الانسان يصبح خالقا – طريف طردست –

تماما كما وصفت لنا اساطير الاولين كيف خلق، الاله السومري اينكي ، الانسان من طين، ليقلده الاله الابراهيمي لاحقاً، يقف الانسان اليوم على اعتاب خلق كائنه الحي الاول، ليصبح إلها على مملكته، بل وحتى بدون ان يحتاج الى نفخ روح الامر الذي لم يفطن اليه الإله الابراهيمي، على عظمته،.. فهل اصبح الانسان اعظم؟

الباحث الامريكي Craig Venter, قام ، عام 2000، بالخطوة الاولى في إتجاه خلق نوع جديد من الحياة الجديدة، بطريقة اصطناعية. وبهذا اعلن بدء عصر الانسان الخالق، في طريقه لخلق مملكته الخاصة. كراين فينتير قام بنقل جين من خلية بكتريا الى خلية بكتريا اخرى، وبالتالي استعرض كيف ان التكنيك الجيني يمكن استخدامه الى حدوده القصوى لتغير جذري في الكائنات الحية، بحيث تنشأ انواع جديدة كلياً. في مختبره، يقوم الان مع فريقه العلميبالعمل لخلق جين اصطناعي، حسب رغباته، وإذا نجح في ذلك ووضعها في جسم بكتريا، سيكون قد قام بتصميم كائن لم تشهد الطبيعة له مثيلا. هذا الكائن، الذي لم يلد بعد، اصبح يطلق عليه اسم: Mycoplasma laboratorium.
إذا قام الانسان بالتلاعب بجينات نبتة من النبتات او حيوان من الحيوانات او بكتيريا، وغير جين واحد من مجموعة جيناته، سيكون من الصعب للغاية توقع النتائج المترتبة على ذلك، إذ ان الكائن يملك بضعة الاف من الجينات والتفاعلات البيوكيميائية المرتبطة ببعضها البعض في شبكة طويلة ومعقدة من الفعل ورد الفعل، حيث جميع المفاصل العقدية تؤثر على بعضها.

الكائن الحي تتطور عبر عشرات الاف السنوات بحيث جرى اختيار العمليات التي تطابقت مع بعضها وتناسبت واعطت النتائج المتوازنة القابلة للاستمرار والتعايش. إذا حصل وتحرش المرء بإحدى هذه العقد المفصلية بطريقة الصدفة، فمن السهل ان تكون التتداعيات اللاحقة غير مرغوبة. لهذا السبب، ومن اجل ايجاد مخرج من هذه المعضلة، قرر بعض الباحثين، ان من الافضل خلق حياة جديدة من الاساس، عوضا عن تغيير كائن حي جاهز، وبهذا الشل يمكن امتلاك السيطرة التامة على كافة التحولات والتعلم منها.


هذا العلم البيلوجي الجديد اطلق عليه البيلوجيا التركيبية. احدى الاهداف الواضحة له هو خلق كائن حي قادر على استهلاك غاز اوكسيد الكربون وتحويله الى طاقة مفيدة على شكل بيوايثانول او بيوديزل. النبات اليوم يستطيع القيام بهذه الوظيفة، ولكنه ليس فعال تماما، إذ انه يحتاج الى صرف الكثير من اهتمامه وطاقته على النمو وبناء الجذور وانتاج البذور.. الخ. بمعنى اخر يمكن القول اننا نحتاج فقط الى ضرع لحلبه ولانريد البقرة بكاملها. من خلال جعل هذا الكائن الجديد في ابسط الاشكال، يمكن الوصول الى اعلى مستويات الحذر، إذ ان ذلك يخفض احتمالات الخطأ. كما ان ذلك يسمح برؤية كافة الاحداث.
لهذا السبب يرى العديد من المهتمين ان على المرء البدء ببناء الحياة الصناعية من القاعدة ومن ابسط الكائنات، التي تستطيع فقط الابقاء على نفسها حية والتكاثر. هذا الامر يمكن مقارنته بكمبيوتر لايحتوي الا على نظام عمل بسيط، ولكنه لايحتوي على متصفح للانترنيت، او اي برنامج للكتابة او اي برنامج اخر. هذا الكمبيوتر يمكن اضافة برامج لها فيما بعد حسب الحاجة، تماما كما ان هذا الكائن البسيط يمكن اضافة جينات له ، فيما بعد، حسب الضرورة وحسب المهمات المطلوب تحقيقها، وبالتالي يتفادى القيام بمهمات غير مطلوبة (لنا).

القاعدة التي انطلق منها العلماء، ان هناك جينات بناء هيكلية لاغنى عنها للوظائف الضرورية الاساسية في كل كائن حي، وبالتالي موجودة في كل كائن حي، مهما كان شكله. بقية الجينات تقدم للكائن امكانية التلائم مع ظروفه الخاصة وتعطيه مواصفاته المميزة عن البقية، والتي تؤهله للنجاح في الفرع الذي اختاره للحياة، ولكنهم ليسوا ضرورة للحياة نفسها. مثلا، اغلب النباتات تملك جينات تجعلها تستطيع استغلال الضوء من خلال التمثيل الضوئي، من اجل انتاج السكر، وبالرغم من ان اغلب النباتات لايمكنها الاستمرار بدون هذه الخاصية نجد ان الحيوان لايحتاج هذا الجين. بالمقابل نجد ان النباتات لاتحتاج الى عضلات، في حين لاغنى للحيوان عنهم، والا يموت من الجوع.

Craig Venter الذي لعب دورا هاما في وضع خريطة الجينوم البشرية، هو احد المؤسسين لعلم البيلوجيا التركيبية. عام 2006 قدم اقتراحه عن الكائن الاقل بساطة. عمله اسسه على البكتريا Mycoplasma genitalium, والتي تسبب مرض شبيه بمرض الكلاميديا الجنسي الشائع عند البشر. هذه البكتريا ليست فقط واحدة من اصغر الكائنات الحية الموجودة اليوم على الارض، بل وتحتوي على باكيت صغير للغاية من الجينات. على الرغم من ان هذه البكتريا تحتوي فقط على 482 جين، وهي مجموعة اقل مما يحتاج الانسان اليه من اجل المحافظة على حاسة الشم لديه، قرر العالم ان يدرس فيما إذا كانت هذه البكتريا قادرة على الاستمرار على الحياة بمجموعة اقل من الجينات.

قام الباحث بإبعاد جين واحد من كل وحدة بكتريية ، بحيث ان كل بكتريا (فرد) كان ينقصه جين واحد مختلف عن ماينقص اخوه الاخر، ثم قام بزرعهم في مغذي خاص، ليرى فيما إذا كانوا قادرين على الاستمرار على الحياة والتكاثر. بهذا الشكل اخرج 3321 تكوين من البكتريا، كل واحد منهم فاقد لجين غير معين (النزع كان بطريقة الصدفة)، ومع ذلك تمكن من الحياة. الجين المفقود اثر على كل منهم بطريقته الخاصة. قسم منهم كان نموهم بطيئا، القسم الاخر كان حساس للغاية، وبسهولة يتدمر، في حين ان قسم اخر اصبح ينمو في سلاسل طويلة عوضا عن طبقات مصفحة، كما هو معتاد. غير ان جميعهم كان قادر على الحياة في ظروف المختبر المحمي. بعد ذلك جرى فحص كل مجموعة منهم لتحديد اي نوع من الجينات جرى نزعه وإبعاده، من المجموعات الحية، ليظهر ان هناك 100 جين.

من هنا استنتج الباحثين بان من 482 جين لدى Mycoplasma genitalium, يمكن اقصاء 100 جين، في حين ان البقية 382 لاغنى عنهم من اجل اقامة الوظائف الحيوية الاساسية لتكوين الحياة، ومنها مثلا تفكيك الطعام واستخراج الطاقة منه، والقيام بنسخ الحمض الاميني عند الانقسام الخلوي وقراءة الكود الجيني، وانتاج البروتين. Craig Venter, اطلق على هذه 382 من الجينات تعبير “الجينوم الاصغر”، وعلى اساسه يرغب في خلق البكتريا الاصطناعية: Mycoplasma laboratorium, والتي ستحتوي فقط على المجموعة الصغرى، والقادرة فقط على البقاء على الحياة والتكاثر، ولاشئ اكثر من ذلك. هذه البكتريا لن يكون بمستطاعها القيام بأي وظيفة، ولكن من خلال اضافة جينات مختارة اليها يمكن تطويرها، بالاتجاهات المرغوب بها بالضبط، مثلا لانتاج البيوايثانول، او انتاج الهيدروجين لاستخدامه في خلايا الطاقة، او تنظيف الجو من غازات العوادم.

بعد هذه التطورات لازالت هناك العديد من الخطوات لابد من الانتصار عليها للانجاز عمليا، ولكن العديد من التقدم جرى تحقيقه. في بدايات التسعينات من القرن الماضي انجز باحثين اخريين دراسات مشابهة، حيث نجحوا في خلق فيروس اصطناعي، وبعد ذلك تمكنوا من اغناء ” الجينوم الاصغر” بإضافات جينية مختارة من كائنات اخرى. الفيروس يملك مجموعة جينية صغيرة للغاية، لانه يقوم بإستغلال جينات المضيف، ولهذا السبب يحتاج فقط الى مجموعة صغيرة من الجينات التي يفتقدها المضيف الذي سيتطفلون عليه. كقاعدة يحتوي جسم الفيروس على عشرة جينات فقط، وهذا يسهل الامر على بيلوجيين التركيب العمل معه في المختبر. مجمل جينوم الفيروس يجري التلاعب به وتغييره واجباره على التكاثر في البكتريا، وبعد ذلك عزله بكميات كبيرة.

هذه الاختبارات والابحاث التي لايزيد عمرها عن عشرة سنوات، اظهرت انه إذا كان المرء يملك جينوم الفيروس، لايحتاج الى الفيروس نفسه من اجل اطلاق ” العدوى”. مثلا، الجينوم الذي يجري استخلاصه من فيروس الهباتيت سي امكن حقنه في كبد الشمبانزي، حيث اجبر الخلايا التي وقع فيها على انتاج مكونات الفيروس لتتحول الى فيروس كامل طبيعي. إذا شبهنا الامر بالكمبيوتر نقول، ان البرنامج، الكود الجيني، يقوم بأنتاج كمبيوتر لنفسه، الذي هو جسم الفيروس. هذ الامر نفسه يمكن فعله مع النبات والحيوان، بل ومن الممكن تصميم جينوم فيروسي بحيث نخلق وظيفة جديدة له. من الممكن مثلا خلق فيروس نباتي مع جين اضافي يجعله ينتج ملون ازرق. عند تماس الجينوم الذي جرى تصميمه من قبل الانسان مع ورقة شجرة تحدث العدوى بالفيروس الجديد الذي يكشف عن نفسه من خلال اجبار الخلايا المصابة في الشجرة المضيفة على انتاج اللون الازرق.

مع ذلك لازالت هناك حاجة لمساعدة البكتريا من اجل انتاج كمية كبيرة من الفيروس، ولكن قريبا سيتمكن العلماء من انتاج باكيت كامل لجينوم فيروسي منتج نهائيا بطريقة اصطناعية. بعد ذلك نحتاج فقط الى جسم مضيف لحقنه بهذا الفيروس لينتج لنا اول فيروس مخلوق بشريا بكامله. الفيروس من البساطة بحيث انه لايعتبر من ” الكائنات الحية”، لذلك لازال هناك خطوات اخرى قبل الوصول الى مايمكن اعتباره ” انتاج حياة تركيبية في المختبر”. غير ان التطور يجري بسرعة، وفي شهر فبراير من عام 2008 اعلن العالم كرايك فينتير انه تمكن من زراعة باكيت كامل لجينوم لبكتريا Mycoplasma genitalium, التي اشرنا اليها سابقا، في خميرة الخبز.

فقط قبل نصف سنة من اعلان الاكتشاف الاخير، تمكنت مجموعة البحث نفسها من عزل باكيت الجينوم من البكتريا Mycoplasma mycoides, والسماح لبكتريا شقيقة M. capricolum, ان تنمو في محلول غذائي مشبع بباكيت الجينوم المعزول. في البداية كان الوسط الغذائي يحتوي فقط على كائنات بكتريا من نوع M. capricolum, ولكن بعد اربعة ايام بدأت البكتريا من النوع الاخر بالظهور. هذا يعني ان كائنات البكتريا الاولى اخذت باكيت الجينوم الغريب، وزرعته في ذاتها، وتخلت عن جيناتها الخاصة. بهذا الشكل تكون قد تحولت الى (نوع) اخر، تماما كما ان الانسان يختلف عن نوع القرود.

العالم كرايك فينتير يقوم الان بإعادة هذه التجربة، ولكن هذه المرة ليس بجينوم مستخلص ومعزول عن بكتريا حقيقية، وانما جينوم تركيبي صناعي. إذا نجحت التجربة، الذي سيجري زراعتها في خميرة العجين، وجميع الدلائل تشير الى النجاح، سيكون العالم كرايك فينتير اول انسان يخلق كائن حي تركيبياً: Mycoplasma laboratorium. في البداية سيكون الامر مجرد نسخ بكتريا موجودة وإعادة خلقها بواسطة الانسان، غير ان هذه الخطوة ضرورية من اجل التأكد من الخطوات واتقان عملية الخلق، ليتحرر الانسان في قراراته اللاحقة.


العالم كرايك فينتير يشير الى ان هناك من يغمره القلق خوفا من ان يصبح هذا التكنيك في متناول الجميع في المستقبل، ليقوم كل من هب ودب بخلق الحياة التي تروقه، ولربما استخدام هذه المخلوقات كسلاح بيلوجي قاتل. ويضيف ان هذا القلق زائد عن حده. السبب ان مثل هذا العلم يحتاج الى تجارب عالية التقنية للغاية، وعديدة، ولايمكن الخوض في هذه التجارب في الحديقة الخلفية للبيت. إضافة الى ذلك، فإن البكتريا الصناعية التي يمكن ان تسبب امراض، لايمكنها ان تشكل تهديدا خطيرا بالمقارنة مع البكتريا التي تخلقها الطبيعة. مرض نقص المناعة الطبيعية احد الامثلة على ذلك، حيث سقط ضحيته 2 مليون انسان، فقط في عام 2007. مع التزايد المستمر لعدد السكان في البلدان النامية والمتخلفة سيكون من الطبيعي نشوء المزيد من الامراض الطبيعية القاتلة، في السنوات القادمة.
كما نرى فإن احد افضل علماء البيلوجيا التركيبية متفائل للغاية، وهناك العديد من المبررات لذلك. 15 عالم يعملون في مجموعته للبحث، ويتوقعون ان يتمكنوا قريبا من احياء اول كائناتهم. هذا الامر سيكون نجاحا عظيما، يؤكد مايعرفه العلماء الان عن عدم وجود روح، وان الحياة شئ اخر يمكن للجميع صناعته بدون طين او روح، ولايحتاج الى آلهة. في نفس الوقت بدء كرايك فينتير منذ الان وبشكل متوازي، بتصميم النسخة الاحدث من Mycoplasma laboratorium2, الذي سيبدء في القيام بوظيفة الطاعة والعبودية لدى الانسان، إذ سيضاف اليه جين يجعله يقوم بتحويل غاز اوكسيد الكربون مباشرة الى غاز طاقة بيلوجية. بالتالي من الممكن تماما ان يكون كائن الانسان الجديد هو الحل لمشاكل الارض البيئية.

———————————————–
الخطوات التكنيكية للخلق :

1- في المختبر يقوم العلماء بصنع، بطريقة صناعية، الاسس الاربعة التي تشكل الاحجار الاساسية للاحماض الامينية: Adenin (A), guanin (G), tymin (T), cytocin (C).

2- يجري وصل الاسس الاربعة لخلق سلسلة الحامض الاميني وتتابعه حسب المرغوب صنعه.

3-من اجل ان تتمكن بكتريا من نوع Mycoplasma ان تحيا، تحتاج الى 382 جين معين، (هنا المثال نموذج على خلفية خمسة جينات فقط). هذه الجينات تضمن الحدود الدنيا القصوى لقيام البكتريا بوظائفها الاساسية. العلماء يقومون ببناء كل جين من هذه الجينات مختبريا واصطناعيا.

4- بشكل اصطناعي يجري وضع الجينات لخلق كرموسوم دائري. هذه تسمى ” الجينوم الاصغر”، إذ انها لاتضمن الا الوظائف الاساسية فقط.

5-هذا الجينوم الاصطناعي بقوم بالتعويض عن البديل الطبيعي في بكتريا. عندما تقوم البكتريا بالانقسام الخلوي، يجري استنساخ الجينوم الاصطناعي في كلا الخليتين، ليشنأ لدينا كائن 100% صناعي.

6- إذا كانت هذه البكتريا سيجري تصميمها من اجل ان تقوم بإداء وظيفة معينة، يمكن للعلماء ان يضيفوا اليها جينات جديدة. هذه الجينات الجديدة يمكن تفصيلها حسب المهمة المطلوبة، لتنشأ لدينا امة من الكائنات المختلفة ذات الوظائف الخاصة لخدمة الانسان.

– See more at: http://alminbaral7or.blogspot.com/2013/12/blog-post_3841.html#sthash.SDYCAImF.BpmVBzNj.dpuf

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s