أزمة الخطاب الديني المعاصر :محاضرة أبوزيد في هولندا

أزمة الخطاب الديني المعاصر :محاضرة أبوزيد في هولندا نوفمبر 2009م

شكرا للدكتور هاشم، شكرا لكم جميعا على هذا الحضور، شكرا للحزب الشيوعي العراقي، طبعا أنا لست شيوعيا، لكن لابد من شكر الحزب الشيوعي، لأن الحزب الشيوعي العراقي يقوم بدور ثقافي مهم جدا في هولندا، وفي الشهر الماضي كنا منغمسين في حوار عميق جدا مع الدكتور هاشم ومع الصديق ياسين، في حوار لمجلة الثقافة الجديدة، عصروا ذهني، وعصروا مخي وتركوني في حالة إعياء كامل. لكن هذا كله مفيد، لأنه في النهاية أرسلوا لي النص، هذه المحاضرة فيها إضافات خصيصا لهذا اليوم. أنا مشغول بأزمة الفكر الديني منذ نعومة أظفاري، كما نقول، أزمة الفكر الدين وأزمة الخطاب الديني بشكل عام، منذ فترة طويلة جدا وكتبت في هذا الموضوع كتابات كثيرة. لكن أتمنى اليوم أن أقدم شيء، إضافة، ربما ستقال لأول مرة في هذه المحاضرة. ومن هنا يهمني جدا بعد المحاضرة النقاش، الذي سيدور في هذه القاعة، لأن هذا النقاش يساعدني كثيرا جدا على بلورة الأفكار. على تطوير الأفكار..الخ.

أود أن أبدأ بهذا التمييز: حين نقوم بتحليل للفكر أي فكر، خاصة الفكر الإسلامي المعاصر، يجب التمييز بين العرَض والمرض، نحن دائما نتحدث وننقض الأعراض، نغضب لأن هذا الخطاب الديني يقول كذا، ونغضب لأن هذا الخطاب الديني يقول كذا. كل هذه أعراض، وأنا أريد أن أتعرض لبعض أعراض هذا المرض. وليس هناك شك استخدام كلمة مرض هنا أرجو أن تكون مقبولة، بسبب أننا نحس مجتمعاتنا العربية ما تزال، ولا نعمم على المجتمعات الإسلامية، مجتمعاتنا العربية تعيش حالة مرضية، على جميع المستويات والأصعدة. الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والفكرية، لكن انا سأهتم هنا فقط بهذا الجانب الفكري، لأن الفكر الإسلامي والفكر الديني ليس منفصلا عن السياق الإجتماعي الذي يُدار فيه، يعني إذا كان المجتمع في مرحلة من التاريخ مجتمع ناهض ومتقدم. نجد الفكر الديني فكر ناهض ومتقدم. إذا كان المجتمع في حالة انتكاس ونكسة، الفكر الديني يعاني من نفس النكسة. الفكر الديني ليس ظاهرة وحدها تتسم بالتخلف، لأنه لو نظرنا الى المجتمع المصري سنجد أن الفكر المسيحي في الكنيسة المصرية هو فكر متخلف أيضا، هذا يغضب إخواننا الأقباط لما أتحدث في هذا. لأن هذه هي الحقيقة أن مُجمل المجتمع المصري في حالة تخلف. فنجد الأصوات المنادية بالتقدم أصوات ضعيفة و خافتة ومضطهدة ومهمشة…الخ.

ما هي أعراض الخطاب الديني المعاصر في العالم العربي: ممكن تلخيص هذا العرض في، أنه خطاب ضد الآخر. أنه خطاب يرفض الآخر، أنه خطاب يمتلك الحقيقة، و أي آخر لا يوافق على هذه الحقيقة فهو عدو، خصم. هذا الآخر قد يكون الآخر الديني، قد يكون المسيحي أو اليهودي أو البهائي أو الملحد. لكن هذا الآخر قد يكون هو الآخر في الملة، الشيعي، السني. هذه ظاهرة لا نستطيع أن ننكرها الأن، ليس فقط في المجتمع العراقي لكن في جميع المجتمعات العربية. وليس خافيا عن ذهنكم بعض العلماء المسلمين السنة، أصدروا بعض الأراء ضد الشيعة. دخل في الأمر ليس فقط العامة وإنما دخل فيه بعض ممثلي الخطاب الديني.

 مثلا كلمة شيعي في قريتي أحيانا تخطلت في ذهن الناس بالشيوعية، لأنه ليس هناك شرح، رغم أن المجتمع المصري مجتمع عاش، قرون، تحت حكم الدولة الفاطمية، المفروض أن تكون المعرفة بهذا الفكر الشيعي فكر الدولة الفاطمية الفكر الإسماعيلي, المفروض يبقى فيه معرفة حتى في التعليم، لايوجد. أنا حضرت محاضرة في جامعة القاهرة، أستاذ في قسم اللغات الشرقية، وهو بجانبي على المنصة، ومتخصص في اللغة الفارسية, وقال كلاما عن الشيعة, لم أستطع أن أمنع نفسي على المنصة أن أقول له هذا عار عليك، وعلينا, وعلى الجامعة. أنك رجل تعرف اللغة الفارسية وتتكلم بهذا الشكل، كرجل عامي عن الشيعة والفرس …الخ.

كراهية الآخر أيضا، الخطاب ضد الآخرن ضد المرأة. المرأة تحولت الى آخر, يعني كأن الخطاب الديني ـ وأنا هنا أتحدث عن الخطاب وليس الفكر ـ كأن الخطاب الدين منح نفسه الذكورية، أصبح خطاب ذكوري، وبالتالي أصبحت المرأة هي الآخرأيضا. يصبح عندنا الآخر في الدين, الآخر في الملة, الآخر في الجنس، وبعدين الآخر في الرأي: يعني لا هو مسيحي, ولا يهودي, ولا شيعي, ولا امرأة، لكن له رأي مختلف.

هذا الخطاب ممكن أن نذكر أمثلة كثيرة جدا، جدا, لكن لا أريد أن أدخل في الأمثلة لأن أنا الأن مهتم أن أضع ما يسمى أعراض المرض. هذا الخطاب خطاب ضد الآخر, والآخر هنا يتسع للآخر في الدين, الآخر في الملة, الآخر في الجنس, الآخر في الرأي. وبالتالي أصبحت مساحة الخطاب الديني الذي هو خطاب يمتلك حقائق كثيرة جدا، لا يستطيع أحد, أو لا يجب على أحد أن ينازعه في هذه الحقائق.

         أنتقل الى كيف وصلنا الى هذه الحالة: كيف وصل الخطاب الديني الى هذه الحالة، طبعا, في كل هذا التحليل ربما لا أتعرض الى السياق الثقافي والإجتماعي…الخ. لكن مفهوم أن كل هذا يحدث في سياقات. أنا أطرح السؤال الأتي: ماهو شكل الفكر الديني الذي وصل العالم العربي اليه وهو يدخل على أبواب العالم الحديث أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر؟ لابد أن نبحث عن شكل الفكر الديني الذي صار مهيمنا. الله أعلم، ممكن نقول من القرن الثالث عشر، ممكن نقول من القرن الرابع عشر، حت القرن الثامن عشر, عندنا أربع قرون نستطيع أن نحدد الفكر الديني أو نمط الفكر الديني المهيمن، بأنه الخطاب الفقهي، أو الرؤية الفقهية للإسلام. قبل القرن الثالث عشر، أو القرن الرابع عشر، كانت فيه رؤى داخل الإسلام. الرؤية الفقهية كانت واحدة من هذه الرؤى. كانت هناك الرؤية اللاهوتية، علماء الكلام، بالفِرق المختلفة، المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، والحنابلة…الخ، كل هذا كان ثراء.

 هناك اختلافات في مفاهيم أساسية في الدين، هناك إختلاف في التوحيد، ماذا يعني التوحيد مثلا. هذا كان نقاش، هذا الأمر اختفى، لا نجد له صدى في الأربعة قرون من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر. الفكر الفلسفي، سواء كانت الفلسفة الإشراقية أو كانت الفلسفة العقلانية، كنا نتحدث عن ابن رشد ونتحدث عن ابن سينا والفاربي، كان فيه رؤية فلسفية من داخل منظومة الإسلام. رؤى من داخل منظومة الإسلام يمكن أن نطلق عليها الرؤية اللاهوتية, الرؤية الفلسفية. داخل هذه المنظومة أيضا الرؤية الصوفية، التي بدأت مبكرا جدا في حركة الزهد، وأسستها امرأة في بغداد اسمها رابعة العدوية. وهي بداية نظرية الحب، وبعدين نظرية العرفان، عاملها واحد مصري، وبعدين كيف تطور الفكر الصوفي؟ الفكر الصوفي رؤية للعالم يمكن أن نسميها الرؤية الصوفية لكن داخل لكل هذه الرؤى رؤية مختلفة. كل هذا اختفى وترك المجال لهيمنة الخطاب الفقهي، ما يسمى الأن في الخطاب العام الشريعة. ما أصبحى يسمى ويختصر الإسلام في الشريعة.

فلابد لكي نعرف المرض, أن ندرس هذا الخطاب الذي وصلنا، ماهو نوع هذا الخطاب الفقهي، الذي امتد وتضخم تعرض أحيانا في سياق القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، الى نوع من المقاومة. سوف نتكلم عنها. لكن عاد بقوة مرة أخرى ليكون هو الخطاب المهيمن على الرؤية الدينية، الرؤية الإسلامية للعالم، الحرام والحلال …الخ. لابد أن نطرح البنية المعرفية لهذا الفكر، الرؤية الفقهية للعالم، لأن الفكر الإسلامي المعاصر قائم على هذه الرؤية. البنية المعرفية تقوم على الأتي: أن هناك مصدر أساسي وجوهري للمعرفة، هو القرآن الكريم، وبنص الإمام الشافعي مؤسس هذه الرؤية للعالم، أن القرآن فيه حلول لجميع المشاكل، الماضي والحاضر والمستقبل، فيه الهدى، حتى أكون دقيق، فيه الهدى لهذه الحلول، ويطرح الإمام الشافعي في كتاب الرسالة وفي كتاب الأم كيف نقرأ القرآن. أُضيفَ الى هذا النص الأساسي الأول، السنة، لماذا؟ لأن السنة أعتبرت هي الشارحة للقرآن. السنة وهي أفعال النبي وأقوال النبي، وسلوك النبي وعلاقة النبي بأصحابه، كيف وافق على أقوالهم أو رفض أقوالهم…الخ، أصبحت هي المصدر الثاني. الإمام الشافعي قام بخطوة هامة جدا جدا، أنه جعل هذا المصدر الثاني وحياً، الإمام الشافعي الذي صنع ذلك، يعني القرآن وحي هذا جميع المؤمنون يؤمنون به، كلام الله كل المسلمين يؤمنون بذلك. الإمام الشافعي أراد أن يؤسس نوع من القداسة للسنة، فقال أنها أيضا وحي ـ طبعا إعتمد على بعض النصوص من القرآن ـ وإن كانت بلغة النبي، والفرق بين القرآن وبين السنة: أن كلاهما وحي من الله، ولكن لغة القرآن هي لغة الله. ولغة السنة أو لغة الأحاديث هي لغة محمد. هذا هو الفرق، يعني كلاهما مقدس على مستوى المضمون، على مستوى اللغة، القرآن مقدس، الحديث بشري على مستوى اللغة فقط، هذا هو المفهوم السائد حتى هذه اللحظة.

لبناء نظرية تشريعية، لم يكن يكفي القرآن والسنة، خاصة أن السنة لم تكن قد جُمعت والأحاديث لم تكن قد جُمعت ودونت، وأن هذا أخذ على الأقل مئة وخمسين سنة، بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى استطاع البخاري أن يضم الأحاديث، ويَنخل الأحاديث, ويطبق منهج نقد الحديث..الخ. احتاج المسلمون من أجل اقامة هذا البنيان الفقهي ـ الذي أعتقد أنه بنيان فقهي شامخ ـ الى ماذا لو لم نجد حلا واضحا في القرآن ولا حلا واضحا في السنة امام مشكلة اذاء مشكلة؟ فأضيف اليهما الإجماع, كعنصر ثالث، لكن الخلاف بينهم إجماع من؟ هذا سؤال خطير، إجماع من؟ طبعا المعتزلة يرفضون الإجماع، الخوارج يرفضون الإجماع، لأن الإجماع ارتبط بما يسمى تأسيس سلطة مركزية في عصر الدولة الأموية, وعصر الدولة العباسية. فكل من كان خارج هذه السلطة المركزية رفض الإجماع، يعني الإجماع في بنيته مفهوم سياسي، ثم حُمل دلالات دينية، بعد ذلك. يعني الفصل بين التطور الحادث في المجتمعات الإسلامية، وتطور الفكر مسألة مهمة جدا، نجد أن الذين رفضوا الإجماع هم الذين كانوا خارج هذه المنظومة، هم الذين رفضوا السلطة المركزية, وقاوموا السلطة المركزية. سواء كانوا الخوارج، سواء كانوا الشيعة مثلا يرفضون الإجماع، بشكل عام، طبعا إجماع الأئمة هذا موضوع تاني، في الفكر الشيعي، ولكن إجماع الأئمة ليس ضروريا في الفكر الشيعي لأن كل إمام من حقه الإجتهاد. فهذا بعطي مفهوم الإجماع في الفقه الشيعي نوع من السيولة لا توجد في مفهوم الإجماع. لكن اتفق الجميع في النهاية على أنه إجماع الجيل الأول، اذا الصحابة اجتمعوا على شيء، يكون لابد هذا الإتفاق، ذهنيا، نظريا، لابد أنهم يستندون الى سُنة لم تصل الينا، لأنهم الصحابة، هم من رأوا الرسول وهم من عاشوا معه وكذا وكذا. فإذا اتفقوا على حاجة ـ هذا منطق مفهوم الإجماع ـ يبقى لابد أنه فيه أساس في السُنة، لكن هذا الأساس في السنة لم يصل الينا. طبعا مفهوم الإجماع هذا يضربه الحروب التي حدثت بين الصحابة. على مسائل خطيرة، مسألة القيادة السياسية، من يكون القائد السياسي، ونعرف الحروب التي خاضتها عائشة وطلحة والزبير ضد على في موقعة الجمل، وعارفين الحرب بين علي ومعاوية في موقعة صفين، وعارفين كل هذه الحروب. مما يدل على أن هذا الجيل الأول لم يكن هناك إجماع. اختلفوا على نظام الحكم واختلفوا على من الحاكم. واختلفوا على من الأمير ومن الخليفة. يبقى ربما يكون اتفقوا على أمور لا أهمية لها. هذا هو مفهوم الإجماع, لكن ظل هذا غير كاف.

فقيل بالإجتهاد، البند الرابع، البند الرابع والأخير والأضعف هو الإجتهاد. لأنك قبل أن تقوم بأي عمل إجتهادي، أن تعود الى القرآن وأن تعود الى السنة، وأن تعود الى الإجماع. وبعد ذلك مع تطور العصور الى أن تعود الى ما قاله أئمة المذهب، يعني كلما تأخر الجيل، أصبحت الأجيال السابقة تمثل نوع من المصداقية، لا يستطيع الجيل اللاحق أن يتجاهلها. وبالتالي تجمدت المدارس الفقهية، المدارس الفقهية سواء نتحدث عن المدارس الرسمية الأربعة، وأنا أقول المدارس الرسمية لأن فيه مدارس فقهية كثرة جدا هُمشت وبالتالي اختفت من التاريخ. الشافعية والمالكية والحنابلة، تجمدت هذه المدارس، بعد فترة قليلة من موت أصحاب هذه المدارس تجمدت، لماذا؟ لأن أصبح رأي الجيل السابق في المدرسة ينضم الى مفهوم الإجماع، داخل المذهب، فأصبح كل مذهب له مفهوم للإجماع.

عندي هنا أربع، القرآن، الحديث أو السنة، الإجماع، الإجتهاد. الإجتهاد كان في فترة معينة كان هو القول بالرأي، وعندنا في تاريخ الفكر الإسلامي ما يسمى بأصحاب الرأي، شيخهم الإمام أبو حنيفة، كان من أصحاب الرأي، أراد الإمام الشافعي انه يُحجِم من مسألة الرأي، كان عندنا على الأقل اثنين أئمة، واحد يقول بالرأي “أجتهد رأي ولا ألو” بحسب الحديث الذي يُنسب الى مُعاذ ابن جبل، أن الرسول أرسله ليكون قاضي في اليمن، وسأله بما تحكم؟ وهذا حديث تجده الأن يتكرر، “قال أحكم بكتاب الله، قال فان لم تجد قال بسنة رسولة، قال فان لم تجد، قال أجتهد رأي ولا ألو” يعني أجتهد رأي بكل العزم. لا يوجد إجماع هنا طبعا، بناءا على هذا كان الرأي شيء معتد به في الفكر الإسلامي, وكان فيه أصحاب الرأي وأصحاب الحديث، في فترة معينة كان فيه هذا الجدل بين أصحاب الرأي وأصحاب الحديث، وأصحاب الحديث الذين يقولون لا لابد من وجود حديث، علموا نكتة على أصحاب الرأي أسموهم( الأراأيتيون) أرأيت لو كان الأمر كذا، فعملوها نكتة. كان فيه أصحاب الرأي، المؤسس أبو حنيفة، وكان الإمام مالك يقول بالإستحسان، في كتاب الموطأ يقول “ليس هناك حكم ، ولكن هذا رأي أستحسنه”.

الإمام الشافعي حريص جدا جدا في عمله على أنه، أولا يرفض الإستحسان، ويقول “من استحسن فقد شرّع” يعني وضع نفسه أعوذ بالله، مكان الله، وأراد أن يحجم من الرأي بنظرية معقدة جدا، في القياس، إذن حصر الإجتهاد في القياس. لكن ما معنى القياس؟ معناه أن شيء يحدث، أي نازلة تحدث، لابد أن يكون لها نموذج ما في هذه المصادر الثلاثة، يعني احتمال أن يحدث شيء لا سابقة له غير وارد في هذه الرؤية للعالم، لابد أن نجد مشابهة بين الواقعة التي نريد أن نصل الى حكم فيها، وبين وقائع حدثت قبل ذلك. سأذكر لكم نكتة هي ليست نكتة في الحقيقة ولكنها نكتة، يعني أيام تحرير الكويت، من الطاغية صدام، نريد فتوة من أجل حضور الأمريكان، نريد فتوة الأمريكان هؤلاء نجس، سواء كانوا مسيحيين أو يهود…الخ. فوجدوا فقهاءنا، أن النبي عليه الصلاة والسلام، استعان بسُراقة، وهو يهاجر من مكة الى المدينة, يعين استعان بدليل وهذا لم يكن مسلم، قياسا على هذه الواقعة يجوز الإستعانة بغير المسلم، كأن محمد عليه السلام كان عنده اختيار، وهو رجل هارب ويريد أن يصل بسرعة قبل أن يلحقوا به، كان عنده اختيار أن يجد من الغلابة الذين يتبِعونه لكي يدله في الطريق، ناس تعيش خارج التاريخ، وهكذا تم تبرير فقهي للإستعانة بالأمريكان، ولعل هذا الدليل الفقهي يستخدمه أناس ليسوا من ظاهل الخطاب الفقهي، الأن. هذا نموذج للقياس، كما يحدث في العصر الحديث أن نقيس حالة على حالة، نبحث بقى على حالة، ولو تتابعون برامج الفتاوى في التليفزيون، الفضائيات، تجدوه يُسأل سؤال، المفتي لازم يلاقي حالة، لابد أن يجد حالة، يعني الست ولو قالت له “الكلب الذي مر أمام وأنا أصلي ذكر، تنفع الصلاة أم لا” يعني لو كانت الكلبة عادي، إنما هذا ذكر. أو أخلع ملابس أنا عندي كلب أخلع أمامه، الكلب الذكر. الشيخ لا يقول ما هذا الكلام الفارغ يا ستي، طبعا بعض الناس يقولون، لكن طبعا لازم يجد حالة ويقول لك أن سودة بنت لا أعرف من، كانت فين وراحت فين وسألت الرسول والرسول قال لها كذا. هذا يمكن أن ندرسه تحت بند تاني خالص وليس الدين، هذا موضوع للدراسة لكن يعني ” Mentality” قادرة على أن تجد في الماضي طوال الوقت، نوع من الحلول، هذا موضوع القياس.

العالم الحديث دخل في مشاكل كثيرة جدا ليس لها قياس في الماضي، سنرى على كل حال. هذه هي البنية المعرفية، طبعا هذه البنية المعرفية ليست هي بالضبط البنية المعرفية في علم اللاهوت، في علم الكلام، وليست هي بالضبط البنية المعرفية في الفلسفة، ولا هي البنية المعرفية للتصوف. فيه بنى معرفية مختلفة في هذه المجالات الثلاثة، على الأقل، وُبنى تقول كلام مختلف، ليست هناك بنية معرفية في تاريخ الفكر الإسلامي مثلا، لم تعرف بأهمية النص القرآني كنص مؤسس، ولا بأهمية السنة كنص مؤسس، لكن الإجماع والقياس والرأي مسائل طوال الوقت خلافية. بالإضافة إنه لا علم اللاهوت ولا الفلسفة مشغولين بقضية القوانين، التشريعات. ما أقوله أنه بناءا على هذا النسق المعرفي تم بناء علم شامخ في الحقيقة، مؤسسة فقهية كاملة وشامخة. لكن اجتهاد العلماء طبقا لظروف عصرهم، وطبقا لظروف مجتمعاتهم، هذا هو علم الفقه بشكل عام، هذا الشريعة بشكل عام. أن عدد الآيات القرآنية التي يُؤخذ منها أحكام لا يزيد على خمسمائة آية، با عتراف الفقهاء أنفسهم، خمسمائة آية من أكثر من ستة ألاف آية، يعني ثمانية في المئة من القرآن له مدلول فقهي أو له مدلول تشريعي مباشر. خارج الثمانية في المئة، يعني الإثنين وتسعين في المئة، عندنا السرديات والقصص، والمواعظ والطبيعة عندنا رؤية كاملة أو رؤى كاملة يمكن أن نسميها رؤى العالم في القرآن، وهذا موضوع تاني،موضوع محتاج الى شغل، لم نبدأه بعد. لم نبدأه في سياق الفكر الإسلامي المعاصر. لم يبدأ أحد فيه بعد.

تم طبعا تهميش الرؤى اللاهوتية للعالم، علماء الكلام الأوائل، أباء علم الكلام ثلاثة على الأقل، واحد ذُبح في المسجد، بعد صلاة العيد، نزل الوالي وقال لهم بعد الخطبة: “قوموا الى صلاتكم وأضحياتكم، فإني مضحي بالجعد بن درهم لأنه يزعم قبحه الله أن الله لم يكلم موسى”. هذا بداية نظرية ما يسمى نظرية خلق القرآن، ولها سياق معقد جدا، جدا, لابد أن يدرس في سياقه. وغيره قُتلوا الثلاثة. المعتزلة تعرضوا للإضطهاد. والمعتزلة اضطهدوا خصومهم، وتعرضوا للاضطهاد أيضا. ابن حنبل تعرض للإضطهاد، يعني لم يخلو من الإضطهاد لا يسار ولا يمين. نحن في تاريخنا الحقيقة تاريخ الإضطهاد السياسي للفكر لا يُفرق. بين اليسار وبين اليمين.

 الفلاسفة. المتصوفة تعرضوا للاضطهاد. يعني نتكلم عن السهروردي، أسمه السهروردي المقتول، رجل لقبه هكذا، قتله صلاح الدين الأيوبي، عندنا ابن رشد ومأساة ابن رشد معروفة وما حدث له من الخليفة الذي كان يعتز به جدا جدا، لكن اضطر أن يضحي به من أجل خاطر الفقهاء. كانت حرب والخليفة يريد أن يفرض ضرائب جديدة في الأندلس، ولكي تفرض ضرائب جديدة تحتاج الى الفقهاء معك، والفقهاء قالوا له لكن ابن رشد واقف لنا هنا، وابن رشد فقيه، له كتاب في الفقه.

هذا أدى الى تهميش، هذه الرؤى الأخرى في تاريخ الفكر الإسلامي. اللاهوت، الفلسفة، التصوف. وهذا كان طبعا في سياق انحدار كامل، لهذه الحضارة، يعني في النصف الثاني من عصر الدولة العباسية تقريبا كل الخلفاء قُتلوا. من مات مسموما، من خُذقت عينه. تغير القوى السياسية، ثم مجيء المغول، واستلاء المغول على بغداد. وبغداد دي طول عمرها مسكينة الحقيقة…الخ. كل هذا أدى الى انحطاط عام، هذا الإنحطاط العام، أدى الى تهميش هذه الرؤى، لم يبقى الا هذه البنية الفقهية،أو ما يسمى الرؤية الشرعية للإسلام. التي وصلت الينا في القرن الثامن عشر. صورة الإسلام التي وصلت في عصر النهضة هي هذا الإسلام، المرتبط برؤية واحدة هي الرؤية الفقهية للعالم.

النقطة الثالثة: أزمة الحداثة. لأن النهضة مرتبطة بالحداثة، الحداثة مرتبطة بالهجمة الإستعمارية على العالم الإسلامي وعلى العالم العربي، ليس هناك شك أن نابليون حينما حط أقدامه على أرض مصر وعمل صدمة، وعمل ازعاج لعلماء الأزهر. وللمماليك، الذين اكتشفوا أن هذا عالم جديد، وهذه كانت بداية السؤال ماذا حدث؟ ماذا جرى؟ والسؤال الذي تجدوه متكرر فيما يسمى مشروع النهضة، سموها النهضة، سموها اليقظة، وسموها الحداثة. هو: لماذا تخلفنا وتقدم الآخرون؟ ستجدوا هذا السؤال متكرر عند الأفغاني وعند محمد عبده وعند رشيد رضا، ومتكرر في الهند. ومتكرر في كل مكان. وهو السؤال الذي مازلنا فيه حتى الأن، نحن طوال الوقت نسأل هذا السؤال. هذا كان السؤال الذي كان مركز ما يسمى بأزمة الحداثة، ما هي مشكلة أزمة الحداثة؟ الحداثة مُنتج غربي وجاءت محموله الى هذا العالم من خلال الحامل الإستعماري، يعني أكتشفنا الحداثة والمجتمعات الحديثة من خلال، أرضك تُنتهك، اعتداء على الهوية..الخ لانريد أن ندخل في هذه الأشياء.

الصدمة: التي يمكن أن نراها في كتابات واحد مثل الجبرتي، مؤرخ مثل الجبرتي، هذه الصدمة خلقت نوع من يمكن أن نسميه، جدلية القبول والرفض، لا شك أن الرواد الأوائل وجدوا في هذه الحداثة أشياء مقبولة، وفيه هناك أشياء لم يستطيعوا تقبلها، هذا الأشياء المقبولة، تتصل بالمجتمع الحديث شكل الحكم الحديث، البرلمان، الديمقراطية التي تم تقبلها تحت إعادة تأويل الشورى، شكل الدولة، الطرق، الكباري، المستشفيات، التقدم التكنولوجي. كل هذا ليس من الصعب قبوله. العقلانية: وجد الرواد الأوائل أنها لا تتناقض مع العقلانية التي وُجدت في تاريخ الفكر الإسلامي، ومن هنا بدأ مثلا جمال الدين الأفغاني، يقرأ في الفلسفة، فلسفة ابن سينا. أول مرة نجد حضور للفلسفة، عند مفكري النهضة، وجمال الدين الأفغاني كان في تركيا كان “هيروح فيها” لأنه عمل محاضرة عن مفهوم النبوة واستعان برأي الفارابي والفلاسفة عن النبوة، العلاقة بين النبي والفيلسوف..الخ. هذا لم يكن المجتمع يستطيع أن يتقبله: أن النبي هو انسان عادي لكنه يمتلك مُخيلة قوية يستطيع من خلال هذه المخيلة القوية أن يتصل بالملاء الأعلى، الذي يتصل به الفيلسوف لكن من خلال تأمله العقلي. هذه نظرية النبوة عند الفلاسفة.

فتم قبول الحداثة بشرط ألا تتعارض مع التراث الماضي، ولكن التراث الذي كان الرواد ينظرون اليه هو التراث العقلاني. سنجدا أن محمد عبده مثلا يشير الى المعتزلة كثيرا، في تفسير المنار، وبدأ حوار حول ابن رشد في هذا الوقت، يعني العالم الإسلامي عرف ابن رشد في القرن التاسع عشر تقريبا، حينما كتب الرجل الفرنسي رسالته عن ابن رشد والرشدية. ورد عليه جمال الدين الأفغاني، ودخل في المعركة فرح أنطون، ودخل محمد عبده، فنحن اكتشفنا ابن رشد في الحقيقة شكرا “لأرنست رينان”. نستطيع أن نقول في الفترة الأولى، في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت المحاولة التي قام بها الرواد: هو تحديث الفكر الإسلامي. أي جعل الفكر الإسلامي يتلائم مع قيم الحداثة، دون الإضرار بالأصول، المؤسسة لهذا الفكر الإسلامي، بالذات القرآن، لكن السنة تعرضت لبعض النقد، الأحاديث الكثيرة التي ليس لها لازمة، والتي ليس لها معنى، محمد عبده، بحذر شديد ينقد هذه الأحاديث، خاصة ما ورد عن نزول الملائكة، حتى هذا في القرآن، نزول الملائكة في بدر، والملائكة كم ألف حاربوا مع المسلمين. محمد عبده يرجع الى المعتزلة والمعتزلة يقولون، والله المؤرخين قالوا لنا بالضبط عدد القتلى في معركة بدر، المؤرخون قالوا لنا من قتل من، فنعرف ماحدث بالضبط تاريخيا، يبقى الملائكة نزلوا عملوا ماذا بالضبط؟ فمحمد عبده يرى في الآية، وهذه هي القراءة ( وما جعله الله الا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم وما النصر الا من عند الله) بشرى، طمئنة للقلوب، يعني نأخذها حرفيا. محمد عبده له محاولات مهمة جدا جدا، ضد التأويل الحرفي.

كان فيه ثلاث تحديات على الأقل: تحدي العلم، التفكير العلمي. تحدي العقلانية. وتحدي البنية السياسية الحديثة، يعني تغييير شكل المجتمعات الانتقال من الإمبراطوريات الى الدولة القومية، وهذا شكل ثاني من أشكال الدولة وهذا حصل بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة هذا الإنتقال. هنجد استجابات لهذا العلم، سنجد تفسير مثلا السيد أحمد خان في الهند، تفسير المنار الجزء الذي كتبه محمد عبده..الخ.

يعني كان فيه محاولات نستطيع أن نقول أن هذه المحاولات طوال القرن التاسع عشر والى حد كبير المنتصف الأول من القرن العشرين، محاولات للمفكرين المسلمين، لتقبل النهضة ولكن في اطار التراث وفي اطار التقاليد. الأمر الذي احتاج الى بعض النقد، يعني مثلا: النقد الأساسي كان رفض الإجماع، أن ما اجتمع عليه القدماء جميل، لكن ليس ملزما لنا، حتى المذاهب أيضا، تم نقد للمذاهب، وإن الإنسان لايجب أن يتمسك بمذهب معين، هذا يقول أنا شافعي..الخ هذا عمل حرية في تقنين القوانين، بأنه لا يلتزم المشرع الحديث بأنه يتبع مذهب معين، أنه يأخذ الأراء التي تصلح للتقنين الجديد. أصبح فيه نقد للإجماع ، أصبح فيه نقد للسنة، أصبح فيه دعوة للإجتهاد، حتى خارج اطار القياس. وهنجد هذا في شغل محمد رشيد رضا، تلميذ محمد عبده والذي كان يصدر مجلة المنار، وعندنا هنا دكتور عمرو رياض خبير في رشيد رضا مجلة المنار، في مسألة الإجتهاد في فتح باب الإجتهاد. في مسألة الدخول في قضايا شائكة، لم يدخل فيها القدماء. وكان الفقيه عنده من الشجاعة والجسارة، أن يقول، والله هذه أمور لم يتحدث عنها القدماء، وبالتالي لا نحتاج الى القياس فيها. نحتاج الى إعمال العقل فيها. لكن احنا ازاء أزمة، ازاء حداثة لا يمكن تقبلها ولا يمكن رفضها، وبالتالي أصبح الحل هو تحديث الفكر الإسلامي، هنا فيه فاعل ومفعول به، الفكر الإسلامي مفعول به والحداثة فاعل. يتم تطوير الفكر الإسلامي طبقا لمفاهيم الحداثة، هذا باختصار شديد الذي نقدر أن نقوله مشروع النهضة. أو نسميه اليقظة أو نسميه الإصلاح الديني. نسميه كما نشاء

الغاء الخلاقة سنة 1924م في تركيا، قلب المعادلة، لأنه هنا دولة إسلامية وهي تركيا، وتركيا الفتاة قرروا أن يدخلوا في الحداثة. من غير مشاكل، هم مسلمون نعم لكن يفصلوا بين الدين والدولة. يقيموا دولة حديثة, وشطحوا شوية، وأحيانا المجتمعات محتاجة شطح الحقيقة. المجتمعات الحذرة لا تعمل تقدم، وهذا خلق في الجزء العربي من العالم، وفي الجزء الهندي من العالم مشكلات كثيرة جدا. حين اختفى منصب الخليفة، الذي كان قد فقد معناه منذ زمن طويل، بل ان المجتمعات العربية التي كانت تحت حكم العثمانيين، كانوا لا يكفون عن مناوءة العثمانيين. ولا عن الشكوى من الإستبداد، العثماني ولا عن الشكوى من السلطان عبد الحميد شخصيا، عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الإستبداد يكاد يكون هشم السلطان عبد الحميد، الخليفة. لكن فجأة اختفى المنصب، وهذه مسألة سيكلوجية، سيكلوجية جماعية. اختفى المنصب فكأن العالم العربي أو العالم الإسلامي أصبح عاريا. وهنا خُلقت مشكلة الهوية، لو أردنا أن نرجع لتاريخ نشأة أزمة الهوية ومشكلة الهوية نرجع الى هذه اللحظة. الإحتفال الذي قام في العامل العربي، بناءا على قرار الكماليين، لانه كان فيه قرار قبل الغاء الخلافة وهو الفصل بين السلطنة والخلافة، يعني الخليفه قالوا له ظل خليفة في إسطنبول، لكن الحكومة ستكون في أنقرة، لا دخل لك بالحكومة، فلغوا السلطنة وتركوا الخليفة، هذا القرار قوبل بإستحسان شديد في مصر، وقوبل باستهجان شديد في الهند، والهنود في هذا الوقت قالوا أن هذا تحويل الإسلام لفاتيكان. سلب السلطة السياسية عن الخليفة. المصريون احتفلوا بذلك لأن الخليفة على الأقل لن يكون هو رئيس الدولة التركية، سيكون خليفة لكل المسلمين، لكن الغاء الخلافة خلق رد الفعل المباشر. وهذه بداية أزمة الهوية، من نحن؟ والمتتبع للأدب الذي كُتب في هذه الفترة يكتشف أن هذه فعلا لحظة لا يمكن إنكار دورها في خلق الأزمة.

رشيد رضا وأنا طوال الوقت أتناقش مع الدكتور عمرو في هذه المسألة، رشيد رضا تحول من عقلانية محمد عبده تدريخيا الى الوهابية ولازم ندرس هذا التحول فلا نكتفي بأن نلعن الرجل، هناك مقالات كثيرة جدا تلعن رشيد رضا، ونحن لا نريد أن نلعن، نريد أن نفهم. محمد عبده، أنا رأي، محمد عبده لو عاش توفي 1905، لكن رشيد رضا عاش ورأى الأزمات تتراكم، ومشكلات الغرب مع العالم الإسلامي، عاش تجارب أكثر قسوة على المجتمع من الفترة التي عاشها محمد عبده. فتحول تأييده للأتراك، كان تأييد للفصل بين السلطنة والخلافة، الى نوع من اكتشاف أن الإسلام الحقيقي عند الوهابية, هؤلاء الأتراك يعني هم خارجون عن الإسلام، هذا تحول، خذوا بالكم، أن محمد رشيد رضا هو، هو شيخ حسن البنا الذي أسس الإخوان المسلمين، والإخوان المسلمين 1928م يعني أربع سنوات بعد الغاء الخلافة, والبند الأول في رسائل حسن البنا، أسلمة مصر, وجد أن مصر قطعت شوطا طويلا في الحداثة، في التعليم، في زي المرأة في خروج المرأة في تعليم المرأة، ونستخدم التاريخ الأفرنجي وليس التاريخ الهجري، الناس تقول هالوا، باي، لم يعودوا يقولون السلام عليكم،  قوي مثل زمان. فيه تغير في شكل الحياة، تغير في التواصل بين البشر.

كل هذا كان خروج عن النسق، إعادة مصر للإسلام، أسلمة مصر، كنموذج يمكن أن يُطبق بعد ذلك على بلدان العالم العربي والإسلامي، تمهيدا، أو لإعادة تأسيس الخلافة. لكن كانوا الخطين موجودين في هذا الوقت، من سنة ثمانية وعشرين الى الخمسينات، الى الستينات، نستطيع أن نقول أنه كان فيه هذا التيار، تيار الأسلمة يقابله على نفس الدرجة من القوة التيار المضاد للأسلمة،  ليس التيار العلماني، هناك أن يكون الإنسان نقيض الأسلامة وأنه يبقى علماني، العلمانيين الحقيقيين الذي يطالبون بفصل الدين عن الدولة في تاريخ الفكر العربي الحديث قلائل، يمكن معظمهم من الشوام، معظمهم من المسيحيين، وهذا شيء طبيعي جدا جدا، وقلة قليلة من المسلمين. لأنه من أول دستور مصري، هو الإسلام دين الدولة، دستور 1923م. في تنامي هذا الخط، خط الأسلمة، وخط الأسلمة يعتمد على الرؤية الفقهية للعالم، أكثر مما يعتمد على تطوير الفكر اللاهوتي، ولا تطوير للفكر الفلسفي، وتغيير للرؤية وتطوير أحيانا للرؤية الفقهية للعالم.

نضيف الى هذا واحد مثل الفيلسوف محمد إقبال، مثلا, محمد إقبال فيلسوف هندي، وهو رجل درس الفلسفة ودرس في الغرب، وكتب كتاب مهم جدا، وهو إصلاح الفكر الديني Reconstruction of Islamic thought، القراءة الدقيقة لهذا الكتاب تكشف، أن البذور الإسلامية موجودة عند محمد إقبال، فيلسوف ضد العلمانية، ضد القومية، لكن في سياق الهند، لأن العلمانية والقومية في سياق الهند كانت تعني من منظور المسلمين الهنود، سيطرة الهندوس على المسلمين، فوراء هذا الرفض للعلمانية، الرفض للقومية، الرفض للفكر العقلاني حتى في التراث الإسلامي، وراءه ما يمكن أن نسمية ذهنية عقلية الأقليات، التي تجد حماية في منظومة من القيم الأخلاقية والروحية، والتشريعية إسمها الإسلام، والذي يقرأ خطاب محمد إقبال سنة 1930م في جمعية المسلمين في الهند، يكتشف هذا ببساطة شديدة جدا، وهو يعتبر الأب الروحي لدولة باكستان. ما أقصده من هذا النموذج: أن الفصل بين الفكر العلماني المستنير، وبين الفكر الإسلاموي، ليس دائما حادا، وليس دائما بهذه الحدة، بدليل أن إنقلابات حصلت عند الشيوعيين المصريين، الى أنهم أصبحوا إسلاميين، إيمانا بنظرية أيديولوجية الجماهير، اذا أنت تدافع عن مصالح الجماهير والجماهير في هذا الجانب. عادل حسين الله يرحمه، أهم شيوعي وعالم إقتصاد مصري، أصبح زعيم لحزب إسلامي، إسمه حزب العمل. لا نستطيع أن نتكلم عن أفكار منفصلة، إنما أفكار تدور في سياق، بالتالي يمكن الإنتقال من هذا المعسكر الى هذا المعسكر.

أهم مؤسس فكري للفكر الإسلاموي الحقيقي: هو أبو الأعلى المودودي، الهندي أيضا, وأبو الأعلى المودودي أثر في واحد مصري اسمه سيد قطب، عادة التأثير يخرج من العالم العربي على العالم الإسلامي، هنا عقلية الأقلية، وتحليل خطاب سيد قطب هو تحليل لخطاب أقلية، المسلمون صاروا أقلية، صاروا أغراب، “بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، كما بدأ فتوبى للغرباء”. هذا حاضر المسلمين أصبحوا أقلية، المسلمين الحقيقيين من نظر سيد قطب، وبالتالي عليهم أن يهجروا هذا المجتمع، هذا مفهوم الهجرة، وأن يخرجوا خارج المجتمع، ليتقوا ويبنوا أنفسهم، كما فعل النبي حينما خرج من مكة الى المدينة. النموذج هو نموذج الماضي، ثم يعودا الى هذا المجتمع بقوتهم، كما عاد محمد بجيشه، الى مكة ففتحها، هذه أفكار سيد قطب ببساطة شديدة، لأن الأفكار بعد ذلك التكفير والهجرة أخذوها، تكفير المجتمع وتكفير العالم كله، مسبوق فيه سيد قطب بأبو الأعلى المودودي، العالم كله يعيش في جاهلية، بما في لك المجتمعات الإسلامية، لماذا؟ لأنها لا تُقيم حكم الله. التصور الفلسفي عند المودودي: أن العالم هو عبارة عن دولة، يحكمها الله، الكون، وبالتالي الدولة التي على الأرض يجب أن تكون إنعكاس لهذه الدولة الكونية، لكن لأن الله لا يستطيع أن يحكم على الأرض، فقد زود الله العالم بالكتاب، حتى يحكموا به، ومن هنا قراة أبو الأعلى المودودي،( من لم يحكم بما أنزل الله فؤلئك هم الكافرون) هي نفس القراءة التي يرددها سيد قطب، تلميذ مخلص للمودودي.

من سيد قطب خرج ما يسمى الجماعات المتطرفة، القطبيون، التكفير والهجرة وبعدين الجهاد…الخ، بتشجيع من الدولة، الدولة لم تفقد إسلامها أبدا، ولا رئيس في العالم العربي، غير بروقيبة ربما، تجرأ أن يقول أن فيه حاجات في الدين تنتسب الى الماضي. بورقيبة هبل شوي، وهذا الهبل وأنا أقول لأنه أحيانا المجتمعات محتاجة الى هذا الهبل، هذا الهبل أقام مجلة المرأة، التي الإسلاميين أنفسهم يدافعون عنها، المرأة المسلمة المنقبة تدافع عنها، لأنها تعطيها حقوق متساوية, هذه المجتمعات محتاجة الى مغامرة، أحيانا.

المشكل الذي هو أصبح تحديث الفكر الإسلامي، إنقلب، أصبح: أسلمة الحداثة، أسلمة الفكر الحداثي، وهذا نجده على مستويات فلسفية عند واحد الله يرحمه عبد الوهاب المسيري، وعند واحد ربنا يعطيه طول العمر، أقل فلسفية و أكثر ديماجوجية اسمه محمد عماره، أنا لا يمكن أن أضع محمد عمارة على المستوى المعرفي والعقلي بجانب المرحوم عبد الوهاب المسيري. إنما كلاهما ينطلق من منطلق واحد، ما يسمى بمرض الحداثة، التي تحتاج الى مقوي إسلامي، وهو ما يسمى بأسلمة الحداثة. طبعا أسلمة الحداثة تأخذ أشكال فجة كثيرة جدا، أسلمة المعرفة: هناك مؤسسات في أمريكا، وماليزيا، اسمها أسلمة المعرفة، أية معرفة يصدرها العقل الإنساني لها أصل في القرآن. طبعا الإعجاز العلمي للقرآن، قضية ثانية، كل نظرية تخرج لها أساس في القرآن، طبعا السؤال المضحك، أو يجب انه يكون مضحك، اذا كان كل حاجة لها أساس في القرآن لماذا لم يكتشف المسلمون هذه الحاجات؟ وليه من ليس عنده أي فكره عن القرآن ولا عمرهم قرأوه هم الذين اكتشفوا هذه النظريات. هي أسلمة الحداثة. أنت لاتستطيع أن تنكر الحداثة، الحداثة واقع، واقع نعيشه في أزيائنا، نعيشه في تطور لغتنا، نعيشه في كل مكان. إنما نريد أن نعيش الحداثة بوجهنا ونفكر بالنظر الى الخلف، هذه هي المشكلة.

أنا شرحت الأساس, كيف وصل الفكر الى هذه الحالة التي نحن فيها، محاولا أن أجد الجذور لما يسمى أعراض المرض، الجذور التاريخية والجذور الإجتماعية، اننا لا يمكن أن ندرس فكر الا من خلال وضعه في سياق، تاريخي وتطوري.

ما هي المقولات الرائجة في الخطاب الديني، والتي أريد أن أركز عليها، طبعا هنا لن أدخل في قضايا، ولن أدخل في تحاليل ماذا يقول، عن المرأة، إنما في أي كلام ضد المسيحين، في أي كلام ضد الشيعة والسنة، في أي كلام ضد الآخر في الرأي، في أي اتهام بالردة، في أي اتهام بالكفر ستجدوا، هذه المقولات الأساسية.

         واحد: لا إجتهاد فيما فيه نص:  ساعة ما يلقيها في وجهك لاتستطيع ردها، لكن سأقول لك كيف تردها، لأنها قائمة على أكذوبة تخلط بين كلمة نص في الفقه الإسلامي وكلمة نص كما نفهمها في اللغة الحديثة، خلط بشع، كلمة نص في اللغة الحديثة يعني بنية لغوية كاملة، حينما نقول القرآن نص لغوي, نصف القرآن كله، ببنيته بتقسيه الى سور بتقسيم السور الى آيات، بترتيب السور. حينما نقول على مسرحية أو على رواية أو على كتاب إنه نص, فنحن نقصد بنية كاملة. لكن كلمة نص في نظرية الفقه الإسلامي وفي التاريخ الإسلامي لها معنى ثاني: قسموا القرآن الى مستويات، مستوى من مستويات المعنى في القرآن، مستوى اسمه النص، وهذا هو الواضح وضوحا بينا يفهمه الحمار، أي أحد يعرف لغة عربية، يفهم هذا النص، لا تحتاج الى علم ولا معرفة ولا حاجة. (قل هو الله أحد) مفهوم لأي أحد، أن الله واحد، لكن ليس مطلوب من هذا الحد أن يفهم الفرق بين (أحد) وبين ( الله الهكم اله واحد)،هذا موضوع تاني، سندخل في التصوف وسندخل في اللاهوت، سندخل في قصص تانية. لكن أي واحد يستمع الى عبارة ( قل هو الله أحد) يعرف أن القرآن يعلمه أن الله واحد. من هنا في هذه العبارة نص، أي أنها واضحة وضوحا بينا. مثلا أن القرآن يعمل نوع من الكفارة لإرتكاب خطأ في الحج، مثلا، فيقول( فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجعتم تلك عشرة كاملة) هذا نص، لأنه لم يتركك تجمع ثلاثة وسبعة حتى لا تغط، وهذا الإمام الشافعي يعطي هذا المثال للنص، أي الواضح وضوحا بينا. هذا مستوى ويقول الفقهاء، “والنصوص عزيزة”، يعني قليلة, قليلة جدا، لم يكن يجرؤ فقيه في العصر الكلاسيكي،  أن يقول أن هذا نص في كذا الا بحذر شديد جدا، لأن كلمة نص معناه شيء لا خلاف عليه، والخلافات كانت كثيرة حتى في التفاصيل.

بعد النص يقولون، المحتمل: مستوى ثاني من المعنى، محتمل فيه إحتمال، فيه إحتمال أن يكون مجاز أو أن يكون حقيقة، لكن عليك أن ترى هل هو مجاز أم حقيقة. بعد ذلك المُجمل: مثل ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)

مُجمل، لم يزودك القرآن كيف تقيم الصلاة، ولا مقادير الزكاة..الخ، وقالوا أن السنة تُفصّل المجمل في القرآن، وأن القرآن أحيانا يفصل ما أجمله في مكان، يفصله في مكان آخر، لكن المحتمل قد يتضمن دليل يرده الى الظاهر، مثلا ( القُرء) هل القُرء ( يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) للمرأة التي يموت عنها زوجها، هل القرء هو الطهارة أم الحيض، يعني ثلاثة قروء ثلاثة حيضات أم الطهارة، وهذا خلاف بينهم. لأن هذا مُحتمل، لأن اللغة تتضمن هذا الإحتمال، اللغة مليئة بعبارت تحتمل معاني وأنقاضها، كما يقال ،البصير، تُقال للأعمى. وكما يقال للصحراء مفازة، وهي مَهلَكة. لأن اللغة مليئة بما يسمى تحويل الدال الى شيء أجمل، حين تقول عن الصحراء مفازة، أنك ترجو من تحدثه أنه ان شاء الله سيمر من الصحراء ولن يحدث له شيء. حين تقول عن الكفيف بصير، لأن  هذه للغة مؤدبة، لا يصح أن تقول لضعيف النظر،أنت أعمى مثلا. عملوا هذا في طه حسين في امتحان بالأزهر، قال له يا أعمى، شيخه في اللجنة. اللغة مليئة بهذه الإحتمالات اللغوية.هناك الغامض: وهو المتشابه مستوى تالي.

كلمة نص في التراث الإسلامي ليس معناها القرآن كله، وأي نصاب ، وأي كذاب، لأنه اما عن جهل ، واما عن تزييف، وكلاهما سيء. لا إجتهاد لما فيه نص، يمكن أن نبدله لا إجتهاد الا في النصوص، لما؟ لأن النصوص مُعطى لغوي، وهنا الفلسفة وعلم الكلام يعلماننا. ابن رشد عامل مستويات المعنى في القرآن خمسة، وأنا أحيانا أعملها نوع من الترميز بالألوان: الأبيض، اللون الأبيض، الذي لم يتكلم عنه القرآن، فهو خارج إطار سلطة النص، العقل، ابن رشد وهو يناقش العلاقة بين العقل وبين الشريعة يقول، ما سكت عنه الشرع ما هو؟ يكون في العقل، وهذه مدرسة الأندلس مدرسة ابن حزم. وهناك اللون الأخضر: ما يتفق فيه القرآن مع العقل، وهنا هو يصر أن هذا في أصول العقائد، يعني في النصوص مثل ( قل هو الله أحد). وبعد ذلك الأصفر: وهو الذي يتعارض فيه القرآن مع العقل، وهنا يجب على العقل، أن يؤول، طبقا لرؤية العقل، لأنه غامض، لكن غامض يمكن تأويله، وقد قام علماء الكلام بذلك. وهناك الأحمر: الذي من الخطر جدا أن تأوله، ليس خطر لأنه خطأ، إنما خطر على العامة، مثل تأويل الحساب والعقاب في الآخرة، هل البعث بالجسد أم بالجسد والروح. يقول ابن رشد الفلاسفة يتكلموا فيها، لكن بالنسبة للذي لا يتعاطى الفلسفة، والذي لا يدرك الفلسفة، هذا كلام يكون ضارا به، طبعا ابن رشد يتحدث يا اخوان في سياق القرن الثاني عشر. حيث المعرفة في ذلك القرن هي معرفة الإنتلجنسيا، الأقلية، المحظوظة. ونحن الأن في عصر آخر، نحن في عصر الإنترنيت، عصر ديمقراطية المعرفة..الخ.

اذن لا اجتهاد الا في النص، القرآن لا يمكن أن نقرأه باعتباره واضح كاملا، الفقهاء، وأنا هنا أأخذ مقولة من محمد مجتهدي شبستري، وهو أحد الباحثين الشيعة في القرآن، وهو باحث ممتاز، يقول: لا يوجد شيء واضح في القرآن، من يزعم أن القرآن واضح، فليذهب يشكك في عقله. طبعا المشكلة عند العرب فاهمين أن القرآن يتحدث عربيتهم، التي يتكلموها، ونحن نتكلم لغة لا علاقة لها بلغة القرآن، أولا نتكلم لغات في مجتمعات مختلفة. هذه فكرة لا إجتهاد فيما فيه نص، أكذوبة إما نابعة من جهل، وإما نابعة من تزييف.

         الأمر الثاني حين يقال، أن هذا معلوم من الدين بالضرورة: الحجاب معلوم من الدين بالضرورة، فيه نص لا إجتهاد فيه، وإن عدم التمييز بين المعرفة الضرورية وبين المعرفة النظرية، وهو تمييز موجود في الفكر الإسلامي، من بداية القرن الثاني الهجري، المعرفة الضرورية: هي المعرفة التي يصل اليها كل البشر، بدون نظر. هي البديهيات، حتى تنتقل من البديهيات، وهو العلم الضروري، الى معلومات أعلى نظريا لابد من أن يكون هناك عقل يعمل. يرتب هذه البديهيات في مقدمات، يبني المقدمة الصغرى على المقدمة الكبرى، ثم يستنبط منها على حسب المنطق الأرسطي الذي كان رائجا في ذلك الوقت. الضروريات هي ما يتشارك فيه البشر جميعا، بصرف النظر عن أديانهم ومعتقداتهم, العلم الضروري هو العلم البديهي، وليست كل أشياء الدين بديهية، وبالتالي فيه مساحة واسعة لما يسمى المعرفة النظرية. كل ما يعتقده الخطاب الدين إنه بديهيات يقول انه معلوم من الدين بالضرورة. أن أدم نبي. كان فيه واحد أسمه محمد أبوزيد وليس نصر أبوزيد. وقال أنا لست متأكدا أن أدم كان نبي، نبي على من بالضبط، قال على الأقل أن مسالة أدم نبي، مبني على أدلة ظنية، وليس أدلة قطعية. لاتوجد أدلة قطعية على أن أدم نبي، مبني على أدلة ظنية، ما هي الأدلة الظنية؟ (فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه)  فالفكر القديم قال، تلقى كلمات، يعني تلقى وحي، فإذا كان تلقى وحي، يكون نبي، لكن بناءا قياسا على هذا اذن مريم نبي أيضا، تصبح أم موسى نبي، ( أوحينا الى أم موسى أن أرضعيه)، ويكون النحل أنبياء، ( وأوحينا الى النحل) ….الخ. فقال ( فتلقى أدم من ربه كلمات)  فقال هذا دليل ظني، خذوا بالكم أن محمد أبوزيد في سنة 1930م يقول على نص في القرآن أنه ظني الدلالة. وليس قطعي الدلالة، يعني ليس نص بالمعنى الكلاسيكي، حينما نحب أن نحلل قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، أولا قطعية يعني ضرورية، ضروري بمعني أي أحد لا يؤمن بهذا يكون كافر. الضروريات قليلة جدا مثل النصوص.

الفلاسفة المسلمين فرقوا بين النظريات والعمليات، وقالوا لا إجماع في النظر، يعني ليس هناك إجماع في الفكر، وإنما يكون الإجماع في العمليات، إن الناس تتفق على شيء عملي أو لا. أن هناك قطعي الثبوت: يعني وصلنا بطريق محدد نحن متأكدين أن النبي علية السلام قال هذا النص، هذا قطعي الثبوت، لكن ليس قطعي الدلالة، قطعي الثبوت معناها أن هذه الرواية  فعلا حقيقة، أثبتنا بالبحث أن النبي قالها، أن الناس الذين حملوا هذه الرواية وروها ليسوا كذابين، لكن المعنى هل هو معنى قطعي أم ظني، طبعا القطعي الثبوت قليل جدا جدا، يعني الأحاديث النبوية معروف أنه المتواترات، أي قطعية الثبوت، قليلة جدا، المتواترات يعني التي رواها عدد كبير جدا، من الصحابة، يقول لك رواه الجمع الغفير الذين يؤمن طواطئهم على الكذب، ليس معقول أن يكذب كل هؤلاء الناس. قليل جدا. فالحديث كله والسنة كلها ظنية الثبوت كلها، القرآن فقط هو قطعي الثبوت، نحن نتكلم في الثبوت الأن وليس في الدلالة. عمرو يهز رأسه لأنه ليس كله فعلا، لكني أقول كله طبقا للقرار السياسي الذي أتخذ مبكرا. لكن حين ندخل في التفاصيل فيه مشاكل. لكن هنا ليس أوانها. اذن قطعي الثبوت هو نص واحد، وليس قطعي الدلالة بما شرحته من قبل. أنه فيه النص وفيه المحتمل وفيه المتشابه وفيه المجمل..الخ.

اذن يصبح ماهو معلوم من الدين بالضرورة، قليل جدا، لكن في الخطاب الإسلامي المعاصر كل شيء معلوم من الدين بالضرورة، تغطية وجه المرأة ملعوم من الدين بالضرورة. أصبحت كلمة سهلة، هذا يؤدي الى التكفير، اذا أنكرت معلوما من الدين بالضرورة، فأنت كافر، أنت خارج عن الملة، وبالتالي أصبح التكفير سلاح، لحسن الحظ أنه انتشر حتى فقد معناه، أصبح مضحك، أن أحد يقول على آخر أنه كافر.

        المرجعية أصبحت كاملة لهذه الشريعة، كما تم إختصارها، أنا تكلمت عن بنية تشريعية شامخة، في تاريخ الفكر الإسلامي، اذا قُورنت بالبنية التشريعية الراهنة، سنجد فقر شديد جدا، سواء مثلا، مثال واضح، الفقهاء المسلمين تقريبا ألغوا إقامة الحدود، تقريبا، بالشروط المستحيلة التي وضعوها، لتطبيق حد السرقة، أو تطبيق حد الزنا، جعلوها مستحيلة، لايمكن أن تأتي في الزنا أربعة شهود رأو لا أعرف ماذا، داخل إيه مثل المكحلة، وبشرط ألا يتلعثم شاهد فيهم، إذا تلعثم شاهد يُجلدوا الأربعة. أنا هنا إذاء فقيه، عاش عصر دخول المجتمع العربي والإسلامي، سلم الحضارة، وفي سلم الحضارة مستحيل تطبيق هذه الأحكام، مستحيل أنك ترى ناس ماشية في الشارع أيديها مقطعة لأنه سرق رغيف. هكذا صنع الفقهاء، لم يقولوا أن هذه الأحكام منسوخة، وإنما تقريبا نسخوها، هذه الأحكام تقام الأن فورا، في السعودية وأحيانا في ايران وفي باكستان، على الظن، يعني واحد يذهب يشهد أنه زنى مع هذه الست، فيأخذوها هي يقيموا عليها الحد، وليس عليه هو أيضا، يني الزنا أيضا أصبح فعل شخص واحد، يعني عند الفقهاء في الفقه الكلاسيكي، الزنا يحتاج الى اثنين والأثنين لازم يعاقبوا، لكن في الفقه الحديث الرجل، الذكر، يكون شاهد، هذا مقارنة بين الفقه في عصر شموخه، لأن الفقه كان يستمد قوة من الرؤى الأخرى، المحيطة به، الرؤية اللاهوتية والرؤية الفلسفية والرؤية الصوفية، لأن الفقهاء كان من ضمنهم متصوفة، الفقهاء كان من ضمنهم متكلمين. غنى. الفقيه لا يعرف شيء اليوم عن علم الكلام، ولا عن الفلسفة ويكره التصوف، التصوف في السعودية طبعا ملعون.

هذا هو الحال الذي نحن فيه، وهذه الأعراض، وتلك أسبابها، أعراض المرض وأسبابها التاريخية، وبنيتها، وإيه جوهر المشكلة؟ جوهر المشكلة، أن في كل هذه المحاولات، التي أسميتها تحديث الفكر الإسلامي، ظل هذا التحديث كله خارج القرآن، ظل التحديث كله في معنى القرآن، محاولات مشكورة، في معنى القرآن, لكن في تعريف القرآن نفسه، ماهو؟ هذه كانت منطقة خارج الموضوع، كل من إقترب من هذه المنطقة، دفع الثمن، وما يزال. الباكستاني فضل الرحمن، قال يا إخون صحيح القرآن كلام الله، لكنه أيضا كلام محمد، في نفس الوقت الله أوحى لمحمد بالقرآن فالقرآن كلام الله، لكن وضع في اللغة العربية، يكون كلام محمد، لا يمكن أن أتخيل، ـ هذا كلام فضل الرحمن ـ أن محمد عليه السلام كان بوسطجي، يعني أخذ رسالة وسلم الرسالة. بدليل أنك تقرأ القرآن نفسه فتجد حضور لأحداث، محمد حتى حبه لزينب بنت جحش، موجودة في القرآن، ده من الأسماء القليلة المذكورة في القرآن، زيد، القرآن عادة لا يذكر أسماء، (وما محمد الا رسول) أو أبوجهل، إنما زيد باسم الله مشاء الله، بسبب هذه القصة. الخلاف بين محمد وبين زوجاته مذكور في القرآن، القرآن عامل حملة على زوجات النبي، ويقول لهم ما معناه “حلو عنه” والا أجعله يطلقكن. اذا قرأنا القرآن بهذه الروح، وهي روح حقيقية، اذن لا يمكن أن نعتبر أن محمد خارج الموضوع، لن نصل الى ما ذهبت اليه السيدة عائشة، حينما نزل القرآن يقول له (زوجناكها حتى لايكون على المؤمنين حرج في أبناء أدعيائهن)، عائشة طبعا غائرة، هذا شيء انساني جدا، زوجه زوجها يتزوج عليها واحده ربما أجمل أو شيء، فقالت له “أرى إلهك يسارع في هواك”، ربك يسير على مزاجك يا محمد، نحن نتقبل هذه الرواية ليس من أجل أن نسخر منها لكن لنقول أن هذه الروايات كونها تروى على خطرها معناها أنها روايات حقيقية.

القرآن المقدس، المتعالي على التاريخ، ما معنى الوحي؟ ما معنى المقدس؟ ما معنى التاريخ؟ ما علاقة الوعي بالتاريخ؟ كل هذه أسئلة هي الأسئلة لأنها لم تناقش، تجعل من السهل جدا، جدا، تحويل مشروع تحديث الفكر الإسلامي، الى أسلمة الفكر الحداثي. تجعل من السهل جدا الإنقلاب، كل داخل في سياق، أنا ذكرت سياق رشيد رضا، وانقلاب رشيد رضا، هذا سياق تاريخي، ولا يمكن أن تجاهل السياق المعاصر أيضا، الذي يجعل اثارة هذه الأسئلة صعبة، ويطرح مهام على المفكرين، وعلى المثقفين، كيف يمكن اثارة هذه الأسئلة في هذا السياق الصعب؟ وخلق حوار حولها، والى أي حد تمثل هذه الأسئلة خطر على الإيمان، وتمثل دعما للإيمان، ولابد للباحث هنا أن يكون عنده نوع من المسؤلية، على الأقل أن الناس لازم تفهم أنه ليس المقصود من هذا هدم الدين، ولا هدم العقيدة ..الخ. ما لم يحدث حوار حول هذه القضية الجوهرية، سيظل الخطاب الديني المعاصر، يأخذ الماضي الذي أُعيد تكييفه، حتى ليس الماضي المزدهر، إنما الماضي الذي أعيد تكييفه، الماضي الذي أفقره الخطاب المعاصر، لكي يجد في الماضي نموذج، يحل على أساسه كل مشكلات العصر،

        سأختم بمسألة النقاش الذي دار حول مسألة الخُلع، في مصر، يعني المشرع المصري، وأنا أعرف الناس التي كانت وراء هذا المشروع، أعرفهم شخصيا، ناس يسعوا الى خلق مجتمع مصري حديث، والى خلق بنية قانونية تعطي مساواة بين الرجل والمرأة، خاصة مع تعليم المرأة، مع أن المرأة أصبحت وزير..الخ. لكن لايريدون أن يفعلوا ذلك بدون موافقة المؤسسة الدينية، وأنا أعرف المعاناة التي عانوها، القصص الشخصية هنا لا تُحكى. ومع ذلك كان النقاش كله يدور حول، أن واحده اشتكت للرسول، قالت له يعني الرجل هذا رجل كويس ورجل حلو، لكن أن لا أحبه وأن الرسول قال لها طيب أرجعي له الحديقة التي أهداها لك، وخلاص طلقها. نعم هذه سابقة يُقام عليها قياس، لكن كيف تفهم السابقة؟ هل حين طلب محمد عليه السلام منه أن يُطلقها كان ينصحه، أم يأمره؟ بعض الفقهاء قال لا، كان ينصحه، هذا لم يكن أمر، لأن هذا سيترتب عليه أن القاضي من حقه أن يُصدر حكم بالتطليق، أم ينصح الزوج بالتطليق، فلما ترى العبقرية، دون أن يقولوا أن هذا النص ظني الدلالة، لأنهم اختلفوا في تفسيره، لكن السؤال الأهم طبعا، الأصدقاء الذين أتكلم عنهم طوال الوقت يتناقشون معي،  والسؤال الأهم في نقاشي معهم، وأنا أقول لهم، أنك تعطي المرأة حقها في الطلاق طبقا للخلع هذا ليس حق، لأن ما تدفع ثمنه لا يكون حقا، الحق هو ما تأخذه بقوة القانون، انما لكي تُطلق الست لازم تتنازل عن كذا وكذا وكذا، هذا لا يسمى حتى باللغة القانونية، لايسمى حق. قانونا الحق هو ما يجعله القانون حقا لك، دون أن يكون عليك دفع ثمن هذا الحق.

أنا أطلت عليكم لكن أرجو أن أكون وضحت الأزمة ووضحت جوهرها.

 شكرا جزيلا.

الأسئلة وإجاباتها

         ـ أولا: أشكر هذه المحاضرة القيمة، وثانيا عندي استفسار حول موضوع، انقلاب رشيد رضا، إتجاهه نحو الحركة الوهابية، حسب تحليلات الدكتور أحمد صبحي منصور، لإفشال مشروع محمد عبده، أو جمال الدين الأفغاني، والكواكبي..الخ، قامت الحركة أو الحكومة الوهابية بضغط على هؤلاء الذين يقومون بنشر التنوير، وبيّن في محاضرات قيمة, حول موضوع، انقلاب رشيد رضا. أنا و صلت الى القناعة، أن رشيد رضا تحت تأثير تهديد الحركة الوهابية قام بهذا الإنقلاب شكرا جزيلا.

         ـ نرحب بالدكتور الضيف، على المحاضرة التي أمتعتنا جدا جدا، بالنسبة لقضية إعادة القراءة، بالحقيقة عندي موضوع وقد كتبت أيضا الى جمال البنا، وهو من الإسلاميين المجددين، الإصلاحيين، وما جاءني رد ، فأريد أن أخذ رأيك في هذا الموضوع. يعني في سياق، إصلاح الفكر الديني، والتحديث على ضوء الحداثة ومعطيات الواقع، الموضوع الجديد المتجدد على طول، التي يصعب فيه مواجهة الواقع المتغيير، بنصوص ثابتة جمال البنا في الحقيقة طالب بأنه يجب نبذ أو ترك هذا الفقه المتداول كله، باعتباره انه كان ابن زمانه، وبالتالي نحتاج الى تفسير جديد، وتأويل للنصوص القرآنية. بنفس هذا السياق، وللخروج من أزمة النص، وأزمة رجال الدين بالحقيقة، لأنه أعتقد استنفذوا كل ممكنات التفسير والتأويل للنص الديني، ووصلوا الى طريق مسدود، في بعض النصوص التي أصبحت لا تتحمل التفسيرات الجديدة، فأقترح على رجال الدين، وعلى المهتمين بالشأن الديني، ولكي نخلص (احنا) العلمانيين من بعض النصوص ومن تأثيراتها على المجتمع، أقترح أن قسم من النصوص، يوجدون تخريج لها رجال الدين، أن هذه النصوص الموجودة في القرآن، ليست جميعها منزلة، وإنما قسم منها، من وضع النبي محمد، ولكن أعطاها صفة القدسية، لإكسابها صفة الإلزام، والقوة في التطبيق، من هذه النصوص أصبح منها كثير لا يتلائم والعصر نهائيا، وبالتالي لإنقاذ الدين ولإنقاذنا احنا من بعض النصوص، يعني مثلا الزواج من أربعة، يعني أي عقل معاصر، أن يقبل أربعة لا يوجد، وما ملكت أيمانكم، بعد أن حصلت المرأة على تعليم وعلى فرص تقريبا متكأفئة في التعليم.

السؤال هو: هل ممكن الخروج وأستمر بالبحث لأطلع النصوص؟ شكرا جزيلا أسف على الإطالة.

         ـ أهلا وسهلا بالدكتور: وأحييك على محاضرتك الرائعة هذه، أأخذ الموضوع الذي تحدثت فيه من منظور سياسي، وليس فكري، سؤالي ينصب على، ما هو السبب الأن ونحن في عصر العولمة، والنهضة العلمية والتطور الهائل، في المعرفة، هناك تراجع في منطقتنا، منطقة الشرق وخاصة في الدول التي يحكمها الإسلام، أوالشريعة، تخلف للوعي التقدمي، العلمي، في عصر تطور العالم في هذا المجال، (شونو) السبب، هل هو يرجع الى كون هناك حكومة استبدادية، تضع الدين بالنسبة اليها كخيمة، تمشي أمورها السياسية؟ شكرا جزيلا.

       ـ شكرا نتمنى لكم (الموفقية) في الحقيقة أنا عندي ثلاثة أسئلة، أرجع الى المقال التي كتبتها قبل ثلاثة أسابيع( إشكالية العقل  والنقل والوحي)، أتصور أن هذه المحاضرة اليوم عندها علاقة بها، هناك موجودة جماعة العقل، من ناحية أخرى لا ينكرون مرجعية الوحي، هل تقصد جماعة العقل هم المنظومة الإسلامية، أم مجرد جماعة العقل المنتمين الى العلمانية وغير ذلك؟ السؤال الثاني عندي هل نستطيع أن نحدد شكل الدولة الإسلامية من خلال النصوص؟ يعني شكل دولة محددة، تاريخ المنظومة تاريخ الدولة، وزمن الخليفة، وزمن الرئيس وزمن الديمقراطية. السؤال الثالث، نعتمد على عنصر الزمان، وليس عنصر المكان، انت ذكرت بحيث أن الحضارة العربية الإسلامية. وإنما النصوص كلها انعكاس لقوانينها الموضوعية الإقتصادية والإجتماعية وغير ذلك، ومن ضمنها المنظومة اللغوية الموجودة، فأنا اعتبره حسب كتاباتك قريب من طه حسين وطيب الزيني, من حيث انعدام عنصر المكان وابراز عنصر الزمان، وعنصر الزمان يدخل ضمنه الوحي، واللغة وغيرها، شكرا.

         ـ أشكرك على المحاضرة القيمة هذه، وسؤالي هو: الفكر الإسلامي بشكل عام، لا يقبل التحديث في العهود السابقة في العهد العباسي وفي عهد الخلفاء الراشدين، هل كان معارضة تقف باسم الدين، في ذلك الوقت لم يكن هناك أي نوع من الحداثة، وانما كان السيطرة فقط على السلطة من أجل السلطة، بعد التحديث بشكل عام بعد الثورة الفرنسية والثورة الصناعية، والثورة التكنولوجية، أعتقد أن الفكر الإسلامي، مع احترامي للفكر الإسلامي، وهو علاقة بين الفرد وربه، أعتقد أن الفكر الإسلامي لا يتحمل التحديث، نحن نتحدث عن الأحزاب الإسلامية المتنورة، أو الوسطية، هذه الأحزام الوسطية اذا أتت الى السلطة عن طريق الديمقراطية، فهي بالتالي سوف ترجع الى النصوص القدسية. هذا هو السؤال شكرا جزيلا.

        ـ أزمة الفكر الديني الإسلامي هل من أفاق لحلها أم لا؟ اذا أخذنا في الإعتبار في الوطن العربي والعالم الإسلامي، السلطة تختلف عن سلطة الخمسينات والستينات, هي سلطة البرجوازية والبيروقراطية الطفيلية، والتي الفكر الديني هو جزء من منظومتها، أنت حين تتحدث عن أزمة الفكر الديني، تتحدث عن أزمة النص, لكن الأزمة مرتبطة بطبيعة السلطة التي هو جزء منها، هل هناك أفاق لحل الأزمة؟ أو ممكن انهاء هذا الفكر ككل؟ شكرا.

        ـ أنا أخر الأسئلة، دكتور ممكن ما معروف أن الشيعة هم أكثر من استخدم الإجتهاد، لسد ما يسمى بالفقه الشيعي، مناطق الفراغ، هذه ما فيها جاء بالقرآن ولا جاء بالحديث في منطقة الفراغ، محمد باقر الصدر، يعتبر طبعا أعدمه صدام سنة الستة وثمانين. يعتبر ساهم مساهمة كبيرة خاصة في كتابة يذكر فيه أن ما يخص التشريعات الإقتصادية أن الإسلام يمكن يغطي خمسة بالمئة، ما معناه أن خمسة وتسعين بالمئة يجب ان نجتهد فيها. وهذه القضية تقودني الى مسألة أخرى. حتى في الإجتهاد وسط المراجع الشيعية، هناك تعارض وأحيانا تقاطع، قضية، يعني نجد مجتهد شيعي يقول لك هذا حلال, وثاني يقول لك لا حرام. يعني على سبيل المثال محمد صادق الصدر، الذي اغتاله صدام بسنة الستعة وتسعين، أبو مقتدى الصدر اغتاله صدام وولديه الأثنين، حلل في رمضان التدخين انا ما كنت بالعراق هذا على سبيل المثال فقط. هذا أيضا يقود الى تقاطع وأحيانا يقود حتى الى نوع من العداء. وشكرا.

 نصرأبوزيد: هبدأ بالأسئلة بالترتيب، انا لست موافق على تفسير أحمد صبحي منصور، بمسألة أن رشيد رضا عمل إنقلاب، نتيجة عوامل الترهيب والترغيب، هذا تفسير سهل، تفسير لا يضع في اعتباره التطور الإجتماعي التاريخي، في المنطقة الذي أدى ليس فقط الى رشيد رضا، انما أدى الى التحول من تحديث الإسلام أو الفكر الإسلامي الى أسلمة الحداثة. أحمد صبحي منصور زميل عزيز، لكن مسكون بشيء ليس مريحا، لأنك أنت تقول أن الوهابية أخطر من اسرائيل، هذا كلام ليس مريحا، هذا كلام وارءه ما وراءه، لا أعرف بالضبط ما وراءه لأني لست مغرم أن أعمل هذه الحكاية، لأنه في خطر من الفكر الوهابي؟ نعم فيه خطر من الفكر الوهابي. لكن فيه خطر من اسرائيل على الفكر الإسلامي، لأن هذه دولة، في نفس الوقت سنة 1947م قاموا الدولتين بمساعدة أوروبا العلمانية، دولة لليهود في فلسطين, ودولة للمسلمين في باكستان. مجرد هذا المفهوم قوى بشكل حاد جدا جدا، مسألة الإحتياج الى دولة إسلامية، وهزيمة سبعة وستين تم تفسيرها، باعتبارها هزيمة الكفار على يد المؤمنين، المؤمنين هنا اليهود، والمسلمين، الكفار، لأن الله ينصر من أمن، بصرف النظر عن بما آمن، وهذا كلام الشيخ الشعراوي، أنا لا أتحدث عن الخطورة أن هذا احتلال وو..الخ هذه كلها قضايا سياسية. مفهوم دولة خاصة بفئة معينة، هذا المفهوم يتناقض مع القرن العشرين، ناهيك عن القرن الواحد وعشرين. وأي مفكر أو أحد يشتغل في الفكر ويرى أن اسرائيل ليست هي عدونا الأساسي، وأن عدونا الأساسي هو السعودية والوهابية، هذا ليس كلام فكر، الى حد كبير، كلام مُلقى على عواهنه.

لماذا لم ينجح مشروع محمد عبده؟: لأسباب كثيرة جدا جدا، تحتاج الى محاضرة وحدها, أولا أن هذا كان مشروع جزء من مشروع الدولة، التحديث كله، تحديث الفكر الإسلامي كله، كان جزء من مشروع الدولة الذي بدأها محمد علي، وأخذت شكلها العام جدا في عصر الخديوي إسماعيل، الذي أراد أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا. حينما يكون مشروع فكري يرتبط ببنية الدولة، أو بأيديولجيا الدولة، حين تسقط أيديولوجيا الدولة، الدعم الذي كان يمنح لهذا الفكر يسقط، لأنه حدث انقلاب مثل ما حدث في السبعينات، لو نظرنا ما حدث في مصر في السبعينات، أن خطاب الفترة الناصرية لم يكن خطاب علماني بمعنى أنه مضاد للدين ولا مناقض للدين، هو حصل تناقض مع الإخوان المسلمين لأسباب سياسية، معروف هذا، إنما مع انقلاب السبعينات الذي عمله الرئيس السادات، كان انقلاب على أكثر من مستوى, على مستوى اقتصادي، مثلا الإنفتاح الإقتصادي، الذي أسماه الله يرحمه أحمد بهاء الدين “انفتاح السداح مداح” وبعدين الإنقلاب ببوصلة اتجاه مصر من علاقتها بالإتحاد السوفيتي وعلاقتها بالمعسكر الشرقي، الى علاقة بأمريكا، وهذا كان انقلاب داخل المجتمع المصري، وأنا لا أدخل في التحليلات الإقتصادية ليس لأني ضدها أو لا أعرفها، لا، لأني أتعمق في تحليل الفكر مع عدم اهدار القوانين الإجتماعية والإقتصادية. حدث تحالف بين السلطة السياسية وبين رجال الأعمال، ورجال الأعمال يريدون تحرر اقتصادي، فالسلطة السياسية تفتح لهم الحرية الإقتصادية، لكن الحرية الإقتصادية التي لم تقم في أوروبا الا على أساس حرية الفرد أصلا. ـ دعه يعمل دعه يمر ـ يتم تحرير الدولار، تحرير سعر الدولار, في نفس اليوم الذي يقوم فيه الطبلة بمظاهرات في الجامعة يضربوا بالنار، وأنا كتبت مقالة في ذلك الوقت، تحرير سعر الدولار ولا تحرير للطلاب, المعدلة كلها لا تستطيع أن تنفي منها هذا البعد السياسي، لاتستطيع أن تنفي البعد السياسي من فشل المشروع النهضوي. لأنه مرتبط بالدولة. ما تزال المشروعات الحديثة مرتبطة بالدولة, ودائما نجد كل المثقفين والمفكرين، يجب أن نتعلم من مسألة هذا الزواج الكاثوليكي بين المثقف والدولة. المثقف لازم يكون مستقل عن الدولة، حتى لو الدولة تبنت شعاراته، يعني الدولة لو تبنت كل شعارات الحزب الشيوعي العراقي، لو نفترض، يجب على المفكرين الشيوعيين الا يتحولوا الى جزء من سلطة الدولة، يظل المفكر يراقب الدولة، ينقد الدولة، ينقد النظام، لأن الأفكار الهائلة حينما تتحقق على الواقع، تكتسب من الواقع تراب، تكتسب من الواقع عفرة، عفار، دائما صرختي طوال الوقت على المثقف أن يكون حارس قيم لا كلب حراسة, هذا لم يحدث، ولا أقدر أن الوم محمد عبده، ولا أستطيع أن الوم الطهطاوي، الطهطاوي أول ما محمد علي غضب عليه نفاه للسودان، وهو من عمل مشروع مدرسة الألسن والترجمة، هذا الشيخ الأزهري الذي رجع من باريس عمل كل هذا، أول ما محمد علي غضب عليه نفاه للسودان. محمد عبده كان مفتي مصر لأن مصر كانت محتاجة الى تغيير مشروعات القوانين..الخ. لكن عمر الأزهر ما حبه، وهو ابن الأزهر محمد عبده، عمر الأزهر ما حبه، و لا يكاد يُذكر اسم محمد عبده الا على سبيل التباهي،( قاعة محمد عبده مثلا).

فكلام أحمد صبحي منصور، أنا عندي طالب عمل ماجستير عن شغله، وهو طالب هولندي، يعني ليس مسلم ولا يحزنون، ولا أعرف ما جذبه للموضوع، وعمل الماجستير كويسة جدا جدا، عن القرآنيين بشكل عام، وأثار فزعة مسألة أن واحد، مسلم مصري عايش في أمريكا، وأنه خطابه كله يدور على أن الوهابية هي المشكلة. وأن اسرائيل ليست مشكلة. هذا الشاب نقديا قال “هذا أمريكا تدفع له”، أنا طبعا لا أريد أن أصل الى هذه المسائل.

تحليل الفكر يجب أن يعتمد، لا على إدانة المفكرين، ولا على تصور أنهم عملاء، محمد عبده قالوا عنه عميل، ويقال عنه أنه كان عميل لا أعرف مع ايه ومع ايه. هذا لا يفسر شيء في الفكر، رشيد رضا عاش تجربة المجتمعات الإسلامية، لأن المنار كانت جريدة للمجتمعات الإسلامية كلها، وعاش أزمة العالم الإسلامي، مع الغرب، التي تعقدت بعد عصر محمد عبده، فأنا أسميه تحول في التفكير، وهذا تحول لأنه عمل اتجاه، لا أستطيع أن أنسبه لرشيد رضا، الأفكار لا يعملها أشخاص، تعملها اتجاهات، صحيح ممكن شخص يكون مؤثر في هذا الإتجاه أو ذلك الإتجاه. لذلك أنا أعرف مثقفين علمانيين كثير جدا يكرهون رشيد رضا، وصديق لنا عزيز العظمة يقولك هذا ابن كلب. هو الذي أفسد كل حاجة. هذا كلام ليس فكرا، هذا كلام نقوله في القعدات، ـ السلفيين الأن يهاجموه ـ طبعا لأنه مجتهد زيادة عن اللزوم في نظرهم.

السؤال عن جمال البنا وسؤالك، يحتاج الى محاضرة، لأني أعمل في هذه المنطقة، في منطقة الوحي والتاريخ، ليس الوحي والتاريخ كإطار خارجي, نزل فيه الوحي، إنما كإطار فاعل في بنية الوحي وفي تفصيل الوحي، وأنا لا أقول فتاوى، لأن الفتاوى والمحاولات هذه كلها، وأنا قلت في النهاية أن كل هذه المحاولات التحديثية كانت خارج القرآن، تكلمت عن فضل الرحمن دفع الثمن، فضل الرحمن كان سيعدم في باكستان، والرجل رحل الى أمريكا ومات بأمريكا. محمود طه، في السودان، نفس المسألة. محمد شحرور لم يقترب من سألة التاريخ هذه أبدا، محمد شحرور، إطلاقا، هذه منطقة عنده. إجتهادته كلها أغضبت الأصوليين, لكن طبعا كان النظام السوري ممسك بالناس من رقبتها، وأنا حينما كنت في سوريا، قيل لي من وزير،”والله لو كنت عندنا ما كان جرى لك ما جرى لك في مصر” قلت له أفضل ما جرى لي في مصر، وضرب مثال بمحمد شحرور، قلت له لا أحب الحماية بالنظام، قلت له مصر مجتمع صحي، “ناس زعلانة من فكر مش قادرين يردوا عليه راحوا المحكمة”، هذه حيوية أريدها، نحتاج هذه الحيوية في المجتمعات، ـ يا دكتور ما هددوك بالقتل ـ التهديد بالقتل هذا من جماعات متطرفة، لكن الناس الذين لم تعجبهم الأفكار، لم يسعوا للقتل، ولم يستطيعوا أن يردوا، فذهب للقاضي. ما أريد أن أقوله ايه، أن في مجتمعاتنا، لا يجب ان نطلب نُصرة السلطة، لأن السلطة ممكن تنصرك الأن، وبعد شهر تذبحك هي، وهذا درس يجب أن نتعلمة، ما عمله المأمون مع ابن حنبل، وما عمله المتوكل مع المعتزلة بعد ذلك.

مفهوم التاريخ مفهوم مهم جدا، وهذا ما نسميه كعب أخيل، في الفكر الإسلامي، إن قرارات إنسانية نتيجة لصراع في الواقع، وُصفت في القرآن، وُصفت، تحولت الى تشريعات، طبعا مفهوم التاريخ أنا عايز أراكم تاني فيكون هذا مشروع محاضرة وحده مستقلة. وهنا مشروع مرتبط بما قاله الفلاسفة المسلمين، وليس خارج منظومة الفكر الإسلامي، إنما يتجاوز منظومة الفكر الإسلامي، أخر مقالة نشرها محمد مجتهدي شبستري، القرآن الرؤية النبوية للعالم، نُشرت بالفارسي، وهناك ترجمة للانجليزية والرجل أكثر الله خيره أرسلها لي بالعربي، أقصد أن فيه عمل في هذا، عمل لا يرقى له جمال البنا، يعني صعب جدا على جمال البنا، لأن جمال البنا يُهاجم هذا المفهوم جامد. في مقدمته كتاب تجديد الفقه، عمل حوالي عشر صفحات تقريبا كي يهاجمني، لأن هذا مفهوم غريب عليه، صعب على أفقه الفكري أن يتقبله، وهو صعب على ناس كثير.

 التحليل السياسي والعولمة والتطور الهائل في المعرفة، وهذا العالم الذي يموج بالتطورات أين نحن منه؟ نحن لسنا فيه، ببساطة شديدة، نحن لسنا فيه، نحن نشاهده، نحن نتمتع بمنجزه، لكننا لسنا جزء منتج فيه، وحينما تتحول الحداثة ويتحول الفكر والتقدم العلمي الى موضوع للمتعة، ممكن أن يجعل البعض يقول أن الله سخر لنا الغرب حتى نتفرغ للعبادة. هذه صورة. الإستبداد طبعا سبب، الإستبداد عامل مهم جدا لا يُستبعد، لكن اجعلني أضع الإستبداد أيضا في سياق، يعني ليه ليس ممكن أن يأتي القذافي يحكم هولندا مثلا، لأن الشعب الهولندي لن يقبل، يعني الإستبداد ليس صناعة فرد، انه صناعة ثقافة، وعليك أنك تناضل في تغيير هذه الثقافة، وتغيير هذ الفكر، لكي تحارب الإستبداد، وأصبح الإستبداد الأن محاط بهالة من سحب هائلة تغطيه من الفساد، يعني الدكتاتور العادل, المستبد العادل، هذا انتهى، أصبح المستبد اللص. اللص علنا. والذي يحتمي بمجموعة من اللصوص، فدخلنا في منطقة أخرى أبشع من أن تكلم عن الإستبداد بمعناه السياسي، الخطر من هذا الفساد حينما يكون جزء منه المثقفين، فتتلوث الثقافة، وطبعا تتلوث المؤسسة التعليمية. لأن المؤسسات التعليمية بالكامل يكاد يكون أصابها الفساد، ونخرها. وأي فرد داخل المؤسسة التعليمية, يحاول أن يكون نظيف، ليس له مكان.

فمجتمعتنا خرجت من العالم، وداخل هذه البنية، الإستبداد عنصر مهم، لكن داخل الإستبداد هو الى أي حد تسرب الخطاب الديني الذي تكلمت عنه، الى الجذور داخل المجتمع. الأسلمة نجحت، في أنها تحول ليس الدولة فقط، تحول الناس نفسها أن تكون ضد الفكر. وهذا يتطلب ليس فقط نضال سياسي، اجتماعي وثقافي واقتصادي وفكري..الخ. طبعا في أولويات مهمة جدا، ضرورة فصل الدين عن الدولة، هذه الأولى، ضرورة اصلاح الدساتير من مسألة الدين والشريعة، خاصة في الدول التي أغلبيتها مسلمين، لكن فيها أقليات غير مسلمة، زي مصر أو العراق. العراق مزايكو ديني، فكيف تقول الإسلام دين الدولة، أي دولة هذه، التي الإسلام دينها، هذه الدولة لا يصح أن يكون لها دين، لأن الدولة على الطريقة المصرية، الدولة لا تذهب الى الجامع كي تصلي، ولا تذهب الى الحج، ولا تدفع زكاة، إسلامية بأي معنى؟ ولا يهودية ولا مسيحية، ولا أي شي أبد، الدولة هي مسؤلة عن تنظيم  العلاقات بين الجماعات الإجتماعية، داخل المجتمع، الدولة عسكري مرور، فقط، أي لا يجعل السيارت تصطدم ببعضها، ويضع قوانين تضمن هذا الأمر.

المنظومة الإسلامية، هل الفكر الإسلامي قابل للتحديث؟ طبعا أنا فاهم الألم والجرح الغائر داخل السؤال, اذا تكلمنا عن فكر، لا يوجد فكر غير قابل للتحديث، الفكر هو صناعة بشرية، ولا يستثنى من ذلك الفكر الإسلامي، ليس لأنه حامل صفة إسلامي، أن هو نفسه ليس فكر، هو فكر، كما قلت في البداية، أنه يتقدم حينما يكون المجتمع ناهض، رأينا هذا في بداية القرن العشرين، ولما المجتمع يصاب بحالة ردة، الفكر نفسه يتقهقر، بمعنى أن الفكر تابع للمجتمع، وليس العكس، قد يبدو أن الفكر يحاول أن يصنع المجتمع الأن، لكن هو، الفكر الإسلامي ما كان في تاريخه في صراع بين الدولة على السلطة، لا. كان فيه حداثة في عصر الدولة العباسية، حداثة طبعا بالمعنى التاريخي، وليست حداثة بمعنى حداثة العصور الحديثة، كان فيه حداثة على جميع المستويات، التي خلقت على مستوى النقد الأدبي الصراع بين المحدثين والقدماء في الشعر، التي جعلت شاعر يقول

           قل لمن يبكي على رسم درس         واقفا ما ضر لو كان جلس

سخرية من التراث الشعري، التي خلقت الخمريات، التي خلقت الغزل بالغلمان، داخل منظومة الشعر، هذا شعر لا ينتمي الى الشعر الكلاسيكي، بالمعنى الإسلامي، الحياة في بلاط الخلفاء، عمر الخمر ما توقفوا عن شربها، طبعا الفقهاء قالوا حرام، لأكن الأحناف وجدوا حل، الحدثة أتت من أين؟ من الترجمة، العرب الذين خرجوا من الجزيرة العربية، من اجل أن يعملوا إمبراطورية، كان معهم من الإسلام بذرة، بذور، لم يكن معهم شجرة إسلامية، كان معهم بذور هذه البذور، زُرعت وأستنبتت في أراضي حضارية، وبالتالي كل الذين انغمسوا، المتكلمين مثلا معظمهم كانوا من الموالي، وليسوا من العرب. أريد أن أقول، الفكر قابل للتطور، وقابل للتجديد، قابل للحداثة.

 إنما أنت سؤالك عن الإسلام نفسه، لم يقل أحد ان الإسلام قدسية إلهية أبدا، قالوا أن القرآن لكن لم يقولوا الإسلام، فيه فرق بين القرآن وبين الإسلام، وأي باحث يعرفه، بين الإسلام وهو ظاهرة، صحيح نابعة من القرآن لكن ظاهرة أخذت شكل مؤسسات، كل هذا النقاش نقاش يدور، إذا أنت وضعت الإسلام كحالة شاذة، في تاريخ الأديان، وان لم تدرك أن الإسلام نفسه ليس إسلام واحد، لا في التاريخ ولا في الواقع الحالي، لأنك لابد أن تفكك الخطاب الذي يقول هذا، لأنه خطاب يستبعد التاريخ من فهمه، لكن إذا انت أخذت ما يقال عن الإسلام، باعتباره أن هذا هو الحقيقة، فأنت في مأزق في هذه الحالة، لكن اذا كان هذا في حد ذاته خطاب، هذا في حد ذاته فكر قابل للتفكيك، والنماذج الإسلامية المختلفة، في أندونيسيا في أفريقيا، في الهند في الشرق الأوسط، في أمريكا، في أوروبا، لا نستطيع أن نتكلم عن إسلام واحد، لا في الواقع الراهن ولا في التاريخ، وأنا طرحت فقط ما يسمى أربع رؤى في الفكر الإسلامي، طبعا المسألة أوسع من هذا.

 ليس هناك شكل للدولة، لا في القرآن ولا في الحديث، شكل الدولة الذي عمله العرب، كان شكل الدولة الموجود في هذا العصر، وهو الإمبراطورية، لا يزعل أحد من العرب أنهم أحبوا يعملوا إمبراطورية، الى أي حد كانت هذه الإمبراطورية محكومة بما يتصوره البعض بالإسلام، دائما هناك صراع بين الفقهاء وبين الخلفاء، وكثير من الفقهاء الأوائل على الأقل، رفضوا يعملوا عند السلطان، ولما الخليفة العباسي أراد أن يأخذ كتاب الإمام مالك، ويجعله هو الكتاب، قال له لا تفعل ذلك يا أمير المؤمنين، الناس وصلتهم أقوال أخرى. لما تلميذ مالك المصري عاد الى مصر، تعلم على مالك، قال عمل أهل المدينة بإعتباره أحد المراجع، قال له يا مولانا لا ينفع في مصر، عمل أهل المدينة لا ينفع في مصر، و الشافعي عدل في مذهبه…الخ. كل شي يخضع للتطور في التاريخ، سواء نتكلم عن الفكر الكلاسيكي أو عن الفكر الحديث، الخطاب الديني يزعم تثبيت الفكر، ويربط هذا الفكر بالإسلام بشكل، يجب تفكيكه، ولا يجب الإستسلام لهذه المقولة. إسلام المصريين ليس هو إسلام السعوديين، طبعا السعوديين أصبح لهم تأثير بحكم الهجرة …الخ. أنا عندما عدت أظن من اليابان، فوجدت الناس تقول في التليفون السلام عليكم، كنت “أُخض” طبعا السلام عليكم كلمة جميلة وليست شتيمة، إنما أنت متعود “الو، ازي الحال” انما السلام عليكم، واحد أتى لك من البادية، حتى تعودت طبعا، أي أن هذا التغيير هو تغير له منشأه، في متغيرات كثيرة جدا في المجتمع، وفي الواقع.

اهتم بعنصر الزمان وليس المكان، قد يكون هذا صحيح، اهتم بعنصر الزمان وليس بعنصر التاريخ، فارق كبير بين الزمان، والتاريخ، القدماء اهتموا بعنصر الزمان مثلا في مسألة أسباب النزول، أن هذه الآية نزلت بمناسبة كذا،إدراك لأبعاد زمانية، وليس ادراك لتاريخ، لأن لما يقول أن أسباب الآية نزلت في كذا وسببها كذا ومعناها كذا، يحول السبب الى حالة عامة، ومن هنا يجاوب على السؤال، هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب، فيعتبر أن المعنى عام. في الدراسات القرآنية هناك ادراك للزمان وليس ادراك للتاريخ الا في جوانب نادرة جدا، التاريخ ليس كخلفية للواقع، انما عنصر في بنية الواقع، جزء حي من نسيج الواقع، هو كما قلت كعب أخيل في الفكر الإسلامي الحديث، وإدخاله في الدراسات القرآنية مسألة مهمة جدا جدا، وممكن جدا أنها تساعد، في حل كثير من المشكلات.

أفاق الحل: عند ربنا سبحانه وتعالى، هذه هي الإجابة السهلة، لا يعلم الغيب الا الله، أفاق الحل أعتقد أنني قلت في الكلام، هناك قضايا فكرية أصبح تجاهلها أو الحوامان حولها، لا يصح، هناك قضايا لابد أن الفكر يدخل فيها، من ضمن هذه القضايا وليست قضايا الفكر الديني فقط، قضايا الفكر الإجتماعي، قضايا الفكر السياسي، قضايا الفكر الإقتصادي، يعني بنية الإقتصاد، وهنا سأتكلم عن مصر: بنية الإقتصاد في مصر، هي بنية إقتصاد إستثماري غير منتج، لا يُقدم فرص عمل، شكولاتة، سياحة، قرى سياحية، تعطي الدولة لرجال الأعمال مزايا ورائها فساد جم، وفي المقابل ليس هناك ضرائب، يعني إعفاء من الضرائب عشر سنوات، تعمل مشروعك وبع عشر سنوات تعمل مشروع آخر…الخ. ما هي البنية الإقتصادية أين الإقتصاد المنتج، في المناقشات في مجلس الشعب المصري حماه الله، أخذ شهرين مشغول بالحجاب والنقاب، والناس تموت في المراكب، والناس تحدث لها كوارث. محتاج أنك تكافح ضد هذه السلطة، محتاج للنضال السياسي المسلح بوعي، الناس تخرج في مظاهرات، وعلى الفيس بوك، الناس رشحوا شخص لرياسة الجمهورية على الفيس بوك، الفيس بوك هينتخب واحد رئيس جمهورية؟ وحسني مبارك وراءه حزب كامل، و وراءه الإخوان المسلمين، الإخوان المسلمين لا يستطيعوا تقديم مرشح، ولن يؤيدوا مرشح من أي حزب، طبعا سيتظاهروا بالصمت، وحين تصمت قيادات الإخوان، فالشعب الإخواني انتخب. لابد ان يكون هناك أفاق للحل، إجتماعية أقتصادية وسياسية، وجزء من أفاق الحل ما يعمله كثير من الناس.

البورجوازية وطبيعة السلطة، في الحقيقة أرى أن البرجوازية على الأقل في مصر، حتى لا أعمل تعميم، البرجوازية حاملة للفكر، كطبقة منتجة، حاملة للفكر الحداثي ومدافعة عن الليبرالية، لم تُوجد، وجدت طبقة وسطى، كانت عايشة عدة معارك، معركة ضد الإقطاع، ومن أجل أن تكسب معركتها ضد الإقطاع، كان لازم تتحالف مع الإستعمار، وهذا يسحب من مصداقية، هذه الطبقة في نظر حتى مثقفيها، محمد عبده وطه حسين ورشيد رضا، وعلي عبد الرازق، هم أبناء هذه الطبقة الوسطى، لكن تظل هذه الطبقة والوسطى مع سياسة الإنفتاح الإقتصادي ضاعت تماما. مصر الأن، أما مضقعين، وهؤلاء تسعين في المئة من الشعب المصري، بما فيهم أساتذة الجامعة غير الفاسدين. لأن جزء من انتشار الفساد، إمكانية الإنسان أن يجد حلول أخرى. وعشرة في المئة، طبقة فاجرة، وليست فاخرة، فاجرة، ويصل الفُجر بهذه الطبقة تعرف عدد الجوائز في العالم العربي التي تُمنح للرواية والشعر، كثيرة جدا، لاتوجد جائزة واحة للفكر، ملايين تُنفق، لايوجد غير مؤسسة اسمها ابن رشد في برلين، تعمل جوائز وغلبانة ليس عندها مال، حينما أعطوني الجائزة أعطوني ألفين وخمسمائة يورو، فقمت بالتبرع لهم بها في نفس الجلسة، لأنه فعلا محتاجين، ما أريد أن أقوله، ان البرجوازية كطبقة، البرجوازية هي التي عملت الحداثة في أوروبا. وما تزال هي الطبقة التي تعمل التغيير. لم توجد بشكلها، لأن مشكلة الحداثة، مشكلة الإضطراب في صورة أوروبا، لاحظوا أن صورة أوروبا حينما نقرأ روايات الفترة هذه، المرأة اللعوب، الجميلة جدا جدا، التي يريد الفرد أن يقيم معها علاقة جنسية، أقرأو روايات الطيب صالح، ويريد أن يقتلها في نفس الوقت، هذه هي صورة أوروبا، وهذه هي صورة الحداثة، ورواية توفيق الحكيم عصفور من الشرق، هذه هي صورة أوروبا وهذه هي صورة الحداثة، لأن الطبقة الوسطى على بعضها، كانت واقعة بين هذين الأمرين، تحرير المجتمع من سيطرة الإقطاع، لكن في نفس الوقت لم تندمج في تحرير المجتمع، من سيطرة الإستعمار، والملك…الخ. وبالتالي ظلت البرجوازية المصرية الى درجة كبيرة برجوزاية ذات جذور إقطاعية، ولذلك لم يكن غريب أن حزب الوفد حينما يُعاد إنشاءه، في عصر السادات، حزب الوفد الليبرالي، المعروف، لما يُعاد إنشاءه، يكون على زعامته أكبر إقطاعي في مصر، في هذا الوقت كان نائب رئيس الحزب، فؤاد سراج الدين، عليه رحمة الله. التحليل الإجتماعي هذا مهم جدا حتى نفهم ما هو دور الطبقة الوسطى، ما هو الفشل والإخفاق الذي أحدثته الطبقة الوسطى، لاتوجد طبقة وسطى الأن، وبالتالي أصبح النضال يأخذ أشكال أخرى، أشكال المجتمع المدني، لأن هذا بديل فكرة الطبقات.

تحليل التدخين في رمضان هذا ليس إجتهاد، البنا لم يقل فقط التدخين، بل القُبلة أيضا لا تُفطر، طبعا القُبلة بين الرجل وزوجته، فتفكر ما هو الدافع وراء هذه الفتاوى، يدخل في ذلك فتاوى مثل زواج المسيار، الزواج فريند، هذه الفتاوى تؤكد أن هناك أزمة في المجتمع، أزمات في المجتمع، التدخين مثلا، أي أحد يقول أن التدخين حلال ولا حرام، هو نفسه يحتاج أن يُعاقب، التدخين مرض، يجب أن نجعل الناس كلها تُشفى منه، إدخاله في الحلال والحرام، مسألة مزعجة، لكن الإجتهاد عند الشيعة، مرتبط بمفهوم لاهوتي، في الفكر الشيعي، ومفهوم لاهوتي يكاد يكون وحي هو أيضا، لأنه حسب اللاهوت الشيعي، طبعا تمت صياغته في عصور متأخرة, أن محمد عليه السلام أوحي إليه علمان، نوعان من العلم يعني، علم بثه في الناس، وهو السنة، وعلم لم يبثه في الناس، لأن الناس لم تكن مستعدة لهذا العلم، هذا العلم ورثه الأئمة، ورثة العلم، لاحظ أن السنة حينما يقولون أن العلماء ورثة الأنبياء، يعملوا نوع من رد فعل على وراثة العلم عند الشيعة، وهذا أيضا لا يمكن أن ندرس ما حدث في التاريخ من صياغات لاهوتية، دون أن ننظر الى صراعات الواقع، الذي كان موجود فيه، وبالتالي فالأئمة لهم حق الإجتهاد، لكن واقع الأمر أن الأئمة المتأخرين، هم يجتهدون في حدود أراء الأئمة السابقين، الكلاسكيين، ويجتهدوا ويتقبلوا الإختلاف باعتباره شيء طبيعي، ما دمت تقبل بمنطق الإجتهاد، لازم تتقبل منطق الإختلاف، إذا قلت الإجتهاد بشرط عدم الإختلاف، اذن أنت تلغيه، هذا الشرط نفسه يلغيه، وبالتالي إختلاف المرجعيات، في المنظومة الشيعية، أنت ممكن تتبع مرجعية، مرجع، فكرة المرجع في الفكر الشيعي، لكن ممكن تغير المرجع، هذه الحيوية في الفكر الشيعي، التي تتعرض الأن لمحاولات تجميد، من خلال النظام الإيراني، هذه الحيوية لا توجد في الفكر السني، أنا أعتقد أنها حيوية، وأعتقد الى أنها حينما تصل الى أن واحد يحلل التدخين وواحد يحرمه، الإثنين يحتاجون الى الأدب حقيقة، في رأي، لأن هذا خارج منطق الحلال والحرام، هذا خارج منطق الصحة، مختلف جدا عن مسألة الحلال والحرام.

وهذه ليست نكتة، أن الشيخ بن باز، كانوا في إجتماع في القصر الملكي، وكان حاضر الإجتماع الشيخ محمود شاكر، ومحمود شاكر مدخن شره، فالشيخ بن باز شم رائحة الدخان، فقال من الكافر الذي يدخن، فالشيخ شاكر قال له أنا يامولانا، فسقط صمتا، لأنه لا يستطيع تكفير الشيخ شاكر، لأن شاكر هذا من أساطين العلماء والفقهاء المحدثين، أنا أحيانا طبعا لأن زوجتي تدخن، وصحتها طبعا تعبانة، وأنا كنت أدخن أيضا وتوقفت من زمان، فأمزح معها وأقول، أن المدخنين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا، هي طبعا تعرف أن هذه ليست آية قرآنية، هي تعرف أن المبذرين، لكن أمام كثير من الناس يقولوا الله هل هذه في القرآن، ناس مثقفين متعلمين، فيه قضايا كثير جدا جدا، أن ندخلها منطقة الحلال والحرام هذا في ذاته تخلف فكري، فيه قضايا كثير جدا ليس لها علاقة بالحلال والحرام، وقضايا على الناس أنها تفكر فيها، وأنتم تذكروا حكاية الذبابة مثلا، حتى نختم بنكتة، حكاية الذبابة، “إذا وقعت الذبابة في إناء أحدكم” يغمسها فيه لأن في جنحها الداء وفي جناحها الثاني الدواء، كشباب أشقياء، أنا وزملاء لي، كنا نسأل الداء في اليمن أم في الشمال، أحد الطلبة في السودان سألني هذا السؤال، الطلبة للأسف يعتقدوا أني مفتي مادمت أدرس الدراسات الإسلامية، فقلت له يا بني إن لم يكن عندك غير هذا الطبق إغمسها وكل. إذا كنت تقدر أن ترميه وتأتي بطبق ثاني، من الأحسن ترميه. دخلت في الفقر، الفقر الذي يحلل أكل الحرام، لازم تأخذ القضايا أبعد من إما حلال وإما حرام. وتحرر الناس.