شيركي – قصة قصيرة – كتبها: إيتجار كيريت

شيركي – قصة قصيرة – كتبها: إيتجار كيريت

هذا روفين شيركي، شخص رائع، رجل ذو خطة، شخص لديه الشجاعة ليعيش أحلاماً لا يجرؤ أغلبنا على مجرد الحلم بها، شيركي بالغ الثراء، ولكن ليس هذا ما أعنيه، لديه صديقة كذلك، عارضة أزياء فرنسية، تقف للتصوير عارية لحساب أفضل المجلات المصقولة في العالم (إذا لم تستمنِ قبالتها فلأنك فقط تعجز عن شرائها)، ولكن هذا لا يجعل منه الرجل الذي تتطلعون إليه كذلك، ما يجعل شيركي مميزاً، أنه يختلف عن العديد من مشاهير الناجحين، فهو ليس أذكى منك، ولا أوسم، ولا يتمتع بعلاقات أفضل، وليس أكثر دهاءً، وهو لا يفوقك حظاً أيضاً، شيركي يشبهك ويشبهني تماماً – أعني تماماً – من كل النواحي، وهذا ما يجعلك بالغ الغيرة، كيف بلغ شخص مثلنا هذا الحد؟، والأحمق هو من يبرر ذلك بالتوقيت أو الاحتمالات، سر شيركي أكثر بساطة بكثير: لقد نجح لأنه استغل عاديته حتى أقصاها بدلاً من إنكارها أو محاولة إخفائها، قال شيركي لنفسه: هذا هو أنا، وهذا كل ما في الأمر، لم يحاول المبالغة أو التقليل من ذاته، لقد قام فقط بمجاراتها، ناتيورال، اخترع أشياءً عادية، وأشدد على ذلك، عادية وغير مبهرة، وذلك ما تحتاجه البشرية بالضبط، قد تناسب الاختراعات العبقرية أناساً عباقرة، ولكن كم من العباقرة في هذا العالم؟، أما الاختراعات العادية فتصلح للجميع.

كان شيركي جالساً يوماً ما في غرفة معيشته يأكل زيتوناً محشواً بالفلفل الحلو، ولم يكن راضياً عن الزيتون المحشو، أحب الزيتون نفسه أكثر مما أحب حشو الفلفل الحلو، ولكنه فضل الفلفل الحلو على النواة الأصلية الصلبة والمرة كذلك، وهكذا خطرت له الفكرة – الأولى في سلسلة أفكار ستغير حياته وحياتنا – الزيتون المحشو بالزيتون، هل هناك ما هو أبسط؟، زيتونة تخلو من النواة، ومحشوة بزيتونة أخرى، استغرقت الفكرة فترة بسيطة لتشتهر، ولكن عندما حدث ذلك استعصى انصرافها عن الذهن، تماماً ككلب (البيتبول) عندما يطبق بفكيه على كاحل ضحيته، وبعد الزيتون المحشو بالزيتون، جاء الأفوكادو المحشور بالأفوكادو، ثم كانت مفخرته الحُلوة النهائية، المشمش المحشو بالمشمش، وفي أقل من ست سنوات، فقدت كلمة (حشو) أحد معانيها، وأصبح شيركي مليونيراً بالطبع، وانتقل بعد مكاسبه في الصناعات الغذائية إلى تجارة العقارات، دون بصيرة خاصة في ذلك المجال أيضاً، فقط تأكد من شراء عقارات غالية الثمن، ولكن خمنوا ما حدث، لقد ارتفع سعرها خلال عام أو عامين، وهكذا نمت ممتلكات شيركي بمرور الوقت، ووجد نفسه مستثمراً في كل شيء تقريباً، باستثناء التكنولوجياً، كان هذا مجالاً أرجأه لأسباب بدائية جداً لم يستطع مجرد التعبير عنها بالكلمات.

وكما هو الحال مع كل شخص عادي، غيّر المال شيركي، زاد امتلاء خديه، وزادت سمنته، وزادت عاطفيته، باختصار زاد كل شيء، لم يهيم به الناس، ولكنه لم يمقتوه كذلك، وهذا أمر يستحق الانتباه، ذات مرة في مقابلة تلفزيونية كانت شخصية إلى حد كبير، سأل المحاور شيركي إذا ما كان يرى العديد من الطامحين ليصبحوا مثله، “لا داعي لأن يطمحوا” كان نصف ابتسامته للمحاور ونصفها الآخر لنفسه حين قال ذلك، “إنهم مثلي بالفعل”، وامتلأ الاستوديو بتصفيق عاصف دوّى صادراً عن جهاز خاص اشتراه منتجو البرنامج خاصةً لمثل هذه الإجابات الصريحة.

تخيلوا شيركي في كرسيه ذي الذراعين على سطح حمام سباحته الخاص، يحرك ضجراً قطعة من الخبز الشامي في طبق من الحمص، ويشرب كأساً من العصير الطازج، بينما تتشمس صديقته ملفوفة القوام عارية على مرتبة هوائية، والآن حاولوا أن تتخيلوا أنفسكم في موضعه، ترشفون العصير الطازج، تقذفون حلوى ما للفتاة الفرنسية العارية، هذا سهل، أليس كذلك؟ والآن حاولوا تخيل شيركي في موضعكم، في موضعكم بالضبط، يقرأ هذه القصة، ويفكر فيكم هناك في قصره، ويتخيل نفسه جالساً جوار حمام السباحة في موضعكم، وفجأة، ها أنتم مرة ثانية تقرأون قصة، وهو هناك مرة ثانية، بالغ العادية، أو كما تحب صديقته الفرنسية أن تقول “تري ناتيورال”، يأكل زيتونة أخرى، لا يبصق حتى النواة، لأنها غير موجودة.”

Advertisements

القرن العشرون وظاهرة الزعيم الخالد

القرن العشرون وظاهرة الزعيم الخالد

كامل عباس
الحوار المتمدن-العدد: 952 – 
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية 

يعد القرن المنصرم بحق قرن الزعماء الخالدين , الذين حكموا عن طريق الأجهزة , ولم يزح أحد منهم إلا بالموت أو الحديد والنار , ستالين – ماوتسي تونغ – تيتو – هونيكر – شاوشسكو – كاسترو – هتلر – موسليني – فرانكو – سالازار – عبد الناصر – هواري بو مدين – صدام حسين – حافظ الأسد – القذافي … الخ
هذه الظاهرة التي حولت الجماهير الى قطيع تسير خلف القائد واختزلت الأمة الى رجل وألغت أي دور للمجتمع المدني ومؤسساته المستقلة عن الدولة , تحتاج الى سجال نظري حولها كي نجعل القرن الواحد والعشرين قرن الانسان العادي وحقوقه الفردية المصانة ضمن دولة القانون والمؤسسات ومن أهم الأسباب الموجبة لذلك ما تركت لنا تلك المرحلة من مخلفات في مقدمتها الارهاب الذي يضرب العالم ويذكرنا بطفولة الجنس البشري وما ساد فيها من وحشية وبربر ية
( قطع الرؤوس بالبلطات على الشاشات كمثال )
يشار هنا الى ان دراسة دور الفرد في التاريخ على أسس علمية بدأ مع ماركس وأنخلز وكان همهما الرد على الفكر المثالي الذي يعتبر التاريخ من صنع الأفراد المميزين – أنبياء أو رسل أو مصلحين _ ومن سخرية القدر أن يحكم أولئك الزعماء باسم ماركس وأنخلز والفكر المادي والعلماني !!!
إنها محاولة لوضع أسس عامة لظاهرة الفرد في التاريخ تنسجم مع ماقدم العلم والتطور وتضع الأساس لدراسة كل من اولئك القادة كل في ساحته وتلك مهمة المعنيين بالتقدم الاجتماعي في كل ساحة على حدة . وهي محاولة متواضعة من أربع حلقات أقدمها هدية لهيئة تحرير الحوار المتمدن كي تدعم جهودهم في نشر العلمانية داخل عالمنا العربي وأرجو أن تنشر على أربع حلقات إن أمكن أو كما يرون نشرها مناسبا
ملاحظات عامة حول دور الفرد في التاريخ :

الحلقة الأولى
المميزون من أبناء الجنس البشري :

(مافي حدا يساوي من جنسه ألف سوى بني آدم)
يؤكد هذا المثل الشعبي حقيقة تكاد تكون بديهية .وهي : إن ما يقرر أهمية الإنسان هو إمكاناته العقلية وليس الجسدية .كما أنه يؤكد حقيقة أخرى ليست بديهية ولها علاقة بالعلوم الطبيعية وهي التفاوت الهائل في نلك الإمكانات العقلية بين الناس .لدرجة تجعل قلة قليلة منهم تترك بصمات كبيرة على التاريخ يصعب إن لم نقل يستحيل محوها ,في حين تمضي الغالبية العظمى منهم إلى الدار الآخرة دون أن تترك أي أثر يدل عليها .
ما من شك في أن السبب الرئيسي لهذا التفاوت هو البنية الفيزيولوجية والتشريحية لمخ كل فرد على حدة, والتي تنتج عنها تلك الخصائص .
وقد شغل هذا الموضوع عامة الناس قبل أن يشغل العلماء ,واحتاروا في تفسيره ووصفوا العبقرية بأنها أكثر الأمور غموضا وتعقيدا في الكون وربطوا بينها وبين الجنون أحيانا :
أما العلماء فقد بنيت نظرياتهم السابقة حول آلية عمل المخ على فرضية وجود مركز فيه أطلق عليه اسم مركز الذكاء والذاكرة والتفكير ,عزيت اليه خصائص وميزات مقدرة الفرد العقلية التي تختلف اختلا فا كبيرا بين الناس وتتدرج مثل قوس قزح من البلهاء حتى العباقرة ,وصممت روائز متعددة لقياس نسبة الذكاء عند كل فرد وتم التمييز عند الأفراد بين ذكاء شفهي وذكاء عددي وذكاء فراغي , ولقد نجحت تلك النظريات الى حد ما في تفسير ظاهرة المميزين في حقل مهم تعارفنا على تسميته (حقل المواهب ) مثل موهبة الموسيقى أو الشعر أو الفن أو سرعة البديهة أو الحفظ أو التعلم أما العبقرية فليست سوى اجتماع مواهب متعددة في مخ فرد واحد بعرف تلك النظريات .
لكن كيف نصف حالة شخصين ونحن نقارن بين نشاط مخيهما ؟.
الأول: يتمكن من حفظ مقطوعة شعرية طويلة لدى تلاوتها أمامه من المرة الأولى. ولكنه يحتاج في نفس الوقت الى محاولات عدة حتى يتمكن من إتقان دق مسمار في حائط .
الثاني : يحتاج إلى تلاوة تلك المقطوعة أمامه مرات عديدة حتى يتمكن من حفظها .ولكنه ينجح في تعلم وإتقان دق المسمار في الحائط من المرة الأولى .
فاذا كان الأول زكيأ في حفظ ا لمقطوعة فهو غبي في دق المسار والثاني على العكس منه تماما.
لقد افتتح في أمريكا عام (1945) ناد سمي نادي منسا .شروط عضويته والانتساب إليه الايقل معدل الذكاء عند طالب الانتساب إليه عن (149) %حسب تصنيف تلك الروائز . وفي نفس الفترة قامت العالمة الأمريكية – كاتين مورس كوكس – بدراسة عن ثلاثمائة عبقري في التاريخ وجمعت معلومات كافية عن سيرهم الذاتية سمح لها بتقييم معادلهم الذكائي حسب رائز ترومان المأخوذ به في النادي ولكنها فوجئت بأن غالبيتهم لايحق لهم الإنضمام إلى النادي .
الظاهر أن الدراسات القديمة لاتفسر سوى جانب واحد من نشاط المخ ,وحتىهذا الجانب يحيرنا فالعبقري فيه بمنتهى الذكاء ولكن العبقرية بينها وبين الجنون خيط رفيع ينقلب فيها ذلك الشخص الى الحالة المعاكسة ,حالة الغباء المطلق .
لم يعد مقبولا في النظريات الحديثة تقسيم الناس بين أغبياء وأذكياء الأمر أعقد من ذلك بكثير .
يبدو أن لكل مخ طاقة محددة ,وهذه الطاقة رغم تقدم العلم لم يكت شف منها سوى (20) % , وما زلنا في أول الطريق بالنسبة للتعرف على آلية عمل المخ ولقد ألقى علم ألإلكترونيات الحديث والإنسان الآلي –Report – الضوء على آلية عمل المخ ,وتلك الطاقة مع أنه أحد نتائجها ز بحيث يمكننا أن نتخيل أن تلك الآلية تجري على النحو التالي . إنها نوع معين من الإرتباط بين تجمعات خلوية عصبية داخل المخ تنفتح وتنغلق على بعضها وتجيب على طرق الإثارة والتحريض الآتية الى المخ من المستقبلات العصبية حسب نوع الإثارة ومستوى ذلك التحريض بالتناسب مع طاقتها وطرق ارتباطها .ربما قد يسمح تطور العلم مستقبلا بتفسير آخر لآلية عمل المخ .ولكن هذا التفسير له تطبيقاته الناجحة وأهمها العقول الالكترونية التي تعمل استنادا إلى جمل الكترونية تنفتح وتنغلق على بعضها حسب البرنامج الذي يغذيها .وتعطي إجابتها استنادا إلى المعلومات التي في تلك الدارات التي تثير الواحدة منها عمل الاخرى المجاورة .
مع ذلك علينا أن نعلم بأن المخ يحوي على عدة مليارات من الخلايا العصبية في حين لاتستطيع أكثر الحواسيب تطورا أن تعطي أكثر من {500}ألف وضعية للذاكرة في الثانية الواحدة .علينا أن نعلم أيضا أنه إذا أمكننا تفسير موهبة حفظ المقطوعة الشعرية بفعل تلك الدارات وسرعة انفتاحها وانغلاقها داخل الخلايا العصبية للمخ . وإذا فسرت لنا تلك النظريات البرنامج الذي يغذي تلك الدارات الارتجاعية ,المستند الى منعكسات الجملة العصبية وارتباطها في المخ وطريقة تأثير الوراثة والبيئة في الوصول إلى البرنامج النهائي لكل فرد .فإنها لا تفسر لنا دور الجملة العصبية شبه الودية “Para Timbitik” “” في ذلك البرنامج والتي ليس لها ارتباط مباشر في المخ …. أي أن العلم في هذا المضمار مازال ينتظر جهود العلماء والاختصاصين لكشف أسرار وطاقات المخ البشري .لكن تلك النظريات الحديثة تعيننا على فهم موضوعنا في هذا الكتاب أكثر من النظريات القديمة بكثير. مجال القدرة على الاستيعاب والصبر والتحمل ,مجال الأشخاص الذين يعملون في حقل الشأن العام والتي تختلف مقدرتهم على العمل فيه باختلاف طاقة مخ كل منهم .

* * * * * *

بالطبع إن سعة طاقة مخ كل فرد على حدة وداراته الارتجاعية العصبية يحددها عامل الصدفة البحت ,صدفة التقاء نطفة ما من ملايين النطاف ببويضه ما داخل الرحم .وكل من النطفة والبويضة تحمل صفات وراثية معينة محمولة على صبغياتها ,إلا أن تلك الصدفة تندرج ضمن قانون ,عندما ننتقل من الدراسة على مستوى الفرد إلى الدراسة على مستوى النوع البشري ككل . وإذا كانت دراسة الخصائص العقلية لكل فرد على حدة هي من اختصاص علم النفس ,فإن دراستها على مستوى النوع هي من اختصاص علم الاجتماع .
من المعروف أن النوع البشري جاء إلى هذا الكوكب كثمرة ونتاج لتطور الأنواع ,وهو نوع فتي لا يتجاوز عمره مليوني سنة , في حين يتجاوز عمر الحياة ملايين السنين .والخطوة الحاسمة باتجاه ظهور النوع كانت تحرر اليدين في الغابة وانتصاب العمود الفقري ,وما رافق ذلك من تغييرفي بنية المخ التشريحية والفزيولوجية مهد لظهور الخصائص العقلية عند النوع الجديد ومع الممارسة والتجربة تطورت لغة الانسان وتفكيره وعملياته العقلية وانتقلت تلك الخبرة الى الأجيال اللاحقة وساعد على ذلك نوعية البروتين وتجليها الأكثر تعقيدا في الخلايا العصبية داخل المخ .مما نتج عنه ذلك التنوع الهائل في الامكانات العقلية بين الأفراد . لكنها كانت تستعمل جميعها بادئ الأمر من أجل التكيف أكثر مع الطبيعة. وظل الأمر كذلك حتى عرف الانسان ظاهرة زيادة إنتاج بعض المواد عن حاجته . منذ ذلك التاريخ بدأت حضارته المشوبة بالقلق والتي انتقل فيها الصراع بين الانسان والطبيعة الى المرتبة الثانية واحتل الصراع بين الانسان وأخيه الانسان االمرتبة الأولى حتى وصلنا الى العصر الحالي والذي بدا فيه العقل وكأنه نقمة على النوع وليس نعمة له. على سبيل المثال لا الحصر أخل الانسان الحالي بالتوازن البيئي بسبب اختراعاته العلمية وتجبيرها لمصلحة حفنة منه حتى وصل الأمر لدرجة خطيرة جدا تلوث بها الماء والهواء وهما عصبا الحياة الحساس .
الأهم من ذلك بالنسبة لموضوعنا هو وجهة تطور الحضارة بين أجناس النوع البشري , واثر امتلاك قلة قليلة من أفراده للثروة . إن فعل الوراثة والبيئة من جراء تلك الوجهة ,وفر الإمكانية لأن يكون المميزون داخل تلك الفئة أكثر بكثير جدا منها داخل الكتلة الكبرى من أفراد النوع البشري التي تشكل مايعرف باسم الكتلة الشعبية وهذا يعني ببساطة أن المميزين لاينحدرون من بين الطبقات الشعبية الفقيرة كما يتوهم البعض . بالطبع يبقى ظهور ذلك العبقري أو ذاك صدفة قد تتوفر لها الامكانية لتظهر في بيئة فقيرة ولكن إذا أجرينا إحصاءا دقيقا سنجد أن تلك الصدفة تتكرر بين أبناء الطبقات الغنية أكثر بمئات المرات منها بين الطبقات الفقيرة . وهذا ما يفسر لنا أيضا الاختلاف بين سوية الشعوب ووجود أماكن حضارية أكثر غنى في الحياة العقلية ,تقابلها أماكن لم تقطع سرتها بحبلها الحيواني بعد .وهو الذي يفسر لنا أيضا لماذا تكون نسبة المميزين داخل الذكور أضعاف أضعاف نسبتها داخل الإناث مع أن النوع البشري يقسم الى قسمين بالتساوي . لقد سارت حضارتنا باتجاه حضارة ذكورية منذ أن عرف التطور سيادة الرجل داخل الأسرة وتشكل العائلة البطريركية المتمحورة حول الأب ,وعانت بعدها المرأة من اضطهاد مركب داخل الأسرة والمجتمع .مما جعل المميزات أقل عددا بكثير من المميزين مع أن الدراسات الفزيولوجية تثبت أن مخ المرأة يملك نفس المواصفات التشريحية والفزيولوجية للرجل .
ذلك هو تاريخنا كنوع بشري مهما كان في ذلك من مرارة ,تاريخ تحكم رجال فينا ليسوا مميزين في شيء ,في حين يجبر المميزون على أفعال لايرتضونها ,تماما كما أجبر ليو ناردو دافنشي ,الرسام , الفنان , المهندس , الميكانيكي, العسكري الطبيب الملم بكل علوم عصره على تبديد جزء كبير من وقته كي يصنع الجزمات الأنيقة لأمير مملكته .
مع ذلك يقع على عاتق المميزين العمل باتجاه دفع تلك الفئة التي تملك الثروة والجاه والنفوذ كي تعي انتماءها الإنساني , تذكير اولئك بأنهم سيموتون وسيأكل الدود عيونهم , وستتعفن جثثهم , وسيتحولون الى تراب ولن يأخذوا معهم من ممتلكاتهم شيئا . تحضرني حكاية أحد الأثرياء الأمريكيين والذي كان يملك من المال والثروة ما لا تملكه دول عديدة مجتمعة .لم يتزوج في حياته , وعندما شعر بدنو أجله أوصى بأن تدفن ثروته وحليه وجواهره معه وأصر على وصيته ولكنها لم تنفذ بالتأكيد .
ربما تكون تلك الدعوة أخلاقية بحته ولكنها تراكم باتجاه وعي يدفع نحو عالم جديد مختلف يحتل فيه الصراع بين الانسان والطبيعة المرتبة الأولى من جديد . عندها يبدأ تاريخ الجنس البشري الحق , تاريخ انتمائنا جميعا الى عائلة واحدة ,نحن فيها إخوة مهما اختلفت إمكانياتنا العقلية . تاريخ تكامل الامكانات والمواهب وعملها من أجل حياة أكثر سعادة لكل أبناء الجنس البشري.

الحلقة الثانية

حول دور الفرد في التاريخ بشكل عام

شغل دور الفرد في التاريخ, الحركات الاجتماعية والسياسية والعلماء والمؤرخين منذ أقدم العصور, وقد جاء أقدم تفسير لدورهم فيه من قبل اللاهوتيين اللذين نسبوا التطور الاجتماعي لإرادة ذات إلهية تتجسد على الأرض عبر رجال عظام مثل الأنبياء والرسل وأولياء الله الصالحين …الخ . أما المثاليون فقد فسروا تطور التاريخ بأنه في البداية . الفكرة تتطور في ذهن الرجال العظام أولا ومن ثم يتطور الواقع على أساسها , ولقد بلغ هذا المذهب كماله على يد الفيلسوف الألماني (هيغل) حيث رأى أن التاريخ ليس سوى تطور الفكرة المطلقة او الروح العمومية حسب الزمان .
أما تفسير دور الفرد في التاريخ على أسس علمية صرفة فلم يظهر إلا بعد تبلور الفلسفة الماركسية في القرن التاسع عشر والتي مهد لظهورها اكتشاف الخلية من قبل العالم تيودر شوان ,وتحول الطاقة من قبل العالم لافواذيه وأصل الأنواع (دارون ) إلى جانب الفلسفة الألمانية والاقتصاد البريطاني والإشتراكية الفرنسية, والهيكل العظمي لتلك الفلسفة صاغه ماركس على النحو التالي ((إن الناس أثناء الإنتاج الاجتماعي لحياتهم يقيمون فيما بينهم علاقات معينه ضرورية ,مستقلة عن إرادتهم وتطابق علاقات الإنتاج هذه درجة من تطور قواهم المنتجة المادية ,ومجموع علاقات الإنتاج هذه يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع ,أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي , وتطابقه أشكال معينة من الوعي الاجتماعي والسياسي والفكري بصورة عامة ,فليس إدراك الناس هو الذي يحدد معيشتهم ,بل على العكس من ذلك معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدد إدراكهم .)) (3) .
وعلى هذه الأرضية عالجت تلك الفلسفة دور الفرد في التاريخ .
((الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكن ليس بإرادة جماعية ,وطبقا لخطة أو حتى في مجتمع محدد سابقا ومطامحهم تتصارع .ولهذا السبب فإن كل هذه المجتمعات وأمثالها تحكمها الضرورة التي تعتبر الصدفة تكملة وشكلا ً لمظهر هذه الضرورة .إن الضرورة التي تؤكد نفسها ومعها كل الصدف هي ضرورة اقتصادية بشكل نهائي ,وهنا لابد أن نعالج مشكلة من يسمونهم بالرجال العظام . إن ظهور هذا الرجل العظيم ,وهذا الرجل العظيم بالذات لاغيره في زمن معين هو بالطبع مجرد صدفة , ولكن نحّه يظهر حاجة الى بديل سيئاً كان أم جيدا , ولكنهم سيعثرون عليه في نهاية الأمر . (4) .
أكمل بليخانوف ما بدأه ماركس وأنجلز في هذا المضمار .
((وينتج أن الأفراد يستطيعون بفضل خصائص معينة لطباعهم أن يؤثروا على مصير المجتمع ,وأحيانا يكون تأثيرهم كبيرا جدا .إلا أن نفس إمكانية مثل هذا التأثير ومقاييسه على السواء تتحدد بتنظيم المجتمع , بتناسب قواه , فطبع الفرد هو عامل التطور الاجتماعي , حيث فقط ,وحتى فقط , وطالما فقط . تسمح تلك العلاقات الاجتماعية .
يمكن أن يلاحظوا لنا أن مقاييس التأثير الفردي تتوقف كذلك على مواهب الفرد أيضا . نحن نوافق على ذلك ,إلا أن باستطاعة الفرد أن يظهر مواهبه فقط في تلك الحالة التي يتشكل فيها الوضع الضروري لأجل ذلك في المجتمع .فلماذا قدر لمصير فرنسا أن يقع بين يدي شخص يفتقر الى أي مقدرة ورغبة في خدمة المجتمع , لأنه هكذا كلن تنظيمها الاجتماعي ,وبهذا التنظيم بالذات تتحدد في كل ظرف تلك الأدوار وبالتالي تلك الأهمية الاجتماعية التي يمكن أن تكون من نصيب أفراد موهوبين أوغير موهوبين ………
ولقد كان الشعب يكف عن التعاطف مع ميرابو ,حالما يتحقق من عدم تعاطفه مع طموحاته الجمهورية . وعندئذ كان الخطيب الكبير يفقد كل نفوذ له على وجه التقريب . ويمكن أن يقال الشيء نفسه تقريبا عن روبسبير لنفترض أنه كان قوة لاغنى عنها في فريقه ,لكنه لم يكن على أي حال القوة الوحيدة فيه ولو أن السقوط المفاجئ لقرميدة على رأسه والذي يسبب مقتله _ ولنقل في كانون الثاني عام 1793أي شهر إرسال الملك لويس السلدس عشر الى المقصلة _ . من المؤكد أن شخصا ً آخر كان سيتخذ مكانه . وبالرغم من أن هذا الشخص يمكن أن يكون دونه من مختلف وجهات النظر .فقد كانت الأحداث تتخذ مع ذلك نفس المجرى الذي اتخذته حين كان روبسبيير حياً)) (5).
باختصار .رأت الفلسفة الماركسية . أن سبب دور الأفراد المميزين في التاريخ يعود الى انعكاس خصائص تلك المرحلة التي عاشوها في أذهانهم أكثر من غيرهم ,تماما كما تنعكس خصائص التربة في ثمار أشجارها المميزة .وهكذا عبر بطرس الأكبر بجبروته وطغيانه وقوة شخصيته عن روح روسيا الجاف وتطلعات بورجوازيتها نحو الحضارة الغربية ومحاولة استيعابها .(6). أيضا عبّر المهاتما غاندي بقلبه الطيب وتواضعه وبساطته عن روح الهند الشرقية وتطلعات بورجوازيتها نحو الاستقلال.
الثغرة الكبيرة في تفسير الماركسية لدور الفرد في التاريخ تكمن في مبالغتها بدور الاقتصاد في تطور المجتمعات قياسا بالدور السياسي لدوافع أيديولوجية . لقد كان هم ماركس وأنخلز وهما في خضّم المعركة مع الطرف الآخر ,تثبيت وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر المثاليين التي تعزو الدور الأول للتطور إلى الرجال العظام في التاريخ . ولقد اعترف أنجلز أواخر حياته تصريحاً أوتلميحا بذلك (( إن ماركس وأنا ملومان جزئيا عن واقع أن الشباب في بعض الأحيان يعلقون على الجانب الاقتصادي أهمية أكبر مما تعزى إليه .ولقد اضطررنا إلى التأكيد على هذا المبدأ الرئيسي لمواجهة خصومنا الذين رفضوه , ولم يكن لدينا الوقت دائما ولا المناسبة لتقديم تقدير للعناصر المشتركة في التفاعل , ولكن عندما نأتي إلى عرض مرحلة من التاريخ , أي القيام القيام بتطبيق عملي فإن الأمر يكون مختلفا ….)) (7) .

**************

يصح تفسير الماركسية لدور الفرد في التاريخ إلى حد ما على التاريخ الأوروبي , ولكنه لا يفسر لنا دورهم المتعاظم في الشرق , وبشكل عام من جمع منهم بين مرحلة النهوض والهبوط إبان فترة حكمه ,لاتفسر لنا الماركسية دور الأفراد المعبرين عن تطلعات فئات اجتماعية مصلحتها عكس التطور الاجتماعي ,لاتفسر لنا دور العباقرة والمميزين في عصر الظلمات , مثلا ابن خلدون وابن رشد ظهرا في عصر ملوك الطوائف , في المغرب العربي . أكثر عصور الإنحطاط في التاريخ الإسلامي .
كان من المفروض ردم تلك الثغرة بعد رحيل الروّاد الأوائل, ودفع النظرية لتتخلص من وهمها الأيديولوجي ولتلتصق بالعلم والمعرفة أكثر . ولكن مع الأسف الشديد فإن المحصلة حتى هذه اللحظة التاريخية تبدو وكأننا سرنا خطوتين إلى الوراء بدلا من أن نتقدم خطوة إلى الأمام .
أخيرا لابد من كلمة حول مصطلح الرجال العظام وما يثيره من لغط .
إننا نستطيع أن نقول بكل ثقة أن صفة الرجل العظيم تنطبق على كل فرد في كل مرحلة تاريخية , وهب فيها ذلك الفرد إمكانيات عقلية خاصة عملت في مصلحة التطور الاجتماعي ككل , سواء جاء هؤلاء من الطبقات الشعبية أم من الطبقات الغنية أو الحاكمة أو المتنفذة , سواء كانوا كانوا على تماس مباشر مع الجمهور أو منعزلين في صوامعهم عنه . المهم أن يكون ما يشغلهم هو مقاربة الحقيقة الموضوعية في مجال عملهم مثل العالم (غاليلو) الذي أصر على أن الأرض تدور في حينه مع معرفته بأن ذلك يمكن أن يكلفه حياته وغيره من العلماء كثيرون أفنوا عمرهم حتى أنتجوا اختراعات علمية في حقل الفيزياء والرياضيات والكيمياء والذرة والطب والوراثة …الخ. أو رجال فن وأدب وموسيقى وفلسفة لم يكن نتاجهم متأثرا بالسياسة ولا يخدم فئة بعينها .
وإذا انتقلنا إلى الرجال المميزين في الحقل السياسي فاللغط يكمن هنا لأن العظمة تختلف باختلاف الزاوية التي ننظر منها إلى ذلك الرجل , فإذا نظرنا إليه من زاوية قوة نفوذه وسطوته في زمانه ومكانه , وما تركه من أثر على التاريخ , لقلنا أن هتلر وهولاكو وجنكيز خان وأمثالهم في مقدمة عظماء التاريخ . وإذا نظرنا اليهم من منظور إنساني بحت, حيث العظيم عظيم بمقدار ما يهب من حياته في سبيل إخوته حسب تعبير العهد القديم, فإننا سنخرج من خانة الرجال العظام ليس هتلر وأمثاله فقط بل وحتى رجال عمالقة فكرياً مثل عالم الاجتماع ابن خلدون والذي سبق ماركس بقرون في هذا المجال , الفارق بين الرجلين أن ماركس عمل يكل ما أوتي من قوة منسجما مع قناعاته وأفكاره وتحمل العذاب والآلام والفقر من أجل إخوته في الإنسانية , في حين لم يكن ابن خلدون أمينا لمنهجه الموضوعي في المقدمة عندما كتب لنا مجلداته في التاريخ العربي الإسلامي لغاية في نفس يعقوب , والمعروف عنه أنه تعاون مع تيمور لنك لكي ينجو بجلده ويحافظ على امتيازاته . وقد شغل هذا الموضوع الأديب الراحل سعد الله ونوس , فقدّم لنا تلك المفارقة في عمل مسحي جميل سماه –منمنمات تاريخية- في حين كان ابن رشد أقرب الى ماركس فقد تحمّل تبعات فلسفته وأصّر عليها ولم يقدّم أي تنازلات لحكام زمانه , وعندما واتته المنيه كان منفيا ومعزولا في قرية نائية , وقد وضعت جثته في كفة خرج على ظهر دابة , ووضع مقابلها في الكفة الأخرى حجارة حتى تتوازن الكفتان , وسار الحمار بالجثة والحجارة إلى القبر ولم يكن خلفه الآعدد محدود من الناس .
من جهة أخرى لقد انشغل ماركس وأنجلز وكل الشيوعيين من بعدهم أفرادا وقوى وحركات وأحزابا في الرد على الفكر المثالي من موقع نضالي , ولكنهم وفقوا في جانب وأخفقوا في جانب آخر . لقد وفقوا في جانب إبراز دور العقل واستعماله من أجل قضية الإنسان . جانب استنباط قوانين اجتماعية قد تعمل بهمجية أشد من همجية القوانين الطبيعية إن لم نعرف كيف نتقي شرّها . ولكنهم أخطأوا في فهم دور الفكر المثالي ككل في خدمة قضية الإنسان . فإذا كان الفكر الشيوعي يعتمد العقل , فإن الفكر الديني يعتمد القلب إذا صّح التعبير لخدمة قضيته والشيوعيون الحقيقيون مثلهم مثل الدينين الحقيقيين ينظرون الى الإنسان بوصفه غاية ويجب العمل من أجل قضيته في كل زمان ومكان ولكن كًَلً بأسلوب .
وإذا كان الفكر الديني تحديدا قد عرف ظاهرة المنافقين فيه , ظاهرة رجال ركبوا موجته واستغلوا شعور الدينين الحقيقي, ووجهوه جهة أخرى باتجاه السماء بدلا من العمل لتحقيق العدل على الأرض خدمة لمآربهم ومآرب أسيادهم . فإن الفكر الشيوعي عرف ظاهرة موازية أيضا . ظاهرة فئة من المثقفين الذين جيروا ذلك الفكر من أجل خدمة مصالحهم الخاصة وعلى حساب المصلحة العامة (الإنتهازيين),

**************

وبناء على نتائج تلك المعركة التي انتهت الجولة الأولى منها بسقوط النظام العالمي القديم فإننا نستطيع أن نقول:
إن قضية الإنسان تحتاح الى المخلصين من الجانبين , تحتاج الى العقل والقلب كما يحتاج الطائر الى الجناحين ليحلق في الجو.

الحلقة الثالثة

دور الفرد في التاريخ بشكل عام

أعتقد جازما ً أن أفراد النوع البشري الذين عملوا في الحقل السياسي منذ أقدم العصور وحتى الآن هم ضحايا التطور الاجتماعي مع إنهم الأكثر تأثيرا فيه , وهنا تكمن المفارقة , جّل هؤلاء تحرمهم السياسة من حياة عائلية طبيعية , فهم غالبا ما يتناولون وجبات طعامهم مع العمل , وبالتالي لاوقت لديهم للإهتمام بأطفالهم أو شؤونهم الخاصة , والسياسة تفعل فيهم فعل الأفيون بمن يتعاطاه , ومع ذلك يشعرون لدى ممارستها بخدر لذيذ لا يستطيعون الاستغناء عنه .
لكن ليس هذا هو المهم بالنسبة لموضوعنا , بل الأهم منه هو محاولة الإجابة على السؤال التالي . هل تحتاج الرموز السياسية المعبرة عن مصالح فئات اجتماعية متضاربة , إلى مهارات عقلية خاصة تحمل عبر صفات وراثية وتتجلى صدفة في هذا الفرد أو ذاك , ويقوم التطور عند حاجته إليها استدعاءها في زمان ومكان محددين ؟. أم أن أي إنسان عادي يستطيع أن يقوم بهذا الدور إذا زج في المعمعان ؟ … هل يحتاج هؤلاء الى ذكاء من نوع خاص ؟ لكي تظهر موهبتهم في هذا المجال . الموسيقى مثلا تحتاج الى ارتباطات حسية عصبية وراثية لدى الموهوبين فيها . وكذلك الأمر بالنسبة للفن والأدب تحتاج الى شيء مماثل , وأما النوابغ في الرياضيات والفيزياء فإن مخهم يكون مزودا بدارات ارتجاعية عصبية تنفتح وتنغلق بطريقة خاصة ماذا بالنسبة للسياسيين ؟ . وخاصة الدكتاتوريين منهم والذين يستطيعون ربط المجتمع بكافة فئاته وطوائفه بشخصهم ويستطيعون متابعة كل ما يجري في بلدانهم .
للإجابة على السؤال نحتاج الى دراسات إحصائية عديدة شبيهة بدراسة العالمة الأمريكية المذكورة سابقا (كوكس) ولكن بدلا من دراسة سيرة (300) عبقري في التاريخ تجب دراسة سيرة (300) سياسي كان لهم حضور كبير في زمانهم ومكانهم . ويجب استعمال طرق حديثة غير الطرق القديمة, أي بصريح العبارة الموضوع يحتاج الى جهود علمية كبيرة مشتركة بين علماء النفس وعلماء الوراثة حتى تتم الإجابة عليه .
إذا انتقلنا الى دور الفرد السياسي في زمانه ومكانه , فإن بإمكاننا القول أن الماركسيين الأوائل لم يوفقوا في معالجته من كل جوانبه , ولنبدأ برائدهم ماركس ومعالجته لدور لويس بونابرت في فرنسا . فبالرغم من أن تلك المعالجة كانت نقلة نوعية قياسا بمعالجة علماء اجتماع آخرين عاصروا تلك الفترة إلا أن كلام ماركس ((أما أنا فإني أثبت على النقيض كيف أن الصراع الطبقي قد أوجد الظروف والعلاقات التي مكنت شخصا عاديا ومضحكا من أن يؤدي دور بطل )) (8) . يحتاج الى بعض المراجعة والتدقيق . ربما كان لويس بونابرت شخصا مضحكا ولكنه لم يكن عاديا ((إن جمعية العاشر من كانون الأول كانت تخصه , كانت فكرته الخاصة بالذات أما كل ما يحوزه فيما عدا ذلك فقد وضع بيديه في حكم الظروف , وكل ما يفعله فيما عدا ذلك تفعله الظروف أو يكتفي بالنسخ من أعمال الآخرين …))(9). ولكن الا تكفي جمعيةالعاشر من كانون الأول ؟ . التي ألفها وجمع فيها (( مشردون وجنود مسرحون ومجرمون جنائيون مطلقوا السراح وهاربون من الأشغال الشاقة ونصّابون وقوادون وأصحاب مواخير وحمالون ونساخون وضاربو أرغن متجولون وجماعو أسمال وسنانو سكاكين ولحامو معادن ومتسولون , وباختصار جميع هذا الجمهور السائب , المتنوع غير المحدد الذي تدفعه الظروف هنا وهناك والذي يسميه الفرنسيون بوهيميا )) (10).
إن من يستطيع أن يقود هؤلاء ويوحد بينهم تحت اسم جمعية خيرية , ويصل الى أهدافه السياسية ليس رجلا عاديا , إنه رجل بمنتهى الذكاء والمهارة , وقيادة حثالة البروليتاريا أصعب وبحاجة الى فن أكبر من قيادة البروليتاريا على ما أعتقد .
أما الماركسيون فقد استنبطوا من االكتاب ما سموه ملامح البونابرتية والتي عالجوا بوحيها انظمة خاصة أطلقوا عليها اسم أنظمة الإستثناء حسب القاعدة الفقهية التالية – إن الصراع الطبقي ذلك المحرك الجبار للتاريخ يدفع الى السطح شخصا عديم المواهب وربما أبلها , في لحظات التوازن بين جهتين متصارعتين يصعب على إحداها حسم المعركة لصالحها , ذلك الشخص ينشئ فيما بعد أجهزته ومؤسساته وتقع بالنهاية العباءة الأمبراطورية على كتفيه –
إن رؤية ماركس وأنجلز وبليخانوف حول دور الفرد في التاريخ على قاعدة نحّه يظهر غيره عاجلا أم آجلا , سيئا كان أم جيدا لحاجة التطور الى ذلك , وما أسفرت عنه الثورة البلشفية ودور الفرد فيها دور مهندسها لينين دحضتها التجربة , تجربة الشيوعيين بالذات وها هي الوقائع العنيدة تفقأ العين .
كانت روسيا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين , بلد نصف متخلف نصف إقطاعي , نصف رأسمالي , تتداخل فيها التشكيلات الاجتماعية من المشاع الى الرأسمالية لابل إن قوة مشاعاتها كانت كبيرة جدا ولها ممثلوها السياسيون –الشعبيون – ودعوتهم لإنتقال روسيا من المشاع الى الرأسمالية لم تأت من فراغ ومع أن انجلز قد عاصر وراسل بعض شيوعيي روسيا , الا أنه لم يتكهن يوما لاهو ولا سلفه ماركس ببداية انطلاق الاشتراكية على هذا الكوكب من روسيا وتفسير ذلك ببساطة لأن الاشتراكية وفقا لمنهجهم يجب أن تنبثق من دولة رأسمالية متقدمة , استنفدت فيها الرأسمالية كل مهامها التاريخية ونضجت في داخلها المقدمات المادية للاشتراكية . لكن التفاوت الهائل في روسيا بين الغنى والفقر وسلطة القيصر الدموية دفعت البلاد الى الانفجار الاجتماعي مرتين , الأولى عام – 1905 – والثانية عام – 1917 – وفي المرة الثانية جرى على الأرض ازدواجية سلطة , سلطة البورجوازية ممثلة بالحكومة المؤقته وعلى رأسها كيرنسكي وسلطة السوفييتات , سوفييتات العمال والجنود والفلاحين . كان الحزب البلشفي ومعه كل القوى اليسارية مع دعم حكومة كيرنسكي . ولكن لينين وحده عارض تلك القوى وطالب بإسقاط الحكومة المؤقته والاستيلاء على السلطة , وكان يرى أن دعم سلطة كيرنسكي معناه تسهيل المهمة على تلك السلطة في القضاء مستقبلا على دور الطبقة العاملة وحلفاؤها من الطبقات الأخرى , ولن تتورع عن ذلك حتى بالتعامل مع العدو الخارجي من أجل إضعاف الطبقة العاملة , والسيطرة عليها كليا .لذلك يجب تحويل الحرب الدائرة الى حرب أهلية وطرح شعار الحرب الإنهزامية , من أجل الاستيلاء على السلطة قبل التصدي للدفاع عن الوطن .
اتهم لينين آنذاك بأن غيابه عن روسيا جعله لايفهم واقعها , وان الجماهير مع شعار الدفاع عن الوطن , وأجاب لينين يجب السباحة ضد التيار وإقناع العمال والفلاحين والجنود بتحويل الحرب الى حرب أهلية , والانتقال بالسلطة كليا الى السوفييتات .
استقال لينين من اللجنة المركزية للحزب البلشفي , وعمل في صفوف الحزب لتغيير قراره ونجح في ذلك , ثم عمل مع الحزب ضمن السوفييتات لإقناعهم باستلام السلطة ككل وخطط للانتفاضة كما هو معروف . وقال إن تقديم ليلة أوتأ خير ليلة في الهجوم على قصر الشتاء قد يضييع الفرصة كليا .
المعروف أن لينين صاغ موضوعات نيسان الشهيرة وهو في طريقه الى روسيا داخل عربة قطار ألماني وبجواز سفر أصم أبكم , وفي تلك الموضوعات طالب بتحويل مسار الثورة من ثورة بورجوازية الى ثورة اشتراكية وراى أن الرأسمالية بعد ثورة (1905) قد تطورت بما فيه الكفاية لتجعل الطبقة العاملة ناضجة لإقامة ديكتاتوريتها بالتحالف مع الفلاحين , مع أنه هو القائل في التسعينات من القرن التاسع عشر ((إن فكرة السعي وراء خلاص الطبقة العاملة عن طريق غير طريق تطور الرأسمالية المضطرد فكرة رجعية , ففي بلدان كروسيا لاتعاني الطبقه العاملة من الرأسمالية بقدر ماتعاني من النقص في تطور الرأسمالية , ولذا فإن مصلحة الطبقة العاملة إطلاقا أن تتطور الرأسمالية فيها بمنتهى الاتساع والحرية والسرعة , من المفيد للطبقة العاملة إطلاقا القضاء على جميع بقايا الماضي التي تعيق تطور الرأسمالية تطورا واسعا وسريعا , والثورة البورجوازية هي على وجه الدقة انقلاب يكنس بأشد الحزم بقايا الماضي , بقايا القنانة التي لاتشمل الأوتوقراطية وحسب, بل الملكية أيضا , ويؤمن على أكمل وجه تطور الرأسمالية بمنتهى الاتساع والحرية والجرأة. ))(11) .
لقد كان لينين براغماتيا ثوريا من طراز رفيع وكان همه الأساسي الوصول الى السلطة بأي ثمن , حيث الفعل الجوهري يبدأ منها من أجل تحويل المجتمع لمصلحة المنتجين الحقيقيين فيه . من أجل ذلك لوى عنق النظرية بما يخدم هدفه السياسي, لا يعقل أن تصبح روسيا بأقل من ثلاثين عاما تعاني من آلام زيادة الرأسمالية فيها بعدما كانت تعاني من نقصها . الأرجح أن شعار رفع الثورة الاشتراكية كان يساهم في حسم اذدواجية السلطة لمصلحة السوفييتات ومن ثم ديكتاتورية البروليتاريا بقيادة البلاشفة . ولقد نجح لينين في ذلك . وبنجاح ثورة البلاشفة في روسيا قدّم لنا التاريخ برهانا آخر على دور السياسة الموازي للاقتصاد , دور البنيان الفوقي , دور الوعي . دور التراث والتاريخ المتجسد في قرار ذلك الفرد . لايصح هنا كلام أنجلز –نحه يظهر غيره – لايصح هنا قوله أن الاقتصاد هو المقرر في نهاية المطاف . (( وهكذا هو الأمر مع الصدف الأخرى وكل الصدف الواضحة في التاريخ , وبقدر المجال الخاص الذي ندرسه عن المجال الاقتصادي , وبقدر مايقترب من المجال الأيديولوجي الصرف فإننا نجد الكثير من الصدف في تطوره ويزداد خطه المنحني تعرجا , ولكن إذا رسمت المحور الأوسط للمنحني فسوف تجد أن هذا المحور يقترب أكثر فأكثر بشكل متواز لمحور التطور الاقتصادي كلما طالت المرحلة التي ندرسها وكلما اتسع الميدان الذي نعالجه.)) (12) .
السياسة فعلها في التاريخ يوازي فعل الاقتصاد في حالات كثيرة , تجب دراستها في أوانها وما هو العامل المحدد عندما نكون على مفترق طرق كما كنا في روسيا و وأثر ذلك على التطور اللاحق . دعونا نتخيل نجاح الطريق الآخر في روسيا ونكتشف من خلاله دور السياسة التي تكثّفت في قرار فرد .
ترى لو أن عربة لينين قد تحطمت من جراء اصطدام القطار بقطار آخر ؟ ولم يصل الى روسيا أبدا . الأرجح أن الطريق كان باتجاه استقرار السلطة للبورجوازية ممثلة بشخص كيرنسكي , بعد دعمها من البلاشفة والمناشفة والضغط عليها من أسفل كي تنفذ المهام الديمقراطية بمنتهى الاتساع والجرأة والقوة . والنتيجة أن روسيا كانت قد سلكت طريقا رأسماليا آخر ربما كان شبيها بطريق الدول الأوروبية أو على الأقل مثل دولة الهند الشرقية.
صحيح أن كلا الطريقين أدى الى تعميق الرأسمالية في روسيا ولكن الفارق بين الطريقين ليس أمرا قليلا أبدا وهي على كل حال مهمة الشيوعيين وغيرهم من القوى التقدمية والديمقراطية لاستخلاص العبر والدروس منها أكثر منا . لكن تأثيرها علينا نحن الشيوعيين لم يكن قليلا . لقد بدأ الفكر الشيوعي طريقه بإعلاء شأن العقل وربط أي تقدم به . ولكن مع الأسف الشديد بدا وكأن اكبر محنة في العصر الحديث للعقل تمت على يد الفكر الشيوعي ذاته . لقدتم تحطيمه تماما في روسيا تحت يافطة شيوعية عريضة , مارسوا الكذب والرياء والنفاق بشكل رخيص جدا لدرجة وصلت حد القول أنهم ألغوا الطبقات في بلادهم وبدأوا بالطور الأدنى من الشيوعية ولما رفع الغطاء عن المجتمع الروسي تبين حجم الهوة الفاصلة بين الادعاء والواقع وكان وقع ذلك مذهلا على السواد الأعظم من الناس العاديين خارج روسيا . أما على الصعيد العالمي فقد مهّد نجاح الثورة في روسيا ليأخذ شكل الصراع بين الرأسماليات المتنافسة على السوق العالمية شكل عسكري – معسكرين – كل منهما وجد مبررا للتنكر للإنسان وحقوقه بحجة خطر ومقاومة الطرف الآخر .
إن أول من عالج دور الفرد في التاريخ بطريقة مختلقة عن الطريقة الكلاسيكية مشخصا بدور لينين هو تروتسكي . وقد كتب عنه بالحرف الواحد (( ويبقى سؤال هام , ولكن طرحه أسهل من الإجابة عليه , ترى كيف سيجري تطور الثورة لولم يستطع لينين الوصول الى روسيا في نيسان عام -1917- . وإذا كان حديثنا السابق كله يؤكد ويكشف شيئا , فإننا نأمل أن يكون هذا الشيء هو و أن لينين لم يكن خالق التطور الثوري , ولكنه انتظم في سلسلة القوى الايجابية فكان حلقة كبيرة في هذه السلسلة , وجاءت ديكتاتورية البروليتاريا من الوضع كله , ولم يكن لينين عنصرا صدفيا في التطور التاريخي ولكنه نتاج مجمل التاريخ الروسي السابق , وكان يمد جذوره الى أعماق هذا التاريخ ولا يمكننا أن نستنتج من الأهمية الخارقة التي أخذها مقدم لينين. سوى أن الزعماء لايأتون صدفة . وأن اختيارهم وإعدادهم يتطلب عشرات السنين وأن من المتعذر استبدالهم بشكل اعتباطي , وأن إبعادهم الآلي عن الصراع يصيب الحزب بجرح دام وقد يصيب الحزب في بعض الحالات بشلل طويل الأمد. )) (13).
لقد استنكر مؤرخ ماركسي معجب بتروتسكي وكاتب سيرته الذاتية ذلك التحليل ورأى فيه وهو محق خروجا عن الماركسية إذ لايعقل من وجهة نظره أن تكون سقوط قرميدة واحدة من فوق أحد سطوح المنازل في زيوريخ كافية لتبديل مصائر الإنسانية وعزا ذلك الى خصائص نفسية في شخصية تروتسكي ((إن تروتسكي اعتبر نفسه عند فجر خلق الأممية الرابعة وكأنه لينين عام – 1917 – الذي لايمكن الاستغناء عنه في الثلاثينات والأربعينات , واستمد من هذا الإيمان القوة اللازمة لجهوده البطولية التي بذلها في وحدته . )) (14). في هذا الكلام ظلم كبير لتروتسكي , ومع إقراري بأن اسحق دويتشر كان يفهم تلك الشخصية ودوافعها على المستوى الذاتي والسياسي فهما كبيرا , إلا أنه لم يوفق هنا بسبب قناعته العميقة بصحة تحليل ماركس وأنجلز حول دور الفرد في التاريخ , لكن الموضوع هنا أبعد من أن يكون مسأله لها علاقة بالصفات الشخصية لتروتسكي . إنه جزء من الحقيقة الموضوعية والمعرفية انعكست في ذهن تروتسكي . وهو المشهود له بعبقريته في مجال النظرية . إدراكه لدور مجمل التاريخ الروسي . لدور الوعي المستقل نسبيا عن الواقع وانعكاسه في ذهن أفراد لهم تاريخهم الخاص مثل لينين , وهذا التنظير يكاد يكون منسجما مع ما بينه التطور الروسي لاحقا مع تعديل بسيط وهو أن دور لينين لم يكن داخل السلسلة الايجابية بل داخل السلسلة السلبية . (15) ربما لو أن الله أمد بعمره ثلاثين سنة اخرى لكان قد لعب دورا إيجابيا ما, يستحيل على المرء أن يتخيل بأن لينين يمكن أن يقدم على إعدام رفاقه من أجل أن يصبح مركز القرار موحدا . لقد أفشى زينوفيف وكامنييف سر الانتفاضة , ولم يطالب حتى بفصلهما من اللجنة المركزية ناهيك عن إعدامهما في حين أعدمهما ستالين مع أنهما أبديا الندم والتوبة أمامه ولم يرف له جفن !!! . لم يكن لينين مستعدا للعب هذا الدور ونتائجه لوكان مكان ستالين آنذاك, على تطور روسيا والعالم والحركة الشيوعية بعده لم يكن قليلا . وفي كلتا الحالتين : حالة وصوله الى روسيا عام – 1917 – وحالة غيابه عنها عام -1924 – يقدم لنا درسا بخصوص أهمية السياسة بموازاة الاقتصاد في التطور وأن الغلبة لأي منهما يجب أن تدرس في كل حالة على حدة ويستخلص منها توازن القوى في تلك اللحظة التاريخية والعوامل التي حسمت التطور باتجاه هذا الطرف أو ذاك .

 الحلقة الرابعة

القادة السياسيون والقرن العشرين

بدأ القرن العشرون ب (بروفا) للثورة الروسية الكبرى عام – 1905 – كان للجماهير من عمال وفلاحين وجنود وعامة الناس . دور أساسي فيها وقد تعاظم هذا الدور وسقط القيصر , رمز الظلم والوحشية والفظاعات الانسانية . ونجاح الثورة مّد المقهورين بالأمل في كل مكان بإمكانية صنع جنتهم على الأرض . وتوقع المؤرخون بداية جديدة لكتابة التاريخ يظهر فيها دور الجماهير على حقيقته ويتراجع دور الأبطال في المسرحيات التاريخية والآن وبعد رحيل القرن يتبين للقاصي والداني , أن ثورة اوكتوبر كانت سحابة صيف عابرة في سماء ذلك القرن . لابل إن ماجرى من تضخيم لدور الفرد فيه ذكّرنا بالقرون الخوالي, قرون عبادة الأفراد وتقديسهم , قرون الرجال العظام صانعي التاريخ, كل منهم رجل في أمة وأمة في رجل وعظيم قرنه مع فارق أن أولئك الحكام ادّعوا أن حقهم في الحكم إلهي , وهم يحكمون بتفويض من السماء , في حين ادّعى جميع قادة القرن العشرين أنهم ممثلو الجماهير ويعملون من أجل قضيتها , وبالتالي عليهم طاعتها أكثر , وكانوا أسوأ من أسلافهم في التشبث بالحكم لدرجة أن لاأحد منهم ترك منصبه الا بالموت أو بالحديد والنار . ستالين في روسيا , ماو تسي تونغ في الصبن , كيم إينغ إيلسون في كوريا الشمالية , شاوشسكوا في رومانيا , هونيكر في ألمانيا , جيفكوف في بلغاريا , تيتو في يوغسلافيا , كاسترو في كوبا , هوشي منه في فيتنام , منكستو هيلا مريام في أثيوبيا , زياد بري في الصومال , جمال عبد الناصر في مصر , النميري في السودان , صدام حسين في العراق , معمر القذافي في ليبيا , هواري بو مدين في الجزائر , هتلر في ألمانيا , موسليني في إيطاليا , فرانكو في أسبانيا , سالازار في البرتغال .
وإذا دققنا في أسماء الأفراد السابقين ودورهم في مجتمعاتهم , لوجدنا أن ظهورهم في الشرق هو القاعدة في هذا القرن , في حين يمثل الاستثناء في الغرب , وعندي أن لذلك تفسير يكمن في تاريخ تطور الشرق والغرب , وحضارة الشرق والغرب , وكيف تمت إشادة كل منهما , ففي الغرب مع أن تاريخ حضارته هو الأحدث , لكن تحلل مشاعاته الأولى الجرمانية والسلافية واعتمادها في التحلل على الظروف الطبيعية فقط -ماء المطر تحديدا – وانتقالها إلى نمط كلاسيكي للرق ومن ثم الإقطاع , وتوحيد السوق القومية لكل من تلك الاقطاعات على يد البورجوازية في سوق واحدة عبر ثورات تميزت بمشاركة شعبية كبيرة وبدفع التطور في تلك المجتمعات من أسفل إلى أعلى, وبزمن كبير نسبيا ترافق مع صراع طبقي عنيف أحيانا بين الجهتين , كل تلك الظروف قادت الى الحكم النيابي البرلماني الديمقراطي ووجود مؤسسات مدنية قوية إلى جانب الدولة تسندها وتسانده, وبالتالي أخذ دور الفرد السياسي حجمه الطبيعي تقريبا, واعتمد على قوة نفوذه بين شعبه بسبب عدم السماح بالتجديد له في ا لحكم لأكثر من مرتين متتاليتين قانونيا , ساعد على ذلك الاستقرار والاستمرار فيما بعد, تحول التناقض في تلك البلدان الى تناقض خارجي بينها وبين المستعمرات التي غزتها فنهبت شعوب تلك المستعمرات وطّورت اقتصادها على حساب تلك البلدان . أما النازية في ألمانيا . والفاشية في إيطاليا والديكتاتورية في أسبانيا فقد كانت الاستثناء عن القاعدة ولدتها ظروف خاصة في كل دولة على حدة استدعت دور الفرد السياسي المميز في تلك الفترة.
أما الشرق, ومع أن حضارته هي الأقدم بكثير إلا أن تطورها كان له مسار مختلف عن الغرب , والسبب أن تلك الحضارات بدأت مسيرتها حول الأنهار , النيل في مصر , الرافدين في العراق , وأنهار مماثلة في فارس والصين والهند وغيرها من تلك البلدان , واعتماد تلك الحضارة على مياه الأنهار مما استدعى ظهور مركز ينظم ويشرف على توزيع المياه تطورت مهامه مع الزمن لتشمل شق الترع والقنوات والمصارف وبناء القناطر والسدود والجسور , وضبط مياه النهر على مدار العام والإحتياط لسني الجفاف والفيضان . هذا المركز تطور الى حكومة مركزية قوية تشرف على نظام الري في طول البلاد وعرضها وتجمع بيدها كل السلطات وتقوم بتنظيم أعمال الصيانة والسخرة وبث الرعب والذعر في نفوس الناس لإرغامهم على الطاعة . يقف على رأس هذه الدولة المركزية فرد قوي يصبح مهيمنا ,جبارا , مقتدرا ,قاهرا , واهبا , مانعا , جليلا , مهيبا, ..الخ.
لقد كان ماركس أول من بدأ هذه الدراسات عن تاريخ الشرق الخاص أواخر حياته ولم يمهله الموت حتى يكملها ولكنه وضع ما سماه –نظام إنتاج آسيوي – على قدم المساواة مع الأنظمة الأخرى مثل نظام الرق والاقطاع والنظام الراسمالي حتى جاءت الستالينيه وضربت التاريخ على أنفه لترغمه على الدخول في ترسيمتها المعروفة –مشاع –رق – إقطاع –رأسمالية – وحذفت نمط الإنتاج الآسيوي من بينها لأسباب سياسية .
ولكن دراسات عالمية وعربية عديدة حملت من العمق في هذا الموضوع ما يؤهلها لأن تعد استمرارا لمنهج ماركس تقف في مقدمتها دراسات الماركسيين المصريين مثل دراسة ابراهيم عامر عن الأرض والفلاح في مصر , ودراسة أحمد صادق سعد عن نمط الانتاج الآسيوي في مصر ودراسة سمير أمين عما اقترح تسميته بنمط جديد ساد الشرق –نمط الانتاج الخراجي – الصفة المشتركة لذلك النمط سواء كان آسيويا أم خراجيا أم إقٌطاعا شرقيا هو وقدرته على تجديد نفسه وبالتالي عدم الخروج من ذلك الركود . ولذلك سبقتنا بلدان أخرى أقل حضارة منا بكثير وعادت فاستعبدتنا لتضيف إلى تخلفنا وعدم القدرة على الخروج من ذلك النفق سببا جديدا .
أما في العصر الحديث عصر القرن العشين وما رافقه في تلك البلدان. من تصدي الطبقات الوسطى للحكم فقد تجلى تاريخ الفرد القابع على رأس الهرم بنفس الطريقة السابقة إن لم نقل وبشكل أبشع . كثيرون منهم مثلوا دور الصعود والهبوط في بلدانهم دون أن يرف لهم جفن . تبادلوا الدور مع الكرسي , فبدت الكرسي هي الشخص والشخص هو الكرسي . في حين فعل ماضي بعضهم فعله في داخله فنخره وقصر في عمره .
إن تاريخ كل شخص من القائمة السابقة وتاريخ بلده وفعل الصفات الشخصية في ذ لك التاريخ يجب أن تدرس كل حالة فيها على حدة اما التعميم فلا يقرر سوى منحى عريض لاأكثر .
الجدير ذكره هنا أن البلدان التي نجت من هيمنة الطبقات الوسطى على مسيرتها السياسية عرفت الى حد ما تراجع ظاهرة الفرد ليكون دوره مشابها لدور الأفراد في البلدان ذات الحكم النيابي البرلماني, وأسطع مثال على ذلك كوريا الشمالية والجنوبية , فلقد جسد كيم إينغ إيلسون في كوريا الشمالية دور القائد الملهم لدرجة اسطورية وصلت حد عدم قبول السفارات الأجنبية لبلاده أي مذكرة رسمية لاتعظم الرئيس الكوري ثلاث مرات .في حين لم يعرف قي كوريا الجنوبية رئيس تمتع بجزء بسيط من تقديس ونفوذ ايلسون وابنه من بعده

ايهما يسبق الاخر المصنع ام الجامعة

ايهما يسبق الاخر المصنع ام الجامعة 

 

د. ندى الغاد
المصنع اولا وسيظل اولا الى ان يحل محله اسلوب انتاج جديد
الصناعة هي التي بادرت بتطوير الجامعات .. وحطمت التقليد وفرضت الجديد
وما زالت تفرض على الجامعات كل ما تريد .. فمن يظن ان تطور التعليم يحدث بارادة حكومية فهو مخطيء لان مصدر الفعل الاساس يفرضه التطبيق العملي وليس الفكرة ..
لما كانت نقطة الحوار تطرح سؤالا حول من الذي له الدور الرائد في تطور الدول والمجتمعات هل هو الاقتصاد بمعنى نمط الانتاج الاقتصادي وفي عصرنا هو نمط الانتاج الصناعي ام التعليم عبر المدرسة والجامعة اللتان توفران المعارف العلمية
واذا تناولنا الموضوع من حيث تاريخ النشأة أي ايهما اقدم بالظهور الجامعات ام المصانع ، فالجامعات كمؤسسات اقدم بكثير من المصانع حيث تعتبر جامعة بولونيا في روما، أول جامعة ، إذ تأسست عام 1088 تعود أصول العديد من جامعات القرون الوسطى إلى المدارس الكاثيدرائية المسيحية أو مدارس الرهبانية التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، وقد عملت هذه المدارس كمدارس لمئات من السنين قبل أو تتحول إلى جامعات في العصور الوسطى.
وكان هناك مؤسسات التعليم العالي الأخرى قائمة في كل من اليونان القديمة وروما القديمة والإمبراطورية البيزنطية والعالم العربي والهند والصين وعدد من بلدان امريكا اللاتينية لاحقا.
وكانت هذه الجامعات تدرس اساسا علوم اللاهوت والدين و الفلسفة وعلوم القانون والطب لاحقا .
والجامعة وفق الاسس التقليدية المتعارف عليها هي مؤسسة أوروبية بامتياز فيها ترسخت قواعد اختيار المعلمين وطرق التدريس ، والحقوق وتحديد ووضع المناهج (المقررات الدراسية) وأهداف البحث، وكذلك منح الدرجة العلمية المعترف بها ، والكليات الأربع التي كانت معروفة في العصور الوسطى بأشكالها المختلفة فهي: الفلسفة والاداب والفنون والعلوم والعلوم الإنسانية – القانون والطب واللاهوت، وقد تكون منها تخصصات فرعية عديدة خاصة العلوم الاجتماعية والدراسات التقنية. والعلوم والمعرفة الأكاديمية وأساليب المعرفة التي نشأت وشكلت جزءاً من التقاليد الفكرية الأوروبية.
ويؤرخ المؤرخون ظهور الجامعات في العالم وفق التسلسل التالي :
أوروبا الغربية: منذ القرن الحادي عشر/ القرن الثاني عشر الميلادي
أوروبا الشرقية: منذ القرن الرابع عشر/ القرن الخامس عشر الميلادي
الأمريكيتين: منذ القرن السادس عشر الميلادي
أستراليا: منذ القرن التاسع عشر الميلادي
آسيا وأفريقيا: منذ القرن التاسع عشر/ القرن العشرين الميلادي، عدا الفلبين حيث أسست جامعة سانتو توماس وجامعة سان كارلوس في القرنين السابع عشر والقرن السادس عشر على التوالي.
وتشير الوثائق التاريخية الى ان اقدم جامعات العام هي جامعة بولونيا كما ذكرنا تاسست عام 1088 تلتها جامعة باريس تأسست في منتصف القرن الثاني عشر، ثم جامعة أوكسفورد حصلت على الميثاق الباباوي عام 1254. وجامعة كامبردج حصلت على الميثاق الملكي عام 1231، جامعة سلامنكا في اسبانيا عام 1218، جامعة بادوا 1222 بايطاليا، جامعة نابولي بايطاليا والتي تعتبر اول جامعة حكومية في العالم سنة 1224 جامعة سيينا 1240 بايطاليا .
وما ان جاء عام 1500 حتى كان في غالبية الدول الأوروبية جامعات وبعد ذلك بدأت الجامعات في الانتشار إلى البلدان الأخرى في جميع أنحاء العالم.
اما المصانع فقد نشأت في القرن الثامن عشر مع الثورة الصناعية الكبرى في اوروبا واحدثت تطورا صناعيا شمل العديد من الميادين فازدهرت صناعة الغزل والنسيج وظهرت المصانع والأفران عالية الحرارة لصهر الحديد. وأصبحت الآلات بحاجة إلى مصادر جديدة للطاقة فاستخدم الفحم الحجري ثم البخار فالكهرباء في تشغيل المحركات والآلات وفي تسيير البواخر والقاطرات
ولكن ورغم اقدمية نشوء الجامعات وانتشارها الا تركيزها كان على العلوم اللاهوتية والادبية والفلسفة الى ان جاءت الثورة الصناعية الكبرى فحطمت المفاهيم القديمة وادخلت قيما ومفاهيم جديدة، حيث لم تعد الدراسة الجامعية مجرد نظرية ميتافيزيقية بعيدة عن الحياة, بل صارت دراسة حية , جعلت من الجامعة جزءا من الحياة , لا برجا عاجيا معزولا عنها , ومن ثم ضمت الجامعات إلى كلياتها التقليدية – الكليات التكنولوجية والطب والهندسة والزراعة والصيدلة وكافة انواع العلوم الفيزياء والكيمياء والاحياء ولكل منها له العديد من التفرعات. فوفرت القوي العاملة المدربة التي يحتاجها الاقتصاد الجديد وكانت هذه النقلة من أهم العوامل التي ساعدت في تحقيق هذا الإنجازات الاقتصادية الهائلة فيما بعد, وكلما تطورت الصناعة احتاجت الى المهارات الجديدة التكنولوجية والإدارية في الصناعة, فتتجاوب معها الجامعات ومعاهد التعليم العالي, بتوفير التعليم والتدريب المناسبين لهذا الإنجاز.
ومما تقدم يظهر بجلاء ان الذي يحدد طرق التدريس والمناهج ومقررات الجامعة هو نمط الانتاج الاقتصادي وليس العكس وللمزيد من البرهنة لنلقي نظرة على التعليم في المانيا (لا استخدم النموذج الامريكي لان الكثير من الاصدقاء العرب يعتبرون ذلك تحيزا)

مفهوم التنمية الإقتصادية

مفهوم التنمية الإقتصادية

المقدمة العامة: تعتبر التنمية بمفهومها الشامل والمعاصر عملية تخص جميع مستويات الحياة ومجالاتها، وهي فكرة ولدت بين الحربين العالميتين واتسعت الآن، وتجسيد هذه العملية يتوقف على عدة عوامل تتفاوت أهميتها من ظرف لآخر، ومن بلد لآخر. وفي الموضوع الذي سنتناوله في بحثنا هذا كما هو مشار إليه حول عملية التنمية وسنتطرق بصفة خاصة إلى التنمية الاقتصادية، كما سنحاول التعرض إلى مشكل تمويل التنمية في الدول النامية. وهذا في محاولة للإجابة على التساؤلات التالية: – ما هي التنمية والمستويات التي تمسها ؟ – ما هي التنمية الاقتصادية ؟ واستراتيجياتها ؟ – ما هو الدافع لعملية التنمية الاقتصادية وما هي مختلف العوائق التي تتعرض لها ؟ – كيف يعتبر التمويل من أهم عقبات التنمية ؟ وكيف يتم إنعاش مصادره ؟

 

الفصل الأول: مدخل عام للتنمية والتنمية الاقتصادية

مقدمة الفصل: من خلال هذا الفصل سوف نتطرق إلى التنمية وكمجال منها: التنمية الاقتصادية حيث سنبرز: ماهية التنمية ومستوياتها ومختلف المجالات التي تمسها بعد إعطاء نظرة عامة على اقتصاديات الدول النامية، وسنعرض نظريات التنمية الاقتصادية وعملية تنميطها ومختلف التغيرات الاقتصادية العالمية المؤثرة فيها ايجابيا وسلبيا.

المبحث الأول: ماهية التنمية ومستوياتها: قبل التطرق إلى مفهوم التنمية ارتأينا ضرورة التعرف أولا إلى مفهوم التخلف ونعطي نظرة على اقتصاديات الدول النامية وذلك كمدخل للتعرف على التنمية.

المطلب الأول: نظرة عامة لاقتصاديات الدول النامية:

أولا: التخلف هو انعكاس لحالة أو لظاهرة اقتصادية اجتماعية متدنية ومتأخرة عن مستوى تطورها وتقدمها تسود في زمان ومكان معين ولمجتمع أو دولة معلومة، أو مجتمع ودول محدودة، ويختلف الاقتصاديون في تعريف التخلف وتحديد معناه فمنهم من يذكر أنه (1):

1- اصطلاح يوصف به كثير من دول العالم التي يكشف تطورها على مدار الزمن عن ركود أو تدهور اقتصادي. 2- البلد أو المجتمع المعتمد أساسا على الإنتاج الأولي لا على الإنتاج الصناعي، أو البلد الذي تكون موارده غير مستغلة أو غير مستخدمة استخداما كفئا وفقا للفن الإنتاجي الحديث. 3- التخلف الاقتصادي هو ندرة شديدة في عرض رأس المال بالنسبة إلى عرض عناصر الإنتاج الأخرى، وخاصة عنصر العمل. مع قياس ذلك على أساس تحديد نصيب الفرد من السكان من ذلك الرأسمال ومقارنته بالأرقام المماثلة في الدول المتقدمة. 4- التخلف الاقتصادي يعكس انخفاض وتدني لمتوسط الدخل الحقيقي للفرد. 5- التخلف الاقتصادي يعكس حالة انخفاض مستوى الإنتاج مع عدم عدالة توزيع الإنتاج القومي بين أفراد المجتمع إضافة إلى ركود النمو الاقتصادي.

ثانيا: ماذا يقصد بالبلدان المتخلفة Under développement countries ) ( البلدان المتخلفة هي تلك الأقطار التي يكون مستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي متدني ومحدود متجسدا ذلك بالعديد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي سنتعرض لها في خصائص هذه الدول. ثالثا: خصائص الدول النامية: تتسم في معظمها بسمات مشتركة نحددها فيما يلي (2):

* انخفاض الدخل القومي ومعدل نموه: وتتسم معظم الدول النامية بانخفاض مستوى دخلها القومي، ونظرا لأن معدل نموها السكاني يعد مرتفعا فإن معدل نمو دخلها الفردي أيضا يتسم بالانخفاض. ويعود ذلك بصفة أساسية إلى انخفاض كفاءة استخدام الموارد الاقتصادية، بالإضافة إلى سوء توزيع الدخل القومي بين أفراد المجتمع.

* انخفاض إنتاجية القطاعات الخاصة: تسود ظاهرة تدني مستوى إنتاجية العمل في عدد من الدول النامية نتيجة ندرة الموارد الرأسمالية المكملة لعناصر الإنتاج الأخرى كالعمل والأرض. ومن ثم يظهر مبدأ تناقص الإنتاجية الحدية في النشاطات الإنتاجية وخاصة الزراعية.

* ارتفاع الأهمية بالنسبة للنشاط الزراعي: يمثل الناتج المحلي الزراعي مكانة رئيسية في إجمال الناتج المحلي في الدول النامية، كما يتصف معه النشاط الزراعي بارتفاع نسبة العاملين فيه مقارنة بالعاملين في النشاطات الاقتصادية غير الزراعية.

* ارتفاع معدلات النمو السكاني: تسود ظاهرة ارتفاع معدل النمو السكاني في الدول النامية مقارنة بالدول المتقدمة حيث يتراوح في الدول النامية ( 3.0% – 3.5% ) مقارنة بـ 1% في الدول المتقدمة..

* ضيق السوق المحلية والاعتماد المتزايد على السوق العالمية: ويعود ضيق ومحدودية السوق المحلية لانخفاض القدرة الشرائية للأفراد وهذا يترتب عليه آثار سلبية في مقدمتها عدم إمكان إقامة وحدات إنتاجية ذات طاقات تتسم بتدني التكاليف وفقا للمفهوم الاقتصادي، وعدم استفادتها من وفرات الإنتاج الواسع، كما أن هذه الدول تعتمد في تجارتها الخارجية على تصدير المواد الأولية واستيراد المواد المصنعة، ولا يكون معدل التبادل التجاري في صالحها.

* عدم كفاية البنى التحتية: تعاني معظم الدول النامية من ظاهرة عدم كفاية وكفاءة البنى التحتية أو الارتكازية كالوسائل الصحية أو التعليمية وضعف كفاءة الوسائل التكميلية للعمليات الإنتاجية كالنقل ووسائل التخزين والطرق وغيرها.

المطلب الثاني: ماهية التنمية: تعددت الآراء حول مفهوم التنمية ويمكن إيرادها فيما يلي(1): << تعرف بأنها عملية معقدة شاملة تضم جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والايدولوجية >>.

كما تعرف بأنها << الشكل المعقد من الإجراءات أو العمليات المتتالية والمستمرة التي يقوم بها الإنسان للتحكم بقدر ما في مضمون واتجاه وسرعة التغير والثقافي والحضاري في مجتمع من المجتمعات بهدف إشباع حاجاته >>.

وتعرف كذلك بأنها ظاهرة اجتماعية نشأت مع نشأة البشر المستقر فزاد الإنتاج وتطورت التجارة وظهرت الحضارات المختلفة على أرض المعمورة >>.

كما تعرف << بأنها نشاط مخطط يهدف إلى إحداث تغيرات في الفرد والجماعة والتنظيم من حيث المعلومات والخبرات ومن ناحية الأداء وطرق العمل، ومن ناحية الاتجاهات والسلوك مما يجعل الفرد والجماعة صالحين لشغل وظائفهم بكفاءة وإنتاجية عالية >>.

ومن خلال ما سبق فإن هذه التعاريف تشترك في عدة نقاط أهمها: 1- تعتبر التنمية عملية شاملة ومستمرة. 2- التنمية هي عملية تغيير ونقل للمجتمع نحو الأحسن مع الانتفاع من التغيير. 3- تهدف التنمية إلى تنمية الموارد والإمكانات الداخلية للمجتمع. وعليه فإن التعريف الإجرائي للتنمية كما يلي: << التنمية هي عملية شاملة ومستمرة وموجهة وواعية تمس جوانب المجتمع جميعها، وتحدث تغيرات كمية وكيفية وتحولات هيكلية تستهدف الارتقاء بمستوى المعيشة لكل أفراد المجتمع والتحسن المستمر لنوعية الحياة فيه بالاستخدام الأمثل للموارد والإمكانات المتاحة.

المطلب الثالث: العوامل المساعدة على التنمية: ويمكن تقسيم هذه العوامل إلى عوامل ذاتية وأخرى موضوعية(1): العوامل الذاتية: وتتلخص فيما يلي: 1- الإيمان بإمكانية الإصلاح والتقدم أي بإمكانية تغيير أنماط الحياة السائدة. 2- الطوعية والعون الذاتي: أي توافر الهيئات الطوعية القادرة بتعاونها مع الأجهزة الحكومية على تحقيق التقدم بكل حرية. 3- التحفيز والاستثارة: أي تحفيز الأفراد واستثارة جهودهم للمشاركة في عملية التنمية. 4- الخدمة والتضحية بالذات: أي قيام الأفراد والقائمين على التنمية بأدوارهم وواجبهم. العوامل الموضوعية: 1- أن تصدر برامج التنمية عن الحاجات الأساسية للمجتمع استجابة لحاجات الأفراد. 2- قيام عملية التنمية على أساس من التوازن في كافة المجالات الوظيفية. 3- أن تهدف برامج التنمية إلى زيادة فعالية مشاركة الأفراد في شؤون مجتمعهم المحلي. 4- اكتشاف وتدريب القيادات المهنية المحلية فحسب، وأن القيادات الشعبية قد يكون لها من الفعالية ما يفوق القيادات المهنية. 5- ضرورة التركيز على مساهمة الشباب والنساء في برامج التنمية من خلال برامج التربية ونوادي الشباب وأجهزة رعاية الأمومة والطفولة والجمعيات. 6- تبني تنمية متوازنة على المستوى الوطني.

المطلب الرابع: مستويات التنمية ومجالاتها: إن اختلاف الموارد الطبيعية واختلاف توزيعها على المناطق الإقليمية يؤدي إلى اختلاف درجات وطبيعة التنمية واختلاف مستوياتها ومجالاتها كما يلي:(2) * فبالنسبة لمجالات التنمية نميز بين: التنمية الوطنية والتي تعتبر عملية يتم فيها تشغيل جميع القطاعات واستغلال كل الموارد والإمكانات المتاحة، وهي عملية تقتضي وجود تخصص وتناسق بين الوحدات الإنتاجية ووجود شبكة إنتاجية واسعة تشمل كل القطاعات والأقاليم عبر الوطن. التنمية المحلية: وتعرف بأنها << مجموعة من العمليات تتوحد فيها جهود الأهالي مع السلطات الرسمية بهدف تحسين الأحوال الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمعات المحلية وتمكينها من المساهمة بدرجة قصوى في تقدم الوطن ككل >>. * أما بالنسبة لمجالات التنمية فنميز بين العديد من المجالات كمايلي: 1- التنمية الاقتصادية: وتعرف على أنها << تنصرف في جوهرها إلى زيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد >>(1) وسوف نركز في دراستنا هذه، على هذا المجال << التنمية الاقتصادية >> بالإضافة إلى:(2) 2- التنمية الاجتماعية: وتعرف على أنها << أسلوب حديث في العمل الاجتماعي تقوم على إحداث تغيير حضاري في طريقة التفكير والعمل والحياة عن طريق إشارة وعي الناس بالبيئة المحلية من أجل المشاركة في تنفيذ برامج التنمية لإحداث التغيير اللازم لتطوير المجتمع >>. 3- التنمية السياسية: تعرف بأنها << مجموعة الأفكار التي يمكن أن يدلي بها للمساهمة في تكوين رأي عام للتأثير به لدى القرار السياسي، أي المشاركة في صنع القرار السياسي من خلال مجموعة من الوسائل: الأحزاب، الجمعيات، النقابات، وهي مستوى متطور من الفكر، يبحث عن ترقية علاقة الدولة بالمجتمع. 4- التنمية الإدارية: وتعرف بأنها << تطوير قدرات الإداريين وتحسين أدائهم والتأثير على البيئة التي يعملون فيها عن طريق دراسة الهياكل التنظيمية وتحديث القوانين واللوائح المعمول بها، وتطوير وتنمية معلومات أفراد التنظيم، وتحسين البيئة للعمل الإداري >>.

المبحث الثاني: التنمية الاقتصادية:

المطلب الأول: نظريات التنمية الاقتصادية:

أولا: تعريف التنمية الاقتصادية: هناك عدة مصطلحات فمنهم من يستخدم مصطلح النمو Crouth ) ) والبعض يستخدم مصطلح التنمية الاقتصادية، فالنمو يعني تغير مع تحسن أو تزايد قد يكون طبيعي أو عفوي، أما التنمية تعني تغير مع تحسن بفعل حدث أو إجراء إرادي. << أن التنمية الاقتصادية هي تقدم للمجتمع عن طريق استنباط أساليب إنتاجية جديدة أفضل ورفع مستويات الإنتاج من خلال إنماء المهارات والطاقات البشرية وخلق تنظيمات أفضل >>(1) << وبصفة عامة هي العملية التي من خلالها نحاول زيادة متوسط نصيب الفرد من إجمال الناتج القومي خلال فترة زمنية محددة وذلك من خلال رفع متوسط إنتاجية الفرد واستخدام الموارد المتاحة لزيادة الإنتاج خلال تلك الفترة >>(2)

ثانيا: نظريات التنمية الاقتصادية: ويمكن استعراض أهم اتجاهاتها فيما يلي(3): * القاسم المشترك بين مختلف النظريات هو التركيز على أهمية التراكم الرأسمالي ( Capital Accumulation). فضلا عن العوامل التي تدعمه أو تعوقه. * بالنسبة للاقتصاديين الكلاسيك بينوا كيف أن التنمية الاقتصادية يمكن ان تعاق بسبب الضغوط السكانية مقترنة بندرة الموارد الطبيعية. * أضاف النيو كلاسيك تحليل عملية الادخار والاستثمار والآثار الموالية للتقدم التكنولوجي. * أما كارل ماركس فأكد أن علاقات الإنتاج في ظل النظام الرأسمالي ( Capitaliste System) تتعارض مع التقدم التكنولوجي فيه، ومن ثم حدوث كساد دوري في الاقتصاد ثم لركود حتمي، كما أشار على التكاليف الباهضة والمتكررة لعملية النمو الاقتصادي في ظل النظام الرأسمالي والتي تتمثل في صورة التمزق الاجتماعي والاقتصادي الذي يحل بالمجتمع.

* قدمت بعض التعديلات الأساسية على التغيرات السابقة وخصوصا كيفية تحقق التراكم الرأسمالي المتحقق عن التنمية الاقتصادية وتتمثل هذه التعديلات في: – نظرية شومبيتر بإضافته الهامة في إبراز دور المنظم في قيادة عملية التراكم. – كينز بدمج نظرية أفضل عن الطلب الكلي مع نظرية التنمية الاقتصادية غير أنه لم يكن إلا جزئيا، وبقي للكينزيين تكملة مسألة تزاوج نتائج التراكم الرأسمالي في مجال خلق الطلب وخلق العرض.

* نشأ اهتمام كبير منذ الحرب العالمية الثانية حول التنمية الاقتصادية، وقد كانت هناك محاولة من بعض المحللين تطبيق نظريات التنمية الاقتصادية على الدول النامية، كما برزت بعض الإضافات الجديدة والهامة التي سارت في اتجاهين ركز الاتجاه الأول بتحليل أسباب فشل الدول النامية في تحقيق معدل سريع للنمو رغم إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا الأكثر تقدما.

بينما ركز الاتجاه الثاني على دراسة العوامل الأساسية التي تنتج على النمو والعمليات المتداخلة المتشابكة والتي يأخذ كل من التراكم الرأسمالي والنمو مكانه، كما أعطى اهتمام للعلاقة الهامة بين الزراعة والصناعة أثناء عملية التنمية، وخصوصا مدى إمكانية استخدام العمل الزراعي الفائض كأداة لتمويل التنمية الصناعية.(1)

المطلب الثاني: أنماط التنمية واستراتيجياتها: وإن كان هناك عدم اتفاق على الأسلوب الأمثل للتنمية، إلا أنه هناك نوعين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وهما: إستراتيجية النمو المتوازن وإستراتيجية النمو غير المتوازن نلخصهما فيما يلي:(2)

1- إستراتيجية أو نمط النمو المتوازن: ويرجع عرضها إلى الاقتصادي المعروف ” نيركسه ” والذي يرى ضرورة توجيه دفعة قوية إلى مجموعة من الصناعات الاستهلاكية المتكاملة أفقيا وذلك لمواجهة عقبة ضيق نطاق السوق المحلي في الدول النامية وكسر الدوائر المفرغة المؤدية للفقر، وحسب ” نيركسه ” فإن كسر الدائرة المفرغة للفقر يمكن تفسيرها من جانب العرض والطلب، وبالتالي لا بد من إنشاء العديد من الصناعات الاستهلاكية المتزامنة حيث تؤدي إلى توسيع نطاق السوق وخلق العديد من الصناعات المتكاملة، كما يرى نيركسه: ضرورة تحقيق التوازن بين الصناعة والزراعة << حتى ولو كانت مشكلة تمويل هذه الصناعات وأيضا قطاعي الزراعة والصناعة تمثل عقبة أمام نجاح هذه الإستراتيجية.

2- إستراتيجية النمو غير المتوازن: وترجع هذه النظرية إلى الاقتصادي ” هيرشمان ” حيث هاجم الإستراتيجية الأولى والتي كانت ترتكز على إنماء مجموعة عريضة من الصناعات الاستهلاكية في آن واحد، نتيجة لقصور الموارد المالية في الدول النامية، ويرى ” هيرشمان ” بدلا من ذلك أنه يجب التركيز على عدد من الصناعات الرائدة التي لها القدرة على حث الاستثمار في الصناعات الأخرى، بمعنى إحداث خلل مقصود في توازن الاقتصاد القومي عن طريق توجيه الاستثمارات إلى عدد محدود من الصناعات الرائدة التي تقود بدورها عملية النمو الاقتصادي في الاقتصاد القومي ككل. كما يرى هيرشمان أن عمليات اختيار هذه الصناعات يتوقف على مدى قدرتها على الحث على الاستثمار في المشروعات والصناعات الأخرى أي ما يعرف بالتكامل للأمام أو التكامل للخلف فالتكامل للخلف يعني الاستثمار في مشروع ما يؤدي إلى زيادته في مشروع آخر سابق عليه والتكامل للأمام يعني الاستثمار في مشروع ما يؤدي إلى زيادته في مشروع لاحق عليه.

وفيما يلي الخطوط العريضة التي يجب أن تتضمنه إستراتيجية التنمية الشاملة:(1) ميادين العمل الحكومي لا بد أن تضم – تحديد المشروع الاجتماعي. – المشروعات الإنتاجية الحكومية في المجالات التي هي خارجة عن النشاط الاقتصادي الخاص ( المشروعات الاقتصادية الاجتماعية الضخمة…). – التوجيه الحكومي والتخطيط لتشجيع التكامل والاندماج الاقتصادي بين القطاع العام والخاص. – تشجيع ومعاونة المستثمرين في الميادين العمة للتعليم، الصحة، والإسكان. – سياسة زراعية في المدى القصير، المتوسط والطويل تحدد الأهداف الإنتاجية. – سياسة مالية نقدية وتجارية عامة ملائمة.

المطلب الثالث: نماذج تخطيط التنمية الاقتصادية:

النموذج يهدف إلى معرفة التناسب للمتغيرات ومعاملات الارتباط في الآلية الاقتصادية وتأثير اختلاف التناسب في عوامل الإنتاج سلبيا وإيجابيا على الاقتصاد الوطني بشكل عام.(1)

1- نموذج فيلدمان – مها لانوبيس ( Fedman – Mahalanobis ) وهدفه زيادة الدخل والاستهلاك والعمالة عن طريق زيادة الطاقة الإنتاجية لقطاع وسائل الإنتاج.

2- نموذج هارود – دومار: ( Domar – Harodd) ويحدد النمو على أساس المقدرة على الادخار وليس على أساس توزيع الاستثمارات بين القطاعات وأهمية هذا التوزيع على زيادة الدخل المستثمر، كما يؤكدان على أنه لا يمكن الاستمرار في الادخار إلا في اقتصاد قادر على إنتاج السلع الإنتاجية، كما في النموذج الأول. مراحل رستو للنمو الاقتصادي: تقوم فكرة النمو الاقتصادي على أساس أن الاقتصاد القومي ينتقل من مرحلة إلى أخرى حتى يصل إلى أعلى درجات النمو الاقتصادي وتتلخص هذه المراحل فيما يلي:(2) – مرحلة المجتمع التقليدي – مرحلة التهيؤ للانطلاق – مرحلة الانطلاق – مرحلة النضج – مرحلة الاستهلاك الكبير

المطلب الرابع: التغيرات الاقتصادية العالمية وأثرها على التنمية بالدول النامية:

ويمكن تلخيص أهم التغيرات الاقتصادية العالمية في أواخر القرن العشرين في أربعة نقاط أساسية تتمثل في (3) – زيادة موجة التحرر الاقتصادي – إقامة منظمة التجارة العالمية – تزايد قوة التكتلات الاقتصادية الدولية. – ظهور العولمة وسرعة انتشارها. الآثار الإيجابية للتغيرات الاقتصادية:(1) – التخلص من عناصر عدم الكفاءة في وحدات القطاع العام. – إعادة تخصيص الموارد في صالح القطاع الخاص وفي غير صالح القطاع العام مما يرفع من الإنتاجية ويزيد من معدلات الأرباح وذلك باعتبار وحدات القطاع الخاص أكفأ من وحدات القطاع العام. – تخفيض الأنفاق الحكومية بسبب التخلص من الدعم الذي كانت تمنحه الحكومة لشركات القطاع العام، وزيادة حصيلة الضريبة المفروضة على أرباح المشروعات بعد إصلاحها وتحويلها للقطاع الخاص. – رفع إنتاجية المشروعات التي تتبع مبادئ السوق الحر، وفتح فرص جديدة أمام المدخرات الخاصة لتستثمر في مشروعات قائمة أو جديدة وإعادة تدوير الأموال المحررة من المشروعات العامة بعد بيعها للقطاع الخاص وهذا كله يدفع عجلة التنمية الاقتصادية. – إعادة توزيع الثروة والدخل في صالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة من خلال إتاحة الفرصة لها لتملك بعض أجزاء وحدات القطاع العام. الآثار السلبية: (2) – فقدان الدول النامية لأسواقها بالدول الاشتراكية والتي كانت تتحصل عليها من خلال الاتفاقات الثنائية، بعدما انتهجت هذه الدول سياسات التحرر. – مزاحمة الاقتصاديات المتحولة للدول النامية في تحركات رؤوس الأموال والمعونات المتدفقة من الدول المتقدمة. – احتمال أن تدخل بعض الاقتصادات المتحولة في اتحاد اقتصاد الدول الأوروبية المتقدمة وهو ما يحولها من قوى داعمة للدول النامية إلى قوى منافسة لها. – زيادة معدل البطالة الرسمي بين الفقراء بسبب التحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص وصرف العمال. – يؤدي تحديد الأسعار إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة عدد الأسر تحت خط الفقر. – مخاوف من سيطرت الأجانب على رأس المال الوطني بوجه عام والأنشطة الإستراتيجية بوجه خاص من خلال شراء أجزاء كبيرة من المشروعات العامة المطروحة للبيع.

* بالإضافة إلى هذه الآثار السلبية هناك عدة عوامل تعيق عملية التنمية الاقتصادية نذكرها فيما يلي:(1) 1- العوائق الاقتصادية وتتمثل في: – دائرة الفقر المفرغة ( The vicious circle of poverty ) – ضيق حجم السوق ( The limited of the market ).

2- العوائق الحكومية للتنمية: وتتمثل في توفير وتعزيز لبيئة مستقرة للمشروعات الحديثة أي استقرار سياسي واستقلال سياسي والدعم الحكومي لها.

3- القيم الاجتماعية كعوائق للتنمية: وتتمثل في قيم المجتمع التي لها دور مباشر في تحقيق التنمية من عدمه وتتمثل العلاقة بينهما حسب التحليلات في خلق عدد كفىء من المنظمين للقيام بعملية التنمية. << المنظم: يمكنه تبني اختراع جديد أو طريقة حديثة رفي الإدارة >> حسب شومبيتر.

خلاصة الفصل:

تعرفنا على التنمية الاقتصادية التي تعتبر عملية تحول شامل لكافة مكونات اقتصاد ما وذلك من خلال إحداث تغيير واضح في أحجام وقيم هذه المكونات وعلاقاتها الهيكلية البينية والضمنية. ولكن أن أهم إشكاليات التنمية الاقتصادية هو كيفية تمويل متطلبات هذه التنمية وهذا ما سنبرزه من خلال الفصل القادم.

الفصل الثاني مشكل تمويل التنمية في البلدان النامية

مقدمة الفصل:

على الرغم من الأساس الذي يجب أن تعتمد عليه الدول النامية في تمويل تنميتها الاقتصادية يجب أن يرتكز على مواردها المحلية، إلا أن الواقع يظهر في كثير من الأحيان وجود قصور شديد في مصادر التمويل المحلي مما يجعل هذه الدول تستعين بمصادر التمويل الخارجي وعموما فإن مشكل التمويل أهم عقبة تعترض عملية التنمية وهذا ما سنتطرق إليه من خلال هذا الفصل.

المبحث الأول: مصادر تمويل التنمية في الدول النامية:

للوصول إلى نتيجة نبرز فيها مشكل التمويل في الدول النامية، يجب معرفة أولا ماهية التمويل، وما هي المصادر المختلفة لتمويل التنمية في الدول النامية. لتحديد مشاكلها المختلفة واقتراح إجراءات لإنعاش التنمية في هذه الدول.

المطلب الأول: ماهية التمويل:

التمويل:(1) اعتبر التمويل لمدة عقدين من الزمن أنها وسيلة مهمة لتشجيع الاستقرار الاقتصادي وكانت هناك أسباب عديدة لهذه النظرة، أولا أن التقليد السائد في الاقتصاد كان يشير إلى أن التغيرات تؤثر فقط على الأسعار والأجور وليست على الناتج والعمالة أثناء الدورة الاقتصادية. وقد استمر هذا التقليد بصعوبة، وضل الكثير من الاقتصاديين في الدول الصناعية والدول النامية في الأربعينيات والخمسينيات مقتنعين بأن تأثير العوامل الثانوية للسياسة التمويلية وهي السياسة النقدية، وقد تميزت هذه الأخيرة في الدول النامية أقل كفاءة من الدول المتقدمة لأن جزءا كبيرا من العمليات الاقتصادية كان يتم على أساس المقايضة وغيرها من المعاملات خارج الاقتصاد النقدي، وكانت نسبة استخدام النقد أي نسبة مجموع السلع والخدمات التي يتم تبادلها بالنقود منخفضة نسبيا في الدول النامية خاصة في الدول الإفريقية منخفضة الدخل.

ويصعب الاستخدام الكفء لأدوات السياسة النقدية في مواجهة التغيرات الدورية حتى في الدول ذات الاستخدام النقدي العالمي مثل الو.م.أ، وأخيرا ساءت أسعار الصرف الثابتة في الدول جميعها ومنها الدول النامية منذ الحرب العالمية الثانية، وحتى 1972 وقد تراخى الالتزام بتثبيت سعر الصرف في السبعينات في عدة دول.

ومن بداية الثمانينات ازدادت إمكانية إسهام السياسة النقدية عند تطبيقها السليم في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في الآجال القصيرة. أما فعاليتها في الأجل الطويل فكانت أقل قبولا. لم ينظر للتمويل على أنه يؤدي إلى تحسين المستويات المعيشية على أي حال حاول بعض المحللين في السنوات الأخيرة مثل: ( EDWARD CHAW )( ادوارد شاو ) ( RONALD MAKINNON ) ( رونالد ماكنين ) أن للسياسة التمويلية تأثير قوي على التنمية .

* ومن خلال ما سبق تحدد تعريفا للتمويل كما يلي: << توفير الأموال ( السيولة النقدية) من أجل إنفاقها على الاستثمارات وتكوين رأس المال الثابت بهدف زيادة الإنتاج والاستهلاك >>. ويعرف كذلك بأن << البحث عن الطرائق المناسبة للحصول على الأموال والاختيار وتقسيم تلك الطرائق والحصول على المزيج الأفضل بينهما بشكل يناسب كمية ونوعية احتياجات المنشأة >>. ومنه فالتعريف الإجرائي لتمويل التنمية فيعني تلك التدفقات المالية المحلية والأجنبية الموجهة لإنجاز وإحقاق برامج ومشروعات التنمية الضرورية لهيكل الاقتصاد الوطني وتحقيق الرفاهية الاقتصادية للمجتمع .

المطلب الثاني: المصادر الداخلية لتمويل التنمية:

ويمكن تقسيمها إلى :

I- الادخارات الاختيارية: هي تلك الادخارات التي يقبل الأفراد والمشروعات طواعية واختيارا وتتمثل في:

1- مدخرات القطاع العائلي: وتمثل الفرق بين الدخل المتاح أي الدخل بعد تسديد الضرائب وبين الإنفاق على أوجه الاستهلاك المختلفة وتتمثل مصادر الادخار فيه فيما يلي: * مدخرات التقاعد كأقساط التأمين والمعاشات. * الودائع في البنوك وصناديق التوفير. * الاستثمار المباشر في اقتناء الأراضي. * سداد الديون ومقابلة التزامات سابقة.

2- مدخرات قطاع الأعمال: ويقصد به كافة المشاريع الإنتاجية التي تستهدف تحقيق الأرباح من مبيعاتها التي تشكل بدورها مصدرا للادخارات وتنقسم هذه المدخرات إلى نوعين هما ادخارات قطاع الأعمال الخاص، وادخارات قطاع الأعمال العام << الادخار الخاص يكون من طرف الأفراد والمؤسسات بينما الادخار العام يتكون من الضرائب، القروض، شهادات الاستثمار، الإصدار النقدي أو ما يسمى بالتمويل بالعجز ( Deficit. Spending ) وهو زيادة حجم السيولة النقدية عن طريق إصدار نقود جديدة وهذا الأمر قد يتسبب أحيانا في حالات تضخمية >> .

II- الادخارات الإجبارية: وهي ادخارات تقطع من الدخول المتحققة لدى الأفراد بطريقة إلزامية ويتمثل في الادخار الحكومي والادخار الجماعي والتمويل التضخمي.

1- الادخار الحكومي: يتحقق الادخار الحكومي بالفرق بين الإيرادات الحكومية الجارية والمصروفات الحكومية الجارية. فإذا كان هناك فائض اتجه إلى تمويل الاستثمارات وتسديد أقساط الديون ( في حالة مديونية الحكومة )، أما إذا زادت النفقات الجارية عن الإيرادات الجارية أي في حالة وجود عجز فإنه يتم تمويله عن طريق السحب من مدخرات القطاعات الأخرى أو عن طريق طبع نقود جديدة، وتعمل الحكومات دائما إلى تنمية مواردها وإلى ضغط نفقاتها بغية تحقيق فائض توجهه إلى ضروب ومجالات الاستثمار والتنمية المستهدفة.

2- التمويل التضخمي: وهو أسلوب تستخدمه السلطات العامة للحصول على تمويل إضافي عندما تعجز المصادر الاعتيادية للإيرادات العامة من تمويل النفقات العامة ويتلخص هذا بالاعتماد على إصدار نقود ورقية جديدة أو الاقتراض من البنك المركزي والبنوك التجارية ويسمى بالتمويل التضخمي نتيجة لزيادة الإصدار النقدي لتمكين الوحدات الاقتصادية من الحصول على موارد إضافية عندما تعجز مواردها المستقلة في الإنتاج ومن مساوئ هذا الأسلوب نجد:

– انخفاض القيمة الخارجية للعملة وتأكل قيمتها ومنه انخفاض المدخرات وارتفاع الاستهلاك. – انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية وبالتالي ترتفع الأسعار وهذا يدفع الأفراد لاكتناز العملة الأجنبية والسلع بدلا من العملة المحلية وهذا يقلل من عملية الاستثمار. – تفاقم العجز في الموازنة العامة وفي ميزان المدفوعات << زيادة الواردات ونقص الصادرات >>. – إعادة توزيع الدخل والثروة بشكل متفاوت وينجم عنه اضطرابات اجتماعية وسياسية. – يعرقل عمليات التخطيط والتنفيذ بما يؤدي على استحالة حساب التكاليف الحقيقية للمشروع.

3- الادخار الجماعي: هي ادخارات تقتطع من دخل بعض الجماعات بطريقة إجبارية طبقا لقوانين معينة منها أرصدة صناديق التأمينات الاجتماعية بأنواعها المختلفة ويحتل هذا النوع مكانة هامة في الدول النامية لأته يقلل من حدة الاتجاهات التضخمية المتمثلة في ارتفاع الأسعار، كما يتميز هذا النوع من الادخار بمزايا مباشرة مثل خدمات الصحة والتعويضات والمعاشات (1). * إن قصور المدخرات المحلية عن تمويل كافة مشروعات التنمية يؤدي بالدول النامية على اللجوء إلى مصادر خارجية لسد عجز المدخرات المحلية.

 

المطلب الثالث: المصادر الخارجية لتمويل التنمية:

تتعدد صور وأشكال المساعدات الإنمائية والتمويل الخارجي لعملية التنمية كما يلي: I- التدفقات والتحويلات من المؤسسات والمنظمات الدولية: لعل أهم هذه المؤسسات هي البنك الدولي للإنشاء والتعمير ومؤسسة التنمية الدولية ومؤسسة التمويل الدولي.

1- البنك الدولي للإنشاء والتعمير: وأنشئ هذا البنك لعدة أغراض أهمها: * تقديم القروض للدول الأعضاء أو المؤسسات الاقتصادية الخاصة القائمة في أراضيها، من الأرصدة الرأسمالية المتاحة، في حالة عدم كفاية الاستثمارات الخاصة أو عدم توفير القروض اللازمة من مصادر أخرى بشروط مقبولة. * تشجيع الاستثمارات الخاصة الأجنبية سواء بتقديم الضمانات اللازمة أو بالمشاركة بنصيب في القروض الأجنبية المقدمة للدول الأعضاء. * توفير المعونات الفنية لإعداد وتنفيذ الخطط الاستثمارية والإنمائية والمساهمة في إعداد وتدريب الكوادر الفنية والإدارية التي تحتاجها الدول النامية عن طريق معهد التنمية الاقتصادية التابع للبنك. يقدم هذا البنك قروض طويلة الأجل للتنمية الاقتصادية خاصة في الدول النامية. * المؤسسات المساعدة للبنك الدولي: هناك ثلاث مؤسسات مساعدة له. * مؤسسة التمويل الدولية تأسست عام 1956: وينحصر نشاطها في الإسهام في مشروعات القطاع الخاص لدى الدول الأعضاء. * مؤسسة التنمية الدولية تأسست عام 1960 وتعتبر مصدرا هاما للقروض السهلة أي قروض فوائدها منخفضة وآجالها طويلة تقدم للدول النامية << شديدة الفقر ويبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل فيها 580 دولار سنويا أو أقل >>. * الوكالة الدولية لضمان الاستثمار: تهدف على تشجيع الاستثمارات الأجنبية في الدول النامية الأعضاء، وتأسست عام 1988.

3- صندوق النقد الدولي: ويعمل مع البلدان الأعضاء على تقليل اختلالات اقتصادها الكلي واختناقاتها الهيكلية وإزالة العوائق التي تعترض المدفوعات الدولية ومنع حدوث أزمات مالية. 2- المنح والإعانات: تتمثل في تمويل موارد من الدولة المانحة إلى الدولة النامية الممنوح إليها، وقد تكون هذه الموارد في شكل نقدي أو عيني والنقد يكون في شكل عمولات قابلة للتحويل والعيني في شكل سلع أو خدمات استهلاكية واستثمارية أو عبرات فنية. 3- القروض: قد تكون عامة أو خاصة: فالقروض العامة تعقدها حكومات الدول النامية مع الغير المقيمين في الخارج سواء كانت حكومات أجنبية أو هيآت تابعة لها أو أشخاص طبيعيين أو معنويين سواء كانت هيآت التمويل دولية كالبنك العملي أو صندوق النقد أو الهيآت الدولية التابعة لها، أو هيآت التمويل الإقليمي، أما القروض الخاصة فهي تلك التي يعقدها أشخاص طبيعيين ومعنويين من منظمات التمويل الدولية مثل المؤسسة الدولية للتمويل ( IFC) أو من صناديق التمويل الإقليمي.

4- الاستثمار الأجنبي: يتمثل في استثمار الموارد الأجنبية في رؤوس أموال مشروعات التنمية في الدول النامية بهدف الاستفادة من التكنولوجيا التي ينقلها معه لدفع عجلة التنمية بها: وهو نوعان: * الاستثمار الأجنبي المباشر: يقوم المستثمر الأجنبي بامتلاك رأس المال المشروع الإنتاجي ويتولى إدارته أو مساهمته في رأس المال للمشروع كبيرة وتمنحه الحق بالاشتراك في الإدارة. * الاستثمار الأجنبي غير المباشر: ويقتصر على قيام الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين المقيمين في دولة أجنبية على مجرد شراء أسهم المشروعات القائمة أو الاكتتاب في أسهم المشروعات المراد القيام بها كما لا يحول للمستثمر الأجنبي الحق في الإدارة.

المبحث الثاني: مشاكل مصادر التمويل وإجراءات إنعاشها في الدول النامية:

كما سبق وأشرنا أن أهم العراقيل التي تواجه إخفاق برامج التنمية في البلدان النامية هي مشكلة التمويل الأداة الرئيسية للتنمية في الدول النامية إلى جانب الإدارة الاقتصادية الكفأة للموارد المتاحة. وسوف نبرز عوائق مصادرة كل نوع منها على حدا.

المطلب الأول: عوائق مصادر التمويل الداخلي:

بالنسبة للادخار العائلي: نواجه عدة عوائق تعيق التنمية نذكر منها: 1- انخفاض الدخول: بلغ متوسط دخل الفرد في إفريقيا في أواخر السبعينيات حوالي: 400 دولار سنويا، وفي بعض دول آسيا لم يتجاوز: 300 دولار سنويا. وذلك لارتفاع الميل للاستهلاك وبالتالي انخفاض حجم الادخارات. 2- أثر المحاكاة: أي تقليد الأفراد في هذه الدول لأنماط الاستهلاك في الدول المتقدمة. 3- عدم كفائية أجهزة تجميع المدخرات مثل المؤسسات المالية والتي تتلائم وظروف كل دولة ومرحلة التنمية التي بلغتها. 4- عدم استقرار القوة الشرائية للنقود حيث أن الأموال التي يدخرها الأفراد بالامتناع عن الإنفاق، تضعف مقدرتها في المستقبل على شراء السلع والخدمات.

بالنسبة لقطاع الأعمال: وتتعرض لمجموعة من الصعاب في الدول النامية مثل عدم كفاية البيانات المتاحة وعدم وجود حدود فاصلة بين هذا القطاع والقطاع العائلي. نظرا لتخلف النظم والقوانين في هذه الدول، كما أن مدخرات قطاع الأعمال قد لا توجه إلى عملية التنمية. بالنسبة للقطاع الحكومي: (1) من أهم أسباب انخفاض الإيرادات الجارية للدولية قصور نظامها الضريبي وذلك عن طريق: – ضآلة نسبة الضرائب إلى الدخل القومي بسبب انخفاض متوسط دخل الفرد السنوي. – اتساع نطاق العمليات العينية << المقايضة >>. – عدم إمساك حسابات منظمة في قطاع الأعمال. – انخفاض مستوى الوعي الضريبي الذي يتجسد بالتهرب الضريبي وعدم خضوع بعض الأنشطة للضريبة. – بالإضافة إلى ما سبق هناك عوامل أخرى تعيق عملية التمويل الداخلي منها: – فقدان الثقة في المصارف وبالتالي اللجوء للاكتناز. – الابتعاد عن المنافسة المحافظة على الأنشطة التقليدية التي تعرقل التنمية. – ضيق أسواق الأوراق المالية. – هروب رؤوس الأموال للخارج نتيجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للدول النامية خاصة في حالة التضخم خوفا من احتمال تدهور قيمة العملة المحلية.

المطلب الثاني: عوائق مصادر التمويل الخارجي: إن أول ما يواجه الدول النامية ويعترض سبيلها في تحقيق التنمية هو العراقيل التي تواجه صادراتها ونذكر منها: 1- عدم توفر الأيدي العاملة الماهرة بالقدر الكافي. 2- ضيق حجم السوق المحلية إذ يصعب دخول مجال التصدير للسوق الدولية قبل الاستفادة من مزايا الإنتاج في السوق المحلية. 3- صعوبة القدرة على المنافسة في الأسواق الدولية بسبب استيراد معظم لوازم الإنتاج للعملية الصناعية. 4- عدم توفر الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلدان النامية. 5- عدم توفر الإحصاءات الصحيحة التي تمكن المستثمر من دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع. 6- فرض معاملة ضريبية مجحفة على أرباح المستثمر الأجنبي. * ومن أهم هذه العوامل التي كان تأثيرها كبيرا على المديونية الخارجية للبلدان النامية في هروب رؤوس الأموال المحلية إلى المراكز المالية الدولية لدى البنوك المحلية وتراكمها لدى المراكز المالية الدولية والتي تقوم فيما بعد بدور الوسيط في تقديم القروض للبلدان النامية والتبعية المالية لها والقبول بشروطها المجحفة، أي بالرغم من مساعدتها للدول النامية فهي تخدم أكبر الدول المقرضة.

المطلب الثالث: الإجراءات المقترحة لإنعاش مصادر التمويل: أولا: إنعاش مصادر التمويل الداخلي: تعاني المدخرات في البلدان النامية من مشكل تحصيلها ومن أجل مواجهة ذلك يجب إتباع سياسة اقتصادية تنموية تعمل على جذب الادخار وذلك من خلال: 1- مدخرات القطاع العائلي: ومن أهم الوسائل التي يمكن استخدامها لتعزيزها ما يلي: – التوسع في صور الادخار التعاقدي بتشجيع التأمين على الحياة وتنظيم نظم المعاشات والتأمينات الاجتماعية وتوسيع نطاقها لتشمل جميع الأفراد. – تأمين استقرار القوة الشرائية لبعض أدواة الادخار لتشجيع الأفراد على اقتنائها والاحتفاظ بها. – انتهاج سياسة مرنة لأسعار الفائدة تجعل الأوراق المالية أكثر إغراء من الأموال العينة. – توفير أنواع مختلفة من السندات وشهادات الاستثمار ترضي رغبات مختلف المدخرين وتقرير إعفاءات ضريبية محدودة للمدخرات التي تستثمر فيها. – تنمية الوعي الادخاري بين الأفراد وفائدته في تأمين مستقبلهم. – زيادة كفاءة الأجهزة القائمة على تجميع المدخرات مثل صناديق توفير البريد وبنوك التنمية وبنوك الادخار. 2- مدخرات قطاع الأعمال: تتوقف مدخراته على السياسة التبعة من طرف الشركات العامة والخاصة بتوزيع الأرباح، أيضا تتعلق بالسياسة المالية التي تنتهجها الدولة اتجاه هذه الشركات. 3- المدخرات الإجبارية: يكون الادخار الحكومي من خلال فرض ضرائب ملائمة من خلال كفاءة الجهاز الضريبي ومنع التهرب الضريبي والزيادة من مستوى الإيرادات الجارية والتقليل من النفقات إلى جانب تحسين الكفاءة الاجتماعية للجهاز الحكومي. أما فيما يخص التمويل الضخمي فمن أجل تفادي مخاطره يجب على الدول النامية المتبعة لهذه السياسة أن تعمل على زيادة إنتاجها من السلع والخدمات مما يحول دون استمرار ارتفاع معدلات الأسعار. ثانيا: الإجراءات اللازمة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية: يعد رأس المال الأجنبي عنصرا هاما في عملية التنمية خاصة في المراحل الأولى لها، ومن هنا وجب على الدول النامية تبني سياسة تعمل على جذب رؤوس الأموال الأجنبية وتوفير جو استثماري للأجانب من خلال إنشاء بعض المرافق العامة وتقديم العديد من التسهيلات والأولويات ومنح العديد من الإعفاءات والحوافز الضريبية إضافة إلى ضرورة توافر مايلي: – البيئة السياسية والاستقرار السياسي. – واقع ترتيبات سعر الصرف في القطر المضيف والنظام المصرفي له. – التنظيمات الإدارية المتعلقة بالعلاقات بين المستثمرين الأجانب والحكومة المضيفة إضافة إلى هذا نجد أنه بالرغم من أزمة المديونية التي تعاني منها هذه الدول، إلا أن هذه الهيئات الدولية يجب اقتناعها بالمسؤولية في الأزمة الاقتصادية ودفع للمساهمة في جعل البيئة التجارية الدولية داعمة للتنمية. بالإضافة أنه يجب على الدول النامية أن تحقق تكامل اقتصادي إقليمي من خلال التناسق والتعاون فيما بينها، ويجب أن تنظم إلى الأسواق العالمية ( على المستوى الدولي ) بإصلاح الاختلالات في نظمها.

خلاصة الفصل:

تأسيسا على ما سبق يمكن القول بأن الحاجة إلى التمويل الخارجي للتنمية، إنما نشأ نتيجة لقصور المدخرات المحلية عن الوفاء بالاستثمارات المطلوبة وهو ما يطلق عليه فجوة الموارد المحلية. ولذلك كانت الإجراءات لإنعاش مصادر تمويل التنمية للنهوض بهذه الأخيرة نحو تحقيق معدلات أعلى وأفضل.

 

الخاتمة:

لقد استحوذت قضية التنمية على اهتمام الكثير من الدول بعد الحرب العالمية الثانية وهو ما تبرزه الجهود العديدة لإحقاق برامج التنمية، إلا أن تحقيق عمليات التنمية يتطلب موارد ضخمة تتعدى المصادر الداخلية لتمويلها وتدفع الدولة إلى التمويل الخارجي وبهذا فإن التنمية تتطلب مصدرين أحدهما: محلي ( داخلي ) والآخر خارجي. ولكل من المصدرين عوائق يجب على حكومات الدول النامية إتباع إجراءات لإنعاش هذه المصادر وتعزيزها لتحقيق درجات أعلى وأفضل للتنمية بهذه الدول

في ذكرى هزيمة الادارة العربية في حزيران

في ذكرى هزيمة الادارة العربية في حزيران

واهم دروسها : مطلوب ادارة

لا يمكن لأي امة او شعب ان يحقق النصر على عدو .. او يحقق النصر على معوقات التنمية الاقتصادية اوالاجتماعية اوالطبيعية او أي نوع من المعوقات الا اذا توفر له ادارة تمتلك قدرا عاليا من الخبرة والمعرفة .. تسمى قيادة

والقيادة ليست القائد الفرد الشخص الزعيم الملهم المخلص المنقذ المرشد العظيم ..

ان القيادة تعني القيادة الجماعية للدولة من خلال مؤسساتها (القيادية) التنفيذية والتشريعية والقضائية ، وضبط جميع ادارات الدولة صغيرها وكبيرها واختيار الاكفأ والاقدر والافضل خبرة وعلما وحنكة .. وليس لأصله او فصله او ثراءه او فقره او كونه رئيسا لهذا الحزب او القبيلة او الطائفة .

اعتقد جازمة وعلى يقين ان اي حديث او جهد او دعاء او امنية بدون توفر هذه الادارة هو نوع من اللطم والشكوى والتسالي واستعراض عضلات كلامية .

 

الاسباب المباشرة للهزيمة

الأسباب المباشرة لإخفاق الجيوش العربية  وانتصار العدو الصهيوني في حرب حزيران عام 1967 من اهمها :

1 – غياب الخطط العسكرية الحربية على مستوى القيادة العربية الموحدة

2- غياب إرادة القتال لدى القيادات العربية.

3 – الاستعداد الإسرائيلي التام للحرب.

4 – استخدام إسرائيل لعنصر المفاجأة في ضرب القوات العربية، حيث لم يتوقع العرب هجوماُ عند الفجر لكن إسرائيل نفذت الهجوم في هذا الوقت؛ مما أفقد العرب توازنهم وسبب خسائر فادحة في صفوف القوات العربية.

5 – تفوق القوات الإسرائيلية المسلحة بأفضل الأسلحة الغربية الحديثة وخاصة سلاح الطيران الإسرائيلي الذي سيطرت به إسرائيل على ميادين القتال في جبهات مختلفة.

6 – مساندة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية لإسرائيل عسكرياً واقتصادياً.

7 – نقص التدريب الجيد

8 – نقص الأسلحة المتطورة لدى الجيوش العربية.

وكل الاسباب الواردة اعلاه والاقل منها اهمية تعني الضعف الشديد للادارة العربية السياسية والعسكرية والاعلامية .

اذن الهزيمة ليست قدرا مقدرا ولم تكن عقوبة من رب العالمين لان عبد الناصر اعدم حسن البنا .. بل نتيجة منطقية لضعف قدرات وخبرات وامكانيات الادارات العربية

مقدمات الحرب

اندلعت الحرب في 5 يونيو/حزيران 1967 بهجوم إسرائيلي على قواعد سلاح الجو المصري في سيناء كان هذا الهجوم النقطة الفاصلة بين فترة ثلاثة أسابيع من التوتر المتزايد والحرب الشاملة بين إسرائيل وكل من مصر، وسوريا والأردن

واطلق عليها تسمية نكسة 67 أو حرب حزيران أو حرب الأيام الستة وهي حرب نشبت بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن انتهت بانتصار إسرائيل واستيلائها على قطاع غزة والضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان.

على الجبهة المصرية

تشكلت حالة التوتر تدريجيًا منذ نهاية 1966 ففي 15 مايو (ايار)1967 عندما جاوزت قوات برية كبيرة من الجيش المصري قناة السويس ورابطت في شبه جزيرة سيناء لإظهار حالة الاستعداد بعد معلومات سوفييتية عن نية إسرائيل مهاجمة العرب .

غيرت هذه الخطوة وتطورات أخرى من الاوضاع على الجبهة المصرية القائمة بين مصر وإسرائيل منذ العدوان الثلاثي (1956)  واعلنت الحكومة الإسرائيلية حالة تأهب في صفوف جيشها .

في 16 أيار/مايو طالب الرئيس جمال عبد الناصر إخلاء قوات الأمم المتحدة UNEF من سيناء وقطاع غزة.

كانت هذه القوات الدولية تراقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل ومصر منذ 1957.

بعد مفاوضات فاشلة استمرت يومين مع كل من حكومتي مصر وإسرائيل، حيث أصرت مصر على إخلاء القوات الدولية ورفضت إسرائيل مرابطتها على الجانب الإسرائيلي من خط الهدنة، غادرت قوات الأمم المتحدة المنطقة في 18 مايو 1967

في 22 مايو أعلنت مصر إغلاق مضيق تيران أمام السفن الإسرائيلية، واعتبرته إسرائيل سببًا للحرب (Casus Belli).

في 30 مايو وقع الرئيس المصري والعاهل الأردني على اتفاقية تحالف عسكري أنهى الخلاف بين الدولتين.

في 5 يونيو شن الجيش الإسرائيلي هجومًا على القوات المصرية في سيناء بينما بعث رئيس الوزراء الإسرائيلي برسالة للعاهل الأردني الحسين بن طلال عبر وسيط أمريكي قائلاً أن إسرائيل لن تهاجم الأردن إذا بقي الجيش الأردني خارج الحرب.

مقدمات الحرب على الجبهة الار دنية

معركة السموع نقطة تحول

في نوفمبر/تشرين الثاني 1966، انتهى التفاهم بين الحكومتين الإسرائيلية والأردنية بشأن تهدئة الحدود الطويلة بين البلدين حيث قُتل 3 جنود إسرائيليين بانفجار لغم على خط الهدنة قرب قرية السموع بجنوبي الضفة الغربية في لواء الخليل الذي كان تابعا للمملكة الأردنية الهاشمية،

فشنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً متذرعًا بهذه الحجة على قرية السموع الحدودية وهدم بيوتاً كثيرةً فيها وإدعت إسرائيل آنذاك أن 50 أردنياً وإسرائيلياً واحداً قُتلوا في تلك المعركة.

وحسب تقارير الأمم المتحدة فإن خسائر الجيش الأردني لم تزد عن 16.

وقد أعلن الإسرائيليون فيما بعد أن قائد الحملة الإسرائيلية في هذه المعركة قتل فيها أثناء القتال.

وكان قد ورد في قرارات الأمم المتحدة عند إعلان وقف إطلاق النار عام 1948 في أحد شروطها أن تخلو الضفة الغربية من الأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدفعية الثقيلة.

إلا أن استخدام الإسرائيليين لهذه الأسلحة في هذه المعركة، حرض سكان الضفة كم خلال تظاهرات شعبية واسعة على المطالبة بإدخال الأسلحة الثقيلة، مما حدا بالملك حسين بإقرار دخولها20 نوفمبر/تشرين الثاني 1966 تحسبا لأي هجوم آخر بنفس المستوى.

ومما يدل على انتشار المشاعر الوطنية على مستوى العربي كله هذه الابيات للشاعر

 الكويتي أحمد السقاف قصيدة في معركة السموع مطلعها

السموع  كفاك تفجع وكفت دموع وهبي فالممات لا الخضوع

لا تبكي السموع وكيف ترضى بغير الثأر بلدتنا السموع

وناد كل مقدام ابي له في كل معترك سطوع

وثوري امتي فلقد تنزت إلى ثاراتها هذي الجموع

 

مقدمات الحرب على الجبهة السورية  

كانت مقدمات للحرب والاشتباكات على الجبهة السورية قد بدأت في 64 وتكثفت الاشتباكات بين إسرائيل وسوريا في العام 1964 بشأن النزاع على استغلال مياه نهر الأردن الذي يعد الجولان السوري والينابيع في الجولان هي الرافد الاساسي للنهر ,بينما كانت هادئة نسبيا على الجبهة المصرية كانت هناك استنفار وعمليات عسكرية على الجبهة السورية بين سوريا وإسرائيل وتكررت الاشتباكات قبل أندلاع حرب 67

وطوال الشهور الأول من عام 1967 كانت الجبهة السورية مع إسرائيل مشتعلة بنيران متقطعة بين الجانبين وكانت المدفعية السورية مستمرة بقصف المواقع الإسرائيلية، بسبب الاشتباكات المدفعية بين الجانبين وتسلل وحدات من المهاجمين الفلسطينين إلى داخل إسرائيل حيث كانت تنطلق عمليات فدائية من سوريا إلى داخل إسرائيل ونفذت الكثير من العمليات الفدائية في هذه الفترة داخل الاراضي المحتلة وتسلل وحدات كوماندوز إسرائيلية إلى داخل سوريا من جانب آخر , كان الاتجاه العام داخل إسرائيل يميل للتصعيد العسكري مع سوريا

وفي يوم 5 أبريل/نيسان أعلن ليفي أشكول في الكنيست: “إن إسرائيل قررت أن ترد بالطريقة التي تراها ملائمة على سوريا.

وفي 7 أبريل (نيسان) 1967 أسقطت إسرائيل 6 طائرات سورية من طراز ميغ 21(إثنتان داخل سوريا وأربع أخرى منهم ثلاث طائرات داخل الأردن

واسقطت سوريا عدد من الطائرات الإسرائيلية منها ما سقط فوق الاراضي السوري ومنها ما سقط داخل إسرائيل ) على خلفية تصاعد التوتر بين الجانبين السوري والإسرائيلي، وتبادل لإطلاق النار والقصف، قام الملك حسين بتسليم الطيارين الثلاثة (وهم النقباء وقتها علي عنتر ومحي الدين داوود وأحمد القوتلي)الذين هبطو بالمظلات داخل الأردن إلى سوريا.

وبعد أحداث 7 نيسان/أبريل كانت التوقعات تقريبا على كل الأصعدة بأن الحرب ستنشب بين سوريا وإسرائيل لا محالة، فعلى الجانب السوري زادت العمليات ضد الإسرائيليين وشارك الفدائيين في العمليات العسكرية، وعلى الجانب الإسرائيلي هدد رابين وأشكول الجانب السوري بان الأسوأ لم يأت بعد، فوكالة المخابرات الأمريكية أخبرت الرئيس جونسون باحتمال وقوع تحركات ضد سوريا، وتوصل المصريون إلى نفس الاستنتاج، كان أخطر التهديدات الإسرائيلية لسوريا ما نشرته وكالة أخبار الدولية للنشر (UPI)، كان الاعتقاد السائد وقتها ان المصدر المجهول لهذه التصريحات هو رابين، لكن ذلك المصدر كان الجنرال أهارون ياريف، رئيس الاستخبارات العسكرية، أثارت هذه التصريحات موجة عارمة من القلق على الصعيد العربي،

في 28 أبريل/نيسان أبلغ وكيل وزارة الخارجية السوفيتية سيميونوف نائب الرئيس المصري أنور السادات أن ليفي أشكول بعث برسالة إلى ألكسي كوسيغين رئيس الوزراء السوفيتي حول الأوضاع على الجبهة السورية الإسرائيلية يحمل فيها سوريا مسؤولية الاستفزاز، وأن رئيس الوزراء الروسي قام بتقريع السفير الإسرائيلي بسبب حشدها لقوات ضد سوريا، فأخبره السفير الإسرائيلي أنه مخول بنفي تلك المعلومات، وأن ليفي أشكول طلب من السفير الروسي الذهاب بنفسه لزيارة الجبهة الشمالية للتأكد، فرفض الأخير معللاً ذلك بقدرة الإتحاد السوفيتي على معرفة الحقيقة بوسائله الخاصة,في 13 مايو 1967 أبلغ مندوب المخابرات السوفييتي “سيرغي” (كان مستشاراً بالسفارة السوفييتية بالقاهرة) مدير المخابرات العامة المصرية بأنه يوجد 11 لواءا إسرائيليًا محتشدًا على الجبهة السورية

عودة للجبهة المصرية

في 14 مايو أصدر المشير عبد الحكيم عامر أوامره بوضع جميع وحدات الجيش المصري على أهبة الاستعداد, بسبب الحشود الإسرائيلية الكثيفة على الحدود مع سوريا, وعندما ناقشه رئيس العمليات اللواء أنور القاضي في عدم جاهزية الجيش للحرب, اخبره المشير بأللا يقلق, فالقتال لم يكن جزءا من الخطة الموضوعة وإنما استعراض كرد على التهديدات الإسرائيلية لسوريا.

في 15 مايو ذهب الفريق محمد فوزي إلى سوريا, ولم يستطع الحصول على أي معلومة تؤيد المعلومات الروسية, حتى الصور الجوية لم تظهر أي تغيير في مواقع القوات الإسرائيلية في يومي 12 و 13 مايو.

في 15 أيار/مايو، ونظر إلى هذه التحركات من قبل الاستخبارات الأمريكية والبريطانية على أنها “تحركات دفاعية تهدف لإظهار للتضامن مع السوريين في وجه التهديدات الإسرائيلية”, حتى ان الإسرائيلين لم يظهروا قلقا كبيرا تجاه هذا التحركات, حتى عندما حذر رابين أنهم لا يمكنهم ترك الجنوب بدون تعزيزات، لم يثر الأمر قلقا كبيرا لتشابه تلك الخطوة مع تحركات سابقة تمت عام 1960 وذهب القادة الإسرائيلين للمشاركة في احتفال عسكري بالذكري التاسعة عشرة لقيام دولة إسرائيل

وفي 16 مايو طالبت مصر القوات الدولية بالخروج من أراضيها في خطاب وجهه الفريق أول محمد فوزي إلى قائد القوات الدولية الجنرال الهندي ريخي وقام بتسليمه العميد عز الدين مختار يطالبه فيه بسحب جميع جنوده، للحفاظ على سلامتهم، وذلك بسبب حالة التأهب التي عليها الجيش وتركيز القوات على الحدود الشرقية استعدادًا لأي هجوم من إسرائيل عى مصر .

في البداية تعامل الإسرائيليون بتفهم مع التحركات المصرية، كان الإسرائيليون ما يزالون في حالة تركيز على الوضع السوري والعمليات السورية تشن على إسرائيل . في 22 أيار/مايو أعلنت مصر إغلاق مضيق تيران أمام السفن إسرائيلية المتجهة إلى ميناء إيلات. اعتبرت إسرائيل هذه الخطوة إعلان حرب نسبة إلى تصريح رئيس وزرائها بعد أزمة السويس وتكثيف القوات المصرية في سيناء.

 

ما بين تأسيس دولة الكيان وحرب حزيران

الاستعدادات الاسرائيلية للحرب

1 – بسبب صغر حجم دولة الكيان التي انشئت عام 1948 ومحدودية جيشها نظرا لقلة عدد السكان استخدمت إستراتيجية استندت فيها على الاستفادة من جميع العوامل والظروف والطاقات من سوقية وتعبوية عسكرية منها تحديد الأهداف من الحرب، حيث رأت إسرائيل أن من أهم الأهداف المتوخاة من الحرب هي تثبيت ركائز الدولة العبرية الفتية من خلال ضرورة استثمار الحقبة التي كانت تشهد نشأة وتأسيس الدول العربية الحديثة العهد بمؤسسات الدولة والمجتمع المدني والعسكري كونها ناشئة حديثًا من انفصال ولايات وإمارات عثمانية كدول حديثة الاستقلال تمتلك فلسفة مجتمع وبرامج عمل واستراتيجيات قيد التكوين.

2 – كما اعتمدت إسرائيل بسبب هشاشة تكوينها كدولة على دولة عظمى من خلال عقد المعاهدات الإستراتيجية التي من خلالها تقدم الخدمات الجلى لتلك الدول أو من خلال تأثيرات الجاليات اليهودية المتنفذة سياسيًا واقتصاديًا فيها أو ما يسمى باللوبي الداعم لإسرائيل (مثل الأيباك AIPAC) المشكل من الزعامات والقيادات اليهودية والمسيحية الأمريكية.

3 – كما اعتمدت إسرائيل على الحرب الاعلامية.

4 – كما أطلقت حملة من الحرب النفسية. حيث استغلت القضية اليهودية القديمة في أوروبا المستندة على الظلم الواقع على اليهود ومعاناتهم من اضطهاد الأعراق غير السامية أي ما يسمى “بالعداء للسامية” كقضية ديريفوس وغيرها، وآخرها اضطهاد نظام هتلر لهم بما يسمى محارق الهولوكوست.

5 – أطلقت حملة دعم في أميركا وإنجلترا تحديداً من خلال الكنائس البروتستانتية ذات العقيدة القريبة من الفكر اللاهوتي التوراتي معتمدةً على التلمود المشترك بين اليهودية وتلك الطائفة التي يدين بها أغلب الإنجليز والاكثرية الساحقة من الأميركان.

6 – استغلت إسرائيل عوامل عربية داخلية أخرى مثل انشغال الدول العربية بانقلابات فاشلة أو بلبلة داخلية كتكفير الاخوان المسلمين للحكومة المصرية ومحاولاتهم قلب نظام الحكم والتحريض على حرق معامل حلوان الأمر الذي أشغل الدولة كثيراً مما ترتب عليه إصدار أحكام إعدام بحق المحرض على العملية سيد قطب.

 

7 – وكذلك استثمرت الأدوار التي لعبها الجواسيس من اليهود العرب وغيرهم مثل منير روفا الذي اختطف طائرة ميغ 21 وعزرا ناجي زلخا وايلي كوهين وغيرهم، في جمع المعلومات عن السلاح العربي للتعرف على أسراره ومواجهته والعمل كطابور خامس لتحطيم الجبهات الداخلية العربية.

8 – اعتمدت على مبدأ التفوق في السلاح فبعد أن كانت القوات العربية متفوقة تسليحيًا لغاية عام 1965 عقدت إسرائيل عددًا مهمًا من الاتفاقات لإعادة تسليحها بأحدث الأسلحة الغربية.

9 – اعتمدت كذلك على مبدأ التفوق الجوي في ساحة المعركة ذلك لوهن الجندي الإسرائيلي ومحدودية حيلته وعدده. وبنت قيادة الجيش والأركان الإسرائيلية خططها على الانفراد بكل جبهة عربية على حدة لعدم إمكانيتها من فتح أكثر من جبهة في آن واحد.

10 – اعتمدت على الدول الكبرى من خلال عدم فسح المجال للقوات العربية بالمبادئة واختيار الزمان والمكان المناسبين لأي تخطيط عسكري تعبوي وعدم فسح المجال أو إعطاء فرصة للقوات العربية بتنظيم قطاعاتها لصد الهجوم أو القيام بهجوم مقابل من خلال التزام الدول الكبرى الأعضاء بمجلس الأمن بإصدار قرار وقف إطلاق النار بعد إتمام العدوان مباشرة لإظهار العرب وكأنهم اخترقوا القرارات والمواثيق الدولية وبهذا يستحقون الردع والعقاب.

 

وانتصر العدو …

قبل حرب 67 ببضعة اشهر اندلعت تظاهرات في الضفة الغربية وكان من اهم هتافات المتظاهرين :

بدنا الوحدة باكر باكر .. مع هالاسمر عبد الناصر

وفي اليوم الاول للحرب في مثل هذا اليوم كان الفلسطينيون في الضفة الغربية يهتفون :

عبد الناصر يا حبيب بكرة حتدخل تل ابيب

هتاف تدل جلالة واضحة على عمق الغياب والتغييب الشعبي عن الحقيقة والحقائق

حيث واثناء ترديد هذا الهتاف كانت الطائرات الصهيونية قد قامت في الفجر بضرب المطارات والقواعد الجوية المصرية والسورية والاردنية وتحطيم الطائرات فيها

وبعد ذلك مباشرة قامت يشن هجوماً بالدروع باستخدام أسلوب الحرب الخاطفة على الضفة الغربية التي كانت تابعة للاردن وعلى مرتفعات الجولان السورية وقطاع غزة الذي كان تابعاً لمصر وعلى سيناء كل منها على انفراد . حيث استعملت الأسلحة المحرمة دولياً كالنابالم وقذائف البازوكا.

وحدث ارتباك هائل لدى القوات المصرية بسبب قرار الانسحاب العشوائي الخاطيء الذي اصدره القائد العام للقوات المسلحة المصرية المشير عبد الحكيم عامر، في الوقت الذي قررت فيه الوحدات السورية إعادة تنظيمها للرد على المعركة أو الضربة الأولى وتكثيف هجومها على إسرائيل.

إلا أن مجلس الأمن سارع بإصدار قرار وقف إطلاق النار ففسح ذلك المجال أمام القوات الإسرائيلية بتنظيم وحداتها فيما يسمى عسكرياً استثمار الفوز.

شارك الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف بقوات عسكرية لدعم الجبهة على الرغم من القوات الكبيرة الرابضة في المفرق في الأردن إلا أن الدعم الأمريكي والبريطاني والفرنسي المعلن بالتدخل في حالة رد الدول العربية على العدوان مالم تستجيب لقرار مجلس الامن الدولي 242، الأمر الذي افشل خطط الهجوم المقابل العربية وجعل إسرائيل بواقع المنتصر.

وهكذا خلال ساعات او ايام على ابعد تقدير انتصرت قوات العدو الصهيوني

خسائر الحرب

خسائر اسرائيل

قدرت خسائر العدو الصهيوني باقل من 1000 قتيل. وقدرت خسائره بـ 26 طائرة مقاتلة.

خسائر مصر

الضربة الجوية الإسرائيلية قامت إسرائيل في الساعة 8 و45 دقيقة صباح الاثنين 5 يونيو/حزيران لمدة ثلاث ساعات بغارات جوية على مصر في سيناء والدلتا والقاهرة ووادي النيل في ثلاث موجات الأولى 174 طائرة والثانية 161 والثالثة 157 بإجمالي 492 غارة دمرت فيها 25 مطاراً حربياً وما لا يقل عن 85% من طائرات مصر وهي جاثمة على الأرض.

وطبقا للبيانات الإسرائيلية تم تدمير 209 طائرات من أصل 340 طائرة مصرية منها:

30 طائرة تي يو-16 27 طائرة اليوشن قاذفة 12 طائرة سوخوي- في 90 طائرة مقاتلة ونقل وهليكوبتر

وحول خسائر مصر العسكرية، نقل أمين هويدي عن كتاب الفريق أول محمد فوزي أن الخسائر بأعداد قوة الطيارين كانت 4% و17% من القوات البرية، وكانت الخسائر في المعدات 85% في القوات البرية، وكانت خسائر القوات الجوية من القاذفات الثقيلة أو الخفيفة 100%، و87% من المقاتلات القاذفة والمقاتلات، وكان عدد الشهداء والمفقودين والأسرى هو (13600)

عاد منهم 3799 أسيرا من بينهم 481 ضابطا و38 مدنيا والباقى جنود وصف ضابط واتضح بعد المعركة أن عدد الدبابات مائتا دبابة تقريبا دمر منها 12 دبابة واستشهد منها 60 فردا وسيطر العدو على 188 دبابة

خسائر سوريا

خسائر سوريا 445 شهيد و 1898 جريح  قصفت عدة مطارات منها الدمر ودمشق ودمرت 32 طائرة مقاتلة من نوع ميغ و 2 اليوشن قاذفة وخسائر أخرى بالمعدات

خسائر الاردن

الأردن : 6094 شهيد ومفقود قصفت عدة مطارات أردنية منها المفرق وعمان ودمرت 22 طائرة مقاتلة و5 طائرات نقل وطائرتي هليكوبتر.

العراق : فقد العراق جزءا كبيرا من سلاحه الجوي عندما هاجمت إسرائيل القاعدة الجوية هـ3 في محافظة الأنبار بالعراق.

 

نتائج الهزيمة

كانت نتائج الحرب مرة كالعلقم اصابت الامة العربية بالذهول والصدمة

وكان احتلال كل من قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان،

وتحطم معنويات الجيوش العربية وأسلحتها.

بعد اجراء المحاكمات لمتسببي الفشل العسكري وبعد مضي فترة من الزمن اخذت تتكشف الحقائق عن إخفاق القيادة العامة للقوات المسلحة بقيادة قائدها العام المشير عبد الحكيم عامر بوضع الخطط وتنفيذها بالشكل الصحيح بضمنها خطط الانسحاب العشوائي، رغم ان الرئيس عبد الناصر اعلنى عن تحمل المسؤولية الكبرى لقبوله بأن يتعرض للضربة الأولى واعلنى التنحي عن منصبهى

. وصدر عن مجلس الأمن القرار 242 في تشرين ثاني 1967 الذي يدعوا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حزيران 1967 وبعودة اللاجئين إلى ديارهم

وبعد التقاط الانفاس بدات إعادة تنظيم الجيوش والخطط العسكرية العربية واعادة تنظيم قطاعاتها. كذلك قيام القوات السورية والمصرية بحرب الاستنزاف على القوات الإسرائيلية وكانت من منجزاتها عمليات في الجولان تدمير مواقع إسرائيلية قصف سوري لتجمعات إسرائيلية شبه مستمر معارك جوية بين سلاح الجوي السوري والإسرائيلي، عملية ايلات التي تم الهجوم على ميناء من الجانب المصري أم الرشاش الذي اسمته إسرائيل إيلات حيت تم تلغيم الميناء وقتل عدد من العسكريين وتدمير ناقلتى جنود إسرائيليتين (بيت شيفع، بات يام)، وإغراق مدمرة إسرائيلية أخرى (المدمرة إيلات)أمام سواحل بورسعيد بواسطة لنشات الصواريخ المصرية

ولم تتوقف العمليات العسكرية السورية في الجولان من بعد 1967 واستمرت حرب الاستنزاف عدة سنوات، من جهتها استخدمت إسرائيل الحرب النفسية والإعلامية لتصوير هذه الحرب على أنها نكسة وهزيمة لشل القدرة العربية على القتال لكن مماطلة الإسرائيليين في تنفيذ قرار الأمم المتحدة أدت إلى تفكير العرب بالحرب مرة أخرى وكان ذلك في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973م .

ولهذه الحرب قصة اخرى

انتهى ….

الكنيسة البروتستانتية وعلاقتها بالمسيحية الصهيونية / بقلم فدوى بنعيش

الكنيسة البروتستانتية وعلاقتها بالمسيحية الصهيونية

بقلم : فدوى بنيعيش
لا يمكننا الحديث عن الصهيونية المسيحية دون التطرق للكنيسة البروتستانتية. ويبدو أن الدارس للأولى لا ينفك يجد نفسه يغوص في تاريخ ظهور الثانية. بعض المصادر التاريخية تؤكد على العلاقة العضوية بين الاثنتين رغم إصرار مصادر أخرى على أن الصهيونية المسيحية سبقت التيار البروتستانتي بقرون وتربطها بحملة تنصير اليهود في الأندلس.
والبروتستانتية إحدى طوائف الدين المسيحي نشأت على يد القس الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر، أما اصطلاح البروتستانتية فيعني لغويا الاحتجاج والاعتراض.
مارتن لوثر والثورة على الكاثوليكية
بداية تهويد المسيحية
علاقة الكنيسة البروتستانتية بالصهيونية المسيحية
كتاب “اليهود وأكاذيبهم”
لوثر والثورة على الكاثوليكية
ولد القس مارتن لوثر في مدينة إيسليبن بمقاطعة ساكس الألمانية سنة 1483 لأب فلاح كانت أمنيته أن يدرس ابنه القانون ويصبح قاضيا، لكن مارتن لوثر حصل على الدكتوراه في اللاهوت من جامعة فيتنبرج.
زار لوثر في العام 1510 روما للتبرك بالمقر الرسولي، وكان يتمنى رؤية القديسين والرهبان الزهاد. غير أنه ما إن حل بروما حتى فوجئ بمدى الفساد المنتشر داخل الكنيسة الكاثوليكية حتى على أعلى المستويات.
“علق مارتن لوثر احتجاجا على باب كنيسة مدينة فيتنبرج في 31 من أكتوبر/ تشرين الأول 1517 تضمن 95 نقطة طالب فيه بإلغاء النظام البابوي الكاثوليكي”
كانت الكنيسة آنذاك تبيع صكوك غفران الذنوب وصكوك التوبة، بل إن بعض الرهبان كانوا يحددون المدة التي سيقضيها الإنسان المخطئ في النار قبل أن يمنحوه صكوك الغفران التي تعتقه وتسمح له بالمرور إلى الجنة!
وقد أثرت تلك الصور كثيرا في نفسية مارتن لوثر المتحمس فأحس بالغبن وقرر إصلاح الكنيسة وتقويض سلطة البابا.
قام مارتن لوثر بتعليق احتجاج صارخ على باب كنيسة مدينة فيتنبرج في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1517 تضمن 95 نقطة طالب فيه بإلغاء النظام البابوي لأنه يمنح قدسية كبيرة للبشر قد يسيؤون استعمالها تماما كما كان شائعا في الكنيسة الكاثوليكية آنذاك.
كما رفض لوثر أن يبقى القسيس بلا زواج مدى الحياة، فأقدم على الزواج من الراهبة كاترينا فون بورا وأنجب منها ستة أطفال.
وكانت من بين مطالب لوثر أيضا المساواة بين الإكليروس “رجال اللاهوت المسيحي” والمسيحيين العاديين. غير أن ما سيؤثر على مستقبل الكنيسة الكاثوليكية بشكل عام كان دعوة مارتن لوثر إلى جعل الكتاب المقدس المصدر الوحيد للإيمان تأثرا بنظرية القديس بطرس التي تقول ما معناه أن الإنسان الذي لوثته الخطيئة لا يمكن أن يطهره من تلك الخطيئة سوى الإيمان الذي يتجلى في رحمة الرب وإرادته.
ودعا لوثر إلى إلغاء الوساطة بين المؤمنين والرب بمعنى إقامة علاقة مباشرة بين العبد والمعبود دون المرور عبر البابا أو أي شخص آخر.
وكان أخطر ما حملته مطالب لوثر دعوته للعودة إلى كتاب التوراة العبرانية القديمة وإعادة قراءته بطريقة جديدة بالإضافة إلى اعتماد الطقوس العبرية في الصلاة عوضا عن الطقوس الكاثوليكية المعقدة.
بداية تهويد المسيحية
أرسل مارتن لوثر رسالة إلى البابا ليو العاشر في روما سنة 1520 اتهمه فيها باستعمال الكنيسة الكاثوليكية لتحقيق مصالح شخصية له وللحاشية التي تحيط به، مؤكدا أنه لن يتخلى عن نضاله لتقويض تلك الكنيسة مادام حيا.
فجاء رد فعل الكنيسة الكاثوليكية قاسيا حيث اعتبرت لوثر من الخارجين عن الكنيسة وطردته من الديانة المسيحية واتهمته بالهرطقة، وهي تهمة كانت عقوبتها آنذاك الحرق على الملأ.
لجأ لوثر بعد ذلك إلى العمل السري وعمل على استمالة بعض اليهود الذين كان لهم نفوذ كبير في المجتمع عن طريق التأكيد على أن مذهبه الجديد يعيد الاعتبار لليهود الذين كانوا يعانون من ازدراء الكنيسة الكاثوليكية.
أصدر لوثر كتابه “عيسى ولد يهوديا” سنة 1523 وقال فيه إن اليهود هم أبناء الله وإن المسيحيين هم الغرباء الذين عليهم أن يرضوا بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ما يسقط من فتات من مائدة الأسياد.
ويرى الكثير من الكتاب والمؤرخين أن هذه الفترة تعد الولادة الحقيقية والفعلية للمسيحية اليهودية.
وتقوم المسيحية اليهودية على تفضيل الطقوس العبرية في العبادة على الطقوس الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسة اللغة العبرية على أساس أنها كلام الله.
ووصلت محاولة استمالة لوثر لليهود من أجل الدخول في مذهبه حدا قال فيه يوما أمام عدد من اليهود الذين كانوا يناقشونه “إن البابوات والقسيسين وعلماء الدين -ذوي القلوب الفظة- تعاملوا مع اليهود بطريقة جعلت كل من يأمل أن يكون مسيحيا مخلصا يتحول إلى يهودي متطرف وأنا لو كنت يهوديا ورأيت كل هؤلاء الحمقى يقودون ويعلمون المسيحية فسأختار على البديهة أن أكون خنزيرا بدلا من أن أكون مسيحيا”.
“تقوم المسيحية اليهودية على تفضيل الطقوس العبرية في العبادة على الطقوس الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسة اللغة العبرية على أساس أنها كلام الله”
وتشير الكثير من المصادر التاريخية إلى أن رغبة مارتن لوثر الجامحة في إعادة الاعتبار لليهود و”تمسيحهم” كانت تعود لإيمانه العميق بضرورة وجودهم في هذا العالم تمهيدا لعودة المسيح.
واعتبرت دعواته تلك انقلابا على موقف الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تنظر لليهود على أنهم حملة لدم المسيح عيسى بعدما صلبوه.
حيث دأبت الكنيسة الكاثوليكية على تحميل اليهود المسؤولية الكاملة عن مقتل المسيح. وكان بعض المسيحيين في أوروبا يحتفلون بمقتل المسيح عن طريق إحياء طقوس عملية الصلب، بل وكان سكان مدينة تولوز الفرنسية يحرصون على إحضار يهودي إلى الكنيسة أثناء الاحتفال ليتم صفعه من قبل أحد النبلاء بشكل علني إحياء لطقس الضرب الذي تعرض له المسيح من قبل اليهود.
كما أن هناك نصا في إنجيل متى يحمل اليهود مسؤولية مباشرة عن مقتل المسيح ويذكر بالتفصيل كيف غسل بيلاطس الحاكم الروماني للقدس آنذاك يديه بالماء معلنا براءته من دم المسيح الذي كان اليهود على وشك صلبه قبل أن يصيح فيه اليهود قائلين “ليكن دمه علينا وعلى أولادنا”.
وهذه العبارة الأخيرة تطبع الاعتقاد المسيحي الكاثوليكي بشكل مرير ظهر جليا في الشعبية الكبيرة التي نالها فيلم “آلام المسيح” للمخرج المسيحي ميل غبسون الذي حصد مئات الملايين من الدولارات عدا حالات الإغماء الكثيرة التي شهدتها قاعات السينما التي عرضت الفيلم في الولايات المتحدة لرجال ونساء مسيحيين لم يستطيعوا تحمل التفاصيل المليئة بالألم التي حفل بها الفيلم.
علاقة الكنيسة البروتستانتية بالصهيونية المسيحية
المسيحية هي ديانة سماوية ورسالة حملها المسيح وتعد أكثر الأديان انتشارا في العالم، حيث يفوق عدد معتنقيها ملياري نسمة. وجذور المسيحية هي الديانة اليهودية التي تتشارك وإياها الإيمان بالتوراة.
والصهيونية اختصارا هي أيديولوجية تؤيد قيام دولة قومية يهودية في فلسطين بوصفها أرض الميعاد لليهود. وصهيون هو اسم جبل في القدس وتقول بعض المصادر إنه اسم من أسماء القدس.
أما الصهيونية المسيحية فهي الدعم المسيحي للفكرة الصهيونية، وهي حركة مسيحية قومية تقول عن نفسها إنها تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وسيادة اليهود على الأرض المقدسة. ويعتبر الصهيونيون المسيحيون أنفسهم مدافعين عن الشعب اليهودي خاصة دولة إسرائيل، ويتضمن هذا الدعم معارضة وفضح كل من ينتقد أو يعادي الدولة العبرية.
“الصهيونية المسيحية هي الدعم المسيحي للفكرة الصهيونية وتقول عن نفسها إنها تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وسيادة اليهود على الأرض المقدسة”
تقوم فلسفة الصهيونية المسيحية على نظرية الهلاك الحتمي لليهود. وهناك الكثير من الدراسات اللاهوتية في هذا المجال خلاصتها أن هلاك يهود الأرض قدر محتوم وضرورة للخلاص من “إرث الدم” الذي حمله اليهود على أكتافهم بعدما صلبوا المسيح وهم سيتحولون إلى المسيحية بعد عودته ولن يبقى شيء اسمه اليهودية.
ومارتن لوثر الذي تحدثنا عنه أعلاه عمل على تهويد المسيحية عندما أصر على اعتماد التوراة العبرانية بدلا عن كتاب “العهد الجديد”. وقد قام عدد من رجال الدين البروتستانت مثل القس الإنجليزي جون نلسون داربي بإعادة قراءة العقائد المسيحية المتعلقة باليهود، ومنحهم مكانة متميزة حتى أصبحت الكنيسة البروتستانتية هي حاملة لواء الصهيونية المسيحية أينما حلت.
وقد حصل انشقاق داخل الكنيسة البروتستانتية نفسها بسبب اليهود. فبينما أعرب بعض البروتستانت الإنجليز عن اعتقادهم بأن اليهود سيعتنقون المسيحية قبل أن تقوم دولتهم في فلسطين، ذهب بعض البروتستانت الأميركيين إلى أن اليهود لن يدخلوا في المسيحية حتى لو قامت إسرائيل وأن عودة المسيح هي الشرط النهائي لخلاصهم وتوبتهم ودخولهم في الدين الذي جاء فيهم أصلا.
وقد تزعم القس نلسون داربي هذا الفريق وينظر إليه على أنه الأب الروحي للمسيحية الصهيونية قبل أن يعمل العشرات من القساوسة على نشر نظريته تلك. ونشر وليم باكستون الذي كان من أشد المتحمسين الأميركيين لأطروحة داربي كتاب “المسيح آت” سنة 1887 وترجم الكتاب إلى عشرات اللغات وركز فيه على حق اليهود التوراتي في فلسطين. وبلاكستون كان وراء جمع 413 توقيعا من شخصيات مرموقة مسيحية ويهودية طالبت بمنح فلسطين لليهود وتم تسليم عريضة التوقيعات للرئيس الأميركي آنذاك بنيامين هاريسون.
أما القس سايروس سكوفيلد فيعتبر من أشد المسيحيين الصهيونيين تشددا وقام بوضع إنجيل سماه “إنجيل سكوفيلد المرجعي” نشره سنة 1917 وينظر إليه اليوم على أنه الحجر الأساس في فكر المسيحية الأصولية المعاصرة.
كتاب “اليهود وأكاذيبهم”
“كتب مارتن لوثر في آخر أيامه كتاب “اليهود وأكاذيبهم” أعرب فيه عن خيبة أمله من اليهود وأقر بالفشل في استقطابهم لعقيدته الجديدة”
تتباين المراجع التاريخية في تقييم ما قام به مارتن لوثر، فهناك من ينظر إليه على أنه ثائر إصلاحي خلص الكنيسة الكاثوليكية من الكثير من الأساطير اللاهوتية التي أفسدتها، وهناك من يرى أنه أفسد العقيدة المسيحية بمنحه اليهود مكانة رفيعة جعلتهم يستعملون المذهب البروتستانتي لتحقيق أهدافهم الخاصة، غير أن الكثير من المصادر تتجاهل حقيقة عودة مارتن لوثر عن الكثير من مواقفه وآرائه خاصة تلك المتعلقة منها باليهود.
وقد كتب مارتن لوثر في آخر أيامه كتاب “اليهود وأكاذيبهم” أعرب فيه عن خيبة أمله من اليهود وأقر بالفشل في استقطابهم لعقيدته الجديدة. كما أقر في شبه استسلام تلقفه اليهود قبل غيرهم بأن دخول اليهود في الدين المسيحي لن يتم إلا عبر عودتهم لأرض فلسطين وعودة المسيح الذي سيسجدون له ويعلنون دخولهم في الدين المسيحي حتى يعم السلام العالم.
_______________
كاتبة عربية مقيمة بواشنطن