الييهودية نشأت وعاشت وماتت في اليمن

 

الييهودية نشأت وعاشت وماتت في اليمن

هل اليهودية ذات منشأ يمني، أم أنها قادمة من خارج جزيرة العرب وفق ما هو مسود؟ نحاول الاجابة على هذا التساؤل في ذروة حرب الاقتلاع والنفي الصهيونية، وفي ظل سيادة ثقافة عربية ترذل التوراة واليهودية، فيما الزجليات التوراتية نتاج عربي مسرحها اليمن، وفيما بدأت تخرج الى العلن نتائج الابحاث الاثرية الاسرائيلية التي تؤكد غياب اي اثر يدعم إسقاطات التوراة في فلسطين.

اليهود نسبة للنبي هُود 

جاء في قاموس “الصحاح” للجوهري، وهو الأقدم بين القواميس العربية، ان: “هاد يهود هوداً: تاب ورجع الى الحق. فهو هائد مقدم هُود. وقال ابو عبيدة: التهود: التوبة والعمل الصالح. وهاد وتهوَّد اذا صار يهودياً. وهُود إسم نبي ينصرف. والهُود: اليهود (1).

والنبي هُود يرد ذكره في القرآن في عدة سور: (هود، الاعراف، ق، الشعراء، الأحقاف). وهو نبي مرسل الى قوم عادٍ في الأحقاف، شمال شرق حضرموت. يؤكد المؤرخ اليمني القاضي محمد بن علي الاكوع الحوالي، ان الآية 129 من سورة الشعراء تورد “كيف خص الله عاداً، قوم نبي الله هود عليه السلام بالتعنيف عن قبول دعوة نبيهم الى العمارة واشادة القصور… ولا ريب ان هوداً وقومه من أصل العرب اليمنيين، وانهم كانوا في أرض الأحقاف من حضرموت (2) ويقول ايضاً: “الأحقاف اليوم، ومن قبله بآلاف السنين، مناطق جرداء محرقة، وقبيلة عاد باجماع المؤرخين والمفسرين، قبيلة يمنية (3). كما يورد إبن واضح في كتابه (تاريخ اليعقوبي) “أن ملوك اليمن كانوا يدينون بعبادة الاصنام في صدر ملكهم، ثم دانوا بدين اليهودية، وتلوا التوراة” (4).

الاختلاف في نسب النبي هود

يقول الهمداني في كتابه “الإكليل”، إفترق الناس في نسب هود، فمنهم من قال “أن قحطان هو ابن هود بن إرم بن سام بن نوح (قحطان وعدنان اصل العرب) ومن قال، ان هود غير قحطان (الذي يرد في التوراة باسم قطن)، ومن قال، أنه هو قحطان بن عابر بن شالح… بن سام (5).

اما الشاعر اليثربي حسان بن ثابت الانصاري الذي كان يهودياً وأسلم، فقد قال (6): 

فنحن بنو قحطان والملك والعلا
ومنا نبي الله هُود الأخاير
وإدريس ما إن كان في الناس مثله
ولا مثل ذي القرنين إبنا عابر
وصالح والمرحوم يونس بعدما
ألات به حوتٌ باخلب زاخر
شعيب والياس وذو الكفل كلهم
يمانيون قد فازوا بطيب السرائر

وذو القرنين في شعر حسان هو الفاتح العظيم الصعب بن رائش الحميري، فيما ذو المكفل هو دانيال صاحب السفر في التوراة والذي يقع قبره حتى اليوم في قرية هارون جنوب اليمن (7). واذا كانت قرية وقبر النبي هود في منطقة الحقف قرب حضرموت، فإن قبيلة باسم هود ما زالت تقيم في حضرموت بين قريتي هود وظفار (8)، في حين ان اليهودية التي تسقط تعسفاً على انها اسم الضفة الغربية الفلسطينية، فما زالت في اليمن، حيث حصن اليهودية في مخلاف العرافة من بلاد خبّان (9) جنوب شرق ظفار، ويشعب اليهود يسكنها بنو زيد في يافع السفلى جنوب اليمن (10).

ابرهيم عبراني، وموسى آرامي، فاين اليهودي؟

اذاً النبي هود واليهودية المنسوبة له كعشيرة نتاج يمني، لكنه لا يرد في التوراة، فسفر التكوين، وهو اول اسفار التوراة، يتكلم عن ابرهيم وإبرام ويعقوب ويوسف العبرانيين، فيما عدا يعقوب الذي بدل نسبه وانتسب الى جدته سارة (ساراي من بني ساري) وبات اسمه اسرائيل. اما موسى الذي كان يعبد البركان في مرحلة من سيرته، فإنه يقول في سفر التثنية: “آرامياً تائهاً كان أبي فانحدر الى مصر وتغرب هناك”. والسؤال اين النسب اليهودي في الاسفار؟

في رسائل القديس بولس العربي (بولس في انساب العشائر اليمنية) الملحقة بالاناجيل، رسالة الى العبرانيين، لكن “بيير رويسي” يرى ان “الرسالة الى العبرانيين مرفوضة من شراح الكتاب المقدس، لأنها مضافة هامشياً، وليس من اتفاق على تفسير معنى (عبري)، لأنه يصعب ان نعرف العبرانيين بواسطة المكان او الزمان او بمعونة علم الاجتماع او الاديان (11)، لكن الحقيقة ان العبران هناك في عُمان ومن الدلائل:

1- يورد الباحث اليمني مطهر الارياني في كتابه “نقوش مسندية وتعليقات” محتوى النقش رقم 32 الذي يتكلم عن حملة سعد تالب كبير اعراب ملك سبأ وكندة ومذجح الى عبران حيث عاد ورابط في مدينة نشق (12) ونشق هذه تقع في الجوف شرق اليمن.

وعبران الواردة في النقش هي اليوم ولاية “عبري” العُمانية وقربها ولاية سمائل (صموئيل في التوراة) (13).

2- ان كلمة عبران لا تشذ عن جذر عبر اللغوي. فالعابر هو غير المستقر، البدوي المتنقل، الذي كان على تناقض مع الكنعان الثابتين المزارعين، حيث الكنعان من جذر كنع: ثبت، لصق. وفي الجغرافية التاريخية العربية التي تغلب الصحراء فيها على المناطق الزراعية، دلالات على الصراع بين البداوة والحضر، تم اختصارها في مصطلحات: قايين وهابيل، العبران والكنعان، إعرابي ونبطي، بداوة وحضر، وقبلها قحطان وعدنان (14). أليست اسفار التوراة روايات لعشائر رحّالة اقحطت اراضيها؟

3- ابرهيم بدوي عبراني عربي، وكذلك ذريته. فيعقوب اسم كما إيهود ويهود، وآمن ويا من، اساسه أعقوب بدلت الهمزة فيه الى ياء، كما اسحق يتسحاق، وصائغ وصيّاغ (15). وفي صحاح الجوهري، هو من جذر عقب، “فاليعقوب ذكر الحجل، والعقاب طائر، وجمع القلة أعقُب (16) وسواء كان يعقوب نسبة لذكر الحجل، او لأنه اعقب توأمه عيسو في الولادة، فإنه اسم عربي التسمية. وحتى عندما بدل اسمه وانتمى الى عشائر جدته سارة، ساري، فإن الجمع النسبي العشائري كان السرايين، وبالهمز اسرائين واسرائيل (17) وما زال “بنو ساري من قرى بلاد يريم (18) جنوب صنعاء على مسافة من مدينة حبرون في منطقة الواحدي شمال عدن، قرب مدينة الروضة التي ما زال يسكنها حتى اليوم عشائر آل بن اسرائيل وآل النجار (19) وحبرون تسقط اليوم تعسفاً على انها مدينة الخليل.

أين اليهود في الناموس؟

اذاً في الاسفار الاولى الاساسية التي يختصرها معظم البحّاثة على انها التوراة، وتسمى الناموس (والناموس مصطلح شائع في لغتنا اليومية في بلاد الشام، حيث يقال: فلان بلا ناموس، اي بلا اخلاق وضوابط وشرائع)، وهي أسفار: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية (قرية بيت لاوي غرب صنعاء وليس في فلسطين)، يرد مصطلح العبراني، الآرامي، بني اسرائيل، ولا ترد عبارة يهود ابداً. فحتى في السفر السابع وهو سفر القضاة، يرد اسم (إهود بن جيرا)، وفي السفر الثاني عشر المسمى الملوك الثاني، يرد ان “اليهود طردوا من أيلة التي جاءها الآراميون”، وفي السفر نفسه (الإصحاح 18 الفقرة 26): “فقال الياقيم (علقمة بالعربي) بن حلقيا وشبنة ويواخ لربشاقي، كلم عبيدك بالآرامي لأننا نفهمه، ولا تكلمنا باليهودي في مسامع الشعب الذين على السور”. وربشاقي هذا مرسل من ملك لخيش (اي ملك لحج وهي منطقة يمنية).

وبالمحصلة، كان موسى آرامياً، لكن عشائر الآراميين كانت في حال صراع مع بني اسرائيل، ومع عشائر اليهود ايضاً، لكن الآرامية كانت لهجة البعض في الوقت نفسه! فكيف اصبحت الزجليات التي تتحدث عن ترحال ابرهيم العبراني وذريته، وموسى وشرائعه، كتاباً دينياً لعشيرة اليهود غير الواردة في التوراة، وكيف فرضت على عشائر اخرى ومتى؟

لا آثار توراتية في فلسطين والنقوش اليمنية

في عدد 5/12/1995 من مجلة “التايم” تحقيق بعنوان “هل التوراة حقيقة ام خيال” يخلص الى انه ليس من اثار في فلسطين تدل على مسرح انبياء التوراة كذلك مجلة نوفال اوبزرفاتور الفرنسية عدد 11-17/7/.2002 كما ان المسود في الفكر التوراتي اليوم، ان ابرهيم جاء من حرّان في العراق الى فلسطين وقطع الصحراء دونما اشارة الى احداث هذا الانتقال، في حين ان ترحاله الى “مصر عبر صحراء سيناء” وعودته من لدن الفرعون (اي فرعون؟ في الأقصر والكرنك جنوب القاهرة ام أين؟) عبر هذه الصحراء لا اشارة له في التوراة. والسبب ان مسرح هذه البداوة المتنقلة لم يكن هنا، بل في جنوب اليمن. لكن السؤال الذي يطرح هو: هل في النقوش اليمنية المسندية التي تبلغ الآلاف اشارة الى انبياء التوراة او الى عشائر اليهود؟ والجواب كلاّ رغم ورود اسماء توراتية، الا ان اسماء المدن والقرى الكنعانية وغير الكنعانية الواردة في الزجليات التوراتية ما زالت موجودة في اليمن، وهذه أهم من النقوش، ومنها: يراخ (أريما، وهي يريخو بالسريانية المستخدمة في عبرية اليوم) وعراد وآكام المرايم، ومدفن يشوع بن نون، وحبرون (المسقطة على مدينة الخليل) وجرار (حيث تقرب ابرهيم ولا وجود لها في فلسطين)، والنيل وهو نهر شمال شرق مأرب، وصحراء سناء في حضرموت التي اسقطت في ما بعد على اسم سيناء بين مصر (بلاد القبط تاريخياً) وفلسطين واليهودية جنوب صنعاء… ومئات من الاسماء التي لا وجود لها في فلسطين ومحيطها، كما ان المؤرخين العرب من الطبري الى الهمداني يحددون اسماء فراعنة مدينة مصر ايام يوسف وموسى!

اما في النقوش الاثرية اليمنية ذات اللغة والحرف الكنعاني وليس العبري فترد اشارة الى (عبران)، كما يرد في نقش “بيت الأشول” الذي يعود الى عصر ملوك سبأ، اسم صاحب النقش وهو (يهودا يكف) (20) واسماء مثل: أشوع و يشوع، في حين ان الآلهة الوثنية المتعددة تصاحب كل نقش، فيما عدا نقش متأخر عثر عليه الباحث مطهر الإرياني في منطقة ناعط، وردت فيه عبارة الإله الذي في السماء، وعبارة آمين (21) فالنقوش اليمنية كتبت من أقيال (وكلاء) او قادة يكرسّون حدثاً لأسيادهم وادعية للآلهة لحفظهم، او كتبت بمناسبة حفر بئر (مصنع او كريف) او رحلة صيد، او صد غارات او العودة من معارك. لكن الوثنية ظاهرة بوضوح. يقابل ذلك التساؤل البسيط وهو; متى عبدت عشائر العبران او بنو اسرائيل إلهاً واحداً؟ فكل الاسفار ليست الا تقريعاً لهؤلاء بسبب عودتهم الى عبادة الاوثان وتخليهم عن الشرائع. ويبقى التساؤل المهم هو: متى تحولت الزجليات التوراتية التي ظلت محفوظة باللهجة السريانية (لهجة ملوك حمير من سبأ) الى كتاب ديني التزمته عشائر اليهود، ومتى فرض على عشائر اخرى، وباية سلطة او كهنوت؟

إن الاجابة على هذا التساؤل مسألة ليست بالمتناول حتى الآن، علماً ان صراع البداوة والحضر الذي طبع تاريخ المنطقة واليمن تحديداً، والامبراطوريات اليمنية التي غزت مشارق الارض ومغاربها (22) والحضارات اليمنية العظيمة التي انتجت الحرف والكتابة والسدود وتدجين الحيوانات وتأصيل النباتات وتقنيات قطع الاحجار الكبيرة (23)، كل ذلك أدى في النهاية الى عزلة اليمن منذ ما قيل الاسلام حتى اليوم حيث اندثرت حضارات ومزقت شعوب وتفرقت “أيادي سبأ” كما يقول المثل. اضافة الى وجود انبياء ورسالات حفظت كزجليات لا يستدعي فرض دين، اذا لم تفرضه سلطة ما. فالمسيحية كانت منتشرة قبل قسطنطين لكنه فرضها على الدولة الرومانية وشعوبها عام 350م حيث أرسيت سلطاتها الكهنوتية، وشاعت مفاهيمها بعد فترة إضطهاد حادة، وانتشرت أناجيلها المدوّنة باتساع. في حين ان السريانية كانت حافظة لزجليات التوراة وليس العبرية التي لا اثر لها في المنطقة، والتي بطل استخدامها حوالى 300 ق.م.

يهودية ملوك حمير ويثرب

من ناحية ثانية، فإن شجرة نسب اولاد سبأ بن قحطان بن هود (حسب المؤرخ الحوّالي)، تشمل عشائر حمير وكهلان. الأزد، همدان، حاشد. وخولان والسكاسك وقضاعة وعمران وعذرة. وعبد شمس وجشم. وملوك حمير: الحارث الرائش، ابرهة ذو المنار، افريقش، شمر يرعش، تبع الأقرن، تبع الاكبر، ملكي كرب، اسعد الكامل، حسان، عمرو الاصغر، زرعة، حسان الاصغر، زرعة الاصغر، زرعة ذو نواس، سيف بن ذي يزن. وهذه العشائر وغيرها من نسل سبأ لم تشمل بني اسرائيل ولا “العبران”، وكانت في ممالكها خلال الالف عام من ورود اسم سبأ وملوك حمير في النقوش اليمنية والبابلية تعبد الشمس والهلال والنار وآلهة لا حصر لها.

واذا كان المؤرخ العربي “ابن واضح اليعقوبي” قد حدّد كما اسلفنا ان ملوك اليمن دانوا بعبادة الاصنام في صدر ملكهم، ثم دانوا باليهودية، فمن الواضح ان “يوسف ذو نواس” الملك الحميري كان على الديانة اليهودية التي كانت دين اليمن الرسمي، وهو يسمى صاحب الأخدود الذي نظم مجازر بحق مسيحيي اليمن ونجران، والذي احرق بعضهم في ما يسمى الاخدود الذي ورد في القرآن في سورة البروج: “قتل اصحاب الاخدود. النار ذات الوقود. اذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد”. ولهذا القهر والاحراق والقمع ضد المسيحية في نجران واليمن اسباب كانت وراء حملة القائد المسيحي ابرهة الاشرم اليمني الاصل الحبشي الموطن، الذي شنّ حملة على غرب اليمن ونجران والحجاز، ادت الى تدمير مدن وحصون، والى موت ذي نواس. وكان ذلك عام 570 م او عام الفيل. وقد استمرت سيطرة الاحباش المسيحيين علي اليمن حتى 575م حين استطاع ابن احد وكلاء ملوك حمير، سيف بن ذي يزن ان يتحالف مع الفرس عبدة النار في طرد الاحباش وتدمير كنائس حضرموت وظفار وصنعاء، بعد ان خذله المسيحيون من غسّان ولخم وعشائر سبأ في بلاد الشام ورفضوا مساندته ضد الاحباش (24).

كما ان “التبع اسعد الكامل” الذي يتصدر “سيرة الملوك التباعنة” والذي غزا مشرق الارض حتى الصين (25) وكان يسمى “ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت واعرابهم طودا وتهامهَ”، كان يهوديا ايضا وكان بينه وبين ذي نوأس تسعة ملوك من بني حمير وقد اشارت النقوش الى بعض مآثره عام 428م. واذا كانت ممالك بني حمير قد امتدت من 115 ق م حتى 575م، فاننا لا نستطيع تحديد جعل اليهودية دينا لهذه الممالك، وان كنا نميل الى ان نعتبر ظهور المسيحية بعد الميلاد بقليل شكّل التحدي للمفاهيم التوراتية، وان جعل المسيحية دينا رسميا للدولة الرومانية عام 350م ومحاولاتها السيطرة على اليمن وانتشار المسيحية فيها، شكلت التحدي الذي ايقظ الديانة اليهودية اليمنية. هذا مع الاشارة الى ان اليهودية قبل 350م لم تكن مستنكرة على الصعيد الرسمي او الشعبي. بل ان الكثير من نساء العرب كن ينذرن اذا ما رزقن بمولود ذكر ان يهوِّدنه (26).

عبر هذه الممالك اليمنية انتشر نوع من التديّن اليهودي المستند الى المحفوظ من الزجليات التوراتية في البقاع التي شملتها سلطتها وفتوحاتها البرية والبحرية. لذلك نلاحظ ان حملة ابرهة الاشرم الحبشي المسيحي ضد مملكة اليمن المتهودة، امتدت الى نجران والحجاز، حيث توقفت قبل مكة ويثرب.

اما في يثرب “المدينة” حيث قبر “هاشم” الجد الاكبر للنبي محمد فكانت العشائر اليمنية من الأوس والخزرج تتعاطى الزراعة، وكانت على تدين يهودي ايضا. لكن ذلك لم يمنع ان تسلم معظم هذه العشائر وان تناصر النبي باعتباره من عشيرة الاخوال، بعد ان قاتله وتخلى عنه الاعمام في قريش. وقد اجمع المؤرخون من القاضي محمد بن علي الاكوع الحوالي، الى الهمداني في كتاب الاكليل، ان الاوس والخزرج بطون من عشائر حارثة بن ثعلبة من عشائر الأزد السبائية اليمنية (27)، وان التهود لم يأت من فلسطين بل عبر ممالك حمير اليمنية. ومن الذين اسلموا من مشاهير يهود الاوس والخزرج هذه العينة (28). 

  • أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد الانصاري كان قبل اسلامه حبراً من احبار اليهود. ولما اسلم اصبح من كتاب الوحي. 

  • اسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد الانصاري الخزرجي، وكان نقيب بني النجار. 

  • بشر المريسي، فقيه معتزلي قيل ان اباه كان يهودياً. 

  • حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الانصاري. 

  • سعد بن عبادة بن حارثة الخزرجي وكان سيد الخزرج. 

  • ابو سعيد الخدري الخزرجي، اصبح مفتي المدينة. 

  • سعيد بن اوس بن ثابت الانصاري. 

  • سند بن علي اليهودي. 

  • عبدالله بن سبأ، رأس الطائفة السبئية التي تقول بألوهية علي بن ابي طالب. قيل انه كان يهوديا واسلم. 

  • عبدالله بن سلام بن الحارث الاسرائيلي ثم الانصاري، وكان احد احبار اليهود. 

  • كعب بن الاشرف الطائي، تزوج من يهود المدينة، ولم يسلم. 

  • كعب الاحبار بن ماتع بن ذي هجن الحميري اليماني، كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن. 

  • نعيم بن مسعود الاشجعي.

هذه العينة من الممالك الحميرية ويهود الأوس والخزرج تؤكد المنشأ العربي لليهودية التي كانت اكثر انتشاراً من المسيحية في اليمن والجزيرة وعلى عكس بلاد الشام. فالمسيحية اخذت مؤمنيها من العشائر المتهودة والوثنية، والاسلام كان مؤمنوه من الاديان التي سبقته ومن الوثنية، وهكذا ظلت في ثنايا العشائر العربية مجموعات يهودية استقرت في المدن غالبا حيث القرب من السلطة، وفي المرافئ القريبة والبعيدة، وظل بعضها على الشكل العشائري كما في تونس واليمن حتى اليوم.

هذا التدين اليهودي الشعبي، كان يستند في غياب تدوين التوراة، وفي غياب سلطة كهنوتية منظمة، على الزجليات التوراتية المحفوظة تماما كسيرة بني هلال، التي تحدثت عن عشائر يمنية وما صادفها في ترحالها من اليمن حتى المغرب العربي، والتي كان يحفظ سيرتها اجدادنا، تماما كما كانوا يروون حكايات سيدنا ابرهيم ويوسف وموسى وايوب. وبما ان التشريعات التوراتية لا تخرج بغالبها عن الثقافة الشعبية، فان التدين كان سهلا رقيقا حفظه المثل الشعبي المقدسي على انه رقيق “رق دين اليهودي”.

المراجع 

  1. قاموس الصحاح، للجوهري. ص.557 ج،2 دار العلم للملايين، بيروت .1984 

  2. القاضي محمد بن علي الاكوع الحوالي. اليمن الخضراء مهد الحضارة. مكتبة الجيل الجديد. ط 2 – 1982 ص .219 

  3. المرجع السابق ص .323 

  4. المرجع السابق ص .345 

  5. الهمداني، كتاب الاكليل، ج اول ص 87 منشورات المدينة – صنعاء – تحقيق محمد بن علي الاكوع الحوالي، ط 3 – 1986 – صنعاء. 

  6. المرجع السابق ص .96 

  7. ابن المجاور الدمشقي. صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز، المسماة: تاريخ المستبصر لابن المجاور. صححه: اوسكار لوفغرين. منشورات المدينة – صنعاء. ص .258 والجزء 8 من الاكليل للهمداني ص .246

  8. ابراهيم احمد المقمفي. معجم المدن والقبائل اليمنية – دار الكلمة – صنعاء 1985 – ص .454 

  9. المرجع السابق ص .479 

  10. حمزه علي لقمان، تاريخ القبائل اليمنية. دار الكلمة، صنعاء 1985 ص .192 

  11. بيير روسي – مدينة ايزيس – التاريخ الحقيقي للعرب. ترجمة فريد جحا. وزارة التعليم العالي . دمشق 1980 ص .23 

  12. مطهر علي الارباني. نقوش مسندية وتعليقات. مركز دراسات البحوث اليمنية، ط.2 1990 ص 200 – .201 

  13. عمان 98/ 1999 وزارة الاعلام ص .10 

  14. فرج الله صالح ديب. معجم معاني واصول واسماء المدن والقرى الفلسطينية – دار نوفل 1991 ص 20-.25 

  15. الصحاح للجوهري، المعطيات السابقة ج3 ص 1324 وكتاب: مزوقات من كلام العرب في اللغة الفرنسية، دار نوفل 2001 ص .154 

  16. الصحاح للجوهري، المعطيات السابقة ج1 ص .187 

  17. المرجع السابق ج6 ص .2376 

  18. معجم المدن والقبائل اليمنية المعطيات السابقة ص .197 

  19. حمزة علي لقمان، المعطيات السابقة ص .332 

  20. محمد عبد القادر بافقية. تاريخ اليمن القديم. المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1973 ص.158 

  21. مطهر علي الارياني، المعطيات السابقة ص .402 

  22. كتاب التيجان في ملوك حمير، عن وهب بن منبه. الطبعة الاولى، 1307 هـ الهــند، حيــدر آبـــاد الدكن، ص .297 

  23. ارنولد توينبي، تاريخ البشرية، ترجمة د. نقولا زيادة. الاهلية للنشر، ج1 – 1981 ص .55 

  24. محمد بن علي الاكوع الحوالي، المعطـيات الـسابقة ص 404 – 405 ومحمد عبد القادر بافقيه، المعطيات السابقة ص .159 

  25. شوقي عبد الحكيم. سيرة الملوك التباعنة. الدار المصرية اللبنانية – 1997 ص .15 

  26. د. محمد بيومي مهران. حضارات الشرق الادنى. اسرائيل ج1 – 1983 ص .214 القاهرة. 

  27. محمد بن علي الاكــوع الحوالي، المعطيات السابقة ص 497 والاكليل للهمداني ج2 ص 54-60 و د. محمد الخطراوي. دمشق. دار القلم 1980 شعراء الحرب في الجاهلية عند الأوس والخزرج ص .12 

  28. د. عبد السلام الترمانيني. ازمنة التاريخ الاسلامي ج1 مجلد .2 الكويت المجلس الوطني للثقافة 1982 عدة صفحات

 

Advertisements

موسـوعـة التـراث الشعبي العـراقي

 

. خير الله سعيد
باحث متخصص بتاريخ الثقافة العراقية
بعـد جهـدٍ متواصل بذله الباحث العراقي د. خيرالله سعيد ، تجاوز أكثر من عقدٍ ونيّف من السـنين ، تم انجـاز ( موسوعـة التراث الشعبي العراقي) بعشـرِ مجلـدات ضخمة، تنجـز للمرة الأولى في تاريخ الثقـافة العراقية، وبهـا يتجاوز الكاتب عـتبـة الـ ( 50 مؤلّـفاً ) ، وبغيـة الاطلاع على المفاصل والموضوعات  الرئيسية فيهـا ، نعرض أدناه ( مقـدمـة هذه الموسوعة ) .
المقـــدمـة :
يشـكّـل التـراث الشعبي العـراقي منظومة من المعارف الثقافية والمفاهيم المعرفية، مستندة في تراكمها ونشوئها الى عمقٍ تاريخي – حضاري، تمتـد جذوره الى العهـد السومري، في كثير من مفرداتـه وظواهره الثقافية، مروراً بالعصور البابلية والأكـديـة والآشورية ، والإسلامية – العبّـاسية، وصولاً الى المرحلة المعاصرة.
وبالرغـم من تعـدد مصطلحات التعريف بالأدب الشعبي كونه: ( تعبيـر عن المجتمـع الشعبي نفسـه، من خلال الكلمة، او هـو الكلام المنطوق عن عامـة الشعب للتعبير عن نفسه، أو هـو تعبير جمـاعي عن تجربة إنسـانية من منظور جمعي ) . أي أن هذه التعابير والمصطلحات تهمـل ( هـوية القـائل الفردي) لكنها ، بنفس الوقت، تحـدد هـوية الجمـاعة الحاملة لمضمون  هذه الهـوية، كـونها تعبِّـر عن الشعـور الجمعي، من جهـة، ومن جهـة أخرى، تُـعلِّـم على هذا، كونه يمثّـل عن انفعال عـاطفي أو فكري تنهـجه العـامة في أساليب تعبيراتها، وتقـدِّمـه بصيغته الساذجة، كـونه ينطلق من مجموعة أفراد ليس لهم كفاية من التعليم الأكاديمي، والغـالبية منهـم أُمـيّـون، لا يحسنون القراءة والكتابة، لكنّـهم يعبرون عـن ذواتهـم بحسٍّ مرهـف وبراءة واضحة، وعـفوية صادقة في اطـلاق تلك المشاعر، التي تُـدرك المضامين الروحية الكامنة في روح هـذا الشعب.
وتنفـرز حـالات الانفعال الفكري في التعبير عـن ( العـادات والتقـاليد) التي  يمارسها عامة الناس، ويـدركونها بحسّـهم الفطري، ويتمايزون بها عن (التراث الرسمي) الذي يتّـخذ من (اللغة الفصحى) لغـة لكتابة ذلك الأدب،  للتعبير عن معـزىً معيّـن، فيما تكون ( لغـة البسـاطة) هي الدليل الأوضح لذلك الأدب الشعبي العراقي، ومن هـنا يطلقون عليه ( معنى السـذاجة) لأن هـذا الأدب الشعبي ينطلق من القريحة التي لا تُخضِع هذا الأدب الى (المنطق العقلي) بل تنطلق من العاطفة العليـا في لحظة الانفعال الوجدانية الخاضعة لهـوى القلب والروح دون تردّد أو انضباط، لذلك هـو (أدب مرهف) عالي الحساسيّة، صادق المشاعر والوجدان .
* والتراث الشعبي: هـو عـناصر الثقافة الحيّـة، أي تلك التي تتنـاقل من جيلٍ لآخر. وفكرة الانتقال للأشياء عبر الزمن هي المضمون الأصلي للمصطلح، وهي التي يلتزم بها في المقام الأول كل مشتغلٍ بهـذا الميدان . *1
ويرى د. محمـد الجوهـري ( مصر) : أن التراث الشعبي، هـو مجمل العناصر الثقافية الشعبية التي يختص بدراستها علم الفولكلور. ويقسِّـم تبعاً لذلك مـيدان التراث الشعبي الى أربعـة أقسـام رئيسية هي: ( المعـتقـدات والمعـارف الشعبية، والعـادات والتقـاليد الشعبية، والأدب الشعبي، والثقافة المادية والفنون الشعبية) *2 ، ونحـن أميل الى هذه التقسيمات لمعنى التراث الشعبي .
وقـد ابتكر الكُـتّاب والباحثون العرب كلمة ( التراث الشعبي) من المصطلح الغربي ( Folklore ) في بداية الخمسينات من القرن الماضي، منهم: أحمد رشدي صالح، وفـاروق خورشيد، وفـوزي العنتيل، ونبيلة ابراهـيم، وحسين النصـار، في مصر، بينما أوّل من استخدم كلمة ( فولكلور) في الفكر العراقي هـو الأستاذ ( محمود العبطـة) ، كان ذلك في عام 1927م، وقـد استعارها من كاتبٍ بغـدادي مجهـول، كانت ( مجلة الثقافة – البصرية) الصادرة في عام 1948م، نشرت له مقالاً خـلا من ( توقيع الكاتب) جاء فيها: ( أن أوّل من أعـاد طَـرقِ هذا الموضوع، ولفت نظر العلماء إليه، هـو أحـد الأدباء الإنجليز – لا يخطر إسمه الأن- وذلك في سنة 1946م) *3 ، وواضح أن الرقـم ( 1946) هـو خطأ مطبعي صوابه ( 1846م ) وإسم الكاتب الإنجليزي الذي استخدم هذا المصطلح لأوّل مرة هـو ( تومس- W.J Thoms  ) .
وكان الكاتب (البصري) قـد أشار الى ( أن بعضهم عبّر عن كلمة (فولكلور) بـ ( الخـلقـيات ) ، وهـو يرى أن ( أحسن ترجمة له هي ( ثقـافـة العـوام ) فإنها تفيد المعنى المقصود تماماً، ومع ذلك فإننا ننتظر من الأدباء وعلماء اللغة، ترجمة توافق المعنى، وتكون بكلمة واحـدة) *4 .
فتصدّى الأستاذ محمود العبطة، لشرح اصطلاح ( الخلقيات) بقوله: ( أن كلمة الخـلق- تعني الناس أو البشر أو العامة، كما هو مفهوم، وقـد استعملها الشاعر التركي( ضياء كـوك ألب) لأول مرة بدلاً من  كلمة ( الفولكلور) في الأدب التركي، وهي تعني عند الأتراك: كل ما يتعلّق بالشعب ( آثار الشعب- أو المأثورات الشعبية) *5 .مع ملاحظة أن عـامة أهل العراق يستخدمون كلمة ( الخـلگ ) للتعبير عن الخلق .
ومن الصعبِ ربط ظهـور الأدب الشعبي بتاريخ معيّـن، حيث ظلّ الأدب الشعبي مقروناً بالإنسان الأول الذي برز فوق سطح الأرض، وهو الذي أطلق عليه علماء الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا اسم (الإنسان البـدائي) صاحب المستوى الحضاري البسيط، ذلك الإنسان الذي مارس صراعه مع الطبيعة وقواهـا، فشكّـلت هذه الممارسات رصيده الثقافي والأدبي، فتوارثها أبناؤه عـبر العصور، ويتمثّـل هـذا الأدب البـدائي في  (المـلاحم والأساطير والحكايات الخرافية وحكايات الحيوانات، وقد احتوت هـذه العناصر( العناصر السحرية والدينية، كالصراع مع الالهة، وتضمّـنت التاريخ الاجتماعي) *6 .
وقـد استطاع الآركيولوجي العراقي الكبير د. طـه بـاقـر في كُـتبه : 1- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة – جزءآن.  2- مقدمة في أدب العراق القديم.  3- من ترثنا اللّـغوي القديم- ما يسمى في العربية بالدخـيل . *7 . فقـد استطاع هذا العالم الكبير من أن يربط لنا- في هذه المؤلّفات- التراث السومري العراقي القديم وما يترابط معه في السياق التاريخي للتراث الشعبي العراقي المعاصر، بحيث أننا كباحثين في الأنثروبولوجيا والتاريخ، نجـد في هذه المؤلّفات، الترابطات التاريخية لهذا التراث العراقي، فهناك الكثير من العادات والتقاليد والمفردات الشعبية قـد رُحِّـلت إلينا من التراث السومري، وهي نقطة لافتـة اهملها بعض الدارسين، من العراقيين والعرب، على حدٍّ سواء، ولكن انتبه إليها بعض الدارسين الغربيين وعلى رأسهم جيمس فريزر وصموئيل نـوح كريمر .
ونظراً لكون الأدب الشعبي مرتبط بشكلٍ وثيق بقضايا الشعب، وهو يعبّر عن نفسية هذا الشعب في مختلف الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية ، ولذلك نحن نعتقد بأن الأدب الشعبي، بشكل خاص، بوصفه أحّـد الروافع الأساسية في الفولكلور أو التراث الشعبي، وهـو المعبّـر الأساسي لنفسية الشعوب، فالنصوص التي ينتجها هذا الأدب تمثّـلُ مقياساً نفسياً وثقافياً لتلك الشعوب، وكلّـما توغلنا عميقاً في دراستنا لتاريخ هذا الأدب، نستطيع أن نقرأ بوضوحٍ أكثر أصالة الشعوب في كل المنعطفات .
* ثمة إشكالية ظهرت في تميّز العـلاقة بين ( الأدب الفصيح والأدب الشعبي) شغلت المشتغلين بالتراث الشعبي ونُقّـاد الأدب الحديث، لا سيما في خمسينات القرن الماضي، حيث أن مسألة ( مفهـوم أدب العـامـة) يذهب الى أن العـامية شرط جوهري في تحديد  مفهوم الأدب الشعبي ، كون اللغـة تشكّـل جزءاً هـاماً من العمـل الأدبي، فـإن المحتـوى لا يقل عنها أهمية، وهما عنصران متداخلان من الصعب الفصل بينهما. وقـد رأى بعض الباحثين في دراسة هذه الإشكالية يمكن أن توجز بالنقـاط التالية : *8
آ- ليس كل ما يكتب بالفصحى يكون بالضرورة أدباً رسمياً، فهـناك الكثير من الآثار الأدبية الخالدة كُـتبت أو رويت بالفصحى البسيطة، وهي مع ذلك تصنّـف في الآداب الشفوية أو الشعبية، ومنها ( ألف ليلة وليلـة، والسِـير الشعبيـة) وغيرها، ولهذا لن تكون الفصحى شفيعاً لهذا الأدب من أن يكون شعبياً ، فشعبيته لا تكمن في عـامية لغـته، على الرغم من أن بعض هذه الآثار السردية، تلتجئ في بعض الأطوار الى الإغتراف من العامية، لغـايات فنيّـة طوراً، ولعجز الرواة والساردين- فيما يبدو- عن العثور على ألفـاظٍ فصيحة طوراً آخر.
ب- ليس كل ما يكتب بالعامية، يعـدُّ بالضرورة أدباً شعبياً، وتجري هذه السيرة أو الملاحظة على ( كُـتّـاب المسرحيات والروايات والأغاني الشعبية) وهي لا ينبغي أن ترقى الى مقام ودرجة الأدب الشعبي.
ج- إن صفة الشعبية، التي تلازم أجناساً من الأدب، وضروباً من القول، لا تكمن إذن في العـامية ولا في الفصحى، وإذا كانت العاميـة أداة في الأدب الشعبي، بوصفها من مقوّماته، وإنها عامل مشترك بين الأثر المجهول المؤلّف والمعروف، فإنه لا ينبغي الخيار في استخدام اللغة التي يريدها المبدع الشعبي- عامية أو فصحى- فمن الخطأ أن نطلب من المبدع الشعبي الذي ينتمي الى الطبقة الدُنيا، التعبير بالفصحى، والعامة من الشعب الذين يخاطبهم عاجزين عن فهـمها .
والأدب الشعبي، هـو جوهرة محصورة في ذاكرة الشعوب، وهـو يؤلف الرأسمال الثقافي الذي يعكس الملامح المتميزة لجماعاتٍ بشرية مختلفة .
يظهر أن سبب الخلاف بين العُلماء في تحـديد مفهوم الأدب الشعبي، يعـود أساساً الى عنايتهم بالشروط الخارجة عن ماهية النصوص الأدبية، وقـد وضعت هذه القيود في مرحلة الاهتمام بدراسة الأدب الشعبي ( الرواية والتـوارث وجهل المؤلف والجماعية والتقليد أو العراقة، واللغة العامية والفصحى، والعادات والتقاليد والوجدان الشعبي، والذاتية الشعبية، والتقدم الحضاري، والقول التلقـائي) وهي شروط لا تقتصر على التعبير الشعبي، بقدر ما يشترك في بعضٍ منها الأدب الشعبي المدوّن، وتعتبر هذه الشروط الان جزءاً من تاريخ الأدب الشعبي. *9
* وبداية، حين نعلم أن العرب كانوا أميّين، في بدء ظهورهم وتعليم وجودهم الثقافي، في الأماكن الجغرافية التي ظهروا فيها، وتعبيراتهم الثقافية كانت هي الأخرى أمـيّـة، فهذا يعني أن المنطق يقول أو يقضي بسـبق الأدب الشعبي على الأدب التقليدي المعروف، كـون الأدب الشعبي هو الذي يصوّر الحياة بتفاصيلها ووقائعها لا الأدب التقليدي الخاص الذي تحكمه التقاليد والرسوم والآداب الاجتماعية ومجالس الشيوخ والملوك .
لقـد شكّـل اللّـحن في اللغة العربية الفصحى، في أواسط العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، بحكم الاختلاط المتنوع بين الشعوب ، مما أدى الى اختلاط اللّـغات وبلبلة الألسن، فظهر الأدب الشعبي في العـراق، في شكله البدوي والحضري، وارتفع الأدب التقليدي، لوصفه الأخير بالضوابط الجديدة، فغطّى بظلّـهِ على ما عداه، وعُني بـه الناس، وتسلّمته المجتمعات، وعنيت به الطبقات، وسجّله الرواة والمصنفون، وظلّ الأدب الشعبي في حالهِ هـذه، منقطعاً مستوحشاً بالقياس التقليدي، ينتظر العناية والتسجيل، وقـد كانت حادثة قتـل ( الوزير جعفر البرمكي) من قبل الخليفة العبّاسي هارون الرشيد سنة 178هـ الموافق 803م ، والتي عرفت في المدونات التاريخية باسم ( نكـبة البرامكة) حيث مع هذه الحادثة ( إنـولد المـوّال العراقي) وكان يعرف بـ ( المواليا) كأوّل نوع من الأدب الشعبي العراقي يسجّل حضوره . *10
ويعتبر بعض الباحثين العراقيين *11 أن ( الرجز) هـو شعر شعبي ، في بادئِ تكوينه، مستنداً في هذه الحجّـة على ما ذكره ( إبن وهـب الكاتب- أبو الحسن إسحاق بن ابراهيم) المتوفى بعد سنة 335هـ/ 947م ، بقوله ( إن الرجز= الساقي الذي يسقي الماء) حيث أن الأصل في الرجز، أن يرتجز بها الساقي على دلـوِهِ إذا امـدّهـا، ثم اخـذت الشعراء فيه، فلحق بالقصـيد ) .
وهذا يوضّح أن ( الرجز) شعر شعبي، يقترن ترديده أو إنشاده أو الغناء بـهِ، على أن الصحيح شُـغلاً للنفس عن مشقّـة العمل وتسلية لها من الهموم، وشحناً لها بمزيد من الطاقة للاستمرار فيما هو فيه من جُهـد) *12
وما ان جاء القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، حتى ظهرت في العراق فنون الأدب الشعبي متكاملة، منهـا :
* فـن المواليا، والـدوبيت، والكـان وكان، وفن القومـا، وفن الزجل، وهـو الوجه الشعبي للموشّح الأندلسي الفصيح * 13
ومن المهم معرفة ان الفنون الشعرية الشعبية العراقية والأندلسية، سجّلت لنا نـوعين من القـوالب، أوّلها ( الرُباعي البغـدادي) والثاني ( المتعـدد القوافي والوزن) وهو الزجل ذو الطابع الأندلسي. ومع هـذين الفنـّين، ينبغي أن نـذكر ( الشعر البدوي) الذي ذكره – إبن خـلدون- في ( مُقـدّمتهِ) و ( الحجـازي) الذي ذكره صفي الديـن الحلّي في ( العاطل الحالي والمرخّـص الغالي) كما عرف في الأندلس أنـواعاً أخرى من النظم الشعبي منها: ( الأصمعيات والبدوي والحوّاني ، وعروض البلد) حفظاً لذكراه المشرقية، وحرصاً على النظم، بمقتضى تقاليده القديمة. *14
وبعـد أن  تفرّعت الفنون الشعرية الشعبية، وانتشرت في البلاد العربية، وجـدناها تحذو حذوَ واحدٍ من هذه الأصناف الثلاثة، فأمّـا الصنف الرباعي العراقي فمنه ( العتابة والأبوذية والمربّـع) وما إلى ذلك، وأمّـا الصنف الأندلسي الملوّن ومنه الزجل الحالي  في ( بلاد الشام ومصر والمغرب) و( الحميني اليماني القـديم) . وأمّـا البـدوي، الذي يحاول الاقتراب من شكل القصيدة ( والذي يسمى الان في الخليج العربي الشعر النبطي) والذي يبنى على القافيتين، في كل شطرٍ قافية، والوزن واحد، ونسميه في العراق( النصاري) بشكله الحديث ، واهل بلاد الشام تسميه ( الهـجيني) وهو البدوي الخالص .
* وأمّـا مفهوم الأدب الشعبي وخصائصه فهو ( العبارات والجُمل، والأمثال والأشعار والخطب والقُصص والأساطير) التي تنعكس من ضمير الشعب وقلبه وعقله، انعكاسا مطبوعاً لا مصنوعاً، لتجعل منه مجتمعاً له خصائصه المتميّزة وطابعه الخاص، وكلها حصيلة حياته وجهـد الباحثين، من حيث كونهما معـبّرين حقيقيّين عن حقائق أدبية واقعة فعلاً دون تكلّف أو تزيـد .
ويدخل في هذا المفهوم ( الكنايات والأمثال والتعليقات والأشعار والقصص- حتى الخيالي منها- والنضال المسجّل شعراً ونثراً، وتخرج منه ( النصوص التي قيلت احترافاً أو تكليفاً) وبطريقة لا تجعل منها فكراً يمثّـل أغلبية الناس، أو يُماس ما تضمره نفوسهم، وهـذا يعني ان ( أغاني الراديو والتليفزيون والقصص والمسلسلات والمسرحيات) لا تعد أدباً شعبياً، قبل مـرور وقتٍ كافٍ يجعل منه تراثاً للشعب. *15
* أمّـا الخصائص التي تحدد للأدب الشعبي هويته وكيانه فهي :
1- أن يكون حيّـاً معافى- يحمل طاقة متجددة وقوة على التجدد والتلوين .
2- أن يكون له طابعه الخاص، لغـة وتعبيراً .
3- أن يكون معنياً بالصناعة اللفظية، وخصوصا  بتشقيق المعاني من الكلمة الواحدة – كما هو في الشعر المجنّس، مثل ( الموال والأبوذية والعتابة والميمر والهات وغيره) .
4- أن يكون له أوزانه الخاصة في فـنونـه الخاصة .
5- أن يكون ابن بيئتـهِ – الزراعية والرعوية والصحراوية وبيئته الجغرافية .
6- أما فيما يتعلّق بالنثر، والذي يشمل ( المثل والقصة والخطبة ومحاضر جلسات المصالحة العشائرية، والاتفاق على الديات، والخطبة والزواج والطهور، فأهـم الخصائص فيها فهي 😦 البساطة والسذاجة ومحاولة التطاول على النحـو والبلاغـة التقليدية، إنقيـاداً الى قيمتها واستسلاماً لها، بعكس الموقف فيما يتصل بالأشعار الخاصة بالفكر الشعبي) . * 16
* عـــلاقـتي بالتـراث الشعبي العـراقي : مُـذ أنيطت عني التمـائم، وقطِعَ عن غُرّتي قِـذال (الدلاّعـة) *17 ،وبدأت نقلاتي الأولى على الأرض، كان الموقـدُ ودلال القهوة العربية والسجّاد الصوفي، المصنوع يدويّاً بنولِ أُمّـي، هي مشاهداتي الأولى لجمال الأشياء. وقد وُلِـدتُ بين احضان عائلة فلاحية، عاشت في أرضٍ سومرية الأصل تسمّى ( ميسان) واصلها السومري ( ميشان)، أرضٌ تجتاحها الأهـوار، ومـزارع الشلب – أي الرز، والحنطة والشعير، وباقي البتـوليّات النباتية.
كنتُ اصحو على ثغاء الإبل والشياه وصياح الديكة، و(صكلكة الغنم ) *18 ، وهي تخرج من زرائب الدار، فيما كانت أمّي تكنسُ ( مراح الغنم) وتجمع ( البعـرور) لتـصنع مـنه  (جلّة) أو ما نسميه ( المطّال) .
في المسـاء، كنت أشاهـد كيف تصنع امي ( الروبة) أو اللبن الخاثر، من الحليب، فيما كانت عند الظهيرة تصنع للعائلة ( الطـابگ) *19 من طحين الرز الأحمر وتشوي معه السمك على المطـال .
في خطواتي الأولى، كان موقد النار ودلال القهوة، هي المشهد الذي يروقني منذ الطفولة، كان أبي يُجلسني بين احضانه وهو ( يُحمِّـس حبات البن الخضراء) في ( المُـگـلا) أو المقلاة، ثم يقعدني جانباً ليبدأ بعملية ( دق حبّات القهوة) التي تحوّلت الى اللّون البني الغامق، بعد أن تبرد قليلاً، ثم يضعها في الهـاون النحاسي الكبير، ثم يبدأ بسحن حبات القهوة وتنعيمها بطريقة فنيّة مموسقة، اثناء عملية الدق، لتجلب انتباه جيراننا في السَـلف*20 . رنّـات الهاون جعلتني أٌصيخ السمعَ بشكل مرهف، وعندما كبرت قليلاً بدأت أتعلّم كيفية ( العزف) على هذا الهاون النحاسي، وكيف اقلّد أبي في الضرب عليه ، بغية الحفاظ على تلك النغمة المموسقة، فحفظتها عن ظهر قلب حتى هذه الساعة.
حين ارتحلنا الى بغـداد، في سنة ( الفيضان) أي في عام 1954م حيث وقع فيضان دجلة، استوطنا في أكواخٍ من القصب والطين، كانت تسمى ( الصرايف) في منطقة تقع شرقي الكرخ تسمى ( الشاكرية) *21 ، وتحسب إدارياً على ناحية ( الحارثية)، وكان اغلب ساكني الصرايف هـم من أبناء الجنوب العراقي الذين نزحوا نحو بغـداد، فنقلوا معهم إرثـهم الثقافي الشعبي .
في بغـداد، لم نتخلّى عن (عـوائدنا الريفية) وكانت دلال القهوة والمنقلة والهاون النحاسي، قد استصحبها أبي معه عند الارتحال، وبكى أبي على تخليه عن كلبنا ( بخيت) حيث تركه لبيت عمي في ميسـان .
ما أن استقرّت العائلة في ( الشاكرية) وتوظّف أبي في السلك العسكري( الشرطة) إلاّ أنه لم يترك عاداته الريفية، فهو راس العشيرة بعد وفاة جـدي، فأصبح ( المضيف) في دارنا يستقبل كل الزوار القادمين من الجنوب العراقي، وصرتُ أسمع في هـذا ( المضيف) في أوقات السامر الليلية بعض الحكايا التراثية وقصص الأبطال، وخرافات ( الطنطل) وايام الحروب، وهـوسات ثورة العشرين- عام 1920م- ضد الاحتلال البريطاني. كما شهدتُ في هـذا ( المضيف) ( طلايب العشاير) وقضايا الفصل العشائري، واداء ( الديّــات) و (شـدُّ الراية) أو ما تُعرف بـ ( راية العبّاس) وأخذ ( العطوى)، وكان – بيرغ العشيرة- موجود أيضاً في مضيفنا، وقد الزمني أبي أنا واخي الأكبر حسـن، بضرورة تعلّم ( شيلة البيرغ) والتهويس فيه ، أي كيفية الرقص واللعب فيه اثناء ( العراضة) وفق قـواعد أصولية بأبناء كبير العشيرة ان يعرفوها، والبيرغ يحتاج الى ( زنـد قـوي) لحمل الراية او البيرغ .
تقدمي في عمر الطفولة ودخولي المدرسة الابتدائية في ( مدرسة الإخلاص الابتدائية للبنات) في منطقة كرادة مريم- بجانب الكرخ، كانت هـناك ( الصدمة الثقافية) لنا ، نحن ابناء الصرايف، حيث كان شكلنا وهيئتنا وملابسنا، مختلفة تماماً عن ابناء كرادة مريم، الذين يرتدون الملابس الأنيقة والقصيرة، والأحذية المُلمّـعة الجلدية وغيرها، بينما كُـنا حفاةً لا نملك حتى سعر الحـذاء، الأمر الذي حـدا بالمدرسة لأن ( يصرفوا لنا معونة الشتاء) من الملابس والأحذية الشعبية ( مصنوعات شركة باتا)  وهي تصرف للطلاب الفقراء سنويّـاً .
في دروس الرسم والأعمال اليدوية، كُـنا نحن المنحدرين من اصول فلاحية جنوبية، نرسمُ أشجار النخيل والقصب والأهـوار و(المشاحيف) أي الزوارق المائية، والأبقار والخيل، ونحسن صناعتها من (الطين الحِرّي) النظيف، مما جلب انتباه مُدرّسة الرسم وتسألنا: من أي المناطق أنتم؟ فنقول لها : ( إحنا من اهـل العمارة) أي من محافظة ميسان.
في المدرسة بدانا نشعر بفوارق اللغة واللّـهجة بيننا وبين اهـل مناطق الكرخ من الطلبة، فاغلبهم يتحدثون بـ ( اللهجة البغـدادية) ونحن نتحدث بلهجة الجنوب العمارية، كانوا يطلقون علينا نعت( شراگـوة أو شروگـية) *22 ، وكنا نطلق عليهم ( عـلݘ نايلون)  أي إنهم ناعمين وجبناء، وهم يتندرون علينا بهذا النعت دائماً .
حين عبرنا الى الدراسة المتوسطة، بعـد انتهاء المرحلة الابتدائية ، ومن بعـدها المدرسة الثانوية، ظلّت اللهجة الجنوبية عالقة في ألسِنتنا ولغتنا، بها كنا نُعرف عن بقية سكان العـراق، وظل التراث الشعبي الجنوبي العراقي يظهر علينا في السلوك وفي الثقافة اليومية، في أفراحنا وأتراحنا، في رقصاتنا وفي أهازيجنا. وللغـناء الجنوبي، نكهـة خـاصة يعرفها اهل العراق كافة. وكان غـناء المـوال والأبوذية والبسـتة، هي الهوية الجنوبية التي يتميّز بها اهـل الجنوب، وهـم أس الفولكلور العراقي، ومن هناك يبدأ .
* في المرحلة المتوسط من الدراسة صرتُ أميل الى ( كتابة الشعر الشعبي) لا سيما ان ( مدينة الثـورة) التي نسكنها في شرقي بغـداد – الرصافة- وأغلب سكّانها من النازحين من جنوب العراق الى بغـداد، وكان الشعر الشعبي، لغـة العامة في التخاطب اليومي في هذه المدينة، فكنت قـد بدأت بنظم الشعر الشعبي قبل سنوات، واشتد عودي فيه، ورحت أتابع الشعراء في هذه المدينة مثل: شاكر السماوي وعريان السيد خلف وكاظم اسماعيل الگـاطع وجمعة الحلفي ورياض النعماني وجودة التميمي ورضا جونة العبودي  ولطيف الساعدي وغيرهم الكثير.
وصرنا نعقـد ( المجالس والأمسيات للشعر الشعبي) ونتعاطى فـيه في المراسلة والارتجال، حتى الأعراس الشعبية، بـدأت تتحول – في أواخر الليل-  الى أمسيات للشعر الشعبي، يشترك فيها عـدة شعراء، وخصوصاً إذا كان المتزوج شاعراً، كما هو الحال عندما عرّس الشاعر الشعبي ( هاشم مجلي وهاشم جونة العبودي) وغيرهم . وقـد حوت مدينة الثورة لوحدها اكثر من ( ألف شاعر شعبي) عـدا النساء .
بالإضافة الى الشعر، كنت ميّـالاً جـداً – كأبي- الى حضور مجالس الغناء الشعبية، وكان لي أصدقاء كثرُ من المطربين والمغنين وعلى راسهم المطرب الكبير يونس العـبودي، وما زالت علاقتي به قائمة .
* وقـد أخذت مني السياسة، كل هذه الإهتمامات فيما بعـد، وشغلتني كثيراً حتى خروجي من العراق عام 1979م، وكان في حقيبة سفري عند الخروج أربعة كاسيتات لأشهر المطربين العراقيين وهم كل من : سيد محمد، سلمان المنكوب، داخل حسن، ويونس العبودي .
في عام 1984م، تخليت عن السياسة كليّـاً، واختلفت مع التنظيم اليساري الذي كنت فيه وانا في بلغاريا، واتجهت الى ( الدراسات الأكاديمية) ورحت ابحث في ( التراث العربي الإسلامي) من أوليّـات الثقافة العربية وتأثير ثقافة العراق فيها، لا سيما في العصر العباسي، واشتد عودي، وطال باعي في ذلك، فأصدرت الكثير من الكتب والدراسات، نافت على ( الأربعين كتاباً) أغلبها في التراث العباسي، ثم التفتُّ الى ( التراث الشعبي العراقي) .
* المُحفّـزات لكتابة موسوعة التراث الشعبي العراقي :
* التراكم الثقافي والتاريخي الذي رافقني، وسعة الاطلاع على الكثير من المعارف والعلوم الإنسانية، أملى عليَّ التحول نحـو التراث الشعبي العراقي، للأسباب التالية:
1- صمؤيل نـوح كـريمر: هذا العـالِم الأمريكي، الأُوكراني الأصـل، الذي وُلد في مدينـة ( كييف) في 28/ تشرين الثاني/ 1876م،، وتوفي في 26- نوفمبر/ 1990م، هذا العالم كان قد غـادر مدينته ( كييف) عام 1905م، أيّام القيصر نيكولا الثاني في روسيا القيصرية، وقـد انتقل الى ( الدراسات الشرقية) في جامعة بنسلفانيا، كان يحاول فك رموز بعض الكتابات المسمارية للحضارة السومرية العراقية، والتي تعود الى أواخر العصر البرونزي ( حوالي 1300 ق. م )، وكانت بداية عملهِ في فهـم نظام الكتابة المسمارية .
في سيرتهِ الذاتية، والتي نُشرت في عام 1986م، قال: أنـه يلخّص إنجازاته الأكثر أهمية، هو لعب دوراً في نشر واصلاح وبعـث الأدب السومري، وثانياً: سعيه الى ترجمة الكثير من النصوص السومرية الموثوق بها والمعقولة لكثير من هذه الوثائق الى المجتمع الأكاديمي، وخصوصاً في الأنثروبولوجيا وعلماء التاريخ وعلماء الإنسانية. وثالثاً : لقد ساعد على انتشار ( إسم سومر) وجعل الناس على بيّـنة من الدور الحاسم الذي لعبه السومريون في الصعود للإنسان المتحضّر.
وقـد ألّـف الكثير من المؤلّفات التي تخص : 1- الأساطير السومرية ،دراسة الإنجازات الروحية والأدبية في الألفية الثالثة – منشورات ( B.C ) عام 1944 ومراجعة عام 1961 م .
2- يـبدأ التـاريخ  بسومر: مطبعة جامعة بنسلفانيا عام 1961م .
3- السـومريون: تاريخهم والثقافة الشخصية – طبعة شيكاغو، منشورات جامعة شيكاغو 1963م .
4- أنـانا – ملكة السماء والأرض: طبعة نيويورك عام 1983م .
5- في العـالم سـومر : وهو سيرة ذاتية – طبع في عام 1988م . *23 .
* إستفزّني هذا العالم كثيراً، لا سيما بانحيازه الجميل نحو التراث السومري، وحين قرأت كتابه ( يبـدأ التـاريخ بسومر) شعرت أنّـه يصفعني بعنف، ويقول لي: هـذا تـاريخ بلادك، فلمَ أنتَ عـاجزٌ عــنه! . وشكّل هذا الكتاب تحديداً ( منهجية لي) في كل دراساتي التراثية، الأدبية والتاريخية، واخيراً دراساتي الأنثروبولوجية والفولكلورية، فكنت اعـود الى ( سـومر) في تأصيل أي ظاهرة أدرسها ، لا سيما في تأصيل الظواهر والمفردات الفولكلورية العراقية، فأبدأ من (تاريخ سومر) وأستمر في تتبع الظاهرة عبر كل المراحل التاريخية، وصولاً الى لحظتنا الراهنة . وهـو منهـج متعب جـداً للباحث، فأنا أدرس كل يوم ما لا يقل عن ( 15 ساعة) كمعدل وسطي، فصرتُ مهـوُسـاً بالتاريخ، وأعتبر (كل ظاهرة) ليس لها أساس تاريخي، فهي ظاهرة دخيلة وليست أصيلة.
وهذه العـدوى التاريخية رماني بها ( كريمر) وعلى ضوء ذلك صرت أعود الى كتاباته عن (الحضارة السومرية) كما وجدتُ مفتاح ذلك عـند باحثنا العراقي الكبير الآركيولوجي د. طـه بـاقر، حيث هـو الآخر واحد من الذي تتلمذوا على يـد ( كريمر) وابدع في الآركيولوجيا العراقية، فقـادني وساعدني كثيراً في معرفة تاريخ العراق القديم وآدابه .
2- وكان المحفّـز الثاني والأكثر استفـزازاً معرفياً لي هـو : العالم الإنجليزي جيمـس فـريزر- ( James George Frezer ) والمولود في ( جلاسجو الاسكتلندية) في 1 / يناير/ 1854م ، وهـو واحد من أشهر علماء الأنثروبولوجيا والفولكلور. ألّـف كتابه المشهور ( الغـصن الذهبي –The Golden Bough  ) والذي طبع في عام 1890 في طبعته الأولى، والذي أوضح فيه أن أكثر الأساطير والشعائر الدينية وظهورها في بلاد الرافدين *24 ، وقـد صدر الكتاب – فيما بعد – بعدة طبعات ، وترجم الى الكثير من لغات العالم المختلفة. ويعـدُّ هذا الكتاب من أهـم المؤلّفات في مجال الميثيولوجيا وعلم مقارنة الأديان، حيث انّـه تعرّض في هذا المؤلّف، الى العديد من الثيمات الميثيولوجية المعروفة في الأديان والمعتقدات المختلفة في تاريخ البشر، وقام بوضعها في إطارٍ مقارن، موضحاً مدى التشابه، وربما التطابق بين ممارسات هذه المعتقدات القديمة البدائية وطقوس الديانات الحديثة . وقـد اعترضت المسيحية عليه في ( صدورهِ الأول) مما أجبره على حذف كل ما هو معادي للمسيحية في الطبعات اللاّحقة . والكتاب ظهر في طبعتهِ الأولى بجزئين عام 1890، وبعدها بعشر سنوات – أي في عام 1900م- صدرت الطبعة الثانية، وأضاف إليها مجلداً ثالثاً، ثم صدرت الطبعة الأخيرة ( للغصن الذهبي) في 12 مجلداً ، بشكل متتابع ما بين  1906 – 1915م . والكتاب يقع في ( 69 فصلاً) وحوالي  ( 900 صفحة) .
* ثمـة عبارة في هـذا الكتاب ، كانت الأكثر استفزازاً لي هي قوله: ( الشرق حاضر الفولكلور وحاضره الأبعـد العــــراق) فكانت هذه العبارة من الدوافع الرئيسية في كتابة هذه الموسوعة .
3- وكانت الحـروب على العراق، بشكلها المعاصر، بـدءاً من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، وما تعرّض له ( المتحف الوطني) من سرقات لمحتوياته، والتي تحتوي على مخطوطاتٍ نادرة في التراث القـديم، ومروراً بحرق المكتبات في العراق، لا سيما   (مكتبة الخلاّني) التي تحتوي على مخطوطاتٍ نادرة في التراث الشعبي العراقي، ثم جاءت ثالثة الأثافي، حيث هجوم داعش على التراث البابلي والكلداني والآشوري في محافظة نينوى، وغيرها ،مما أشعل النار في جوانحي، وجعلتني أتفرّغ كليّـةً لجمع التراث العراقي، بدءاً من عام 2003، حيث أدركت ان هـذا التراث الثقافي مستهـدف بشكلٍ مُمنهـج لتخريبه والقضاء عليه، مما ألزمني أخلاقياً ومعرفياً، بجمع الكثير من الوثائق والكتب والدراسات وبعض المخطوطات، وما سجّـلتُهُ في دفـاتـري الخاصة و  (كشاكيل) وكانت تعد بالآلاف من الصفحات، وكنت اتحيّن الفرصة للبدءِ في الكتابة والتحرير، رغم أني كنت قد نسّـقتها بشكل تاريخي ممهنج، لا سيما وانه لا توجد في العراق، منذ تأسيسه وحتى اللحظة ( موسوعة خاصة بالتراث الشعبي) لتكون مصدراً موثوقاً يمكن العودة إليها في كل وقت .
4- وكان الحافز الأرأس للشروع بالكتابة هو ( صدور موسوعة التراث الشعبي العربي) بأجزائها الستة ، تحت إشراف د. محمد الجوهري وبمساعـدة فريـق عـلمي مـكـوّن من ( 21 باحثاً متخصصاً في مجال التراث الشعبي ) عام 2012م، حيث وجّـه د. محمد الجوهري ( دعـوة) في الجزء السادس – ص15-  أهاب بها ( كافة الزملاء العرب، المشتغلين بدراسات الفولكلور، في شتى أنحاء العالم العربي الى تـدارك النقص في التغطية لموسوعة التراث الشعبي العربي) فلبينا هذا النـداء، من جهة، ومن جهة أخرى، هـو وجود نقص كبير جـداً في ( المواد المنشورة عن التراث الشعبي العراقي) وبمجملها لا تتعدّى عــدد أصابع اليدين، ناهيك عن الأخطاء الفظيعة التي كتبها باحثون عرب ومصريون عن التراث الشعبي العراقي! ممّـا جعلني اكثر استفزازاً، حيث تطلّبت الضرورة المعرفية الـرد المنهجي، والدفاع عن التراث العراقي بمنهجية علمية دقيقة، وتغطية كل الجوانب المشرقة في هذا التراث الشعبي في العــراق، لا سيما في ميــدان   (الأدب الشعبي) ، حيث لاحظت أن اغلب الباحثين العرب لم يدرسوا بعمق التراث الشعبي العراقي، ويبدو لي أن ( اللّـهجـة العـراقية) وأسرار مفرداتها، قـد صعّـبت عليهم الأمر، وزادت الشِـقة بينهم وبين هـذا التراث، لذلك كانت ( موضوعات الأدب الشعبي) في موسوعتنا هذه، اخذت حيّـزاً كبيراً جـداً، زادت موضوعاته على ( الأربع مجلدات) بغية إيضاح ما خُفي على الباحثين العرب وغيرهم، حتى من العراقيين، على مكنونات هـذا التراث والأدب الشعبي في العراق، بشكلٍ عام .
* المنهـجية المُـتّـبعة في كتابة هذه الموسوعة، والمـواد المضمّـنة فيها:
لم انحَ في كتابة هذه الموسوعة منحى ( المنهـج التعريفي) فقط في كتابة مـوادها وموضوعاتها وفق الصيغة التي دأب عليها واضعوا ( المواد القاموسية) بل نهجتُ منهجاً خاصاً، زاوجتُ فيه( المنهج الوصفي والمنهج التاريخي ومنهج النقد الأدبي).
وشكّل (منهـج) العالِم الأنثروبولوجي السـويدي (إيكـة هـولتكرانس) في كتابه ( قاموس مصطلحات الإثنولوجيا والفولكلور)دليلاً سرتُ عليه في ( الجزء الأول  من الموسوعة) بشكل خاص، إلاّ أني زدتُ عليه العمق التاريخي، حيث أني انطلقت في تأصيل ( المواد) الموجودة في الموسوعة من التراث السومري والبابلي والأكّدي والآشوري والجاهلي والإسلامي – العباسي، وصولاً الى اللحظة الراهنة، مع إضفاء الخصوصية العراقية، في كل مرحلة من هذه المراحل، بغـية التأصيل التاريخي لكل ظاهـرة، هـذا أولاً، وثـانياً، في  (مسألة ترجمة أسماء الأعــلام) نهجتُ على إدراج ( أسماء الأعلام والمفكرين) ضمن الأبجدية المتبعة في الكتابة، كما هـو الأمر عند ( إيكة هـولتكرانس) ود. محمد الجوهري وجماعته في ( موسوعة التراث الشعبي العربي) بل نهجتُ نهـجاً عراقياً خالصاً، اقتصرتُ الترجـمات فيه على المؤلفـين العراقيين فقـط، وافـردتُ لذلك بــابـاً كبـيراً في  ( الجزء الخامس) من هذه الموسوعة، خاصاً بهـؤلاء الأعــلام، واستطعــت أن أذكـر  (بيبليوغرافيا ) كبيرة جـداً، اتّـسعت لتشمل اكثر من ( 1600 كاتباً ) عراقيّاً، كتبوا فقط في التراث الشعبي العراقي، ولذلك ( لم أُترجم ) لأي كاتبٍ عربي أو أجنبي في هـذا السياق، سوى الذين يتطلب منهج البحث الإشارة إليهم في السياق التعريفي، كما هـو الحال ما ذكرته في ترجمة ( جيمس فريزر وصموئيل نوح كريمر) اللذان وردا في هذه المقدمة.
وثـالثـاً : راعيت ( دعوة ) الدكتور محمد الجوهري، الآنفـة الذكـر، وسرتُ على خطـاه في كتابة المواد ( مادة مادة) ، أو كما نقول في الأمثال العراقية الشعبية ( سرت ويـاه حجل برجـل ) بغية ( تحقيق وحدة البحث العربي في التراث الشعبي) مع الاحتفاظ بالخصوصية العراقية، فرحتُ أكتب- على سبيل المثـال : ( مادة الأدب الشعبي – ص53 مج1 – موسوعة التراث الشعبي العربي) واضع مثل هذه الإشارات المصدرية في بداية كل ( مادة ) في السطر الأول، كإشارة لها بأنها وردت في ( موسوعة التراث الشعبي العربي) في الإشارة المحددة، واضع الى جانبها ما يُـضاهيها في التراث الشعبي العراقي أو ما يخالفها أو يتعارض معها في السياق الشعبي العراقي، هذا من جهـة، ومن جهة ثانية، كنت أضع في ( الحاشية والهامش) أسماء المصادر والمراجع وأرقام الصفحات، ولا أكتفي في ذكر المصدر أو المرجع فقط، بل أذكر دار الطبع ومكانه وسنة طباعته، لأُوفّر على الباحث الجهد الذي بذلته أنا، وأساعده في العودة السريعة الى المصدر الأصلي دون عناء، لأنه ليس من المرؤة الأدبية أن يبخل الباحث بالإشارة المنهجية الكاملة لمن ياتي خلفه او بعده، ويروم الكتابة والتعلّم، فالباحث يجب أن يكون كريماً بعطائه وجهده المعرفي .
كما أنّي أميـلُ وأُدقّـق في المصادر الأصيلة، وأعطي الأولوية لها، وافضلها على المراجع الثانوية، فمثلاً: إذا كانت المعلومة المقتبسة في ( أي مادة ) من ( قاموس مصطلحات الإثنولوجيا والفولكلور) لإيكة هولتكرانس، وهي نفسها وردت في (موسوعة التراث الشعبي العربي) للدكتور محمد الجوهري، فالأفضلية هـنا ستكون للأول، لأنــه أسبق من د .محمد الجوهري . وهكذا في بقية المصادر والمراجع.
* أمّـا فيما يخص موضوعات ( الأدب الشعبي العراقي ) فقد نهجت فيها ( المنهج التاريخي النقدي الأدبي) لذلك كانت الموضوعات واسعة وكبيرة، وشملت أربـع مجلدات ضخمة، بغية الإضاءة الكاملة على كل موضوع أدبي شعبي في العراق .
ونهجتُ في كل مجلّـد، ترتيب المـواد وفق ( أحرف الهجاء العربي- من الألف الى اليـاء- ، وقسمت الموضوعات، وفق الترتيب والتقسيم المتعارف عليه في علم الفولكلور والدراسات الأنثروبولوجية، فجـاءت المجلدات وفق التسميات التالية:
1- المجلّـد الأول : عـلم الفولكلور،، المفاهيم والنظريات والمنـاهـج : وقـد اشتملت مـواده على الموضوعات التالية:
آ- البـاب الأول: رؤيـة في المنهـج والأسلوب.
ب- ملاحظات واستدراكات على ( موسوعة التراث الشعبي العربي) .
ج- إضافات على القسم العراقي .
2- الباب الثـاني: أبعــاد إثنولوجية .
3- الإتجاه الآيديولوجي .
4- الأثنوجرافيا .
5- الإثنولوجيا.
6- الاحتياجات الثقافية.
7- الإخـباري .
8- الأدب الشعبي .
9- الإرث الثقافي المشترك .
10- آر جيولوجيا: دراسة الثقافة المـادية .
11- آرشيف الفولكلور .
12- الاستخدام التاريخي للمأثورات الشعبية.
13- الاستكتاب، كطريقةٍ لجمع المـادة الشعبية.
14- الأسلوب الثقافي .
15- أطلس الفولكلور.
16- الانتخاب الثقـافي .
17- الانتشارية.
18- الأنثروبولوجيا .
19- ببليـوجرافيـا.
20- ببليوجرافيات الفولكلور .
21- تـاريخ الحـالة .
22- التـاريخ الشفاهي .
23- التخلّف الثقـافي .
24- التدرّج الاجتماعي .
25- تـُراث شعبي .
26- التراكم الثقافي .
27- التسجيل الثقافي لعناصر التراث الشعبي .
28- التسلسل الثقافي .
29- التقليدية .
30- التنشـئة الثقافية .
31- تـوثيق الفولكلور .
32- الثقــافة .
33- الثقـافة التقليـدية .
34- الثقـافة الرسمية .
35- الثقـافة الشعبية .
36- الثقـافة الظـاهرة .
37- الثقافة العنصرية .
38- الثقـافة المـادية .
39- جمع عناصر الثقافة المـادية .
40- الجيولوجيا الثقافية .
41- الحاسب الآلي والفولكلور .
42- حماية التراث الشعبي .
43- الحياة الشعبية .
44- نظرية الخـير المحدود .
45- الـدائرة الثقـافية .
46- دراسة الحياة الشعبية .
47- دليل العمل الميداني .
48- ديناميات الثقافة .
49- الذروة الثقافية .
50- الراق الأدنى .
51- الراق الأعلى .
52- الراق الثقافي .
53- الراق الشعبي .
54- رواسب ثقافية .
55- روح المجـتمع .
56- سمات عامة .
57- السُـنن الاجتماعية .
58- الشخصية الأساسية .
59- شعب – حياة شعبية .
60- شـعبي .
61- الشكل الثقافي .
62- صدمة ثقافية .
63- الصيغ الشفاهية .
64- الطراز الثقافي .
65- الطراز المنشئ .
66- الطقوس الاجتماعية .
67- العادات الشعبية .
68- عالم الموسيقى السلالي المقارن .
69- عمل ميداني .
70- عناصر التراث .
71- عنصر ثقافي – سمة ثقافية .
72-  الفكرة الاجتماعية .
73- فكرة أساسية .
74- الفكرة الثقافية .
75- فكرة الشعب .
76- الفنون الشعبية .
77- عِـلم الفولكلور .
78-  القانون الثقافي .
79- قياسات شعبية .
80- كيان ثقافي اجتماعي .
81- متاحف الفولكلور، كمصدر لجمع المادة الشعبية .
82- المتصل الشعبي الحضري .
83- المجتمع الشعبي .
84- المحافـظة .
85- مدرسة الثقافة الجماهيرية .
86- المدرسة المثيولوجية .
87- المدوّنات ، كمصدر للمادة الشعبية .
88- معاهـد الفولكلور .
89- المعتقدات الشعبية .
90- مكانة المرأة في التراث الشعبي .
91- منطقة الالتجاء .
92- المنطقة الثقافية .
93- المنهج التاريخي الثقافي .
94- المنهج السوسيولوجي في دراسة التراث الشعبي .
95- المنهج التاريخي .
96- المنهج في علم الفولكلور .
97- المنهج المقارن .
98- النسبية الثقافية .
99- النظائر الثقافية .
100- نظرية إعادة إنتاج التراث الشعبي .
101- النظرية الآنثروبولوجية .
102- النظرية البنائية والأدب الشعبي .
103- نظرية التحليل النفسي .
104- نظرية الثقافة الشعبية .
105- نظرية العوالم الفولكلورية .
106- نظرية المقارنة الثقافية .
107- النمط الثقافي .
108- هـوية – أو الهـوية .
109- وهـــم الثقافة .
110- الـواجـــب .
* وقـد استخدمت في إنجـاز هذا المجلّد، ما لا يقل عن (  81) مصدراً ومرجعاً .*     *     *
2- المجلّـد الثـاني ، من هذه الموسوعة، فقـد حمل عنوان ( العـادات والتقاليـد الشعبية) واشتملت موادهِ على الموضوعات التالية:
1- أبو الريش   .                                     2- اختبارات شعبية .
3- الأخـذ بالخاطر- عزاء الميّت .                   4-  أربعـين الميّت .
5- الأسماء المستعارة والكنى والألقاب .           6- الكنية بالابن ( أبو فـلان) .
7- الأسواق الشعبية في العـراق .                   8- التعلّق بشبابيك الأولياء والأئمة.
9- أغـــــاني المهــــــد .                              10- قصّـاصو الأثــــــر .
11- الأنـوثـة في التراث الشعبي العراقي.           12- بابا غنوج ( باذنجان مشوي)
13- البحَـت .                                          14- البُــراة … أو البراءة .
15- البطيخ الأحمر ( الرگي) .                       16- البوظـة- أو – الأزبـري .
17- تالت – أو اليوم الثالث للوفاة .                 18- التحكيم –  أو الفَصِـل .
19- التسحير – أو السحور .                        20- التسنين- ظهور الأسنان للطفل.
21- تلقين الميّت- أو قراءة العديلة.                 22- التمرية  أو  الكليجـة .
23- التهبيل. أو نـوح الرجـال .                      24- القهوة وشكل صناعتها .
25- جــيل .                                            26- الحـاتي . أو  ( الباݘݘي) .
27- الحِـداد على المتوفى.                            28- الحصيدة- موسم الحصاد .
29- حـق عـرب .                                      30- الحِـــــمـار .
31- الحمام، أو الطيور وأنواعها ومسمياتها.     32- الحمّامات الشعبية -حمّام السوگ
33- الحِـنّــــــــــاء .                                   34- الحوش، أو فناء الـدار .
35- الختمة – ختمة القرآن .                         36- الخطّابة، أو الخاطوبة .
37- الخــال – أخو الأم .                              38- خـبز التــــنور .
39- خبز الصاج، وخبز مرقوق والخبيّز .           40- ختـان الذكـور .
41- دخاخنية – أو باعة التتن أو التبغ .            42- الـدِخـيل .
43- الـدلاّل .                                           44- راحـة الحـلقـوم .
45- رش المـــــلح .                                   46- الزط- او الغجر- أو الكاولية.
47- زنقة عـزرائيل ( يعالج) .                        48- التسبيل .
49- السخرية أو التـهكّـم .                            50- سعف النخيـل .
51- السِقّاء أو  السّـقّة .                               52- السمك وانواعه في العراق.
53- السِنن الاجتماعية .                               54- الشـــــوارب .
55- شاهدة القبر .                                      56- الشـتائم .
57- الشحّاذون- او المجادية .                         58- الشعائر الجنائزية .
59- شُــعيرة.                                            60- الصنيعـة .
61- طعام- غذاء، وأهم الأكلات الشعبية في العراق.           62- الطــــلاق .
63- الطلِق أو مخاض الولادة .                        64- التطيّب أو التعطّر بالعطور.
65- عـادات الزواج .                                   66- عـاشوراء .
67- العِـتاقـة .                                         68- العجن والعجين وأنواع الخبز.
69- العربنݘيـة ( الحوذيّون) .                        70- العشــيرة .
71- العُـقُـــــــم .                                        72- العونة أو الفـزعـة .
73- العيّارون والشطّار في العراق.                   74- الغرشة أو النـارگـيلة .
75- الغجـــر .                                          76- الفتّـة أو التشريب العراقي.
77- فُـرن .                                             78- في المشمش( مثل) وتقليد.
79- القَــــسم .                                         80- القسمة أو النصيب .
81- القياسات الشعبية .                               82- الكُـتّـاب أو ( المـلاّ ) .
83- كـذبة إبريل .                                     84- الكشك – او البثيث العراقي .
85- لبن مقطوع- أو لبن منشّف.                    86- لفائف الطفل- القماط وما إليه.
87- اللّحية والموس .                              88- الليمون الصغير (نومي بصرة).
89- المحـبس.                                       90- المهـلبيـة .
91- المـولد النـبوي .                               92- النخــــوة .
93- الـنــــدب .                                      94- النــيروز – أو النــوروز .
96- الوســـاطـة .
* استخدم في هذا المجلّـد حوالي ( 144 مصدراً ومرجعـاً ) .
*     *     *
3- المجلّـد الثـالث : حمل عـنوان : ( الفـــنون الشعبية ) واشتملت مواده على الموضوعات التالية :
1- أبو عاجـة – وفي العراق يسمى ( أبو معنّة) وهو شكل غنائي ريفي .
2- الحُـمرة – أو الزواگــة .                      3- الأراگـوز – أو القرقوز .
4- إزرار- واستخداماته في التراث الشعبي .   5- الأســد، كوحدة تشكيلية .
6- أسطى- بمعناها المصري ومحمولها العراقي في التراث الشعبي .
7- الشين – أو لفاف الساق .                    8- الألعاب الشعبية في العراق.
9- الألعاب الشعبية للكبار .                       10- لعـبة كـرة القدم الشعبية .
11- لعبة المحيبس في شهر رمضان.           12- ألوسة – أو العرقـݘين .
13- البابوج – أو الحذاء النسوي.               14- البخنگ- أو غطاء الرأس للمرأة.
15- برطوشة- أو قندرة عتيگـة .                16- البِـشت – أو العباءة الخفيفة .
17- التِكّـة – أو التݘــة عن العراقيين.           18- الثُعبان في التراث الشعبي .
19- الجُـبّـــة .                                      20- الجلاّبية- أو الدشداشة .
21- الجواهرجية أو الصاغة .                     22- حـادي بادي- أو يحدي يبدي .
23- حِـدا – يحدي – حِـداء .                   24- الحطّة أو البريم- اليشماغ العراقي .
25- الحــــــــــــــلاّق .                            26- حُلي الأذن ( التـراݘي) .
27- حُلي الأرجل- الخلاخيل والحجول.      28- حلي الأنف (الخزامة والوردة) .
29- حُلي الأصابع ( الخواتم) .               30- حُلي الرأس .
31- حُلي الصدر والعنق .                     32- حُلي اليـد .
33- الحـــــــواجــب .                          34- خرط الخشـب .
35- الخيمة- أو بيت الشعر .                  36- المرصع العراقي- اوالدبور والناعور
37- الثوب الشعبي . الدشداشة. الدرّاعة.    38- الدربـكة – أو الطبلة .
39- الـدف .                                     40- الـدلّــــة .
41- دولاب الفخّـار .                            42- الـذِكـــــر .
43- الربــاب .                                    44- زُبــــــون .
45- الزخمة -أو الصديري- أو اليلگ .         46- السِـروال- أو اللباس الداخلي .
47- السَـفّود- أو سيخ الحـــديد .                48- الشــال .
49- شَـبّـابـة . أو المطبج . أو الأرغول.        50- صندوق الدنيـا .
51- الصــــوف .                                  52- الطـاقية .
53- الطربـوش .                                  54- العــــباءة .
55- العــرائس الشعبيـة .                   56- رقصة العرضة (الهوسة العراقية).
57- العِــمـامــة .                                  58- العُـــــود .
59- القـبـــݘ .                                      60- قُـبــقــــاب .
61- القِـربــــة.                       62- القرقـيّات . نوع من الشعر الشعبي العراقي .
63- قــلبق .                                        64- القُلّة – أو التنگـة – أو الشربة.
65- القِـناع .                                       66- الكاسر. أو الكاسور- آلة إيقاعية.
67- كليم شـعبي .                           68- الݘـرّاوية العراقية – ( لاسة مصرية) .
69- مـِـداس .                                      70- المـزمـار .
71- المشغولات الخشبية .                        72- المشغولات النحـاسية .
73- المضيفـة .                                     74- النَـعَـــــــــــل .
75- الهـــامـة .                                      76- الوحدة ونص- إيقاع موسيقي.
77- وَسِـم – الوسم .                                78- الوّشِـــــم .
79- الألعـاب الشعبية في العراق : وقــد شملت أهم الألعاب الشعبية المتداولة في العراق المعروفة منها :
* لعبة المحيبس .  *لعبة الطوبة ( كرة القدم).  * لعبة الݘـعاب . * لعبة الدعـابل . *لعبة جر الحبل . * لعبة السيفون . * لعبة يولاد بلبول بلي . * ألعاب الدُمينو المختلفة.  * لعبة النرد ( الطاولي) . * لعبة الـزار .  * لعبة المصيادة . * لعبة المحݘال. * لعبة الشنّاطة.  * لعبة طمة خريزة.  * لعبة الخذروف البصرية. * لعبة الطيارات الورقية .  * لعبة التصاوير .  * لعبة غمّيضة الجيجو .  * لعبة سبح حجارات .  * لعبة بلبل حـاء أو لعبة الحيدة . * لعبة التوكي . * لعبة جير بحاس.  * لعبة أخويِّـلي .  * لعبة الشطيط. *لعبة الگـاري أو الݘروخ العريضة . * لعبة أم احݘيّـم . * لعبة عربانة ݘروخ الصݘم . * لعبة ( الثعلب فات فات) . * لعبة ( ماجينا يا ماجينا – الرمضانية) . *لعبة الدمبلة .  *لعبة البوتـاز أو المفرقعات .  * لعبة سمبيلة السمبيلة .  * لعبة حجي بريج – فلس بعانة .  * لعبة حجنجلي  بجنجلي .  * لعبة الكرة والصولجان.  * لعبة إعظيم الضاع .
* إستُخدم في هـذا المجلّـد أكثر من ( 167 مصدراً ومرجعاً) .
*     *     *
4- المجلّـد الـرابـع : حمـل عــنوان : الأدب الشعبي – ونظراً لسعة هذا الموضوع وكبرهِ وحجمه، فقـد قسمناهُ الى ( أربع مجلّدات ) ضخمة جداً، اقتربت من ( 1000 صفحة ) وهذا القسم الأول منها ، أسميناهُ 😦 مقـدمة عن إشكالية مفهوم الأدب الشعبي) الباب الأول، فيما كان ( الباب الثاني- يحمل عـنوان : ( موضوعات الأدب الشعبي في العراق ) وحملت مواده الموضوعات التالية :
1- الشـعر الشعبي العراقي .                   2- الأمثــال الشعبية .
3- القصص الشعبية .                          4- الـردّات الشعبيـة .
5- الردّات الحسينية، بوصفها شعـراً شعـبياً، ذا مضمونٍ ديني .
6- الفـنون الشعبيـة .                          7- الغـناء الشعبي .
8- الهـوسـات الشعبية .                       9- الأساطير القـديمـة .
ونظرا لكون الشعر الشعبي من السِعـة والكثافة بمكان من الفكر والثقافة العراقية بشكلٍ عام، فقد قمنا – في هذا المجلّد- بتقسيم موضوعات الشعر الشعبي العراقي على ثلاثـة أبواب رئيسية ، لا تخضع لمنهجية العمل) كما هو سـائد في الموسوعات المتعارف على كتابة موضوعاتها، بل أخضعنا العمل – في هذه المجلدات الأربعة- الى ( منهـج البحث النقدي الأدبي )

فك لغز مقطعية جبيل – Al-Akhbar بقلم :توفيق ابوعيد

 

مرة أخرى لمن لم يقرأ مادتي في الأخبار عن فك لغز نقوش (مقطعية جبيل ) أو (الهيروغليفية الزائفة) كما تسمى ايضا.

تقول المقطعية: العرب كانوا هنا في جبيل بلبنان في القرن 18 ق.م. كانت آلهتهم: مناة، واللات، و”مطعم الطير” هنا. كان نظامهم الكتابي الفريد هنا (نظام مقطعي، مختلف جذريا عن الأبجدية العربية الحالية ذات الأصل النبطي). كانت لغتهم هنا، ونقوشهم هنا. هذه النقوش التي هي أقدم من أي نص فينيقي نملكة ب 400 سنة على الأقل، وأقدم من أي نص آرامي بأكثر من 600 سنة على الأقل، وأقدم من التوراة ذاتها بـ 1200 سنة على الأقل.

العرب كانوا هنا في فينيقيا. كانوا هنا قبل نزول القرآن ب 2300 سنة على أقل تقدير.

أكثر من هذا، فإنّ لغة هذه النقوش قريبة من اللغة العربية حد أنّها يمكن وصفها بأنها عربية قديمة. أعرف أن هذا لن يسر كثيرين، ولن يسر كثيراً من «الفينيقيين اللبنانيين» على وجه الخصوص، بل وأعرف أن بعضهم قد ينتحر إذا ثبتت صحة ما توصلت إليه. لكن ما باليد حيلة. النقوش عربية شمالية، بل وعربية قديمة على علاقة وطيدة بلغة القرآن، والنظام الكتابي نظام عربي مقطعي قديم.

اسم هذا الإله يرد بصيغ متعددة منها «مطعم الطير»، ويعد واحداً من أهم الآلهة العربية، وهو إله عائلة الرسول

أعرف أنّ هذا لن يقبل بسهولة. بل وأنه سيرفض. فكيف يمكن للغة العربية، أو لأمها القديمة، أن تملك نصوصاً كتابية أقدم ربما بأربعة قرون من أي نصوص فينيقية نملكها، وأقدم بستة أو سبعة قرون من أي نصوص آرامية؟ نصوص أقدم من نصوص التوراة بألف سنة على أقل تقدير. هذا أمر صادم، ولن يقبل بسهولة. وهو لن يقبل بسهولة أيضاً لأنه يأتي على الأخص من شخص من خارج «الحقل»، الذي هو حقل فيه الكثير من التلاميذ غير النجباء. كما أعرف أن من يكتب بالعربية حول قضايا هذا الحقل يشبه من «يرقص في العتمة»، لن يراه أحد. لكن ماذا علي أن أفعل؟ ما

سوف أركز هنا على اللوحين البرونزيين D و C، فهما اللوحان اللذان يكادان يكونان مكتملين. النقوش الأخرى تالفة بهذا القدر أو ذاك، وليس من السهل اكتشاف «القصة» التي تتحدث عنها. وقد بدأت محاولتي لفك اللغز باللوح «سي». لذا سأبدأ به هنا.

وقد قرأت في هذا اللوح بين السطرين الأول والثاني ما يلي:

سطر 2:

سطر 3:

[ب] ت ر خ. س ن ت. ا

ل ف ل. ز ك ر و

العلامة الأولى مطموسة. وقد قدرت أنها حرف الجر باء. وقد وضعتها بين قوسين للإشارة إلى أنّها من تقديري. وبإضافة حروف العلة التي لا تكتب عموماً، يصير لدينا ما يلي:

«بتاريخ سنة الفيل زكرو».

هذه جملة عربية لا غبار عليها. ومن الواضح أن «سنة الفيل» إشارة مباشرة إلى «عام الفيل» الشهير في الجاهلية، والذي يفترض أن غزواً حبشياً بالفيلة للكعبة جرى فيه، لكن انتهى بالدمار عبر «الطيور الأبابيل» الأسطورية. وكنت قد جادلت منذ سنوات طويلة أنّ «عام الفيل» ليس عاماً محدداً في تاريخ مكة، بل عام ميثولوجي دوري، لكننا لا نعلم مقدار دورته. نحن نعرف مثلاً أن دورة «سنة الحمار» قرن كامل. لكن دورة «عام الفيل» ليست معروفة لنا. وقد أخبرنا أن الرسول محمد ولد في عام الفيل هذا. وهذا يعني أن مولده توافق مع الدورة الأخيرة لعام الفيل، التي حدثت في أواخر العصر الجاهلي، وليس أكثر من ذلك.

وها هي نقوش بيبلوس- جبيل تؤكد ما كنت خمنته من قبل. أي تؤكد وجود «سنة فيل» قبل 2300 سنة من الغزو الحبشي المفترض. غير أن اسم الفيل اختلف. فبينما نجد أن اسمه «زكرو» في لوح جبيل، فإن المصادر العربية تخبرنا أنّ فيل مكة كان اسمه «محمود». والاسم زكرو ربما عنى «الضخم، العظيم» أو «الشديد الحمرة». ذلك أنّ جذر «زكر» العربي يعطي هذين المعنيين: «تَزَكَّرَ بطنُ الصبي: عَظُمَ وحَسُنَتْ حاله. وتَزَكَّرَ بطنُ الصبي: امتلأَ… وعَنْزٌ زَكْرِيَّةٌ وزَكَرِيَّةٌ: شديدة الحمرة» (لسان العرب).

وفي نهاية اللوح قرأت

سطر 13:

سطر 14:

13: ب. ي م. ك ث

14: ح. ث ا ث. و ف ص د ت ه

ومع حروف العلة: «بيوم كثح ثأث وفصدته».

من الواضح أن النص يتحدث عن شخص، قد يكون ابن كاتب الناص، أصابه مرض ما، فعمد الكاتب إلى فصده، إي إسالة دمه. ونحن نعلم أن الفصد كان في الماضي علاجاً لأمراض عديدة جداً. بل لعله كان رأس العلاجات كلها. وقد ظننت في البدء أن العلامة

يجب أن تكون شيناً. بالتالي فالشخص اسمه «شأش»، وهو تنويع على «شأس» في العربية. أما مرضه فهو «الكشاح»، وهو مرض شهير يصيب الخاصرة. لكنني قررت في النهاية أن هذه العلامة هي الثاء، مع قليل من الشكوك. وإذا كنا مع الكثح فربما تعلق الأمر بمرض نابع من طراز «لفحة هاء» كما يقال في العامية. ذلك أنّ جذر «كثح» يشير إلى انكشاف جزء من الجسم بالريح: «الكَثْحُ: كشف الريح الشيءَ عن الشيء. يقال منه: كَثَحَتِ الريحُ الشيءَ كَثْحاً وكَثَّحَتْه كشَفته… كَثَحَتْه الريح: سفت عليه التراب أَو نازعته ثوبه ككَتَحَتْ» (لسان العرب). ومن المحتمل أن هذا الانكشاف هو الذي سبّب المرض.

اللوح البرونزي «دي»

أما في اللوح البرونزي «دي» فقد قرأت ما بين السطرين 17 و18 ما يلي:

سطر 17:

سطر 18:

17: ب ح ا ت ر ي

18: د ب ي ت. س د ن. م ن ة..

وبتجاهل العلامة الأخيرة في السطر 18 مؤقتاً ، يكون لدينا مع حروف العلة ما يلي:

«بحاتري دبية سادن مناة»

الباء الأولى حرف جر. أما كلمة «حاتري» فهي من جذر «حتر» الذي يعني: أحكم العقد أو العقدة. وهو يستخدم في العقود التجارية وغيرها على وجه الخصوص، يقال: «بينهم عَقْد مُحْتَر: قد اسْتوثق منه؛ قال لبيد: وبالسَّفْحِ من شَرْقِيِّ سَلْمَى مُحاربٌ شُجاعٌ/ وذُو عَقْدٍ من القومِ مُحْتَرِ. وحَتَرَ العُقْدَة أَيضاً: أَحكم عَقْدَها» (لسان العرب). بذا فمن وثق العقد وأحكمه هو «دبية سادن مناة». والحديث يجري عن عقد توريد بضائع لعدد من معابد الآلهة. أما الاسم «دبية»، فمعروف جيدا في العالم الديني لشبه الجزيرة العربية. فقد كان اسم سادن معبد العزى في بطن نخلة عند ظهور الإسلام «دبية بن حرم السلمي». وقد قتل دبية، وأحرق المعبد وشجرات السمر فيه. ورثاه أبو خراش الهذلي بقوله:

ما لـدبـية مـنـذ الـيوم لــم أره

وسط الشروب ولم يلمم ولم يطـف؟!

لو كان حياً، لغـاداهـم بمـتـرعةٍ

من الرواويق من شيزى بني الهطف

ضخم الرماد، عظيم القدر، جفنـتـه حين الشتاء كحوض المنهل اللقـف

أمسى سـقـام خـلاءً لا أنـيس به

إلا السباع ومر الريح بـالـغَـرَفِ.

لكن في النص الجبيلي فإن دبية اسم لسادن الإله مناة لا الإلهة العزى.

وبين السطرين 12 و13 قرأت ما يلي:

سطر 1

سطر 12:

سطر 13:

سطر 14:

سطر 15:

12: …… و أ ث

13: ت. لـ م ط ع م. ض ر ي ك.

14: ب ي ف ي ج ب ع. ك ي. ج ذ ان. ي

15: د ش ن

هنا أيضاً نتجاهل العلامة

مؤقتاً. وبإضافة حروف العلة يصير لدينا:

«وأثت. لمطعم الضريك بيفي جبع كي جوذان يدشن»

أما «أُثت» فجمع أثاث. وأما مطعم الضريك فإله سوف نتحدث عنه بعد قليل. بناء عليه، فهناك أثاث لمعبد الإله «مطعم الضريك» في منطقة «يفي جبع» سوف يدشنه شخص اسمه «جوذان». والجذر دشن يعطي معني: الأخذ، أو الافتتاح. لكن المصادر العربية تقول إن المعنى الثاني ليس عربياً أصيلاً، بل تقول عنه إنه «عراقي»، أي آرامي أو أقدم من ذلك. بالتالي فالمفترض أن كلمة «يدشن» هنا تعني: يأخذ. فجوذان سوف يستلم الأثاث الذي سيرسل لمعبد الإله «مطعم الضريك» في يفي جبع. والحقيقة أن وجود أثاث في القصة يوحي أنّ الأمر يتعلق بتدشين هذا المعبد، أي بافتتاحه. وهذا يؤكد أن معنى التدشين (الافتتاح) في الجذر العربي أصيل جداً.

العلامة

نعود الآن إلى العلامة التي أجلنا الحديث عنها. وقد وجدناها بعد اسم الإله «مناة» مباشرة:

وداخل اسم الإله «مطعم الضريك»

انطلاقاً من هذا، فقد توصلت إلى أنّ هذه علامة مخصصة للألوهية. فأينما وجدت في نصوص مقطعية جبيل يكون هناك اسم إله. هذه قاعدة وقانون. وقد تكررت هذه العلامة 11 مرة في اللوح البرونزي «دي». وهذا يعني أنّ ثمة 11 إلهاً مذكوراً في النص. لكن الحقيقة أنها عشرة آلهة. فهناك إله تكرر اسمه في السطر الأول والسطر 19.

بذلك، فهذه العلامة حاسمة في فك لغز مقطعية بيبلوس، وفي اللوح «دي» على وجه الخصوص. وحين فهمت دورها، حلت عملياً مشكلة اللوح «دي». وقد تكررت هذا العلامة ثلاث مرات في النقوش الأخرى.

قلت إنّ النص يتحدث عن معبد للإله «مطعم الضريك»، فمن هو هذا الإله الغريب الاسم؟ وماذا يعني اسمه؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن أعود بكم إلى أبحاثي في ديانة مكة قبل الإسلام التي بدأتها بالفصل الشهير «الطائر المخمور». ففي ذلك الفصل تحدثت عن إلهين عربيين مركزيين، تجاهلهما الباحثون، وهما: مجاوز الرياح، ومطعم الطير. وقد كانا منصوبين على الصفا والمروة كما يخبرنا اليعقوبي: «ونصبوا على الصفا صنماً يقال له: مجاور الرياح، وعلى المروة صنما يقال له: مطعم الطير». (تاريخ اليعقوبي، مجلد 1، ص 254، دار صادر). الاسم «مجاوز الرياح» وقع فيه تصحيف، فصار «مجاور الرياح»، وهذا ما صعب فهمه. لكن حين أعدنا النقطة الضائعة اتضح معنى الاسم، فهو يعني «ساقي الخمر». أما «مطعم الطير»، فواضح المعنى تماماً. والاثنان على علاقة بالسقاية- سقاية الخمر، لا سقاية الحجيج- وبالرفادة. فالرفادة هي إطعام الطعام. ويبدو أن عبد المطلب، جد الرسول، كان كاهناً لهذا الإله. ذلك أنه كان يدعى «مطعم الطير». أي أن كاهن الإله، وممثله على الأرض، يحمل اسمه.

الإله «مطعم الضريك» في اللوح الجبلي هو صيغة أخرى من الاسم «مطعم الطير». فالضريك في اللغة هو النسر: «الضَّرِيك: النَّسْر الذكر». بذا فالاسم يعني «مطعم النسر». لقد حل «النسر» محل «الطير» لا غير. ولمن لا يقتنع بهذا، نزيد بأنه كانت هناك نسخة أخرى لاسم هذا الإله قبيل الإسلام.، هي نسخة: «غيث الضريك». و«غيث الضريك» هو لقب قتادة بن مسلم الحنفي: «أقرى من غيث الضريك: وهو قتادة بن مسلمة الحنفي، وكان أجود قومه» (أبو هلال العسكري، جمهرة الأمثال). وجملة «غيث الضريك» تعني بالضبط: «مطعم الضريك». فالغيث هو الإطعام. بذا يمكن افتراض أن هذا الرجل كان، مثله مثل عبد المطلب، كاهنا للإله «غيث الضريك» أو «مطعم الضريك».

هذا الإله بأسمائه المتعددة: «مطعم الطير»، «مطعم الضريك»، «غيث الضريك»، أو في نسخة رابعة «مطعم الطير الرخم» – والرخمة هي طراز من النسور- واحد من أهم الآلهة العربية. وهو إله عائلة الرسول. وعائلة الرسول كانت من طائفة «الحلة». وهذا يعني أن هذا الإله كان إلهاً لهذه الطائفة. أما نظيره «مجاوز الرياح» فهو في ما يبدو إله طائفة الحمس.

بقي نقطة لا بد من الحديث عنها، وهي عدم وجود أل التعريف في الاسم «مطعم ضريك». فلماذا سقطت هذه الأداة من الاسم، في حين أنها كانت موجودة في «سنة الفيل» في اللوح «سي»؟ يبدو لي أن أل التعريف الشمسية لم تكن تكتب في هذا النظام الكتابي. كان يكتفى بتشديد الحرف الذي بعدها، وذلك على عكس الأل القمرية. الأل الشمسية لا تنطق، لذا لا تكتب.

 

 

نادين أبو زكي.. الحرب برواية شجرة

تعود الفنانة اللبنانية نادين أبو زكي إلى خشبة المسرح هذا العام، من خلال عرضها الجديد “يوميات توتة”، الذي ينطلق على “مسرح المدينة” عند الثامنة مساءَ 14 من الشهر الجاري ويتواصل ليومين.

تستوحي أبو زكي مسرحيتها من الفلسفة الشرقية، في جوانبها المرتبطة بعلاقة الطبيعة بالإنسان وبذاكرة الأرض والمدينة، وبالتحديد بتأثر الطبيعة بعنف الإنسان أو أحزانه الكبرى.

يأتي استخدام أبو زكي للفلسفة الشرقية في هذا الشق، حيث تتقمص الشخصيات ذاكرة الأشجار، من أجل استعادة خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية، وأثرها على المكان، على لسان شجرة.

العمل من كتابة وإخراج أبو زكي، ومن أداء دانا ميخائيل، ورويدة الغالي، كما يشارك في العرض الكوريغرافر جان بول ميهانسيو، وفيه يتقمص المُؤدّون شجرة توت، وتلجأ المخرجة أيضاً إلى تقنية الفيديو كوسيط إضافي على الخشبة.

تتساءل أبو زكي إن كان للشجرة ذاكرة أو وعي، وتحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال إعطاء صوت لشجرة التوت لكي تروي قصة علاقتها بالمحيط من حولها.

كانت زكي قد قدمت العام الماضي عرضها الأدائي “الرجاء اللمس”، وهو مستوحى من عرض للفنانة المعاصرة الصربية ماريا أبراموفيتش، والذي أعطت فيه الحق للمتفرجين بلمسها، وفعل ما يريدون بجسدها في محاولة لاختبار إلى أي حد يمكن لشخص عادي أن يصبح عنيفاً، وماذا يفعل الناس العاديون إن غاب الشرط الاجتماعي والقانوني.

أبو زكي استلهمت على نحو ما هذه الفكرة في “الرجاء اللمس”، حيث تقف امرأة معصوبة العينين كما لو كانت منحوتة، وتترك لمرتادي المعرض التصرف كما يحلو لهم للمسها، لكن هدف أبو زكي كان محاولة إدراك أثر اللمس في تلقي العمل الفني.

إشكالية لم يحسمها العرب… حاكم مستبد أم رعية فاسدة؟

 

على مر مئات السنين، تنازعت العرب بموروثهم الديني والفكري وواقعهم السياسي المتردي، نظرتان متضادتان، إحداهما تحمّل الرعية “المواطنين” مسؤولية استبداد الحاكم وظلمه وفساده، لكونه يجسد ظلمهم وفساد أخلاقهم أو لكونه نتاجاً لضعفهم وتخاذلهم، والأخرى ترى أن السلطة الاستبدادية أصل كل فساد ومنبع كل بؤس، وأن ما أصاب المواطنين ما هو إلا نتاج قمع الحاكم.

فهل أفسد استبداد السلطة السياسية المواطنين وأنزل بهم الفقر والمعاناة؟ أم أن الاستبداد السياسي نتاج فساد الشعب وظلمه؟ وهل الإصلاح يبدأ بتغيير رأس السلطة السياسية أم أن التغيير يجب أن يبدأ من القاعدة الشعبية؟

تساؤلات كثيرة تنبع من تلك الإشكالية، لم يحسمها العرب حتى اللحظة. فمنذ أيام قليلة، خرج مفتي مصر السابق علي جمعة، محرماً الدعاء على الحكام الظلمة ومتهماً الشعوب بأنها هي الظالمة، ومعتبراً أن تحميل الحكام مسؤولية الظلم والفساد نابع من ثقافة “الإخوان” وفكر الفتنة.

فساد الرعية

هناك نظرة ما زالت رائجة عند الكثيرين تدعمها مقولات تراثية وأحاديث نبوية، مفادها أن “فساد الحاكم من فساد الرعية” وأشهرها “كما تكونوا يولى عليكم”.

فالحاكم الطاغية عقاب إلهي للرعية على فسادها وظلمها، وجاء في حديث نبوي أن الله يقول: “قلوب الملوك بيدي وإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك”.

وجاء في كتاب “سراج الملوك” أن علي بن أبي طالب حمّل مسؤولية الفتنة التي وقعت في نهاية خلافة عثمان إلى الرعية، إذ سأله أحدهم يا أمير المؤمنين ما بال أبي بكر وعمر انصاع الناس لهما، ووليت أنت وعثمان الخلافة ولم ينصاعوا لكما، فقال: لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان، ورعيتي أنا اليوم مثلك.

وقال الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان “ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما”.

وروّجت كتب التفاسير أيضاً لتلك النظرة، فجاء في تفسير السعدي “أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنعهم الحقوق الواجبة، ولى عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب… كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف”.

أما تفسير القرطبي فينقل لنا مقولة لابن عباس فيها: “إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم”.

غير أن التدقيق في كتب التراث يثبت أن كثيراً من تلك المقولات الرائجة، زائفة وباطلة، فحديث “كما تكونوا يولى عليكم” رواه البيهقي في سننه مرسلاً، وضعفه ابن حجر العسقلاني في “تخريج الكشاف”، وحكم عليه الألباني بالضعف، وقال: “الواقع يكذبه، والتاريخ حدثنا عن تولي حكام أخيار بعد حكام أشرار والشعب هو هو”.

أما الحديث القدسي الذي يحرم الدعاء على الملوك، فورد بالمعجم الأوسط للطبراني، ووضعه “جامع الأحاديث القدسية” بقسم الضعيف والموضوع، وقال عنه الألباني “ضعيف جداً”.

أقوال جاهزة

شاركغردهل يبدأ الإصلاح بتغيير رأس السلطة السياسية أم يجب أن يبدأ التغيير من القاعدة الشعبية؟

شاركغردروّجت كتب التفاسير لمسؤولية الشعب عن الاستبداد، فجاء “أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ولى عليهم ظلمة”

أما مقولة علي بن أبي طالب التي يلوم فيها الرعية، فيقابلها قوله لعمر بن الخطاب، كما ورد في “البداية والنهاية” لابن كثير: “إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت”.

وكل هذا يقودنا إلى إشكالية وضع مقولات وأحاديث في كتب التراث لخدمة أغراض سياسية.

لكن النظرة التي تحمل الرعية مسؤولية الفساد والظلم والاستبداد وتبرئ الحاكم، ما زالت تجد صدى بين التيارات السلفية المؤيدة للنظم العربية وعلماء الدين الرسميين.

وتنتشر تلك النظرة بين العوام وفي الأوساط الشعبية وكذلك النخب، فيقولون إن الشعب المصري أسهم بصناعة الاستبداد الذي عانى منه لعقود، والمصريون، بحسب مصطفى حجازي مستشار الرئيس المصري السابق في كتابه “حجر رشيد”، أكثر من شجع جلاديهم على التنكيل بهم وأحالهم الوضع البائس للمساهمة في تعذيب أنفسهم ودون قصد.

والمثير أن تلك النظرة الدونية للشعوب لم تكن تقتصر على العرب، فقبل أن ينعم الغرب بالحرية، كانت شعوبه متهمة بالجبن والتخاذل. ففي رائعته المسرحية “يوليوس قيصر” يقول شكسبير على لسان أحد المتآمرين على قيصر “لماذا يضحى قيصر طاغية مستبداً؟ إنه ما كان ليصبح ذئباً إلا لأنه رأى الرومان أضحوا نعاجاً، ولا هو أسد إلا لأن الرومان غزلان جبانة”.

الشعوب على دين ملوكها

“إن طباع الرعية نتيجة طباع الملك، فالعوام إنما يبخلون، ويركبون الفساد، وتضيق أعينهم اقتداء منهم بملوكهم، وفي كل زمان تقتدي الرعية بالسلطان ويعملون بإعماله”. تلك الكلمات جاءت ضمن رسالة كتبها أبو حامد الغزالي للسلطان محمد بن ملك شاه السلجوقي والتي قال فيها “إن صلاح الناس في حسن سيرة الملك، ومتى كان السلطان بلا سياسة، أفسد سائر أمور بلاده”، وذلك وفق كتاب “صلاح الأمة في علوم الهمة” لسيد حسين العفاني.

وجاء في الأثر حسب ما أورده ابن الأثير في كتاب “النهاية في غريب الحديث والأثر” :”إذا صلح الراعي صلحت الرعية”، و”إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، ذلك أن القرآن يدعو للعدل والسلطان يقيمه على الأرض.

القابلية للاستبداد

“ما من حكومة عادلة تأمن المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا وتسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين: جهالة الأمة، والجنود المنظمة”، هذا ما يقوله عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”.

ويضيف أن الجندية الجبرية تمثل أخطر آليات الاستبداد، “فتفسد أخلاق الأمة؛ حيث تعلمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق؛ وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم”.

ويقرّ الكواكبي بأن “الحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بد للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال”.

فالمستبد وفق الكواكبي “يودّ أن تكون رعيته كالغنم دراً وطاعة، وكالكلاب تذللاً وتملقاً”، مضيفاً أنه “على الرعية أن تعرف مقامها: هل خلقت خادمة لحاكمها… أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟ والرعية العاقلة تقيّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزّت به الزمام وإن صال ربطته”.

ويرى الكواكبي أن “الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية”.

استبداد العلماء والنخب

ثمة رؤية تحمّل مسؤولية الاستبداد للنخب وعلماء الدين، فإذا نظرنا إلى فساد الرعية وفق ما يقوله ابن النحاس في “تنبيه الغافلين”، وجدنا سببه فساد الملوك، وإذا نظرنا إلى فساد الملوك وجدنا سببه فساد العلماء والصالحين، وإذا نظرنا إلى فساد العلماء والصالحين وجدنا سببه ما استولى عليهم من حب المال والجاه وانتشار الصيت ونفاذ الكلمة ومداهنة المخلوقين.

واللبنة الأولى في صناعة الطغاة تتمثل في النخب الكسيحة التي تخضع للاستبداد، وتروج للطاغية، وتتماهى مع أفكاره الشمولية وقراراته السلطوية، وتصمت عن تعسفه وبطشه، وتتمنى ألا يصيبها بعضٌ من رذاذه.

ويعاني العالم العربي من نخبة سياسية متخندقة، إذ خلقت الأنظمة هذه الطبقة من المجتمع لدعم حكمها، وصنع القادة أنظمة ريعية، واشتروا الولاء عبر تقديم الخدمات، والنخب المتحجرة، وفق مروان المعشر نائب رئيس الوزراء الأردني السابق، لا تريد التخلي عن امتيازاتها، وتقاوم الإصلاحات السياسية، وتعارض القادة الذين أغنوها عندما يفكرون في القيام بإصلاحات.

الاستبداد العربي الحديث

يربط البعض الاستبداد بطبيعة الأنظمة السياسية العربية، في مرحلة ما بعد استقلال الدول العربية الحديثة، إذا استلمت الحكم أنظمة عسكرية انقلابية جمّدت الحياة السياسية وهيمنت على مؤسسات الدولة وعظّمت دور الأجهزة الأمنية، ملغيةً المجتمع المدني.

وثمة تفسيرات وتحليلات أكثر عمقاً من ثنائية الحاكم والمحكومين، كشفت عن ماهية الاستبداد العربي الحديث.

يتحدث المفكر السوري برهان غليون، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة السوربون، في كتابه “المحنة العربية: الدولة ضد الأمة” عن “الدولة التحديثية العربية”، وهي نموذج مختلف عن الدولة الحديثة”، فهي ليست دولة وطنية (دولة-أمة)، ولا دولة ديمقراطية”، ويرى أن “في وظيفة هذه الدولة وتصورها ومفهومها الأصلي عن نفسها ودورها التاريخي تكمن كل عناصر السلطة المطلقة الحديثة”.ويعتبر أن أصل الاستبداد الحديث هو هذه الدولة التحديثية ذاتها. وبرأيه، “ليس من الممكن فهم الأزمة الكبرى التي تعيشها المجتمعات المتأخرة اليوم، إلا بإدراك إفلاس هذه الدولة، وما نجم عنه من تجيير السلطة الاحتكارية التي طورتها لصالح الفئة المتحكمة بها، وبالتالي إضافة الفساد الشامل إلى الاستبداد المطلق”.

ويؤكد المفكر السوري أن “الدولة العربية منذ ولادتها كانت تحمل بذور الهيمنة على المجتمع الذي تولت الحكم في إطاره”. فقد قوّت سلطانها على حساب المجتمع وجيّرت إنجازاتها لصالح الفئة الحاكمة فيها “ثم أضيفت الشعارات القومية والأيديولوجية وتوحيد الأمة وبناء المجتمع الاشتراكي في مواجهة الرجعيين والنفعيين بهدف التنظيم المحكم للمجتمع، وارتبط ذلك كله بتطوير المؤسسات الحديثة من إدارة وجيش وأمن ومخابرات لتحصين نفسها بعدد من الأجهزة ذات الطبيعة القسرية والقمعية”.

دائرة القمع الجهنمية

النظام المجتمعي العربي، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة الدكتور سعيد صادق، يمثل “دائرة قمع جهنمية، فالأب يقمع الأسرة والأم تقمع أبناءها والأخ الأكبر يقمع الأصغر منه، والطبقات الاجتماعية العليا تقمع الطبقات الأدنى منها، وكل فئة مهنية تحتقر الأخرى”.

فالكل يلوم الآخر، كما قال لرصيف22، ويحمّله نتاج التخلف والاستبداد والفساد والفقر، فـ”الشعوب تلوم الحكام والعكس صحيح، والتيارات السياسية تلوم بعضها البعض فالإسلاميون يحملون العلمانيين أسباب الاستبداد والفساد، والعلمانيون يرون الإسلاميين رمزاً للتخلف”.

وبرأيه، فإن “الجميع على خطأ. ولا يقدم أي منهم حلاً شاملاً لا يقصي الآخر، كما لا يمكن تحميل الحكام وحدهم إرث التخلف والاستبداد، فعلى التعصب والقبلية المسيطرين على الشعوب العربية مسؤولية أيضاً”.

ويرتهن الخروج من دائرة الاستبداد، برأي صادق، “بنشر الوعي ورفع كفاءة النظام التعليمي ووجود إعلام حر وقيام منظمات المجتمع المدني بدورها كسند للشعب في مواجهة الدولة”

كيف تعامل المصريون القدماء مع أحلامهم؟

لعبت الأحلام دوراً كبيراً في مصر القديمة على المستويين السياسي والاجتماعي. وكان لها مؤسساتها المتخصصة في تفسيرها، بل وصناعتها، وكانت وسيلة لإصباغ الشرعية الدينية على بعض الحكام.

لم يكن المصريون القدماء ينظرون إلى الحلم باعتباره حدثاً نفسياً داخلياً. وبحسب الدكتور أحمد كامل عاطف في كتابه “الأحلام في عقيدة المصريين القدماء”، إنهم كانوا يعتقدون بوجود قوى خارجية غيبية، حملت الأحلام إليهم طبقاً لأحوالهم، ثم كان للحلم مغزى على المستويين العقائدي والاجتماعي.

أحلام الملوك: التوظيف السياسي

ظهور الآلهة في أحلام الملوك تحمل دلالة معينة. أشار كامل في كتابه إلى أنه غالباً ما تكون الرسالة المتلقاة بواسطة الحلم سياسية أو تاريخية، كأن يطلب الإله من الملك إصلاح وترميم هيكله المتهدم، وهذا ما يبرر أعمال سونسرت الأول في معبد اليفانتين في أسوان. وقد يعد الإله بتحقيق النصر قبيل قيام المعارك الحربية، كما حدث لكل من أمنحتب الثاني ومرنبتاح، وفي بعض الحالات كان الإله يعلم فرعون المنتظر بأنه اختاره ليعتلي العرش، وهو ما حدث لـ”تانوات آمون”، الذي فسر رؤياه باعتلائه عرش كوش ومصر، أو كما رأى تحوتمس الرابع أثناء غفوته الإله حور إم آخت، يعده بالعرش شريطة أن يزيح الرمال عن تمثال أبي الهول بالجيزة، الذي يمثل أحد مظاهره.

وكثيراً ما ازداد تمسك بعض الملوك بالدين وكرامات معبودهم الأكبر “آمون رع”، كلما شعر أحدهم بشبهة يمكن أن تمس شرعية ولايته للعرش، حينئذٍ يسارع عبر الأحلام إلى تأكيد تدخل “آمون” رب الدولة بنفسه في اختياره، أو يسارع بتأكيد بنوته المباشرة له نتيجة لتقمصه روح أبيه حين أنجبه.

وأوضح كامل أن هذا حدث مع تحوتمس الرابع، الذي كان له عدد من الأخوات من أمهات مختلفات، وفي سبيل تأييد حقه في العرش، أشاع قصة عُرفت اصطلاحاُ باسم “قصة الرؤيا”، ومؤداها أنه في إحدى رحلات صيده للغزلان بصحراء الجيزة آوى إلى الظل بجوار تمثال أبو الهول، وأخذته سنة من النوم، فرأى الإله فيها يتحدث إليه، ويقول له في ما روي: “ولدي تحتمس.. تأملني فأنا أبوك، إني واهبك ملكي على الأرض لتصبح سيداً على الأحياء وستكون لك الأرض بطولها وعرضها”.

تفسير الأحلام، الرموز ودلالتها

من المبادئ المهمة التي اعتمد عليها المصريون القدماء في تفسير أحلامهم، أن أي حلم يمكن أن يكون له تفسيرات مختلفة تبعاً للشخصية، لذلك يجب معرفة تخصص هذا الشخص ووضعه وحالته الاجتماعية، ومركزه المالي، وحالته الصحية وعمره، بحسب ما يقول المؤلف.

ورغم ذلك، وجد اتفاق ما على تفسير عدد من الأحلام الرمزية. على سبيل المثال، الذي يقوم بأعمال بناء في بيته، يعني أن حياته ستدوم طويلاً، والتفسير نفسه ينطبق أيضاً على من مات في منامه. وإذا رأى رجل في حلمه أنه ينظر في بئر ماء عميقة، فهذا يعني أنه سيوضع في السجن، فالبئر العميقة تؤكد على فكرة احتباس الماء. ومن رأى نفسه مع من هو أكبر منه، بُشر بالترقية إلى منصب أكبر. أما اشتعال النار في الفراش، فهو نذير بطلاق الزوجة، ورؤية الرجل نفسه في المرآة كناية عن نفس ثانية معه، أي أنه سيتخذ زوجة ثانية.

أقوال جاهزة

شاركغردفي مصر القديمة كان هناك معابد مخصصة لصناعة الأحلام وإحداثها عمداً، وذلك لأغراض متعددة… تعرفوا إليها

وفي العادة، يفسر الحلم في أحداث مشابهة، فمن يرى أنه يشرب دماً فهو ينتظر كفاحاً أو عراكاً، ومن يحلم بأنه يشرب من البول الخاص به، سوف يعيش بفضل ابنه، لأن مدلولات البول والنطفة وكذلك الابن متداخلة، والسيدة التي تلد قطة ستلد أبناءً كثيرين، لأن القطة خصبة الإنجاب.

أماكن تفسير الأحلام: دور الحياة

عُرفت دور الحياة في مصر منذ الدولة القديمة. ذكر كامل أنها كانت توجد في المعابد الكبيرة مثل معبد الإله “مين” في مدينة “فقط” جنوب مصر، ونُظر إليها باعتبارها نوعاً من الأكاديميات أو المعاهد العليا أو الجامعات أو المكتبات، إذ جمعت بين العلوم المختلفة وكذلك العلماء والكتبة الذين لقبوا بألقاب عديدة منها “كتبة دار الحياة العارفون بالأشياء” و”علماء دار الحياة”، و”هيئة دار الحياة”، وكان يفترض بهم الإلمام بالسحر وفنونه والطب والمعارف العامة والدين.

وبالإضافة إلى تفسير الأحلام، كان يُرجع إلى علماء دور الحياة، من أجل بعض الشؤون الدينية، والتحري عن الصيغ السرية للآلهة، وتأليف أناشيد التعبد للملوك، وتبين العلامات الإلهية في الحيوانات المقدسة، وصياغة الألقاب المناسبة لها.

صناعة الأحلام: استدعاء الآلهة

في مصر القديمة معابد مكرسة لحضانة الأحلام، أي صناعتها أو إحداثها عمداً، مع كهنة مقيمين بشكل دائم عرفوا بـ”سادة الأمور السرية”، وذلك لأغراض متعددة، منها تشخيص الأمراض والتعامل مع العلل عبر استدعاء الآلهة في الأحلام. فمن ينام في مكان مقدس يأمل أن تحضر الآلهة إليه، وإن لم يعط إجابة على الأسئلة بواسطة فم خاص، فإنه ربما يجد الإجابة في الدعاء والصلاة، وفق ما ذكر الكتاب.

أصحاب الأحلام المتوقعة تطلب منهم ممارسة أنواع مختلفة من السلوكيات، منها عدم الإسراف في أنواع معينة من الأطعمة والمشروبات، مثل النبيذ واللحوم والبقول، وكذلك أي تعاملات جنسية. وكان عليهم أن يجتازوا طقوس التنظيف في الماء البارد. وفي الليل كانت هناك خدمات على ضوء المشاعل تشتمل على صلوات جياشة. وفي النهاية، كان المرضى ينامون في مهجع خاص، فيه عدد كبير من الثعابين الصفراء التي لا تؤذي.

وعند استيقاظهم في اليوم التالي، بخبر المرضى أن الإله أتى في أحلامهم ونصحهم باستخدام دواء معين وأغذية، كي يتعاملوا مع أمراضهم وعللهم، وفي بعض الحالات كان المرضى يتم شفاؤهم في الليل.

أحلام الخوف

ذكر الكتاب أن المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن أحلام الخوف أو الكوابيس تصيب أصحابها بأضرار صحية، تحدثها عن طريق أساليب شيطانية، وعن طريق الأموات أو القتلى، وأن منع ظهورها ومعالجتها يكون عن طريق السحر أو الدواء.

تغطية الوجه، التي ما زالت عادة شرقية حتى الآن، هي إجراء احتياطي وقائي اتبعه المصريون القدماء ضد ظهور أحلام الخوف. وهناك وصفات طبية كان يتم تحضيرها لحماية السيدات الحوامل من الكوابيس، لأنها تهدد بحدوث أضرار للجنين وهو في رحم أمه.

وكانت هناك تعويذة أو رقية، يقولها المرء الذي يصاب بالأرق نتيجة هذه الكوابيس، وتتلى بعدما يأخذ خبزاً وأعشاباً طبية طازجة نقعت في جعة ومر، ويقوم بتدليك وجهه بها، فتذهب عنه كل الأحلام الشريرة التي يراها. وكان على الفرد ألا يحكي تفاصيل حلمه المزعج حتى لا يصبح حقيقة