تطوير الخطاب الديني، أم تجديد الفكر الديني .. أم ماذا، وكيف؟

تطوير الخطاب الديني، أم تجديد الفكر الديني .. أم ماذا، وكيف؟ )

نبيل عبد الملك*

(*) رئيس المنظمة الكندية المصرية لحقوق الإنسان.

      بدأ الحديث عن تطوير الخطاب الديني فى مصر مُجدداً، منذ أكثر من سنتين، بعد أن كلف الرئيس حسني مبارك المؤسسة الدينية الإسلامية بتأدية هذه المهمة. ولقد تواكبت هذه الدعوة مع تيقن الدولة من ضرورة إجراء حركة إصلاح مجتمعية شاملة، على المستويات الإقتصادية والسياسية والثقافية، وغيرها.

     وبديهي أن أية دعوة إلى أي فعل لابد أن تنطلق من حاجة، او موقف أو مشكلة –  وهو ما يشكل  فى ذات الوقت دوافع قائمة وملحة – تبحث عن حل يتناسب و تلك الحاجة، أو علاج يتعامل بكفاءة مع تلك المشكلة للتغلب عليها.

     والسؤال الذي يفرض ذاته هنا : ما هي يا تُرى الدوافع الحقيقية التي حدت بنا للمطالبة والعمل على تطوير الخطاب الديني، تحديداً، وبمبادرة كان قد أعلنها رئيس الدولة ذاته؟

     لاشك أن شمولية الإجابة على هذا السؤال – أي تحديد  الدوافع الحقيقية الى تطوير الخطاب الديني –  يشكل الخطوة الأساسية نحو الإنطلاق إلي تحديد الأهداف/ الحلول وإستخدام الوسائل الضرورية لتحقيقها.

     ومن تحليل الكم المتواصل مما تنشره الصحف المصرية، وبعض الكتب التي تناولت هذا الموضوع، يبدو أن من بين أهداف “تطوير الخطاب الديني” – عند أغلب من كتب فى الموضوع – هو تصحيح صورة الإسلام في العالم، أو الرد على من يهاجمون الإسلام كدين وثقافة ونظام قيمي، بالإضافة إلي الرد على من يدعي أن الثقافة الإسلامية هي التي أفرخت الإرهاب المتربص بالغرب، وأن العالم مقبل على مرحلة صراع بين هذا الإسلام والحضارة الغربية، كما يقول البعض الآخر!

   والملاحـظ أن المحتوى العام للرد الإسـلامي، على ما يُصدر ويُقال عن الإســلام فى الغرب، يغلب عليه الطابـع السجالي التبريري وينحو إلي تمجيد الماضـي، أكثر مما يحـاول مواجـهة الواقـــع الثقافـيفى المجتمعات الإسلامية بالتحليل الأمين والموضوعي للخروج من الأزمة الفكرية التي تعيشها تلك المجتمعات. وتلك هي المشكلة، أكثر مما يدعيه بعض الكتاب فى الغرب.

     ولذلك فأغلب الردود التى تنطلق لاتصيب الهدف، بل ولا تمس صميم المشكلة ذاتها. ولذلك أيضا يبدو لى أن الحل ليس في “تطوير الخطاب الديني”  Development of Religious discourse، بمفرده، لمجرد عرض صورة طيبة ومبسطة عن الإسلام لجذب الناس إليه، كما يرى البعض. إنما هي قضية ثقافية أعرض مساحة من المكون “الفكري الديني”، على الرغم من محوريته.

     وتلك حقيقة لم تغب عن بعض المهتمين بالفكر الإسلامي، من العرب وغير العرب، من زمن طويل. كما لم تغب عن بعض المهتمين  بشئون الثقافة المصرية والتعليم، وهو ما تشهد به الأنشطة الثقافية والعديد من الكتب التي تصدرها الهيئة العامة للكتاب و بعض دور النشر المصرية. وهو إتجاه – لاشك – يحتاج لمزيد من الدعم والتنسيق على مستوى الدولة مع مؤسسات المجتمع المدني بكافة فئاته وتخصصاته الفكرية – بما فيها المؤسسات الدينية – حيث يكون التركيز على الجوانب العلمية الحديثة، والإنفتاح على الفكر الإنساني  المتعدد الجوانب، وإطلاق حرية الفكر والإبداع. هذا، مع السعي – وفى خط موازٍ –  فى إجراء الإصلاحات المجتمعية الأخرى: الدستورية والسياسية، لإرتباطها جميعا، وتأثير الواحدة منها على الأخرى.

      على أنني، وففيما يتعلق بالمسألة الثقافية والتنسيق – المشار اليه – على مستوى الدولة، أرى ضرورة وضع خطة إستراتيجية تتولى وزارة الثقافة متابعة تنفيذها، وقياس آثارها الفعلية. ويبقى “تطوير الفكر الإسلامي” و”تطوير الفكر المسيحي”   ضمن هذه الخطة، حتى نضمن صياغة رؤية ثقافية مصرية معاصرة ، تمكننا من التصالح مع الذات والعالم، فتؤهلنا لمواجهة تحديات اليوم،والإنطلاق إلى مستقبل أفضل.

     معالجة موضوع تطوير، أو تجديد، الفكر الديني بالشكل المطروح هنا، قد يعطى القارئ الإنطباع بتشعب الموضوع، وبالتالي بصعوبة تحقيقه. وهذا هو الواقـع بالفعـل. على أن إدراك هذه الحقيقة بكل ما يتعلق بها من تفاعلات مستقبلية تمس صميم وجودنا لاتترك لنا الخيار فى مواجهة التحدي لإحداث الإصلاح الواجب من أجل البقاء فى عالم الغد القريب.

     وفي إطار عملية تطوير الفكر الإسلامي و الفكر المسيحي  في مصر، وهو بلا شك من المحـاور الهامـة فى عملية التطوير الثقافـي للأمـة المصريـة، كما سبق وقلت، أود ان أعرض النقاط و الخطـوات العملية الآتية، وهي تستهدف علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقته بالدولة والعالم، دون التعرض للعقائـد الدينــية أو طقوس أتبـاع كل ديانـة.  فمثل هـذه الأمـور تتعلـق بالضمير  الشخصي للإنسان، ولذلك فهي تستلزم الإحترام المتبادل من أتباع كل الديانات والعقائد على إختلافها.   

     ومثل أية خطة أو إستراتيجية ناجحة، ينبغي التركيز أولا على المبادئ الحاكمة، أي الفلسفة التي تقوم عليها تلك الخطة. ومن هذه المبادئ ننتقل إلى البحث في الأهداف وآليات تحقيقها.

    وأرى ان أول مبادئ، هذه الإستراتجية، وهو الإطار العام الحاكم لها، هو إستقلال المؤسسات الدينية على إطلاقها عن الدولة. وبمعنى آخر، تبنّي علمانية الدولة وديمقراطية الحكم. ولعل الخبرة الإنسانية على مدى التاريخ، وحتى اليوم، تشهد أن محاولات المزج بين المقدس/المطلق والسياسي/المتغير لم تجلب إلا التطاحن والتناحر بين طرفي العلاقة.  الأمر الذي أساء إلى كل من الدين والبشر.

     والملـفت للنظـر انه على الرغـم من أن جميع الأديـان – بما فيها الإســلام – قد نشـأت منفصلة عن السياسة والحكم، إلا أن الدين والسلطة إرتبطا معا، فيما بعد، بشكل أو بآخر ولأسباب من صنع البشر. وعلى الرغم من أنه قد نشبت حروب تحت رايات الدين بين دول، كما قامت حروب مذهبية بين جماعات تنتمي إلي ذات الدين، إلا أن العالم الإسلامي، في أغلبه، لايزال يرفض فض الإشتباك بين السلطتين، أو أنه لم يتمكن من الخروج من دائرة التناحر التي ربطتهما‍.‍ الأمر الذى أدى بنا إلي ما نحن فيه من تأخر في مجالات الحياة، إذا ما قارناها بما وصل إليه غيرنا من الشعوب والدول، و كذلك ما أصابنا منحيرة  في حياتنا الروحية وما تعرض له الإسلام من تشويه لم يحدث عبر التاريخ.

     ولذلك نرى أن علمانية الدولة، أي حيادها تجاه الأديان بوجه عام، هي المدخل للحرية بكل أشكالها: الدينية، والفكريـة، والعقيديـة، والسياسـية أيضا. فعلى أساس من هذه الحريـة تنشأ الديمقراطية كآلية للحكم، وتداول السلطة سلمياً، دون اللجوء إلي العنف كوسيلة لفرض سلطة ما  بحجة أنها حكم الله،. وعلى أساس من هذه الحرية تتعايش الجماعات الوطنية متعددة الأديان والعقائد والرؤى السياسية دون وصاية أو قهر من جماعة على أخرى. وعلى أساس من هذه الحرية يبدع العقل دون حجر أو قهر أو ترهيب. وعلى أساس من هذ الحرية، ايضاً، تتعايش وتتعاون الشعوب والدول علىإختلافها من كافة الوجوه. 

     فإذا كان بين أهدافنا الأساسية لتطوير الفكرالديني سلام العالم والتعايش البنّاء بين الشعوب والدول متعددة الثقاقات والأديان، اليوم وغداً، وجب علينا أن نبدأ من أرضية الدولة المدنية/ العلمانية.

     وإذا كنا نتحدث هنا عن مصر، كمثال، وإننا فعلاً نعني ما نقول، أرى ان تحديث الفكر الديني يستلزم وجود المبادئ العامة الآتية، وهي تمثل الأرضية الصالحة للتحديث المأمول والمؤدي إلى الأهداف التي أشرنا إليها سلفاً :

  1. أن لا يكون هناك خلط بين الدين والسياسة، أو المؤسسات الدينية والدولة. ولنكون أكثر تحديداً، وعلى سبيل المثال، يظل الدين هو المرجعية الدينية الأساسية بالنسبة لكل طائفـة فيما يتعلق بالـزواج والطلاق وكل ما يتعلق بالأسرة طبقاً للتعـاليم الدينـــية الخاصة بكل طائفة. على أن مبدأ الحرية وطبيعة الدولة المدنية تستلزم سن قانون زواج مدني إختياري، بجانب قوانين الأحوال الشخصية.
  2. الإلتزام الكامل بمبادئ حرية الدين والعقيدة والفكر طبقا للمفاهيم الإنسانية الواردة بمواثيق الأمم المتحدة، وتطبيق قواعد وإجراءات عامة واحدة فى حالات تغيير الدين. ويمثل هذا البند نقطة محورية في عملية تحديث الفكر الديني. فالإحترام المطلق لكرامة الفرد المرتبطة بحرية ضميره هي التعبير الصادق عن حالة الحداثة الرافضة لكل صور الإكراه.
  3. فى مجتمع ديموقراطي تعددي لا تتدخل الدولة فى الشئون الدينية لأية طائفة أو مجموعة دينية؛ بل يحكم العلاقة بين المؤسسات الدينية والدولة دستور البلاد وقوانين مدنية تُعامل بموجبها الطوائف الدينية على قدم المساواة. وعلى ذات المنوال، ينبغي أن تسير المؤسسات الدينية الروحية، إذ لا ينبغي أن تقوم بأي نشاط سياسي.
  4. أن قبول التعددية الفكرية والدينية على المستوى الوطني هو معيار أساسي، ودليل واضح لقبول التعددية والحوار مع الآخر الأجنبي والتعايش بين الدول، وهو في ذات الوقت عامل إيجابي لقبول وإندماجالأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية.
  5. إصلاح نظام التعليم الجامعي (غير الديني) المقصور على المواطنين المصريين المسلمين (والتابع لمؤسسة الأزهر) بحيث يتيح لكل المواطنين المصريين – بصرف النظر عن الدين – فرصة الإلتحاق به. وإعمالا لمبدأ حرية البحث الأكاديمي، يصبح من حق كل شخص يلتحق بهذه المعاهد التعليمية لدراسة العلوم المدنية الحديثة أن تتوفر له فرصة دراسة ما يود من العلوم الإسلامية والمسيحية، مثلما يحدثفى كل جامعات العالم.
  6. الإهتمام بدراسة مادة الدين المقارن على أسس علمية موضوعية، مع التركيز على نقاط التلاقي بين الأديان الكتابية في المبادئ العامة والجوانب الأخلاقية التي تؤكد على دور الإنسان فى المجتمع وتنميته، و رسالته نحو العالم وسلامه.
  7. تدريس مادة حقوق الإنسان فى كل المعاهد الدينية الإسلامية والمسيحية، وإكتشاف الأسس الأخلاقية والقانونية النابعة من الأديان والمتفقة مع هذه المبادئ والقوانين الإنسانية المعاصرة.

 

     بعض هذه المبادئ يمكن أن يحتويه الدستور، والبعض الآخر يمكن أن تشمله  قوانين أو قرارات رسمية، لتُشكل معاً الإطار الفلسفي للفكر المصري الباعث لنهضة الوطن، والقادر على التعامل مع العالم المتطور دائماً.

     فبدون تلك المبادئ، والإلتزام بها، يصبح الحديث عن تطوير الفكر الديني، مجرد حديث، يصعُب تحويله إلى واقع ملموس. أما آليات تحديث الفكر الديني، بتفاصيلها، فهو موضوع آخر سنتناوله فيمقال ثان. 

____________________

المدخل إلى التجديد

بديهي ان تتكون آلية تحديث الفكر الإسلامي – أساساً – من برامج تعليمية وتربوية تحوي ما يتناسب من النقاط التي ذكرناها فى المقال السابق(1)، وتسترشد بدراسات المتخصصين –من ليبراليين- فى حقول التربية والتعليم والإجتماع والقانون،  بل والسياسة أيضاً، دعماً لإسهام أساتذه الدراسات الإسلامية الليبراليين من المهتمين حالياً بالموضوع. فالحديث عن تطوير الفكر الإسلامي على يد المنتمين إلى التيار الأصولي وبالرجوع إلى صياغات تاريخية حتى وإن كانت من إنتاج أساطين الفكر في أيامها، لا يصلح للقيام بهذه المهمة التي أصبحت اليوم  أكثر تعقيداً.

أن تجديد الفكر الإسلامي يتطلب بداية وإتجاه جديدين يعتمدان على رؤى معاصرة نابعة من أرضية فكرية إنسانية، قادرة على التعامل مع واقعنا المعاش بما فيه من تحديات جديدة.  يقول المستشار طارق البشري: “.. إن مناط الحكم على الفقه بالتطور  … يتأتى من قدرة الفقه على أن يستجيب للتحديات التى يفرضها الواقع والتاريخ فى زمان ومكان معينين على الجماعة، وأن تكون الاستجابة بما يحفظ مصالح هذه الجماعة.”(2)

والواقع أن هناك عدد كبير من المفكرين الذين أدركوا حقيقة عجز التراث الفقهي الإسلامي عن التعامل مع الواقع الحالي، بعد أن درسوه دراسة نقدية موضوعية عميقة، الأمر الذى حدا بهم إلى محاولة صياغة رؤى جديدة تكشف لنا عن مبادئ (أو جوهر) الإسلام المتفاعل مع الإنسان عبر الزمان والمكان، من خلال فكر إسلامي متجدد، قادر على التعامل مع متطلبات العصر.

ومن رجالات القانون والقضاء المصري، الذين لهم باع طويل في تجديد الفكر الإسلامي، المستشار/ سعيد العشماوي الذي صدر له العديد من الدراسات العميقة فى الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، بيّن فيها كيف تم الخلط بين الشريعة والفقه، وإدراجمها معاً تحت إصطلاح الشريعة، وهما فى الواقع فقه !

يقول المستشار/ العشماوي في حتمية تطوير الفقه الإسلامي، مثلا:  “ولا بأس من الإجتهاد ووضع أحكام جديدة تلائم الظروف المتغيرة، بل إن الاجتهاد بالرأى ومسايرة الأحكام لمقتضى التطور الإجتماعي هو هو معنى الشريعة …” بل ويضيف، قائلا: “.. متى كان الشخص عادلاً تقياً فإن له أن يُحدث من الأحكام – على المستوى الفردى أو المستوى العام – قواعد جديدة تلائم حوادث جديدة لم تحدث على عهد النبي وإبان التنزيل ..”.(3)

ومن هؤلاء الأساتذة والعلماء الأفاضل من المتخصصين والمشاركين فى عملية التحديث هذه: الدكتور/ محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقـاف المصري الحالي، الذي كثيرا ما كتب في موضوع حقوق الإنسـان والإسـلام، فقدم رؤية تتوافق إلى حد كبير مع منظومة حقوق الإنسان الدولية. كما كتب الدكتور/ أحمد كمال أبو المجد، وهو أحد رجالات القانون ووزير الإعلام المصري الأسبق، فى نفس الموضوع، كما قدم، فى كتابه “حوار لا مواجهة”،(4) رؤية إسلامية جديرة بالنشر على أوسع نطاق، دعا فيها إلى ممارسة الإجتهاد فى فروع الإسلام وأصوله على السواء، فى مواجهة عناصر الجمود …. ، معتمداً فى ذلك على دور العقل فى تفسير النص المقدس، بدلا من الإعتماد على النقل من الماضي الذي لم نصنعه.

ولا تقتصر محاولات التجديد المعاصرة التي كانت قد بدأت منذ عقدين على مفكرين مصريين، بل شملت غيرهم من بلاد عربية وإسلامية أخرى. ولا يسمح المجال هنا بذكرهم جميمعا، لذلك أشير إلى بعض الأمثلة. فالدكتور/ فضل الرحمن، الباكستاني الجنسية، وأستاذ الفكر الإسلامي بجامعة شيكاغو، يرى أن تجديد الفكر الإسلامي يبدأ ويمر من خلال النقاط الهامة الآتية(5):

  • دراسة القرآن فى كليته وفي خلفيته الخاصة (والقيام بهذه الدراسة بشكل ممنهج فى نظامه التاريخي)، وليس فقط فى دراسته آية آية، أو مقطعاً مقطعاً، عبر دراسة منعزلة لشئوون النزول أو أسبابه أو مناسباته.
  • دراسة الحديث دراسة نقدية، مع الأخذ فى الإعتبار أن كل شئ يمكن أن يفسد من جراء عبث الدهر به.
  • دراسة العلوم الإسلامية بشكل منهجي نقدي ترينا بكل وضوح مسار الإسلام (التاريخي) كما بنته أيادى المسلمين، في ضوء فهمنا للقرآن بعد دراسته في كليته.

أما الدكتور/ محمد أركون، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السربون، فقد إتجه بدراسة القرآن إلى المنحى اللغوي النقدي، مسترشدا فى ذلك بالدراسات الكتابية (الكتاب المقدس) فى الغرب، وفيها إعتمد على علم الإنسان  Anthropology ، “الذي يُخرج العقل من التفكير داخل السياج العقائدي المغلق إلى التفكير على مستوى أوسع بكثير، أي على مستوى مصالح الإنسان، أي إنسانٍ كان، وفى كل مكان ….”.(6)

كذلك، يلفت الدكتور/ أركون نظرنا إلى أن هذا الأسلوب النقدي سوف يخلق طفرة معرفية فى تحليل الخطاب الديني عامة، “ولكن هذه الطفرة لا تمس العقيدة فى محتواها وممارستها، وإنما تحيلها إلى مستوى أوسع ومنظومة معرفية أكثر تفتحا وأشمل إحاطة بما أضافته الحداثة العلمية من نظريات وشروح وتأويلات وإكتشافات ووسائل إحقاق الحق والحقيقة.”(7)

ويبدو من مثل هذه الدراسات الرائدة فى تحديث الفكر الإسلامي، وليس مجرد الخطاب الديني، إننا على عتبة عهد جديد، يمكن أن تتغير فيه الحياة الفكرية بكل جوانبها، ليس فقط الدينية بل والسياسية أيضا، فى البلاد العربية والإسلامية.

 

هل يمكن أن يتصالح الإسلام مع العصر؟

هناك العديد من الدراسات، الحديثة المتعمقة، التي تبين إمكانية تصالح مبادئ الإسلام العامة مع نظريات ومفاهيم سياسية حديثة، كالديموقراطية والحرية والمساوة والعدالة فى مجتمع متعدد، غير ثيوقراطي من قريب أو بعيد.  وقد إنتهى من قام بهذه الدراسات الجادة إلى هذه النتائج بعد دراسة القرآن دراسة منهجية منفصلة عما جاء به معظم المفسرين والفقهاء المسلمين فى عصور تلت عصر النبوة، من جهة، وبعد أن فصلوا عن مبادئ الإسلام  ما ورثه المسلمون من عادات وإعراف متعارضة مع تلك المبادئ، من جهة أخرى.

فعلى عكس إعتقاد فريق من المسلمين بأن الديمقراطية –كنظام حكم- بدعة غربية تتعارض مع الإسلام – كدين و دولة، يرى مسلمون آخرون إمكانية قيام نظام حكم ديموقراطي مدني فى المجتمع الإسلامي.  وإن كان كلٍ من الفريقين يؤسس دعوته – كما هو الحال فيما يتعلق بمسائل أخرى – على أسس إسلامية، إلا أن الفريق الداعي الى الديمقراطية يؤكد صحة رؤيته  مُذكراً بأن “فلسفة الإجتهاد في الإسلام تُبنى على مكونات التعدد فى الإطار الشرعي، وهذا فى حد ذاته إقرار بالتعددية فى التصور والرؤية والمنهج. ومن هنا فإن كان الإجتهاد الذي يؤسس لمشروعية الإختلاف والتنوع والتعدد فى مسائل الفروع فى الفقه والشريعة الإسلامية ممكناً، فمن الأولى أن يكون ممكناً فى المسائل المرتبطة بالحياة والمجتمع.”(8)

أن يدور الآن الجدل الفكري داخل العالم الإسلامي – وفى قلبه مصر – حول قضايا إجتماعية وسياسية وثقافية معاصرة على خلفية دينية فى مواجهة خلفية أخرى عصرية غير معادية للدين – بحثا عن حلول عملية لتحديات جديدة – هو أمر يمثل مرحلة هامة فى عملية التحول الديموقراطي. ومع ذلك هو جدل لن يُحسم إلا من خلال الممارسة الديموقراطية فى المستقبل السياسي المأمول حيث تتعايش  مختلف الجماعات وتتلاقح كافة التيارات الفكرية من أجل التعايش البنّاء، دون عنف أو أكراه.

الإجابة على هذا السؤال لا تزال فى طور الصياغة، وهي بكل تأكيد تتطلب توفر عوامل أخرى أكثر من مجرد موائمة جوهر الإسلام مع الحداثة أو ما بعدها. ولذلك لا يستطيع المرء أن يتحدث إلا عن إمكانية التوائم والمصالحة .. والتطوير.

الشئ الوحيد الذي يمكن أن يدعم عملية التطوير هو إننا فى بداية مرحلة تغيير ستتسع مساحتها الجغرافية فى عالم بلا حدود، وستتعمق جوانبها الثقافية فى زمن إزدياد المعرفة بسرعة الزمن الحاضر، تحت قوة ضغط تحديات الواقع.

 

الحريــة للجميع هي محور التغيير

أما عن إمكانية التمتع بالحرية فى المجتمعات الإسلامية الحديثة، فقد خلُص الفيلسوف ريشارد ك. خوري، عبر دراسته المنشورة فى كتابه “الحرية والحداثة والإسلام” إلى أن: الحرية (بشقيها الإيجابي والسلبي) لا تقوم فقط على العقلنة والعصرنة والتحديث العلمي، إنما تتوقف على المدى الذى يُسمح فيه للفـرد بالإزدهـار فى كل جوانب الحيـاة الإنسـانية، ماديـا وروحيا وفكريا. ومثل هذه الحرية لا يمكن ضمانها إلا فى مجتمع يقبل التعدد بكل أنواعه، وإلا فسيسيطر عليه الدوغمائيون ويفرضوا على كل أفراده ما يتصورونه “الطريق الأفضل”، وهذا هوالحادث الآن – بدرجة أو بأخرى – فى البلاد العربية والإسلامية.

و يرى الدكتور/ خورى، مثل العديد من المفكرين العرب والمسلمين المهتمين بتجديد الفكر الإسلامي أن  مصدر المشكلة فى التفاسير الإسلامية الجامدة التي سمحت للسطحية الدينية بالسيطرة على العقل الجمعي، وبالتالي أدت إلى إنتشار التطرف، وشيوع السلبية فى مواجهة الإستبداد، وفى النهاية الإصرار على ربط الإسلام بالدولة الحديثة، الأمر الذى لم يخدم الإسلام كدين إنما، على العكس، أضعفه.

ولكي تتحقق حرية أكبر فى العالمين العربي و الإسلامي، لكل مواطنيه مسلمين وغير مسلمين،  يؤكد الدكتور/ خوري أنه لا مفر من أن يأخذ المسلمون موقفا إيجابيا من الحداثة بعد أن تغلغلت فى معظم المجتمعات. وخصوصا أن الواقع الاقتصادى، وثورة الإتصالات وإتساع رقعة العولمة، تدعم من قوة الحداثة وتأثيراتها على كل المجتمعات. فمن خلال هذا الموقف وفي هذا المناخ الجديد  – الذي يشكل فرصة للإسلام –  يمكن إظهار قوته فى المجال الأخلاقي الروحي  ليساهم فى إزدهارالحرية بكل تجلياتها.(9) وهو الأمر الذى حدث مع المسيحية بعد حركة الإصلاح البروتستانتية.

ويبدو من هذا التحليل أن التغيير فيما يتعلق بمبدأ الحرية -حرية الفكر والعقيدة والتعبير والإبداع- يتطلب تدخلاً سياسياً، خارج النطاق الفقهي السائد اليوم، حتى تكون الحرية مطلقة، وحسب المفهوم الإنساني المتعارف عليه حالياً، وهو فى الواقع مفهوم يتفق مع ما جاء فى القرآن بتكرار واضح، إلا أنه لا يزال – وبكل أسف – مقيداً حتى عند الغالبية العظمى من الإصلاحيين.

وفى خط فكري مشابه، ولكن على مساحة أوسع تشمل كل الأديان، يقدم الباحث المسلم الجنوب أفريقي، فريد إساق، فى كتابه “القرآن والتحرر والتعددية”(10) رؤيته الأكاديمية والعملية في كيفية تطبيق فكر إسلامي إصلاحي فى مواجهة الظلم بكل أشكاله السياسية والإجتماعية.

وكما فى كل الدراسات الجادة الساعية إلى تجديد الفكر الإسلامي وتصالحه مع العالم المعاصر، و فى مواجهة التحديات التى تواجه الإنسان والعالم، كان إتجاه هذا المحاضر الجامعي نحو تأويل النص القرآني، بشكل منهجي ونقدي، ليُقدم لنا رؤى هامة تحتاجها الشعوب الإسلامية للخروج من الأزمة التي تعيشها اليوم، ولكي تتمكن من تعاملها مع الآخر –  غير المسلم –  من أجل التغلب على التحديات الإنسانية الكبرى.

في هذه الجزئية، يقدم لنا الباحث رؤيته، وهي تتفق مع باحثين آخرين ومفسرين مجددين، حول معاني إسلام ومسلم، وإيمان وكفر. ويخلُص من دراسته للقرآن بأن كلمة “مسلم” لا  تعني بالضرورة المسلم، المولود في الإسلام، بل  إنها تشمل أيضا كل إنسان مؤمن بالله (وخاضع له)، وخصوصا أتباع الديانات الكتابية الأخرى.

ولقد إستشهد الباحث بعدة آيات قرآنية تؤكد على هذه المعاني، ومنها: “قولوا آمنا بالله وما أُنزل على إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون” (البقرة – 136)

وعلى نفس المنوال، يتناول الباحث معنى كلمة “إيمان” وتعنى – بالإضافة إلى معان آخرى – الإعتراف بالله والثقة فيه، وترجمة هذا الإيمان وإرتباطه بالأعمال الطيبة، سواء كانت كثيرة أو قليلة. الأمر الذى الذى يبين –  كما يقول الباحث – أن هناك درجات للإيمان؛ وهو في النهاية يشكل علاقة روحية شخصية بين الإنسان والله، ولا يستطيع غيره تعالى قياس مدى قوة أو ضعف هذه العلاقة.  أما كلمة “كُفر”، فلم يكن معناها الأول فى القرآن “عدم الإيمان”، إنما “التنكُر لنعمة الله وجحدها.”

ومن الآيات القرآنية التي تؤكد على هذه المعاني، نذكر: “إن الذين آمنوا والذين هادوا، والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، فلا خوف عليهم ولا هم يجزنون” (المائدة – 69).

والسؤال الذى يجب أن يسأله المسلمون لأنفسهم، فى ضوء هذه الآيات هو: إذا كان هذا هو رأى القرآن الكريم فى المسيحيين واليهود والصابئين وغيرهم، فلماذا تمنع بلاد إسلامية عديدة إقامة الكنائس والمعابد، أو تعرقل إقامتها، بينما يتمتع المسلمون بالحرية الكاملة فى إقامة المساجد فى قلب العالم الغربي لتُعد بالآلاف، بالإضافة إلى المؤسسات التعليمية الإسلامية؟

ألم يحن الوقت بعد للتعامل مع الآخر بالمثل Reciprocity حتى نثبت حقاً إيماننا بالحرية والعدالة والمساواة والتعايش، بدلا من ممارسة القهر والظلم والتعصب، على أسس يأباها الدين والخلق الطبيب، والسياسة الحكيمة؟

أننى هنا أشير – من جانب ما – إلى موضوع الحوار والتعايش بين الأديان والدائر الحديث حوله بين بعض الرموز الدينية، ولكن يكاد يتسم بالسجال الساخر.

من هذه النقطة، نصل إلى الفصل الأخير، من كتاب الدكتور/ فريد إساق المشار إليه، وتحت عنوان “التضامن بين الأديان من أجل العدالة” يبيّن الباحث كيف تم هذا التضامن على أرض الواقع، وقت الفصل العنصرى في جنوب إفريقيا، من أجل التخلص من ظلم حكم الأقلية البيضاء العنصري. ويذكر أن حادثة تضامن مسيحي الحبشة مع أول المسلمين اللاجئين إليها فى صحبة نبي الإسلام(فى القرن السابع الميلادي) كان من ضمن الأحداث التاريخية التى إعتمد عليها المسلمون الأفارقة للتضامن مع الأغلبية السوداء ( مسيحية وغير مسيحية) من أجل تحرير الجيع!

هذه مجرد بعض أمثلة لقضايا وموضوعات هامة تناولها العديد من دارسي العلوم الإسلامية والمثقفين، مسلمين ومسيحيين، على مدى يقرب من العقدين، لإعادة قراءة التراث الإسلامي، قراءة متحررة من نوازع السياسة وظروف الزمن، وصولا إلى إكتشاف روح النص المتفقة مع الفطرة الإنسانية والمنفتحة على الإنسان، كونه إنسانا بغض النظر عن جنسه ولونه وعقيدته.

إنها رؤى تستحق الإهتمام الرسمي والشعبي على أوسع نطاق داخل البلاد العربية والإسلامية، ليس فقط على المستوى الفكرى النظرى، بل بالأحرى على المستوى العملى المعاش، حتى تأتي بالنتائج المرجوة،، وأهمها نشر التسامح والسلام، حجر الزاوية فى عملية التنمية البشرية الشـاملة على المستويات السياسـية والإقتصادية والإجتماعية، إعمارا للأوطان وتقدما لها، ومشاركة مع بقية الأسرة الإنسانية فى بناء عالم أفضل.

_________________________________

(*)  رئيس المنظمة الكندية المصرية لحقوق الإنسان، حاصل على درجة الماجستير فى الدراسات الإسلامية والدينية من جامعة  ماكجيل بكندا..

 

(1)  نُشر الجزء الأول من هذه الدراسة على موقع شفاف الشرق الأوسط بتاريخ  1  يناير 2005

(2) المستشار طارق البشري، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي فى التاريخ المعاصر، (دار الشروق، 1996)، ص 50

(3) المستشار/ محمد سعيد العشماوي، الشريعة والقانون المصري (دار الشروق،

(4) د.. أحمد كمال أبو المجد، حوار لا مواجهة، (دار الشروق، 1988)

(5) د. فضل الرحمن، الإسلام وضرورة التحديث، (دار الساقي، 1993)، ص 212 – 222

(6) د. محمد أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، (دار الطليعة، 2001)، ص 6

(7)  نفس المرجع، ص 7

(8) زكي الميلاد، الفكر الإسلامي: قراءات ومراجعات (مؤسسة الإنتشار العربي، 1999)، ص 26 – 27

(9) Richard K. Khuri, “Toward Greater Freedom in the Contemporary Arab Muslim World,” in Freedom, Modernity, and Islam, (Syracuse University Press, 1998), pp. 277-279.

(10)  Farid Esack, Qura’an, Liberation & Pluralism, (One World Publications, 1997)

Advertisements