كيف نهزم الهزيمة  – بقلم : د. ندى محمد الغاد

 

كيف نهزم الهزيمة  – بقلم : د. ندى محمد الغاد

مدخل :

لا يجوز القول هزيمة العرب (بصيغة الجمع) في حرب حزيران67 لانها لم تكن هزيمة لكل العرب ..كانت هزيمة لثلاث دول عربية فقط لا غير ؟
فمن دخل الحرب وهزم في الحرب هي مصر والاردن وسوريا .. ولهذا من افدح الاخطاء والخطايا اعتبارها هزيمة للدول العربية

اسباب الهزيمة واضحة وضوح الشمس
واعتقد ان اسباب الهزيمة بسيطة جدا ومعروفة جيدا وواضحة جدا جوهرها هو ان كفاءة قيادة العدو كانت اكبر بل اعظم واشمل من كفاءة القيادات السياسية والعسكرية للدول العربية الثلاث التي خاضت الحرب وهزمت فيها ,,
هذا هو السبب الرئيسي انه يتعلق بالادارة ,, ادارة الحرب ,, يتعلق بالكفاءة ,, فالادارة هي التي انهزمت .. اما الشعوب فهي كالعادة مجرد عوام لا في العير ولا في النفير ,, ولا قيمة لها ولا وزن ولا تنتصر ولا تهزم ,, كل وظيفتها تقديم الضحايا .
اما لماذا الادارات العربية كانت اقل كفاءة من قيادة العدو .. فهذا موضوع اخر اساسي ورئيسي ولكن ايضا اجابته واضحة وجلية وهي انها قيادات سطت على السلطة سطوا ولم تكن نتيجة للتطور الطبيعي للمجتمع .. ومستوى وعيها وادراكها لا يختلف عن مستوى وعي وادراك جموع العوام ,,
ولما كانت القيادة هي انتاج المجتمع تنتجها البيئة المحلية ,, والبيئة المحلية يصنعها نمط الانتاج الاقتصادي .. ولما كان (وما زال) نمط الانتاج الاقتصادي هو نمط اقطاعي بجوهره ومشوه في مظهره ,, فان الثقافة العامة والبيئة (الحاضنة الاجتماعية) ستكون مشوهة وضعيفة ,, وتنتج زعامات وسلطة وقيادات ورموز ضعيفة
وبالتالي عندما تخوض هذه القيادات حربا مع عدو لديه كفاءة اعلى فمن المنطقي والطبيعي ان تهزم وتنكسر وتفشل
وهذا ما حدث في حرب 67

ظروف مختلفة لكلبلد
وكل طرف او فريق او مجموعة او حتى افراد فسر هزيمة حزيران من وجهة نظره الانطباعية نادرون جدا من استخدموا الادلة والوثائق والوقائع في تفسيرها وللاسف العوام لم يطلعوا على تلك التفسيرات بل امتلأت الصحف والمكتبات العربية بمقالات تبكي على اللبن المسكوب وكتب غارقة في العواطف والتعاطف ولا تتضمن معلومة موثقة وصحيحة
فاليساريون او الاشتراكيون او الشيوعيون والتقدميون والقوميون فسروا الهزيمة بأنها كانت نتيجة لمؤامرة دولية كبرى لتحطيم مشروع النهضة القومي بقيادة الزعيم عبد الناصر
والمتدينون العاديون فسروها بان سببها الابتعاد عن الدين
اما جماعة الاخوان ففسرتها بأنها عقوبة ربانية للزعيم “المجرم” جمال عبد الناصر
ومن وجهة نظري كل هذه التفسيرات ليست صحيحة نهائيا ,, واعتبر ان السبب الرئيسي والاساسي هو التخلف والفقر الاقتصادي الذي لم يوفر مقومات استكمال بناء الدولة الوطنية ,, ولم يوفر مقومات الدولة القوية ولم يوفر البيئة التي يتميز ابناؤها باستخدام العقل بدلا من العاطفة ,, والذي يسمح باعتماد الشخص المناسب في المكان المناسب وليس الاختيار على اساس الولاء وهو قاعدة من اهم قواعد النظام الاقطاعي ..
طبعا عندما يكون الاقتصاد متخلف يكون الوعي الجمعي متخلف وبالتالي من الطبيعي ان تكون القيادة السياسية متخلفة لانها نتاج ونتيجة للوعي الجمعي وليس كما هو شائع في بلادنا في اوساط مثقفينا الذين يعتقدوا بان السلطة هي الاساس والجمهور هو المتلقي

—  انتصار فلسطيني

ومايجب الاشارة اليه وباهتمام كبر ان الفلسطينيون حققوا في حرب 67 اعظم انتصار في تاريخهم ..
فرغم المرارة والالم لهزيمة الدول العربية الثلاث المحيطة بفلسطين الا ان الشعب الفلسطيني حقق انتصارا مذهلا ورائعا وعظيما في 67 ,, الشعب الفلسطيني لم يهزم ,, الشعب الفلسطيني تغير على جزء من ارضه (الضفة وغزة) الاحتلال فقط من احتلال اردني للضفة الغربية (بتوافق المخاتير) الى احتلال اسرائيلي عنوة .

ومن احتلال مصري لغزة (بتوافق) الدراويش الى احتلال اسرائيلي لقطاع عنوة ,,
ولم يتغير عليه شيء ابدا ابدا قبل الاحتلال الثلاثي لأرض فلسطين اسرائيل ومصر والاردن كان الاحتلال البريطاني .. وقبله كان الاحتلال العثماني ,, وقبل العثماني كان الاحتلال المملوكي وقبله كان الاحتلال الايوبي وقبل الايوبي كان الاحتلال الفاطمي وقبله كان الاحتلال العباسي وقبل الاحتلال العباسي كان الاحتلال الاموي وقبل الاحتلال الاموي كان الاحتلال الروماني وقبل الروماني كان الاحتلال اليوناني وقبل اليوناني كان الاحتلال الفارسي .. وقبل الفارسي كان الاحتلال الاشوري والاحتلال السومري ,,
فعلى مر التاريخ والعصور وفلسطين محتلة وشعبها بدون شخصية وطنية مستقلة
ولأول مرة في التاريخ تظهر الشخصية الوطنية المستقلة للشعب الفلسطيني بعد هزيمة الدول العربية الثلاث في حرب 67 ..
لاول مرة منذ النكبة في 48 يصبح هناك شعب اسمه الشعب الفلسطيني ,, شخصية وطنية مستقلة وارادة وطنية وقوى سياسية وطنية ومطالب فلسطينية وطنية وصراع مباشر مع عدونا المحتل لارضنا ,,
وهذا اعظم الانتصارات في تاريخ شعبنا الذي كان على وشك التلاشي والاندثار باعتباره (كما روجت الحركة الصهيونية) شعبا من الاعراب والبدو لا شخصية وطنية مستقلة له
فالف شكر لحرب 67 التي حررت الارادة الوطنية الفلسطينية المستقلة وصنعت الشخصية الوطنية الفلسطينية المستقلة ..
والاعتراف بهذا الامر احد الشروط الهامة جدا جدا لتمكن الفلسطينيين من هزيمة الهزيمة

كيف نهزم الهزيمة”

اولا  :
لا يمكن لمن لا يتقن فن الدقة في صياغة الفكر ومن لا يتقن سوى الجمل المطاطة والعموميات ان يساهم بهزيمة الهزيمة بل هو طرف اصيل في ترسيخها وتعميقها واطالة امدها ..  ونموذج على ذلك على سبيل المثال

قراءة الاستاذة المناضلة فريدة النقاش للاحداث ..
الاستاذة فريدة تكتب كلاما مناف للواقع السياسي فتقول :
“كانت الهزيمة القاسية التي تلقاها العرب قبل خمسين عاما امام العدو الصهيوني متحالفا مع الامبريالية الأميركية في الخامس من حزيران عام 1967 ..  كانت إيذانا بدخول العرب كافة مرحلة ظلام طويلة من تاريخهم الحديث بعد أن ثبت المشروع الصهيوني والاستعماري أقدامهما على الأرض المغتصبة في فلسطين وصولا إلى انتزاع الاعتراف بشرعية اسرائيل”.
الاستاذة فريدة التي اكن لها كل تقدير واحترام تخطيء في تشخيص نتائج الهزيمة .. حيث ان ثبات اقدام العدو الصهيوني في فلسطين تم وتحقق عام 1948 ,, اي قبل 19 سنة من هزيمة 67 ..
اما عن الاعتراف بشرعية دولة العدو الصهيوني فمعظم دول العالم اعترف بشرعية دولة العدو في عام 1949 بعد ان تم قبول عضويتها بالامم المتحدة .. ”
واعتقد ان مثل هذا التحليل لا يمكن ان يؤدي الى هزيمة الهزيمة

ثانيا :

من اهم شروط هزيمة الهزيمة النظر الى ان الاسباب متعددة ولكل دولة ممن شاركت في حرب 67 (مصر وسوريا والاردن) اسبابها الخاصة والمحلية ومن الخطأ الفادح التعامل معها كانها شيئ واحد موحد وبالتالي الاسباب موحدة ..
ويجب البحث في كل بلد على حدة وان كل دولة من الدول المهزومة (مصر وسوريا والاردن) لها شروطها الخاصة لهزيمة الهزيمة وادواتها الخاصة وقواها الخاصة ومجالاتها الخاصة

كما للفلسطينيين ظرفهم الخاص وقواهم الخاصة ومتطلباتهم الخاصة ومسؤوليتهم الخاصة لمواصلة الانتصار وهزيمة العدو وتحرير بلادهم ..
اما الخلط على رأي المصريين ( سمك لبن تمر هندي) فهذا مضيعة للوقت ومساهمة في اطالة امد الهزيمة

ثالثا :

من الضروري جدا الاهتمام بوضعية الشعب الفلسطيني الذي احتلت ارضه وهجر اعدادا كبيرة جديدة منه من الضفة الغربية

مثلا : هل الفلسطينيون هزموا في عام 1967 ؟ كيف هزموا ؟ هل حاربوا وهزموا ؟ مثلا ..
وهل بالتالي يصبحوا طرفا في هزيمة الدول الثلاث مصر وسوريا والاردن)
ام ان الفلسطينيين ابرياء لم يكونوا طرفا في الهزيمة وبالتالي فالبحث عن كيف نهزم الهزيمة لا يتعلق بالفلسطينيين .. بل بالعرب فقط ؟
حكماء السياسة العرب للاسف الشديد ساهموا وما زالوا يساهموا بالهزيمة من خلال عدم التمييز بين الالوان ومن خلال العمومية والتعميم والمفردات الفضفاضة والشعارات الطنانة

الفلسطينيون لم يشاركوا بالحرب ولم يهزموا عسكريا لانهم اصلا لم يحاربوا .. الفلسطينيون يتحملوا الجزء الاكبر من مسؤولية ما تعرضوا بسبب عدم تحملهم مسؤولية حماية بلدهم والركون الى اوهام دينية (امة الاسلام) واوهام قومية (امة العرب) لحمايتهم وحماية بلدهم

رابعا :

وربما هذا البند هو الاهم ,, وسوف اختصره بجملة واحدة “الدول القوية هي التي تمتلك اقتصادا قويا” والدول القوية هي القادرة على هزيمة الهزيمة

Advertisements