متــــى و كيـــــف ظهـــــر الانســــــان

متــــى و كيـــــف ظهـــــر الانســــــان  

بقلم خالق محجوب

متــــى و كيـــــف ظهـــــر الانســــــان
بقلم خالق محجوب
تاريخ ظهور الانسان اثار الاهتمام وقدمت الاديان فرضياتها بهذا الخصوص منذ عصور سحيقة، خصوصا التوراتية منها. غير ان اللقى الاثارية لاتتفق على الاطلاق مع الاساطير الدينية، وتقدم لنا تاريخا مختلفا لظهور الانسان وانفصاله عن الحيوان. في شمال كينيا، وقرب قرية اليريت Ileret, على ضفاف بحيرة توركان تم العثور على 30 من طبعات الاقدام على الطين المتحجر. هذه الاثار تعود الى ماقبل مليون ونصف سنة وهي الفترة المبكرة من ظهور انواع الانسان البدائي الهومو. من المستحيل تحديد اي نوع من الهومو الذي ترك اثار اقدامه، غير ان الباحثين يعتقدون انها تعود الى Homo ergaster or Homo erectus, والذي يعتبروا الاجداد الاوائل للهومو سابينس، حيث يملكون بنية هيكلية تتناسب مع بنية الانسان الحديث. الباحثون اكتشفوا اربعة سلاسل من الطبعات وبضعة طبعات منفردة على طبقتين جيلوجيتيين يبتعدان عن بعضهم بحوالي 10 الف سنة.
بإستخدام اجهزة متطورة للقياس والتحليل ظهر ان اصحاب هذه الطبعات كانوا يزنون تقريبا كالانسان الحالي، وكانوا يسيرون منتصبين تماما كما نفعل اليوم. الطبعات تشير الى ان قدم الانواع الانسانية الاولى كانت تملك اصبع كبير يتحمل الثقل الرئيسي وحفرة بطنية لتحسين استغلال الطاقة تماما كالانسان الحالي. للمقارنة نشير الى الطبعات الانسانية الاقدم والتي تعود الى ماقبل 3،75 مليون سنة Laetolifotspår من تنزانيا تقريبا تفتقد تماما للحفرة البطنية. هذه الاثار تنتمي الى نوع اكثر بدائية واقرب الى الشمبانزي.
هذا التطور يتوافق تماما مع التسلسل المنطقي لظهور الانسان. قبل فترة قصيرة عثر الباحثين على صورة مصبوغة على جدران المغارة في جنوب افريقيا، استخدم الطين الاحمر لتلوينها، تعود الى ماقبل 100000 سنة. هذا التاريخ يسبق جميع التوقعات السابقة التي كانت سائدة . وبالرغم من انها تقدم لنا تاريخا ابكر عن ظهور الانسان، إلا انها تشير بوضوح الى ان الانسان ظهر بظهور قدرته على الابداع الفكري، وهو الامر الذي فصله عن حالة وجوده السابق التي لم يكن فيها قادر على التعبير التجريدي.
 
حياة شعب الاحراش san-bushman والذي لازال يعيش حياة برية حتى اليوم في جنوب افريقيا ، يملك تاريخا عريقا من الطقوس الموروثة من عمق الزمان، والتي يستخدم فيها الرسم..
عندما يطول انتظارهم لسقوط المطر، يقوم الشامان بترأس طقوس صلاة الاستسقاء حيث يتوجه على رأس مجموعة من ابناء القبيلة الى صخرة كبيرة في اعالي جبل دراكين.
قبل بدء رحلتهم يكونوا قد اصطادوا حيوان اكبر من الغزال يطلق عليه eland, وبقتلهم اياه يفترض انهم قد اخذوا طاقته على الحياة، حسب تصوراتهم. هم يعتقدون ان هذه القوة لاغنى عنها إذ ستحسن من فعالية الطقوس التي هم ذاهبون لإقامتها، في اعلى قمة الجبل حيث تنتصب الصخرة العملاقة وحيث جرت التقاليد منذ عصور ان يصبغوها برسومهم. الرقص يبدأ حولها على انغام قرعات الموسيقى المتواترة. النساء والرجال يغنون ويرقصون وهم ويدورون حول الشامان الى ان يسقطون في الترانس فاقدين الشعور بالعالم الواقعي.
 
الشامان يقدم لهم اوراق نباتية جافة تساعدهم للدخول الى عالم الارواح، حيث الشامان يملك في ذلك العالم قوة قادرة على شفاء الامراض وادارة حالة الطقس. في هذه اللحظة يقوم الشامان بالتوجه والرسم على الحائط لكون ذلك يفيد في استدعاء القوى الخفية ويفتح طريق سري للاتصال بين العالمين: عالم الاوراح وعالم الواقع.
بواسطة الاصابيع وريش الطيور يقوم الشامان برسم الحيوان الذي اصطادوه، كما يرسم كيف اصاب السهم السام رقبة الحيوان، وخلال ذلك يستمر بمسك ذيل الحيوان من اجل ابقاء الممر بين العالمين مفتوح.
في اوعية من بيض النعامة يتناول الاصباغ المستخلصة من الطين البني، والاحمر من الدم، في حين الاسود من مسحوق الفحم والابيض من الجص. المواد اعلاه تخلط مع الدهن من الحيوان المصطاد، حتى تصبح اسهل في الاستعمال.
فجأة ينتفض الشامان خلال الرقص الى ان يقع الى الارض بدون وعي. حسب إعتقادهم، فإن ” القوة” قد دخلت الى جسمه من رقبته لتتجه الى المعدة وهي تغلي، قبل ان تعود الى الدماغ لتنفجر هناك. في اليوم الثاني تحدث المعجزة: السماء تمطر، لتسيل فوق اجزاء من الرسمة الملونة على الصخرة المكشوفة، جارفة معها قسم من الالوان. بالرغم من ان المطر يخرب الرسمة، إلا انها تقوى الارتباط بطقس الاستسقاء، كما ان الشامان سيرسم اخرى في المرة القادمة.
 
هكذا لازال قسم كبير من شعب الاحراش يعيش منذ آلاف السنين، وهكذا بالضبط يتصور العلماء اسباب رسم القدماء لرسومهم التي وصلت الينا. القدماء لم يرسموا رسومهم من اجل ان تصل الينا ونعجب بها، وانما كتقوية روحية لطقوسهم المطلوب منها ان تعطي فائدة عملية، تماما مثل الدعاء. بمعنى أخر يمكن ان نعتبر الرسومات وكأنها طاقة مضافة زودت اصحابها بقناعة وثقة اكبر ساعدتهم على ان يؤمنوا بالامل، مما اعطاهم الصحة والقدرة على الصيد.
 
عالم الاثار Geoffrey Blundell يقول: “الكثير من الرسومات والمنحوتات الافريقية المبكرة عمرهم اقدم بضعف عمر الرسومات والمنحوتات التي جرى العثور عليها في مغارة Gro-Magnon الفرنسية، ونحن نعثر على الدوام لقى جديدة تحمل المزيد من المفاجأت تقوم بتحسين الصورة التي لدينا عن متى وكيف ظهر الانسان الاول وكيف عاش حياته الاولى”.
 
في جنوب افريقيا جرى العثور على اكبر واغنى اللقى عن الانسان الاول إذ. فقط في جبل ukhahlamba-Draken, تم العثور على حوالي 50 الف رسمة بما فيها العديد من الرسومات التي تعود الى العصر المبكر للانسان الاول لتخبرنا عن اللحظات التي ظهرت قدرته على التفكير المجرد وانفصل فيها عن الحيوان.
ومع انه عادة يجري تحديد تاريخ الرسومات، إلا ان اللقى في اوكالاباما لم يجري تحديد تاريخها لكون العملية تؤدي الى تخريب الرسومات. ماعثر عليه في مناطق اخرى من جنوب افريقيا جرى تحديد عمره الى ماقبل 26 الف سنة، في حين ان بعضه جديد بحيث ان السكان المحليين رسموا فيها الصياديين الاوروبيين واسلحتهم. في بعض مناطق بوتسوانا تم العثور على ادلة متفرقة تشير الى ان الانسان الاول قام بالتعبير الرمزي وإقامة الطقوس منذ عصور قديمة.
 
عام 1991 بدأ العمل في حفر مغارة Blombo, قرب كاب سيتي، ومنذ ذلك الوقت تعثر فرق العمل المختلفة على صنارات صيد السمك ورؤس الرماح والعديد من المعدات الحجرية والاصداف المثقوبة لتصبح حلى . اللقى اظهرت ان شعب العصور الحجرية قام بصناعات يدوية منذ ماقبل 30-40 الف سنة، اي في نفس الوقت الذي جرت فيه اول هجرة من افريقيا الى اوروبا. في مغارة بلومبو جرى العثور على رؤس رماح، عمرها 40 الف سنة، جرى تصنيعها بطريقة كانت شعبية في اوروبا قبل 20 الف سنة، وفي عام 2004 عُثر على 41 صدفة مثقوبة، على الاغلب استخدمت كحلي قبل 75 الف سنة. الاصداف جرى جمعها من نهر بعيد وحملها الى المغارة لهدف مسبق. اندهش الباحثين من كون الانسان المبكر كان مهتم بالتشكيلات الفنية والرموز تماما كالانسان الحديث.
 
الكثير من الدلائل تشير الى ان الانسان بدأ مبكرا للغاية في تجميل نفسه وتجميل بيئته واستخدام الرموز. بيغمنتات الالوان المستخلصة من الطين والتي تحوي الحديد تصادف الباحثين في العديد من الاماكن، في المغارات الجنوبية من جنوب افريقيا. اكسيدات الحديد موجودة في الطين بشكل طبيعي، ويمكن استخدامها للحصول على اللون البني او الاحمر او البرتقالي. في مغارة بلومبوس جرى العثور على مسحوق الطين الغني بأوكسيد الحديد على العديد من الصخور والعظام، وهناك العديد من المؤشرات على عملية طحن التراب للحصول على مسحوق التلوين منه. بعض الاحجار جرى تشكيلها باشكال هندسية منتظمة. مسحوق التراب الغني بأوكسيد الحديد استخدم على الاغلب من اجل صبغ الاجسام ايضا بعد خلطها بالدهن. إضافة الى ذلك جرى استعمالها لتلوين جدران المغارات التي لها من العمر 150 الف سنة او اكثر.
 
قبل فترة قصيرة جرى العثور على آثار استخراج مسحوق الطين الاحمر في مغارة اخرى قرب Pinnacle Point, ليس بعيدا عن المغارة المذكورة سابقا، وفي هذا المكان جرى تأريخ الحجارة المستخدمة الى ماقبل 164 الف سنة.
 
هذه اللقى تعتبر مميزة. في Twin River الواقع في زامبيا، ومنطقة Kapthurin الواقعة في كينيا جرى العثور على دلائل تشير الى ان استخدام الطين للتلوين قام به الانسان منذ 100 الف سنة مالذي جعل دماغ الانسان يصبح افضل تفكيرا من الواضح ان دماغ الانسان قد تعرض الى تغيير نوعي ادى الى انفصال الانسان عن الحيوان وظهور قدرته على الابداع وعلى التفكير التجريدي والرمزي.
 
يشير الاركيلوجيين الى عثورهم ، في مغارة بلومبو، على بقايا تدل على ان الانسان قد اكل الاسماك والاصداف البحرية منذ 165 الف سنة بل وحتى على بقايا حوت. قبل العثور على هذه البقايا كان الباحثين يعتقدون ان الانسان بدأ بأكل الاسماك في مرحلة متأخرة. لربما يوجد رابط بين البدء بأكل الاسماك وتحسن قدرة الانسان على التعبير من خلال التجريد والرموز. بعض العلماء يعتقدون ان دماغ الانسان تطور بشكل عاصف بسبب زيت السمك، وهذا التطور بالذات هو الذي اعطى الانسان قدراته الجديدة.
 
إذا اتجهنا الى الشمال من مغارات جنوب افريقيا نصل الى دولة بتسوانا، حيث تم العثور ايضا على لقى مثيرة. في منطقة جبلية تسمى Tsodilo Hills, توجد اكثر من 4 الاف رسمة في المغارات والمنطقة تعتبر مقدس عند شعب سان منذ آلاف السنوات. يقوم الباحثين بدراسة المكان منذ عام 1994 ومنذ عام 2004 انضم الى الباحثين العالمة الكندية Sheila Coulson، وتعمل بروفيسور في جامعة اوسلو النرويجية. شيلا كولسون اختارت المغارة Rhino Cave وبدأت بإزالة طبقاتها العليا والنزول ببطء الى الطبقات الدنيا. عند وصولها الى عمق اربعة امتار تغيرت طبيعة الارض واصبحت قاسية، لتظهر لقايا اثارت الدهشة: لقد عثروا على رؤس رماح جاهزة مصنوعة من الاحجار القاسية، اغلبها ليست من صخور المنطقة. إضافة الى ذلك تم العثور على الاحجار التي استخدمت لصنع رؤس الرماح والسهام.
 
الباحثة توصلت الى ان رؤس السهام جرى تخريبها عن وعي. بعض رؤس السهام جرى حصرها بين شقوق المغارة الجبلية حتى يتعذر اخراجها،. لذلك تستنتج الباحثة ان هذه الرؤس استخدمت كقرابين في طقوس التقرب من قوى الطبيعة. بمعنى اخر فإن اولئك البشر استحصلوا على الاحجار من مناطق بعيدة وقاموا بتصنيعها ثم تخريبها عن وعي. مالذي دعاهم الى بذل هذه الجهود؟ في اعماق المغارة Rhino Cave عثر الباحثين على لقية ثمينة اخرى، عبارة عن حجر بارز من الجبل على شكل حية بطول مترين كاملة بما فيها العيون والحراشف والفم. حراشفها عبارة عن حوالي 400 حفرة من انتاج انساني.
تحت بضعة امتار من التراب عثر الباحثين على الادوات التي استخدمها الانسان البدائي لتشكيل الحية. يشير الباحثين الى ان عمر قسم كبير من هذه الادوات تعود الى ماقبل 100 الف سنة او اكثر. حية البيتون تعتبر مقدسة عند شعب سان البدائي حتى اليوم، ولازالوا الى الان يدهنون الاحجار بدهن الحية كطقس يساعد على الانتصار على حية البيتون الضخمة وقتلها. في الليل تصبح الحية المنحوتة في المغارة كأن الحياة قد بعثت بها على ضوء القمر المتسرب من شق خلفها. المنطر المهيب ادى الى اعتقاد البعض ان هذا المكان كان يستخدم لطقوس دينية. ومهما كان الامر فالجميع متفقين على ان الانسان الاول اصبح انسانا في جنوب افريقيا، تماما عندما تمكن من التواصل بالرموز والرقص والرسوم، وهي ذات الرموز الذي لازلنا نستخدمها حتى اليوم لاظهار وضعنا الاجتماعي.
——————————————
مصادر: bushman culture out of Africa rockart The Origins Centre of Johannesburg Cape Point python 5/2008 s.33-36; 15/2009-12

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s