذ من الضلال” وهو شك مماثل مناظر لشك ديكارت فى الشكل مخالف له فى الطبيعة ، فلقد كان شك ديكارت شكا عقليا ، بينما كان شك الغزالى حالة نفسية .. لكن شك كليهما كان سعيا للوصول إلى الحقيقة

ثلاثة انواع للشك
الاول :

هناك ثلاثة منظورات في العالم في الموقف من المعرفة .. نظرة اتباع الشكية الدينية والعقائدية وتقول بان هناك معارف كلية مطلقة لا يجوز اطلاقا اقتراب الشك منها (نظرة الاديان عموما وبعض العقائد الشمولية ومن ضمنهم بعض الاصلاحيين الذين يعتقدوا بضرورة الشك لكن ليس في جميع المجالات)
وهؤلاء “الشكيون” يرون بانه لا يجب الخلط بين الشك بالمعارف ها وبين الشك في العقيدة وهؤلاء “الشكيون” يسائلون السلطة ويشكون في افعالها وهذا مجاز لكنهم لا يسمحوا للشك بالدين مثلا او بالنظرية الماركسية ، وقد يكونوا معادين للسلطة لكنهم ليسوا بالضرورة معادين للدين ولكنهم ليسوا معادين للدين او للعقيدة وقد يشكوا في بعض او كل المعتقدات او بعض السلوكيات او الممارسات لكنهم ملتزمون بالعقيدة ، بعضهم قد يكون حتى فقيها دينيا او منظرا ماركسيا محترفا ،
وتجدر الاشارة الى ان أول شكيا ديني كان سقراط ، الذي تساءل حول شرعية المعتقدات السائدة في زمنه في ظل وجود أكثر من إله .
والحوار مع اصحاب هذه النظرة للمعرفة من الصعوبة بمكان ان يصل الى اتفاقات متقاربة لانها تشترط بالاساس تحديد موقف من العقيدة (مع او ضد) .. وهي تحاور الاخرين لاقناعهم بمعتقداتها وليس اتبادل الراي .. وبالتالي فهي (ون وي حوار) او اللاحوار بل اسمع وتعلم واقتنع ووافق والتزم ..
ولهذا شاع عند اتباع هذه النظرة منطق النقل قبل العقل واسلوب النسخ والنقل ويمارس اتباعها دور الوعاظ الدعاة الاعلاميين لمعتقدهم الذي لا ياتيه الباطل من امامه او من خلفه

وغالبا ما يكون الحوار مع هذه الفئة متشنجا حادا وقد تتخلله عبارات التشكيك والاتهام وقد يصل الى درجة التكفير والاخراج من الملة .. او تصنيفك في قائمة “البرجوازية العفنة” او العمالة للامبريالية الى اخر المفردات وما اكثرها المباشر منها وغير المباشر ..
ويلاحظ ان اي حوار من احد من هؤلاء يكون هو الاول والاخير

ثانيا :
الشك التاملي والشك التجريبي والحوار المجدي
نظرة الثانية تقول ان كل معرفة ايا كان نوعها او مضمونها يجب اخضاعها للشك حتى يتم الوصول الى اليقين ..

وابرز ممثلي هذه النظرة هما رينيه ديكارت و فرانسيس بيكون لكن الاول نظرته تأملية والثاني تجريبية ..
ومن المهم القاء بعض الضوء على العصر الذي ظهر فيه ديمارت وبيكون وهو نهاية العصور الوسطى في نهاية القرن السادس عشر و واكتملت نظرياتهما في منتصف القرن السابع عشر

لقد سبقت ديكارت وبيكون فترة طويلة من الركود الفكرى في اوروبا نتيجة لإيمان الكنيسة بفلسفة أرسطو , و اعتمادها فى البرهنة على القضايا الدينية بالمنطق الأرسطى – خاصة القياس , و حرمت الخروج عليه و اتهمت من يفعل ذلك بالهرطقة .. فكبلت بذلك العقل , و حرمته من الإبداع و الاختراع .
وكانت أوربا تعيش فترة من اليقين الدوغماطيقى (القطعى – الذى لا يقبل مناقشة ) .. فكان لا بد من ظهور حركة تعيد للعقل احترامه و للعلم أساليبه … فظهر ديكارت فى فرنسا (عام 1596 – 1650) و فرانسيس بيكون (1561-1626) فى انجلترا .. الأول اهتم بالعقل و الفكر و أساليبه و أساليب تطهيره من الخرافات و استخدم فى ذلك منهج الشك المنهجى .. و بيكون قام ليضع للعقل أسلوبا تجريبيا يتقدم به العلم ..
كان منهج ديكارت منهجا تأمليا يقوم على الحدس و الاستنباط و اما منهج بيكون يقوم على التجربة و الاستقراء و الأسلوب العلمى …مع اعتيار أن كليهما بدأ منهجه بمهاجمة أرسطو و منهج أرسطو و اتهامه بالعقم .
واسلوب منهج الشك المنهجى الذي اوجده ديكارت يهدف الى غربلة الأفكار ليسقط منها الخاطئ و الخرافى و لا يتبقى إلا ما هو يقينى .. فهو شك بناء يريد أن يقيم الحقيقة على أساس من اليقين البديه .

والحوار مع اتباع المنهج الشكي الديكارتي غالبا سواء كان عن وعي وادراك المحاور انه يتبع هذا المنهج او انه يتبعه بشكل تلقائي واكتشاف ذاتي فهو حوار ذو طابع ايجابي غالبا ما يؤدي الى نتائج ايجابية .. ويجري في اجواء ودية واحترام متبادل

 ثالثا : 

الشك المطلق او المذهبي وعدم جدوى الحوار مع اتباعه
وهناك نظرة ثالثة هي الشك المطلق و التي تقول باستمرار الشك لانه لا يمكن الوصول الى اليقين النهائي وهذا النوع من الشك العاصف، ظهر على يد من سُموا بالسوفسطائيين في تاريخ الفكر اليوناني، ومن ابرز مثليه ( شك بيرون ) ومن بعده تلميذه ( تيمون ) : زجوهرها كل قضية تقبل النفي والإثبات بقوة معادلة.

فالشك المطلق نشأ في خضم الصراع بين الفلسفة والسفسطة، حيث شهد القرن الخامس قبل الميلاد خلافات واسعة وكان على رأسهم بروتاغوراس وغورغياس( )؛ فبروتاغوراس ينفي وجود حقيقة مطلقة بقوله: (ما دام كل شيئ يتحول، ولا شيئ يبقى فليس هناك حقيقة مطلقة، وأما ما يسميه كل واحد منّا حقيقة، فهو ما يظهر له في الوقت الذي يتحدث فيه..) وأما غورغياس فينفي الحقيقة، والمعرفة، وإمكان إبلاغها للآخرين وذلك في كتابه (اللاوجود).

وأول من ظهر على يديه هذا المذهب هو فيرون (Pyrrhon).
وتنكر نظريته إمكان معرفة طبيعة الأشياء، وترى أن المعرفة الحسية والعقلية ليس لها قدرة تعريفنا بالحقيقة وإيصالنا إليها، فنحن لا ندرك من الأشياء إلا ما (يبدو) لنا.

ووتقول المدرسة الفيرونية ان خلاصة ما يمكن أن يصل إليه الفيلسوف أو المفكر هو أن كل ما يحصّله من معارف إنما هو ظني غير يقيني، وإذا كانت غاية الفلسفة في جميع مذاهبها هي الوصول إلى حقيقة يقينية تطمئن إليها النفس؛ ولما كان هذا اليقين غير متحقق عند الفيرونيين؛ لذا فهم يرون أن على الإنسان أن يتوقف عن إصدار أي حكم ومن ثمّ يصوم عن الكلام مطلقاً، ولما كان هذا الوضع مستحيلاً على الإنسان العاقل ؛ فيتنازل الفيرونيون قليلاً ويؤمنون بأن الأفعال الضرورية لا تحتاج إلى معرفة يقينية بل يستطيع الإنسان للضرورة العملية أن يلجأ إلى هذه المعارف الظنية.(بدوي موسوعة الفلسفة 2/18) و (أسس الفلسفة، ص306، وأيضاً سليمان وسعيد، نظرية المعرفة، ص91) .

ومن ابرز سمات الشك المذهبى:

  •  هو شك مطلق ودائم يستخدمه صاحبه من أجل الشك فقط وليس من أجل التوصل لليقين.

  •  مذهبى: لأن صاحبه يتخذه مذهباً له فى الحياة والتفكير.

  •  دائم: لأن صاحبه يظل مقتنعاً به طوال الحياة ولا يحاول تغييره.

  •  هدف فى ذاته: لأن صاحبه يشك من أجل الشك فقط.

  •  يؤدى إلى الشك: لأن صاحبه يبدأ بالشك وينتهى بالشك ولا يؤدى إلى نتيجة جديدة غير الشك.

    والحوار مع اصحاب هذا النوع من الشك مضيعة للوقت لانهم لا يمكن ان يتوقفوا عند نقطة من النقاط .. فكل نقطة هي مفتاح لنقاط اخرى الى مالا نهاية

الشك المطلق او المذهبي في الفكر الاسلامي السني
سموا اصحاب هذه المدرسة في التراث الفكري الاسلامي باللاأدريين.

  • فرقة اللاأدرية:

    الذين يقولون بالتوقف في الحكم والذين يقدحون في كل من الحس والعقل طريقين للمعرفة، ذلك أنه ليس بعد الحس والعقل من حاكم إلا النظر، والنظر فرع الحس والعقل فباطل ببطلانهما، وأنه لا ضرورة فيجب التوقف في الحكم، في وجود كل شيء وفي علمنا به. هذا التوقف من شأنه أن يورث حالا من عدم القابلية للتأثر والسكينة الكاملة في النفس والتحرر من العاطفة وضربا من اللامبالاة بالأشياء الخارجية.

  •  فرقة العنادية:

    وهم الذين يدعون أنهم جازمون بأن لا موجود أصلا، وإنما نشأ مذهبهم من الإشكالات المتعارضة، إذ ما من قضايا بديهية أو نظرية إلا ولها معارضة مثلها في القوة تقاومها.

  • فرقة العِندية:

    وهم القائلون بأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات، دون العكس، وأن الإنسان مقياس الأشياء جميعا. وهذا يعني أن المعرفة لا تتعلق بالموضوع المعروف، بل بالذات العارفة، وأن مبدأ الأشياء، ينبغي أن لا يطلب في العالم الخارجي، وإنما هو بالنسبة لكل فرد على حدة، فالحقيقة عندك هي ما تتراءى لك والحقيقة عندي هي ما تتراءى لي، فلا يوجد مقياس كلي للحقيقة، ولا وجود لحقيقة موضوعية، يمكن الرجوع اليها لتصويب المصيب وتخطيىء المخطىء.

    وفي كل هذا إنكار للعلم الذي هو صلة الذات العارفة بالموضوع المعروف، والذي هو الحقيقة الكلية الموضوعية، التي يشترك الناس في أصولها العامة، وقواعدها البديهية، والذي هو الحكم الفعلي على الأشياء وجودا وعدما، وما يتعلق بذلك من أحكام.

    وهذه المدارس تقدم مجموعة من الحجج تبريراً لموقفهم الإنكاري، وتقوم كلها على استحالة المعرفة، لأن طرق المعرفة من حس وبديهيات عقلية، لا توصلنا إلى الحكم على شيء بأنه موجود أو معلوم. فالحس والبديهيات هما هدفان لهدم المعرفة .

    ويمكن اجمال مبرراتهم في طعنهم بالحواس والعقل كما يلي:

    طعنهم في الحواس:

    عللوا تعليق الحكم في المحسوسات بالنسبة في معرفة الحس، ذلك أن الأعضاء الحاسة مختلفة فيما بين الإنسان والحيوان، وهذا يستتبع أن لكل إحساسه الخاص به، ولذلك فإن ما يدرك بالحس ليس إلا كما يبدو لنا كذا، ليس هو في حقيقة أمره أو في ذاته كذا.

    وقالوا: ان الناس مختلفون في إحساسهم وهذا يستتبع بدوره اختلافهم في الإحساسات والأحكام، وبهذا يمتنع الحكم. والحواس متعارضة إزاء الشيء الواحد، فالبصر يدرك بروزا في الصور واللمس يدركها مسطحة، والرائحة اللذيذة للشم، مؤذية للذوق، وهكذا. وهذا بدوره يؤدي الى التباين والتعارض في الإدراكات الحسية.

    وقالوا : تختلف الإدراكات الحسية تبعا لاختلاف الظروف والأحوال من صحة ومرض ونوم ويقظة، واختلاف الأمكنة والأوضاع والمسافات والكمية والوسط فما تراه عن قرب يبدو لك كبيرا، وإذا رأيته عن بعد فإنك تراه صغيرا. وقد تنظر إلى شيء من زاوية معينة فتراه مربعا، وإذا نظرت إليه من وضع آخر قد تراه دائريا. والشيء إذا تحرك بسرعة كبيرة تراه على غير ما كنت تراه ساكنا شكلا ولونا… وهكذا.

    ومن ابرز قواعد نظريتهم :

  •  البديهيات ليست يقينية فلا تصلح أن تكون أساسا للمعرفة، ذلك أن الشيء أما أن يكون أو لا يكون _أي التردد بين النفي والإثبات _ وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان من أجلى البديهيات ومع ذلك فهي غير يقينية إذ لا تعدم من ينقضها بقوله: إن الشيء الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد، وهذا يعني أن الشيء يصدقه عليه أنه معدوم وموجود معا، ومن ثم فقد اجتمع النقيضان، وهذا مخالف للبديهية نفسها.

  •  البديهيات إنما نجزم بها كجزمنا بالعادات ولا فرق بينهما، فكما أننا لا نعتمد على العاديات أصلا للمعرفة فكذلك لا اعتماد على البديهيات.

  •  إن الأمزجة والعادات لها تأثير على اعتقادات القلب فلا تكون البديهية يقينة كما أنها لا تكون عامة ومطلقة إذ تختلف باختلاف الأمزجة والمؤثرات، وإن مزاولة العلوم العقلية، قد دلت على أنه قد يتعارض دليلان قاطعان بحسب الظاهر بحيث نعجز عن القدح فيهما وذلك يعني أننا نجزم بمقدماتهما مع أن إحدى هذه المقدمات خاطئة بالتأكيد. هذا مع كوننا قد نجزم بصحة دليل ما زمنا ما ثم نغير المذهب ولا نعود نجزم بصحة ذلك الدليل بل نجزم ببطلانه.

    كل هذا يؤدي إلى تناقض الأفكار الإنسانية، ومن ثم فكيف تقوم المعرفة وكيف تكون ممكنة مع وجود هذا التناقض؟

  • أنه إن وجدت الحقيقة فهي لا تخلو أن تكون إما محسوسة وإما معقولة. ولكنها ليست محسوسة، لأن كل ما هو محسوس فهو مدرك بالحس، وليست الحقيقة مدركة بالحس، لأن الإحساس بذاته خلو من البرهان، وليس يمكن إدراك الحقيقة دون برهان فليست الحقيقة محسوسة. وهي ليست معقولة وإلا لم يكن شيء محسوس حقيقيا، وهذا باطل.

  • العلّية ممتنعة فلا يصح أن يكون تعريف العلم هو معرفة العلل بالظواهر. وذلك لأنه لا يستطيع الجسم أن يحدث جسما إذ يستحيل أن يحدث شيء شيئا لم يكن موجوداً، ولا يستطيع اللاجسمي أن يحدث لا جسميا لنفس السبب ولسبب آخر هو أن الفعل والانفعال يقتضيان التماس، واللاجسمي منزه عن التماس فلا يفعل ولا ينفعل، ولا يستطيع الجسم أن يحدث لا جسميا ولا اللاجسمي أن يحدث جسميا فالعلية ممتنعة.

  • ضرورة البرهنة على كل شيء وتسلسل هذه البرهنة إلى غير نهاية. إذ أبطلوا الاعتماد على الحواس وعلى البديهيات العقلية. وأما أن يصبح البرهان على قضية في حاجة لكي يبرهن عليه إلى هذه القضية نفسها، فهذا دور، ذلك أن حقيقة الفكر لا يمكن البرهنة عليها إلا بالاستعانة بالإدراك الحسي وبالعكس.

    وأيضا فإن كل برهان يرجع في نهاية الأمر إلى أن يكون مصادرة على المطلوب. ثم إنه من سيقطع بالحقيقة؟ أهو إنسان فرد أم كل الناس؟ وإذا فرضنا جدلا قدرة الإنسان على القطع بالحقيقة، فعن طريق أي الملكات سيتم له هذا؟ هل عن طريق الحواس؟ لكنها ليست صالحة كما ذكر. أم عن طريق العقل؟ ولكن كيف يستطيع العقل وهو باطن أو داخل في الإنسان أن يصل إلى معرفة الأشياء التي توجد خارج الإنسان؟

    وإذا فرضنا أن إنساناً أدرك الوجود فلن يستطيع أن يبلغه لغيره “ذلك أن وسيلة التفاهم بين الناس، هي اللغة، ولكن ألفاظ اللغة إشارات أي رموز، ليست مشابهة للأشياء المفروض علمها، فكما أن ما هو مدرك بالبصر ليس مدركا بالسمع والعكس فإن ما هو موجود خارجا عنا مغاير للألفاظ، فنحن ننقل للناس ألفاظا ولا ننقل لهم الأشياء. فاللغة والوجود دائرتان متخارجتان”.

    وعلى ذلك فإنه لا يوجد شيء، وإن كان هناك شيء، فالإنسان قاصر عن إدراكه وإذا أدركه _جدلا _ فلا يستطيع أن ينقله إلى غيره من الناس فالعلم ممتنع. أو يتوقف في الحكم على الاشياء وإن الإنسان هو مقياس الأشياء جميعا.

الشك في الفكر الاسلامي الشيعي


شك المقِلّدة:

هناك نمط من الشك في قدرة العقل والحواس، على الوصول إلى المعرفة، ولكنه لا ينكر وجود الحقيقة، وهذا الشك ليس إنكاريا، وإنما مقصوده الإيمان أو الاعتماد فحسب على مصدر خارجي عن الإنسان أو عن ذاته العارفة.
كما حصل هذا النمط من الشك لفرقة في الفكر الإسلامي أطلق عليهم اسم المقلدة وهم من يطلق عليهم السنة لقب الباطنية أو التعليمية. إذ أقرت مثلا الطائفة الإسماعيلية بالعلم واعترفت بأن المرء لا يخلق عارفا، وإنما يكتسب المعرفة، ولكن هذه المعرفة، لا تحصل لطالبها بأية وسيلة من الوسائل الإنسانية المعروفة كالحس والعقل وإنما مصدر هذه المعرفة وطريقها هو الإمام المعصوم، فهو وحده أهل للعلم، ومعصوم عصمة مطلقة. فطريق العلم إنما هو الأخذ والتقليد، أو النقل عن الإمام المعصوم والإمام يورث هذا العلم إلى معصوم آخر.. وهكذا توريث وعصمة وتعليم.
ويتواصل انتقال العلم والمعرفة من المعصوم الى الائمة الى ان يظهر المهدي صاحب المعرفة المطلقة الملهمة له من الله تعالي
وحينها يتم حل جميع مشاكل البشرية استنادا الى معارفه الكلية
ولهذا فالاجتهاد ممنوع تحت طائلة التفكير .. وان كل مسلم شيعي يجب ان يكون تابعا لامام يتلقى منه تعاليمه الدينية والدنيوية .. ومن لا امام له فلا دين له ..
ولذا فمن العبث محاورة من هم متوغلون بالايمان من هذه الطائفة

الشك المطلق او المذهبي في الفكر المسيحي

ينظر الفكر المسيحي بكنائسه المختلفة الى الشك من زاوية إن الحقيقة ليست في صلة الفكر بالموضوع، ولا في رجوع الفكر على نفسه.

ولذا يرى الفكر المسيحي انه يجب البحث عن مصدرها في تلقين مباشر، ممن هو مصدرها الأبدي، أي من الله وقد مهدت هذه الشكية لهذا الرأي، بأن جعلته ضرورة لازمة، فكان يجب أن نقنط من اليقين الفكري، لكي نبحث عن الحقيقة في الوحي الذي يوحى إلى هذا الفكر. ولكن كيف نقيم اليقين على معرفة الله الذي يحتاج وجوده لدينا إلى برهان؟ هذا ما يجيب عليه مذهب أفلوطين: فالله في ضمائرنا ولسنا منفصلين حقا عنه. فإن الفكر إذا تأمل ذاته أحس بهذه الوحدة، وكانت له من ذلك النشوة الكبرى التي تلاشينا في الوحدة الكبرى، فالنفس تسكن أعاليها في المعقول، فهي إذ تحدس نفسها تحدس العقول أي عالم المثل. ولكن الحدس العقلي، الذي فيه مكان للوعي وللتمييز هناك حدس “الواحد” وهو النشوة التي ترفعنا فوق الفكر المعين وتخلطنا بالله.
وبهذا النشوة نحصل على مبدأ ورباط المثل. وما دمنا لم نرتفع إلى هذا الحدس العالي، الذي يوحدنا بالمطلق تتبقى ثنائية الذات والموضوع، الفكر والوجود التي تهدد كل معرفة ففي النشوة يقوم مبدأ كل يقين.

وهذا الفهم لليقين، كان أساس النظرة المسيحية الداعية إلى أهمية الإيمان لكل معرفة. فالإيمان أي عمل الإرادة الذي يعطي الإقرار للتفكير، هو الخطوة الأولى نحو المعرفة. فأن تكون التصورات الحسية صحيحة ذاتيا هذا أمر ليس فيه شك. أما أن يكون عالم واقعي مقابل هذه المدركات فهذا ما لا يقين لنا به، إلا عن طريق الإيمان.

فمثل هذا النوع من الشك دوافعه إيمانية، والمقصود بإيمانية هنا في المفهوم المسيحي لا في المفهوم الإسلامي، ذلك أن عقيدة الخطيئة التي يدعيها المسيحيون وهي أن يولد الإنسان ملوثا بخطيئة أبي البشر آدم عليه السلام _في نظرهم _ وتنقل إلى أبنائه دون أي اقتراف من احدهم، لها أثر كبير في هذا النمط من الشك.
فالإنسان إذا كان فطريا مخطئا فهو لا يستطيع إدراك الحقائق على وجهها الصحيح، كما أنه لو أدرك منها شيئا، فإنه لا يدرك كل الحقيقة، ولا يستطيع أن يلج مجالاتها. وأن أية معرفة عنده وصل إليها فهي مشوشة أيضا حتى لو كان من أصحاب اليقين. ويترتب على هذا أن يلغي الإنسان ذاته الملوثة المخطئة، وأن يشك أن فيها أية كفاية للمعرفة الصحيحة، ويسلم لنداء خارجي عنه وهو الإيمان أو الوحي _على مفهوم الكنيسة _ لأن المخلّص هو الذي ينجيه من هذه الكبوة ويعطيه المعرفة الصحيحة، دون أن تكون لهذا الإنسان قيمة في مصدر المعرفة أو حتى فهمها وتفسيرها.

 ========================

مراجع البحث

1. الطويل – أسس الفلسفة، ص306، وأيضاً سليمان وسعيد، نظرية المعرفة، ص91.
2. انظر بدوي، موسوعة الفلسفة 2/16.
3. الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص120 – 123. وانظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ص170. وانظر الموسوعة الفلسفية، ص81.
4. الفلسفة اليونانية أصولها وتطوراتها التاريخية (ترجمة عبدالحميد محمود) طبعة مكتبة دار العروبة، القاهـرة، بدون تاريخ، ص102. وأيضاً أحمد البهادلي، محاضرات في العقيدة الإسلامية، ص87.
6. بدوي، موسوعة الفلسفة 2/16 – 17.
7. ابن عطية، عبد الحق بن غالب (ت 541هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، نشر وزارة الأوقاف المغربية، الرباط، ط/1، د.ت.
8. ابن قيم الجوزية، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ت 751هـ)، بدائع الفوائد، إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة، د. ت.
9. ابن كثير، الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر (ت 774هـ)، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، ط/2، 1977م.
10. أحمد البهادلي، محاضرات في العقيدة الإسلامية، دار التعاون للمطبوعات، بيروت، ومطابع مؤسسة البيادر، الشوف، 1399هـ، 1979م.
11. ألبير ريفو، الفلسفة اليونانية أصولها وتطوراتها التاريخية، ترجمة عبد الحميد محمود، طبعة مكتبة دار العروبة، القاهـرة، د.ت.
12. الإيجي، القاضي عبد الرحمن بن أحمد(ت756هـ)، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، مكتبة المتنبي، القاهرة، 1979م.
13. الإيجي، المواقف بشرح الجرجاني، القسطنطينية، الجزائر، 1286هـ.
14. بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط/1، 1984م.
15. بوخينسكي، مدخل إلى الفكر الفلسفي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط/2، 1979م.
16. تراث الإنسانية، دار الرشاد الحديثة، القاهرة، بدون تاريخ للطبع ولا عدد، الجزء الثالث، “جمهورية أفلاطون”، للدكتورة أميرة حلمي مطر.
17. الجاحظ، أبو عثمان(ت255هـ)، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، منشورات محمد الداية، بيروت، ط/3، 1388هـ، 1969م، 6/ 35 – 36.
18. الجرجاني، السيد الشريف (ت 816هـ)، التعريفات، نشر الشؤون الثقافية العامة، العراق، د.ت.
19. جودة، ناجي حسين، المعرفة الصوفية (دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة)، دار الجيل، بيروت، ط/1، 1992م.
20. جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط/2، 1997م.
21. د. عبد الحليم منتصر، تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط/6، 1975م

===================

انتهى البحث

د. ندى الغاد / 22 فبراير 2014 

احد اسباب محدودية الوعي في المجتمع العربي

احد اسباب محدودية الوعي في المجتمع العربي

توعية الجماهير مهمة اساسية كبرى بالغة الاهمية في بناء الحضارات والتطور البشري .. ودراسة الفعاليات العاملة في هذا المجال تمثل احد الزوايا  في الكشف عن مستوى وعي مجتمع معين ، ومن خلال دراسة واقع العاملين والفعاليات العاملة في ميدان التوعية ونشر المعلومات والمعارف في العالم العربي وجدناه تنقسم الى 10 اقسام رئيسية على النحو التالي:

الاول يعلق على الاخبار  (كثيرو العدد و واسعي الانتشار )

الثاني يعلق على الافكار (لهم حضور ومحدودي الانتشار )

الثالث متخصص في الادب (اكاديميين في اغلبهم وقليلو العدد)

الرابع المهتم بفروع علم الاجتماع (قليلو العدد اكاديميون محدودي الانتشار )

الخامس متخصص بعلم الاقتصاد (محدودي العدد والانتشار )

السادس متخصص بفرع من فروع العلوم العقلية  (عدهم محدود جدا اكاديميون في الغالب محدودي الانتشار)

السابع  متخصص بالمشاعر  ( كثيرو العدد ولهم انتشار )

الثامن  متخصص في ذاته (كثيرو العدد ولهم انتشار)

التاسع ثنائي الابعاد سياسي ومفكر  (محدودي العدد انتشارهم وسط حلقة ضيقة)

العاشر  رباعي الابعاد سياسي ومفكر وأديب وله دراية بعلم الاجتماع . (نادرين الوجود انتشارهم محدود جدا داخل حلقات ضيقة ) .

يستنتج من ما ذكر اعلاه ان انخفاض حجم جهود التوعية الشاملة في البلاد العربية وانخفاض اعداد العاملين بها وانتشار المتخصصين بالتعليق على الاخبار والأحداث والحوادث والمتخصصين بالمشاعر والوجدانيات (كثير منهم متدينون) والمتخصص في ذاته و ابراز ذاته والتغني بإبداعاته من اصحاب عبارات (ذهبت التقيت اجريت زرت قابلت قلت قال لي الخ)

فيما رافعة الامم هم من يعلقوا على الافكار وينتجوا افكارا جديدة ويطوروا القديمة ، وايضا الفئة رباعية الابعاد التي تشكل قمة النخبة والتي تعتبر الغربال والمصفاة وفريق الحكماء والخبراء الذين يصنعوا الافكار الجديدة واسس الثقافاة الجديدة