ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟

ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟

بقلم أ. د. حبيب عبد الرب سروري

يكتنفُ استخدام مفهومَي «الدولة المدنية» و«الدولة العلمانية» في خطابنا العربي اليومي غموضٌ وخلطٌ وملابسات، لاسيما منذ بدء ثوراتنا العربية المجيدة التي فتحت بابَ الجدل على مصراعيه حول هذين المفهومين اللذين باتا يتصدَّران أهداف هذه الثورات.

للاجابة على عنوان هذا المقال، وللتطرّق للصعوبات التي ستواجه «علمنَةَ» الدول المدنية التي تنشدها الثورات العربية، يلزم التذكير أوّلاً بتعريفَي هاتين الدولتين.

الدولة العلمانية (المتجذّرة في حيوات معظم الدوّل المتقدّمة من أمريكا غرباً حتى اليابان شرقاً، مروراً بكلّ أوربا لاسيما تركيا، مركز امبراطورية الإسلام سابقاً) «دولةٌ تفصل بين السلطات السياسية، والمالية، العلمية، والدينية. تُخضِعُها جميعاً للقانون المدنيّ الذي يحدِّدُ أدوارها وميثاق علاقاتها».

كلمة «الفصل» هنا ليست شديدة الأهمية فقط، لكنها بيت القصيد… ثمّة مبدآن علمانيان جوهريان ينبثقان من هذا الفصل:

المبدأ الأوّل: تفصلُ الدولة العلمانية بين مجالين مختلفين في حياة الناس: العام والخاص. المجال العام (الذي يضمّ المدرسةَ، والفضاءَ المدني عموماً) مكرّسٌ لما يخدم جميع الناس، بغضّ النظر عن أصولهم وألوانهم ومعتقداتهم الدينية أو ميولهم الإلحادية. لا مرجعية فيه لأي دينٍ أو فلسفةٍ إلحادية. أما المجال الخاص فيستوعب كلَّ المعتقدات والرؤى الشخصية، دينية كانت أم لا دينية أو إلحادية.

المبدأ الثاني: تضمنُ الدولة العلمانية المساواة الكلية بين كل المتدينين بمختلف مذاهبهم، واللامتدينين والملحدين أيضاً. تدافع عن حريتهم المطلقة في إيمانهم أو عدم إيمانهم (حريّة الضمير) وتحترمها بحق.

لعلّ مفهوم «الدولة المدنية» انبثق غداة إندلاع الثورات العربية، واكتسب أهميّةً متصاعدة بعد أوّل انتصاراتها. يُعرِّفُ الكثيرون هذه الدولة بأنها دولة «تحقق جملة من المطالب المتعلقة بالمواطنة المتساوية وبالديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وغيرها من المطالب المتصلة بحاجة الشعوب العربية إلى التطور والتنمية، وتستمدُّ قانونها من الشريعة الإسلامية».

إذا كانت كل دولنا العربية اليوم أشكالاً مختلفة للدولة الدينية التقليدية، فالدولة المدنيّة المنشودة لا تختلف كثيراً هي أيضاً عن هذه الدولة الدينية إلا بنزعتها المُعلَنة لإرساء الديمقراطية والمساواة ومواكبة العصر الحديث، فيما تختلف الدولة المدنية بشكلٍ ملحوظ عن الدولة العلمانية.

لإجلاء ذلك يلزمنا تحديدُ بعض الفوارق الجوهرية بين مفهومَي هاتين الدولتين. أو بالأحرى يلزمُنا توضيح ما أضافته الدولة العلمانية للحضارة الإنسانية، وما لا تمتلك الدولة المدنية شروط تحقيقه.

لعلّ أحّد أبرز ما حققه مفهوم العلمانية على الصعيد الحضاري هو انهاء الصراعات والإضطهاد الطائفي والحروب الدينية في الدول التي ترسَّخَ فيها هذا المفهوم، بفضل مبدئه الثاني. يكفي على سبيل المثال تذكُّرُ الخلافات الصدامية بين البروتستانتية والكاثوليكية في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، والحروب الدينية الطاحنة التي سبقت عصر العلمانية. صارت هذه الحروب والصراعات مستحيلةً اليوم في المجتمعات العلمانية بفضل المساواة المطلقة بين الجميع.

لعل عدم اعتناقِ مفهومِ الدولة المدنية للمبدأ العلماني الثاني لا يبعث الأمل الجاد بامكانية التساوي الكليّ الحقيقي بين مختلف الفئات الدينية أو العرقية في دولنا المدنية المنشودة، أو بامكانية القطيعة مع ما يؤدّي إلى تمييز فئةٍ عن أخرى. ناهيك أن أدبيات الدولة المدنية لا تضمن الاعتراف بحقِّ عدم الإيمان أو الإلحاد.

أحد أبرز الانجازات الحضارية الأخرى للدولة العلمانية إلغاؤها المطلق لِشرعية أية «فتوى» دينية أو سياسية تمسّ حياة عالِمٍ أو مفكِّر، أو تمنع إصدار أي كتاب، كما ازدحم تراجيدياً بذلك تاريخُ «فتاوى» الكنيسة في أوربا… لا تبدو في مشاريع دولنا المدنية أية نوايا تتعلق بالفصل القانوني بين الدين والسياسة والعِلم، بغية القطيعة الجذرية مع تاريخنا العربي الحافل بفتاوىٍ دينيةٍ وسياسيةٍ مضرّجةٍ بالقمع والدم مسّت حياة مفكرينا وأدبائنا بشكلٍ قياسيٍّ مريع.

تظلُّ المدرسة العلمانية أعظم إنجازات الدول العلمانية بلا منازع. يتأسّس عليها التفوق الحضاري لهذه الدول على بقية العالم. فهذه المدرسة (التي يَدرس فيها أبناء غير المتدينين أو ذوي الديانات والمذاهب المختلفة معاً، بشكلٍ حضاريٍّ متآلفٍ متناغم) مفصولةٌ تماماً عن تأثير أي دينٍ كان، أو فلسفةٍ مُلحِدة. تُعلِّمُ الطالبَ كيف يُفكِّر بروحٍ نقديّة، كيف يحكم لوحده دون أي يقينٍ مسبق بأية عقيدةٍ أو أيديولوجية، كيف يمارس حريّته في التحليل والتمحيص والرفض، وكيف يبني يوماً بعد يوم شخصيَّته المستقِلّة. تُكرِّس هذه المدرسة في الطالب العقليّةَ العلميّةَ الخالصة وتُنمِّي استخدامَها لِفهمِ الكونِ والحياة إنطلاقاً من مبادئ السببيةِ والتجربة والبرهان، وعبر دراسةِ نظريات العِلم الحديث، لاسيما نظريات النشوء والارتقاء، الانفجار الكوني الكبير (البيج بانج)… تسمح له هذه المدرسة أيضاً الانفتاحَ على استيعاب كلِّ التراث الفكري الإنساني بمختلف تياراته الفلسفية، دينية أو لادينية… هي باختصار: مدرسة ثقافة العقل والحرية والحداثة بامتياز.

لا يوجد في مشروع الدولة المدنية، الذي تُلوِّحُ به الثورات العربية حتى الآن، أية رغبةٍ جليةٍ في قطيعةٍ جذريّةٍ مع فلسفةِ وتكوينِ المدرسة العربية الحالية (1) التي انجبت بامتياز اجيالاً ممن تعلموا الخضوع للجلاد، وترعرعوا في ثقافة التفسيرات الظلامية للكون والحياة، وحافظوا على سمعة تخلفنا العلمي والاجتماعي والحضاري عموماً.

ثمّة أيضاً إنجازٌ حضاريٌّ علمانيٌّ هام: تحوّلَ الدين في الدول العلمانية إلى سلطةٍ روحية خالصة، لا يستطيع السياسيّ التحكّم بها. لا يمكنه مثلاً إعداد الخطب الدينية التي تُلقى في المعابد، مثل حال خطب مساجد دولنا الإسلامية التي لا تخجل أحياناً من التصريح بأن حاكمَ بلدِها «سادسُ الخلفاء الراشدين وأميرُ المؤمنين وسليلُ رسولِ رب العالمين!»…

باختصار شديد: ينتمي مفهوم الدولة العلمانية إلى نخبةٍ من المفاهيم الإنسانية الحديثة الراقية التي تتغلغل جذورها في أعماق الفكر الإنساني العالمي، لاسيما العربي المتنوّر (2). لا يرتبط هذا المفهوم بالطبع بنظامٍ محدّد، رأسمالي أو اشتراكي، يمينيٍّ أو يساري…

رغم توسّع انتشار العلمانية دوليّاً، يجد مفهومُ العلمانية عراقيل وكوابح لا حدّ لها في مجتمعاتنا العربية، تنذر بصعوبةٍ هائلة ستواجه عَلمنَة دولهِ المدنية المنشودة.

لعلّ أبرز مناهضي هذا المفهوم هم الظلاميون الذين يمارسون تجاهه تضليلاتٍ ذكيّة تَعرَّضنا لها في مقال سابق (2). يرافقهم بالطبع الطغاة العرب الذين يتدخّلون بضراوة في شؤون الدين ويستخدمون الفقيه مطيةً للسيطرة على أدمغة أبناء شعوبهم، وممارسة دكتاتورياتهم.

ليس هؤلاء فحسب، بل هناك العديد من «الثوريين» العرب الذين يتسمّرون أمام مفهوم العلمانية أو يعتبرونه، بكل بساطة، مفهوماً استعمارياً كونه انطلق من الغرب، رغم تِكرارهم لمصطلحاتٍ نهضت أيضاً في الغرب ذاته، كالديموقراطية وحقوق الإنسان.

ثمّة أيضاً عددٌ من المثقفين العرب الذين يجدون صعوبةً في خوض الانتقال للفكر العلماني، لأسبابٍ متنوّعة لا يمكن حصرها في هذا المقال.

لعلّ أبرز هذه الأسباب خيبة هؤلاء المثقفين العرب من السلوك اللاإنساني الجشع، أو اللاعلماني المنافق، لقادة عددٍ من الدول العلمانية الغربية وبعض مفكريها، خارج دولهم أو داخلها أيضاً.

يكفي على الصعيد الخارجي تذكُّرُ تحالف قادة هذه الدول، في عمق الحرب الباردة، مع السلفيين المسلمين وتدريبهم عسكرياً ضد «الشيوعية الكافرة» في أفغانستان، وما أدت إليه عواقبه من كوارث زلزلت الغرب في عقر داره. أو يكفي اليوم مراقبة التحالف المقدس لأمريكا العلمانية مع سياسات التوطين الإسرائيلية المنطلقة من أسس لاعلمانية رجعية عنصرية: «أرض الميعاد»، «خير أمة اخرجت للناس»…

لا يجد هؤلاء المثقفون العرب، وعندهم كلُّ الحق في ذلك أيضاً، منطقاً لفهم الازدواجية في سموّ مبادئ العلمانية ذات البعد الإنساني الراقي من ناحية، وفي خساسة السياسات الاستعمارية والاقتصادية والمالية الجشعة للدول العلمانية وما تصنعهُ من أزمات دولية تدمِّرُ الدول النامية من ناحية أخرى.

ويكفي، على الصعيد الداخلي لبعض الدول العلمانية، ملاحظة كيف يلجأ بعض قادتها السياسيين، مثل بعض قادة اليمين الفرنسي، بتسريب تصريحات انتخابية ديماغوجية نتنة، تسيء للعلمانية أساساً، بهدف إرضاء بعض العنصريين من الناخبين الذين لا يحترمون، لسببٍ أو لآخر، الأديان التي دخلت النسيج الإجتماعي الفرنسي في العقود الأخيرة كالإسلام.

لا يخلو مواقف بعض قادة اليسار ومفكريه من أخطاء موازية تسيء للعلمانية هي الأخرى عندما تلجأ، في معمعان معارضتها الإيديولوجية لليمين، إلى سلوكٍ لاعلمانيٍّ يدافعُ، باسم الحريّة الشخصية، عن مظاهر دينية ظلامية صارخة، كالنقاب الوهابيّ الطالباني، تتسلّل لِفضاء المجال العلماني العام الذي يُفترض أن يخلو من أي مظاهر تُخِلّ بالمبدأ العلماني الأول.

ولعلّ سلوك بعض العلمانيين المتطرفين، الذين يمارسون العلمانية كدِين، يسيءُ هو الآخر لمفهومها. لا يستوعب هؤلاء مثلاً دور الاسطورة والأديان في حياة الكثيرين. يغامرون أحياناً باقحام العِلم والفكر الحر في جدَلٍ هدفه دحض فرضياتٍ دينية بحتة (مع أنها ليست فرضيات علميّة أساساً) أو السخريّة بحدّة من رموزٍ مقدّسة ذات أهميّة عاطفية قصوى في حياة المتدينين… أليس من الكياسة بمكان عدم تجريح هؤلاء أو ايذاء مشاعرهم بمسِّها الكاريكاتوري الواخز؟…

Advertisements

مراكز الابحاث وصنع السياسة الأمريكية

مراكز الابحاث وصنع السياسة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين   

مراكز الابحاث :Think Tanks

طبيعة الثينك تانكس

يظل تعريف الثينك تانكس بواشنطن محل خلاف وذلك لسبب بسيط وهو أن معظم المؤسسات والمراكز التي تقع تحت القطاع المذكور لا تعرب عن نفسها كثينك تانكس في وثائق تعريف الهوية الذاتية، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمة غير حكومية أو منظمة غير ربحية. والمصطلح الأخير يعد إحد التعريفات التنظيمية المعترف بها في القانون الأمريكي وتسمى مثل هذه المنظمات في بعض الأحيان ب (501 -C- 3). وعادة ما تتجنب مثل هذه المراكز الإعلان عن نفسها كاثينك تانكس حتى تتجنب السمعة الشبه سلبية التي يحظى بها هذا المصطلح.

فكثيرا ما يسوء فهم المصطلح في بعض الأحيان، وينظر إلى هذه المركز كأدوات ناقصة الأستقلال والنفوذ، تستغلها الهيئات الحكومية بالولايات المتحدة لتدعم أجندة الحكومة الأمريكية.

لكن على الرغم من كل هذه الإشكاليات بخصوص هوية هذه المراكز ، يمكننا أن نعرف الثينك تانكس على أنه أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنـوير المجتمع المدني بشكل عام ، وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص.

أما عن نوع القضايا والسياسات المتعلقة بقطاع الثينك تانكس فهي عديدة. بعض هذه المراكز تركز على قضايا السياسات الخارجية والقضايا العالمية، والبعض الآخر يتبنى الأبحاث المعنية بالسياسات المحلية بما فيها القضايا الاقتصادية بأنواعها المختلفة، وسياسات البيئة والطاقة والزراعة.

ونجد أحياناً مراكز بحثية تتعامل مع أكثر من إطار من الإطارات السياسية المذكورة مثل معهد بروكينغز على سبيل المثال.

وتتواجد مثل هذه المنظمات بأسماء وتعريفات مختلفة، ففي بعض الأحيان تطلق على نفسها مؤسسة Foundation وفي بعض الأحيان معهد Institute ويصف آخرون أنفسهم بالصندوق Fund وفي حالات أخرى بالوقف Endowment.

لكن في النهاية تقع مثل هذه المنظمات تحت قطاع واحد بالساحة السياسية الأمريكية وهو قطاع ذو نفوذ كبير، يتمتع بدور أساسي في عملية صنع القرار بواشنطن كما تدل السطور القادمة.

تفاعل الثينك تانكس مع صناع القرار الأمريكي

نظراً لتعدد أنواع منظمات الثينك تانكس سيلقي هذا التقرير نظرة خاصة على المنظمات المتعلقة بالسياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط. ومن السهل ألا يستطيع المتابع استيعاب الدور الهام لقطاع الثينك تانكس في عملية صنع القرار الأمريكي.

وذلك لأن المنظمات المذكورة غير حكومية وليس لهاعلاقات رسمية بالمؤسسات الحكومية مثل الحال مع منظمات اللوبي المعروفة والتي تعلن عن علاقاتها وعلى الجهة والاشخاص التي تحاول التأثير عليهم داخل الحكومة الأمريكية.

وعلى الرغم من أن قطاع الثينك تانكس يحتوي على مؤسسات غير حكومية، فإنه يؤثر على طابع التفكير والخطاب السياسي بالمجتمع في العاصمة واشنطن على المدى الطويل. فالأبحاث والدراسات والوثائق الصادرة عن منظمات الثينك تانكس عادة ما تجد طريقها إلى مكاتب كبار صناع القرار والأمثلة في تلك الحالة وفيرة.

كذلك توجد دوريات سياسية متخصصة للعديد من هذا المؤسسات. ومن الأمثلة الواضحة هنا مجلة فورن آفيرز Foreign Affairs الصادرة عن مجلس العلاقات السياسي Council on Foreign Relations، ودورية الشرق الأوسطMiddle East Journal الصادرة عن معهد الشرق الأوسط، وأيضا مجلة السياسة لخارجية Foreign Policy الصادرة عن معهد كارنغي للسلام العالمي Carnegie Endowment for International Peace.

وينضم إلى مثل هذه المجلات المنشورات المختلفة التى تصدرها منظمات الثينك تانكس، ونجد تحت هذا التصنيف مثلا التقارير المتخصصةSpecial Reports التي يصدرها المعهد الأمريكي للسلامUnited States Institute of Peace ، أو تقارير مركز مراقبة قضايا الدفاع Defense Monitorالصادرة عن مركز معلوماتالدفاعCenter for Defense Information.

وكثيرا ما تتحدث هذه الأبحاث عن القضايا والموضوعات الساخنة تلبية لاحتياجات صناع السياسة الأمريكية. وينصب حاليا الاهتمام على العديد من التقارير والمقالات المعنية بتحليل الوضع في العراق وقضايا الإصلاح في العالم العربي، وتحليلات تفصيلية عن شعور الشارع العربي تجاه الولايات المتحدة.

كما تضم القضايا الساخنة في الوقت الراهن أنظمة التعليم بالمجتمعات الإسلامية، القدرات النووية الإيرانية وكيفية التعامل مها، الأرهاب وعلاقته بالتطرف الديني والتدني الإقتصادي.

وغالبا ما يعتمد الكثيرون من السياسيين الأمريكيين وكبار مستشاريهم ومساعديهم علي مثل هذه المجلات والتقارير كمصدر معلومات موثوق فيه عن الأوضاع بالمنطقة وعن الخيارات المتاحة للتعامل مع هذه القضايا.

ومن منظور متلقي هذه التقارير والدراسات تعد هذه الدراسات الصادرة عن الثينك تانكس بديلا للأبحاث الأكاديمية المعقدة حيث أن معظم الأبحاث من النوعية الأخيرة تتطلب خلفية تاريخية كبيرة لاستيعابها.

لكن أبحاث الثينك تانكس عادة ما تكون أكثر بساطة ولا تتطلب مجهودا كبيرا من القارىء للفهم.

ولهذا السبب قرر العديد من أساتذة الجمعات المتخصصين في شئون الشرق الأوسط أن يجمعوا بين نشاطهم الأكاديمي والتعاون مع منظمات الثينك تانكس حيث الشهرة والنفوذ.

يتمثل التفاعل بين صناعة القرار الأمريكي وقطاع الثينك تانكس أيضا في الاستشارات العديدة التي يقدمها كبار باحثي الثينك تانكس للسياسيين الأمريكيين. وأحيانا يستعين أعضاء الكونغرس الأمريكي بأولئك الباحثين للتعبير عن أرائهم وتقديم توصياتهم. ويحدث هذا التفاعل في العادة من خلال جلسات الاستماع Hearings العديدة للجان الكونغرس المعنية بقضايا السياسات الخارجية والدفاع والأمن القومي. أما البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، ووزارة الدفاع فيستعينون بخدمات الباحثين من خلال ندوات واجتماعات خاصة.  

من والى الإدارات الأمريكية المختلفة

من الجدير بالذكر أن كثيرا من كبار رواد قطاع الثينك تانكس على علاقة وطيدة بالسياسين الأمريكيين حيث أن أغلبهم صناع قرار وسياسيين سابقيين. أدوارد ووكر رئيس معهد الشرق الأوسط هو مساعد وزير خارجية وسفير أمريكي سابق، مارتن إنديك مدير مركز صابان لدراسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز عمل أيضا مساعدا لوزير الخارجية، وسفيرا سابقا في إسرائيل.

أما كينث بوليك مدير البحوث بنفس المركز فهو مدير سابق لوحدة شئون الخليج بمجلس الأمن القومي،وريتشارد هاس الذي رأس بالماضي قسم تخطيط السياسات بالخارجية الأمريكية هو الرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية، وأخيرا دينس روس أحد كبار المستشارين الأساسين لإدارة الرئيس السابق بيل كلينتون يعمل الآن كمدير لمعهد واشنطن لشئون الشرق الأدنى.

وهذه الظاهرة ساعدت على تقوية التعاون بين قطاع منظمات الثينك تانكس وعملية صنع القرار حيث يربط الأثنين علاقات شخصية قوية.

اللوبي والثينك تانكس

من المهم ألا نخلط ما بين مؤسسات اللوبي ومراكز الثينك تانكس، فالمجموعة الأخيرة معظمها منظمات غير ربحيةNot For Profit ، ولا تحظى بحقوق قانونية للعمل من أجل تغيير مسار السياسة الأمريكية بواسطة الضغوط أو الحملات السياسية مثلما يتاح لمنظمات اللوبي. وتوجه في نفس الوقت اتهامات حادة لمنظمات الثينك تانكس بأنها تمارس مثل هذه النشاطات بطرق خفية وأنها تستخدم هويتها غير الربحية كساتر للجهود التي تبذلها لتغيير مسار السياسة الأمريكية لطريق معين.

وتهمة الانحياز عادة ما توجه إلى معهد أو مركز معين، وتكون خلفية هذه الاتهامات ناتجة من الميول والاتجاهات الإيديولوجية الغالبة علي الباحثين العاملين في هذا المركز أو ذاك.

وعلى سبيل المثال نجد أن معهد أمريكان إنتربريزAmerican Enterprise Institute يحظى بسمعة الانحياز للتفكير اليميني وبشكل خاص تفكير المحافظين الجدد، حيث يعمل به مجوعة من صقور الفكر اليميني المحافظ مثل ريتشارد بيريل، ونيوت جينجريتش، ودانيلا بليتكا والسفيرة السابقة كيريبانريك، هذا بالإضافة إلى زوجة نائب الرئيس ليين تشيني، لذا صبغت على المعهد عباءة كونه قبلة أنصار اليمين المحافظ في واشنطن. ومن ناحية أخرى تتهم بعض مراكز الثينك تانكس بالانحياز للسياسات المفضلة للدول العربية مثل معهد الشرق الوسط، وهناك أيضا منظمات معروفة بالانحياز تجاه إسرائيل مثل معهد واشنطن للشرق الأدنى، وأخرى تجاه حقوق الفلسطينيين مثل مؤسسة سلام الشرق الوسط وتعرف اختصارا باسم FMEP.

النفوذ داخل قطاع الثينك تانك

وتتفاوت منظمات الثينك تانكس في قدرتها على التأتير على مسار السياسة الأمريكية ، وهذه القدرة تتوقف على عدة عوامل من أهمها التمويل وقوة العلاقات الشخصية التي تربط المؤسسة والعاملين فيها بأهم صانعي القرار الأمريكي.

ويعد عنصر التمويل وأمكانية الحصول على الأموال احد معايير نجاح أي من مؤسسات تاثينك تانكس، حيث يعتبر التمويل المالي تحديا أساسيا لمعظم هذه المؤسسات.

ويأتي التمويل عادة إما من أرباح رسوم العضوية وإما من محصلة بيع المطبوعات التي تصدرها المنظمة. كذلك يغدق العديد من أثرياء المجتمعات السياسية بالولايات المتحدة وبعض الدول الخارجية، إلى جانب كبريات الشركات الأمريكية مثل شركات البترول وشركات صناعة وتجارة السلاح بالأموال على هذه المراكز من أجل ضمان خروج دراسات وتوصيات لصناع القرار الأمريكي بما يخدم مصالحهم.

المصدر : تقرير واشنطن-هشام سلام -العدد التاسع