رحلة الانفصال عن القرود – بقلم طريف سردست

رحلة الانفصال عن القرود – بقلم طريف سردست

عام 2004 عثرت الباحثة Sally McBrearty على مستحاثة نادرة لاسنان تعود لقرود في منطقة تدعى Rift Valley والعائدة الى كينيا. المكان ليس بعيدا عن منطقة جرى فيها سابقاً العثور على عشرات المستحاثات المهمة للانسان القديم والباحثة كانت تسعى للعثور على مستحاثات بشرية قديمة لذلك لم تعر المستحاثة القردية اية اهمية بل سجلتهم كمادة للدراسات القادمة. عندما ازداد عدد اللقى من الاسنان قدمتهم الى الباحثة Nina Jablonski العاملة في المتحف الوطني في نيروبي والمختصة بالقرود الانسانية.

اظهرت الابحاث ان الاسنان لها 500 الف سنة وتعود الى القرود ووجدت في منطقة تبعد اربعة كيلومتر عن موقع وجد فيه سابقا مستحاثات تعود الى الانسان المسمى Homo erectus. اهمية هذه اللقى في كونها حطمت الافتراضات السابقة عن ان الانسان الاول ترك الغابة وعبر منطقة Rift Valley الجافة متجها الى السهوب ، في حين بقي اجداد الشمبانزي في الغابة وتابعوا تتطورهم بالتلائم مع ظروف الغابة.

في السابق كان الاعتقاد سائداً وسط الباحثين ان هجرة الانسان من الغابة كانت خطوة هامة على طريق التتطور، وكانوا يعتقدون ان الحشائش المرتفعة للسهوب اجبرت الانسان على الانتصاب من اجل تحسين مجال الرؤية. بعد ان تم العثور على اللقى المستحاثية العائدة للقرود اصبح من الواضح ان النظرية السابقة لم تعد تعكس الواقع ، بل على العكس تشير الى ان القرود والانسان عاشوا جنباً الى جنب، ولربما كانوا يتعاطون مع بعضهم البعض ويتفاهمون في تعاون.

الجواب عن سؤال ماهو الفرق بين القرد والانسان اصبح اليوم اقرب لمتناولنا بعد الانتهاء من وضع الخريطة الجينية للقرد عام 2005 . منذ ذلك الوقت يجري العلماء بحثاً مكثفاً لمعرفة ماهو العامل الذي يجعل الانسان متميزاً، وبإعتبار ان الخريطة الجينية للانسان اصبحت جاهزة منذ عام 2001، ولذلك اصبح من السهل القيام بالمقارنات بينهما.

الشئ الاول الذي يلفت الانتباه ليس مقدار الاختلاف بين جيناتنا وجينات الشمبانزي وانما مقدار الالتقاء والتوافق المدهش . ازواج المورثات الاساسية للشمبانزي يصل عددها الى 2،8 مليار زوج في حين تصل الى 3 مليار زوج عند الانسان. متوسط اختلاف عدد ” الاحرف” الامينية لايتجاوز 1،23%.
29% من جميع البروتينات ، وهي احجر البناء الرئيسية، ذو بنية متطابقة بين الانسان والشيمبانزي، وبالتالي فيمكن القول أن البروتينات الانسانية قد تغيرت عن الاصل ” بحجر” واحد لاغير منذ الانفصال الذي جرى بين النوعين. إذا حسبنا الاختلاف من خلال عدد ازواج المورثات الاساسية، نرى ان الاختلاف يصل الى 35 مليون زوج. من الوهلة الاولى يظن المرء ان العدد كبير ولكن في الحقيقة فأن قلة من هذه التغييرات التي تلعب دورا ذو اهميةً.

التحدي الذي يواجه العلماء اليوم هو تحديد هذه القلة من التغييرات التي لعبت دورا حاسما في اختلاف النوعين، وتحديد ادوارها. يهتم العلماء الان بمجموعة من الجينات، مسؤولة عن طريقة فهمنا للصوت وانتقال الاشارات العصبية وإنتاج المنويات. الذي آثا اهتمام العلماء حول هذه المجموعة التغييرات الواضحة والسريعة فيها عند الانسان والشمبانزي بالمقارنة مع بقية الحيوانات.

مجال آخر اصبح بمتناولنا البحث فيه الان بفضل الخريطة الجينية هو القواعد التي تتحكم بتقدير مفهوم متى واين وكم نحتاج من اجل إنتاج البروتين المطلوب، الامر الذي يملك اهمية قصوى في الفترة الجنينية. مثلا نعرف ان الجين المسمى تيمين (Timin) تتحكم به مجموعة من البروتينات في مايعرف “شفرة عوامل النقل”. في حين البروتينات العادية تقوم بتنفيذ العمليات الاخرى مثل تنشيط “شفرة عوامل النقل” من خلال تنشيط الاجراءات المتعلقة عند الكروموسومات وإغلاق او فتح مجموعة من الجينات المشاركة في العملية بوقت واحد. التحليل في هذه المجالات اعطى مايكفي من المؤشرات للقول بأن التغييرات التي حدثت على “شفرة عوامل النقل” كانت اسرع بكثير عند الانسان عما هو الحال عند الشمبانزي وعلى الاخص الجين X.

معرفة العلماء بكون الطفرة تلعب دورا اساسيا في التغييرات الناشئة تجعلهم يعيرون اهتماما خاصا للمناطق من الخريطة الجينية التي تميزت فيها كثرة التحولات. عندما تحدث طفرة إيجابية تنتشر بسرعة في القطيع (POPULATION) وخلال بضعة اجيال تنتشر الطفرة في الحوض الجيني لافراد النوع في منطقة جغرافية محدودة. دراسة حديثة اظهرت ستة مناطق في الخريطة الجينية للانسان لها هذه السمات. احدى هذه المناطق ليس فيها ولا جين واحد اصلاً، وهذا يتتطابق تماما مع الاستنتاجات الاخيرة التي تشير الى انه ليس فقط الجينات ذات تأثير حاسم في تغيير الكود الوراثي.

الدماغ متشابه تشريحياً
بالرغم من اننا نعرف ان بعض الجينات تختلف في التركيب بين الانسان والشمبانزي ، تشير كافة معطيات مقارنة الخرائط الجينية حتى الان الى ان الاختلاف الرئيسي بيننا يجب البحث عنه ليس في بنية الجينات وانما في القواعد التي تحكم عملهما. بإعتبار أن الجينات هم الذين يقرروا نوع الصفات التي سنحصل عليها، ومن حيث ان الجينات عند الانسان والشمبانزي متشابهة من حيث المبدأ، فأن الخلاف يعبر عن نفسه بمقدار حجم الصفة المسموح لها بالظهور لتصبح الصفة الطاغية.

احدى المناطق التي يظهر بها هذا الامر بوضوح هو الدماغ. من الناحية التشريحية لايختلف دماغ الشمبانزي عن دماغ الانسان إذا غضضنا النظر عن الحجم. دماغ الانسان اكبر من دماغ الشمبانزي بأربع مرات وتعتبر لحظة بدءه بالنمو من المؤشرات الهامة على التتطور والتي بدأت قبل مليونين سنة. ومع ذلك من الضروري الاشارة الى ان الحجم ليس بالضرورة عاملا عاماً على التفوق، إذ ان انسان النيندرتال كان يملك دماغاً اكبر من دماغ الانسان، ومع ذلك تفوق الانسان عليه وانقرض انسان النيندرتال قبل 35 الف سنة، ومع ذلك فأن الدماغ بالذات هو الذي يجعل الانسان متميزاً.

الكروموسوم X هو الاقدم
منذ نشر الخريطة الجينية اصبحت هذه الخريطة هدفاً للابحاث المكثفة، واحدى اهم هذه نتائج هذه الابحاث مانشره عام 2006 العالم David Reich من جامعة هارفرد .
لقد اشارت نتائج ابحاثه الى ان الانسان والشمبانزي انفصلوا عن بعضهم جينياً حوالي مليونين عام اكثر مما كن يعتقد سابقاً. اي بدقة اكثر قبل 6،3 مليون سنة على الاكثر، وعلى الاغلب قبل 5،4 ميلون سنة تحديداً. ريتش اسس ابحاثه على تحليل معمق لجينات الشمبانزي والانسان والقرود الانسانية. مبدأ التحليل قام على مقارنة الطفرات في الخريطة الجينية لتصبح ساعة بيلوجية. اعداد الطفرات تساعد على تحديد الزمن الذي انقضى بين الطفرة والاخرى وبالتالي على الزمن الذي احتاجه النوع لللانفصال عن بعضه البعض.

الوقت اللازم الذي احتاجه النوع للانفصال يختلف بإختلاف المنطقة في الخريطة الجينية التي جرى على اساسها الحساب. هذا الاختلاف الكبير بين مختلف الحسابات لايتتطابق مع مفاهيم العلماء التقليدية حول نشوء الانواع، حيث من المفروض ان مجموعة النوع الاصلي تنقسم ، فجاءة، الى قسمين معزولين بدون مراحل تحضيرية، ليستمروا بالتتطور اللاحق معزولين.
في حالة الانسان والشمبانزي اظهرت الدراسة ان الامر مختلف، إذ لابد ان التتداخل الجيني استمر بالحدوث فترة طويلة بعد حدوث الانقسام الاول، ولكن الذكور الاولى للنوع الجديد تكون عادة عقيمة وبالتالي فأن المجموعة الجديدة ستنقرض ، إلا إذا كانت عملية التلاقح قد استمرت بين الاناث القادرة على الانجاب وبعض الذكور الاصلية، اي الذين لم تنتقل الطفرة الى مورثاتهم.

هذه النظرية تتعارض مع المفاهيم السابقة التي كانت سائدة والتي اسست لها المستحاثات المشهورة والمعروفة بإسم رجال Toumaï & Millennium. كلا هاتين المستحاثاتين كانوا يحظوا ،والى فترة قريبة، بلقب “الجد الاقدم”. جمجمة Toumaï تم العثور عليها في تشاد وعمرها حوالي سبع ملايين سنة. بسبب طريقة إتصال الفقرات الظهرية بالجمجة كان العلماء واثقين بأن Toumaï كان من الكائنات التي تسير منتصبة، وبالتالي يستحق ان يكون الجد الاقدم ، ولكن على ضوء الابحاث الجديدة يظهر ان Toumaï كان ذكرأ من مرحلة التتداخل، حيث كان ناضجا للدخول في مرحلة السير المنتصب.
وحتى المستحاثة الاخرى المسماة Millennium ولها من العمر 6 ملايين سنة، تملك ملامح متتداخلة من الانسان والشمبانزي، وبالتالي من الممكن ان تكون إنتاج مختلط.
من الواضح ان ظهور الانسان لم يكن عملية بسيطة وواضحة بل جرت على مدى عصور من تتداخل الاجيال.

جدول يوضح من الاسفل الى الاعلى شجرة تتطور القرود لنصل الى Toumaï الذي يشكل تتداخلا بين الفرع الانساني والشمبانزي الى الانفصال التام للنوعين

  Schimpans, يصل التشابه الجيني بينه وبين الانسان الى 97% ودماغه يتشابه من الناحية التشريحية مع دماغ الانسان ويختلف معه في الحجم، لقد كان اخر القرود التي ظهرت واقربها الى الانسان 
  Toumaï، و هي جمجمة تشير الى ان الانسان الاول لم ينفصل مباشرة عن القرود وانما بقي لفترة طويلة يتزاوج مع ذكورهم، والجمجمة تظهر ولادات مشتركة مع القرود قبل 5-7 مليون سنة. هذا مااظهرته مقارنة الخريطة الجينية للانسان مع الخريطة الجينية للشمبانزي. لقد ظهر ان الكروموسوم X لايملك اختلافات عن الشمبانزي كما انه اكثر حداثة عن بقية الكروموسومات مما يدل على التتداخل الجيني لفترة طويلة من طرف جنسي واحد، اي الانثى 
  الغوريللا، ظهرت قبل 7 ملايين سنة، وهي اكبر القرود، يصل وزن الذكر منها الى 165 كيلو 
  Organutang, شعره طويل ويعتبر ضمن مجموعة القرود الانسانية، يعيش في الغابات الاستوائية على الاشجار 
  Gibbon, ظهر قبل 18 مليون سنة، سيقانه وساعديه طويلة بالمقارنة مع جسمه 
  Makaka/Macaqu, ظهرت قبل 25 مليون سنة، تملك جسماً متناسقاً، ومقدمة وجهها تظهر للامام قليلاً كما لديها خدود 
  Marmoset, ظهر قبل 35 مليون سنة، لازال يملك مخالب بدائية مغطاة بالشعر عوضا عن الاظافر 
  Lorier, (شبه قرد) الاقدم في سلم التتطور من مجموعة القرود التي لازالت على قيد حتى اليوم، ظهرت قبل 60 مليون سنة

ماالذي يجعل الانسان إنساناً؟
علم السلوك يشير الى ان الرابط الذي يجمعنا مع الشمبانزي قوي للغاية. قبل 50 عاماً كان الاعتقاد سائداً ان الانسان هو الكائن الوحيد الذي خرج من سيطرة الطبيعة بفضل قدرته على استخدام وسائل الانتاج، وقد وصل بالبعض الاعتقاد الى درجة إطلاق صفة صانع الادوات على الانسان لتفريقه عن الحيوان. استمر ذلك الى ان اكتشف العلماء ان الشمبانزي يملك ، من حيث المبدأ، القدرة على صنع واستخدام الادوات. على الرغم من ان هذه القدرة ليست نامية كما هي عند الانسان، إلا انها كافية لدحض الادعاء بأنها ميزة تميز الانسان وحده.

بعد ذلك اعتقد المرء ان اللغة هي الصفة التي جعلتنا بشراً، ولكن هذا الاعتقاد لم يستمر طويلا، فالشمبانزي القزم يستطيع تعلم اللغة واستخدامها، او هذا على الاقل مافعلته الشمبانزية كانزي التي كانت معلقة بأمها ماتاتا اثناء تدريب الام على استخدام لوحة الصور للتفاهم. لقد فاجاءت كانزي العلماء عندما قامت بأستخدام الصور للتفاهم في غياب امها، وأظهرت براعة كبيرة فيهم، مع ان الام نفسها كانت تواجه صعوبات كبيرة في إتقان الكلمات العشرة.

الشمبانزي تستطيع التخطيط والتكتيك وتحضير الفخوخ المخططة في معاركها. دراسة العالم Jane Goodall عام 1974 اظهرت القابليات الواسعة للشمبانزي. الصراع على السلطة داخل مجتمع الشمبانزي ممتلئ بالخطط والتنازلات وتقدير موازين القوى وإقامة تحالفات سياسية مؤقتة، وهذا جزء لايتجزء من تقاليد وعادات الشمبانزي اليومية.

وإضافة الى كل ذلك يستطيع الشمبانزي تقدير ومعرفة مايفكر فيه الشمبانزي الاخر، والتي يطلق عليها: Theory of mind. في السابق كان الاعتقاد سائدا ان هذه المقدرة هي إنسانية بحتة، وهي مايميز بيننا ولكن الان لم تعد تعتقد اغلبية العلماء بأن هذه الخاصية هي حصراً على الانسان.
علماء المان من معهد ليبيزج قاموا ببعض التجارب على الشمبانزي، في احداها وضعوا شمبانزي ذو شخصية طاغية مع آخر ذو شخصية عادية، وتركوهم يتنافسون على الطعام. الشمبانزي الضعيف الشخصية اظهر انه يستطيع ان يحلل الامور ويقوم بتقدير امكنة الاطعمة التي يستطيع الطاغية رؤيتها والاطعمة التي ليست في مجال رؤيته وبالتالي كان يذهب بإستمرار الى الاطعمة الخارجة عن مجال رؤية الطاغي.

درجة الذكاء من الصعب قياسها
ليس جميع العلماء كانوا على اقتناع بأن الشمبانزي تملك Theory of mind , والكثير من التجارب على الشمبانزي في ظروف الاسر كانت ذات معطيات غير مؤكدة. مثلا لم تستطع الشيمبانزي معرفة بمن ستتوسل للحصول على موزة إذا كان احد الاشخاص على عينيه رباط والشخص الاخر كان الرباط على فمه. لقد كانت تتوسل الموز من كلاهما بنفس القدر، ومع ذلك يمكن القول بنفس القدر ان فشل الشيمبانزي يعود الى ان ظروف التجربة ليس لها جذور في البيئة الطبيعية للشمبانزي. .تجربة سلوك الشمبانزي وقدراتها يجب ان يكون من خلال تجارب تتشابه الى اقرب حد ممكن مع الحياة في الطبيعة. هذا مايؤكده العالم Svante Pääbo الذي يشير الى الحاجة الى الكثير من التجارب حول سلوك الشمبانزي ، مصرا ان من خلاله يمكن ان نفهم الكثير عن ميكانيبزم التتطور. مثلا، لدى الشمبانزي مقدرة موروثة،على التخاطب بلغة واحدة، ولكن لغتهم ليست معقدة كلغتنا. انها مسألة تتعلق بدرجة الاختلاف وليس بإختلاف مطلق، وإذا كنا سنتستطيع يوما ما ان نجد السبب الجيني للاختلاف، يجب علينا اولا معرفة مناطق الاختلاف بالسلوك.
– See more at: http://alminbaral7or.blogspot.com/2013/01/blog-post_17.html#sthash.e0Lw287R.dpuf

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s