مراكز الابحاث وصنع السياسة الأمريكية

مراكز الابحاث وصنع السياسة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين   

مراكز الابحاث :Think Tanks

طبيعة الثينك تانكس

يظل تعريف الثينك تانكس بواشنطن محل خلاف وذلك لسبب بسيط وهو أن معظم المؤسسات والمراكز التي تقع تحت القطاع المذكور لا تعرب عن نفسها كثينك تانكس في وثائق تعريف الهوية الذاتية، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمة غير حكومية أو منظمة غير ربحية. والمصطلح الأخير يعد إحد التعريفات التنظيمية المعترف بها في القانون الأمريكي وتسمى مثل هذه المنظمات في بعض الأحيان ب (501 -C- 3). وعادة ما تتجنب مثل هذه المراكز الإعلان عن نفسها كاثينك تانكس حتى تتجنب السمعة الشبه سلبية التي يحظى بها هذا المصطلح.

فكثيرا ما يسوء فهم المصطلح في بعض الأحيان، وينظر إلى هذه المركز كأدوات ناقصة الأستقلال والنفوذ، تستغلها الهيئات الحكومية بالولايات المتحدة لتدعم أجندة الحكومة الأمريكية.

لكن على الرغم من كل هذه الإشكاليات بخصوص هوية هذه المراكز ، يمكننا أن نعرف الثينك تانكس على أنه أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنـوير المجتمع المدني بشكل عام ، وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص.

أما عن نوع القضايا والسياسات المتعلقة بقطاع الثينك تانكس فهي عديدة. بعض هذه المراكز تركز على قضايا السياسات الخارجية والقضايا العالمية، والبعض الآخر يتبنى الأبحاث المعنية بالسياسات المحلية بما فيها القضايا الاقتصادية بأنواعها المختلفة، وسياسات البيئة والطاقة والزراعة.

ونجد أحياناً مراكز بحثية تتعامل مع أكثر من إطار من الإطارات السياسية المذكورة مثل معهد بروكينغز على سبيل المثال.

وتتواجد مثل هذه المنظمات بأسماء وتعريفات مختلفة، ففي بعض الأحيان تطلق على نفسها مؤسسة Foundation وفي بعض الأحيان معهد Institute ويصف آخرون أنفسهم بالصندوق Fund وفي حالات أخرى بالوقف Endowment.

لكن في النهاية تقع مثل هذه المنظمات تحت قطاع واحد بالساحة السياسية الأمريكية وهو قطاع ذو نفوذ كبير، يتمتع بدور أساسي في عملية صنع القرار بواشنطن كما تدل السطور القادمة.

تفاعل الثينك تانكس مع صناع القرار الأمريكي

نظراً لتعدد أنواع منظمات الثينك تانكس سيلقي هذا التقرير نظرة خاصة على المنظمات المتعلقة بالسياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط. ومن السهل ألا يستطيع المتابع استيعاب الدور الهام لقطاع الثينك تانكس في عملية صنع القرار الأمريكي.

وذلك لأن المنظمات المذكورة غير حكومية وليس لهاعلاقات رسمية بالمؤسسات الحكومية مثل الحال مع منظمات اللوبي المعروفة والتي تعلن عن علاقاتها وعلى الجهة والاشخاص التي تحاول التأثير عليهم داخل الحكومة الأمريكية.

وعلى الرغم من أن قطاع الثينك تانكس يحتوي على مؤسسات غير حكومية، فإنه يؤثر على طابع التفكير والخطاب السياسي بالمجتمع في العاصمة واشنطن على المدى الطويل. فالأبحاث والدراسات والوثائق الصادرة عن منظمات الثينك تانكس عادة ما تجد طريقها إلى مكاتب كبار صناع القرار والأمثلة في تلك الحالة وفيرة.

كذلك توجد دوريات سياسية متخصصة للعديد من هذا المؤسسات. ومن الأمثلة الواضحة هنا مجلة فورن آفيرز Foreign Affairs الصادرة عن مجلس العلاقات السياسي Council on Foreign Relations، ودورية الشرق الأوسطMiddle East Journal الصادرة عن معهد الشرق الأوسط، وأيضا مجلة السياسة لخارجية Foreign Policy الصادرة عن معهد كارنغي للسلام العالمي Carnegie Endowment for International Peace.

وينضم إلى مثل هذه المجلات المنشورات المختلفة التى تصدرها منظمات الثينك تانكس، ونجد تحت هذا التصنيف مثلا التقارير المتخصصةSpecial Reports التي يصدرها المعهد الأمريكي للسلامUnited States Institute of Peace ، أو تقارير مركز مراقبة قضايا الدفاع Defense Monitorالصادرة عن مركز معلوماتالدفاعCenter for Defense Information.

وكثيرا ما تتحدث هذه الأبحاث عن القضايا والموضوعات الساخنة تلبية لاحتياجات صناع السياسة الأمريكية. وينصب حاليا الاهتمام على العديد من التقارير والمقالات المعنية بتحليل الوضع في العراق وقضايا الإصلاح في العالم العربي، وتحليلات تفصيلية عن شعور الشارع العربي تجاه الولايات المتحدة.

كما تضم القضايا الساخنة في الوقت الراهن أنظمة التعليم بالمجتمعات الإسلامية، القدرات النووية الإيرانية وكيفية التعامل مها، الأرهاب وعلاقته بالتطرف الديني والتدني الإقتصادي.

وغالبا ما يعتمد الكثيرون من السياسيين الأمريكيين وكبار مستشاريهم ومساعديهم علي مثل هذه المجلات والتقارير كمصدر معلومات موثوق فيه عن الأوضاع بالمنطقة وعن الخيارات المتاحة للتعامل مع هذه القضايا.

ومن منظور متلقي هذه التقارير والدراسات تعد هذه الدراسات الصادرة عن الثينك تانكس بديلا للأبحاث الأكاديمية المعقدة حيث أن معظم الأبحاث من النوعية الأخيرة تتطلب خلفية تاريخية كبيرة لاستيعابها.

لكن أبحاث الثينك تانكس عادة ما تكون أكثر بساطة ولا تتطلب مجهودا كبيرا من القارىء للفهم.

ولهذا السبب قرر العديد من أساتذة الجمعات المتخصصين في شئون الشرق الأوسط أن يجمعوا بين نشاطهم الأكاديمي والتعاون مع منظمات الثينك تانكس حيث الشهرة والنفوذ.

يتمثل التفاعل بين صناعة القرار الأمريكي وقطاع الثينك تانكس أيضا في الاستشارات العديدة التي يقدمها كبار باحثي الثينك تانكس للسياسيين الأمريكيين. وأحيانا يستعين أعضاء الكونغرس الأمريكي بأولئك الباحثين للتعبير عن أرائهم وتقديم توصياتهم. ويحدث هذا التفاعل في العادة من خلال جلسات الاستماع Hearings العديدة للجان الكونغرس المعنية بقضايا السياسات الخارجية والدفاع والأمن القومي. أما البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، ووزارة الدفاع فيستعينون بخدمات الباحثين من خلال ندوات واجتماعات خاصة.  

من والى الإدارات الأمريكية المختلفة

من الجدير بالذكر أن كثيرا من كبار رواد قطاع الثينك تانكس على علاقة وطيدة بالسياسين الأمريكيين حيث أن أغلبهم صناع قرار وسياسيين سابقيين. أدوارد ووكر رئيس معهد الشرق الأوسط هو مساعد وزير خارجية وسفير أمريكي سابق، مارتن إنديك مدير مركز صابان لدراسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز عمل أيضا مساعدا لوزير الخارجية، وسفيرا سابقا في إسرائيل.

أما كينث بوليك مدير البحوث بنفس المركز فهو مدير سابق لوحدة شئون الخليج بمجلس الأمن القومي،وريتشارد هاس الذي رأس بالماضي قسم تخطيط السياسات بالخارجية الأمريكية هو الرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية، وأخيرا دينس روس أحد كبار المستشارين الأساسين لإدارة الرئيس السابق بيل كلينتون يعمل الآن كمدير لمعهد واشنطن لشئون الشرق الأدنى.

وهذه الظاهرة ساعدت على تقوية التعاون بين قطاع منظمات الثينك تانكس وعملية صنع القرار حيث يربط الأثنين علاقات شخصية قوية.

اللوبي والثينك تانكس

من المهم ألا نخلط ما بين مؤسسات اللوبي ومراكز الثينك تانكس، فالمجموعة الأخيرة معظمها منظمات غير ربحيةNot For Profit ، ولا تحظى بحقوق قانونية للعمل من أجل تغيير مسار السياسة الأمريكية بواسطة الضغوط أو الحملات السياسية مثلما يتاح لمنظمات اللوبي. وتوجه في نفس الوقت اتهامات حادة لمنظمات الثينك تانكس بأنها تمارس مثل هذه النشاطات بطرق خفية وأنها تستخدم هويتها غير الربحية كساتر للجهود التي تبذلها لتغيير مسار السياسة الأمريكية لطريق معين.

وتهمة الانحياز عادة ما توجه إلى معهد أو مركز معين، وتكون خلفية هذه الاتهامات ناتجة من الميول والاتجاهات الإيديولوجية الغالبة علي الباحثين العاملين في هذا المركز أو ذاك.

وعلى سبيل المثال نجد أن معهد أمريكان إنتربريزAmerican Enterprise Institute يحظى بسمعة الانحياز للتفكير اليميني وبشكل خاص تفكير المحافظين الجدد، حيث يعمل به مجوعة من صقور الفكر اليميني المحافظ مثل ريتشارد بيريل، ونيوت جينجريتش، ودانيلا بليتكا والسفيرة السابقة كيريبانريك، هذا بالإضافة إلى زوجة نائب الرئيس ليين تشيني، لذا صبغت على المعهد عباءة كونه قبلة أنصار اليمين المحافظ في واشنطن. ومن ناحية أخرى تتهم بعض مراكز الثينك تانكس بالانحياز للسياسات المفضلة للدول العربية مثل معهد الشرق الوسط، وهناك أيضا منظمات معروفة بالانحياز تجاه إسرائيل مثل معهد واشنطن للشرق الأدنى، وأخرى تجاه حقوق الفلسطينيين مثل مؤسسة سلام الشرق الوسط وتعرف اختصارا باسم FMEP.

النفوذ داخل قطاع الثينك تانك

وتتفاوت منظمات الثينك تانكس في قدرتها على التأتير على مسار السياسة الأمريكية ، وهذه القدرة تتوقف على عدة عوامل من أهمها التمويل وقوة العلاقات الشخصية التي تربط المؤسسة والعاملين فيها بأهم صانعي القرار الأمريكي.

ويعد عنصر التمويل وأمكانية الحصول على الأموال احد معايير نجاح أي من مؤسسات تاثينك تانكس، حيث يعتبر التمويل المالي تحديا أساسيا لمعظم هذه المؤسسات.

ويأتي التمويل عادة إما من أرباح رسوم العضوية وإما من محصلة بيع المطبوعات التي تصدرها المنظمة. كذلك يغدق العديد من أثرياء المجتمعات السياسية بالولايات المتحدة وبعض الدول الخارجية، إلى جانب كبريات الشركات الأمريكية مثل شركات البترول وشركات صناعة وتجارة السلاح بالأموال على هذه المراكز من أجل ضمان خروج دراسات وتوصيات لصناع القرار الأمريكي بما يخدم مصالحهم.

المصدر : تقرير واشنطن-هشام سلام -العدد التاسع

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s